إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • افتراع المعاني (مقالة مهداة إلى المشرف العام بمناسبة حصوله على الدكتوراه)

    [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم [/align]
    الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على رسوله المصطفى وآله وسلم وبعد

    فإن العلم نور من الله يهبه لمن يشاء من عباده المؤمنين ، ولاشك أن من أشرف العلوم علوم كتابه تعالى لشرف المعلوم ، وكم يغبط من فتح الله عليه في باب التفسير وفهم كلام العزيز الخبير ، فمع كثرة كتب التفسير وتنوع أساليبها ، إلا أن الكتب التي تقرأ فيها وتشعر أنك تقرأ تفسير كلام الله قليلة جدا ، ومن يكتب في بيان علوم هذا العلم ويقربها للناس ويحاول تجديد ما درس من رسومها أقل من القليل ، ولاحول ولا قوة إلا بالله .
    ومن نعم الله علينا التي يكل الذهن عن تصورها وحصرها ، نعمة الحاسوب وهذه الشبكة العنكبوتية التي تقرب لك البعيد ، وتدنيك من الشارد الغريب ، فتتناول أي كتاب أردته في أي مكان عرفته أو لم تعرفه بنقرة صغيرة من أنملة ضعيفة في أقل من طرفة عين ، لا أقول فواق ناقة أو ناقتين .
    فسبحان الله العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيد فضله ، على ما سخره لنا ، ووهبه وفتح به على الناس ، ولكن أكثر الناس لايشكرون .
    أرأيتم هذا الملتقى العلمي وغيره من المنتديات والملتقيات ، وكيف تكتب فيها ماشئت في أي ساعة أردت ، دون حاجة لحبر أو قرطاس ، أو ناسخ أو ناشر ، يوم كانت الناس تفتقد اللخاف والكاغد ، والجلد والعظم ، لتسطير كلامها ، ورصف منثورها و منظومها ، اللهم إني لنعمك من المقرين فاجعلني بمنك لها من الشاكرين ، وجنبني مزالق الطلبة والكاتبين .
    لقد انتفعت كما انتفع سواي بكثير مما يكتب في هذا الملتقى ، من علماء فضلاء ، وأدباء نبلاء ، فأراه كل يوم ينمو ويكبر ، عهدي به في المهد رضيعا ففطيماً ، وإذ به مع الأيام يافعاً حزوَّراً ، وقريبا يبلغ الأشد ، وتكثر فيه الأسد ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

    ومع هذا كله فإني أرى أقلاماً تريد أن تشب عن الطوق ، وتتزبب قبل أن تتحصرم ، وتخترع الرأي الفطيرَ ، والكلام المبتسر ، وإنه لأمر جلل مع كلام الله رب العالمين .
    سمعنا عن فقهاء قالوا بما لم يقل به قبلهم أحد من العالمين ، فما هالنا الأمر وما استعظمناه لما للرأي من مجال واسع ومسلك وعر تزل فيه الأقدام ، وتتفاوت فيه القرائح والأفهام ، فكم من رأي إذا سمعته طنت منك الأذنان وقلس الخاطر وانقبضت الوجنتان ، كقول من قال بوجوب غسل السواد والبياض من العينين ، وجواز أكل الثلج للصائم لأنه ليس أحد المطعومين ، وجواز سماع المعازف وطرق الدف باليدين ...، ثم لا تتمالك إلا أن تترحم على القائل وتستغفر له .
    وقد نقبل هذا من محدث نحرير يضعف ماصححه البخاري أو يصحح ما ضعفه أبو زرعة الرازي ، نعم ... فمازال مجال التصحيح والتضعيف ذا سعة ، وإن خالف في هذا ابن الصلاح ومن معه ، فالأمر لم يصل بعد للتعرض للوحين ، وإنما كان هذا لتفوات النقل عن حال الراوي وما ينظر به كلا الفريقين ، كما فعل الدارقطني ، في إلزاما ته وتتبعا ته لما في الصحيحين .

    وكم نطرب ونهتز لشاعر مفلق يفترع الأبكار من المعاني ، ويصوغها لنا في أجمل المباني ، ونأنس بهدير خطيب مصقع يحيي أصوا ت المنابر ويستحلب الدمع من المحاجر والمآقي ، ونسعد بكاتب أو ناثر يوشي حديثه بخرائد الألفاظ وبديع المعاني .

