• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • بالأدلة القرآنية سفينة نوح غواصة وفضائية, وقومه من الأكثر تقدماً في تاريخ البشرية.

      بسم الله الرحمن الرحيم
      بالأدلة القرآنية سفينة نوح غواصة وفضائية, وقومه من الأكثر تقدماً في تاريخ البشرية.
      مقدمة
      ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور انفسنا, وسيئات اعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له, واشهد ان محمد عبده ورسوله.
      قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت).
      الطوفان العظيم, القصة الأشهر في تاريخ البشرية والمعروفة للقاصي والداني, حيث دعا نوح قومه على مدى مئات السنين ولم يستجيبوا له, فأرسل الله عليهم طوفاناً عارماً لم يُشهد له مثيل, فأغرق جميع من في الأرض وعلا الموج فوق قمم الجبال الشاهقة, ونجّى الله نوحاً وأهله والمؤمنين معه في سفينة خشبية مع أزواج من كائنات الأرض الحية لمنع انقراضها, ولاستغلالها في عمارة الأرض مرة أخرى بعد الطوفان.
      هذه هي القصة باختصار, لكن هذه القصة بروايتها هذه تجابه اليوم تحديات كبيرة جداً, فمع التطور العلمي الكبير والتقدم في علوم مثل الجيولوجيا والانثروبولوجيا وعلم الآثار والحفريات وعلم الفلك والفيزياء الفلكية وعلوم الأحياء والنبات والكيمياء وعلم المناخ والأرصاد الجوية والبيئة وعلوم الرياضة والفيزياء وغيرها من علوم شتى, نشأ مع ذلك كله تحدي قوي لقصة الطوفان بروايتها هذه من قِبل الملحدين واللادينيين والمشككين في الكتب السماوية.
      وأصبحت القصة بوصفها الحالي بدل أن تصلح للعظة والدعوة للإيمان تستغل للطعن والتشكيك في صحة الأديان, وان القصة محض خيالية ولا يمكن تطبيقها على أرض الواقع.
      وهنا استعراض لبعض وجوه الاعتراض على قصة الطوفان العظيم كما يروج لها المشككون والملحدون واللادينيون:
      - لم نشهد آثارلطوفان شامل على كرتنا الأرضية, حيث انه لو حدث لأدى لانقراض كافة السلالات, لكن الواقع يشير إلى أن السلالات لم تنقرض منذ ستين مليون سنة حين حدث انقراض الديناصورات بسبب ارتطام نيزك بسطح الأرض.
      - لو حدث مثل هذا الطوفان الشامل لتحتم على نوح حمل زوجين من كل الكائنات الحية على سطح الأرض, البرية والبحرية منها, والثلجية والمجهرية وغير المجهرية, الصغيرة والعملاقة, وكذا نباتات الأرض وذلك بغية الحفاظ على نسلها. وهذا أمر يستحيل تحقيقه لعدم القدرة على الإلمام بالعدد المهول من الكائنات الحية على سطح الأرض, ولعدم وجود الحيز الكافي في سفينة خشبية أو غيرها لاستيعاب مثل هذه الكائنات مع توفير بيئة خاصة لكثير من الأصناف.
      - كيفية الاعتناء بمثل هذه الكائنات على ظهر السفينة, وبعد انتهاء الطوفان, والتي قد تتطلب بيئات خاصة وتغذية خاصة, مع الأخذ في عين الاعتبار أن الأمر يتطلب وقتاً طويلا لإنماء محاصيل جديدة لاستغلالها في اعلاف الحيوانات.
      - كيف استطاع المطر إحداث هذا الكم من الطوفان الذي بلغت أمواجه ارتفاع الجبال؟ تقدر كمية الماء في الغلاف الجوي لكامل سطح الكرة الأرضية على شكل سحب وبخار ماء بحدها الأقصى ب 12900 كم مكعب, ولو قُدر له السقوط دفعة واحدة على سطح الأرض لأحدث فيضان بارتفاع 2.5 سم فقط وليس لآلاف الأمتار وبلوغ الجبال علواً. وكمية الماء التي تعّلق في الهواء الجوي على شكل سحب وبخار ماء لو سقطت دفعة واحدة لرفعت مستوى سطح البحر بنصف متر فقط بحد أقصى.
      - لو اُفترض أن سطح الكوكب تغطى تماماً بالسحب وبخار الماء المتكاثف في توقيت واحد فسيؤدي ذلك إلى احتباس حراري شديد, وسترتفع درجة الحرارة والضغط الجوي لدرجة مميتة لكل الكائنات قبل حدوث الطوفان حتى, وستؤدي الظاهرة إلى منع حدوث المطر.
      - لو حدث طوفان شامل على سطح الأرض لترك طبقة رسوبية متجانسة ومتشابهة على جميع أرجاء الأرض, ومن المتوقع أن تشتمل مثل هذه الطبقة على متحجرات لملايين المخلوقات والبشر, وستعكس الزمن الذي حل فيه الطوفان. لكن الواقع لا يشير لمثل ذلك, ذلك أن الطبقات الرسوبية في الأرض متباينة وفي مناطق مختلفة, وحدثت على أزمان متباعدة جداً.
      - الوقت بين حلول الطوفان إلى زمننا هذا لا يسمح بالتكاثر والتنوع لكل أصناف الحياة على الأرض ومنها الشُعب المرجانية والتي نمت منذ مئات الآلاف من السنين, وذلك على فرض انه تم تناسلها من جديد من زوجين بعد انتهاء الطوفان.
      - كيف استطاعت سفينة خشبية مجابهة أمواج عاتية تبلغ الجبال طولاً, وكيف استطاعت حمل هذا الكم الهائل من الكائنات على ظهرها علماً أن السفن الخشبية إذا زاد طولها عن 115 متر فأنها عرضة للتحطم, ولابد من استعمال الحديد في تسليحها وهو من المفترض عدم توفره في ذلك الزمن.
      - كثرة سكان الأرض قبل الطوفان ويُعلم من طول العمر وكثرة المواليد فكيف تسنى دعوتهم جميعاً, وكيف كانوا يعيشون في ظروف بدائية؟.
      هذا البحث الفريد من نوعه قام بإعداده بفضل من الله العلي العظيم العبد الفقير لرحمة ربه الدكتور احمد منصور, وهو يشتمل على استعراض شامل لقصة الطوفان العظيم, مع إثباتات من القرآن والسنة المطهرة. وقد كشف هذا البحث وبتوفيق من الله عن طبيعة البشر الأوائل وعن مدى تقدمهم, وفسر كثيراً من الملتبسات. وقد قمنا بفضل من الله من خلال الاستبطان والتعمق في الآيات القرآنية من وضع تصور لقصة الطوفان, وكيف كانت سفينة نوح .
      قد يرى البعض أن هذا البحث قد خرج عن المألوف وفيه اعتداء على المفاهيم التي اعتاد الناس عليها, ولهم نقول أن البحث لا يتعرض لأي من مسائل العقيدة بأي خلل, فنحن نؤمن اشد الإيمان بأن الله قد اهلك قوم نوح بطوفان عارم اغرق الأرض كافة كما جاء في القرآن الكريم, ونجّى برحمته نوح وأهله والمؤمنين في سفينة, ولكن تصورنا هنا يختلف عن تصور ان السفينة كانت بدائية, وان المجتمع آنذاك كان بدائياً, وان الطوفان الشامل قد حلبهذه القطعة من الأرض (كرتنا الأرضية). وليس ذلك مما يخل العقيدة بشيء.
      ونرى أن البحث وبفضل من الله العلي العظيم قد أجاب عن كثير من الأسئلة المحيرة في قصة الطوفان العظيم, وجاء ليؤكد دقة الوصف القرآني للقصة وأحداثها, وأنه مميزاً عن وصف باقي الكتب السماوية لها.
      لذا نرجو قراءة البحث بصورة متأنية والتأمل في الأدلة الواردة فيه, وعدم التسرع بالرد الجائر عليه. ولنعلم جميعاً أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
      دكتور/ أحمد منصور, تم بتوفيق الله الكريم الفراغ من البحث يوم الجمعة 15 جمادى الاولى 1436 هجري, الموافق 6 مارس 2015 م.
      ملاحظة: هذه نسخة للمدارسة فقط, وتحتاج للتعديل لاستكمال مواصفات البحث الكامل.
      تعداد قوم نوح (عدد سكان الأرض قبل الطوفان):
      · طول العمر: من المعلوم من القرآن والسنة المطهرة أن الناس من لدن آدم وحتى قوم نوح كانوا يتمتعون بأعمار طويلة, فآدم قد عاش ما يقارب ألف سنة, وهذا قد ورد في حديث صحيح يمكن الاطلاع عليه.
      ونوح مكث يدعو قومه قرابة الألف سنة, هذا غير عمره الذي كان قبل بعثه كرسول لهم, وغير عمره الذي عمّره بعد أن اخذ الطوفان قومه, قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت. ولو كان هذا العمر خاص بنوح مميزا له عن قومه لذُكر ذلك في القرآن الكريم, كما ذُكر تميز طالوت عن قومه, وما بسط اللهله من الجسد.
      كذلك نرى وصف قومه له بأنه بشر مثلهم غير مميز عنهم: (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ), ولو كان مميزا عنهم ربما عبده بعضهم أو طلبوا إليه أن يصبحوا مثله في العمر.
      تأمل كذلك قوله تعالى: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْعَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْلِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) الأعراف. نوح يحتج على قومه انه منهم ومثلهم, وهم يقولون له (مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ), أي انه ليس مميزاً عنهم باختلاف عمره.

      قال تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْوَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً (37) الفرقان. وهذا دليل أخر على طول أعمار قوم نوح , فهم كذبوا منذ بُعث إليهم نوح , فلو كانت أعمارهم قصيرة, إِذاً لن يدرك الغرق منهم إلا القلة القليلة, وأكثر المكذبين سيكونون قد ماتوا بطرق أخرى, وليس هذا ما تشير إليه هذه الآية وغيرها من الآيات, والتي توضح أن هلاك أولئك المكذبين كان بالغرق بلا ريب. وهو ما يدل على تطاول أعمارهم حتى ادركهم الغرق في نهاية المطاف.
      وفي قوله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً), أي انه قد لبث في نفس القوم يدعوهم ويحتج عليهم وينذرهم حتى ادركهم الغرق, فلا معنى لذلك لو كانت اعمارهم قصيرة, وكانوا يموتون وينشأ قوم اخرون غيرهم ليدعوهم, قال تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) الانعام). أي ان نوح قد دعا نفس القوم, ولم ينشأ من ذريتهم قوم اخرون ليدعوهم, بل هم انفسهم من طالهم العذاب واهلكوا بالغرق كما فهمنا من الآية (37) الفرقان.
      ايضاً مما يدل على طول اعمار قوم نوح هو ابناء نوح وزوجه واهله, فلو كانت اعمارهم قصيرة فكيف عاشوا معه كل هذا الزمن ليدركوا وقت الطوفان في اخر المطاف. وليس من المتوقع ان يكون نوح كان عازفاً عن الزواج حتى اخر عمره حيث تزوج وولد له, فليس هذا من سنة الانبياء جميعاً.
      كذلك نرى دعائه لوالديه بالمغفرة وهو ما يشير الى انهم قد عاشوا معه تلك السنين الطويلة من العمر, قال تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً (28) نوح).

      ومن حديث الرسول الكريم محمد قوله: (اعمار امتي بين الستين والسبعين وقليل من يجوز), يُفهم من هذا التخصيص ان اعمار الامم السابقة كانت طويلة.

      جاء عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه ؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاماً، قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلى يومك هذا. تفسير ابن كثير 6 /241
      و قال الامام السيوطي في الدر المنثور:
      وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: (قال لي ابن عمر كم لبث نوح في قومه؟ قلت: الف سنة إلا خمسين عاما، قال: فإن من كان قبلكم كانوا أطول أعمارا، ثم لم يزل الناس ينقصون في الاخلاق والآجال والاحلام والاجسام إلى يومهم هذا).
      الدر المنثور 6 /455.
      وقد جاء هذا الأثر عن ابن عمر عند الحافظ نعيم بن حماد في كتاب الفتن وعند الحافظ ابن الجعدي بأسانيد جيدة .
      واذا تأملنا حديث الرسول والذي جاء في صحيح البخاري: (عن أبي هريرة عن النبي قال خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ثم قال اذهب فسلم على أولئك من الملائكة فاستمع ما يحيونك تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن), وربطنا ذلك بقول ابن عمر رضى الله عنهما: (فإن الناس لم يزالوا ينقصون في الخلق والخلق والأعمار), فلا يمنع ان يُحمل النقص الذي في الحديث على المعنى العام الذي ذكره ابن عمر .

      كذلك نرى ان القرآن الكريم لم يستبعد حدوث التعمير في العمر وانه ليس بمعجزة تفرد بها نبي الله نوح , تأمل قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) البقرة), (أَنْ يُعَمَّرَ) وفيها دلالة انه قد يحدث ان يعمروا لاف سنة, لكن هذا لن يزحزحهم من العذاب كما حدث لقوم نوح. ولا يستبعد علميا ان نصل الى مرحلة متقدمة من التطور العلمي نستطيع فيها القضاء على جميع الامراض المميتة كالسكر وامراض القلب والسرطان وغيرها, وكذا تأخير شيخوخة الخلية, الامر الذي قد يؤدي الى اطالة العمر. وهناك ابحاث تجرى الان وخاصة على الخلايا الجذعية وبروتين GDF11 لفعل ذلك.



      · العلاقة بين طول العمر وعدد السكان:
      العلاقة بين طول العمر وعدد السكان هي علاقة طردية, أي انه كلما زاد طول العمر زاد عدد السكان على اعتبار ثبوت عدد المواليد, وذلك أن الأجيال تتراكم وتضاف إلى تعداد السكان.
      ولذلك تعزى الزيادة الكبيرة في تعداد سكان الأرض اليوم, فسكان الكرة الأرضية كانوا مليار ونصف المليار قبل مائة عام, واليوم يناهزون السبعة مليارات نسمة رغم ما تقوم به أكثر الدول للحد من زيادة السكان بتقليل الإنجاب.
      والسبب هو زيادة متوسط الأعمار بسبب التقدم التقني الكبير واكتشاف المضادات الحيوية وعلى رأسها البنسلين, وابتكار الأمصال والتقدم في أساليب الجراحة وزراعة الأعضاء, هذا بالإضافة إلى التقدم في أساليب زراعة الأرض بالمحاصيل وتوفير الغذاء وغيره الكثير الذي أدى إلى زيادة واضحة في متوسط العمر إذا ما قورن بمثيله في الثلاثينيات حين كانتالأمراض تفتك بالناسوكان الكثيرون يموتون في مقتبل العمر قبل ذلك.


      طول الدهر بين آدم ونوح :
      عن أبي أمامة أن رجلا قال: (يا رسول الله ! أنبيٌّ كان آدم ؟ قال : نعم، مكلَّم, قال: فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال: عشرة قرون). رواه ابن حبان في "صحيحه" (14/69) والحاكم في "المستدرك" (2/262) وقال : صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي .

      فهل تلك القرون هي قرون من الأمم أم قرون من الزمن؟ وفي رواية للحديث أنها كلها على الإسلام, فهل المذكورة هي قرون الإسلام فقط وهذا لا يمنع وجود قرون أخرى على الكفر حتى بُعث فيهم نوح .
      وإذا قلنا أنها قرون من الزمن فليس من المتوقع أن يكون طول القرن مائة سنة كما هو قرننا اليوم, ولو كان كذلك لعاصر آدم نوح وهذه مدة قصيرة جدا من الزمن لا تكفي لتحول الناس من الإيمان إلى الكفر.
      جاء في البداية والنهاية لابن كثير : (وإن كان المراد بالقرن، الجيل من الناس، كما في قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الإسراء: 37], وقوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [المؤمنون: 31] . وقال تعالى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: 38], وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [مريم: 74] . وكقوله : « خير القرون قرني... » الحديث. فقد كان الجيل قبل نوح، يعمرون الدهر الطويل، فعلى هذا يكون بين آدم ونوح، ألوف من السنين، والله أعلم), انتهى لابن كثير.
      قال أبو إسحاق(الزجاج ): (الـقـرن : هو مقدار التوسط في أعمار أهل الزمان ، فهو في قوم نوح على مقدار أعمارهم ، وكذلك في كل وقت ، مأخوذ من الاقتران فكأنه المقدار الذي هو أكثر ما يقترن به أهل ذلك الزمان في معايشهم ومقامهم ). انتهى من معاني القرآن وإعرابه للزجاج.
      ويؤيد ذلك قوله تعالى على لسان قوم نوح : (فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةًمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (24) المؤمنون), من الآية الكريمة يتبين أن لهؤلاء الكفار أباء ووصفوهم بأنهم الأولون أي لبعدهم عنهم, وهؤلاء الآباء كانوا على الكفر مثلهم, ولم يسمعوا بداعي الإيمان ولذلك استندوا إليهم في تكذيب نوح انه مرسل, فقالوا لم نسمع بهذا الأمر في أبائنا الأولين, لاحظ قولهم: ما سمعنا بهذا في ابائنا وليس من ابائنا دليل أنهم لم يعاصروهم.
      قال الطاهر ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ): (فالإشارة بــــ هذا إلى الكلام الذي قاله نوح، أي ما سمعنا بأن ليس لنا إلٰه غير الله في مدة أجدادنا، فالمقصود بالإشارة معنى الكلام لا نفسه، وهو استعمال شائع. ولما كان حرف الظرفية يقتضي زمناً تعين أن يكون مدخوله على تقدير مضاف، أي في مدة آبائنا لأن الآباء لا يصلح للظرفية.والآباء الأولون هم الأجداد.
      ولما كان السماع المنفي ليس سماعاً بآذانهم لكلام في زمن آبائهم بل المراد ما بلغ إلينا وقوع مثل هذا في زمن آبائنا، عُدّي فعل سمعنا بالباء لتضمينه معنى الاتصال). انتهى من التحرير والتنوير لابن عاشور.
      وهذا يدلنا وإذا أخذنا أيضاً في عين الاعتبار طول العمر الذي يناهز الألف سنة, على أن زمناً طويل جداً قد مر حتى تحول الناس للكفر قبل أن يُبعث فيهم نوح ويدلنا على طول الدهر بين آدم ونوح .
      في حديث صحيح وصف طول أبانا آدم بأنه ستون ذراعاً أي ما يقارب ثلاثون مترا وان الخلق في تناقص إلى يومنا هذا. وليس من المتوقع أن التناقص سريع وملاحظ, بل هو بطيء ويحتاج لزمن طويل لكي يُلاحظ, حتى وصل بنا الطول إلى هذا الحد الذي عليه الناس اليوم.
      ومن القرآن الكريم نتبين استثناء لهذه القاعدة, فقوم عاد قد وصُفوا أنهم أكثر عملقة من قوم نوح السابقين لهم, قال تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍوَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةًفَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) الأعراف). قال الشوكاني في فتح القدير: (أي طولاً في الخلق وعِظم جسم، زيادة على ما كان عليه آباؤهم في الأبدان). وقد اشتهر قوم عاد بطول أجسادهم والتي شبهها القرآن الكريم بجذوع النخل, وقوة أجسامهم بحيث أن الريح كانت تنتزعها إنتزاعاً لثباتها في الأرض.
      وحيث أن متوسط طول النخلة قد يصل إلى 10 – 15 مترا, وحيث أن قوم نوح اقل طولا من قوم عاد كما تبين من الآية السابقة, فهذا يعني أن أطوال قوم نوح قد تكون اقل من عشرة أمتار.
      ولو قارنا ذلك بطول آدم والذي يناهز الثلاثين مترا نتبين أن فرقا واضحا بين أطول قوم نوح وطول آدم مما يشير الى مرور زمن طويل جدا بين آدم ونوح ليسمح بتقلص الطول الى هذا الحد والله اعلم.
      والاعتقاد بأن بين آدم ونوح ألف سنة فقط ويماثلها بين نوح وإبراهيم مما يعني أن عمر البشرية قد لا يجوز عشرة إلى عشرون ألف سنة. وهذا الاعتقاد لاشك خاطئ حيث تقدر الدراسات العلمية والمبنية على دراسة المتحجرات بواسطة الكربون المشع أن عمر الإنسان طويل جدا وانه يعد بمئات ألاف السنين.
      تمعن الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية يشيربوضوحأيضا إلى أن الزمن بين آدم ونوح هو طويل وعمر البشرية اكبر مما نقل عن الإسرائيليات والتي تقدره بسبعة ألاف سنة فقط, لنتأمل قوله تعالى: (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) المؤمنون), ورد في روح المعاني للألوسي: ( تَتْرَا من المواترة وهو التتابع مع فصل ومهلة على ما قاله الأصمعي واختاره الحريري في «الدرة». وفي «الصحاح» المواترة المتابعة ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة وإلا فهي مداركة.), انتهى للألوسي.
      قال الطاهر بن عاشور: (ومعنى الآية: ثم بعد تلك القرون أرسلنا رسلاً، أي أرسلناهم إلى أمم أخرى، لأن إرسال الرسول يستلزم وجود أمة وقد صرح به في قوله كلما جاء أمة رسولُها كذبوه . والمعنى: كذبه جمهورهم وربما كذبه جميعهم.وفي حديث ابن عباس عند مسلم أن رسول الله قال: " عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد... " الحديث.), انتهى من التحرير والتنوير لابن عاشور.
      وفي الحديث الصحيح أن الرسول وصف أمته بأنها كالشعرة البيضاء في جلد ثور اسود أي دليل كثرة الأمم السابقة. وحيث أن كل امة إلا ولها نذير, وبالرجوع لقوله : (عن أبي ذرٍّ، قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! أيُّ الأنبياءِ كان أولُ ؟ ! قال : آدمُ، قلتُ : يا رسولَ اللهِ ! ونبيٌّ كان ؟ ! قال : نعم نبيٌّ مُكلَّمٌ، قلتُ : يا رسولَ اللهِ : كم المرسلونَ ؟ ! قال : ثلاثُ مئةٍ وبضعةَ عشرَ ؛ جمًّا غفيرًا .المصدر: تخريج مشكاة المصابيح - خلاصة حكم المحدث: صحيح).
      وقد لا يعني ذلك العدد نفسه بقدر ما يدل على الكثرة وذلك أن الرسول قد وصف أن أمته لا تعدو كونها شعرة في جلد ثور بين الأمم يوم القيامة (قَالَ : إِنَّ أُمَّتِي فِي الأُمَمِ كَالشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي الثَّوْرِ الأَسْوَدِ), وحيث أن كل امة لها رسول, وكل رسول يكون بينه وبين الرسول الذي يليه فترة من الزمن, إذاً هذا يدل دلالة واضحة على أن عمر البشرية طويل جدا وليس كما يتصوره البعض وهم متأثرون في ذلك بالإسرائيليات, بأنه قصير ولا يجوز السبعة ألاف سنة.
      وحيث أن الآيات الكريمة السابقة تخبرنا عن تتابع وتواتر الرسل لأممهم, ولو قلنا على اقل تقدير أن بين كل رسول والذي يليه مائة سنة فقط وهو قليل ومبالغ في قلته لأنه كي ينشأ القرن أو الأمة فان ذلك يتطلب زمناً طويلا, لكن بفرض أن بين الرسولين مائة سنة فهذا يجعل مجموع فترات رسالات الرسل المذكورين في الحديث أكثر من ثلاثين ألف سنة(300× 100), وهو رقم قليل جدا ولكن أوردناه كبرهان ورد على من يقول أن عمر البشرية سبعة ألاف سنة.
      كذلك قوله تعالى: (وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّوَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً (38) الفرقان), قال الطاهر ابن عاشور: وفي هذه الآية إيذان بطولِ مُدَد هذه القرون وكثرتها.
      جاء في البداية والنهاية لابن كثير : (ثم بعد تلك القرون الصالحة حدثت أمور اقتضت أن آل الحال بأهل ذلك الزمان إلى عبادة الأصنام، وكان سبب ذلك ما رواه البخاري من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عند تفسير قوله تعالى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح: 23] .
      قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسخ العلم عُبدت).انتهى من البداية والنهاية لابن كثير.
      وفي ذلك إشارة واضحة على طول الزمن بين آدم ونوح وانه يفوق الألف سنة بكثير.
      ملاحظة مهمة: حتى لو افترضنا ان بين آدم ونوح الف سنة, على فرض ان القرن يساوي مائة عام فقط, فهذا يعني مرور ثلاثة الاف سنة منذ كان الرجل الاول ( آدم ) وزوجه حتى حلول الطوفان, وهي مدة طويلة من الزمن تسمح بتكاثر الناس للمليارات حتى لو كانوا بنفس درجة تكاثرنا اليوم.
      · كم كان عدد قوم نوح (عدد سكان الأرض قبل الطوفان)؟:
      v ملاحظات مهمة يجب الإحاطة بها:
      § فسيولوجية الحمل والإنجاب: ليس هناك دليل من القرآن أو السنة النبوية على اختلاف الأولين عنا فيما يتعلق بفسيولوجية الحمل والإنجاب, لكن على العكس الدليل قائم من القرآن على أن فترة حمل الإنسان في بطن أمه هي كالمعتاد, قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاًوَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراًحَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (15) الاحقاف), تعلمنا الآية الكريمة مدة حمل الإنسان وبلوغه أشده, وفي ذلك رد على من يقول أن البشر الأوائل ونظرا لطول أعمارهم التي قد تصل إلى ألف سنة فمن المتوقع أن أمهاتهم يحملنهم سنين عديدة, ثم يرضعنهم عشرات السنين, وان الواحد فيهم على عمر المائة سنة يعد طفلا, وكل هذا ما هو إلا رجم بالغيب دون دليل يستند إليه من القرآن أو السنة.
      وكذلك قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِأَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) لقمان), هذا ما يشير إليه القرآن الكريم في فطرة خلق الإنسان وحمله وفصاله.
      تأمل كذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ (189) الأعراف), إِذاً هو حمل خفيف وليس سنوات طويلة من الحمل والمعاناة.
      § لا يوجد دليل من القرآن أو السنة على قلة أولاد الأولين وعلى النقيض فالقرآن يخبرنا عن كثرة أولادهم بل وكثرتهم, قال تعالى: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةًوَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداًفَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (69) التوبة), وقوله تعالى: (وَقَالُوا نَحْنُأَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداًوَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) سبأ).
      § ينقل العلماء أنه قد ولد لآدم أولاد كثيرون ومنهم تناسل البشر, قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) النساء).
      §قال ابن جرير الطبري : ولدت لآدم عشرون ومائة بطن ، أولهم قابيل وتوأمته قليما ، وآخرهم عبد المغيث حواء وتوأمته أمة المغيث, وأما ابن إسحاق فذُكر عنه أن جميع ما ولدته حواء لآدم لصلبه أربعون من ذكر وأنثى في عشرين بطنا، وقال : قد بلغنا أسماء بعضهم ولم يبلغنا بعض انتهى,( تاريخ الأمم والملوك).
      وقال الحافظ ابن كثير أن آدم لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف نسمة، والله أعلم,(من البداية والنهاية).
      ان كل هذا ليدل على كثرة توالد الناس قبل الطوفان إضافة إلى طول أعمارهم.
      § تتأثر الزيادة السكانية بعدد المواليد والوفيات, ويحكم هذه الزيادة مُعَادلات أسية معروفة يمكن بواسطتها تقدير عدد السكان:
      Nn = No (1 + r) n
      حيث: Nn = العدد المتوقع للسكان بعد مدة من الزمن.
      No = عدد السكان البدائي (العينة البدائية).
      r = نسبة نمو السكان وهي الفرق بين نسبة المواليد ونسبة الوفيات.
      n = الزمن الذي يمر على العينة البدائية وتنمو فيه.
      ملاحظة: (1 + r)n: n هنا رقم للأس فمثلا لو كانت r تساوي 9 و n تساوي 6 فمفكوك القوس = 1000000(مليون) وليس 60.
      لنضرب مثال لتوضيح المعادلة:
      نفرض أن هناك 250 من طائر البوم كعينة بدائية وهذه الطيور تزداد بمعدل 6% في السنة فكم بومة سيكون لدينا بعد عشرة سنوات؟
      No= 250, r = 6%= 0.06, n= 10 سنوات, إِذاً لإيجاد Nn وهو عدد البوم الكلي بعد العشر سنوات, نطبق المعادلة:
      Nn= 250(1.06)10 والجواب 448 بومة.
      ملاحظة: الرقم 1.06 بين القوسين مرفوع للأس 10 وليس مضروبا فيه.
      ولحساب الزمن الذي يمضي كي تتضاعف العينة السكانية نستخدم هذه المعادلة:
      زمن تضاعف العينة (t)= 0.69/r حيث r هي نسبة نمو العينة كما شرحنا من قبل.
      وللتطبيق في مثال البوم السابق نقول أن: t= 0.69/0.06= 11.5 سنة, أي أن العينة البدائية للبوم ( 250 بومة) ستصبح بعد مرور إحدى عشرة سنة ونصف السنة 500 بومة والخمسمائة بومة بدورها ستصبح 1000 بومة بعد مرور 11.5 سنة أخرى, أي بمرور 23 سنة على العينة البدائية وهكذا دواليك..
      § نود أن نوضحأيضا أن عوامل مختلفة تتحكم في الزيادة السكانية ومنها الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والزلازل وغيرها, وكذلك المجاعات والأوبئة الفتاكة وموارد الأرض. وحديثا تدخل الإنسان المباشر للحد من الزيادة السكانية عبر برامج الحد من الإنجاب واستعمال والوسائل الطبية المختلفة لمنع الحمل والإنجاب.
      § لنأخذ مثال منقول من دائرة الإحصاء البريطانية عن تعداد السكان في بريطانيا يوضح كيف أن البشر يتكاثرون بصورة مفرطة وفي وقت قصير:
      سنة 1086م كان يقدر عدد سكان بريطانيا بين 1.4- 1.9 مليون نسمة, وقد نمو بسرعة ليصلوا إلى 4 – 6 ملايين نسمة بحلول القرن الثاني إلى الثالث عشر أي بعد مائتي سنة.
      لكن القرن الرابع عشر تميز بحدوث وباء الطاعون ومجاعة مما فتك بثلث السكان في بريطانيا. وتلا ذلك بطء في نمو السكان بسبب تأخر سن الزواج وقصر متوسط الأعمار بسبب الأمراض وكذلك الهجرة. استمر ذلك قرابة الأربعمائة عام حتى حلول 1750م حيث كان عدد السكان يراوح الستة ملايين نسمة.
      غير أن عام 1800م شهد بداية الزيادة السكانية فوصل عدد السكان إلى ثماني ملايين نسمة وتضاعف العدد خلال أربعون عاما فقط ليصل إلى 15 مليون نسمة سنة 1840م.
      وقد تضاعف العدد أيضا بمرور ستون سنة فقط ليصبح ثلاثون مليون نسمة بحلول 1900م.
      وبسبب البرامج المكثفة لتقليل الإنجاب اضمحلت الزيادة السكانية ليبلغ عدد السكان أربعون مليون نسمة بحلول عام 1950م وخمسون مليون نسمة بحلول 2001م.
      § نظرة إلى إحصاء سكان الكرة الأرضية منقولا عن مركز إحصاء الأمم المتحدة:
      واحد مليار سنة 1804م.
      ملياران سنة 1927م ( بعد 123 سنة).
      ثلاثة مليارات سنة 1960م ( بعد 33 سنة).
      أربعة مليارات سنة 1974م (بعد 14 سنة).
      خمسة مليارات سنة 1987م ( بعد 13 سنة).
      ستة مليارات سنة 1999م ( بعد 12 سنة).
      يتضح التزايد السريع في سكان الكرة الأرضية ومرده إلى التقدم التقني والطبي والذي أدى إلى زيادة متوسط الأعمار. ويتوقع أن يستمر هذا التزايد في عدد السكان إلى الحد الحرج أو الطاقة الاستيعابية القصوى للأرض حيث يقدر العلماء أن كرتنا الأرضية هذه تستطيع أن تستوعب ما يعادل خمسون مليار نسمة إذا ما استغلت الموارد والثروات فيها الاستغلال الأمثل. · والآن ماذا عن تعداد قوم نوح ( عدد سكان الأرض قبل الطوفان
      مما سبق من معادلات وما تم توضيحه يتبين لنا قدرة الجنس البشري على التكاثر السريع في زمن وجيز إذا ما زاد عدد المواليد وطال العمر (نقص عدد الوفيات), حيث يتخذ منحنى التزايد شكل حرف (J) وهو يعنى الزيادة المضطردة مع تقدم الزمن. والآن كيف ننظر للفترة الزمنية الطويلة الممتدة من آدم إلى نوح فيما يخص تزايد البشر, اخذين في عين الاعتبار طول الأعمار الذي يناهز الألف سنة وكثرة المواليد والتي لا يحدها تدخل طبي لخفض الإنجاب, وكثرة موارد الأرض كما جاء في قوله تعالى عن الأمم السابقة: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍحَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) الأنعام), وقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍبَطِرَتْ مَعِيشَتَهَافَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) القصص). كذلك قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍمَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْفَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6) الأنعام). وحتى السجل الإحفوري للأرض يوضح أن المناخ كان أفضل بكثير مما هو عليه ألان, وأن النباتات والحشائش على الأرض تفوق بثلاثين مرة موارد اليوم. بل أن هناك مجاري للأنهار في بيئات تعد صحراوية بالنسبة لنا اليوم مثل الصحراء الكبرى وصحراء استراليا وصحراء الربع الخالي, وكل ذلك هيأ تربة خصبة لتكاثر البشر آنذاك.
      حسب المعادلات التي عرضناها سابقا بإمكان ألف شخص من البشر التكاثر إلى مليارات عدة خلال فترة قد لا تزيد على الألفين إلى ثلاثة ألاف عام إذا كان معدل تزايدهم 1.3% للسنة وهو معدل تزايدنا ألان, ويعتبر متدني جدا إذا ما قورن بمعدل التزايد في الستينيات حيث بلغ 2%, هذا على اعتبار أن الأعمار قصيرة تشبه أعمارنا اليوم فكيف اذا قسنا ذلك على أعمار الناس قبل الطوفان؟. لمن لا يجيد التعامل مع المعادلات سنضرب مثال بسيط لتوضيح المسألة: نفترض أن زوجين اثنين من بشر قبل الطوفان (رجلان وامرأتان) قد أنجب كل زوج منهما عشرة أفراد بين بنين وبنات بنسبة 1:1 أي أن مجموعهم عشرون فردا + أبائهم وذلك بعد مرور خمسون سنة على زواجهم (زواج الآباء). وبعد أن بلغ الأبناء أشدهم (قل الأربعون عاما كما ذُكر في القرآن) تزوجوا, وبعد قل خمسون عاما أنتجت العشر نساء كل واحدة عشرة أفراد كذلك, أي: 10x10 = 100 فرد بعد مرور مائة وخمسون عاما. ثم بعد مائة عام أخرى أنتجت الخمسون امرأة خمسمائة فرد, وبعد مائة سنة ثالثة أنتجت 250 امرأة 2500 شخص وبعد مائة رابعة أنتجت 1250 امرأة 12500 شخص, ثم بعد مائة سنة خامسة أنتجت 6250 امرأة 62500 شخص. واستمر التزايد البشري وبحلول المائة السادسة أنتجت 31250 امرأة 312500 شخصا, ولتسهيل الحساب وتقليل تكدس الأرقام سنتغاضى عن الأرقام الصغيرة فنقول ثلاثمائة ألف شخص حيث نصفهم نساء فستنتج مائة وخمسون ألف امرأة بحلول السنة السبعمائة, مليون ونصف المليون شخص. وفي السنة الثمانمائة ستنتج سبعمائة وخمسون ألف امرأة سبعة ملايين ونص مليون شخص وهذا على افتراض أن كل امرأة تولد عشرة بطون خلال خمسون عاما وهو رقم قد يكون قليل جدا لنساء قبل الطوفان حيث قوة وصحة الأبدان وطول العمر. وألان وقد وصلنا للسنة التسعمائة حيث ستلد ثلاثة ملايين وسبعمائة وخمسون ألف امرأة سبعة وثلاثون مليون ونصف المليون شخص. وفي السنة الألف هناك ثماني عشرة مليون وسبعمائة وخمسون ألف امرأة ستنجب مائة وسبعة وثمانون مليون ونصف المليون فرد. ملاحظة مهمة: هنا فقط نحصي الأفراد الجدد ولم نضف عليهم الآباء والأجيال المتراكمة, حيث الناس يعمرون للألف سنة وبذا يحصون كل سنة في التعداد, وهو يشكل زيادة كبيرة إذا قورنت بوقتنا الآن حيث يموت الجيل السابق ويندثر بعد مرور مائة سنة ولا يحصى في تعداد السكان. وبحلول الألف الأولى يكون قد توفى فقط أربع أفراد وهما الزوجان الأولان حيث مر على حياتهم ألف سنة ولكن موتهم لن يذكر ولن يغير شيئا في النتيجة. وعند المائة الأولى بعد الألف الأولى ستنتج ثلاثة وتسعون مليون امرأة تسعمائة وثلاثون مليون فرد أي ما يقارب مليار شخص. وفي المائة الثانية بعد الألف ستنتج خمسمائة مليون امرأة خمسة مليارات (بلايين) شخص والمائة التي تليها أي الثالثة بعد الألف ستنجب اثنين مليار ونص المليار امرأة خمسة وعشرون مليار شخص وهو أربع أضعاف سكان الأرض اليوم. ملاحظة: قد يعتبر البعض أن هذه الأرقام مبالغ فيها جدا ولذلك نقول اعتبر أن المرأة الواحدة تلد العشرة بطون في خمسمائة عام وليس في مائة عام وهذا قليل جدا ومبالغ في قلته بالنسبة للبشر الأوائل. لكن الأمر سيفضي لنفس النتيجة مع زمن أطول فبدل أن نصل للمليارات في غضون ألفي عام سنصلها في غضون خمسة ألاف عام ومازال لدينا وقت طويل بين آدم ونوح ليسمح بتكاثر مهول للبشر وحتى لو اعتبرت أن أعمارهم مثل أعمارنا. ملاحظة : لو أجريت الحسبة على أن أربعة أفراد (رجلان وامرأتان) من البشر الأوائل وكل زوج منهم ينتج فقط أربعة أفراد بدل عشرة في مائة سنة, فسيصبح عددهم سبعة عشرة مليار شخص ونيف بعد مرور 3200 سنة, وهذا بدون إضافة الأجيال المتراكمة بسبب طول العمر. الخلاصة: يتضح لنا بجلاء وبالنظر لطول عمر البشر قبل الطوفان, وكثرة توالدهم وعدم قدرتهم (حسب اعتقادنا) على كبح التوالد, وطول الأمد بين آدم ونوح , ووفرة موارد الأرض وعدم حصول عذاب الاستئصال في القرون بين آدم ونوح , ان البشر قد وصلوا الى تعداد مهول جدا قد يفوق بأضعاف ما هو عليه الآن. وقد ذهب احدهم في مقالة باللغة الانجليزية بعنوان (GLOBAL POPULATION PAST AND PRESENT) على هذا العنوان (http://www.creationconcepts.org/resources/POPULATE.pdf), لتقدير عدد سكان الأرض قبل الطوفان بمائة وتسعون مليار ( بليون) شخص أو مائة مليار على اقل تقدير كما ورد في المقالة. وهذه أيضا عناوين مقالات تتفق مع ما توصلنا إليه من كثرة البشر قبل الطوفان وأنهم قد وصلوا لتعداد مهول يفوق ما وصلنا إليه اليوم: · Population of the PreFlood World · https://biblescienceguy.wordpress.com/2014/06/18/4-population-growth-how-many-died-in-noahs-flood/ § الإثباتات من القرآن الكريم على كثرة القوم: o قال تعالى:(وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍوَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) نوح), لاحظ لو أنهم قلة في الموصل أو جزيرة العرب لقيل: يجعل لكم نهرا وهذا يكفيهم, لكن نظرا لكثرتهم وعمومهم الأرض قاطبة فهم يحتاجون انهارا. o قال تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً (23) وَقَدْ أَضَلُّواكَثِيراًوَلا تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً (24) نوح), لاحظ تعدد الآلهة وكثرتها يشير لكثرة من يعبدوها فلو كانوا قلة لاكتفوا بواحدة أو اثنتين, وكلمة (كثيرا) في الآية 24 تشير لكثرة الناس أيضا. o قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّلا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (26) نوح), دعاء نوح على كفار الأرض قاطبة دليل انتشار الكفار في أصقاع الأرض لكثرتهم. o قال تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَوَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِسَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) هود), كلما مر عليه ملأ من قومه: تدل على كثرة الملأ من القوم لكثرة مرورهم, وبذا كثرة القوم أنفسهم. لاحظ أيضا: (مر عليه) وليس مر به وهذه لنا معها وقفة إن شاء الله لاحقاً. o قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ بِسَاطاً (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً (20) نوح). وفيها اشارة لانتشارهم في ارجاء الأرض وذلك لكثرتهم. o عموم الطوفان كل الأرض وشدة الطوفان بحيث أن الموج كان كالجبال وعلاها, وكل هذا ينبئ بكثرة الناس وقوة عمرانهم للأرض وتطاول بنائهم, وتمكنهم فيها, فهل يحتاج شرذمة من القبائل في صحراء يرعون المواشي ويسكنون بيوت الشعر والخيام لمثل هذا الطوفان العظيم؟. وسنرى لاحقا إن شاء الله إثبات عموم الطوفان للأرض. o قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْكَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِفَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِوَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (83)غافر), تدل على كثرة البشر الأوائل بل وقوتهم وشدة أثارهم في الأرض فمن يمتلك ذلك ليس من المتوقع أن يكون شرذمة في الأرض, بل لابد انه قد ملأ الأرض بكثرته, فالآثار التي تركوها تحتاج لعدد غفير من البشر لانجازها. لاحظ أيضا في الآية (83) إنهم يمتلكون العلم وليسوا شعوبا متخلفة وبدائية كما يدعي مناصرو نظرية التطور, ومن يمتلك العلم لابد وانه مزدهر الحياة وهذا سيفضي لزيادة السكان والله اعلم. o قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍالْمُرْسَلِينَ (105) الشعراء), ظاهر النص القرآني يشير إلى أن هناك مرسلين وليس رسولا واحدا لقوم نوح. وهنا قد يقول البعض أن نوح وفي الحديث الصحيح هو أول رسل الله لأهل الأرض, نقول لا غبار على ذلك ولكن لا ينفي ذلك انه قد أُرسل بعد إرسال نوح مرسلون آخرون ليؤازروه في نشر الدعوة, ومثل هذا الأمر وارد ذكره في القرآن الكريم كمؤازرة هارون لموسى , وأهل القرية التي أرسل إليها تباعا ثلاثة مرسلين كما جاء في سورة يس, وكذلك كان يحيى وعيسى في آن واحد. وهذا إن صح والله اعلم فيدل على كثرة القوم وانتشارهم في أصقاع الأرض, ونوح هو الرسول العام لهم, ومن المرسلين من أرسل بعده ولكن في وقت دعوته ليساعده في تبليغ الرسالة ولم يقص الله على رسوله الكريم أسمائهم, قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَوَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَوَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) غافر), وتنكير (رسل) يفيد التعظيم والتكثير, وفي الآية دلالة على كثرة الرسل, قال تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ (208) الشعراء). وقد يُفهم كذلك من قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَوَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍوَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (58) مريم). (وممن حملنا مع نوح): قد تشير إلى أن رسلا قد حُملوا مع نوح على السفينة وقد كانوا يساعدونه في نشر دعوته لقومه وهو يدل على كثرة القوم قبل الطوفان. لاحظ (ممن حملنا مع نوح) وليس (من ذرية من حملنا مع نوح) وسنتطرق لاحقا لهذا بالتفصيل. o من البداية والنهاية لأبن كثير في قصة نوح (استئناسا بما ذكره السلف الصالح) ورَدَ ما يلي: (وعمَّ الطوفان جميع الأرض طولها والعرض، سهلها، وحزنها، وجبالها، وقفارها، ورمالها، ولم يبق على وجه الأرض، ممن كان بها من الأحياء، عين تطرف، ولا صغير، ولا كبير. قال الإمام مالك، عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان، قد ملؤوا السهل، والجبل. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لم تكن بقعة في الأرض، إلا ولها مالك، وحائز. رواهما ابن أبي حاتم). ملئوا السهل والجبل وعموا الأرض وهو يوافق ما ذهبنا إليه من كثرة الناس قبل الطوفان بدرجة تفوق تصورنا البسيط عن بداية البشرية. o قال تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍعَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَوَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) هود). قيل في تفسيرها: اهبط بسلام وبركات من الله عليك وعلى أمم تنشأ من ذرية من معك من المؤمنين, حيث اعتبرت (من) هنا لابتداء الغاية. لكن الزمخشري قال: (وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ يحتمل أن تكون من للبيان, فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعات, أو قيل لهم أمم، لأنّ الأمم تتشعب منهم), من الكشاف للزمخشري. وهذا ما نرجحه وذلك انه إذا قيل أن السلام والبركات على نوح وعلى أمم تنشأ من ذرية من معه من المؤمنين, فلماذا لم يُذكر السلام والبركات لهم هم أولاً,وهم أولى وأحوج للمباركة لقلة عددهم, ثم ذريتهم بعد ذلك؟ كأن يقال: عليك وعلى من معك وعلى أمم من ذرياتهم, ولذلك نقول أن المراد (بأمم ممن معك), أي أن أمما قد حُملت مع نوح . وأمم تدل على تعدد أعراق أولئك المؤمنون مع نوح وكثرتهم وهو يدل على العدد المهول لسكان الأرض قبل الطوفان وتشعبهم في الأرض وفيه إشارة إلى أن المؤمنين مع نوح قد جاءوا من أعراق مختلفة وشعوب مختلفة والله اعلم.
      قال ابن عاشور: (وَالْأُمَمُ: جَمْعُ أُمَّةٍ, وَالْأُمَّةُ: الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ مِنَ النَّاسِ الَّتِي يَجْمَعُهَا نَسَبٌ إِلَى جَدٍّ وَاحِدٍ). وهذا يدل على أن الناس من نسل آدم قد تشعبوا في الأرض وغدوا شعوبا وقبائل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات). ملاحظة: لمزيد من التفصيل أنظر لاحقاً في البحث تحت عنوان (مجرد تساؤلات). o وتعليقا على ما سبق من الأدلة قد يُطرح سؤال: لماذا إِذاً لم يتكاثر البشر بعد الطوفان التكاثر الكبير ولم يحل هذا التكاثر إلا في عصرنا هذا رغم مرور ردحا طويلا من الزمن منذ الطوفان؟ والجواب ببساطة هو عذاب الاستئصال والذي كان يحل بالقرون من الأمم, فسنة الله في الأمم والقرون السابقة هو استعمار القرن في الأرض حتى يتكاثر الناس فيبعث فيهم رسولا بالبينات فيكذبوه فيحل بهم عذاب الأخذ والهلاك التام, ولا ينجى إلا القلة المؤمنة ليبدأوا دورة جديدة من الحياة وينشأ منهم قرن أخر, تأمل قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْاكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْفِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6) الأنعام), وقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍوَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (17)الإسراء). كذلك تأمل ما جاء في سورة المؤمنون بعد ذكر نوح وفلكه, قال تعالى: (ثُمَّأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (32) المؤمنون), إلى قوله تعالى في نفس السورة, (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَاكَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَفَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) المؤمنون). وهذا يفسر لماذا لم يتكاثر البشر ويبلغوا المليارات إلا في العصر الحديث, وقد تأخر عنهم عذاب الأخذ ولكنه سيحل بهم قبل قيام الساعة وبرحمة الله سيكشف عنهم بعد أن يأخذ أكثرهم وسنتطرق لذلك في بحث أخر إن شاء الله. لكن القرون قبل الطوفان لم يصبها عذاب الأخذ والهلاك لأنها كانت على الإسلام منذ آدم ولذلك تكاثروا التكاثر الكبير حتى حلول الطوفان وهو أول عذاب للأمم. ملاحظة: قد يقول البعض أن في قوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) نوح), دليل على أن أرضهم كانت صحراء مجدبة, وأنهم كانوا قليلي الأبناء, نقول أن هذا القياس ليس دقيق فقد ورد مثل هذا على لسان هود في قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) هود), فهل هذا يعني أن قوم عاد كانت أرضهم قفراً؟ تأمل قوله تعالى بشأن أرضهم:(وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) الشعراء), أي أن لديهم كثرة الأبناء والجنات والعيون, وهذا الذي وصف القرآن به الأمم والقرون السابقة مثل قوم نوح وعاد وثمود بأنهم كانوا مترفين, وكانت أرضهم مليئة بالأنهار والجنات والعيون وقد فتح الله عليهم أبواب كل شيء ومكنهم في الأرض. لكن مع ذلك قد يكونون قد تعرضوا لبعض القحط ونقص الأموال والثمرات في وقت من الأوقات قبل حلول عذاب الأخذ والهلاك بهم, وهذا بمثابة تمحيص لهم ورسالة ابتلاء لعلهم يرجعون, قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَاأُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) الأنعام). فعلى هذا قد يكون قوم نوح قد تعرضوا في سنينهم الأخيرة لشيء من القحط وذلك بهدف التضرع والعودة لله , وقد قيل أن نسائهم عُقّمن في الأربعين سنة الأخيرة قبل الطوفان ولم يولد لهم ولد وكل من هلك في الطوفان كانوا بالغين مكلفين. 1- قوم نوح كانوا متطورين: مما سبق سرده من أدلة وبراهين تبين كثرة الناس قبل الطوفان وعمومهم الأرض وان عددهم يفوق ما وصل إليه عدد سكان الأرض اليوم, ومن هذا المنطلق سنعيد النظر والتأمل في قصة نوح مستعينين بالله في إجلاء الحقيقة ومتأملين في كتابه الكريم الذي يأتينا بالبراهين الساطعة. تصورنا البسيط عن قوم نوح كونهم قله من القبائل المتأخرة والتي تعيش حياة بدائية جداً كونهم في مطلع العهد البشري (أنصار نظرية التطور والارتقاء), ومسكنهم الصحاري والبراري ولذلك استهجنوا صناعة سفينة في منطقة صحراوية. هذا التصور لم يعد قائما بعد ما ذكرناه من أدلة على كثرة الناس وعمومهم الأرض, فلا يمكن تصور حياة بدائية بملايين البشر بل المليارات منهم. واختصاراً نقول وعلى عكس تصورنا السابق فقوم نوح كانوا متقدمين جداً وفتح الله عليهم من العلوم ما لم يفتح علينا. ولا نعلم هل ذلك مرده لقربهم من آدم وقد علمه ربه, أم أن العلم قد تطور لديهم بقدرة الله وتمكينه كما تطور لدينا في حقبة وجيزة جداً من الزمن. وهذا القول على خلاف أنصار نظرية التطور والذين يدّعون أن كل ما لدينا اليوم من علوم وفتوحات هي بقدرة الإنسان الحديث, ونتاج إبداع عقول علماء أمثال نيوتن واينشتين وغيرهم, لكن الواقع أن هؤلاء لم يكونوا ليهتدوا لمثل هذه الفتوحات في العلم في وقت وجيز لولا منّ الله وفضله وعطائه وتمكينه كما مَكّن لمن قبلنا ولعله فتنة. وسنورد الآن إثباتات أن قوم نوح كانوا متقدمين ... يتبع

