إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • آية تعجز القرائح عن بيانها

    استوقفتني هذه الآية طويلا ،
    وتأملتُ العديد من التفاسير ، فما وجدتُ ما يشفي غُلَّتي وصدري من معاني هذه الآية ،
    ورغم وضوح الصورة والمثال فإنَّ ظَنِّي أنه لو اجتمعت قَرَائِحُ ومَوَاهِبُ أهل العلم والبلاغة والفصاحة أولهم وآخرهم سابقهم ولاحقهم على قلب رجل واحد لِيُوَفُّوا هذه الآية حَقَّها مِنْ بيان وتفسير ما أَدَّوْهَا حَقَّهَا قط.

    قال الله تعالى:
    وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: 27]

    إن الله يعلم أنَّ عقولنا يستحيل عليها أنْ تدرك قدرته ، ويستحيل عليها أنْ تُلِمَّ بآياته في كَوْنِه، ولكي يُقَرِّبَ الرحمنُ المعنى لعقولنا القاصرة يضرب لنا مثالا ، فيتحقق فينا الفهم لمقصود الآية ومعناها الظاهر القريب دون الإلمام بكل المعاني، فيقع في قلوبنا المقصود وهو: أن كلمات الله وعلم الله وآيات قدرته وآيات خلقه لا يمكن إحصاؤها.


    قال أصحاب التفسير الميسر في بيان هذه الآية: " ولو أنَّ أشجار الأرض كلها بُرِيَتْ أقلامًا والبحر مداد لها، ويُمَدُّ بسبعة أبحر أخرى، وكُتِب بتلك الأقلام وذلك المداد كلمات الله من علمه وحكمه، وما أوحاه إلى ملائكته ورسله؛ لَتَكَسَّرَتْ تلك الأقلام، ولَنَفِدَ ذلك الْمِدَادُ، ولم تَنْفَدْ كلمات الله التامة التي لا يُحِيطُ بها أحد."


    إن كلام الله وعلم الله وآيات الله غير متناهية ، في حين أنَّ البحار والأقلام مهما كثرا كلاهما مُتَنَاهٍ.
    ولن أحاول أنْ أُضِيفَ شيئا إلى ما قاله علماء التفسير،
    ولكني سأجتهد في البيان البلاغي لألفاظ الآية لعل ذلك يكشف بعض مَكْنُونِها:


    وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

    إن الآية ترسم صورة تعتمد اعتمادا كبيرا على إثارة خيال الْمُسْتَمِع لكي يتأمل الصورة ويتخيلها بأجزائها ، فإذا أدرك هذه الصورة اقترب المعنى لعقله واتضح بشكله الظاهر دون الخوض في التفاصيل.
    فليس المقصود أن يدرك المستمع التفاصيل ، وإنما الهدف أن يدرك المعنى العام المقصود الذي ترمي إليه الآية ، وهو أنَّ علم الله ، وآيات الله ، وكلماته أَبْعَدُ مِنْ أنْ تُحْصَى لأنها غير مُتَنَاهِيَة.


    وتعالوا معي نتأمل ألفاظ وتراكيب الآية:
    [ ولو ] : الواو تربط هذه الآية بما تقدم عليها من معاني قدرة الله في خلقه وآياته وملكوته في السموات والآرض ؛ إذا جاء ذكر السموات والأرض قبل هذه الآية ست مرات كلها تتحدث عن خلق الله وآيات قدرته ونعمه على خلقه.

    [أنما في الأرض ]: [ أنَّ ] توكيدية ، [ ما ] اسم موصول أفاد شمول كل ما في الأرض من شجر.

    [ من شجرة ]: جاءت [ شجرة ] مفردة نكرة ، ولعل أفضل ما قِيلَ فيها قول ابن عجيبة في البحر المديد: " وإنما وَحَّدَّ الشجرة لأن المراد تفصيل الشجر وتَقَصِّيها شجرة شجرة حتى ما يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا وقد بُرِيَتْ أقلاماً."