    مع أن الجم الغفير من النقاد لايعولون كثيرا على المعاني السائرة ، أكثر من تعويلهم على ماصيغت فيه من حلل مبتكرة باهرة ، وإليك ما قال أبوهلال في الصناعتين : ( وليس الشأن في إيراد المعاني ، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي ، وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه ، وحسنه وبهائه ، ونزاهته ونقائه ، وكثرة طلاوته ومائه ، مع صحة السبك والتركيب ، والخلو من أود النظم والتأليف ، وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا ، ولايقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التي تقدمت ) أهـ (1)
    فأنت ترى في هذا النص من كلام العسكري ، ومن قال بمثل قوله كالجاحظ من قبله ، وهو رأي الجمهور من أهل البيان من بعده ، أنهم في بابي النثر والشعر لا يعولون في النقد على المعنى أكثر من تعويلهم على اللفظ ، وهي قضية محل بحث ودرس بين الأدباء من عصور متقدمة حتى يومنا هذا . (2)

    وكم تطالعنا كتب التاريخ ودواوين الأدب وتحدثنا عن عزيز النظم ومنثور الكلم ، فكم بنا بيت من الشعر بيوتا من مدر ، وكم من حكمة أومثل سائر نثر الدر في جيب كثير من البشر ، وكم أعتق به من الرقاب ، واستنزلت به الكرام كما يستنزل القطر من السحاب ،ولاتعجب ...، فلربما نكست الأعلام بالأقلام وملكت الأصقاع بالرقاع .

    وليس مرادي تقرير أي الرأيين أصوب في هذا الباب ، إنما أردت أن أبين أن احتفال أهل اللسان بالمعاني لايعدل احتفالهم بجودة اللفظ وحسن سبكه ورصفه ، فكيف يحفل من يحفل بالمعنى الخطير في تفسير آية ، أو ابتكار معنى لها لم يسبق إليه ؟.
    لا ياسادة ياكرام ، قد نقبل هذا في أي باب من أبواب العلم ، أما مع كلام الله وتفسيره فلا وألف لا .
    أترى الف عام مرت لاتفي بهذا ؟، أم أن الأمة قد قصرت في تفسير كلام ربها وخالقها ؟، لست مع الجمود وعدم التجديد في أي فن ، فلايقول بهذا إلا بارد الطبع بليد الذهن ، لكن أقول : أن كتاب الله ليس مجال التلاعب بالعبارات وتفخيم العناوين ،أو سرور بسبق علمي في فهم مفردة أو تفسير آية ، أومرتع للفكر في الكتابة واكتشاف المواهب الذهنية والقدرات العقلية واللسانية ، لا أيه الإخوة الكرام .
    فكلام الله يجب أن يصان عن مثل هذا ، فلا يفرح بسبق علمي لغوي أوبلاغي أو نحوي تفسيري في كلام الله إلا من اختلط ذهنه وأيس منه أهله ، ومن رام تجديدا في هذا قلنا له :
    [align=center]ماذا بعشك ياحمامة فادرجي ! . [/align]
    وقديما ذم تفسير القرآن بالرأي ، فكيف بابتكار مالم يسمع به الرازي أو الزمخشري ومن على شاكلتهم ، أو سار سيرتهم ، اللهم إلا رجل أتانا على قوله بشاهد صدق وحجة دامغة أوسلطان مبين .

    كم مرة تمر علي وأنا أفكر في توقف كبار الصحابة وأرضاهم ، عن تفسير مفردة قرآنية ، كما يذكر عن أبي بكر وعمر ، وهل سائر الصحابة إلا من بعدهم ، مع أنهم أهل القرآن واللسان ، بل في اللسان يحتج بهم لا لهم ، فما نزل القرآن إلا بلغتهم وعلى سمعهم ، ودونك أول مفردة قرآنية في أي معجم لغوي ، ستجد أنها خير شاهد لي على ما ذكرت .

    وسار من بعدهم أئمة كبار هالهم الإقدام على أقل مما ترانا نهجم عليه اليوم هجوما ، ونفتخر بفض خاتمه للناس ، ودونكم إمام العربية وراوي أيامها وأشعارها عبد الملك بن قريب الأصمعي ، مع دماثة خلقه ولين طبعه ، واسترساله للمجالس ومخالطة الناس ، إلا أن عجبك لا ينقضي إذا علمت أنه كان من أبعد الناس عن تفسير مفردة قرآنية ، وهل المعاجم العربية إلا عالة على ما روي عنه في باب أخبار العرب وأيامها وأشعارها وكلامها ، وبرد مضجعه .

    ألا تقرأ ون يا قوم ترجمة هذا الحبر محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي ، فما من آية في كتبا الله إلا وقد درسها على حدة ، وما من آية إلا وقد جمع لها كل كلام من تقدم قبله من أهل التفسير ، ثم ماذا ؟.

    هل أشتهر بقول فطير أو رأي تفسيري مبتسر ، سبحانك ما علمنا هذا عنه ، وما شهدنا إلا بما علمنا من تفسيره للقرآن بالقرآن ، وخوفه من أن يشذ بما لم يعهد من قول مسبوق خطير الشأن ، وأمثاله بحمد الله من أهل العلم في كل زمان .

    فهلا حاسب كل كاتب نفسه في اختياره لعنوان مكتوبه ، وهلا وقف مع نفسه قبل طرحه في هذه الصفحات وعلى مشهد من الناس فطيرمكنونه، وهلا حاسب نفسه قبل أن يتشدق بابتكاره لهذا المعنى أو ذاك ، وبحث له عن إمام معتبر يستأنس به وإن كان قولا مرذولا منسيا ، فربك يحي الموتى وهو على كل شئ قدير.
    صدقوني ليست القضية هي النقد هنا ، لكن القضية هي السؤال غدا ( هناك ) ! .