    • #2
      · إثباتات ان قوم نوح كانوا متطورين: v قال تعالى: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْأَطْوَاراً (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً(16) نوح), تلك هي حجة نوح على قومه: لماذا لا ترجون لله وقارا وتعلمون انه قد خلقكم في بطون أمهاتكم أطوارا؟ فهل كان ليحتج عليهم بهذه الحجة لولا تقدمهم الطبي ومعرفتهم لأطوار الجنين كما نعرفها اليوم؟ وهل من اللائق دعوة أناس متأخرين علمياً والاحتجاج عليهم بأشياء لا يعرفونها مثلما تقول لإنسان في أدغال إفريقيا: اعبد الله الذي خلق لك ذرة الأكسوجين تحتوي على ثمانية الكترونات, هل سيفهم ذلك؟ ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا؟ سؤال مباشر يوجهه اليهم, فلو كانوا لم يروا أو يعلموا العلم الأكيد بوجود تلك السموات لكان الرد بكل بساطة لم نرى ذلك. قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: (والهمزة في ألم تروا للاستفهام التقريري مكنى به عن الإِنكار عن عدم العلم بدلائل ما يرونه. والرؤية بصرية, ويجوز أن تكون علمية, والمعنى: ألستم ترون هيئة وحالةَ خلقِ الله السماوات).
      وهل رأينا بما وصلنا إليه من تقدم نعده مذهلا السماء الثانية؟ بل هل رأينا كل السماء الأولى (الدنيا)؟ إن كل ما رأيناه من مليارات المجرات التي تحوي مليارات النجوم لا يشكل إلا جزءا من السماء الدنيا والمرصعة والمزينة بالنجوم والكواكب. قال تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) ق), وهو خطاب لأمة محمد إلى يوم الساعة, ونلحظ فيه أن الحديث عن سماء واحدة وليس عن السموات, ألا وهي السماء الدنيا الأقرب لنا لكونها مزينة بالكواكب والمصابيح, وهي التي نستطيع النظر إليها. لكن في حالة قوم نوح فيخاطبهم عن السموات وهو ما يفيد معرفتهم بها بحيث تصبح هذه المعرفة بمثابة حجة تقام عليهم. قَالَ الْحَسَن : خَلَقَ اللَّه سَبْعَ سَمَوَات طِبَاقًا عَلَى سَبْع أَرَضِينَ , بَيْنَ كُلّ أَرْض وَأَرْض , وَسَمَاء وَسَمَاء خَلْق وَأَمْر . ( تفسير القرطبي). ولا نعلم على وجه التحديد كيف تمكنوا من رؤية السموات السبع وهل كانت رؤية مباشرة أم بواسطة تحقيق اتصال بمخلوقات ذكية غير البشر تعيش في تلك السموات, وقد علمنا من القرآن احتواء تلك السموات على أراضين ومبثوث فيها من الدابة العاقلة منها المؤمن ومنها المعرض مالا يعلمه إلا الله . وقد يكون المراد بالرؤية العلم، وتوصيف السماوات السبع - والكلام مسوق سوق الحجة - يدل على أنهم كانوا يرون كونها سبعاً ويسلمون ذلك فاحتج عليهم بالمسلم عندهم. وهل كانت الرؤية رؤية عقل عبر التوصل لمعادلات رياضية حاسمة تؤكد وجود أكوان سبعة مطابقة تماما لكوننا هذا, علما أن ضوء مثل هذه المعادلات بدأ يلوح في أفقنا اليوم بتوصل فريق من العلماء لنظرية مهيمنة على نظرية النسبية وتُدعى نظرية الأوتار الفائقة أو النظرية الأم أو نظرية كل شيء, وبعض من يُنظّر لها يفترض وجود أكوان أخرى غير كوننا الذي نعيش فيه وموازي له ( الأكوان الموازية أو العوالم الموازية). من الملاحظ أنه لم يوجه أي رسول أخرغير نوح كما فهمنا من القرآن الكريم مثل هذه الأسئلة لقومه, وفي ذلك إشارة لنا لنتأمل لماذا كان يسألهم نوح مثل هذه الأسئلة؟ فما الجدوى من تلك الحجج أن لم يكن لهم دراية ومعرفة سابقة بها. بل أن القرآن الكريم يحث المكلفين للنظر إلى سماء واحدة فوقهم, ويخبرنا بنزول الماء من سماء واحدة وليس من السموات, ولا توجد آية تشير لنا للنظر إلى السموات السبع, قال تعالى: (أَفَلَمْيَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْكَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) ق), واضح أن المقصود هي السماء الدنيا المزينة بالكواكب وقوله تعالى: (أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) الغاشية), النظر إلى سماء واحدة وليس إلى السموات, وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً), لاحظ إنزال الماء من سماء واحدة وليس من السموات. وفي قوله تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ), لاحظ أن التي تقع على الأرض هي سماء واحدة وليس كل السموات وهو ما يدل على أن كل ارض من الاراضين السبعة تظلها سماء واحدة وليست كل السموات وهي التي قد تقع عليها لولا حفظ الله . (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً), وهذا أيضاً من حجة نوح على قومه, والسؤال الذي يتكرر من قِبل الملحدون والمشككون في الدين: كيف ينير هذا القمر الصغير السبع سماوات إذا كان نوره حتى لا يصل لأقرب الكواكب لنا؟ والجواب أن هناك من الأقمار الكثير على شاكلة هذا القمر تنير لسكان الاراضين المنتشرة في تلك السموات مع شموس أيضا في مجموعات شمسية مختلفة في مجرات متباعدة ومنها التي سافر إليها ذو القرنين في رحلته السماوية وحط على أراضيها ووجد ما وجد من خلق (راجع بحثنا: بالأدلة القرآنية رحلة ذي القرنين فضائية ويأجوج ومأجوج ليسوا على هذه الكرة الأرضية على العنوان التالي: http://vb.tafsir.net/tafsir33069/#.VG9JDtw0WSo). قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فصلت), لاحظ استعمال صيغة الجمع مع الشمس والقمر المعنيتان بالسجود ولم تستعمل صيغة التثنية وفي ذلك إشارة إلى تعدد الشموس والأقمار. وكذلك في قوله تعلى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُمَنْ فِي السَّمَوَاتِوَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاًوَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد), مَنْ في السموات: تفيد خلقاً عاقلاً, أي أن هناك خلق عاقل يسجد في السموات أيضا, وظلالهم بالغدو والآصال: تفيد أن لهذا الخلق العاقل الموجود في السموات ظل, وظله يسجد بسجوده في وقتي الغدوة والأصيل, ومعلوم أن الظل يدل على وجود الشمس: (أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّجَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) الفرقان), ما يفيد وجود شموس وأقمار في تلك الاراضين كما شمسنا وقمرنا. القمر نورا: لان نوره مكتسب من شعاع الشمس, والشمس سراج لأنها ملتهبة, وهذا يدل على معرفة قوم نوح للطبيعة الفيزيائية لكل من القمر والشمس. v قال تعالى: (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْجِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّيأَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ
      لَهُمْ إِسْرَاراً (9) نوح).
      دعا نوح قومه ليلاً ونهاراً بثلاث طرق من الدعوة: الدعوة الجهرية, أي جهر لهم بالصوت, الدعوة بالإعلان, أعلن لهم بدعوته والإعلان قد يأخذ أشكالاً وطرقاً مختلفة, والدعوة السرية: وتفيد دعوة كل فرد بصورة سرية حتى يكون بمنأى عن تأثير الجماعة, قال الشوكاني في فتح القدير: (أسررتُ : أي أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها). لكن السؤال المهم: كيف تمكن نوح بوسائل بدائية بالجهر لمليارات البشر أو قل للملايين منهم؟ نرى اليوم أنه إذا حدث خلل في مكبر الصوت بالمسجد فبالكاد يستطيع الصف الثالث سماع الإمام, فماذا إذا كان عدد المناطون بالدعوة مليارات؟ وكيف أعلن لهم كذلك؟ لكن السؤال الأهم من ذلك هو كيف اسر لهم بدعوته, فهذا يتطلب الالتقاء بكل فرد على حده لإقناعه وشرح الْبَيِّنَات له؟ من الصعب في ضوء ما أوردناه عن تكاثر الناس قبل الطوفان إلى حد كبير, التسليم ببدائية المجتمع, وعدم امتلاكه لوسائل متقدمة كالتي مكّنا الله فيها اليوم من وسائل اتصال وانترنت وتلفزة وصحف وغير ذلك من الوسائل التي نستعملها اليوم لنشر الدين وبدونها من الصعب أن توصل فكرتك لملايين البشر. إذاً لابد وان نوح قد استعمل وسائل مثل الانترنت والبريد الالكتروني ورسائل (SMS) وقد تَفوقُ في تقدمها الوسائل التي نستعملها اليوم. لاحظ كذلك في قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِيلَيْلاًوَنَهَاراً (5) نوح), تقديم الدعوة بالليل على الدعوة بالنهار, فلو كان المجتمع بدائي فمن الطبيعي أن ينتهي يومهم بحلول الغسق, والمتسع لدعوتهم هو النهار لا الليل لتوفر الإضاءة الطبيعية (الشمس). لكن المجتمعات المتقدمة عادة ما تكون منهمكة في العمل في النهار والمجال ضيق لشرح الأفكار لعامل أو موظف أثناء عمله, وعلى العكس يكون المتسع بالليل إذا ما توفرت الوسائل المتقدمة مثل إنارة الكهرباء ومشاهدة الإعلان بواسطة التلفزة وتلقى الخطابات عبر البريد الالكتروني أو الرسائل عبر الجوال وما إلى ذلك من طرق إيصال الدعوة. v قال تعالى: (حَتَّىإِذَا جَاءَ أَمْرُنَاوَفَارَ التَّنُّورُقُلْنَا احْمِلْ فِيهَامِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَابِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِيبِهِمْفِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِوَنَادَى نُوحٌابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍيَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍيَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِقَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَمِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ (43) هود). الالتصاق بظاهر النص القرآني وعدم الحيود عنه بالإضافة إلى فهم ترتيب الإحداث أمران مهمان لمعرفة - بمشيئة الله - ما حدث على حقيقته. حتى: تفيد انتهاء الغاية, (إذا جاء أمرنا): شرط, وجوابه: (قلنا احمل), وأمر الله هو العذاب أي الطوفان, مثل قوله تعالى: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً), وقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً), وقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً), وقوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ), كذلك قوله تعالى في سورة هود: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ). إِذاً ترتيب الأحداث كالأتي: صناعة السفينة, حلول العذاب(أمر الله), وفوران التنور, القول من الله لنوح بتحميل السفينة فقال نوح لأهله والمؤمنين: اركبوا فيها باسم الله مجريها ومرساها فجريانها في موج كالجبال. إِذاً تم تحميل السفينة بركابها بعد انهمار الماء وهذا يؤيده أيضا قوله تعالى: (إِنَّالَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْفِي الْجَارِيَةِ (11) الحاقة), أي عندما علا الماء وارتفع فوق الأشياء تم حملهم فيها, ويؤيده أيضا قوله تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) القمر), فتسلسل الأحداث كما بينته الآيات الكريمة: انهمار ماء السماء وتفجير ينابيع الأرض والتقاء الماء وإطباقه وطغيانه وحمل أهل السفينة. ومن الواضح من الآيات أن العذاب كان شديدا وغامرا وليس تدريجيا وليس هناك إشارة إلى انه مطرٌ قد بدأ متدرجا فازداد, بل هو انهمار للماء بسرعة وقوة, وتفجير لينابيع الأرض, وإطباق الماء وعلوه, وبلوغ الموج طول الجبال وسنتطرق لذلك لاحقا إن شاء الله. وسنقف ألان عند جزئيتين بشيء من التحليل والله نسأل التوفيق: التنورُ: ما هو؟ ومناداة نوح لابنه متى وكيف حدثت؟ o أولا: التنور: لن نستفيض كثيرا في شرح التنور في هذا الموضع, ذلك أننا سوف نخصص شرحا وافياً له وما هي طبيعته حين التطرق لطبيعة سفينة نوح في جزءٍ لاحق من هذا البحث أن شاء الله. لكن باختصار فالتنور في اللغات العربية والعبرية والفارسية يعني الفرن, وقد اختلف المفسرون في طبيعته وعلاقته بالسفينة والطوفان, لكن جُلّ المفسرين ذهب إلى انه فرنٌ لأمراة نوح وقيل انه لحواء وقد اُستغل كإشارة لنوح من ربه, حين يرى فوران الماء منه فيهرع لتحميل ركاب السفينة. لكن يعارض هذا التفسير قوله تعالى: ( قلنا احمل فيها), فالأمر واضح جلي من الله في الوقت المناسب بالقول لنوح بتحميل السفينة وليس الأمر في حاجة إلى إشارة بعد هذا. فحين تلقى نوح الأمر من ربه بتحميل السفينة كما وضحته الآيتان (40 و 41) هود, قال لهم نوح اركبوا فيها ولا داعي لينتظر فوران الماء من فرن. إِذاً التنور وفورانه ليس أشارة من الله لنوح لتحميل السفينة, وذلك أن الأمر بتحميلها ورد واضحاً في قوله تعالى (قلنا احمل فيها). إذاً للتنور شأن أخر سوف نتعرف عليه لاحقا إن شاء الله. o ثانيا: مناداة نوح لابنه: متى وكيف حدثت؟ قال تعالى:(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِوَنَادَى نُوحٌابْنَهُوَكَانَ فِي مَعْزِلٍيَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَاوَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍيَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ (43) هود). الواو في ونادى: قد تفيد أو لا تفيد التعقيب, أما إذا كانت تفيد التعقيب والمعية فهذا يعني أن نوح قد نادى ابنه والسفينة تجري في موج كالجبال, وهذا لا يتسنى فهمه الا اذا كان النداء لاسلكيا. أو أن الواو لا تفيد التعقيب وهذا من شأنِها, وهذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين, وقولهم أن نوح قد نادى ابنه قبل حدوث الطوفان, وكان ابنه في معزل عن المؤمنين فقال له يا بني اركب معنا فرفض وقال سآوي إلى جبلٍ يعصمني, فرد عليه نوح انه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. ونتوقف هنا لنحلل ذلك: نادى: فعل يفيد المحادثة عن بعد وقد يفيدها عن قرب, لكن هل كانت محادثة نوح لابنه عن بعد أم عن قرب؟ نتبين ذلك من قوله تعالى: (وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ), وهي جملة حالية تصف حال ابن نوح حين حدث النداء, لقد كان في معزل, ولو كان نوح بمعيته حال النداء لقيل وكانا في معزل, لكن هنا نتبين اختلاف حال الابن عن أبيه وقت المناداة وهو ما يشير إلى أن المحادثة قد تمت عن بعد والله اعلم. كان في معزل: المعزل إما أن يكون من الماء, أو كما قال المفسرون معزل عن المؤمنين أي لا يخالطهم. قال أبو السعود في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: ( وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ أي في مكان عزَل فيه نفسَه عن أبـيه وإخوتِه وقومِه بحيث لم يتناولْه الخطابُ باركبوا، واحتاج إلى النداء المذكورِ). (يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا): هذا هو نداء نوح لابنه, لكن متى حدث الإذن بركوب السفينة كما علمنا من قبل؟ لقد حدث بعد حدوث العذاب وبعد القول من الله لنوح: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا), فقال نوح كما ذكره لنا القرآن الكريم: (ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا), ومن المرجح انه في هذا التوقيت نادى نوح ابنه ليركب معهم, وهو توقيت حرج جدا حيث انهمار الماء من السماء وتدفق ماء الأرض وطغيان الماء. لذا نرجح أن ابن نوح كان في معزل من الماء, وهذا هو الأمر الأهم في هذا التوقيت الحرج. وربما انه كان في بناءٍ عالٍ ومحكمٍ, ولم يغمر بعد بالماء المتراكم من التقاء ماء السماء بماء الأرض, ويأمل أن يتوجه لجبل ليلتحق برأسه ظناً منه أن الماء لن يبلغ الجبال والله اعلم. وما يؤيد ذلك هو قوله تعالى: (قَالَ لا عَاصِمَالْيَوْمَمِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ), فاليوم: تدل على أن المناداة قد حدثت إبان وقوع العذاب بخطبه وأهواله, لا قبل ذلك. وحتى لو قلنا انه كان في معزل من المؤمنين لا يخالطهم, وحيث أن المناداة قد حدثت بحلول العذاب لقوله تعالى (لا عَاصِمَالْيَوْمَمِنْ أَمْرِ اللَّهِ), ولان ابن نوح قد قال سآوي الى جبل يعصمني من الماء, وهو ما يدل على تحققه من حلول عذاب الطوفان, ذلك انه من الكفار ولم يكن ليصدق من قبل بحلول العذاب, لهذا كله نقول انه كان ملتجئاً لبناء أو مكان يحصنه من انهمار الماء في ذلك التوقيت وهو ما يتعذر معه المناداة العادية في مثل هذه الظروف. لكن مرة أخرى كيف تسنى لنوح مناداة ابنه في مثل هذه الظروف الشديدة من انهمار للماء, وتفجر مياه الأرض, بل وإطباق وعلو الماء فوق الأشياء, والاهم وجود ابنه في معزل وهو قد يكون ملجأ أو بناءاً محكم الإغلاق لتفادي الماء؟ فهل تستطيع الحوار مع شخص وهو يغلق عليه باب بيته ويدور بينكما حديث هكذا؟ تستطيع فقط إذا كنت تخاطبه بواسطة جهاز نداء لاسلكي وهذا ما نرجح انه قد حدث, مما يدل على تقدم القوم وتمكنهم في وسائل اتصال لاسلكية كالتي بحوزتنا اليوم وربما أكثر تطورا. ملاحظات مهمة: انهمار الماء: انهمار الماء انهماراً من أبواب السماء, وتفجر عيون الأرض, وجريان السفينة بعد تحميلها بركابها في موج كالجبال, أي ألاف الأمتار, كل ذلك يشير الى فجائية العذاب وشدته وكثرة تراكم الماء بسرعة وفي وقت وجيز, وانه ليس متدرجا بل الأمر يشبه - مع الفارق – كما تملأ دلواً بالماء وتسكبه مرة واحدة (منهمرا) وليس ترشه رشا كالمطر, وبذا نقول أن الأمر اكبر من أن يكون مطرا وسنشرح طبيعة العذاب لاحقا إن شاء الله. وحال بينهما الموج: لو كان الخطاب مباشر بين نوح وابنه وهو ما أشير إليه في كتب التفسير, وهذا الخطاب قبيل حدوث الطوفان ففي قوله تعالى : (وحال بينهما الموج), دلالة على سرعة تكون الموج وشدة الطوفان الأمر الذي يتعذر معه التخاطب المباشر. كل ذلك يشير إلى انه لم يكن هناك وقت لمناداة نوح لابنه قبل طغيان الماء وعلوه والتي قلنا من قبل أنها حدثت- أي المناداة- بعد حلول العذاب, بل أن المناداة قد حصلت في ظل طغيان الماء وعلوه ولذلك كان ابنه في معزل متحصنا من الغرق. كما أن تحميل السفينة أيضا قد تم بعد طغيان الماء وعلوه كما أوضحته الآيات الكريمة من سور الحاقة وهود والقمر. لكن كيف عاش المؤمنون وتنفسوا إذا طغى الماء قبل ركوب السفينة؟ سوف نتطرق لاحقا لهذا الأمر عند الحديث عن السفينة بالتفصيل, ولكن اختصارا نقول أن القوم كانوا متقدمين وكان باستطاعتهم تكوين ملاجئ تحتوي على مولدات لغاز الأكسجين وهذا ما نرجح أن نوح قد أعده في البناء المُحْصّن والمتصل بباب السفينة والذي جمع فيه الركاب المزمع نقلهم فيها, وانتظروا ريثما يطغى الماء بالقدر الكافي ليسمح بتحرك الغواصة فيه. v قال تعالى:(وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ). السفينة تجري في موج كالجبال, وليس على موج كالجبال, ومن المعتاد أن السفن العادية تجري على الموج وليس في الموج, وإذا ما قابلتها الموجة فإنها تعتليها وتمر الموجة تحتها. لكن لو حدث أن الموج غشاها أو أحاط بها فهذا موقف صعب بل يعني الهلاك, قال تعالى: (وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ), وقوله تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). لكن الأمر مختلف مع سفينة نوح فهي تسير في داخل الموج ولا بأس عليها فكيف ذلك؟ نقول هذا راجع لطبيعة سفينة نوح فهي ليست سفينة عادية بل غواصة, تأمل قوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) الحاقة), فهي لم تتحرك إلا بعد طغيان الماء وعلوه فوق الأشياء, وهذا هو أساس عمل الغواصة. كذلك في قوله تعالى: (أسلك فيها), أي ادخل فيها, وقول نوح كما ذُكرَ في القرآن ( اركبوا فيها) وليس عليها, كل ذلك ليدل على أنها ليست سفينة عادية بل غواصة وسنعلم لاحقا من خلال البحث إن شاء الله أنها أيضا سفينة فضائية مسافرة من كرة أرضية لأخرى. إِذاً بناء مثل هذه السفينة المتقدمة جدا والذي اوحاه الله لعبده نوح قد تطلب كثيرا من المواد الصناعية والأيدي العاملة ذات القدرات العلمية العالية, وهذا لا يتوفر إلا في مجتمع صناعي متقدم بالدرجة الأولى. وقد يكون من المؤمنين الذين امنوا معه قبل الطوفان من يتقن الصناعة والتعامل مع الوسائل المتقدمة, فأستعمله نوح للعمل في انجاز السفينة. وقد يلتبس الأمر على البعض ويقول كيف ساعدوه أولئك المؤمنون وهم قلة كما وُصفوا؟ نقول انظر لقوم نوح كم كان عددهم؟ مليارات كثيرة,إِذاً كم تكون القلة المؤمنة منهم؟ المسألة نسبية, أي لو قلت أن خمسة ألاف امنوا مع نوح فما هم بالنسبة لعشرون أو خمسون مليار شخص قد كفروا بما جاء به؟ طبعا قلة قليلة. وحسبك أن آيات من القرآن الكريم تشير إلى أن أمماً من المؤمنين قد حُملوا معه في السفينة, قال تعالى: (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَوَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ), وسنأتي على ذلك لاحقا إن شاء الله. v قال تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَوَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِسَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) هود). (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ), ومن المعتاد القول: مر به, فهل تعكس (عليه) طبيعة المرور؟ قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوابِهِمْيَتَغَامَزُونَ (30) المطففين), لاحظ: مروا بهم, وليس مروا عليهم, أقول: مررت بفلان في طريقي, وليس مررت على فُلان وهو مرور في نفس المستوى. لكن تأمل قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِيمَرَّ عَلَى قَرْيَةٍوَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا), فكان مرورا علويا, أي أن أهل القرية كانوا تحت التراب وهو فوق ظهر الأرض, وقوله تعالى: (وَإِنَّكُمْلَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْمُصْبِحِينَ (137) الصافات), أيضا مرورا علوياً فهم تحت الأرض بينما المارين عليهم فوق الأرض. لكن ماذا بشأن مرور الملأ من قوم نوح () عليه بينما هو منهمك في صناعة السفينة؟ مروا عليه وليس مروا به, أي أن طبيعة المرور هو مرور علوي. وقد يشير ذلك الى مرورهم بالطائرات فوق المنشأة التي ينشئ فيها نوح السفينة, حيث يتم التخاطب مع نوح عن بعد بواسطة أجهزة الاتصال. وفيما يبدو أن هناك خطوط ملاحة جوية تمر فوق المنشأة التي يصنع فيها نوح السفينة, وذلك نلحظه من تكرار مرور الملأ عليه, وكثرة هذا المرور, (كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ). لاحظ أيضاً أنهم يسخرون من نوح فقط كما ذُكرَ في الآيات (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ), ولو كان مرورهمعليه مروراً عاديا لألتقوه والتقوا المؤمنين الذين يساعدونه في صناعة السفينة, ولكانت سخريتهم وتندرهم من الجميع, لكن نظراً لان المرور من علو بواسطة وسائل نقل جوي فالمحادثة بواسطة النداء اللاسلكي ستكون مع نوح فحسب لأنه هو الأهم بالنسبة لهم والله اعلم. لكن لماذا كانوا يسخرون منه؟ السبب ربما يكون في عدم تصديقهم بحلول العذاب ويرون انه يجهد نفسه في عمل غير مبرر. v قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْكَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِفَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِوَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (83) غافر). لنتأمل هذه الآيات الكريمة والتي تخبرنا عن الأمم السابقة ومنها قوم نوح, لقد كانوا اكثر عددا: وهذا قد تبيناه من خلال البحث وأثبتنا أن البشر الأوائل قد وصلوا لتعداد يفوق تعدادنا اليوم بالنظر لطول أعمارهم وطول الزمن الذي مر عليهم قبل الطوفان. اشد قوة: والقوة على مطلقها وليس قوة الذراع أو الفروسية بل في كل شيء. وآثاراً في الأرض: وهذه نعلمها جيدا, فما تركوه من أثار مازالت تثير إعجاب وحيرة ابرع المهندسين اليوم, ولم نستطع إلى اليوم تفسير كيفية بناء مثل هذه الأبنية كالأهرامات والماتشو بيتشو وغيرها. وقد يقول البعض إن هذه الآيات تخاطب فقط قريش ولا تخص عالمنا اليوم, لكن هذا غير صحيح فالقرآن خطاب للناس جميعا, ولو عدنا للآيات المشابهة لهذه الآيات في مطلع سورة الروم لتبينا أن الخطاب يخص الناس وليس فئة معينة منهم. وقد أثبتنا هنا كثرتهم التي تفوق كثرتنا, ونشهد أثارهم في الأرض التي تحيرنا, إذاً حتماً أن قوتهم تفوق قوتنا بكل معنى الكلمة تماماً كما ذكر القرآن الكريم لنا ذلك. (فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ): وفي ذلك إشارة لامتلاكهم العلم وليس كما نظن أنهم متأخرون لوقوعهم في بداية العهد البشري. ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُواأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) الانعام). (فتحنا عليهم أبواب كل شيء), ومن ذلك باب العلم, وقد فرحوا بما أوتوا من علم, وهو نفس حال الكفار اليوم والذين حين يُدعونَ للدين والإيمان بالله وحده يتبجحون بأن هذا الكون يدير نفسه بنفسه وكل شيء له ميكانيكيته التي تفسره دون تدخل أي متدخل ( فرحوا بما عندهم من العلم). v قال تعالى: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَلَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) الشعراء), وهذه الآية في قوم عاد خلائف قوم نوح في الأرض, والتي تشير بكل وضوح إلى أن البشر الأوائل هم بالفعل أصحاب علم وتقدم, وأرباب صناعة, ويتخذون مصانع كما نتخذها اليوم, رغم ما فسره المفسرون وبعده عن ظاهر النص القرآني والذي يشير إلى مصانع وصناعة, ابتغاء الخلود وإطالة العمر. قال تعالى: (ويصنع الفلك), وقال تعالى: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ). وقد تذكرتُ هذه الآية وكنت أشاهد برنامجاً وثائقياً عن محاولات العلماء للقضاء على الأمراض المستعصية مثل السرطان والسكر وأمراض الشيخوخة, وسعيهم لإطالة عمر الخلية وإطالة عمر الإنسان, وذلك من خلال تقنية حديثة تستخدم ما يعرف بتكلونوجيا الصغائر (Nanotechnology) حيث يتم تصنيع ريبوتات لا ترى بالعين المجردة تحقن داخل أوردة الإنسان ويتم بواسطتها تدمير الخلايا السرطانية أو إزالة الجلطات وغير ذلك, وقال احدهم معلقا سنصل في نهاية المطاف إلى الخلود الدائم (Immortality) بعد القضاء على كل الأمراض وتجديد الخلايا الهرمة, يتخذون مصانع لعلهم يخلدون. v مجتمع يرنو لتحصيل المال: قال تعالى: (وَيَا قَوْمِلا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاًإِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) هود), قول نوح لقومه انه لا يريدمنهم مالاً مقابل دعوته لهم للإيمان تدل على طبيعة المجتمع وانه مجتمع يرنو للمال كمجتمعنا العصري اليوم. من الملاحظ أن عبارة(لا أسألكم عليه مالا) لم ترد في القرآن الكريم, على حد اطلاعي, إلا مع قوم نوح, ولكن ورد في قوله تعالى: (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) هود), وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) الأنعام), وهنا الأجر قد يكون شيئا أخر غير المال كعطاء مقابل عطاء, وأما في حال قوم نوح فذِكرُ المال خصوصاً له دلالة على طبيعة المجتمع وهو من سمات المجتمعات المتقدمة حيث تتزاحم المصالح والمنافع ويكون السعي حثيثاً لكسب المال. v قال تعالى: (فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِمَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِي الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) هود). نلاحظ رغم كثرة قوم نوح كما شرحنا من قبل وملئهم الأرض, إلا أنهم يتكلمون بلسانٍ واحدٍ وتعبيرٍ واحدٍ, مما يوحي بوجود مركزية واتصال بين هذا العدد الكبير من الكفار وهذا يشير إلى وجود قنوات اتصال وتواصل بين أرجاء الأرض كما نحن اليوم والله اعلم. v بسط الدنيا على الأمم السابقة: الناظر لحال العرب يلحظ تغيرا كبيرا في حالهم من جهة الفقر والغنى, فقديما كان الفقر سائدا, وكان المُنعّم فيهم من يأكل مرتين في اليوم, جاء في تفسير الطبري, تفسير قوله تعالى: (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (62) مريم), قال: حدثني ابن حرب, قال: ثنا موسى بن إسماعيل, قال ثنا عامر بن سياف, عن يحيى, قال: كانت العرب في زمانهم من وجد منهم عشاء وغداء, فذاك الناعم فيهم, فأنزل الله (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً), انتهى من جامع البيان في تفسير القرآن للإمام الطبري. لكن الحال اليوم مغاير تماما, فالعرب واخص من كانوا في الجزيرة العربية وفي الديار الحجازية زمن الرسول , هم اليوم في رخاء وبسط من الدنيا, ومعلوم دور اكتشاف النفط وتغييره التغيير الكبير في حياة عرب الجزيرة, وهذا ما ذكره الرسول محمد حيث قال: (والله ما الفقر أخشى عليكم, ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم), وفي ذلك إشارة إلى أن الأمم السابقة قد وصلوا لثراءٍ وحياةٍ مترفةٍ كالتي وصلنا إليها اليوم, وقد أسهم في هلاكهم بانتشار المعاصي فيهم, وهو ما تنبأ به الرسول أيضا في حديث أخر حيث قال: (إذا كثرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده .. الحديث), ولم يحدث العذاب العام على الأمة بعد, ولكن المعاصي في ازدياد مع بسط الدنيا عليهم. v ويؤيد ما ذكرناه أنفا من بسط الدنيا على الأمم السابقة, وأنهم ربما وصلوا حتى لصناعة نفطية, قوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاًفَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِهَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) ق), فقوله تعالى: (فَنَقَّبُوافِي الْبِلادِ), أي ثَقَبوا في الأرض, كما جاء في التفسير, وأتساءل هنا: هل يُقصد بذلك تنقيبهم عن البترول أو المعادن؟ v هل كانت مناظرة متلفزة؟: قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْيُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ (24) المؤمنين). إذ دعا نوحٌ قومه لعبادة الله وحده لا شريك له, رد عليه أشراف القوم وعليتهم وهم أولي السيادة والشارة في القوم بالقول: ما هذا إلا بشر مثلكم, ووجهوا قولهم هذا لعامة الناس, واسم الإشارة (هذا) منصرف لنوح , وهو يقتضي أن يكون كلام الملأ قد حدث بحضرته, وعدلوا عن اسم العلم إلى اسم الإشارة بغرض التصغير والتحقير. لكن كيف استطاع الملأ من القوم مخاطبة الملايين أو المليارات من الناس وتوجيههم بشأن نوح , وانه مجرد مُدعي وليس مرسل, وغرضه التفضل والحصول على الشأن؟ والفاء في (فقالوا) تفيد التعقيب المباشر على كلام نوح , والأمر يبدو كمناظرة متلفزة ومجادلة على شاشة التلفزة بين نوح وعلية القوم (الملأ) في الوقت الذي يتابع فيه الملايين وربما المليارات من عامة الناس في أرجاء الأرض هذا الجدال وهم قابعين في بيوتهم متسمرين أمام شاشات التلفزة كما يحدث ذلك عندنا اليوم, ولا سبيل لإبلاغ ملايين البشر إلا بوسائل كهذه, هذا والله اعلم. ويُفهم ذلك ايضا من قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) يونس). قال العلامة ابن عاشور في تفسيرها: (وَافْتِتَاحُ خِطَابِ نُوحٍ قَوْمَهُ بِ يَا قَوْمِ إيذان بأهمية مَا سَيُلْقِيهِ إِلَيْهِمْ، لِأَنَّ النِّدَاءَ طَلَبُ الْإِقْبَالِ. وَلَمَّا كَانَ هُنَا لَيْسَ لِطَلَبِ إِقْبَالِ قَوْمِهِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مَا ابْتَدَأَ خِطَابَهُمْ إِلَّا فِي مَجْمَعِهِمْ تَعَيَّنَ أَنَّ النِّدَاءَ مُسْتَعْمَلٌ مَجَازًا فِي طَلَبِ الْإِقْبَالِ الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ تَوْجِيهُ أَذْهَانِهِمْ إِلَى فَهْمِ مَا سَيَقُولُهُ.) انتهى من التحرير والتنوير لابن عاشور. نقول معلقين كيف تسنى لنوح مخاطبة المليارات من البشر من قومه بهذا الخطاب الانف ذكره في الآية الكريمة دون الاستعانة بوسائل متقدمة لبث مثل هذا النداء لهم. وهو يشبه الى حد كبير خطاب الرئيس او الحاكم اليوم لشعبه وامته على كثرتهم مستعيناً بالوسائل الحديثة من اذاعة وتلفزة وموجاً قوله لشعبه: ايها الشعب الكريم ... v الحد من الإنجاب: رغم ما قلناه عن كثرة الناس في ذلك الوقت, إلا انه لابد أنهم استعملوا وسائل للحد من التكاثر المفرط للبشر, وذلك انه وفق الحسابات, مع الأخذ في الحسبان طول الأمد بين آدم ونوح , فان البشر لو تركوا يتكاثرون دون ضابط, فسيكونون قد وصلوا لعدد اقرب أن يكون فلكياً. لذلك نرجح استعمالهم لوسائل الحد من الإنجاب وهو ما يشير لتقدمهم الطبي أيضا والله اعلم. v مشاهد تدل على تقدم البشر الأوائل: هناك الكثير من الآثار المنتشرة في أرجاء كرتنا الأرضية والتي تحير العقول, فأبنية كالأهرامات في مصر والماتشو بيتشو في جبال الانديز ومدائن صالح والأبنية في البتراء وفي سلطنة عُمان والحجارة الضخمة في أرجاء الأرض كالتي في بعلبك بلبنان والستونهنج (Stonehenge)في بريطانيا, وتماثيل (Moai) التي تزن عشرات الأطنان والمسلات العملاقة والتي يزيد وزن بعضها على الألف طن. وهناك الكثير من المكتشفات كنماذج ذهبية تشبه أشكال الطائرات انظر (ancient aircraft) ورسومات على جدر الكهوف لما يشبه رواد فضاء وأطباق طائرة ( كالتي عثر عليها في كهوف تسيلي بجنوب الجزائر) وغير ذلك, وبالمكان الاطلاع على المزيد من خلال محركات البحث. لكن وكما سنعلم لاحقاً من خلال البحث فأن قوم نوح لم يعيشوا على كرتنا الأرضية هذه, بل على أرض أخرى بعيدة عنا وهي التي هبط إليها آدم وبدأ فيها البشر الأوائل الحياة, ووصلوا لما وصلوا إليه من تقدم ورقي, فمن المتوقع أن أثار تقدمهم الكبير, إن بقيت ستكون في ارض بعيدة عنا لا نستطيع الوصول إليها لمشاهدتها. v الامية في العرب: لم يصف القرآن الكريم قوم نوح بالأمية, ولكن وصف بها العرب, قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَفِي الأُمِّيِّينَرَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) الجمعة), وقد وُصف الرسول في القرآن انه أمي, أي لا يقرأ ولا يكتب, في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ). وورد في الصحيح قوله : (إنَّا أمةٌ أميةٌ، لا نكتبُ ولا نَحْسُبُ). وعلى النقيض وُصفت الأمم السابقة بالعلم, قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِفَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِوَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (83) غافر).

