إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • صورة الجاهلية فى القرآن الكريم

    كان عرب الجاهلية فى عمومهم يعبدون آلهة متعددة، وكانوا لا يتصورون أن يكون الإله واحدا، وعندما جاءهم الرسول الكريم بالتوحيد لقى منهم التكذيب والعنت الشديد، وأخذ الأمر منه زمنا طويلا حتى اقتنعوا أخيرا بما جاءهم به. بل إنه بعد أن أنفق فى الدعوة فى مكة ثلاث عشرة سنة بذل فيها كل جهد ممكن وغير ممكن وتعب تعبًا بالغًا لم يؤمن به إلا القليلون، مما اضطره هو ومن آمن معه من أهل مكة إلى الهجرة إلى يثرب، وعندئذ تغير وجه المسيرة الدعوية، وانتهى الأمر بأن أسلمت الجزيرة العربية كلها لا مكة فحسب. وكانوا فى بداءة الأمر يستغربون منه، ، أن يهاجم الأوثان ويغضبون لذلك أعنف الغضب، بل لقد فكر مشركو مكة فى قتله أو فى حبسه لولا أن نبهه الله سبحانه وأمره بترك موطنه والنزوح إلى بلد جديد يكون فيه مصير الدعوة الجديدة أكثر توفيقا: "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" (الأنفال/ 30). ومما نزل من الوحى فى هذا الموضوع قوله تعالى: "أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ" (ص/ 5- 6). وسبب نزول هاتين الآيتين، على ما ترويه كتب أسباب النزول والتفاسير، أنه لما أسلم عمر شَقَّ ذلك على قريش فأَتَوْا أبا طالب وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمتَ ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فاسْتَحْضَرَ أبو طالب رسولَ الله وقال: هؤلاء قومك يسألونك السَّوَاء، فلا تَمِلْ كل الميل عليهم. فقال : ماذا يسألونني؟ فقالوا: ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا، ونَدَعك وإلهك. فقال: أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم، أَمُعْطِيَّ أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتَدِين لكم بها العجم؟ فقالوا: نعم وعَشْرًا. فقال: قولوا: لا إله إلا الله. فقاموا وقالوا: "أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ!". وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعدما بكَّتهم رسول الله قائلين بعضهم لبعض: اصبروا واثبتوا على عبادة آلهتكم، فإن مكالمته لا تنفعكم. إن هذا الأمر لَشَيْءٌ من ريب الزمان يراد بنا فلا مردّ له، أو أن هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة والترفع على العرب والعجم لشيءٌ يريده كل أحد، أو أن دينكم لشيءٌ يُطْلَب ليؤخذ منكم. ما سمعنا بالذي يقوله في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، أو في ملة عيسى عليه الصلاة والسلام التي هي آخر الملل، فإن النصارى يثلِّثون. ما هذا إلا كذبٌ اختلقه محمد. وهناك خبر آخر يبين لنا مدى تمسك الكفار بأوثانهم وكراهيتهم أن يسمعوا فيها شيئا يخالف اعتقاداتهم بشأنها. وخلاصته، كما جاء عند الواحدى فى "أسباب النزول"، أن "خمسة نفر: عبد الله بن أبي أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري والعاص بن عامر قالوا للنبي : ائْتِ بقرآن ليس فيه تَرْك عبادة اللات والعُزَّى". وجاء أيضا فى "أسباب النزول" للواحدى أن "وفد ثقيف أَتَوْا رسولَ الله فسألوا شططًا وقالوا: متِّعْنا باللات سَنَةً، وحَرِّمْ وادينا كما حَرَّمْتَ مكة: شجرها وطيرها ووحشها. فأبى ذلك رسول الله ".
    وقد تتالت الآيات التى تنبههم إلى سخف هذا اللون من التفكير والاعتقاد، لكن تشبثهم بما فى رؤوسهم كان عنيفا، وهذا يفسر التكرار الكثير لدعوة التوحيد فى القرآن الكريم والحملة على الشرك: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا" (الأنعام/ 151)، "وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" (يونس/ 18)، "وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا" (مريم/81 )، "وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا" (الفرقان/ 3)، "وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ" (الذاريات/51)... إلخ. وقد كانوا مع ذلك يؤمنون بأن الله هو الذى خلق السماوات والأرض وسخَّر الشمس والقمر ونزَّل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ" (العنكبوت/61)، "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ" (العنكبوت/ 63)، "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ" (الزخرف/ 9). ومع ذلك فــ"إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ* ويَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكو آلِهَتَنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ" (الصافّات/ 35)، "وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" (الزمر/43- 45)، إذ كانوا يعتقدون أنهم شفعاؤهم عنده سبحانه وأنهم هم الذين يقرّبونهم إلى الله زُلْفَى: "وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" (يونس/ 18)، "مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى" (الزمر/ 3). ونبههم القرآن الكريم مرارا أن أولئك الآلهة المزعومين لا يملكون لهم شيئا من نفع أو ضر، وأن الشفاعة إنما هى لله وحده، ليس للأوثان منها أىّ نصيب: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ* وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ" (الأنعام/ 93- 94)، "وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" (يونس/ 18)، "وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا" (الفرقان/ 3)، "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (الروم/ 12- 13)، "أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" (الزُّمَر/43).
