إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • مشهد عظيم من تنزيل القرآن الكريم

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله القائل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا]المزمل: ٥ [, والقائل:لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]الحشر: ٢١[, والصلاة والسلام على نبينا محمد المُوحى إليه هذا القرآن العظيم؛ كما قال تعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَالأنعام: ١٩, وقال: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَيوسف: ٣, وقال:طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىطه:1, ٢, وقال:وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًاالفرقان: ٣٢, وقال: وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍالنمل: ٦, وقال: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍالقصص: ٨٥, وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا الإنسان: ٢٣, تكلَّم به ربنا , وسمعه منه جبريل u, فأسمعه نبيا محمد r؛ كما قال تعالى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَالبقرة: ٩٧, وقال: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَالنحل: ١٠٢, وقال: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍالشعراء: ١٩2 - ١٩٥, وقال:عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىالنجم: ٥, فبلغه نبينا r للناس؛ كما قال تعالى: َأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَالأنعام: ١٩, وبلّغه صحابته y, كما أُنزل على نبينا r, ما كتموا منه حرفاً, إذ قد تكفّل الله بحفظه؛ حيث قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَالحجر: ٩, وقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصلت: ٤١ - ٤٢.
    فاللهم لك الحمد على هذه النعمة العظيمة, والحجة القاطعة الباقية, والصلاة والسلام على الرسولين الكريمين -اللذين بلغا هذا القرآن- الملكي والبشري؛ جبريل ونبينا محمد, ورضي الله عن الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان؛ حيث نقلوا لنا القرآن نقلاً متواتراً, بحفظ الله وتوفيقه لهم.
    أما بعد:
    فهذا مشهد عظيم من تنزيل القرآن الكريم؛ توجل منه القلوب, وتلين وتخشع, بل وتتصدع عند سماعه, وتذرف له الدموع؛ إنه مشهد مهيب, يُدرك عظمته: أصحاب القلوب المؤمنة النيّرة؛ التي استنارت بالوحي, وخالط الإيمان بشاشة قلوبهم, فوجدوا أثره عند تلاوته: إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَالأنفال: ٢, وقال تعالى: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَالمائدة: ٨٣, وقال: اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍالزمر: ٢٣, فهنيئاً لأصحاب تلك القلوب, ونسأل الله العظيم الكريم مِن فضله.
    يصف هذا المشهد نزول الوحي -ومنه القرآن- من السماء إلى الأرض, وحال أهل السماء عند سماعه, وحال أهل الأرض -خاصة نبينا r- عند نزوله, وما يجده مِن الشدة -بأبي هو وأمي صلوات ربي وسلامه عليه-؛ وذلك مِن خلال الأخبار الواردة في ذلك, فتأمل أخي المُبارك, علّه يبلغ شغاف قلبك, فيزيدك تعظيماً وإجلالاً, وخُشوعاً وإيماناً.
    أولاً: الوحي في السماء:
    عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: (إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ-وفي لفظ مِن حديث النواس بن سمعان t: إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْوَحْيِ-،
    ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ-وفي لفظ مِن حديث عبد الله بن مسعود t: سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ لِلسَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا فَيُصْعَقُونَ فَلاَ يَزَالُونَ كَذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيلُ حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ جِبْرِيلُ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. ولفظ لابن مسعود t: فَيَفْزَعُونَ، يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ السَّاعَةِ. وفي لفظ النواس t: أَخَذَتِ السَّمَاءَ مِنْهُ رِعْدَةٌ أَوْ قَالَ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ , خَوْفًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ , فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صُعِقُوا وَخَرُّوا لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ سُجَّدًا. وفي لفظ من حديث ابن عباس ب: إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا -،
    فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ, قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ. -وفي لفظ ابن مسعود t: الْحَقَّ الْحَقَّ. وفي لفظ النواس t: فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ , فَيُكَلِّمُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَا أَرَادَ مِنْ وَحْيِهِ , فَيَمْضِي بِهِ جِبْرِيلُ عَلَى مَلَائِكَتِهِ سَمَاءً سَمَاءً , كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلَائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ , فَيُمْضِي جِبْرِيلُ الْوَحْيَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ-)(1).
    فهذا حال أهل السماء --, وهم قد أخلصهم الله لعبادته؛ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَالتحريم: ٦, فلـمَّا عرفوا الله حق معرفته, كانوا أعظم خشية له, وبقْدر معرفتك بالله تكون خشيتك له ؛ قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُفاطر: ٢٨.
    ثانياً: الوحي إذا نزل إلى الأرض:
    1- عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ل، أَنَّ الحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ t سَأَلَ رَسُولَ اللهِ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي, وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ»(2). متفقٌ عليه.
    2- قالت عائشة ل: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا(3). رواه البخاري.
    3- قالت عائشة ل في قصة الإفك: فَوَاللهِ مَا رَامَ مَجْلِسَهُ وَلاَ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ مِنَ العَرَقِ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ rوَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا، أَنْ قَالَ لِي: «يَا عَائِشَةُ احْمَدِي اللهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ اللهُ»(4). متفق عليه.
    4- وفي الصحيحين: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ r يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ r يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ r بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ r كَمَا أَقَرَأَهُ.
    5- عن زَيْد بْن ثَابِتٍ قال: «أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ r وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي» رواه البخاري.
    6- وعنه أيضاً عند أحمد بسند جيد قال: إِنِّي قَاعِدٌ إِلَى جَنْبِ النَّبِيِّ r يَوْمًا إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ، قَالَ: وَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ، وَوَقَعَ فَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي حِينَ غَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ، قَالَ زَيْدٌ: فَلَا وَاللهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا قَطُّ أَثْقَلَ مِنْ فَخِذِ رَسُولِ اللهِ r، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «اكْتُبْ يَا زَيْدُ» فَأَخَذْتُ كَتِفًا، فَقَالَ: اكْتُبْ....).
    7- رُوي عن عمر بن الخطاب t أنه قال: كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ r الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ. رواه أحمد.
    8- عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ r إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ»(5). رواه مُسلم.
    9- وعنه أيضاً قال: (كَانَ النَّبِيُّ r إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ نَكَسَ رَأْسَهُ وَنَكَسَ أَصْحَابُهُ رُءُوسَهُمْ، فَلَمَّا أُتْلِيَ عَنْهُ-أي ارتفع- رَفَعَ رَأْسَهُ) رواه مسلم.
    10- رُوي عن أبي أروى الدوسي قال: رأيت الوحي ينزل على النبي r وإنه على راحلته فترغو وتفتل يديها حتى أظن أن ذراعها تنقصم, فربما بركت وربما قامت موتدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي وإنه ليتحدر منه مثل الجمان. أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى.
    11- عن يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ t قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ r وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهَا خَلُوقٌ - أَوْ قَالَ أَثَرُ صُفْرَةٍ - فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَالَ: وَأُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ r الْوَحْيُ، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَى النَّبِيَّ r وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، - وفي لفظ: وَكَانَ عُمَرُ يَسْتُرُهُ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، يُظِلُّهُ، فَقُلْتُ لِعُمَرَ t: إِنِّي أُحِبُّ، إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، أَنْ أُدْخِلَ رَأْسِي مَعَهُ فِي الثَّوْبِ -قَالَ فَقَالَ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ rوَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ عُمَرُ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ، - قَالَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ - كَغَطِيطِ الْبَكْرِ، قَالَ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ الْعُمْرَةِ؟ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الصُّفْرَةِ - أَوْ قَالَ أَثَرَ الْخَلُوقِ - وَاخْلَعْ عَنْكَ جُبَّتَكَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ»(6). متفق عليه, واللفظ لمسلم.
    12- عن أبي هريرة t أنه قال: وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا, فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ r حَتَّى يَنْقَضِيَ الْوَحْيُ. رواه مسلم.
    13- وفي الصحيحين مِن حديث ابن مسعود t حينما سُئل رسول الله r عن الروح, قال ابن مسعود t: فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ r، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ.
    وهذا حال نبينا r مِن أهل الأرض, مِن الشدة العظيمة, التي كان يجدها -بأبي هو وأُمي- والتي يشعر بها مَن حوله مِن الصحابة حتى الدواب.
    والمقصود مِن هذا العرض بيان عظمة هذا القرآن العظيم, وإثارة النفوس, وتحريك القلوب؛ للتأثّر به, وتعظيمه, وتدبره, والعمل به.
    وإلى الله المُشتكى على قلوب تسمعه صباح مساء, ولا تتأثر به, فأصبحت أشد مِن الحجارة قسوة -والله المُستعان-؛ يقول الله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَالبقرة: ٧٤.
    ونعلم يقيناً أنَّ للقرآن تأثير على القلوب؛ فهاهو جُبير بن مُطعم t يقول: سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ الطور: ٣٥ - ٣٧,قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. رواه البخاري, وفي لفظ عنده: وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي.
    وبسبب عظمة تأثيره: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَفصلت: ٢٦.
    فنسأل الله تعالى أن يصلح قلوبنا, وأن يجعلنا مِن الخاشعين الصادقين, بمنه وكرمه آمين.