      تعليق


      • #3
        1- إثباتات أن الطوفان كان عاماً على الأرض وليس محلياً يدل صريح القرآن وظاهر نصه على أن جميع من على الأرض قد اُغرقوا بالطوفان ولم ينج إلا من ركب السفينة مع نوح . وجُلّ علماء الأمة الأوائل على ذلك, ولكن خالفهم المتأخرون بأن الطوفان إنما كان محليا في قُطرٍ بعينه, قيل في العراق وتارة في الجزيرة العربية. وسنورد باختصار فيما يلي بعض إثباتات وأدلة عموم الطوفان: v صناعة السفينة: لو كان الطوفان محلياً ما الجدوى من صناعة السفينة وإضاعة الجهد والمال والوقت في صناعتها؟ لماذا لم يتول نوح مع أهله والمؤمنين عن منطقة العذاب, كما أمر الله نبيه لوط بالتولي بأهله عن القرية المعذبة؟ وكما تولى صالح عن قومه: قال تعالى: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْوَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)الأعراف), وكذا شعيباً وغيرهم. إن صناعة السفينة لمن الأدلة المهمة على عموم الطوفان, حيث أنها جُعلت وسيلة النجاة الوحيدة. v حمل الأزواج: أيضاً ما الجدوى من حملِ أزواج من أصناف شتى, من حيوانات وربما نباتات من الإقليم المعذب, بغض النظر هل حُمل كل شيء أم الأصناف الداجنة فقط؟ وهذا على فرضية أن العذاب محلي, فلماذا لم يفر بما أراد من بهائم إلى قطر مجاور, أو يفروا بأنفسهم, وبعد ذلك يَحّصلونَعلى ما يريدون من بهائم من باقي الأرض ؟ مما يدل أيضا على عموم الطوفان لكل الأرض, أن الله قد اهلك قرونا وأمما كثيرة بعد قوم نوح ولم يأمر أنبيائهم بحمل أزواج من مخلوقات الأرض, فهذا يدل على عموم العذاب لكل الأرض, وإلا لِمَ أُمرَ نوح بحمل الأزواج؟ والله اعلم. وقد أُرسل الطوفان أيضا على فرعون وقومه بينما كان بني إسرائيل في مصر ولم يُؤمر موسى بحمل زوجين من الكائنات, وهذا يدل على انه طوفان محلي, كالذي يحدث في عالمنا اليوم في الصين واليابان وبلدان عدة وليس طوفان عام مهلك لكل الأرض كطوفان قوم نوح . v هلاك الأرض التي حل بها الطوفان: إذا كان الطوفان محلياً في بقعة بعينها, وبعد انتهائه وهلاك القوم, ورسو السفينة, ما الذي يجعل نوح يبقى في ارض جدباء قد حل بها الهلاك؟ أليس سيغادرها بمن معه من المؤمنين مع بهائمهم بحثا عن الكلأ في ارض أخرى عامرة؟ فلماذا لم يفعل ذلك سابقا لحلول الطوفان؟, هذا إذا قلنا بفرضية محلية الطوفان لا عمومه كل الأرض؟. v غرق جميع من على الأرض: يدل صريح القرآن على أن جميع من على الأرض قد أُغرقوا ولم ينج إلا من حُمل في السفينة, ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَنجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120)الشعراء), وقوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) يونس), وقوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً(26) نوح), فظاهر النص القرآني يشير إلى شمول العذاب لكل كفار الأرض أينما كانوا, ولا يصرف ظاهر النص إلا بحجة قطعية تفيد أن المقصود كفار بعينهم لا كل الكفار. كما جاء النص في القرآن الكريم على أن الأرض إنما عُمرت بعد ذلك من نسل نوح فقط, قال تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (82) الصافات), قال علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس : لم تبق إلا ذرية نوح . وقال قتادة في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ), قال: الناس كلهم من ذرية نوح ( تفسير ابن كثير). قال الحافظ ابن كثير : قال جماعة من المفسرين: ارتفع الماء على أعلى جبل في الأرض خمسة عشرة ذراعاً, وعم الأرض طولها والعرض, سهلها وحزْنها وجبالها وقفارها ورمالها ولم يبق على وجه الأرض ممن كان بها من الأحياء عين تطرف ولا صغير ولا كبير. قال الإمام مالك عن زيد بن أسلم: كان أهل ذلك الزمان قد ملئوا السهل والجبل. ( البداية والنهاية). وقال العلامة الطاهر بن عاشور : ضمير الفصل في قوله تعالى: (هم الباقين) للحصر, أي لم يبق احد من الناس إلا من نجاه الله مع نوح في السفينة من ذريته, ثم تناسل منهم, فلم يبقى من أبناء آدم غير ذرية نوح . v طوفان لم يُشهد له مثيل: قال تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِيمَوْجٍ كَالْجِبَالِ): أي طوفان هذا الذي يبلغ الموج فيه الجبال علواً ويُوصف على انه محلي في منطقة بعينها دون باقي الأرض؟ طبيعة الماء كسائل الانسياب, فهو يُؤثر الانسياب على سطح الأرض أولاً مدفوعاً بجاذبية الأرض, ثم يرتفع إلى أعلى بعد أن يملا سطح الأرض. فكيف يفسر مُدْعي محلية الطوفان تراكم الماء وبلوغه الجبال علوا في بقعة واحدة من الأرض تاركاً باقي الأرض دون أن ينساب إليها؟ أي كيف تكون هناك جبال من الماء في الموصل وباقي الأرض المجاورة يبسة؟ كذلك علو الموج يؤشر إلى عموم العذاب, فقد رأينا حديثا كيف أن أمواج التسونامي تضرب من السواحل الغربية للولايات المتحدة وتسافر مسافة شاسعة لتضرب السواحل اليابانية رغم أن طول الأمواج لا يزيد على عدة أمتار وليس طول الجبال. كذلك أمواج تسونامي جنوب شرق أسيا 2004 فقد ضربت سواحل إفريقيا فكيف بالطاقة العالية جدا في أمواج كالجبال, هل تقتصر على بقعة صغيرة؟ وصفت السفينة أنها تجري في موج كالجبال, فهذا يعني أنها قطعت مسافات كبيرة أثناء جريانها, وهذا يدل على أن الأمر غير محدود ولا يتفق مع محلية الطوفان. والموج وهو جمع موجة, ارتفاع في سطح الماء بسبب ريح يدفع سطح البحر. وعادة ما يحدث في المسطحات المائية الكبيرة كالبحار والمحيطات ولا يحدث في الانهار والبحيرات لصغر مساحتها. وهذا يدل على ان الطوفان كان حدثا مريعا وانه غمر مساحة كبيرة كمساحة المحيطات والبحار مما يدل على عمومه سطح الأرض. قال ابن عاشور: (وَحَيْلُولَةُ الْمَوْجِ بَيْنَ نوح وابنه فِي آخِرِ الْمُحَاوَرَةِ يُشِيرُ إِلَى سُرْعَةِ فَيَضَانِ الْمَاءِ فِي حِينِ الْمُحَاوَلَةِ.), وهو يدل على انه ليس بمطر متدرج بل هو حدث كوني كبير والله اعلم. اذاً كان هناك موج, وموج كالجبال, وهذا يقتضي ان يكون هناك سطح واسع جدا من الماء كسطح البحر او المحيط, وكذلك ان يكون عميقاً. وحيث ان الموج قد حال بين نوح وابنه في نهاية محاورتهما, فهو يدل على ان كماً هائلا من الماء كقدر البحار او المحيطات قد تكون في وقت وجيز. ومن ذلك نستدل على فجائية العذاب وعظمه وانه حتما حدثا كونيا عظيما وليس مطراً متدرجاً والله واعلم. v كثرة البشر: وقد وضحنا ذلك الأمر في مطلع البحث وقلنا أن الناس حتما قد وصلوا إلى تعداد مهول بالنظر لطول أعمارهم والتي تناهز الألف سنة وكثرة توالدهم والتي لا تحدها وسائل منع الإنجاب, وطول الفترة بين آدم ونوح وكثرة موارد الأرض. وهذا حتما يعني انتشار البشر في أرجاء البسيطة, وتؤيده الشواهد التي رصدها علماء الآثار عن وجود أثار لأقدام بشرية في صخور بركانية في المكسيك قبل أكثر من خمسة وعشرون ألف سنة, مما يدل على انتشار الناس ووصولهم للأمريكتين منذ ردح طويل من الزمن. كذلك وجود أثار لحضارات موغلة في القدم ورسومات في كهوف متعددة من أنحاء الكرة الأرضية وكل ذلك يدل على انتشار الناس في الأرض وضد تقوقعهم في بقعة بعينها ويدعم كون الطوفان كان عاما وليس محلياً. v انتشار العرب: إذا كان العرب في صدر الإسلام مع قلتهم النسبية قد جابوا الأرض شرقاً وغرباً, ووصلوا في تجارتهم للهند والصين عبر طريق الحرير المشهور, فهل قوم نوح اقل منهم شأناً وقد وصفهم القرآن الكريم في غير موضع بأنهم الأكثر عدداً وأولادا, والأشد قوة والأكثر اثاراً وعمرانا في الأرض من قوم محمد ؟ هذا على قول من يقول أن مثل هذه الآيات إنما هي موجهة وتخاطب قريشا فحسب, ولا تخاطب كل المناطين برسالة القرآن إلى يوم الساعة, وهو ما لا يتفق مع القرآن, قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِوَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) آل عمران), فالخطاب والبيان موجه لكل الناس لا لقريش وحدهم. قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) غافر). وقال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) الروم). وقال تعالى: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) التوبة). وقال تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6) الأنعام). لاحظ : جعلنا الأنهار تجري من تحتهم, دليل انتشارهم في الأرض ولو كانوا في موضع واحد لكفاهم نهرا واحدا, وقد تشير عبارة (الأنهار تجري من تحتهم) إلى أن مساكنهم وعمرانهم قد تطاول علواً كما هو عمراننا اليوم فغدت الأنهار تمر من تحتهم, وتطاولُ بنيانهم يدل أيضا على كثرتهم فلم تعد المساكن الأرضية تكفيهم. كذلك في قوله تعالى: (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) نوح), وهذا على لسان نوح لقومه وهو يفيد انتشارهم في الكرة الارضية لحاجتهم لانهار وليس نهرا واحدا. إن كل هذا ليؤكد انتشار قوم نوح في الأرض, وعلى اقل تقدير أن بعضهم قد وصل إلى أقصى الشرق والبعض الأخر وصل لأقصى الغرب, وهذا سبب يجعل الطوفان عاما لأهلاكم جميعا. v الطوفان كان حدثاً استثنائياً: وصفُ الطوفان بأنه محلي هو تقليل من شأنه, وجعله مثل غيره من الطوفانات والفيضانات التي حلت بوادي النيل في مصر ووادي الفرات وكذا دجلة في العراق, بل وغير ذلك من فيضانات السدود في الصين وكثيرا من الدول والتي تزهق أرواح الآلاف من البشر. ولا ننسى طوفان التسونامي في جنوب شرق أسيا سنة 2004 والذي أودى بحياة مائة وخمسون ألف شخص في غضون دقائق رغم أن طول الموج لم يزد على ثماني أمتار وليس طول الجبال أي ألاف الأمتار. وكذلك تسونامي اليابان والذي أدى إلى دمار واسع في بلد من كبرى بلدان العالم المتقدم, ورَفعَ سُفناً عملاقة ليضعها فوق رؤوس المباني, رغم أن ارتفاع الموج لم يزد على احد عشر متراً فكيف بموج كالجبال علواً؟ فإذا قيل أن طوفان قوم نوح كان محليا, فما الذي يجعله إذاً حدثاً استثنائياً لتتحدث عنه كل الكتب السماوية وكل الأدبيات والحضارات عبر التاريخ؟. v لا جبل عاصم من الطوفان: قال تعالى: (قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِقَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَوَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ (43) هود). حين نادى نوحٌ ابنه للركوب والنجاة معهم في السفينة, رد الابن بأنه سيأوي إلى جبل من جبال الأرض كي يعصمه من الماء, فرد عليه نوح بما معناه انه ليس ثَمَّ جبل سيكون بمنأى عن الطوفان, والذي نفهم منه أن الطوفان اعتلى جبال الأرض كلها, ولا مفر إلى أي جبل على الأرض ولا أي بقعة, ولو كان الطوفان محليا في بقعة معينة لفر الكثيرون منها إلى حيث النجاة في ارض وجبال أخرى. v قال تعالى: (وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) القمر), فجرنا الأرض: تعطي معنى الشمول, أي ان العذاب طال الأرض كلها, كما قوله تعالى: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً), إِسْنَادُ الِاشْتِعَالِ إِلَى الرَّأْسِ لِإِفَادَةِ شُمُولِ الاشتعال الرَّأْس. v حجة القائلين بمحلية العذاب: يحتج من يقول بمحلية الطوفان بأن نوح إنما هو مرسل لقومه خاصة, وهم جزء من الناس آنذاك, ويسكنون بقعة معينة من الأرض وهي التي حل بها الطوفان, وأما سائر الناس في سائر الأرض فلم يصبهم مكروه. ويؤولون النصوص القرآنية لأجل هذا الغرض, فإن قيل لهم: أن الله قد جعل ذرية نوح هم الباقين, قالوا: الباقين من قومه, وان قيل لهم: دعوة نوح على كفار الأرض أن لا يُبقي الله منهم ديارا, قالوا: قُصد كفار قومه فحسب, وأما باقي كفار الأرض فلم تصلهم رسالته ولم يُعذبوا لأنهم لم يأتهم نذير. ومن وجه أخر: أن الأرض هنا لا تدل على عموم الأرض بل ارض قومه, كما قال تعالى: (وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها), فالمراد ارض مكة. وان قيل لهم أن قوم نوح هم أهل الأرض وهذا ما ورد في حديث الشفاعة الصحيح: (يا نوح أنت أول رسل الله لأهل الأرض), وهذا يقتضي عموم دعوته ومن ثم عموم العذاب؟ قالوا: هذا الحديث يعارضه حديث أخر: قوله : ( وبُعث كل نبي لقومه خاصة وبعثت للناس عامة). § نقول لمن يقول بذلك: ما حال باقي الناس خلا قوم نوح من جهة الإيمان والكفر يومئذ؟ أي هل كان باقي سكان الأرض غير قوم نوح مؤمنون أم كفارا؟ فَإِنْ كانوا كفاراً, فكيف تجد ذلك في ضوء قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍوَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْوَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) غافر), أي أن أول المكذبين هم قوم نوح ومن بعدهم كذبت الأحزاب وهم: قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِأُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ (13) ص), وقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ (31) غافر). يتبين بجلاء أن أول المكذبين رسلهم هم قوم نوح وخَلَفَهم عاد وثمود وغيرهم من الأحزاب, فلو كان هناك امة أخرى غير قوم نوح يعيشون معهم في الأرض آنذاك وكانوا على الكفر وكانوا حتى يكثرونهم عددا لتطرق القرآن الكريم لذكرهم (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ). ثم أين أولئك الكفار من دعوة نوح على الكفار بالهلاك؟ لو قيل: دعوته تخص قومه فقط, نقول أن ظاهر النص أنها على الكفار دون تحديد, فلا بد من قرينة لصرف ظاهر النص. فإن قيل أن سائر الناس في الأرض يومئذ كانوا على الإيمان خلا قوم نوح, نقول: إذاً ما جدوى صناعة السفينة؟ لماذا لم يلتجئنوح إليهم وهم أخوته في الإيمان وهم كُثر, ويطلب مساعدتهم أو يستخدمهم في حرب الكفار وإخضاعهم أو يترك قومه يلاقوا مصيرهم بالطوفان؟ أيضا في قول قومه: (ما سمعنا بهذا في أبائنا الأولين), دليل على بعدهم عن السماع بأي داعي للإيمان منذ زمن طويل, ولو كانوا يعرفون غيرهم ممن عاصرهم من الناس يدينون بدين الله لما أنكروا على نوح دعوته ولما قالوا انه يريد أن يتفضل عليكم بهذا. § قوم نوح: قوم الرجل في معجم اللغة: هم كل من ينتسب إليه ويتصل معه بسلالة واحدة ويتفق معه في الأجداد, فقوم الرسول محمد هم قبيلة قريش وقيل العرب,قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَامِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِلِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) إبراهيم), أي أن قوم محمد هم العرب, وذلك لاتصالهم من لدن إسماعيل . وقوم موسى هم بنو إسرائيل لاتصالهم من لدن إسرائيل. وعلى ذلك فنوح وثيق الصلة بآدم , وليس بينهما إلا عشرة قرون أو أجيال وهذا يجعل كل من انبثق عن آدم وثيق الصلة بنوح, وقد قيل أن الناس كانوا يتحدثون اللغة العربية من لدن آدم (كان الناس امة واحدة). وعلى هذا نقول أن قوم نوح هم الجيل المتولد من الأجيال المنبثقة عن آدم وهو ما يعني كل البشر آنذاك, وهذا يؤيده ما صح روايته عن المصطفى كحديث الشفاعة وغيره, ويقتضي عموم دعوته لكل سكان الأرض يؤمئذ ولذا كان العذاب عاما. ملاحظة: قد يظن البعض أن كلمة قوم توحي بالقلة, وهذا ليس صحيح فقد قالت الجن يا قومنا أجيبوا داعي الله, ومعلوم كثرة الجن وأنهم أكثر من البشر, فقد يكون القومُ كُثر ويملئون الأرض. § هل ثَمّ تعارض بين حديث: (يا نوح أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض), وحديث: (وبعثَ كل نبي إلى قومه خاصة وبعثتُ للناس عامة)؟ يظن البعض أن هناك تعارض بين الحديثين - وكلاهما صحيح- ولذا ادعى البعض بمحدودية الطوفان, كون نوح مرسل لقومه خاصة, فأن قيل لهم أن قومه هم أهل الأرض يومئذٍ, قالوا هذا يعني انه مرسل لكافة البشر وهو يعارض كون نبينا محمد هو فقط المرسل للناس كافة. رد التعارض بين الحديثين: لرد التعارض بين الحديثين يجب توضيح الأمر أولا, فنقول وبالله نستعين: لفهم ذلك لابد من فهم كلمة (الناس عامة), وهناك وجهان لتوضيح ذلك: o الوجه الأول: كلمة الناس عامة لا تعني كل البشر وحسب, فالبشر هم جزء من الإنس لا العكس, فلا يوجد نص قراني ولا حديث يبين بصريح اللفظ أن آدم هو أبو الإنس جميعا, ولكن ورد في صحيح الحديث أن آدم هو أبو البشر (حديث الشفاعة). وكلمتا الإنسان والبشر وردتا في موضع واحد في سورة الحجر, قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاالإِنْسَانَمِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُمِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِإِنِّي خَالِقٌ بَشَراًمِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) الحجر), وحيث انه لا يوجد ترادف في القرآن الكريم, فهذا يعني أن لكل مفردة من الإنسان والبشر معناها الذي تدل عليه. ولقد ذُكرَ الإنسان في غير موضع من القرآن الكريم مذموماً بينما ذُكرَ البشر ممدوحا. ومن بحثنا المسمى (بالأدلة القرآنية رحلة ذي القرنين فضائية ويأجوج ومأجوج ليسوا على هذه الكرة الأرضية), ومن مشاركتنا بعنوان ( فوائد مستخلصة) يتبين أن هناك خلق من الإنس وهم يأجوج ومأجوج ويشكلون عددا مهولا, ولا ينتسبون لآدم بل أن لهم عادات مختلفة تمام الاختلاف عن بني البشر, وهم حتى لا يشاركونا كرتنا الأرضية هذه غير أنهم سيحلون بها أخر الزمان ليلاقوا مصيرهم. وهناك أقوام آخرون نرجح أنهم من الإنس أيضا يفصلهم سد ذو القرنين عن يأجوج ومأجوج وهم يعيشون معهم في تلك الكرة الأرضية البعيدة عنا. وقد ورد بسند صحيح عن ابن عباس قوله في تفسير الآية 12 الطلاق عن وجود سبع أراضين لسبع سموات: انه في كل ارض نحو إبراهيم من الخلق, وفي رواية أخرى: لهم آدم كآدمكم ونوح كنوح, وهذا يعني أن الإنس هم خلق كُثر يتفقون في أن الله قد خلقهم من طين ولكنهم ليسوا جميعاً أبناء رجل واحد بل لكل خلق رجل (آدم) قد انبثوا منه. ومثله الجن فليس الجن أبناء إبليس كما يُدعى, فالشيطان هو من الجن فقط وليس كلهم, وهو الذي لا يرى لنا ومثله الشياطين, وقد ذمه القرآن وأمرنا باتخاذه عدوا, ولكن امتدح الرسول الجن وقال عن وفدهم نعم الجن هم, وأرى المسلمين أثارهم ( الوفد) واثأر نارهم مما يدل على أنهم يُروا ولهم اثر في الأرض ويدل على اختلافهم عن الشياطين, وقال: إن إخوان لكم من الجن قد اسلموا...الحديث. والرسول هو مرسل لكافة الناس بما فيهم البشر بني آدم وأما نوح فهو مرسل للبشر. o الوجه الثاني: مصطلح الناس قد يعني فيما يعني أيضا الإنس والجن, فقد ورد في صحيح البخاري: (عن عبدِ اللهِ في هذه الآيةِ : الذين يدعُون يبتغُون إلى ربِّهم الوسيلةَ قال: كان ناسٌ من الجنِّ يُعبَدون ، فأسلَموا), وعبد الله هو ابن مسعود, ومن الحديث نفهم أن كلمة ناس والتي تعني النوس والحركة قد تطلق أيضا على الجن ككلمة قوم. وفي روايةٍ أخرى لحديث: (وبُعثت للناس عامة) ورد : (وبُعثت للخلق عامة) وهي رواية أبي هريرة, مما يعني أن قوله (للناس عامة), لا يعني عموم البشر أي بني آدم فقط بل كل الإنس بأصناف خلقهم وكل الجن بأصناف خلقهم وطرائقهم, وهذا هو مقصد عمومية رسالته , وهذا لا يتعارض مع حديث: (يا نوح أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض) فيقصد إلى بني البشر وهم قومه يومئذ وليس لكافة الناس إنساً وجناً. ويؤيد ذلك ما صح روايته عن المصطفى في حديث أخر ورد فيه: (انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح), وهو قول آدم حين يُطلب منه أن يشفع لهم عند ربه, فيرشدهم إلى نوح واصفاً إياه بأنه أبو البشر الثاني. ونستقي منه أن كل البشر قبل الطوفان كانوا مكلفون برسالة نوح ولذا هلك الجميع خلا من حُملَ معه, ومنه ذرأ الله البشر مرة أخرى. § خلائف الأرض: قال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْلِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) يونس). والآية تخاطب كل الناس حتى الساعة وتشير إلى أن كل الناس الموجودون ألان قد اُستخلفوا في الأرض بعد هلاك البشر الأوائل. وقال تعالى:(فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) يونس). وتشير إلى أن نوحاً ومن معه من المؤمنين الناجين من الطوفان قد خلفوا قومهم في عمارة الأرض, ويؤيده قوله تعالى: (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) الأعراف). فقد خلفت عاد قوم نوح في الأرض, وكل ذلك يشير أن قوم نوح هم من كان يعمر الأرض ولا وجود لبشر غيرهم وهم من هلكوا جميعا بالطوفان وخلفهم أقوام آخرون كعاد.
        § قوم نوح أول الأقوام المكذبة: قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَلِقَوْمِهِيَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) يونس), الى قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْفَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) يونس). يتضح من الآيات الكريمة أن قوم نوح هم أول المكذبين ومن بعدهم الأقوام الآخرين, قال ابن عاشور في تفسير الاية (71) يونس: (وتعريف قوم نوح بطريق الإضافة إلى ضمير نوح في قوله: إذ قَال لقومه إذ ليس ثمة طريق لتعريفهم غير ذلك إذ لم يكن لتلك الأمة اسم تعرف به، فإنهم كانوا أمة واحدة في الأرض فلم يحصل داع إلى تسميتهم باسم جَد أو أرض, إذ لم يكن ما يدعو إلى تمييزهم إذ ليس ثمة غيرهم، ألا ترى إلى حكاية الله عن هود في قوله لقومه). وقال في تفسير الآية (74) من سورة يونس: (وَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ الرُّسُلِ.) انتهى من التحرير والتنوير لابن عاشور. § قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً (163) النساء). أي انه أول رسول قد أوحي إليه وقومه هم أول المكذبين. § كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً: قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَوَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) البقرة). كان الناس امة واحدة منذ آدم حتى قوم نوح, فبُعث نوح أول رسول لهم وهذا يدل على أن قومه هم الناس, وهذا يدل على عموم دعوته لهم جميعا ومن ثم عموم العذاب على كل كفار الأرض. § شريعة نوح اول شريعة: قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِمَا وَصَّى بِهِ نُوحاًوَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) الشورى). فلو كان هناك أناسٌ آخرون غير قومه يسكنون الأرض في ذاك الوقت, فإلى أي شريعة ينتسبون, إذا لم يكونوا تحت ما شُرع لنوح ؟ وبذا سيكون كفارهم أهل لعذاب الطوفان. قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُإِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) النجم). يتبين من الآيات الكريمة من سورة النجم أن قوم نوح قد تفوقوا في شدة الظلم والطغيان في الأرض على قوم عاد وثمود, ومعلوم طغيان عاد في البلاد وشدتهم وقوتهم, ومن يملك القدرة على الظلم والطغيان لابد أن يكون قوياً, ولا يجد من غيره من يردعه عن ظلمه وطغيانه. وعلى ذلك لو كان قوم نوح قله في بقعة من الأرض, وكان الكثير غيرهم يسكن الأرض, فلن يسمحوا لهم بالعتو في الظلم والطغيان. والعكس لو كان هناك أناس آخرون في الأرض غيرهم ولكنهم اقل عددا وعدة من قوم نوح لبسط قوم نوح نفوذهم عليهم ولطالهم جورهم وظلمهم وطغيانهم. كذلك تؤشر الآيات إلى انتشارهم في الأرض نظرا لكثرتهم وطغيانهم. § جاء في تفسير القرطبي: روى قتادة عن ابن عباس عن النبي قال: ( أول رسول أُرسل نوح وأُرسل إلى جميع أهل الأرض ). v قال تقي الدين المقريزي في (الخطط) : إن جميع أهل الشرائع، أتباع الأنبياء، من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحا هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم انحصر فيه، ومنه ذرأ الله جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك، فأنكروا الطوفان. وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط، وأن أولاء (كيومرث) الذي هو عندهم (الإنسان الأول) كانوا بالبلاد الشرقية من بابل، فلم يصل الطوفان إليهم، ولا إلى الهند والصين، والحقّ ما عليه أهل الشرائع. v وقال ابن خلدون: اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح ودعوته، ذهب بعمران الأرض أجمع، بما كان من خراب المعمور، وهلك الذين ركبوا معه في السفينة، ولم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله، وعاد أبا ثانيا للخليقة- انتهى. v مما جاء في فتوى الامام محمد عبده مفتي الديار المصرية في مسألة عموم الطوفان: جَوَابُ سُؤَالٍ وَرَدَ عَلَى الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ مُفْتِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ مِنْ حَضْرَةِ الْأُسْتَاذِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ الْقُدُومِيِّ خَادِمِ الْعِلْمِ الشَّرِيفِ بِمَدِينَةِ نَابِلْسَ، وَفِيهِ نَصُّ السُّؤَالِ: وَصَلَنَا مَكْتُوبُكُمُ الْمُؤَرَّخُ فِي 4 شَوَّالٍ سَنَةَ 1317هـ الَّذِي أَنْهَيْتُمْ بِهِ أَنَّهُ ظَهَرَ قِبَلَكُمْ نَشْءٌ جَدِيدٌ مِنَ الطَّلَبَةِ دَيْدَنُهُمُ الْبَحْثُ فِي الْعُلُومِ وَالرِّيَاضَةِ، وَالْخَوْضُ فِي تَوْهِينِ الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَقَدْ سُمِعَ مِنْ مَقَالَتِهِمْ الْآنَ: أَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لِأَنْحَاءِ الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْأَرْضِ الَّتِي كَانَ بِهَا قَوْمُ نُوحٍ ، وَأَنَّهُ بَقِيَ نَاسٌ فِي أَرْضِ الصِّينِ لَمْ يُصِبْهُمُ الْغَرَقُ، وَأَنَّ دُعَاءَ نُوحٍ بِهَلَاكِ الْكَافِرِينَ لَمْ يَكُنْ عَامًّا بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِكُفَّارِ قَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إِلَّا إِلَى قَوْمِهِ، بِدَلِيلِ مَا صَحَّ «وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً». فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ نَاطِقَةٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ : رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (71: 26) وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (37: 77) وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (11: 43) قَالُوا: هِيَ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ وَلَا حُجَّةَ فِيهَا، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ جَهَابِذَةَ الْمُحَدِّثِينَ أَجَابُوا بِأَنَّهُ صَحَّ فِي أَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ قَوْمُهُ أَهْلَ الْأَرْضِ، وَيَكُونَ عُمُومُ بِعْثَتِهِ أَمْرًا اتِّفَاقِيًّا لِعَدَمِ وُجُودِ أَحَدٍ غَيْرَ قَوْمِهِ، وَلَوْ وُجِدَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ- سَخِرُوا مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَاسْتَنَدُوا إِلَى حِكَايَاتٍ مَنْسُوبَةٍ إِلَى أَهْلِ الصِّين. ومما اجاب به الامام: وَيَزْعُمُ غَالِبُ أَهْلِ النَّظَرِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الطُّوفَانَ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، وَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَوَاهِدُ يَطُولُ شَرْحُهَا- غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِشَخْصٍ مُسْلِمٍ أَنْ يُنْكِرَ قَضِيَّةَ أَنَّ الطُّوفَانَ كَانَ عَامًّا لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ التَّأْوِيلِ فِي آيَاتِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، بَلْ عَلَى كُلِّ مَنْ يَعْتَقِدُ بِالدِّينِ أَلَّا يَنْفِيَ شَيْئًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي صَحَّ سَنَدُهَا وَيَنْصَرِفُ عَنْهَا إِلَى التَّأْوِيلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ يَقْطَعُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ الْمُرَادِ. يتبع