    ألا لايظنن ظان بي مالست به ، من تنفير من التجديد في ماهو من بابه ، لكن ليأت هذا الأمر من بابته ، فحسبنا ماوسع من قبلنا ، وليتنا نأتي على شئ مما أتوا عليه وتركوه لنا ، ولانفرح بمالم يعرجوا عليه ، والله لايحب الفرحين .

    وإني أضرب لكم مثلا برجل رشيد ، أحسبه والله حسيبه ممن لديه محاولات ولمسات تجديدية لما درس من علم التفسير وعلومه ، لمست هذا في جوانب عديدة في بعض ماكتبت يداه ، وفي مايحاول به من انتصابه لتعليم كتاب الله في حمله عصا تسياره هنا وهناك ، ألا وهو الشيخ د / مساعد الطيار ، وإني أدعو الله أن يحيي على يديه وإخوانه من علماء التفسير كالشيخ د/ عبدالرحمن البكري ، مادرس من رسوم هذا العلم ، فكفى به تجديدا ، وكفى به شرفا مجيدا .
    ومازلنا ونحن بالمغرب نسمع أن هناك رجل بالمشرق يقال له د/خالد السبت ، يحاول كذلك شق هذا الطريق ، وإن نسيت فلن أنسى العالم الفذ د/ فاضل السامرائي ، فلله هو وإخوانه ما أعظم أثرهم على الخلق ، وما أجمل سيرتهم بين الناس ، ومن نسيت ذكره من أهل الفضل فلن يضره بحمد الله نسياني .
    ففي محدود علمي أن علم التفسير خاصة ، لا يحتاج في هذا الزمن أكثر من السعي لنشره بين الناس ، والتصدر لتعليمه وتقريب علومه ، وإحياء درسه بين طلاب العلم ، وإزالة النفرة الشديدة بين الناس وكتب التفسير .

    ألا إن في إقبال الناس وطلاب العلم خاصة على تعلم علم التفسير وعلومه ، لفتحا وتجديدا لما درس من معالمه مع الأيام والليالي . ومن رام تجديدا فليحاول في هذا الباب لعل وعسى .
    [align=center]ليس على الله بمستكثر أن يجمع العالم في واحد [/align]
    *أين هم أساتذة التفسير وكراسيه الذين أثقلوا تلك الكراسي ، ولم نرهم خلف سارية أو في زاوية من بيوت الله يعلمون كتاب الله ؟، أم أن الأمر كما قال لي أحد الأخوة التلاد ، لطالما هالنا ونحن نجلس على كراسي الدرس أيام الطلب ، ونسمع ممن كان وظيفه لتعليم التفسير وعلومه ما يهول العقل ، من أسماء طنانة رنانة ، كالأخفش والزجاج والنحاس وقتادة ... ، حتى إذا عدلت بأحدهم عن مقرر التعليم ، أخذ بك ذات اليمين وذات الشمال ، وعلمت أنه ليس له من علمه إلا حرف الدال ، ومثلهم أساتذة في النحو والأدب والفقه والحديث ، اللهم إلا ثلة قليلة ألقت معاطفها وألقابها التي أثقلتها وأعمتها فنفعها الله ونفع بها .

    وإني لأعد مثل هذا الملتقى التفسيري ، من المشاريع التي يجب أن تتكاتف لها الجهود ، وتتظافر لها الطاقات والهمم ، حتى يتم المبتغي وينال المراد من إحياء هذا العلم الشريف ، فهذه دعوة صادقة أشد بها يدي إخواني من طلاب العلم ، لسقي هذه البذرة الطيبة ، التي نبتت في أرض صالحة تتلاقح فيها العقول وتتقادح , فلعل الله يهيئ من ذلك ثمرة يقطف جناها الناس ولو بعد حين ، وما يدريك فالله ذو الفضل العظيم .

    ومع أن الكلام له ذيول طويلة ، إلا أني آثرت الإيجاز حياء من أهل التفسير وظنا بوقتهم الخطير ، وللحر كان طرق العصا ، فماكتبت إلا تذكيرا لي ولإخواني الذين نأنس بما أبدعته لنا أناملهم في جوانب عديدة في هذا الملتقى ، وقد فضلت عدم التعرض بتصريح أو تلويح لبعض الأسماء التي دعتني لكتابة ماكتبت ، لعلمي أن الكمال عزيز وأن الناقد بصير ، وأن ماذكرته ماهو إلا زلة مغمورة في بحر ما سطروه ، وما أنا إلا منهم وبهم ، ومن كان لك أكثره فليكن في هذا مايدعوك للتغاضي عن أيسره ، فليتقبلوا ماذكرته بصدر رحب ، ولهم غنمه وعلي غرمه .
    وفق الله الجميع

    ـــــــــــــــــــــــــــــ
    (1) كتاب الصناعتين للعسكري .
    (2) ينظر (قضية اللفظ والمعنى ونظرية الشعر عند العرب) للدكتور أحمد الودرني .