    (1)حديث أبي هريرة tأخرجه البخاري, وحديث ابن مسعود t أخرجه البخاري معلقاً مجزوماً به موقوفاً, وأخرجه أبو داود مرفوعاً, وحديث النواس t أخرجه الآجري في الشريعة, وحديث ابن عباس بأخرجه مسلم.
    قوله: (سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ), وقوله: (صَلْصَلَة كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا)؛ الصلصلة: صوت الحديد إذا تحرّك وتداخل, أو إذا وقع بعضه على بعض. والسلسلة: الحلقات مِن الحديد المُرتبط بعضها ببعض. والصفوان والصفا: الحجر الأملس.
    وقوله: (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) أي كُشف عنها الرعب الذي أصابها من الهيبة.

    (2)قوله: (فَيُفْصَمُ عَنِّي) أي يُقلع ويرتفع عنه الملك. وقوله: (وَعَيْتُ): أي فهمتُ وحفظت.

    (3)قولها: (يتفصد): أي يسيل, الفصد: قطع العرق لإسالة الدم؛ وهذا مبالغة في وصف كثرة عَرَقه r وشدة معاناته عند نزول الوحي.

    (4)البُرَحَاء: هي شدة الكرب من ثقل الوحي.

    (5)أي ظهر عليه أثر الكرب والشدة.

    (6)قوله: (له غطيط) هو كصوت النائم الذي يردده مع نفسه. وقوله (كغطيط البَكْر) هو بفتح الباء وهو الفتى من الإبل.

  • #2
    جزاكم الله خيرا ونفع بكم

    تعليق

    19,961
    الاعــضـــاء
    231,886
    الـمــواضـيــع
    42,544
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X