        تعليق


        • #4
          - الطوفان لم يحدث على كرتنا الارضية هذه, ولكنه حدث على كرة ارضية اخرى في السماء, وهي الارض التي هبط اليها آدم من الجنة. الاثباتات والأدلة: v لم يحدث انقراض للحياة منذ ملايين السنين: قد علمنا مما سبق ان الطوفان كان عاما على الارض ولم يكن محلياً, غير اننا لم نشهد على كرتنا الارضية هذه أي مظاهر لطوفانعام مهلك على كل الارض, وذلك انه لم يحدث انقراض للكائنات الحية والنباتات من على وجه الارض. والحياة مستمرة بتوازن دقيق منذ مئات الملايين من السنين. v صعوبة الجمع: لو حدث مثل هذا الطوفان العام على كرتنا الأرضية, لكان تحتم على نوح ان يحمل من كل أصناف الكائنات الحية بما فيها البحرية للمحافظة على نسلها. وليس هذا فحسب, بل كان يتحتم عليه الحمل من نباتات الأرض بشتى أنواعها. وهذا الأمر صعب جدا, وذلك لوجود عدد لا يكاد يحصى من الكائنات الحية والنباتات, اضف إلى ذلك صعوبة نقل بعضها من بيئته سواء كانت مائية أو ثلجية. وهناك أحجام مختلفة من الكائنات الحية منها المجهري ومنها العملاق كحيتان البحر بأصنافها المختلفة, والتي تصل الى أوزان قد لا تصدق, ذلك ان غمر البحار بالمياه العذبة سيخل ببيئة هذه الحيوانات فيهلكها. v وقت التحميل: لو افترضنا ان نوحاً تمكن من جمع جميع الكائنات الحية بأصنافها, فهناك مشكلة اخرى وهي ضيق وقت التحميل في السفينة, فقد علمنا من قبل ان الامر من الله لنوح بتحميل السفينة قد كان بعد حدوث العذاب وطغيان الماء, لذلك فأن تحميل السفينة بأنواع كثيرة جدا من الكائنات بأحجامها المختلفة سيتطلب وقتاً طويلا جدا وهو امر صعب التحقيق في ذلك الوقت الحرج. v الاعتناء بالكائنات الحية بعد الطوفان: لو افترضنا نجاح كل ما سبق ذكره, وتحميل السفينة بأعداد مهولة من الكائنات الحية الداجنة والبرية والبحرية وكذا النباتات بشتى اصنافها, وبعد انقضاء الطوفان ورسو السفينة, فكيف تسنى اطعام كل هذه الكائنات وزراعة النبتات, وقد هلك كل شيء على الارض وغمرتها المياه وزالت كل مظاهر الحياة عليها؟ كل ذلك يؤشر الى عدم حدوث الطوفان الكلي على ارضنا هذه. v ليس هناك عظام وهياكل متحجرة على كرتنا الارضية هذه لملايين بل قل مليارات البشر الذين قضوا في الطوفان. v مساكن قوم نوح في القرآن: لم نجد نصاً في القرآن الكريم يطلب الينا النظر لمساكن قوم نوح , رغم وجود كثير من النصوص التي تطلب الينا النظر الى مساكن عاد وثمود وهم من جاءوا بعد قوم نوح, قال تعالى: (وَعَاداً وَثَمُودَوَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْوَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) العنكبوت), وقوله تعالى: (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَافَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْكَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) الاحقاف), وذلك في الريح التي أُرسلت على عاد. وكذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِأَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَابَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40) الفرقان), في قرية لوط. لكن لم نجد أي آية تحثنا على النظر لمساكن قوم نوح رغم كثرتهم وعمرانهم للأرض, ورغم ان الغرق بالماء قد يكون ترك المباني كما هي, وهو اخف تدميرا من الريح العاتية ومن الرجفة ( الزلزال). والسبب ان قوم نوح لم يعيشوا على كرتنا الارضية هذه ولذلك فأن اثارهم هي بعيدة عن أنظارنا في ارض اخرى من ارض الله الواسعة. v ذكر طواغيت البلاد: قال تعالى: (أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَبِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَالَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) الفجر). يتسائل المرء: لماذا لم يُذكروا قوم نوح عند ذكر طواغيت البلاد, والذين اكثروا فيها الظلم والطغيان والفساد, وهم بالترتيب قوم عاد وثمود وفرعون؟ رغم ان قوم نوح عادةً وفي كثير من الآيات يأتون في المقدمة, ويليهم عاد وباقي الأحزاب؟ هل ذلك مرده الى أن قوم نوح اقل طغياناً وظلماً من أولئك المذكورين؟ قال تعالى: (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) النجم), واضح من الآيات تفوق قوم نوح على عاد وثمود في الظلم والطغيان والعلو في الارض, فلماذا لم يُذكروا في سورة الفجر؟ الجواب: لان الحديث عن الطغاة والمفسدين في البلاد لا في الارض قاطبة, أي في بلادنا, كرتنا الارضية هذه, واما قوم نوح فلأنهم كانوا موجودين ويفسدون ويطغون في كرة ارضية اخري فلذلك لم يُذكروا, ولكن حين كان الحديث عاماً عن المفسدين في كل الارض, فهم يذكرون اولاً. ومن ذلك نتبين ان كرتنا الارضية هذهليست هي كل الارض والله اعلم. v عاد والبلاد: قال تعالى: (أَلَمْ تَرَى كَيْفَفَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) الفجر). التي لم يُخلق مثلها في البلاد: قال الشوكاني في فتح القدير: هذه صفة لعاد: أي لم يخلق مثل هذه القبيلة في الطول والشدة والقوة, وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: أي لم يُخلق مثل هذه القبيلة في البلاد: قوة وشدة وعظم اجساد وطول قامة. وجاء في جامع البيان في تفسير القرآن للأمام الطبري: (حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ : ذكر أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً في السماء). ولكن بالرجوع لحديث الرسول عن خلق آدم, وان الله قد خلقه ستون ذراعاً ( ثلاثون مترا) وما زال الخلق في تناقص الى اليوم, يتبين ان هناك من ولد آدم ممن كان في العصور الغابرة اشد خلقا واكثر طولا من عاد فكيف يفسرُ ما يبدو تناقضاً؟ الجواب: ان عاد قد وُصفوا انهم لم يخلق مثلهم في البلاد وليس في الارض, والبلاد هي ارضنا هذه ولكن هناك من تفوق عليهم من البشر الاوائل في الخلق وطول القامة حسب نص حديث المصطفى, ولكنهم لم يعيشوا في بلادنا هذه بل على ارض اخرى في السماء, وهي التي هبط اليها آدم من الجنة, وهي التي حلّ بها الطوفان فأهلكها, ونجّى الله نوحاً مع المؤمنين, واهبطهم الى كرتنا الارضية هذه, أي ان البلاد ليست عموم الارض التي خلقها الله , بل هي فقط كرتنا الارضية هذه ( جزء من الارض), وهذا ما ذكرناه انفاً عند الحديث عن طواغيت البلاد الوارد ذكرهم في أول سورة الفجر وهم عاد وثمود وفرعون, ولم يُذكر قوم نوح وهم اشد منهم طغياناً واعتى ظلماً كما جاء في خواتيم سورة النجم. v هبوط سفينة نوح على كرتنا الارضية: وهذا ما سوف نتبينه لاحقا في البحث ان شاء الله, ولكن وباختصار فالطوفان لم يحدث على كرتنا الارضية هذه, ولذلك لم نشهد انقراض عام للسلالات والنباتات ولم نجد أي اثار لطوفان عام مهلك على كل الارض. وقد حدث الطوفان بالفعل بكل قوته وعنفوانه تماما كما ذكر لنا القرآن ذلك, وبلغت الامواج طول الجبال وطغى الماء على كل شيء, ولكن هذا الحدث قد حدث على كرة ارضية اخرى في السماء بعيدة عنا, وهي التي هبط اليها ابونا آدم , وبدأ فيها البشر الأوائل الحياة وعاشوا ردحا طويلا من الزمن ووصلوا الى تعداد مهول يقدر بعشرات المليارات, وتقدما كبيرا قد يفوق ما وصلنا اليه اليوم من تقدم. وكانوا على الايمان اولاً, ثم تحولوا الى الكفر في زمن قوم نوح, فبُعث نوح رسولا لهم, ومكث يدعوهم ردحا طويلاً من الدهر, فلم يستجيبوا له, فبعث الله عليهم الطوفان فاغرق كرتهم الارضية بكل ما حوت, ونجى الله نوحا ومن معه من المؤمنين وازواج من الانعام في سفينة متقدمة تقنياً وتعمل كغواصة بل وسفينة فضائية أيضا كما سنعلم لاحقا ان شاء الله. وقد هبطت السفينة القادمة من السماء على كرتنا الارضية هذه, قال تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّاوَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) هود), دعوة للهبوط بالسفينة الفضائية والغواصةالبحرية على كرتنا الارضية هذه, وقد ألّهم الله عبده نوح للدعاء لربه لينزله منزلا مباركا, قال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاًوَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29) المؤمنون), فأنزله واهبطه الى كرتنا الارضية هذه وهي الارض المباركة كما سنعلم لاحقاً. لاحظ أيضاً ان الدعوة بالهبوط موجهه الى شخص نوح وليس للجميع فلو كان الهبوط من السفينة الخشبية الراسية فوق سفح الجبل لقيل لهم (اهبطوا منها), لكن هنا الأمر موجه لنوح لأنه هو والله أعلم من كان يدير قيادة السفينة الغواصة والفضائية, فالدعوة له في توقيت معين بالهبوطمن السماء على الأرض الجديدة. v نزول الانعام: جاء الفعلُ (أنزل) في ما يقارب مائة واثنتان وستون آية في القرآن الكريم, في جُلها كان المعنى واضحا لا يختلف عليه اثنان ويعني الانزال الفعلي من السماء. واكثر ما ذُكرَ في انزال الكتاب والآيات والملائكة والماء والجنود من السماء وغير ذلك من أمور. لكن الانزال في بعض الآياتورد بصورة اقل وضوحاً, مثل انزال السكينة على قلوب المؤمنين, وانزال النعاس امنةً عليهم يغشى طائفة منهم, فقيل هو انزال مجازي, وحتى في هذه المواضع لا نعرف على وجه التحديد طريقة انزال السكينة وانزال النعاس, ويجدر ان نسلم بظاهر النص القرآني من انهما قد انزلتا, لكن علمنا المحدود لا يحيط بطريقة انزالهما. لكن هناك شيئان ماديان وملموسان ذُكر انزالهما وقد اختلف العلماء في تفسير انزالهما وهما انزال الأنعام وانزال الحديد. قال تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَاوَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍيَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) الزمر). وأزواج الأنعام الثمانية قد حُددت في سورة الانعام وهي: من الضَّأْنِ اثنين ومن المَعْزِ اثنين ومن الإِبِلِ اثنين ومن البَقَر اثنين. وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِوَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَفِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) الحديد). ماذا قال المفسرون: قال المفسرون في انزال الانعام اقوال عدة اشهرها انه إنزال مجازي, أي كما اُنزل الحديد وهو موجود في الارض ولم ينزل. وقيل ايضاً انه اذا اعتلى الذكر من الانعام انثاه فأنه ينزل مائه في رحمها من علو نسبي وهذا يقصد به انزال الانعام. ولنبدأ بإنزال الحديد: الحديد - في كثير من اللغات يعني فلز من السماء - هو عنصر مهم جداً لحياة الانسان والكائنات الحية, ذلك انه يدخل في تركيب جسم الانسان ودمه, بل هو مهم كذلك لكل الحيوانات وحتى النبات, زد على ذلك ان باطن الارض يحتوي على كم هائل جداً من الحديد يقدره العلماء بانه يساوي ثلاث مرات كتلة كوكب المريخ, وهو حيوي جدا للحياة على كوكب الارض لأنه يشكل المجال المغناطيسي للأرض والذي يحميها من الرياح الالكترونية القادمة من الشمس, بالإضافة لفوائد جمة لا يتسع المجال لذكرها هنا. وذرة الحديد تعتبر اكثر الذرات استقراراً, وهي تتكون اصلا من سلسلة من الاندماجات النووية, والتي تتطلب حرارة وضغط هائلين لا يتوفران حتى في قلب شمسنا, ولكن تحدث في نجوم بعيدة جداً عنا تسمى المستعرات (supernova ), حيث يتكدس عنصر الحديد في قلب المستعر, وعندما ينفجر النجم ينشر ذرات الحديد في ارجاء الكون. وهناك ثلاث وجوة تفسر كيفية أنزل الحديد: الوجه الاول: وهو الابسط, فالحديد ينزل من السماء في صورة نيازك تقذف الارض وبعضها يشكل عنصر الحديد اكثر من 90% من وزنه, ومنها استطاع الانسان القديم الحصول على الحديد نقياً واستخدمه في صناعة السيوف والرماح وبعض الاثاث. الوجه الثاني: عند تكون الارض في الماضي السحيق كان الحديد يتركز في قشرتها ونزل بشكل تدريجي الى باطن الارض ليشكل قلبها الصلب والاخر المنصهر, أي ان هناك عملية انزال قد حدثت بالفعل لمعظم حديد الارض الى بطن الارض, وعملية الانزال هذه ضرورية جدا لتمهيد الحياة على الارض, اذ بدون وجود هذا الحديد في مركز الارض لن يكون هناك مجال مغناطيسي يحمي الكائنات الحية على الارض من الاشعة القاتلة. الوجه الثالث: وقد ذكرناه انفاً وقلنا ان الحديد في الاصل يتكون في قلب المستعرات لتوفر الحرارة والضغط الهائلين لانجاز اندماج الانوية لتشكيل نواة عنصر الحديد, ثم يقذف الى ارجاء الكون بعد انفجار النجم ليصل الى الكواكب ومنها كوكب الأرض, وقد حدث هذا بالفعل سابقا. انزال الانعام: إذاً مما سبق يتضح لنا ان الحديد قد نزلبالفعل, ولم يعد ربط تفسير انزال الانعام به ذو جدوى, ولذا يبقى السؤال المهم: كيف أُنزلت ازواج الانعام الثمانية الى ارضنا هذه؟ وقد علمنا من القرآن الكريم ان الله قد خلق لنا كل ما في الارض قبل الاستواء الى السماء, قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاًثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) البقرة). أي ان الانعام قد خُلقت في الارض, قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فصلت). ملاحظة: من النص القرآني الكريم في قوله تعالى: (وانزل لكم من الانعام ثمانية ازواج), لاحظ: ان من هنا للتبعيض وهذا يدل على ان الازواج المنزلة هي جزء من انعام مخلوقة اصلا وليست هي اصل الانعام وقد خُلقت في السماء, قال تعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) النحل). وبالرجوع الى قصة نوح وحمله للأزواج, فكما قلنا انه يستحيل حمل زوجين من كل كائن حي أو نبات موجود على سطح الارض, وذلك ان الاعداد لا تكاد تحصى, ولكن الارجح والمنطقي ان نوحا قد أُمر بحمل ازواج بعينها فقط تخص حياة البشر على الارض الجديدة التي اُهبط اليها بقدرة الله وهي كرتنا الارضية هذه. جاء في تفسير الوسيط لطنطاوي: (قراءة الجمهور (مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثنين) بدون تنوين للفظ (كل)، وإضافته إلى زوجين . وقرأ حفص : (مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين) بتنوين للفظ (كل), وهو تنوين عوض عن مضاف إليه، والتقدير : احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التي أنت في حاجة إليها ذكرا وأنثى). ورد في مقالة للشيخ بسام جرار بعنوان: مسألة حول الطوفان جاء فيها: (فالله يطلب من نوح، ، أن يحمل في السفينة من كلِّ زوجين اثنين، وهذا يُشعر بأنّ الطوفان سيعم الأرض ويهلك الكائنات. ويجاب عن هذا بأنّ قراءة حفص للآيتين تنوّن لفظة (كلٍّ). والتنوين هنا عوض عن مضاف إليه محذوف؛ أي احمل فيها من كلّ ما أمرتك أن تحمله زوجين اثنين. وهذا يشير إلى أنّ هناك أمراً سابقاً يحدد الأنواع التي ستحمل في السفينة من أجل أن يكون، ، على استعداد في انتظار الاشارة لحمل هذه الأنواع). انتهى لبسام جرار. الأزواج المحمولة: نرجح ان الازواج المحمولة هي ازواج الانعام الثمانية (من الضَّأْنِ اثنين ومن المَعْزِ اثنين ومن الإِبِلِ اثنين ومن البَقَر اثنين), وهي التي ذُكر في القرآن الكريم انزالها لنا, وهو انزال فعلي وليس مجازي, أي انها نزلت في سفينة نوح . وربما كان هناك ازواج من بعض الكائنات الاخرى المهمة لحياة الانسان وبعض النباتات, ولكن ليس كل الكائنات على سطح الأرض, فعددها مهول ولا يكاد يحصى. وقد هبط نوح ومن معه من المؤمنين على الارض الجديدة ليجدوها زاخرة بأصناف الحياة من كائنات حية ونبات هذا والله اعلم واحكم. ملاحظة: في قراءة الجمهور حيث (كل) بدون تنوين وهي مضاف, فهذا يعني ان يحمل من كل شيء ذو زوجين, ويحتمل ان تكون الارض التي أُهبط اليها آدم وحل بها الغرق, تحتوي اصنافا محدودة من الكائنات الحية المهمة للإنسان وعددها قليل نسبيا, وليست مثل كرتنا الأرضية هذه التي تحوي اعدادا مهولة من الكائنات منها النافع ومنها الضار للإنسان. ولذلك ونظرا لمحدودية الاصناف تمكن نوح من حمل ازواج منها, نقول هذا كتفسير لو كان المقصود بالقراءة هي الاولى (قراءة الجمهور)وهو ما لا نرجحه. وحين هبط نوح الى كرتنا الارضية هذه وجدها زاخرة بالحياة, وفيها كامل خيراتها وانهارها ونبتاتها وحيواناتها البرية وكل الاصناف بشتى صورها, وبدأ البشر عليها حياة جديدة, فالحمد لله رب العالمين. v قبر ابونا آدم : رغم انه ليس من الضروري تحديد قبور الانبياء والمرسلين, الا ان المرء يتسأل: اين دُفن الرجل الاول الذي نشأت منه أمم البشرية جمعاء بقدرة الله تعالى؟ وحيث انه يعتبر بمثابة رمز للبشرية فلا بد وان مكان قبره سيظل معروف ومتواتر عبر الاجيال الى يومنا هذا. وحيث اننا لم نجد اي اشارة في أي عصر من العصور الى اين دُفن آدم , فهذا يوافق ما وصلنا اليه بفضل الله وهداه من ان بداية البشر لم تكن هنا بل في ارض اخرى في السماء والله اعلم. 5- الطوفان لم ينشأ من المطر: من الصعب جداً تخيل أن الطوفان العارم قد حدث بسبب المطر, وان سُحباً قد تكاثفت وبدأ المطر يسقط منها رويداً رويدا إلى أن تراكم هذا الكم الهائل من الماء وغمر أعالي الجبال. وقد قلنا من قبل أن تحميل السفينة بركابها قد حدث بعد حلول العذاب وطغيان الماء, وأنها انطلقت تجري في موج كالجبال, فهذا يعني السرعة الفائقة التي تراكم بها الماء ليصل إلى هذا الارتفاع الشاهق. فهل سقوط الماء من السحب على شكل قطرات مطر مهما بلغت شدته يستطيع أن يراكم كماً كبيراً من الماء في وقت قصير هكذا؟ هذا عوضاً عن حجم السحاب الذي سيولد مثل هذه الجبال من الماء؟. وفي وصف الموج الناشئ من الطوفان بأنه كالجبال في علوه لدليل على ان السحب المطرية المعتادة لا تستطيع تكون مثل هذا الموج, حيث ان السحب الممطرة عادة تكون منخفضة, بل انها تكون اسفل قمم الجبال في كثيرا من الاحوال, فكيف تستطيع ان تراكم ماءا اعلى من مستواها؟. ومما يؤيد ان العذاب لم يكن متدرجا كأن يكون مطرا يسقط رويدا قوله تعالى: (أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) هود), وفيه دلالة على شدة العذاب وان الامر لم يتخطى يوماً وصُف بانه أليم ليهلك المكذبين بطوفان عارم بلغ الجبال علواً. نظرياً ومن مفهوم علمي لا يمكن تخيل هذا, ولكن حتى القرآن الكريم لم يشر في نص صريح إلى أن العذاب قد كان مطراً, ولم تذكر كلمة المطر في كل النصوص القرآنية التي تطرقت لعذاب قوم نوح . كذلك ليس هناك إشارة إلى أن القوم قد رأوا نُذر العذاب قبل حدوثه, كأن رأوا السحب الركامية المتجهة لهم, كما حدث مع قوم عاد, قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْقَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَابَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) الاحقاف), حيث رأى قوم عاد سحب الريح المدمرة وظنوها سحب مطر لتسقيهم. لكن في حالة قوم نوح يبدو أن الأمر قد حدث فجأة دون سابق مقدمات, تأمل قوله تعالى: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) القمر), الفاء تفيد التعقيب والسرعة, أي أن الأمر قد حصل فجأة, وهذا عادةً ما يكون في أمر الله حيث يحل العذاب بالمعذبين بغتة, قال تعالى: (وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) القمر). ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر: أي أن الماء قد انهمر فجأة ولم يسقط كقطرات من السماء, وهو يشبه ملء إناء بالماء ثم سكبه رأساً على عقب مرة واحدة, فينهمر الماءُ منه دفعةً واحدةً. ويدل عليه أن تحميل السفينة قد حدث وسط طغيان الماء وما أن انطلقت تجري حتى جرت في جبال من الماء. ومما يؤكد أن الماء لم يسقط من سحب قول ابن عباس كما جاء في تفسير اللباب في علوم الكتاب لأبن عادل في تفسير الآية 13 القمر, قال: قال ابن عباس عن الماء المنهمر من السماء: (منهمر من غير سحاب لم ينقطع أربعين يوماً). قال الطاهر ابن عاشور في تفسير (11- 13) القمر: (والتقاء الماء: فالإلتقاء مستعار للاجتماع، شبه الماء النازل من السماء والماء الخارج من الأرض بطائفتين جاءت كل واحدة من مكان فالتقتا في مكان واحد كما يلتقي الجيشان), انتهي لابن عاشور. وهذا تشبيه قوى ويدل على أن ماء السماء قد جاء ككتلة واحدة دفعة واحدة ليلتقي ماء الأرض دفعة واحدة, ويحدث إطباق الماءان. قال الألوسي في تفسير ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر): (والباء للآلة مثلها في فتحت الباب بالمفتاح، وجوز أن تكون للملابسة والأول أبلغ. وفي الكلام استعارة تمثيلية بتشبيه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء وانشق أديم الخضراء، وهو الذي ذهب إليه الجمهور، وذهب قوم إلى أنه على حقيقته وهو ظاهر كلام ابن عباس, أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عنه أنه قال: لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالتقى الماآن، وفي رواية لم تقلع أربعين يوماً، وعن النقاش أنه أريد بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرج العيبة، والمعروف من الأرصاد أن المجرة كواكب صغار متقاربة جداً، والله تعالى أعلم.), انتهى من تفسير روح المعاني للألوسي. من أين انهمر الماء؟: انهمر الماء من أبواب السماء, لكن هل المطر يسقط من أبواب السماء؟ لم نجد في القرآن الكريم ما يدل على سقوط المطر من أبواب السماء, بل من السحاب المسخر بين السماء والأرض أومن المُزن. إذاً أين هي أبواب السماء التي فُتحت لينهمرمنها الماء على الأرض المعذبة؟ نبحث أين وردت أبواب السماء في القرآن والسنة, فقد وردت في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَالا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِوَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) الأعراف), وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذُكر فيه أبواب السماء هكذا بصيغة الجمع غير ما ورد في سورة القمر حيث ذُكر أنها فتحت بالماء المنهمر لتغرق الأرض. وقد ورد ايضاً في قوله تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْبَاباً مِنْ السَّمَاءِفَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) الحجر). هذا ما ورد بشأن باب وأبواب السماء في القرآن على حد اطلاعي, وأما ما ورد في السنة قوله : (وإن العبد الفاجر أو الآخر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل عليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم أكفان المسوح ... الحديث بطوله, حتى قوله : ثم يصعدوا بها (أي الروح) ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على الأرض فيصعدون فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الخبيث قال فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ), الراوي: البراء بن عازب المحدث: ابن جرير الطبري - المصدر: مسند عمر - الصفحة أو الرقم: 2/494 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح). وفي رحلة الإسراء والمعراج كما جاء في الحديث الشريف, مر مع جبريل بأبوابٍ وعليها ملائكة لا يفتحون حتى يعرفون من العارج فيؤذن له. مما سبق يتضح لنا أن للسماء أبواب وهي تفتح وتغلق ويلج فيها ويخرج منها, وانه إذا تسنى دخول احد هذه الأبواب وعُرجَ فيهِ فسيُسكر البصُر أثناء العروج. وقد فُتحت بقدرة الله تلك الأبواب لينهمر منها الماء بكم هائل مرة واحدة ليلتقي ماء الأرض ويغرق قوم نوح . وعلْمنا المحدود لا يحيط بأين تقع هذه الأبواب, وقد تكون قريبة منا ولا نشعر بذلك, وفتح أبواب وليس باباً واحداً قد يشير إلى أن الماء غمر الأرض من جميع الجهات والله اعلم. وقد تكون الكرة الأرضية التي هبط إليها آدم , وبدأ فيها البشر الحياة قريبة من أبواب السماء التي فُتحت لينهمر منها الماء فيغرق تلك الكرة الأرضية وسكانها من قوم نوح, وقد نجّى الله نوحاً إلى كرتنا الأرضية هذه بواسطة السفينة. وهذا قد يفسر لماذا لم يرصد القوم نذر العذاب رغم تقدمهم العلمي الكبير, لأنه قد جاء من مصدر خارج عن نطاق فهمهم وقدرتهم, فقد جاء من أبواب السماء والتي مازالت سراً حتى يومنا هذا ولا يعلم طبيعتها إلا خالقها. الماء في السماء: وليس غريباً وجود عنصر الماء في الفضاء الخارجي ففي سنة 1997 تم رصد تكون الماء في سديم الشعرى (Orion nebula) وهذه السحابة تبعد عنا 1500 سنة ضوئية, وقد رُصدَ تكون الماء داخل هذه السحابة بمعدل ما يملأ كل بحار ومحيطات الأرض كل أربعة وعشرون دقيقة وهذه العملية مستمرة لآلاف السنين, ويقدر العلماء أن هذه السحابة الهائلة تحوي من الماء أكثر بمليون مرة مما تحويه بحار ومحيطات كرتنا الأرضية: Astronomers Observe Water Forming in The Orion Nebula - The Tech http://www.pha.jhu.edu/~neufeld/orionwater.html فسبحان الله الخالق العظيم, إذا كان الماء يتكون بمعدل ما يملأ محيطات أرضنا فقط في 24 دقيقة فكم من الماء يتكون بعد مرور مئات أو ألوف السنين؟ مجرد تساؤل: هل اندفعت كتلة من الماء أو نيزك ثلجي في اتجاه ارض قوم نوح من مثل هذه السُدم؟ لكن ضد هذا الاعتقاد ان النيازك الثلجية اذا ما دخلت الغلاف الجوي فسوف تتعرض لدرجة حرارة كبيرة بسبب سرعة هبوطها الكبيرة واحتكاكها بغازات الغلاف الجوي الامر الذي سوف يبخر الماء. لذلك نقول ان الماء المنهمر من ابواب السماء هو خارج عن فهمنا, وذلك اننا لم نعلم بعد طبيعة ابواب السماء. وقد قلنا من قبل ان ذي القرنين قد يكون سافر مرتحلا في احداها, وانها لا تخضع للقوانين الفيزيائية المعروفة لنا. وقد اوردنا مثالا لتشبيهها بما يُعرف بالثقوب الدودية (Wormhole), حيث بالإمكان السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء بمراحل واجتياز المجرات بسرعة فائقة دون الخضوع للقوانين الفيزيائية المعتادة. ملاحظة: قد يقول البعض أن انهمار الماء من أبواب السماء هو أمر مجازي وهو على طريق الاستعارة, ولا يقصد به وجود أبواب تُفتح لينهمر منها الماء. نقول إن هذا القول مخالف لظاهر النص القرآني الصريح من أن انهمار الماء قد حدث من أبواب السماء بعد فتحها, وهو أمر لم يُذكر في القرآن الكريم في غير هذا الموضع. ويدل عليه ذكر وجود أبواب للسماء في القرآن والسنة, وأنها تفتح وتغلق. وكون عقولنا وعلمنا المحدود لم يحط بطبيعة هذه الأبواب ومكانها, فلا يجب إنكار وجودها لأنه إنكار شيء من القرآن والسنة, ويجب الالتزام بظاهر النص القرآني من أن الماء الذي اغرق الكرة الأرضية التي كان يعيش عليها قوم نوح هو بالفعل جاء من أبواب السماء. كما ورد عن ابن عباس مثله, جاء في تفسير روح المعاني للألوسي في تفسير (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ), قال: (وذهب قومٌ إلى أنه على حقيقته وهو ظاهر كلام ابن عباس: أخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم عنه, أنه قال: لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، وفُتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم فالتقى الماآن، وفي رواية لم تقلع أربعين يوماً، وعن النقاش أنه أريد بالأبواب المجرة وهي شرج السماء كشرج العيبة، والمعروف من الأرصاد أن المجرة كواكب صغار متقاربة جداً، والله تعالى أعلم). انتهى للألوسي. o قال تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِيوَغِيضَ الْمَاءُوَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) هود). بعد هلاك القوم أمر الله الأرض بابتلاع ماءها الذي خرج منها, وأمر السماء بالإقلاع, أي التوقف عن إرسال الماء للأرض, ثم نجد قوله تعالى: (وَغِيضَ الْمَاءُ) وغيض: أي نقص وليس زال بالكلية أو اختفى, وإنما نقص نقصاناً, وهذا يعني أن ماء الطوفان والمتراكم فوق سطح الأرض والذي نتج من التقاء ماء الأرض مع ماء السماء فأرتفع إلى الجبال طولا, قد نقص بفعل ابتلاع الأرض لأحد مكوناته وهو ماءها, وكذلك بتوقف تدفق الماء من السماء, ولكن لم يزول الماء تماما من على سطح الأرض, وهذا يوضح دقة الوصف القرآني والذي غفل عنه الكثيرون, ويثبت أن الطوفان كان اكبر مما تصورنا من قبل من انه ماء مطر, بل الأمر أن كماً هائلا من الماء القادم من أبواب السماء قد اجتمع مع ما تفجر من ماء من باطن الأرض ليغمر وفي وقت قصير جدا سطح الأرض ويعلو لآلاف الأمتار, وبعد أن ابتلعت الأرض ماءها الذي خرج من باطنها, وتوقفت السماء عن إرسال الماء من أبوابها, نقص بفعل ذلك ماء الطوفان ولكنه لم يزول وينضب تماما بل بقى غامرا لسطح الأرض. ولو كان ماءاً من المطر لتسرب للبحار والمحيطات ولزال عن وجه الأرض. وهذا أيضا إثبات أخر أن الطوفان لم يحصل على كرتنا الأرضية هذه لأنه بعد انقضاء الأمر سيكون قد بقى على سطح الأرض ماء ولن يستطيع أهل السفينة العيش وممارسة حياتهم على تلك الأرض المغرقة وهو يثبت أنهم غادروها لكرة أرضية أخرى. ملاحظة: لمزيد من التفصيل انظر لاحقاً بعنوان: (وغيض الماء) تحت عنوان: سفينة نوح فضائية بند (8). 6- هل كانت سفينة نوح معجزة خارقة للسنن الكونية؟: خلق الله الكون يسير وفق سنن كونية ثابتة, فلا تستطيع السيربقدميك على الماء, ولا تستطيع العيش في أعماق البحار دون أجهزة تنفس, ولا تستطيع السير في الهواء بدون مساعدة أجهزة طيران. وقد أعطي الله بعض رسله آيات معجزات خارقات للسنن الكونية لحث أقوامهم على الإيمان, مثل خروج الناقة من الصخرة, والعصا تتحول إلى حية تسعى, والطير يُصنع من الطين فينفخ فيه عيسى فيصير طيراً بأذن الله . لكن هل كانت سفينة نوح على هذا القياس سفينة معجزة خارقة للسنن الكونية؟ وهل كانت أية معجزة تهدف إلى إيمان القوم؟ الجواب: كلا, وسنورد بعض الدلائل على أنها لم تكن معجزة خارقة لنواميس الكون: v لو كانت معجزة خارقة للسنن الكونية, من كانت تستهدف كمعجزة؟ هل كانت بهدف حث قومه على الإيمان؟ كلا, لان صناعة السفينة قد بدأت بعد أن اخبره ربه بأنه لن يؤمن من قومه إلا من قد أمن. v صناعة السفينة: مكث نوح فترة من الزمن يصنع السفينة بوحي من الله , فلو كانت السفينة معجزة هل احتاج الأمر إلى ذلك؟ أم كانت تُنزل من السماء كما نزلت المائدة على عيسى وقومه؟ كون صناعة السفينة قد استغرقت وقتاً طويلا, وكون العامل البشري كان له دور في صناعتها, فهذا يدل على أنها ليست معجزة مثل عصا موسى وناقة صالح ومائدة عيسى جميعاً. v إذا قيل إنها سفينة خشبية عادية, ولكنها معجزة خارقة حيث لا يضيرها حتى لو صارت في أعماق الأمواج العاتية, ولا خوف على ركابها من الاختناق لفقدان الهواء, نقول إذاً ما الداعي لصناعة سفينة؟ الله يستطيع أن يغمر الأرض بالطوفان وينجي نوحا والمؤمنين مع بقائهم في بيوتهم لا يبرحونها, ويتنفسون رغم غمر الماء وعلوه كل الأشياء, ومثله حدث كنجاة إبراهيم من وسط النار, وشق البحر لموسى وقومه, هكذا تكون المعجزات الخارقة. v وصُفت السفينة في القرآن بأنها آية, لكن هذا لا يعنى أنها خارقة لنواميس الكون والقوانين التي يسير بها, فكل السفن وصفت بأنها آيات من آيات الله كما الرياح وسلخ النهار من الليل وتسخير الشمس والقمر ومنامنا بالليل وغير ذلك, قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ (32) الشورى), آيات ولكنها تسير وفق السنن الكونية الثابتة. v قال تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ (43) يس). هذه الآيات الكريمة من سورة يس توضح لنا بجلاء طبيعة سفينة نوح , وأنها آية كما ذُكرت كل الفلك والسفن كآيات من آيات الله , وتسير خاضعة لقوانين وسنن خلق الكون, والدليل على ذلك أن الله خلقللإنسان من مثلهاليركبه ولو كانت خارقة للسنن الكونية لكانت متفردة وليس لها مثيل. تأمل ايضاً ما يدلك على طبيعة سفينة نوح وما يدل على أنها ليست سفينة عادية بل غواصة قوله تعالى: (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ), أي ان الله وبفضل منه قد هدى الإنسان لصناعة الغواصات, وإذا ما حل الغرق بالغواصة بمشيئة الله تعالى, فلا يمكن تدارك ركابها ولا يستطيعون الصريخ وطلب النجاة لان الماء سوف ينهال عليهم فجأة وبضغط عال, ولن يعطيهم الفرصة للصريخ وإسماع صوتهم, ولن يستطيع احد أن يهرع إليهم لإنقاذهم من محنتهم, فالوقت قصير جداً لفعل ذلك, وغالباً ما يكون الموت المحتم. لكن السفن العادية وخاصة العملاقة منها فأنها حين تغرق لا تغرق فجأة, بل تجنح أولا, ويمكن طلب النجاة, وفي معظم الأحوال يتم انتشال ركابها وطاقمها وإنقاذهم, بل أن غرقها بشكل تام قد يستغرق عدة أسابيع أوأشهر. يتبع