    [align=center]إهداء[/align]

    وختاما فإني أسوق هذا المقال على عوره تهنئة لزينة الملتقى وقرة عينه ، لحصوله على إجازة العالمية العالية ( الدكتوراة ) ، ولقد زورت في نفسي وحبرت مقالا بهذه المناسبة ، وشيته بحلل القريض والتقريض ، ثم عدلت عن ذلك وماكان عدولي بحمد لله لعجز أو فتور ، إنما خشية من عتاب أو نفور ، وصدقوني جميعا إن من دواعي تأخرنا كأمة عربية مسلمة ، عدم قولنا للمحسن أحسنت حتى يعلم إحسانه ، وللمسيئ أسأت فيحذر الغمر إساءته ، حتى أصبحت الدنيا كلها حظوظ وفتون ، فقصر المبدع واستشرى من كان دون .

    لقد أحسنت أباعبدالله ثم أحسنت ثم أحسنت ، حتى لم تدع لمستزيد أو مزيد مايزيد.

    أحسنت أولا : في اختيار الموضوع وهذا العنوان الفخم الذي هو لك وأنت له .
    وأحسنت ثانيا : في هذا الإتقان العجيب في خطة البحث واستقصاء كل جوانبه .
    وأحسنت ثالثا: في هذا الأدب الجم الذي بلغنا عن جلسة المناقشة ، وكم كان يحف نسيمها من علم وافر وأدب عال .

    فلا أقول : إلا أحسن الله إلى تلك الأقلام كما أحسنت إليك وقدرت جهدك وثمنت رسالتك ، فأعطتها ما تستحقه من تشريف وامتياز.

    حتى كان حديثكم كله إحسان مع إحسان ، وكاد يختلط على جليسه الحبلان ، و يتيه سامعه في التفريق بين من هو الباحث والمناقش والمشرفان ، لحسن ماكان في ذاك المجلس من درر وفوائد مستغربة عن مثل هذا الميدان ، وهذا والله مايغبط له أهل القرآن ، فبارك الله لك فيما أعطاك وجعله سبب رفعتك في دنياك وأخراك .

    هذا ولو كنت أملك من الأبل هنيدة أو مدفئة لسقت إليك أبا عبدالله كرامها ، وأراك في قبولها صاحب الفضل ، ولكن أحسب القائل : أكرم الهدايا علم نافع ، ونصيحة موثوق بها ، ومدحة صادقة ، قد أحسن لي بجميل العذر.