    [ والبحر ]: الواو حالية ، [ البحر ] فسرها علماء التفسير بالبحر المحيط ، وأرى أنها جاءت معرفة بـ [ال] العهدية لإفادة عموم الجنس، أي: ولو أنَّ كل بحار الأرض وماء الأرض بحر واحد، ثم اجتمعت سبعة أبحر أخرى كُلٌّ منها مثله تَصُّب فيه.
    [ سبعة أبحر ]: لا خلاف في أن العدد [سبعة] ليس مقصودا بذاته وإنما المقصود التكثير كمثل قول النبي : " الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ فِي مَعِىٍّ وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ في سبعة أمعاء"
    [ ما نَفِدَتْ] : استعمل الفعل الماضي الْمَنْفِي [ما نفدت] ولم يستعمل المضارع المنفي [لا تنفد]، فإنْ قُلْتَ إنَّ المضارع يُفِيدُ التجدُّد والدوام، قلنا لك إنَّ الْمَاضي يدل على أنَّ عدم نَفَادِ كلمات الله حقيقة ثابتة مقطوع بها لا تتغير أبدا.
    [ كلمات ]: جمع السالم من جموع القلة، فلماذا لم يقل كلام أو كَلِم الله؟
    والجواب: إن المقصود أن شجر الأرض لو بُرِيَ كله شجرةً شجرةً أقلاما ومَدَّتْها البحور كلها لن تَفِيَ بالقليل من كلام الله فكيف سَتَفِي بالكثير؟!
    وأسوق إليكم مثالا آخر ضربه الله في موطن آخر شبيه بهذا الموطن ورمى إلى الهدف الذي ترمي إليه الآية التي بين يدينا وهو :
    جاء في الحديث القدسي قول الله تعالى على لسان نبيه : "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا ادخل البحر".
    هل سينقص المخيط البحر إذا غُمِسَ فيه ثم أخرج؟
    بالطبع لا ، والمقصود أن خزائن الله لا تنفد ، لأنها غير متناهية.
    ولقد جاء في سورة لقمان ذكر السموات والأرض قبل هذه الآية ست مرات كلها تتحدث عن خلق الله وآيات قدرته ونعمه على خلقه قال الله :
    - خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ [لقمان: 10]
    - يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان: 16]
    - أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ [لقمان: 20]
    - وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [لقمان: 25]
    - لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [لقمان: 26]
    ثم جاءت الآية التي بين يدينا:
    - وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [لقمان: 27]

    لقد كشفت الآيات السابقة على هذه الآية عن بعض آيات قدرة الله في خلق السماوات والأرض، وفي خلقه الدَّوَاب والمطر والنبات وعلم الله المحيط بكل شيء حتى أدق الأشياء المتناهية في الصغر، وتسخير الله الأرض والسماوات للإنسان وإسباغه نعمه عليه ، وإقرار الإنسان بأن الخالق هو الله ، وأن الله هو مالك السموات والأرض ومن فيهن.

    ثم جاء قول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ في أسلوب خبري خيالي يبين للإنسان الْمَعاند الغرور أنَّ علم الله وآيات قدرته وكلمه والتي أشارت الآيات السابقة إلى بعضها غير متناهية.
    هذا والله أعلم
    أخوكم د. محمد الجبالي

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم..الحمد لله رب العالمين..أما بعد..جزاكم الله تعالى خيرا دكتور...قلت كأنما رب العزة سبحانه..يقول لهم أتظنون أن كلام الله سينتهي وبهذا ستنتهي مصائبكم..فهذا بعيد ومستحيل..فستبقى كلمات رب العالمين خالدة باقية رضيتم أم أبيتم...فهل يتخلى المرسل من الرسول..وتبقى العزة والحكمة لخالقكم سبحانه أما أنتم فلكم الذلة والجهل...فهل من معتبر!!!

    تعليق


    • #3
      تصحيح:

      في المثال الثاني الذي قلتُ فيه:

      وأسوق إليكم مثالا آخر ضربه الله في موطن آخر شبيه بهذا الموطن ورمى إلى الهدف الذي ترمي إليه الآية التي بين يدينا وهو :
      جاء في الحديث القدسي قول الله تعالى على لسان نبيه : "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا ادخل البحر".

      هل سينقص المخيط البحر إذا غُمِسَ فيه ثم أخرج؟
      بالطبع لا ،

      وهنا يأتي موضع التصحيح كما يلي:

      والمقصود أن خزائن الله لا تنفد ، بل إنها لا تنقص مهما أخذنا منها ، لأنها غير متناهية.

      تعليق

      19,962
      الاعــضـــاء
      232,005
      الـمــواضـيــع
      42,588
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X