          تعليق


          • #5
            7- سفينة نوح غواصة: v السفينة جرت داخل الموج: قال تعالى: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْفِيمَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) هود). السفينة تجري في موج وليس على موج والمعتاد جريان السفن العادية على الموج, قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَفَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِإِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) الشورى), أي أن جريان السفن العادية يكون على ظهر البحر, وإذا ما قابلت الموج فأنها تعتلى الموجة ولا تجري فيها. أما سفينة نوح فهي تجري في موج كالجبال, وهذا يدلنا على أنها سفينة غواصة, وذات صناعة قوية جدا, ولا بد انه قد اُستعمل في صناعتها معادن قوية جدا, حتى كبريات الدول في وقتنا هذا لا تمتلك مثلها, حيث تُحّيد الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة أساطيلها البحرية لمجرد اضطراب بسيط في البحر خشية تحطم سفنها فما بالنا بموج يبلغ ألاف الأمتار. فكيف الحديث عن سفينة خشبية ذات شراع أو تجديف تسير في مثل هذه الظروف؟ v الحمل في جوف السفينة وليس عليها: قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُقُلْنَا احْمِلْ فِيهَامِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) هود), وقال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُفَاسْلُكْ فِيهَامِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) المؤمنون). احمل فيها وأسلك فيها: أي ادخل فيها: دليل على أنها ليست سفينة عادية فالركوب كان داخلها وفي جوفها لا عليها. فإن قيل ماذا تقول في قوله تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) القمر), ألم تستعمل (على) بدل (في)؟ نقول جيد ولكن هذا لا ينفي كونها مغلقة مثل الطائرة, فالمسافرين يركبون في الطائرة وتستطيع أن تقول: تحطمت طائرة كانت تقل على متنها أربعون راكبا أو تقل على ظهرها خمسون راكباً فهذا جائز في اللغة. v قال تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) الحاقة), أي ان حملهم كان عند علو الماء وطغيانه وهو صميم عمل الغواصات فلا تعمل في المياه الضحلة بل تحتاج إلى مياه غامرة, لاحظ أيضا حملناكم في الجارية وليس على الجارية, أي في جوفها. وقد ذكرنا أنفا ان عملية تحميل السفينة قد حدثت بعد تلقى نوح الأمر الإلهي : (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها.. ), أي بعد حلول الطوفان بشدته وعلو أمواجه تم تحميل السفينة بركابها. v قال تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ (43) يس). تأمل ما يدلك على طبيعة سفينة نوح وما يدل على أنها ليست سفينة عادية بل غواصة قوله تعالى: (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ), أي ان الله وبفضل منه قد هدى الإنسان لصناعة الغواصات, وإذا ما حل الغرق بالغواصة بمشيئة الله فلا يمكن تدارك ركابها, ولا يستطيعون الصراخ وطلب النجاة لان الماء سيغمرهم فجأة وبضغط عال, ولن يعطيهم فرصة للصريخ وإسماع صوتهم ولن يستطيع احد أن يهرع إليهم لإنقاذهم من محنتهم فالوقت قصير جداً لفعل ذلك وغالباً ما يكون الموت المحتم. لكن السفن العادية وخاصة العملاقة منها فأنها حين تغرق لا تغرق فجأة بل تجنح أولا, ويمكن طلب النجاة وفي معظم الأحوال يتم انتشال ركابها وطاقمها وإنقاذهم, بل ان غرقها بشكل تام قد يستغرق عدة أسابيع أو أشهر. v قوة انهمار الماء: بحسب الوصف القرآني الدقيق فان الطوفان كان حدثاً مريعاً, حيث انهمر الماء بصورة سريعة من أبواب السماء, وتفجرت عيون الأرض, ليلتقي الماءان ويتكون موج كالجبال لتجري السفينةفيه. فهل تستطيع سفينة خشبية أساس عملها أن تُدفع فوق سطح ماءٍ هادئ لتطفو فوقه, أن تتحمل هذا الانهمار من الماء وهذا الاضطراب والأمواج العاتية؟ إن السفينة العادية وحتى إن لم تكن خشبية حين ينهمر عليها الماء بهذه القوة فسيغرقها حتماً ويتراكم فوقها, وعلى العكس فلو كانت غواصة فإنها تنتظر تراكم الماء وطغيانه لتنطلق تجري فيه. v قوة دفع السفينة: كل سفينة لها وسيلة دفع لتُحركها وتُجريها, فالسفن البدائية كانت تستعمل الشراع حيث يفتح ليندفع فيه الريح فيدفع السفينة, وبواسطة التحكم فيه تُوجّه السفينة. وفي أنواع أخري من السفن القديمة يستعمل التجديف ويعتمد في ذلك على رجال أقوياء يجدفون الماء لتحريك السفينة. أما السفن الحديثة فإنها تستعمل المحركات بمختلف أنواعها. لكن ماذا بالنسبة لسفينة نوح , ما هي وسيلة الدفع فيها؟ هل كانت الشراع أم التجديف؟ في كلا الأمرين كيف تسنى ذلك وسط الأمواج العاتية التي تبلغ الجبال طولاً والانهمار الشديد للماء؟ هذا يعنى الغرق المحتم لمن يقوم بعملية التجديف أو أدارة الشراع, إضافة إلى تمزق الشراع القماشي بتأثير الظروف المضطربة جداً. إذاً لا بد وان هناك قوة دفع فعالة جداً لتدير السفينة بل وحتى تتفوق على ما لدى كبريات الدول من وسائل حديثة لإدارة ودفع السفن, وسنتطرق إلى ماهية وسيلة الدفع في سفينة نوح لاحقاً إن شاء الله. v ذات ألواح ودسر: قال تعالى: (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) القمر). قد يظن البعض أن هذه الآية الكريمة تحسم الجدل حول طبيعة سفينة نوح حسماً كلياً, ذلك أنها تصف السفينة بأنها سفينة بدائية, فهي صنعت من الواح الخشب التي ثُبتت بالمسامير أي الدسر. لكن بالعودة إلى الآية الكريمة وتأملها جيداً يتضح الأتي: ذات الواح: لم تحدد الآية الكريمة طبيعة تلك الألواح, ولو قيل إنها الواح خشبية لحُسم الأمر فعلاً, ولكن قد تكون الواح معدنية أو الواح بلاستيكية أو غير ذلك. وعبارة ذات الواح: تفيد أن تلك الألواح هي مميزة ومُعْرّفة للسفينة, فإذا قُلتُ لك سوف تمر بك بعد ساعة سيارة ذات لون برتقالي ولوحة خضراء فمن السهل أن تتعرف عليها. لكن لو قلت لك ستمر بك سيارة ذات ألواح حديدية, وكنت اعني أن جسمها مصنوع من الواح الحديد, فهل هذا الوصف سيسهل عليك التعرف على تلك السيارة؟ كلا, لان الألواح مدمجة بطريقة لا يمكنك من خلالها ملاحظة أنها ذات الواح. نفس الشيء بالنسبة لسفينة نوح فلو قيل إنها مصنوعة من الواح الخشب, فإنها حتماً ستكون مدمجة مع بعضها البعض ومدهونة بالقار لمنع تسرب الماء إليها, الأمر الذي يجعل من الصعب التعرف عليها من خلال مراقبة أنها تحتوي الواح خشب. ودسر: اُختلف في الدسر, فقيل الدسر أي المسامير مفردها ديسار وهو لفظ غير شائع في اللغة, ونعلم أن القرآن الكريم قد نزل بأفصح وأيسر لسان العرب. وقيل إن الدسر هو صدر السفينة يُدفع به البحر دفعا قاله ابن عباس . ولو رجعنا لأصل الكلمة: فدُسُر من دَسَرَ أي دَفَعَ, دَسَرهُ دَسرة بالرمح, أي دفعه دفعة شديدة بالرمح, دَسْرة أي دَفْعة. ورد في تفسير البحر المحيط لأبي حيان: (والدسر المسامير، قاله الجمهور, وقال الحسن وابن عباس: مقاديم السفينة لأنها تدسر الماء، أي تدفعه، والدسر: الدفع, وقال مجاهد وغيره: بطن السفينة. وعنه أيضاً: عوارض السفينة, وعنه أيضاً: أضلاع السفينة، تجري في ذلك الماء الملتقي). ورد في روح المعاني للألوسي: (وأصل الدسر الدفع الشديد بقهر). وورد في تفسير المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية قوله: (ذات ألواح ودسر): (هي السفينة قيل كانت ألواحها وخشبها من ساج، والدسر: المسامير، واحدها: دسار، وهذا هو قول الجمهور، وهو عندي من الدفع المتتابع.) انتهى لابن عطية. وورد في تفسير الجامع لإحكام القرآن/ القرطبي: والدَّسْر الدفع؛ قال ٱبن عباس في العنبر: إنما هو شيء يَدْسُره البحر دَسْراً أي يدفعه. انتهى للقرطبي. مما سبق عرضه نتبين اختلاف المفسرين وأهل التأويل في ما هو الدسر, ولكن الإجماع بينهم انه يشير إلى الدفع القوي أو الدفع بالقهر, قد يكون بمقدم السفينة ( كَلْكلْها كما قال ابن عباس يدفع البحر دفعاً), أو بطنها كما قال مجاهد وغيره, أو عوارض السفينة قاله آخرون, أو هي المسامير التي تشد السفينة أو حبال. الأمر الذي لا اختلاف عليه أن كلمة دسر تشير إلى دفع قوي, وهو ما نرجحه في وصف السفينة فهي حتماً تمتلك وسيلة دفع قوية جداً تمكنها من الجريان في خضم هذا الطوفان العرم, ولا يمكن تصور أن شراعاً قماشياً أو تجديف بالمجاديف اليدوية يستطيع أن يدير مثل هذه السفينة الضخمة ويوجهها وسط هذه الأمواج العالية والمياه المنهمرة بشدة. وليس هذا فحسب بل أن الألواح إنما هي ما يُثَبْت من أجنحة وزعانف في بدن السفينة لتوجيه حركتها, وهذا يجعل الوصف لها بكونها تمتلك الواح توجيه ودفع قوي يحركها وسط الماء بل والفضاء لاحقاً,, يجعله وصفاً دقيقاً. عَنْعِكْرِمَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) : " كَانَتْ سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ ثُبِّتَتْ لَهَا أَجْنِحَةٌ تَحْتَ الأَجْنِحَةِ أَبْوَابٌ). وهو يتفق مع ما ذكرناه انها تمتلك اجنحة والواح توجيه. وسنتعرض بالتفصيل إلى صناعة السفينة لاحقاً ونوضح تنورها ومولد الدفع ووسائل التوجيه فيها, وسنرى إلى أي مدي ينطبق هذا الوصف القرآني الدقيق على سفينة نوح المتطورة لا على سفينة نوح الخشبية البدائية. v هل السفينة خشبية؟ إذا كانت السفينة بدائية وصنعت من الخشب واستطاعت مقاومة كل هذه الأهوال والطفو على سطح الماء,فلماذا لم ينجو بعض القوم مستخدمين سفن خشبية ايضاً؟ سيقال إنهم كانوا بدائيون جداً ولا يعرفون السفن وكانت سفينة نوح أول سفينة يصنعها الإنسان, نقول إذاً لماذا كانوا يسخرون منه لأنه كما قيل يصنع سفينة في ارض صحراوية؟ وهو ما يدل على معرفتهم للسفن واستخداماتها؟. فأن قيل إنهم كانوا يعرفون السفن وصناعتها وسخريتهم كانت من كونه يصنعها في ارض صحراء وجبال بعيداً عن البحر, نقول لو كان الأمر متعلق بصناعة سفينة خشبية مثل التي يصنعها الناس آنذاك فلماذا الوحي لنوح من الله العظيم عن صناعة الفلك قال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا), لاحظ بأعيننا ووحينا وفيها دلالة على أن الأمر اكبر من صناعة سفينة عادية والله اعلم. ومعلوم ان السفن العملاقة جدا لا يمكن صناعتها من الخشب وربط اجزائها بالمسامير, وذلك انها ستتحطم حتما تحت تأثير الاحمال الكبيرة, فالخشب يناسب صناعة السفن الصغيرة والمتوسطة فقط. 8- سفينة نوح فضائية: v حيث إن الطوفان كان عاماً على كل الأرض (راجع ما سردناه سابقاً من أدلة), وحيث إن الطوفان لم يحصل على كرتنا الأرضية هذه (راجع ما سردناهسابقاً من أدلة), فهذا يعني حصول الطوفان في ارض أخرى وهي التي هبط إليها آدم وخرج منها نوح بالسفينة ليهبط على كرتنا الأرضية هذه. وهذا يعني أن السفينة ليست غواصة فحسب بل هي ايضاً سفينة فضائية متطورة جداً وتعمل بواسطة الدفع وسنتطرق لتركيبها لاحقاً إن شاء الله . v :وَغِيضَ الْمَاءُ: قال تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِيوَغِيضَ الْمَاءُوَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) هود). أمرَ الله الأرض بابتلاع ماءها وهو ما صدر منها من ماء, ولو أُريد به كل الماء لقيل ابلعي الماء, ومن الصعب تصور أن تبتلع الأرض أكثر مما خرج منها من ماء. وأمر السماء عن التوقف عن إرسال الماء, ثم نجد قوله تعالى: (وَغِيضَ الْمَاءُ), وغيض: أي نقص وقل, وليس نضب وجف وزال بالكلية أو غار, لان هذا يعني أن الأرض قد ابتلعته, وفي ذلك حشو وزيادة لأنه قد أشير مسبقاً إلى أن الأرض قد ابتلعت ماءها, فما الداعي لتكرار ابتلاع الأرض للماء بصورة أخرى؟ نقول إن عبارة غيض الماء تعطي معناً إضافيا ومفيداَ, ولا تدل على ابتلاع الأرض لكامل الماء, بل أن المعنى الواضح لها هو نقصان ماء الطوفان فحسب وليس زواله كلياً. ومن ذلك نفهم أن ماء الطوفان المتراكم على سطح الأرض والناتج من التقاء ماء السماء مع ماء الأرض, وبعد صدور الأمر الإلهي للأرض بعد انقضاء العذاب بابتلاع ماءها, هذا الماء قد نقص نسبياً (غيض) لكنبقيكم منه غامر لسطح الأرض ولم يزول تماماً, أي بقى ماء السماء ولم ويجف سطح الأرض. وهذا الأمر سيحول دون ممارسة الناس لحياتهم والعيش على تلك الأرض المهلكة والزراعة عليها, وهو ما يعني مغادرتها لأرض أخرى وهي كرتنا الأرضية هذه, حيث هبط عليها نوح بواسطة سفينته الغواصة الفضائية والله اعلم. بصورة أخرى: يا ارض ابلعي ماءك: هل المقصود ماءها الذي خرج منها فقط؟ أم ماءها أي كل الماء المتراكم على سطحها بسبب الطوفان, ويشمل ما تفجر منها من ماء مضافاً إليه ماء السماء؟ فإذا قيل الأولى فهذا يعني بقاء ماء السماء على سطحها وتأتي عبارة غيض الماء أي نَقَصَ لتوضح أن ماء الطوفان قد نقص بفعل ابتلاع الأرض لجزء منه وهو ما صدر منها من ماء ويعني بقاء كم من الماء على سطحها. وان قيل الثانية فهذا يعني ابتلاع الأرض لكل الماء المتراكم على سطحها بسبب الطوفان ويشمل ما صدر منها من ماء مضافاً إليه ماء السماء, وتأتي بعد ذلك عبارة (وغيض الماء) أي نقص, فماذا تفيد؟ فالماء زال بالكلية وجف سطح الأرض, وكلمة غيض أي نقص تعني بقاء جزء منه؟ فإن قيل إن غيض هنا بمعنى نضب وغار في الأرض نقول هذا يعني أن هذه العبارة هي حشو وزيادة ولم تضف معنى لأنه سبق التصريح بابتلاع الأرض للماء. لذلك نقول ان المعني الدقيق للاية هو: أن الأرض ابتلعت ماءها الذي صدر منها وهو ظاهر النص, والسماء توقفت عن إرسال الماء, وهذا أدى إلى نقصان ماء الطوفان بمعدل ما ابتلعت الأرض من ماء, ولكن ليس زواله تماما بل أن كماًمنه بقى يغمر سطح الأرض وهو ما يحول دون ممارسة الناس لحياتهم وزراعة الأرض, وهو يعني حتمية مغادرة تلك الأرض المهلكة إلى ارض أخرى. v الهبوط بسلام: قال تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍعَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) هود). قيل انه الهبوط من السفينة بعد استوائها أو من سفح الجبل إلى الأرض, ولكن هل مثل ذلك الهبوط والنزول يستدعي السلامة؟ انه نزول عادي وليس فيه خطورة وقد انتهى أمر الطوفان وابتلعت الأرض ماؤها. لكن ما يبدو لنا من خلال البحث أن النزول والهبوط هو بسفينة فضائية لسطح كرة أرضية, مع ما يحتويه من مخاطر أثناء عملية الهبوط, وهو ما يستدعي السلامة أثناء الهبوط, هذا والله اعلم. 9- ما هو التنور؟ التنور بلغات شتى منها العربية والعبرية والفارسية وغيرها يعني الفرن, وهو ما توقد فيه النار ويصنع فيه الخبز. وقد اختلف أهل التأويل أيما اختلاف في تفسيره وعلاقته بالطوفان والسفينة, وسنورد بعض مما جاء من أقوال بهذا الصدد قبل عرض رؤيتنا لما هو التنور: جاء في تفسير الجامع لإحكام القرآن للقرطبي: (اُختلف في التنور على أقوال سبعة: الأول ـ أنه وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً؛ قاله ابن عباس وعِكرمة والزّهري وابن عيينة؛ وذلك أنه قيل له: إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك. الثاني ـ أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه؛ وكان تنوراً من حجارة؛ وكان لحوّاء حتى صار لنوح؛ فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك. وأنبع الله الماء من التنور، فعلمت به ٱمرأته فقالت: يا نوح فار الماء من التنور؛ فقال: جاء وعد ربي حقاً. هذا قول الحسن؛ وقاله مجاهد وعطية عن ابن عباس. الثالث ـ أنه موضع اجتماع الماء في السفينة؛ عن الحسن أيضاً. الرابع ـ أنه طلوع الفجر، ونور الصبح؛ من قولهم: نوّر الفجر تنويراً؛ قاله عليّ بن أبي طالب . الخامس ـ أنه مسجد الكوفة؛ قاله عليّ بن أبي طالب أيضاً؛ وقاله مجاهد. قال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة. وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الدّاخل مما يلي كندة. وكان فوران الماء منه علماً لنوح، ودليلاً على هلاك قومه.السادس: أنه أعالي الأرض، والمواضع المرتفعة منها؛ قاله قتادة. السابع: أنه العين التي بالجزيرة «عين الوردة» رواه عِكرمة. وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وإنما كان بالشام بموضع يقال له: «عين وَرْدَة» وقال ابن عباس أيضاً: فار تنور آدم بالهند.فهذه الأقوال تجتمع في أن ذلك كان علامة. والفَوَران الغَلَيان. والتنور ٱسم أعجميّ عربته العرب، وهو على بناء فَعّل؛ لأنّ أصل بنائه تَنّر، وليس في كلام العرب نون قبل راء. وقيل: معنى «فَارَ التَّنُّورُ» التمثيل لحضور العذاب؛ كقولهم: حمِي الوطيس إذا ٱشتدت الحرب, والوطيس التنور.) انتهى من الجامع للأحكام للقرطبي. قال الطاهر ابن عاشور : (والفوران: غليان القدر، ويطلق على نبع الماء بشدة، تشبيهاً بفوران ماء في القدر إذا غلي، وحملوه على ما جاء في آيات أخرى من قصة نوح ـ عليه السّلام ـ مثل قوله: وفجّرنا الأرض عيوناً [القمر: 12]. ولذلك لم يتضح لهم إسناده إلى التنور، فإن التنور هو الموقد الذي ينضج فيه الخبز، فكثرت الأقوال في تفسير التنور، بلغت نسبة أقوال منها ما لا ينبغي قبوله. ومنها ما له وجه وهو متفاوت. فمن المفسرين من أبقى التنور على حقيقته، فجعل الفوران خروج الماء من أحد التنانير وأنه علامة جعلها الله لنوح ـ عليه السّلام ـ إذ أفار الماء من تنوره علم أن ذلك مبدأ الطوفان فركِب الفلكَ وأركبَ من معه). انتهي من التحرير والتنوير لابن عاشور. مما سبق يتبين اختلافاً كبيراً بين المفسرين على طبيعة التنور وورد في ذلك أقوال عدة, كما زُعم أنها تتفق في أن فوران التنور هو علامة لنوح من ربه لتحميل السفينة. لكن هذا الزعم يتعارض مع قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُقُلْنَا احْمِلْ فِيهَامِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) هود), ففي الآية الكريمة يتضح الأمر الإلهي لنوح في الوقت المناسب لتحميل السفينة بقوله : قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا واستجاب نوح لهذا الأمر والذي صدر إليه بعد حلول الطوفان ( مجيء أمر الله) فقال لهم: أي نوح: اركبوا فيها, وهذا ينفي أن فوران التنور هو العلامة لتحميل السفينة, ولن ينتظر نوح بعد هذا الأمر لعلامة الفوران لُيحّمل السفينة. ومما يؤكد ذلك ما ورد في قوله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) المؤمنون). قال الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير: (وإنما عبر هنالِك بقوله: قلنا احمل فيها [هود: 40] وهنَا بقوله: فاسلُك فيها لأن آية سورة هود حكت ما خاطبه الله به عند حدوث الطوفان وذلك وقت ضيق فأُمرّ بأن يحمل في السفينة من أراد الله إبقاءهم، فأسند الحمل إلى نوح تمثيلاً للإسراع بإركاب ما عُيِّن له في السفينة حتَّى كأنّ حاله في إدخاله إيَّاهم حالُ من يحمل شيئاً ليضعه في موضع، وآية هذه السورة (المؤمنون) حكت ما خاطبه الله به من قبل حدوث الطوفان إنباء بما يفعله عند حدوث الطوفان فأمَره بأنه حينئذ يدخل في السفينة من عَيَّن الله إدخالهم، مع ما في ذلك من التفنن في حكاية القصة). انتهى من التحرير والتنوير لابن عاشور. مما سبق يتضح لنا أن فوران التنور لم يكن بمثابة إشارة وعلامة لنوح من ربه لتحميل السفينة ذلك أن الأمر بتحميل السفينة صدر إليه مباشرة في قوله تعالى: (قلنا احمل فيها), واستجاب نوح فقال لهم: (اركبوا فيها). ومع ذلك لا نغفل دور فوران التنور في تحميل السفينة فله دور مهم جداً وحتماً قد جرى تحميل السفينة بعد حدوث فوران التنور, فما هو التنور وما هي قصة فورانه؟ نقول والله اعلم إن التنورَ هو فرن السفينة وهو ما يشكل قوة الدفع للسفينة (الدسر), ونخال انه تجويف بيضاوي الشكل يقع في مؤخرة السفينة مصنوع من معدن قوي جداً ويتحمل الضغط والحرارة بدرجات كبيرة جداً, وينتهي بفتحة ضيقة نسبياً منها ينبعث الدفع للسفينة في مؤخرتها. ويدير هذا الفرن أقطاب تولد حرارة عالية جداً يولدها مفاعل نووي نرجح انه اندماجي ويوجد في جدار الفرن صمامات تسمح بتسرب الماء إلى داخل الفرن ولا تسمح برجوعه منها – أي أنها تعمل في اتجاه واحد فقط. آلّية عمل التنور: عندما يتسرب الماء إلى داخل التنور من الصمامات الموجودة بجداره وينفذ الماء إلى داخل التنور يقابل أقطاب ذات درجة حرارة مهولة يغذيها مفاعل نووي, وعلى الفور وبمجرد ملامسة الماء لهذه الأقطاب يتحول الماء إلى بخار ويتولد ضغط عال جداً, ويندفع الضغط في جميع جهات تجويف التنور, فيضغط على صمامات نفاذ الماء محاولاً الخروج منها للخارج, لكنها تقفل بفعل الضغط العالي ولا تسمح بنفاذ ضغط البخار منها, فلا يجد البخار ذو الضغط الهائل إلا الفتحة الوحيدة في نهاية التنور والتي يخرج منها بقوة كبيرة جداً دافعاً السفينة في الاتجاه المضاد (حسب قانون نيوتن). وبعد نفاذ ضغط البخار بتسربه من مؤخرة السفينة من تلك الفتحة يهدأ الضغط نسبياً داخل التنور وهو ما يسمح بفتح الصمامات لدخول وجبة أخرى من الماء مرة أخرى بنفس الطريقة السابقة إلى داخل التنور لتقابل أقطاب بدرجة حرارة عالية ويحدث فوراً تبخير الماء مع تولد ضغط عال وإغلاق الصمامات بفعل الضغط العالي ومن ثم توجه البخار إلى الفتحة الخلفية للنفاذ منها مشكلا قوة دفع للسفينة, وتتكرر هذه العملية بوتيرة سريعة في شكل دفعات متلاحقة معتمدة على درجة حرارة الأقطاب.
            وهنا اذكر ما قاله ابن عطية في تفسير (الدسر) إذ قال: (وهو عندي من الدفع المتتابع). انتهى لابن عطية, وهو بالفعل دفع متتابع وهذه هي ميكانيكية عمله. وما ورد في تفسير الالوسي قوله: (وأصل الدسر الدفع الشديد بقهر), انتهى للألوسي, وأي دفع قاهر هذا. لماذا فار التنور وما علاقته بحلول الطوفان والتحميل في السفينة؟ سنتطرق بشرح مفصل لتركيب السفينة موضحين ذلك بالرسم, ولكن للتنويه هنا عن فوران التنور وتوضيح أمره نقول إن السفينة وبعد الفراغ من صناعتها نصبت في وضع رأسي استعدادا لجريانها حال حلول العذاب وتراكم الماء حولها وغمرها. وتمهيداً لعملية التحميل جمعَ نوح أهله والمؤمنين والأزواج المراد حملها والتي قلنا إنها قليلة العدد, ربما هي أزواج الإنعام الثمانية فحسب. جّمع كل هذا في بناء محكم الإغلاق معزول ومحصن من الماء ويتصل بباب السفينة بممر محكم وهذا البناء يحتوي على وسائل توليد الأكسوجين ومعادلة الضغط كما تحتويه غواصات الأعماق الحديثة. وعند حدوث العذاب بكل قوته وحلول الطوفان وطغيان الماء وغمره للمباني وغمره للسفينة, عندئذ بدأ وربما تلقائياً (واتماتيكياً) نظام تشغيل التنور مولد دفع السفينة والذي يغذيه بحرارة عالية جداً مفاعل نووي اندماجي ( وسنوضح لاحقاً لماذا مفاعل نووي ولماذا نرجح انه اندماجياً). وحيث إن السفينة وقبل تشغيل التنور قد غُمرت بماء الطوفان فهذا أدى إلى تسرب الماء عبر صمامات التنور ومن الفتحة الخلفية إلى داخل تجويف التنور فامتلأ التنور بالماء, ولكن ومع تشغيل المفاعل وبدء ارتفاع درجة حرارة الأقطاب داخل تجويف التنور تدريجياً إلى بلوغها درجة حرارة أدت إلى غليان الماء داخل التنور ففار من مؤخرة السفينة, وهذا يعني نجاح عمل محرك السفينة, وهو أيضا يعني تشغيل المعدات المعقدة داخل السفينة والتي تكيف الضغط ودرجة الحرارة وتولد الأكسجين اللازم لتنفس الركاب وسط الأمواج العارمة. وعندئذ أي عند فوران التنور وهو ما يعني تهيؤ السفينة للعمل واستقبال الركاب, صدر الأمر الإلهي لنوح لتحميلها بركابها والذين تحركوا من مكان تجمعهم الموصول بممر بباب السفينة (فاسلك فيها) وهو تعبير دقيق لان السفينة مغلقة وليست سفينة خشبية مفتوحة من أعلى, فسلكوا ممراً محكماً أفضى بهم إلى داخل السفينة وبعد ركوبهم فيها وبدء عملية الانطلاق تم فصل الممر تلقائيا كما يحدث عند انطلاق سفن الفضاء الأمريكية والروسية. ونرجح انه بعد صدور الأمر الإلهي لنوح بتحميل السفينة أجرى نوح محادثة مع ابنه المتحصن في معزله بواسطة النداء اللاسلكي:(ونادى نوح ابنه وكان في معزل) في محاولة منه كانت الأخيرة لثنيه عن عناده. وأخال أن ابنه كان في معزل قريب جدا من تجمع ركاب السفينة بحيث لو وافق لتم الوصول إليه لإنقاذه ولكنه رفض فكان من المغرقين. 10- كيف كانت سفينة نوح ؟: سفينة نوح كانت سفينة متطورة جداً, بل هي الأكثر تطوراً على مر العصور ليومنا هذا, وهذا ليس بغريب إذا علمنا أن الذي عَلَّم نوح صناعتها هو الله القوي العزيز, فهل ستأتي سفينة تضاهيها قوة وتطور؟ لقد كانت سفينة تعمل وفق السنن الكونية التي أودعها الله في الكون والطبيعة واستطاعت بقوتها الهائلة التغلب على الطوفان العارم الذي لا يضاهيه أي طوفان. وبعقد مقارنة عاجلة بين تسونامي اليابان 2011م والذي لم يجاوز طول الموج فيه عشرة أمتار والذي حمل بعض من كبريات السفن اليابانية ليرمي بها فوق مبنى, وقتل أكثر من عشرة ألاف شخص, وبين طوفان قوم نوح والذي بلغ الموج فيه ألاف الأمتار, فكيف لو حلّ مثله بمجتمعنا العصري اليوم؟ فأي من سفنه ستجابه مثل ذلك؟
            منظر من تسونامي اليابان والذي لا يُذكر مقارنة بطوفان قوم نوح
            لقد كانت سفينة نوح سفينة غواصة بل وكانت فضائية في نفس الوقت, وكان لديها نظام دفع قوي وفعال يعمل وسط المياه الغامرة, ونظام دفع أخر ليدفعها في بحر الفضاء العميق(ثنائية الدفع) لتصل بقدرة الله العظيم إلى كرتنا الأرضية هذه من ارض بعيدة قد حلّ بها الهلاك والغرق. نخال أن السفينة ذات شكل اسطواني مدبب من الأمام كما السفن والغواصات الحديثة لتقليل مقاومة الماء والهواء لاحقاً, وفي مؤخرتها التنور وهو كما قلنا تجويف بيضاوي أو كمثري الشكل يضيق عند فتحته التي تبرز من مؤخرة السفينة ويحتوي أقطاب تولد حرارة هائلة يغذيها مفاعل نووي اندماجي على الأرجح وهدفها تبخير الماء لإحداث دفع للسفينة. ويوجد للسفينة زعانف كزعانف الأسماك والحيتان أو أجنحة الطيران وهي الألواح, وهي مثبتة بجسم السفينة اثنان من الأمام وعلى الأقل ثلاثة من الخلف, وتهدف لتوجيه السفينة, فوصفت بأنها ذات الواح, وهي الواح التوجيه أو الزعانف, ودسر وهو الدفع أو الدفعات المتتابعة التي يولدها تنور السفينة. لماذا مفاعلاً نووياً وبالأرجح اندماجياً؟ نظراً لغمر الماء وارتفاعه لعنان السماء فسيفقد الأكسوجين, ولن يتسنى إدارة المحركات التي تعمل بالوقود أو الغاز أو الفحم نظراً لحاجة هذه المحركات للأكسجين لإتمام عملية احتراق الوقود. وحتى المحركات الكهربائية تحتاج لشحن للبطاريات وهو ما يحتاج مولد يعمل بالديزل وهو يحتاج للهواء. ونظراً لفقدان أشعة الشمس فستُحيد الطاقة الشمسية, إذاً لن يبقى إلا الطاقة النووية والتي لا تعتمد على الأكسجين. ومنها نوعان: تفاعل نووي انشطاري وهو الذي تعمل به مفاعلاتنا النووية اليوم وهو ملوث للبيئة ويحتاج لعناية للتخلص من الفضلات النووية, كذلك حجمه كبير, إضافة إلى أن الطاقة التي يصدرها اقل مما يصدر المفاعل الاندماجي. أما المفاعل الاندماجي (Nuclear fusion reactor) فهو حلم البشرية الذي لم يتحقق إلى الان, فهو يصدر طاقة هائلة ونظيفة, إضافة إلى ذلك يُعتقد أن حجمه صغير جدا مقارنة بالمفاعلات الانشطارية, بالدرجة التي يُعتقد انه يمكن تصنيع احجام صغيرة منه بحيث يمكن وضعها في صندوق شاحنة. وهو يحاكي في عمله التفاعل الذي يجري في قلب الشمس. ولكن نظراً لعدم مقدرة العلماء إلى يومنا هذا على تصنيع مواد تستطيع احتواء حرارة البلازما الهائلة, فان هذا المفاعل مازال حلماً لوقتنا هذا. وهو ما يعّولعليه العلماء لحل كل مشكلات الطاقة في الأرض, بل والسفر عبر المجرات في أعماق الكون. وربما أن قوم نوح هم أنفسهم رغم تقدمهم العلمي لم يصلوا إلى مثل هذا المفاعل, ولذا سخروا من نوح اعتقاداً منهم انه لن يتمكن من تصنيعه, والله اعلم.