  • #2
    اللهم اغفر لأخي ابن الشجري ، وأجزل عطائه على حسن ظنه بأخيه ، وإن كان قد بالغ فأثنى عليه بما ليس فيه ، وقد سرني هذا المقال لما فيه من الدرر والعيون ، وأثقلني هَمُّ الرد عليه لِكثرةِ ما عليَّ من الديون ، غير أنَّ فرحي بهِ غلبَ همَّ جوابهِ ، لعلمي بكثرة طلابه ، فقد عزَّ في زماننا هذا ذاك المقال الذي يُحتفلُ به ، ويُحرص عليه ، بعد أن كانت المجلات في منتصف القرن المنصرم تحفل بنفائس المقالات ، ودرر الأنفاس ، من أناس أعطوا الأدب والعلم حقهما ، فجاءت كتاباتهم صُوىً هاديةً على طريق الأدب ، يدرسها شداة الأدب نبراسا ، ويجعلها طالب الأدب لكتابته أساسا ، فحياك الله يا ابن الشجري ، وحيا تلك المعاهد والطروس التي راشت سهامك فأصابت مواقعها ، كما أصابت قطرات الماء مواقعها من ذي الغلة ، على حد قول القُطاميِّ :
    [poem=font="Traditional Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    فَهُنَّ يَنبِذنَ مِن قَولٍ يُصبِنَ بـه=مواقعَ الماءِ مِنْ ذي الغُلَّةِ الصّادي[/poem]
    وقد عزمتُ على الجواب على هذه القطعة المحبرة منذ قرأتها ، غير أن شواغل الزمان ، وخلطة الإخوان ، قد أخذت بي حتى تراخى الزمان ، وجاء رمضان ، فلم أبح لنفسي أن أشتغل بالتنميق والتوشيح ، وملاحقة الأشجان والتباريح ، ويشتغل المشمرون من المؤمنين بالتهليل والتسبيح ، وصلاة القيام والتراويح ، غير أنه ربما سمحت القريحة في وقت الانشغال ، وشحت في وقت جمام النفس وهدوء البال ، والأمر فيها لا يدرك بالقياس ، ولا يكاد يطرد فيها ما يقوله كثير من الناس ، فأما ما ذكرته عن الباحث المتفنن مساعد الطيار ، وعن صاحبه المدقق خالد السبت ، فقد أصبت الحقيقة ، ووضعت قدم طالب العلم على الطريقة ، وهناك غيرهما من العلماء والباحثين الذين بذلوا وكتبوا وحرروا في مسائل متفرقة من علوم القرآن والتفسير ، وتصدوا للتدريس في حلقات العلم في المساجد ، فنفع الله بهم طلاب العلم ، ولهم من الله أجزل الأجر والثواب ، وأسال الله أن يوفقهم للحق والصواب.
    وأما ما ذكرته عن أخيك ، وأملته فيه ، فقد نظرت – رحمك الله – إلى عملي بعين الرضا ، وأغضيت عما تعلمه من ضعفي معرضا ، وقد أَهَمَّني حسنُ ظنِّكِ ، وأعدك أن أسعى لتحقيقه بما أقدر عليه ، وقد فزعت إلى الشعر طلباً للجواب ، لعلمي بتفضيله عند أهل الآداب :
    [poem=font="Traditional Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=2 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
    أين يا صاحبي افتراعُ المعاني ؟!= وفُؤادي في غُربَةٍ مـن زمانـي
    كلُّ يومٍ يحثُّ للسَّفرِ المـضــ=ـني رِكاباً ، ويسْتَقِـلُّ الأمانـي
    إنمـا يُبـدِعُ الجديـدَ خلـيُّ=من هُمومٍ ومُترعٌ مـن أَمـانِ
    وضليعٌ من العلـوم ، وقلـبٌ=عاش في عمره مـع الفرقـانِ
    أدرك الأولـونَ سِـرَّ المعالـي=فاستبانَـتْ شَـوارِدُ القُـرآنِ
    وأتينـا علـى زمـانٍ بخيـلٍ=فبِخَلنا ، والمرءُ مثـلُ الزَّمـانِ
    أُشغِلَ الطالبُ الحريصُ بمـا لا=ينفعُ العقلَ في ابتكـارِ المعَانـي
    فركنَّا إلى حيـاةٍ مـن الـزُّورِ=وعُدْنـا بِحسـرةِ الظـمـآنِ
    ورضينا بالضعفِ في كُلِّ عِلـمٍ=وفَرَرْنا من البُحوثِ السِّمـانِ
    وعرفنا الألقابَ ، لكنْ رَضينـا=مِنْ بُحُورِ العُلـومِ بالشُطـآنِ
    إيهِ يا «دالُ» كم سعينا ، ولكنْ=يَبْرُدُ الشوقُ بعد فـوتِ الأَوَانِ
    كم أَقَمْنا لها صُـدورَ المَطايَـا=وبَذَلْنـا عُصـارةَ الأَذهــانِ
    وانصرفنَا عن الجميعِ اضطراراً=وخَلَونـا كَخَلْـوَةِ الرُّهبَـانِ
    أَيُّها الكاتبُ الأديـبُ ترفَّـقْ=بفـؤادٍ مُـوكَّـلٍ بالأمـانـي
    لا تلُمني وقد أَثَـرتَ بِنفسـي=ثَورةً مِنْ لَواعـجِ الأَشجـانِ
    وهَزَزْتَ الفُـؤادَ هَـزَّاً رفيقـاً=مثلَ ما هَزَّتِ الصَّبا عُودَ بـانِ
    فانبعثنا للشِّعْـرِ لمَـا سُقِينـا=مِنْ أَديـبٍ كأَنَّـهُ الهَمَذانـي[/poem]

    وإني أعتذر إليك ، فالقريحة - ولو كانت صحيحة- لا تفي بحق حسن ظنك ، ولكن خذ ما سمح به الخاطر المكدود ، والجود من الموجود.
    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

    تعليق


    • #3
      أردنا التخفيف من بعض ما سطره الإخوة الفضلاء تعقيباً على هذه المقالة الماتعة لأخي العزيز ابن الشجري فحذفت المشاركة برمتها ، فلما رجعت لكمبيوتري المحمول عثرت على المشاركة وليس فيها إلا هاتين المشاركتين ، وأعتذر أشد الاعتذار لإخواني النبلاء الذين عقبوا على هذه المطارحة العلمية الأدبية وهم د.سعيد بن متعب ، و د.خالد الشبل ، و د.أبو بكر خليل ، والأخ أبو صلاح الدين ، والأخ حسام الزهري . فمعذرة . وأسأل الله أن يجزيكم على مشاعركم النبيلة خير الجزاء ، وقد أخذنا هذا الباب مدخلاً للمطارحة الأدبية على عادة أهل الأدب ، فإننا نجد فيها متنفساً لتلك الروح الأدبية التي نحبها ، ولا نجد في واقعنا ما يشبعها ، فقد غلب على مجالس طلاب العلم حديث الحياة ، واختفى حديث الأدب والشعر مع ما اختفى من لذائذ الحياة العقلية . وقد كان عقب أخي الدكتور خالد الشبل بقوله (حين قرأتُ ما سطرَتْه يراعةُ أستاذنا الأديب ابن الشجري في أخينا الأريب د. عبد الرحمن وردَّه عليه تذكرت القصة التي ساقها أبو البركات في (نزهة الألباء) في ترجمة أبي القاسم محمود ولقائه بشيخِ الكمال، سَمِيّ أستاذنا، الشريف أبي السعادات بن الشجري، ، وعفا عنهم).
      وما زلت أطمع من أبي عبدالله أن يضع بين أيدينا تلك القصة إن أسعفه الوقت .
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق


      • #4
        يبدو أن الأخ خالد مشغول بإنهاء أطروحته ، أسأل الله له التوفيق والسداد ، ولا تنسوه من دعائكم ، لذا أنقل لكم ما تمناه عليه أبو عبد الله مما كان بين الزمخشري وابن الشجري .
        قال أبو البركات الأنباري في ترجمة الزمخشري : (( ... وقدِم بغداد للحج ، فجاءه شيخنا الشريف ابن الشجري مهنئًا له بقدومه ، فلما جالسه أنشده الشريف :
        كانت مساءلة الركبان تخبرني عن أحمد بن دؤاد أطيب الخبر
        حتى ألتقينا فلا والله ما سمعت أذني بأحسن مما قد رأى بصري
        وأنشد أيضًَا :
        استكبر الأخبار قبل لقائه فلما اتقينا صغَّر الخَبَرَ الخُبرُ
        وأثنى عليه ، فلم ينطق الزمخشري حتى فرغ الشريف من كلامه ، فلما فرغ ، شكر الشريف وعظَّمه وتصاغر له ، وقال له : إن زيد الخيل دخل على رسول الله ، فحين بصر بالنبي رفع صوته بالشهادتين ، فقال له الرسول : يا زيد الخيل ، كل رجل وُصِف لي وجدته دون الصفة إلا أنت ، فإنك فوق ما وُصِفت ، وكذلك الشريف ، ودعا له ، وأثنى عليه .
        قال : فتعجب الحاضرون من كلامهما ؛ لأن الخبر أليق بالشريف ، والشعر أليق بالزمخشري )) .
        نزهة الأباء في طبقات الأدباء ( ص : 290 ـ 291 ) .
        د. مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
        أستاذ مشارك بجامعة الملك سعود
        [email protected]

        تعليق


        • #5
          وأنا أتصفح المشاركات القديمة في الموقع عثرت على هذه المشاركة . وتعجبني هذه اللفتات الأدبية في الملتقى ونفتقدها كثيراً مؤخراً فليتها تستمر ولو في الملتقى المفتوح ، وتحياتي للأدباء ابن الشجري والدكتور عبدالرحمن زادهما الله بياناً وحسن أدب .
          فهد بن عبدالرحمن الناصر
          بكالوريوس لغة عربية

          تعليق


          • #6
            [align=center]جزيت خيرا أخي فهد لرفعك لهذا الموضوع القيم[/align]

            تعليق


            • #7
              لأول مرة تقع عيني على هذه الخرائد ..!
              فجزيل الشكر والامتنان لمن أعاد ذكراها وبعثها بعد السبات!

              مهم وأي مهم ألا نُعدم مثل هذه الكتابات..
              وأن نحييها بين حين وآخر..
              سقيا لما جفّ، واسبقاءً لما بقي، من المعاني والأساليب وبديع الكلام..
              وإلا لم يعُد لكلامنا طعم، ولا لحديثنا طلاوة ..

              وأولى الناس بهذا هم أهل القرآن؛ الكتابِ الذي بلغ الغاية بلاغةً وبياناً.
              محمد بن حامد العبَّـادي
              ماجستير في التفسير
              [email protected]

              تعليق


              • #8
                [align=right]
                وبمناسبة ماأورده الأخ الحبيب الشيخ مساعد ـ حفظه الله ـ
                من أخبار ابن الشجري والزمخشري ؛
                جاء في كتاب :
                صبح الأعشى ؛ للقلقشنديّ :

                ((فأوجز في هذا المعنى غاية الإيجاز؛ ومنه قول أبي تمام يمدح أحمد بن سعيد:

                [poem= font="Simplified Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/35.gif" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                كانت مساءلة الركبان تخبرنـي = عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
                حتى التقينا فلا والله ما سمعـت = أذني بأحسن مما قد رأى بصري [/poem]

                أخذه أبو الطيب ، فأوجز في أخذه ، فقال :

                [poem= font="Simplified Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/25.gif" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                واستكبر الأخبار قبل لـقـائه = فلما التقينا صغر الخبر الخبر )) .[/poem]

                [/align]


                [align=right]وقال ابن معصوم ، في أنوار الربيع في أنواع البديع :

                ((وقال أبو تمام:

                [poem=font="Simplified Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/24.gif" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                كانت مساءلة الركبان تخبـرنـي = عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر
                حتى التقينا فلا والله ما سمـعـت = أذني بأحسن مما قد رأى بصري[/poem]

                فأحسن أبو الطيب اتّباعه ، فقال:

                [poem=font="Simplified Arabic,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="backgrounds/23.gif" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                واستكبر الأخبار قبـل لـقـائه = فلما التقينا صدق الخبر الخبر [/poem]

                فبالغ وأوجز، وجاء بالطباق والجناس )) .
                [/align]

                تعليق


                • #9
                  [align=justify]لئن كانت قد مضت السنون على هذا المقال ، وطوته الأيام بأحمالها الثقال ، فإن مضمونه مازالت تغذيه سود الليالي ، وتروي جذوره شرذمة متعالمة لا تبالي ، وما عقبتم به جميعا يستحق الإشادة فأجركم على الله .