            رسم تخيلي لسفينة نوح موضحاً الالواح والتنور وهو الفرن النووي الذي يحدث الدفع للسفينة. ملاحظة مهمة: هذا فقط هو تخيل منا لشكل السفينة واداة دفعها وليس بالضرورة هي هكذا تماما, بل ربما انها اعقد بكثير من تصورنا هذا, لكنها ليست سفينة خشبية بدائية والله اعلم.


            الملفات المرفقة

            تعليق


            • #6
              - ما هو الجودي الذي استوت عليه السفينة؟ لا اختلاف بين المفسرين على أن الجودي هو جبل قد استوت عليه السفينة, ولكن الاختلاف بينهم على تحديد موقعه, فقيل في الحجاز وقيل في الموصل وقيل في الهند وتارة في اليمن وأخيراً اطمأن الكثيرون إلى أن الجودي هو جبل في تركيا, وذلك لعثور بعثة غربية على أثار لسفينة قديمة على جبل أطلق عليه (آرات) كما وردت تسميته فياﻹﺳراﺋﻳﻠﻳﺎت. ولكن أين الحقيقة من ذلك؟ القرآن الكريم لم يشر إلى أن الجودي هو جبل, ولم نطّلع إلى حديث نبوي برواية صحيحة يصف الجودي بأنه جبل. لو كان الجودي جبلاً فهو إما جبل معروف للقاصي والداني كأفيرست اليوم, ومن ثم فإن القول بكلمة (أفيرست) تكفي لتعريفه أنه جبل (أفيرست), أو أن الجودي جبل غير معروف فهنا من تمام البيان أن يقال جبل الجودي لإكمال تعريفه. لكن من أين اطّلع المفسرون إلى أن الجودي إنما هو جبل؟ الجواب: من اﻹﺳراﺋﻳﻠﻳﺎت ومن روايات أهل الكتاب وهي روايات غير ملزمة لنا لما فيها من خلط. الاستواء على الجبل: الاستواء هو الاعتدال والاستقامة وهو ضد الاعوجاج, ولكن هل الجبل بطبيعته هو مكان مستوي؟ كلا, فالجبل هو حدب ناتئ وهو عكس الأرض المستوية, فكيف يستقيم الاستواء عليه؟ لنعود لما قاله المفسرون بشأن الطوفان والسفينة ونسير معهم خطوة بخطوة: انهمر الماء من السماء ونبعت الأرض بمائها والتقى الماء وعلا وطغى الطوفان, وارتفعت السفينة على سطح الماء وجرت (على) الموج (كما قال المفسرون) ولكن (في الموج) كما ذُكرَ في القرآن, ثم بعد هلاك القوم, أقلعت السماء وابتلعت الأرض ماءها (وغيض الماء): لغوياً يعني نقص فقط ولكن قال المفسرون ذهب وغار في الأرض وهما معنيان مختلفان, لكن لنستمر مع ما قاله المفسرون وروايتهم للإحداث: بنضوب الماء استوت السفينة على الجبل: وقلنا انه بطبيعته ضد الاستواء وفيه خطر الانزلاق بل ولصلابة أرضه لا تستطيع السفينة الرسو. لكن نتساءلهنا: لماذا لم يوجه نوح السفينة لتهبط فتستوي على ارض مستوية بدل الاستواء على جبل؟ أليس الماء كان يتناقص رويداً رويدا والسفينة تنزل بنزوله؟ أليس من الأجدر أن يوجهها وهو يعلم تضاريس وطبيعة أرضه إلى منطقة مستوية حيث تستوي على سطح الأرض بدل الجبل؟ زد على ذلك ما قلناه سالفاً في تفسير (وغيض الماء) والتي تعني نقص وليس غار وابتلعته الأرض, ولقد راجعتأقوال كثيرا من المفسرين وكلهم ذكروا أن غيض تعني نقص ثم حولوها لغار وذهب بعد ذلك, ونقص لا تعني غار, فهناك بلا شك اختلاف في المعنى. أن عبارة (غيض الماء) تشير إلى أن ماء الطوفان لم يذهب ويغور في الأرض بالكلية ولكنه نقص فقط, وقد نقص بمعدل ما ابتلعت الأرض من ماء نُسبَ إليها وهو على الأرجح ما خرج منها, فللأرض حد للتشبع فما زاد عن طاقتها الاستيعابية ستبقيه على سطحها, وإلا لابتلعت مياه الأنهار والبحار والمحيطات في جوفها. وهذا يثبت أن ماء الطوفان قد استمر غامراً لتلك الأرض المُهلكة, وإن نقص بعض الشيء, ولن يسمح غمر تلك الأرض بالماء باستمرار الحياة عليها, والزراعة فيها, وهذا يتعارض مع تفسير أن السفينة قد استوت على جبل معين, ثم هبطوا منه للأرض والله اعلم. ولو عدنا لما أوردناه سابقاً في البحث من إثباتات عدة على أن الطوفان لم يحصل على كرتنا الأرضية هذه, لعلمنا من ذلك أن السفينة لم تستو على جبل, لكنها استوت على الجودي كما ذُكرَ في القرآن, فما هو الجودي؟ نرجح والله اعلم أن الجودي إنما هو خط الاستواء السماوي (Celestial equator), وقد وصفه المسعودي (والمعروف بهيرودوتس العرب) في كتابه (التنبيه والإشراف) بقوله : (جعل الله الفَلك الأعلى وهو فَلك الاستواء وما يشمل عليه من طبائع التدوير .... ) انتهى للمسعودي. تفسير الاستواء على الجودي: سفينة نوح كما قلنا سفينة غواصة وفضائية وهي سفينة ضخمة ذات قوة دفع جبارة, وهي غاية في التطور, وقد تم صنعها في منشأة كبيرة, وتم إعدادها مسبقاً في وضع منتصب عمودي أو شبه عموديتمهيداً لانطلاقها كما هي سفن الفضاء اليوم. وبعد حلول العذاب وغمرها بالماء (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية), حُمّلت بركابها وانطلقت تجري, فكان طبيعيا جلوسهم فيها في وضع غير مستوي, كما هو الحال اليوم عند إقلاع الطائرة, فيكون الوضع خطير والركاب ليسوا في وضع استواء, ولا يشعرون بالراحة إلا بعد استواء الطائرة. وانطلاق السفينة (ذات المُقدِمة المدببة) في وضع رأسيأو شبه رأسي مفيد لتقليل مقاومة انهمار الماء الشديد, وكذا تقليل جذب الأرض لها, فلو صارت بوضع أفقي (مستوي) سوف تتعرض لقوة جذب اكبر وسيتعرض جُلّ جسمها على طوله لقوة اكبر من انهمار الماء (يوجد رسم يوضح ذلك) وسيتغلب على قوة دفعها ويسقطها على الأرض.


              لكن الانطلاق في وضع رأسي أو شبة رأسي كما سفن الفضاء اليوم هو المثالي لتقليل قوة انهمار الماء على جسد السفينة, وكذا جذب الأرض لها, لكن هذا الوضع سيجعل السفينة تسير بوضع غير مستوي (وضع رأسي) وركابها ايضاً غير مستوين على ظهرها لعدم استوائها. ولكن وبعد فترة من انطلاقها وجريانها كغواصة في داخل الأمواج العاتية وبعد هلاك القوم بالغرق وتوقفت السماء بأمر الله عن إنزال الماء, وابتلاع الأرض لماءها, تحولت السفينة إلى نظام أخر للدفع وسارت كسفينة فضائية بدفع نفاث أو غيره, وهنا استوت على فلك الاستواء ونرجح انه الجودي وهنا اطمأن الركاب واستووا على ظهرها باستوائها فحمدوا الله على نجاتهم وهلاك القوم الظالمين. مقارنة ما جاء في سورتي المؤمنون وهود عن الطوفان: قال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُفَاسْلُكْ فِيهَامِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَأَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاًمُبَارَكاًوَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (29) المؤمنون). وقال تعالى: (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) هود), إلى قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) هود), وقوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) هود). في الآيات من سورة المؤمنون إنباء من الله لعبده نوح بما سوف يحصل من أمر الطوفان قبل حصوله, وفيها توجيه لما يجب عليه عمله عند حدوث الطوفان, وحتى إرشاده للدعاء في مواطن معينة. أما في سورة هود فنجد إخبار عما حصل بعد حصوله. وفي محاولة لعقد مقارنة بين السورتين نقول وبالله الاستعانة: فاسلك فيها: أي ادخل فيها, وقد تفيد الإدخال في شيء مغلق أو عبر ممر مغلق أو محدد ( اسلك يدك في جيبك). قلنا احمل فيها (في هود): وقد تدل على عمليه التحميل نفسها ويبدو أن العملية بدأت أولا بإسلاك وإدخال الأفراد والأزواج إلى داخل السفينة وتجمعهم في بهوها, وهو ما يدل على مدى اتساعها, ثم بدأت عملية التحميل, واخذ كل مقعده, وتم وضع البهائم والحيوانات والطيور في حظائر خاصة, مع مراعاة المباعدة بين أصناف محددة منها وتثبيتها لتفادي الصدمات. نلاحظ ايضاً انه لا ذكر لمن أمن مع نوح في سورة المؤمنون وذُكرَأهله فقط, بينما ذُكرَ من امن معه في سورة هود: نقول والله اعلم انه في وقت الوحي الأول لنوح الذي ذُكر في سورة المؤمنون لم يكن قد أمن مع نوح إلا أهله, ولذلك لم يُذكر إلا أهله, ولان نوح لم يعرف آنذاك من سوف يؤمن معه مستقبلا ويحدده, فلذلك تُركَ الأمر بحمل المؤمنين إلى وقت لاحق عندما يتبين لنوح كل المؤمنين, وهو ما ذكر في سورة هود حيث انبأه ربه انه لن يؤمن من قومه إلا من قد أمن, وأمره بحملهم مع أهله في السفينة. ومما جاء في سورة المؤمنون ايضاً قوله تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَأَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ), ويناظرها في هود قوله تعالى: (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ), وقد قلنا إن استواء الركاب على ظهر السفينة قد حدث باستواء السفينة على الجودي وهو ما رجحنا انه فَلك الاستواء, وقد حدث ذلك بعد توقف انهمار الماء من السماء, وتحولت السفينة من عمل الغواصة إلى سفينة فضائية وهنا شعر الركاب بالراحة والاطمئنان وحل الغرق بالكفار فحمدوا الله على ذلك وهو ما أشير إليه مسبقا في سورة المؤمنون. ثم نجد قوله تعالى في سورة المؤمنون: (وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ), ويناظرها في سورة هود قوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ), ففي سورة المؤمنون, الله يُعّلم عبده نوح أن يدعو بدعاء معين وهو أن يدعو ربه لينزله منزلاً مباركاً, وقد دعا نوح بهذا الدعاء في الوقت المناسب فجاءته الاستجابة من ربه بقوله تعالى: ( قيل يا نوح اهبط بسلام) وهو الهبوط على سطح كرتنا الأرضية هذه, وهي الأرض المباركة وفيها البقعة المباركة للعالمين. · كيف رست السفينة في اخر المطاف؟ قال تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) هود). الرسو هو ثبات السفينة وعادة ما يكون إلى شاطئ البحر أو المحيط, لكن كيف رست سفينة نوح وقد علمنا من خلال البحث أنها سفينة غواصة وفضائية, وجاءت بنوح والمؤمنين من تلك الكرة الأرضية المُغرقة لتهبط على كرتنا الأرضية هذه ليبدأ البشر حياة جديدة؟. وبصورة أخرى, لسائل أن يسأل: كيف هبطت سفينة نوح على كرتنا الأرضية هذه وليس هناك مكان معد سلفاً لهبوطها كسفينة فضائية؟ نقول وبالله الاستعانة إن السفينة الغواصة الفضائية قد هبطت فوق البحر أو المحيط وقد اُستخدمت المظلات (الباراشوت) لكبح سرعة الهبوط لدى اقترابها من سطح الأرض تماما كما يستخدمها مكوك الفضاء الأمريكي لدى هبوطه. وحيث إنها سفينة غواصة ايضاً فهذا يجعل البحر سهلاً بالنسبة لها كمهبط, وقد وُجهت بعد ذلك إلى شاطئ البحر لترسو عليه وينزل نوح مع المؤمنين والأزواج لكي يبدأوا حياة جديدة في ارض جديدة والله اعلم. v أين سفينة نوح الآن؟ وهل هي سفينة آرات في تركيا؟ لم يُعثر على أي أثار لسفينة نوح حتى يومنا هذا, وهذا ما أكده احد علماء الآثار في المتحف البريطاني حديثاً وهو الدكتور آيرفنغ فينكل (Irving Finkel), وأما ما قيل عن وجود أثار لسفينة على سفح جبل في تركيا, فالكثير من الخبراء الذين قاموا بفحصها يؤكدون على أنها لا تعدو كونها تركيبات بازلتية تشبه السفينة للناظر إليها من الجو. وقد وجدت أثار لمياه مالحة قد غمرت المكان, وقد استغل البعض ذلك للإيهام بأنه ماء الطوفان, وقد فاتهم أن ماء الطوفان ليس مالحاً لأنه قد نزل من السماء. أما نحن فنقول إن السفينة ليست على سطح أرضنا هذه رغم أنها قد هبطت إليها سابقا, لكنها ارتحلت منها مرة أخرى. لكن ما الذي جرى, ولماذا ارتحلت السفينة وماذا حملت معها وما هي الحقائق العلمية على ارض الواقع التي تؤيد هذا الزعم, كل هذا سوف نتبينه من خلال البحث القادم إن شاء الله والذي نأمل أن يعضد بقوة بحثنا هذا, وسيكشف تفسير كثيرا من الآيات القرآنية, بل والحقائق التاريخية وتلك المتعلقة بعلم الآثار على كرتنا الأرضية هذه وسيغلق الفجوة بين الحقائق الجيولوجية والتاريخية والحقائق الدينية إن شاء الله . v قال تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود). قال الزمخشري في الكشاف: ( تِلْكَ إشارة إلى قصة نوح , ومحلها الرفع على الابتداء، والجمل بعدها أخبار، أي تلك القصة بعض أنباء الغيب موحاة إليك، مجهولة عندك وعند قومك مّن قَبْلِ هَـٰذَا من قبل إيحائي إليك وإخبارك بها. أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي.), انتهى من الكشاف للزمخشري. لكن من المعروف أن قصة الطوفان بروايتها المشهورة معلومة لكل الحضارات والشعوب ومنهم العرب لقربهم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى, والذين يروون القصة بالتفاصيل التي ذهب إليها جل المفسرين. بل أن كثيرا من المفسرين قد أخذ عنهم تفاصيل بناء السفينة ونوع خشبها وطولها وعرضها, وما حمل نوح فيها. وقد عَبدَ بعضٌ من أهل الجزيرة آلهة بأسماء ما كان يعبد قوم نوح مثل (يعوق), وهو ما يدل على معرفتهم بالقصة. إذاً كيف تُذكر على أنها من أنباء الغيب؟ نقول والله أعلم إن القصة أكبر مما تُصورَ من قبل وما أُتلف عليه من نجاة نوح والمؤمنون معه في سفينة خشبية, وان الطوفان قد حل بكرتنا الأرضية هذه, وليس من شواهد تدعم ذلك على الأرض. بل أن الأمر أكبر من ذلك بكثير وهو ما استبطناه من خلال التعمق في فهم الآيات القرآنية الكريمة, وكل هذا بفضل من الله وهدي منه, فلله الحمد والشكر على ما أنعم وفتح علينا من كرمه وفضله. v عن وجود اراضين اخر غير كرتنا الارضية: الفكرة السائدة هي ان الله لم يخلق غير كرتنا الارضية هذه, وهذه هي الأرض الوحيدة في كل السموات وهي التي عليها كل الخلق المكلف وغير المكلف. وكل دابة قد بثها الله انما هي على هذه القطعة من الأرض المتناهية في الصغر, والتي بالكاد تذكر في مجموعتنا الشمسية, ولا ترى مطلقا في مجرتنا درب التبانة, فكيف لو رصدنا وجودها بالنسبة لكل السماء الدنيا أي الاقرب لنا, وهو الكون الذي نعيش فيه بما حوى من مصابيح. وهل هذه القطعة المتناهية في الصغر هي عينها الأرض التي يقبضها الله ؟ قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) الزمر), لاحظ ان (جميعاً) قد اُستعملت مع الأرض, وهي التي نعلمها كرة مجموع بعضها لبعض, ولم تستعمل مع السموات وهي المتعددة, وهذا يدل على تعدد الاراضين والله اعلم. ومع صريح القرآن الكريم والاحاديث النبوية الصحيحة واللذان يدلان على وجود سبع اراضين, مازال البعض يعتقد ان تلك الاراضين ما هي الا طبقات في باطن كرتنا الارضية, مع ان تلك الطبقات عددها خمسة, ولا يجوز كذلك اطلاق ارض على لب الأرض الملتهب.
              ونُرجح ان الكرة الارضية التي نعيش عليها ما هي الا قطعة من قطع الأرض الدنيا والتي تظلها السماء الدنيا والله اعلم.
              وحتى العلم الحديث يؤكد حتمية وجود اراضين في هذا الكون الشاسع, وان لم نصل لها بعد.
              وهنا سوف نُورد بعض الآيات القرآنية والتي فيها اشارات واضحة على وجود اراضين اخر وعليها ما عليها من دابة عاقلة.
              قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) الشورى).
              من الآية الكريمة يتضح ان هناك دابة قد بثها الله في السموات, كما التي بثها في الأرض, وكلمة السموات تعني ان الدابة ليست في سماء بعينها بل في السموات. ولكن ما هي طبيعة هذه الدابة التي قد بثها الله في السموات؟ الجواب نجده في قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) البقرة), وكذلك في قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) لقمان), حيث يتبين لنا بجلاء من تأمل الآيتين الكريمتين 164 البقرة و10 لقمان ان الله قد بث جميع اصناف الدواب في الأرض, فمثلا حينما اقول قد ذهبت الى السوق ووجدت فيه من كل فاكهة, فهذا قطعا يعني ان جميع اصناف الفاكهة كانت موجودة في السوق.
              إِذاً في ضوء فهمنا للآيات الكريمة السابقة من سور الشورى والبقرة ولقمان يتبين لنا بكل وضوح ان الدابة المبثوثة في السموات هي حتما من صنف الدواب التي تدب على الارض, أي انه حتما توجد ارض في تلك السموات كي تدب عليها تلك الدابة.
              كذلك تأمل قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) هود), أي ان كل الدواب التي على الارض على الله رزقها لأنه خالقها. ولكن الآية اشارت للدواب التي في الارض فماذا عن الدواب التي هي مبثوثة في السموات كما تقدم في 29 الشورى؟ مما لا شك فيه ان الآية 6 هود تقصد أيضا الدواب المبثوثة في السموات والمذكورة في 29 الشورى لأنها بكل بساطة مبثوثة على ارض في تلك السموات ولو لم يكن ذلك التفسير صحيح لأشارت الآية 6 هود الى ان الدابة التي في السموات أيضا هي على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها. وهذا اثبات اخر مهم ان السموات الاخر تحوى اراضين غير ارضنا هذه وعليها خلق, فسبحان الله الذي علم القرآن وخلق الانسان وعلمه البيان.
              وقد ورد في كتاب الله العزيز ما يشير الى وجود تلك الاراضين في السموات, قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) الطلاق), اذاً هناك سبع اراضين لسبع سموات, وقد قال ابن عباس لبعض من سألوه عن تفسير هذه الآية : لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم عدم تصديقكم , وقال لرجل اخر حين سأله عن تفسيرها : ما يؤمنك لو حدثتك بتفسيرها ان تكفر.

              قال تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) الجاثية).
              من الآيات الكريمة نتبين وجود آيات لكل مؤمن وموقن وعاقل, مثل خلق الانسان وبث الدابة واختلاف الليل والنهار وانزال الغيث وتصريف الرياح, وكل هذا ملموس ومحسوس لكل متأمل.
              لكن كيف يستطيع الانسان الذي يعيش على سطح كرتنا الارضية هذه ان يلتمس الآيات في السموات الاُخر, وهي بعيدة عنا ولا نستطيع رؤيتها؟, اقصد غير سماؤنا الدنيا؟, ان هذا ليدل على ان الخطاب في الآيات الكريمة ليس مقصورا علينا فقط, بل هو لكل الخلق الذين يعيشون على الاراضين التي تحويها تلك السموات, ومعلوم ان الرسول محمد قد اُرسل للعالمين وليس للبشر وحدهم.
              قال تعال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) الجاثية).
              وسخر لكم ما في السموات: نعلم ان ما في سماؤنا الدنيا من هواء وضغط ورياح ونجوم نهتدي بها وكواكب وشمس وقمر وغير ذلك مسخر لنا, ولله الحمد والمنة, لكن كيف يكون ما في السموات الاُخر؟ نقول كما قلنا من قبل انه يدل على وجود مخلوقات مكلفة عاقلة مثلنا, وربما من البشر أيضا, تعيش في تلك السموات أي في ارضها والله اعلم.
              وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) يوسف).
              يمرون علي الآيات الموجودة في السموات البعيدة ويعرضون عنها, هل هم من يسكنون كرتنا الارضية هذه فقط ام من يسكنون تلك الاراضين المنتشرة في تلك السموات؟ لاحظ ان الآية التي سبقتها جاء فيها ذكر العالمين وهي جمع عالم (عاقل), لاحظ كذلك تقديم السموات على الأرض, ما يدل على ان الآيات التي يمرون عليها ويعرضون عنها في السموات هي اكثر من التي في الارض وهذا يستبعد اكثر ان يكون هؤلاء المعرضون على ارضنا هذه فقط.
              وما يدل على تعدد الاراضين وانها في سموات اُخر ما ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ : ثني عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ : ثنا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : ثنا خَطَّابٌ ، عَنْ أَبِيهِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ , فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ, مَا هُوَ ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ حَتَّى إِذَا وَقَفَ النَّاسُ , قَالَ لَهُ الرَّجُلُ : مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُجِيبَنِي ؟ ، قَالَ : " وَمَا يُؤْمِنُكَ أَنْ لَوْ أَخْبَرْتُكَ أَنْ تَكْفُرَ ؟ " ، قَالَ : فَأَخْبِرْنِي, فَأَخْبَرَهُ ، قَالَ : " سَمَاءٌ تَحْتَ أَرْضٍ وَأَرْضٌ فَوْقَ سَمَاءٍ مَطْوِيَّاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ يَدُورُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ كَمَا يَدُورُ بِهَذَا الكِرْدَنِ الَّذِي عَلَيْهِ الْغَزْلُ " .
              وهناك الكثير ما يثبت وجود اراضين اخر غير الأرض التي نعيش عليها ولكن لا يتسع المقام هنا للاستطراد في ذلك, ولعل في بحثنا السابق بعنوان ( بالأدلة القرآنية رحلة ذي القرنين فضائية ويأجوج ومأجوج ليسوا على هذه الكرة الارضية) على هذا العنوان التالي: http://vb.tafsir.net/tafsir33069/#.VG9JDtw0WSo لدليل على تعدد الاراضين, وان ارض يأجوج ومأجوج هي غير قطعة الأرض التي نعيش عليها اقصد كرتنا الارضية هذه والله اعلم.
              مجرد تساؤلات لا غير: v طول العمر: هل كان طول عمر البشر الأوائل فطرياً أم مكتسباً؟ بمعنى هل كان طول العمر مرده إلى تقدم طبي كبير بحيث استطاعوا القضاء على كل الأمراض المميتة وتأخير شيخوخة الخلية لفترة طويلة من الزمن؟ ونتذكر هنا حديث الرسول إذ قال: (إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله، وفي لفظ : إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو دواء، إلا داء واحدا ، قالوا : يا رسول الله ما هو؟ قال : الهرم. قال الترمذي : هذا حديث صحيح). وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله : لكل داء دواء فإذا أصاب دواء الداء برأ بإذن الله. ومن الحديث نفهم أن لكل داء دواء وهذا الدواء يكون شافياً تماماً بأذن الله, ولا نقول عن محاولاتنا اليوم في علاج أمراض قاتلة مثل السكر وارتفاع الضغط والسرطان وأمراض القلب والجلطات الدماغية والروماتزم وغيرها إنها محاولات ناجحة, وأننا قد توصلنا للدواء الشافي لمثل هذه الأمراض, والدليل أن جلّ المسنين اليوم يموتون بمضاعفات أمراض كالسكر والضغط والقلب والسرطان رغم ما يتلقون يومياً من جرعات متتالية من العلاج بشتى أنواعه. إذاً هل توصل البشر الأوائل لعقاقير ناجعة جداً في علاج أمراض مثل السكر والسرطان وغيرها بحيث يبرأ منها المريض كلياً؟ وليس بالضرورة أن تكون مثل هذه العقاقير مركبات كيميائية مثل التي نستعملها اليوم, بل ربما نباتات معينة لم نعرفها بعد؟ وهل توصلوا لطريقة لتأخير (الهِرم) أي الشيخوخة والتي تصيبنا اليوم بحلول السبعينات من العمر, فلا تحل بهم إلا بعد مرور ألف سنة من الشباب؟ وهل للأرض التي كانوا يعيشون عليها طبيعة مختلفة وظروف تهيئ للعمر المديد؟ أو احتوائها على أنواع من النباتات الطبية والتي تكبح شيخوخة الخلية؟ واليوم تُجرى أبحاث جادة في محاولة لفعل الشيء نفسه, أي تأخير حلول شيخوخة الخلية, وبالفعل تم تحقيق بعض النجاح حديثا على مستوى فئران التجارب باستعمال بروتين يسمى (GDF 11). وقد دفع هذا الأمر احد المتفائلين من علماء الجينات البريطانيين للقول انه لا يساوره الشك أن الإنسان الذي سوف يعمر لألف سنة هو يعيش بيننا اليوم. لكن نقول إن محاولاتهم محكوم عليها بالفشل لحديث الرسول إذ قال: أعمار أمتي بين الستين والسبعين وقليل من يجوز, ولأننا لن نصل إلى ما وصل إليه الأوائل وبالكاد نبلغ عشرهم كما جاء في القرآن الكريم والله اعلم. وهل كان لذلك علاقة بما علّمه الله لآدم ؟ فمما علّمه طرق علاج الأمراض وتأخير الشيخوخة؟ هل للشجرة التي أكل منها آدم إذ وسوس إليه الشيطان دور في إطالة العمر وليس الخلود الأبدي؟ هي مجرد تساؤلات والله وحده اعلم. v أين الشيطان من الطوفان؟ قد علمنا أن إبليس قد اُهبطَ مع آدم للأرض, ومعلوم أن الشيطان مُنظر من الله إلى يوم الوقت المعلوم. كذلك نعلم أن الشيطان هو مخلوق يأكل ويشرب وهذا ورد في أحاديث صحيحة, بل أن الرسول قد خنق احد الشياطين إذ عرض إليه في صلاته فوجد برد لعابه على يده. إذاً مجرد تساؤل: أين الشيطان من الطوفان؟ وقد علمنا أن كل الكفار في الأرض قد هلكوا ودونما تحديد انس أم جن؟ قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً (26) نوح), ولم يَنجى إلا من ركب السفينة؟ فهل ركب الشيطان في السفينة؟ بعض الروايات (كما جاء في تفسير ابن كثير) تشير إلى انه تعلق بذنب الحمار. لكن كيف ركب وقد علمنا انه قد حُمل المؤمنونفقط ؟ كذلك لا ننسى انه مُنظر من ربه. لنتأمل قوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ(48) هود). يبدو من ظاهر النص أن مع نوح نوعان من الأمم العاقلة, أممٌ عليها من الله سلام وبركات وأمم سيمتعون ويعيشون ثم مآلهم إلى العذاب الأليم, هذا إذا قلنا أن (من) للبيان كما قال الزمخشري, ولكن جُلّ المفسرين قالوا إنها أي (من) لبداية الغاية فتفيد: أمماً من ذرية من مع نوح. لكن يبرز تساؤل هنا: لماذا ذُكرَ السلام والبركات على ذرياتهم ولم يُذكر السلام والبركات عليهم هم أيضاً؟, كما ذُكرَ ذلك لنوح ؟, وهم أولى وأحوج للمباركة لقلة عددهم, هذا إذا قلنا أن (من) لأبتداء الغاية؟ كأن يقال: يا نوح اهبط بسلام وبركات عليك وعلى من معك وعلى بعض من ذرياتهم ؟؟. أيضا لو كان المقصود في الآية الكريمة أن السلام والبركات على أمم من ذرياتِ من حُملوا مع نوح في السفينة, وليس لهم أنفسهم لقيل: اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم من ذرية من معك. والشيء الأخر أنه إن قيل أن السلام والبركات على كل الأمم المؤمنة الناشئة من أولئك المؤمنين الذين قد حُملوا مع نوح , فهذا يُشعِر بأنهم لن يصيبهم أي شر أو فقر إلى يوم القيامة, وان تعدادهم سيزيد لمباركتهم, وليس هذا في حال المؤمنين وهم المُعرَّضون للفتن والشرور من أعدائهم وكذلك الفقر والعَوْز في الدنيا, وهم الأقل عدداً في كل وقت لأن أكثر الناس على الكفر وهذا ما أُشيرَ إليه في القرآن الكريم في غير موضع. لكن فيما يبدو أن المقصود ليس ذرياتهم بل هم أنفسهم, أي الذين حُملوا مع نوح والله اعلم. وهل التفسير الأول هو الأرجح: أي أن (من) للبيان, وهذا يعني انه حُمل مع نوح أمم من الخلق, ومنها أمم مُنظرون سيتمتعون لوقت معلوم, ثم يمسهم عذاب الله, ونقول ربما أنهم الشياطين؟ وربَ سائل يقول: كيف حُملَ معه أمما, وما آمن معه إلا قليل من قومه؟ نقول هذا إذا علمت أن قومه كانوا يعدون بالمليارات, فلو آمن معه حتى لو قلنا مليون شخص ما نسبتهم أمام المليارات؟ قليل. فإن قيل كيف حُملَ من الشياطين أمما؟ نقول لا ننسى حديث الرسول إذ قال: (ما منكُم من أحدٍ إلَّا وقد وُكِّلَ بهِ قرينُهُ منَ الجنِّ. قالوا: وإيَّاكَ يا رسولَ اللَّهِ ؟ قال: وإيَّايَ إلَّا أنَّ اللَّهَ أعانَني علَيهِ فأسلَمَ فلا يأمرُني إلَّا بخيرٍ), صحيح مسلم. فهل كان لكل مؤمن ممن حُملوا في السفينة قرينه الذي قد وُكِّل به وقد ركب مقارن له في السفينة وذلك انه أي الشيطان مُنظر إلى يوم الوقت المعلوم, ومن ثم هناك عددا مشابها لعدد المؤمنين من الشياطين, وربما هم من أشارت إليهم الآية الكريمة بأمم ولم يذكر لهم السلام ولا البركات؟. لكن لو صح ذلك التأويل: لماذا لم يُذكر حمل الشياطين في السفينة؟ نقول حتى لا يكون هذا بمثابة تنعم عليهم وللتقليل من شأنهم, وأن الحمل في الأصل للمؤمنين جزاءاً على إيمانهم, والله اعلم. ملاحظة: في قوله تعالى: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍعَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) هود), وكما ذهب إليه جُلّ المفسرين أن المقصود: أمم من ذرية من حُملوا مع نوح و والبركات لأيمانهم, وأمم أخرى من ذرية من حُملوا معه سيعذبون لكفرهم: نلاحظ أن التعبير قد يشير لكثرة الأمم المؤمنة وأنها قد تعادل عدداً الأمم الكافرة من الناس إلى يوم القيامة, وهو ما لم يشر إليه القرآن الكريم والذي ذكرَ أن ملة الكفر هي الأكثر بين الناس (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقوله تعالى: (فَلَوْلا كَانَ مِنْ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنْ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) هود), فهي تدل على أن المؤمنين في كل زمان كانوا قلة, ومن حديث المصطفى والذي أشار فيه إلى أن الرسول يأتي يوم القيامة ومعه الرجل والرسول ومعه الرجلان والرسول ومعه الرهط لدليل على أن الكفار هم الأكثر والمؤمنون هم قلة قليلة. لذلك نقول إن التفسير الذي يشير إلى أن المقصود بالأمم (ممن مع نوح) إنما يشير إلى ذريات من حُملوا معه لا منهم انفسهم, ربما يكون هو الوجه الأضعف والله اعلم. v هل حُمل إدريس في سفينة نوح ؟ بتتبع الآيات الكريمة من سورة مريم من مطلع السورة وحتى الآية (57) نجد أن الآيات قد تطرقت لذكر عدد من الأنبياء والمرسلين ابتداء من زكريا ويحيى ومرورا بإبراهيم وإسماعيل وموسى وانتهاء بإدريس عليهم جميعا أفضل الصلاة وأزكى السلام. ثم تأتي الآية (58) من نفس السورة لتذكر هؤلاء النبيين وما انعم الله عليهم وتوضح نسب بعضهم لبعض: قال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً (58) مريم). أولئك: إشارة إلى الأنبياء الوارد ذكرهم في مطلع السورة, من ذرية آدم: قال المفسرون: عني بذلك إدريس , ممن حملنا مع نوح: قال المفسرون: يقصد بها: من ذرية من حملنا مع نوح وهو إشارة إلى إبراهيم , ومن ذرية إبراهيم: قيل يقصد به إسماعيل, ومن ذرية إسرائيل: قيل هو موسى وباقي الأنبياء من بني إسرائيل مثل زكريا ويحيى وغيرهم. ولكن نتوقف عند قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ), فهل يقصد بها (ذرية من حملنا مع نوح) كما قيل؟, أم أن احد الأنبياء قد حُملَ مع نوح في السفينة؟ تأمل قوله تعالى:( وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ ): عطف ذرية إسرائيل على إبراهيم, والآية تعني: (من ذرية إبراهيم ومن ذرية إسرائيل), وعلى هذا القياس في قوله تعالى (وممن حملنا مع نوح) وإذا كان المقصود بها:( من ذرية آدم ومن ذرية من حملنا مع نوح) فلماذا لم تكن صياغتها هكذا: (من ذرية آدم ومن حملنا مع نوح)؟؟؟ ولماذا جاءت هكذا: وممن حملنا مع نوح؟؟. يوجد لدينا مثال أخر في نفس الآية, قوله تعالى: (وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا), وتعني: من جملة من هدينا واجتبينا وليس من ذريتهم, وعليه نقول إن المقصود بقوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ), أي أن احد الأنبياء المذكورين في سورة مريم قد حُمل بالفعل مع نوح في السفينة وكان من جملة ممن حُمل معه من المؤمنين. أي ما نقوله إن: (وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ): وإذا كان المراد منها:( من ذرية من حملنا مع نوح) وقد عطفت على (من ذرية آدم) فلماذا تأتي بهذه الطريقة؟ اقصد أن هناك مثال في الآية نفسها في قوله تعالى: (وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ), وتعني من ذرية إبراهيم ومن ذرية إسرائيل ولكن بالعطف صارت من ذرية إبراهيم وإسرائيل, قس على ذلك: (من ذرية آدم ومن ذرية من حملنا مع نوح) فتصبح بالعطف: (من ذرية آدم ومن حملنا مع نوح) وليس وممن حملنا مع نوح؟ لذلك نرجح أن المقصود بقوله تعالى وممن حملنا مع نوح أي أن أنبياء من أولئك قد حُملوا فعلا مع نوح وان (من) هنا للبيان, وبالعودة للأنبياء المذكورين لا يكون ذلك إلا لإدريس . وهنا قد يقول البعض إن إدريس قد كان في زمن طويل قبل نوح فكيف يستقيم هذا القول؟ نقول إن من نُقل عنه أن إدريس كان قبل نوح كانت كتب أهل الكتاب, وفي قوله تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً (163) النساء) لدليل على أن إدريس قد أُوحي إليه بعد نوح وان عاصره والله اعلم. ملاحظة: (من ذرية آدم): قد يقصد به إبراهيم لان إبراهيم ليس من ذرية نوح بل من ذرية من حُمل مع نوح كما جاء في وصف بني إسرائيل في مطلع سورة الإسراء: ( ذرية من حملنا مع نوح), وهو من ذرية من شايعوا نوح أي المؤمنين الذين ناصروه وحملوا معه, قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإٍبْرَاهِيمَ (83) الصافات) وسنوضح ذلك في بحث مهم جداً وكذا تفسير (وجعلنا ذريته هم الباقين) والله اعلم. v ورفعناه مكانا عليا:
              قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً (56)وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً(57) مريم).
              هل الرفع مجازي: أي رُفع منزلة عالية؟ أم هو رفع مادي كرفع عيسى ابن مريم؟ أي إلى مكان عالٍ في السماء؟
              ظاهر النص يشير إلى انه يقصد به المكان وليس المكانة, أي انه رفع مادي وليس معنوي, إذ أن جميع الأنبياء لا شك في ارتفاع مكانتهم المعنوية و ارتفاع قدرهم عند الله, إلا انه لم يُوصف احد منهم بذلك إلا إدريس وعيسى ابن مريم .
              وفي ليلة الإسراء والمعراج قابل الرسول من الأنبياء من هو في سماء أعلى من التي وجد فيها إدريس , وهذا بعد موتهم وليس في حياتهم الدنيا. لكن ما نرجحه أن إدريس قد رُفع إلى مكان عال في حياته الدنيا وهو رفع مادي. ولكن ما علاقة ذلك بسفينة نوح وكون إدريس قد يكون ممن حُمل فيها مع بعض المؤمنين؟ كل هذا سوف نتبينه إن شاء الله في بحث جديد وان شاء الله سيعضد بقوة هذا البحث وهذه الرؤية وسيكشف عن كثيرا مما احتار فيه علماء الآثار وعلماء التاريخ والدين, ويفسر كثيرا من الملتبسات.
              ثمرة البحث
              في البحث رد مفحم على اولئك الذين يَدّعون ان قصة الطوفان كما جاءت في القرآن الكريم والكتب السماوية هي مجرد خرافة, وليس لها وجود على ارض الواقع. نقول لهؤلاء القصة حقيقة وكما وصُفت في القرآن الكريم الوصف الدقيق, وان الطوفان العظيم قد حل بالفعل, ولكن كرتنا الارضية هذه ليست هي مسرح الاحداث. وعليكم الرجوع الى ايمانكم بخالقكم العظيم والتوبة والندم قبل فوات الاوان.
              الخاتمة
              هذا البحث والذي نحسبه إن شاء الله هدياً وفتحاً من الله العلي القدير قد جلى كثيراً من الحقائق المتعلقة بقصة الطوفان العظيم, وفسر لنا كثيراً مما أُختلف فيه. وقد أجاب عن كثيراً من التساؤلات بشأن سفينة نوح وحمل الأزواج والطوفان الغامر الذي بلغ الجبال علواً.
              وقد وُجد انه يتفق مع الواقع, ومع الآيات القرآنية الدالة على عِظْم وتمكن الأمم السابقة في الأرض, وعلى وجود أراضين أُخر غير قطعة الأرض التي نعيش عليها.
              قال تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) الحاقة).
              لنجعلها لكم تذكرة, قيل السفينة, وقيل القصة برمتها, وتعيها أذن واعية, لاحظ أنها قد جاءت بالمفرد, ولم يقل تبصرها عين, وقد يشير ذلك إلى أننا لن نرى سفينة نوح والله اعلم.
              فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
              العبد الفقير لرحمة ربه/ أحمد منصور, تم الفراغ من البحث بحمد الله يوم الجمعة 15 جمادى الاولى 1436 هجري الموافق 6 مارس 2015 م.
              الملفات المرفقة

              تعليق


              • #7


                scientific evidence of global flood

                الرابط لبحث في جوجل ، تجد فيه ان النصارى يدافعوا عن الفيضان العالمي بالعلم نفسه الذي ينفيه ، ولا يغيروا شي في مفاهيمهم لكتابهم المقدس ، ولا حرف ، فما بالنا نحن والتكلف.

                والله اعلم
                سأقول فيها بجهد رأيي فإن كان صوابا فمن الله وحده وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه -ابن مسعود رضي الله عنه

                تعليق


                • #8
                  كل هذه الصفحات لـ "إثبات" أن قوم نوح فضائيون عاشوا على كوكب آخر، وأن سفينة نوح غواصة فضائية، وأن سد يأجوج ومأجوج في كوكب بعيد، وأن ذا القرنين رائد فضائي؟!

                  هل أفلام الخيال العلمي صارت من مصادر تفسير القرآن؟!
                  هذا الخلط بين الوهم والحقيقة قد يشير لخلل نفسي كبير واضطراب إدراكي (وهوس غير صحي بالفضائيين)
                  فدع التفسير لأهل التفسير يا منصور، شفاك الله!

                  تعليق


                  • #9
                    مثل هذه المنشورات تضر أكثر ما تنفع، فحبذا لو تم تطهير هذا الملتقى الكريم ملتقى أهل التفسير من مثل هذه المنشورات أو بالأحرى من مثل هذه الخرافات.
                    هذا الملتقى يعتبر منبرا للمهتمين بالتفسير وملتقى للحوارات والنقاشات الجادة والمثمرة في علوم القرآن عموما وعلم التفسير خصوصا، ومن أراد التأكد من هذا فليرجع لأرشيف الملتقى.
                    أما هذا الخرافات والوساوس فلا علاقة لها البتة بموضوع الملتقى، والله المستعان.

                    تعليق


                    • #10

                      هل لديكم توصيف مادى علمى لما يأتى ؟
                      قال تعالى فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
                      قال تعالىسُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

                      تعليق


                      • #11
                        اخي الكريم
                        تسرح بخيالك ثم تسقط وتعسف الآيات لتقنع نفسك انها متفقة مع خيالاتك ، وطبقا لهذا السلوك فيمكن اختراع مئات القصص والسيناريوهات الشاطحة وربما الاكثر عقلانية من قصة ثعابين الكهف والسفينة الفضائية الغواصة ، فرفقاً بعقلك اخي أما عقولنا فلم يدخل إليها سطر واحد من خيالاتكم

                        تعليق


                        • #12
                          أخي علي سبيع: إن كان سؤالك موجها لصاحب المنشور الدكتور منصور، فأرى ألا داعي لسؤاله مثل هذه الأسئلة فكما تلاحظ أنه يتأول كلام الله تعالى تأويلا بعيدا لا أظن يوافقه عليه أحد من أمة محمد بل من الأمم قبلنا الذين وردت القصص في زمانهم أو قبلهم.
                          فنزه أخي الكريم كلام الله عن الخوض فيه مثل هذا الخوض، فصاحب المنشور هداه الله إن أجابك على سؤالك فسيسرح كعادته بخيالاته متعسفا في التأويل خلافا لما أراد به صاحب التنزيل سبحانه.
                          أسأل الله تعالى أن يهديه ليكف عن مثل هذه المنشورات التي أراها تلاعبا بكلام الله تعالى، فكما أن التلاعب يكون بالألفاظ كما هو حال اليهود الذين أمروا أن يقولوا حطة فقالوا حنطة استهزاء وتلاعبا عليهم لعائن الله تعالى، فكذلك التلاعب يكون بالمعاني بتأويلها تأويلا باطلا كما هو حال أهل البدع.
                          والمشهور كلمة التحريف -سواء في الألفاظ أو المعاني- لكني تعمدت التعبير بلفظ التلاعب لأن المحرف شاء أم أبى يعتبر متلاعبا بكلام ربه سبحانه.
                          فالأمر ليس بالهين كما قد يظن صاحب المنشور.
                          والله المستعان.

                          تعليق


                          • #13
                            إذا صح كلامك فلا أظن أن الله صدق بقوله ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين )

                            فلن يهتدي الصحابة لهذا التفسير ولا حتى رسول الله
                            ولن يهتدي التابعين ومن بعدهم
                            وبهذا التفسير سنجد الريب دخل لكثير من النفوس

                            تعليق


                            • #14
                              المشاركة الأصلية بواسطة محمد عصام مشاهدة المشاركة
                              إذا صح كلامك فلا أظن أن الله صدق بقوله ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين )

                              فلن يهتدي الصحابة لهذا التفسير ولا حتى رسول الله
                              ولن يهتدي التابعين ومن بعدهم
                              وبهذا التفسير سنجد الريب دخل لكثير من النفوس
                              وأنت لو صح كلامك من أن سفينة نوح بدائية والطوفان الذى بلغ عنان السماء وغطى كافة رؤوس الجبال قد حل هنا ، فهذا يعني صدق كلام الملحدين وأعداء الدين بأن ذلك مجرد خرافة لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع ، وحاشى أن يكون كلامهم صحيح. وهذا ما اثبتناه بحمد الله بالأدلة المنطقية العملية المؤيدة من النصوص القرآنية.

                              تعليق


                              • #15
                                أنت منشورك طويل جدا
                                بنيته على أقوال مفسرين ليس لها صحة
                                ما يتوهمه مُفسر واحد قد ينعكس على من يأخذ عنه. ومن هنا نجد أنّ الكثير من أهل التفسير يكررون أقوال بعضهم البعض ولو على سبيل الاستقصاء.

                                هناك أسباب تجعل المفسر يذهل أحياناً عن المعنى الأقرب لظاهرالنص. وهي أسباب قد تتعدد وتختلف من مفسر لآخر.

                                وأنت بنيت افتراضك أنه لا يوجد في الأرض إلا نوح وقومه وهذا خاطئ
                                وبنيت أيضاً على افتراض أن الطوفان حصل للأرض كله وهذا خاطئ

                                القول بأنّ الطوفان قد عمّ الكرة الأرضيّة لا دليل عليه من قرآن أو سنّة في حدود ما نعلم. أما التوراة التي كُتبت بعد موسى، ، بقرون فتنصّ على ذلك. وقد تأثر عدد من أهل التفسير بما جاء في هذه التوراة

                                أ. معلوم أنّ نوحاً، ، هو أول رسول أرسل إلى البشر، كما ورد في الصحيح. وهذا يعني أنّ البشريّة لم تكن قد سكنت كامل الأرض، فلماذا يعمّ الطوفان الأرض كل الأرض؟!

                                2- لا يمكن لنوح أن يجمع كل أنواع الكائنات الموجودة في الأرض ( العناكب لوحدها يوجد فيها مئات الأنواع
                                الأنواع الموجودة على اليابسة هي بالملايين، ولا يتصور إمكانية جمعها جميعاً.

                                جاء في الآية 37 من سورة الفرقان:" وقوم نوح لما كذّبوا الرسل أغرقناهم...": هذه الآية نصّ في أنّ هناك أكثر من رسول كانوا مع نوح، . ولكنّ نوحاً كان أوّل من أرسل، وبقي يدعو قومه حتى أهلكوا بالطوفان. وهذا مألوف في النص القرآنيّ، كما هو الأمر في إرسال هارون مع موسى، ، وكما ورد في سورة يس:" إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث.

                                فالطوفان حصل في منطقة معينة فقط وحصل لقوم نوح المكذبين فقط

                                قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (سورة هود 48)

                                الهبوط بسلام كان لنوح والبركات كانت على نوح وعلى من معه
                                وعلى أمم أخرى سيمتعهم الله ثم سيمسهم عذاب أليم

                                الذين أغرقهم الله هم فقط قوم نوح وقد أرسل الله أول رسول هو نوح ثم كان ممن تبعه مرسلين
                                أرسلوا إلى باقي الناس – ولكن الذي أغرقهم الله هم فقط قوم نوح وأما باقي الأمم فبعث لهم رسل مرة أخرى لعل إغراق قوم نوح يكون لهم آية ( فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (سورة يونس 73 - 74)

                                كما في قوله وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ (سورة هود 89)

                                تعليق


                                • #16
                                  تقول: ["وقوم نوح لما كذّبوا الرسل أغرقناهم..."، هذه الآية نصّ في أن هناك أكثر من رسول كانوا مع نوح]

                                  لا، ليست نصا!
                                  لو رجعت للتفاسير لعرفت معناها. قيل فيها: كذبوا رسولهم فكانوا كمن كذب كل من سيأتي بعده. وقيل (وهو الأقوى) كذبوا إرسال الرسل من الأصل!
                                  أي كذبوا احتمالية أن يبعث الله بشرا رسولا. كذبوا النوع كله ونفوا إمكانية حدوثه.

                                  تقول: [كان ممن تبعه مرسلون أرسلوا إلى باقي الناس] وتزعم أيضا وجود أمم أخرى وقت نوح استمرت!
                                  وهذا خطأ.
                                  - نوح هو أبو البشر الثاني. كل البشرية جاءت من ذريته/أبنائه (ومن زوجاتهم)
                                  - آية "ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم" تشير لمن جاء فيما بعد من أقوام ورسل (كل رسول لقومه) لا إلى أن أتباع نوح تحولوا لرسل بعد النزول من السفينة وذهبوا لأقوام أخرى كانت تعيش في بلاد أخرى!
                                  هل هذه النظرية المبتدعة منقولة من بسام نهاد جرار؟!

                                  - لا إشكال عندي في قبول محلية الطوفان، لكن على أن يكون عاما لكل البشرية وقتها.
                                  قوم نوح = البشرية وقتها.
                                  قال الله: "وجعلنا ذريته هم الباقين"
                                  وقال مناديا البشرية: "ذريةَ من حملنا مع نوح"

                                  تعليق


                                  • #17
                                    أخي سلامة، أنت تنقل بعض الآراء من كتب التفسير
                                    إلا أني أرى أن كلامهم ليس وحي من الله

                                    فالذين قالوا ) كذبوا رسولهم فكانوا كمن كذب كل من سيأتي بعده. وقيل (وهو الأقوى) كذبوا إرسال الرسل من الأصل)

                                    من أين دليلهم أن هذا هو المعنى من مراد الله، هل أخبرهم الرسول بذلك ؟؟!! أم هو تصور مبني على أفكار مسبقة عندهم قد لا تصح

                                    وبالمناسبة فإن الآلوسي يقول ( " أي نوحاً ومن قبله من الرسل ..."
                                    وقال بذلك الزمخشري والشوكاني

                                    أنا حين أقرأ قوله تعالى ( كذبت قوم نوح المرسلين ....) الشعراء 105
                                    وقوله تعالى ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل .... ) الفرقان 37

                                    فلا يصح أن أصرف كلمة المرسلين إلى تأويل وتفسير آخر إذا لم يكن هناك أمر يستحيل فيه وجود أكثر من رسول

                                    وكذلك فإنّ تعدد الرسل متزامنين يتناسب مع واقع البشر في ذلك الزمان، حيث صعوبة الاتصال بين التجمعات البشرية المتناثرة.
                                    وخلال دعوة نوح 950 سنة يمكنك أن تفهم أن عدد قومه سيكون كبير جدا
                                    ناهيك عن عددهم بالأساس

                                    --------------------------------------------

                                    أما قولك أنه لا يوجد في الأرض إلا قوم نوح
                                    وأن البشرية تكاثرت من بعد قوم نوح باستشهادك بآية ( وجعلنا ذريته هم الباقين )

                                    فهذا أيضا هو رأي المفسر وليس وحيا من الله
                                    فسياق الآية يمكن أن يفهم بغير ذلك

                                    قال تعالى ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ

                                    يوجد 3 احتمالات والله أعلم لقوله (وجعلنا ذريته هم الباقين ):

                                    1- لا يوجد في السفينة إلا قوم نوح وذريته وحصل التكاثر منهم
                                    2- ماتت جميع الأنسال من غير ذرية نوح ولم يبقى إلا ذريته
                                    3- سأتركه للأخير :)

                                    -----------------------
                                    بالنسبة للمعنى الأول:

                                    والذي يقول لم يكن في السفينة معه إلا ذريته، حتى تصبح البشرية ذريته ؟؟!!
                                    معنى غير صحيح

                                    1- قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ....)

                                    ذكر الله كلمة ( أهلك ) وذكر كلمة ( ومن آمن ) فهناك إذا في السفينة أناس ليسوا من أهل لأن الواو تفيد المغايرة

                                    2- قوله تعالى ( قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ

                                    إذا يفهم من هذه الآية أن هناك مؤمنين غير أهل نوح ؟؟!! وسيكونون معه في السفينة

                                    3- وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (سورة هود 36)
                                    إذا هناك من آمن من قومه غير أهله

                                    ------------------------------------------------

                                    أما بالنسبة للمعنى الثاني: وأن جميع الأنسال ماتت إلا نسله

                                    قال تعالى (( وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً2 ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً))

                                    تقدير الكلام ( ياذرية من حملنا مع نوح )
                                    أي أن بني اسرائيل نسل ذرية الناس الذين نجوا في السفينة مع نوح
                                    فإذا قلت أن ذرية من حملنا مع نوح هي نفسها ذرية نوح (فهذا يحتمل) لكنه غريب فلماذا لم يقل الله بالأساس (ذرية نوح )

                                    قال تعالى: ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً مريم58

                                    لم يقل الله ( من ذرية آدم ونوح ) بل قال ( ممن حملنا مع نوح ) فلماذا هاذا التفريق إذا اعتبرنا أن من حملوا مع نوح هم نفسهم أولاد نوح الذين بقت ذريتهم

                                    وباعتباري محب للدكتور بسام جرار فأنا قد أحببت قوله جدا

                                    قال الشيخ بسام جرار:
                                    ان نوح عمَّر طويلا فرزقه الله بالتأكيد بنين و بنات فعندما حمل نوح في الفلك الذرية و الذين امنوا معه حصل تزاوج من المؤمنين لبناته و الابناء من بنات الذين امنوا معه فهي
                                    من ذرية من حملنا مع نوح و ذرية نوح


                                    وهكذا يصبح المعنى الثاني موافق للمعنى الأول وأن الذرية التي أبقاها الله هي ذرية سيدنا نوح

                                    --------------------

                                    الآن نأتي للاحتمال الذي تركته للأخير والذي أرجحه

                                    قول الله ( وجعلنا ذريته هم الباقين ) ليس في كل الأرض، حيث يوجد قبائل وقرى يعيشون في مناطق مختلفة غير قوم نوح
                                    والذي يقول في كل الأرض ما هو دليلك الصحيح البين ؟؟!!

                                    فتقدير الآية كما أعتبرها (أغرق الله كل قوم نوح وأبقى ذريته وجعلها هي الباقية من قومه فقط )
                                    ولا يخالف هذا الكلام أية سياق أو حديث

                                    أما بالنسبة للعلم: فإن أجناس الأرض لا يمكن ترجع لشخص واحد
                                    فانظر لسكان الصين هم هكذا من مئات السنين ولم يحدث طفرات وتغير أشكال
                                    وانظر للزنوج والأوربيين والعرب
                                    كل أناس لهم شكلهم وطبيعتهم الخاصة رغم مرور مئات السنين بل آلاف
                                    فمضى منذ زمن نبينا محمد وإلى الآن 14 قرن والصين هم الصين بنفس أشكالهم التي وصفها النبي
                                    فكيف ترى أن تتبدل أشكال البشر من زمن نوح إلى عاد وهي فقط عشرة قرون
                                    ففي الحديث الذي رواه الحاكم بين نوح وابراهيم 10 قرون، صححه الألباني
                                    وإذا أخذنا أعلى تقدير للقرن وهو مئة عام فتصبح المدة 1000 سنة فقط

                                    ثانياً
                                    قال تعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (سورة الفرقان 37)

                                    هي آية اشارية وليست قطعية أن إغراق قوم نوح كانوا آية للناس الذين يعيشون في الأرض
                                    وليس آية للناس الذين سيكفرون من ذرية من سيأتي من بعد قوم نوح فهم لم يشاهدوا الطوفان حتى يكون الطوفان لهم آية


                                    ثالثاً: إذا نظرنا في القرآن وجدنا أن القرآن ينفي مسألة عالمية رسالة نوح تماما
                                    فالله قالها في خمس مواضع أنه أرسل نوح إلى قومه ولم يقل إلى الناس أو إلى العالمين , فلو لم يكن مرسل إلى قوم خاصة وكان هؤلاء هم الناس الموجودون على الأرض لكان الكلام عبثا .

                                    و إذا قيل أنه أرسل إلى قومه ثم دعا عليهم فأغرق الله العالم كله , فما ذنب هؤلاء الأبرياء الذين لم تصلهم الدعوة؟ ولم تهلك الأرض كلها بذنب قوم كفرة ؟إذا فنوح أرسل إلى قومه فقط , وليس هذا استنتاج بل هو موجود صراحة في النص القرآني



                                    والله تعالى أعلم

                                    تعليق


                                    • #18
                                      صديقي سلامة المصري لنجعل نقاشنا ضمن موضوع في المنتدى وليس ضمن ردود
                                      سأكتب الكلام موضوعاً

                                      تعليق


                                      • #19
                                        الخطأ في كلامك كثير، وأوله زعمك أن التأويل "نص"!
                                        وهذا تناقض.
                                        ثانيا:
                                        رأي الزمخشري والشوكاني لا يؤيد تأويلك! بل يناقضه ويجعل الإشارة لمن قبل نوح. ثم يجعلان رأيهما مجرد احتمال ضمن احتمالات، لا "نصا"!
                                        الشوكاني: "وَمَعْنَى لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا نُوحًا وَكَذَّبُوا مَنْ قَبْلَهَ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ كَذَّبَ نَبِيًّا فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ"
                                        (فتح القدير للشوكاني) (4/ 88)
                                        الزمخشري: "كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل صريحا. أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيب للجميع أو لم يروا بعثة الرسل أصلا كالبراهمة"
                                        (تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل) (3/ 280)
                                        ثالثا:
                                        أراك تراجعت عن فرية أن الآية "نص" صريح وبدأت تسرد احتمالات و"ربما" و"سياق الآية يمكن أن يفهم بغير ذلك"، إلخ.
                                        خطوة جيدة.
                                        رابعا:
                                        أقوال المفسرين أقوى من تأويلات المتنبئ نهاد جرار وأذنابه. ولا مجال للمقارنة أصلا بين الجبال الأعلام والمستنقعات الراكدة!
                                        خامسا:
                                        نعم كان في السفينة غير نوح وذريته! كان فيها أزواج أبنائه (النسل يحتاج لذكر وأنثى، بداهةً)
                                        بل وربما كان معه غيرهم وغيرهن. لكن تظل البشرية من ذرية نوح فقط. ومات الباقون بلا ذرية. ولا دليل على وجود أمم أخرى غير قوم نوح.
                                        سادسا:
                                        إرسال نوح لقومه لا ينفي أن قومه كانوا هم البشرية!
                                        ما بين آدم ونوح مجرد عشرة قرون (حتى إن أدخلنا ضمنها إدريس على قول من يراه قبل نوح وأنه أخنوخ المذكور في سفر التكوين لا من أنبياء بني إسرائيل)
                                        فمتصور عقلا أن يعيشوا في مكان واحد وبقعة واحدة.
                                        فلا يوجد "أبرياء" لم تصلهم الدعوة. والطوفان أصلا قد يكون محليا قضى على كل البشرية المجتمعة في محلة واحدة.
                                        فلا تتخذ المحلية والعالمية مبررا لتسريب تفسيرات منحرفة!
                                        سابعا:
                                        إغراقهم كان آية لمن بعدهم!
                                        وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
                                        قصة الطوفان معروفة عند الحضارات القديمة، حتى البابليين الوثنيين كانوا على علم بها.
                                        لا أن الإغراق كان آية لأمم أخرى - متوهَمة - معاصرة لقوم نوح!

                                        تعليق


                                        • #20
                                          نعم أنا سقت كلام الزمخشري والشوكاني فقط لأقول أن هناك من يعتبر احتمال وجود أنبياء قبل نوح وليس كلاما جديد
                                          ------------------
                                          وقولك أني تراجعت أن الآية نص صريح ؟؟!! فأنا لم أقل أنها نص صريح فلماذا تقولني مالم أقل ؟؟!!
                                          --------------
                                          وأما طعنك بالدكتور بسام جرار وتشبيهه بالمستنقعات
                                          فأقول لك قال رسول الله ( ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيئ )

                                          أما باقي ردودك فلعلي سقت ضمن الموضوع الذي كتبته إجابات عنها أرجو الاطلاع عليه

                                          تعليق


                                          • #21
                                            دكتور أحمد كانت بداية موضوعك مذهلة جدا،

                                            وأعتذر عن تقديم رأيي وفق نظرة سريعة ومجملة

                                            وسأعيد قراء ة الموضوع بتأن وهدوء
                                            وسأحتاج أكثر من أسبوع لدراسة الموضوع مع أصحابي

                                            لك جزيل الشكور على موضوعك
                                            وأنا أظن أن كل من حكم على موضوعك بسرعة لم يقرأه بالتفصيل

                                            تعليق


                                            • #22
                                              المشاركة الأصلية بواسطة محمد عصام مشاهدة المشاركة
                                              دكتور أحمد كانت بداية موضوعك مذهلة جدا،

                                              وأعتذر عن تقديم رأيي وفق نظرة سريعة ومجملة

                                              وسأعيد قراء ة الموضوع بتأن وهدوء
                                              وسأحتاج أكثر من أسبوع لدراسة الموضوع مع أصحابي

                                              لك جزيل الشكور على موضوعك
                                              وأنا أظن أن كل من حكم على موضوعك بسرعة لم يقرأه بالتفصيل
                                              أقرأه من هنا ( العنوان في آخر الكلام ) فهو أكثر تنسيقا واعدادا ، أعلم أنه طويل بسبب كثرة التفاصيل. وسوف اعمل بعون الله على إعداد ملخص له يحتوي الفكرة الأساسية. شكرا لاهتمامك فقد رأيت فى كتاباتك أنك رجل عقلاني ودقيق وأظن ان البحث سيروق لك.
                                              العنوان https://drive.google.com/file/d/0BxR...w?usp=drivesdk

                                              تعليق

                                              20,037
                                              الاعــضـــاء
                                              238,086
                                              الـمــواضـيــع
                                              42,815
                                              الــمــشـــاركـــات
                                              يعمل...
                                              X