                  وما أجمل هذا اللقاء وأروع دلالته ، والذي جمع بين علمين من أعلام العربية والأدب.

                  ولي هنا وقفة على مانقله الأنباري وتابعه عليه السيوطي في البغية وغيره .

                  وهو ماجاء في عجز البيت القائل : ......عن أحمد بن دؤاد أحسن الخبر

                  فهذان البيتان على شهرتهما يعتورهما إشكال لم أطلع على من حققه ، فأحببت أن أجر القلم مشاركة بقليل بما عندي لعل كريما يحسن الإفادة .

                  هذان البيتان أختلف في نسبتهما فنسبا لغير واحد من الشعراء من بينهم : أبو تمام وابن هانئ الأندلسي .

                  وهو موجود ضمن ديوان ابن هانئ برقم ( 52) ص 180 ط دار الغرب .

                  كما يلي :
                  [poem=font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]

                  مازلت أسمع والركبان تخبرني =عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
                  حتى رأيتك لا والله ماسمعت =أذني ببعض الذي عاينت بالنظر [/poem]

                  وجعفر بن فلاح هذا له ترجمة تعرف من مصادرها في كتب التراجم ، حيث تذكر أنه كان قائدا محل تبجيل وتقدير الكثير في عصره ومصره ، ت عام 360 مما يفيد معاصرته للشاعر.

                  ومن هاهنا ينقدح الإشكال وهو بين جعفر بن فلاح وابن أبي دؤاد وابن دؤاد وأحمد بن سعيد ، فهؤلاء أربعة جرى ذكرهم في هذا العجز على اختلاف في النقل والقائل ، ومن المعلوم أن الثاني منهم توفي عام 240، وهو صاحب الفتنة المشهورة المكسورة بسيف القرآن والسنة علي يد من اصطفاهم الله للتصدي لها ، على رأسهم الإمام أحمد برد الله مضجعه ، وأبو تمام كانت وفاته عام 231 وقد وفد لبلاط المعتصم وأخصبت أرضه هناك ، وفي تلك الفترة أنشأ قصيدته الشهيرة فتح عمورية ، ولعله التقى في هذه الفترة بابن أبي دؤاد .

                  وكم يعجبني قول شاعر السنة الشاعر الفحل علي بن الجهم ، في هجاء ابن أبي دؤاد :

                  [poem=font="Simplified Arabic,4,indigo,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                  يا أحمد بن أبي دؤاد دعوة = بعثت إليك جنادلا وحديدا
                  ماهذه البدع التي سميتها = بالجهل منك العدل والتوحيدا
                  أفسدت أمرالدين حين وليته= ورميته بأبي الوليد وليدا
                  لامحكما جزلا ولا مستطرفا = كهلا ولا مستحدثا محمودا
                  شرها إذا ذكر المكارم والعلا = ذكر القلايا مبدئا ومعيدا
                  ويود لو مسخت ربيعة كلها = وبنو إياد صفحة وثريدا
                  وإذا تربع في المجالس خلته = ضبعا وخلت بني أبيه قرودا
                  وإذا تبسم ضاحكا شبهته = شرقا تعجل شربه مزؤودا
                  لا أصبحت عين أبصرت = تلك المناخر والثنايا السودا[/poem]

                  وشاعرنا ابن هانئ شاعر المغرب على الإطلاق ، وقد كان عند أهل المغرب بمنزلة المتنبه الكندي عند أهل المشرق ـ هكذا كان يسمى في بعض أرجاء العراق كما ذكر ذلك صاحب أدب الخواص ـ والمطالع لديوان ابن هانئ يرى أن لديه نزعة فلسفية يسير بها وتسير به كسيرة شاعر المعرة .

                  والحق أن له أبياتا ماكنت أظنها بهذا الرقي حتى عدت من قريب وتصفحت ديوانه ، فرأيت شاعرا مفلقا أضاعه قومه ، ولعل مما ساعد على ذلك خذلان الله له بأبيات تخرج إلى حد الكفر نسأل الله العافية ، والمتأمل لها يصعب عليه أن يتلمس لها المخارج ، وقد أعرضنا عن إيراد بعضها صونا لهذا الملتقى الميمون وما يحويه من مضمون .

                  وهو صاحب البيتين المشهورين :

                  [poem=font="Simplified Arabic,4,indigo,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                  وبالهمة العليا يرقى إلى العلى = فمن كان أعلى همة كان أظهرا
                  ولم يتأخر من يريد تقدما =ولم يتقدم من يريد تأخرا[/poem]

                  أقول : بأن الإشكال في نسبة البيتين مازال قائما ، سواء من جهة القائل ومن قيل بحقه ، وحله يحتاج إلى تحقيق ونفس طويل في البحث والتفتيش في الدواوين وكتب الأدب والتراجم ، وربما يصل الباحث بعدها إلى غير طائل ، والوقت لا يساعد في ذلك ، وكنت كلما توصلت إلى نتيجة نقضت بعد مطالعة أخرى ، حتى هممت بالعزوف عن هذا التعقيب جملة ، إلى أن وقعت على كلام قريب من النفس استحسنته ، ولعل ما ساعد على ذلك هو فتور الهمة ، وعلى كل حال هو ما وقعت عليه في وفيات الأعيان لأبي العباس ابن خلكان ـ ـ فقد جاء في معرض كلامه في ترجمة جعفر بن فلاح مايلي :

                  ( أبو علي جعفر بن فلاح كان أحد قواد المعز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي صاحب إفريقية ، جهزه مع القائد جوهر لما توجه لفتح الديار المصرية ، فلما أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام ، فغلب على الرملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ثم غلب على دمشق فملكها في المحرم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها ، ثم أقام بها إلى سنة ستين ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق ، فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم ، فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل فظفر به القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقا كثيرا ، وذلك في يوم الخميس لست خلون من ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة، تعالى.

                  وقال بعضهم: قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوبا:

                  [poem=font="Simplified Arabic,4,indigo,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                  يا منزلا عبث الزمان بأهله =فأبادهم بتفرق لا يجمع
                  أين الذين عهدتهم بك مرة =كان الزمان بهم يضر وينفع[/poem]

                  وكان جعفر المذكور رئيسا جليل القدر ممدوحا، وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور:


                  [poem=font="Simplified Arabic,4,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                  كانت مساءلة الركبان تخبرني = عن جعفر بن فلاح أطيب الخبري
                  حتى التقينا فلا والله ما سمعت =أذني بأحسن مما قد رأى بصري[/poem]

                  والناس يروون هذين البيتين لأبي تمام في القاضي أحمد بن أبي دؤاد، وهو غلط، لأن البيتين ليسا لأبي تمام، وهم يروونهما عن أحمد بن دؤاد وهو ليس بابن دؤاد ، بل ابن أبي دؤاد ، ولو قال ذلك لما استقام الوزن ).

                  أقول: هكذا قال القاضي وفي كلامه ما أراني أول الطريق ، إلا أن طريق التحقيق أطول من هذا ، فلعل متزودا بعدته يأتي فيكمله ، والأمر واسع بحمد الله يحتمل القولان والوجهان والروايتان ، ولا يؤثر على المعنى معرفة قائله ، كما لا يعنينا من قيل بحقه .

                  ونختم مشاركتنا هذه بقول أبي تمام وإن لم يكن من متخير شعره ، بل هو مما يجرى مجرى الحكم :



                  [poem=font="Simplified Arabic,4,indigo,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=0 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                  ينال الفتى من عيشه وهو جاهل = ويكدى الفتى في دهر وهو عالم
                  ولو كانت الأرزاق تجري على الحجى = هلكن إذًا من جهلن البهائم
                  ولم تجتمع شرق وغرب لقاصد = ولا المجد في كف امرئ والدراهم[/align] [/poem]

                  تعليق


                  • #10
                    ما أجمل هذه الذكريات ، وأحسن هذه المذاكرات ، أكرر شكري على هذه الهدية يا ابن الشجري .
                    [poem= font="Almostfa,6,black,bold,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=1 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
                    يا طائراً غَنَّى على غُصُنٍ = والشوقُ يسقي ذلك الغُصنا
                    زدني وهِجْ ما شئتَ مِن شَجَني = إن كنتَ مثلي تعرفُ الشَّجنا
                    أذكرتَني ما لستُ ناسيَه = ولربُّ ذكرى جَدَّدتْ حَزَنا
                    كم ذا أُغالِبهُ ويغلبُني = دمع إذا كفكفتهُ هَتَنا
                    لي ذكرياتٌ في ربوعهمُ = هنّ الحياةَ تألقاً وسنا [/poem]

                    وأرجو أن تستمر مثل هذه المشاركات الأدبية بين الحين والآخر ، وكم من القضايا الأدبية الجديرة بالنقاش والحديث ، نسأل الله أن ييسر طرحها والحديث حولها .
                    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

                    تعليق


                    • #11
                      يستاهل كل الخير شيخنا الفاضل

                      تعليق

                      19,962
                      الاعــضـــاء
                      232,026
                      الـمــواضـيــع
                      42,590
                      الــمــشـــاركـــات
                      يعمل...
                      X