    وكان من أوثانهم اللات والعُزَّى ومناة، وقد تهكم القرآن على شركهم وعقليتهم المتخلفة التى تسوِّل لهم أن هذه الأوثان هى بنات الله: "أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى* أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى" (النجم/19- 21). وتناول المفسرون اللاَّت والعُزَّى ومناة فقالوا إنها أصنام كانت لهم، وإن اللات كانت لثقيف بالطائف ‏(وقيل‏:‏ بنخلة) تعبدها قريش، وأوردوا ما زعمه الزاعمون من أنها سُمِّيَتْ باسم رجل كان يَلُتّ عندها السمن بالسَّوِيق بالطائف ويُطْعِمه الحاجّ‏،‏ وكانوا يعكفون على قبره فجعلوه وثنا، أما العُزَّى فكانت لغطفان، وهي شجرةُ سَمُرَة‏، وبعث رسول الله إليها بعد الفتح خالد بن الوليد فقطعها، فخرجت منها، كما تقول بعض الروايات، شيطانة منشورة الشعر تصيح: يا ويلاه، وهى واضعة يدها على رأسها، فجعل يضرب بالسيف حتى قتلها، ورجع فأخبر رسولَ الله فقال : تلك العُزّى، ولن تُعْبَد أبدا، وأما‏ مَنَاة‏: فصخرة كانت لهذيل وخزاعة‏، وعن ابن عباس ‏ أنها كانت‏ لثقيف‏، وكأنها سُمِّيَتْ: "مناة" لأنّ دماء النسائك كانت تُمْنَى عندها، أي‏‏ تُرَاق. وجاء فى "أسباب النزول" للواحدى أن "الأنصار كانوا يحجّون لمناة، وكانت مناة حَذْوَ قُدَيْد، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة". وكانت هناك أوثان أخرى ذكرت أسبابُ النزول اثنين منها هما إساف ونائلة، اللذان تقول الروايات إنهما كانا على الصفا والمروة على الترتيب. يقول الواحدى: " كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له: إساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تُدْعَى: نائلة. فزعم أهل الكتاب أنهما زَنَيَا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين ووضعهما على الصفا والمروة ليُعْتَبَر بهما. فلما طالت المدة عُبِدَا من دون الله تعالى، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مَسَحوا الوَثَنَيْن". وكان المشركون يقولون إنّ الملائكة وهذه الأصنام هى بنات الله، وكانوا يعبدونها ويزعمون أنها شفعاؤهم عند الله تعالى رغم نفورهم من البنات ووأدهم لهن، فقيل لهم: ‏"‏ألكُمُ الذَّكرُ ولهُ الأُنثى؟"، إذ كانوا، كما قلنا، يكرهون خلفة الإناث، فأراد الله أن يلفتهم إلى سخافة تفكيرهم وحُمْق تصرفهم حين ينسبون إليه الإناث اللاتى يكرهونهن بل يقتلونهن أحيانا، ثم يختصون أنفسهم بالذُّكْران‏!
    على أن هذه الأصنام ليست هى وحدها بنات الله وشركاءه، بل هناك الجن والملائكة أيضا: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ" (الأنعام/ 100)، "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ" (الأنبياء/26- 28)، "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ" (سبأ/ 40- 41)، "فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ* أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ* أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ* وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ* أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَفَلا تَذَكَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ* فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُون" (الصافَّات/ 149- 158)، "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ* أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ* وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ* وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" (الزخرف/ 15- 19)، وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ" (51)، "أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ" (الطور/ 39)، "إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاْلآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثَى" (النجم/ 27). وقيل إن المقصود فى آية "الأنعام" ليس الجن بل الملائكة، فقد عبدوهم وقالوا: الملائكة بنات الله، وقد سماهم القرآن: "جِنًّا" لاجتنانهم (أى لاختفائهم) تحقيرا لشأنهم. وقيل: بل المقصود بــ"الجن" الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى، أو لأنهم كانوا يقولون إن الله خالق الخير وكل ما هو نافع، والشيطان خالق الشر وكل ما هو ضارّ. وبقريبٍ من هذا فسَّر ابن الكلبى النص القرآنى، إذ قال حسبما نقل الواحدى: "نزلت هذه الآية في الزنادقة، قالوا: إن الله تعالى وإبليس أخوان، والله خالق الناس والدواب، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب". وقد حاول الزمخشرى، فى تفسيره لآيات "الصافات"، أن يسوِّغ تسمية الملائكة: "جِنًّا" بقوله إن جنس الملائكة والشياطين واحد، وهو جنس الجن، "ولكنّ مَنْ خَبُثَ من الجن ومَرَد وكان شرًّا كله فهو شيطان، ومن طَهُرَ منهم ونَسُكَ وكان خيرًا كله فهو مَلَك، فذَكَرَهم في هذا الموضع باسم جنسهم، وإنما ذكرهم بهذا الاسم وضعًا منهم وتقصيرًا بهم‏". ‏أما أنا فأرى أن الجن هنا إنما هم الجن الذين نعرفهم لا الملائكة، وليس هناك أى دليل على أن الجن فى هذه الآية أو فى أى موضع آخر من القرآن المجيد هم الملائكة. وإن فى القول بذلك لَخَلْطًا بين الألفاظ والمفاهيم يفسد تفسير القرآن إفسادا. ثم لماذا يحقِّر القرآن الملائكة، وهم عباد مُكْرَمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمَرون ولا يعرفون معنى الاستكبار حسبما وصفهم الله سبحانه فى الآية 50 من سورة "النحل" والآيتين 26- 27 من سورة "الأنبياء"، ولا ذنب لهم فى أن العرب كانوا يشركونهم بالله؟ كما أن قوله تعالى المارّ ذكره آنفًا: "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ" (سبأ/ 40- 41) هو أكبر دليل على أن الجن شىء، والملائكة شىء آخر، فها هم أولاء الملائكة تنكر أن يكون المشركون قد عبدوهم، وتؤكد فى الوقت ذاته أنهم إنما كانوا يعبدون الجن، بما يعنى أن كلا منهما فريق مختلف تماما عن الفريق الآخر. وليس بعد قول لله قول! ثم إن الجن مكلَّفون، أما الملائكة فهم لا يعصون الله فى شىء مما يدل على أنهم غير داخلين فى التكليف، وإلا لكان منهم المطيعون والعصاة، فضلا عن أن الجن مخلوقون من نار حسبما صرَّح القرآن الكريم، فهل الملائكة ناريّون أيضا؟ ومعنى قوله تعالى: "وخرقوا له بنين وبنات بغير علم" أنهم افْتَرَوْا بجهلٍ فاحشٍ أن له سبحانه بنين وبنات، فقالت اليهود: عُزَيْرٌ ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بنات الله". وكان "بنو مليح يعبدون الملائكة" كما جاء على لسان ابن الزِّبَعْرَى قبل إسلامه فى سبب نزول قوله تعالى: "إِنَّكُم وَما تَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُم لَها وارِدونَ". وكان الجن فى نظرهم يعلمون الغيب، ولهذا حكى القرآن الكريم قصتهم مع سليمان وكيف أنهم ظلوا يعملون فى السخرة تحت إمرته حتى بعد أن مات ، إذ كانوا يرونه مستنِدا بذقنه إلى العصا فيحسبون أنه لا يزال حيا، إلى أن أكلت النمل العصا فخرّ . فعندئذ، وعندئذ فقط، عرفوا أنه قد مات، ولو كانوا يعلمون الغيب ما ظلوا يعملون ويقاسون العذاب المهين فى ذلك العمل: "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ" (سبأ/ 14).
    ولم يكن جمهور العرب يؤمنون بالآخرة، فلا بعث عندهم ولا حساب، وليس إلا الدنيا، التى إذا ما انتهت فقد انتهى كل شىء بالنسبة للإنسان، وكانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون مَلَك الموت وقَبْضَ الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثةٍ تَحْدُث إلى الدهر والزمان، فالدهر يُفْنِى ولا يعيد من يُفْنِيه. وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان.‏ وكانوا يجادلون النبى فى ذلك مجادلة لا تنتهى، محتجين بأنه من غير الممكن أن يعود الإنسان إلى الحياة كرة أخرى بعد أن يصبح عظاما ورُفَاتا، وإلا فأين آباؤهم الأولون؟ ولماذا لم يرجعوا إلى الحياة من قبل؟ وإذا كانت هناك آخرة فلماذا لا تأتى؟ وإن كثرة الآيات التى تتناول هذا الموضوع وتعرض جدالهم وسَخَرهم بما كانوا يسمعون من الآيات القرآنية التى تتحدث عن البعث لدليل على أن نكرانهم كان من القوة والحدة بمكان: "وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا" (الإسراء/49- 51)، "وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا" (مريم/ 66)، "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ" (الحج/ 5- 7)، "قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ" (النمل/ 82- 83)، "بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا" (الفرقان/ 11)، "وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ" (السجدة/ 10)، "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" (سبأ/ 3)، "أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَوَآَبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ" (الصافات/ 16- 17)، "إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ* إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ* فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الدخان/ 34- 36)، "وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الجاثية/ 24- 25)، "أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ" (ق/3)، "قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ* يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ" (الذاريات/ 10- 12)، "زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (التغابن/ 7)، "يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ" (النازعات/ 10- 12).
    ومما رُوِىَ عن الكفار فى هذا المجال "أن أبي بن خلف أتى النبي بعظمٍ بالٍ يفتّته بيده، وقال: أترى الله يُحْيِى هذا بعدما رُمّ؟ فقال : نعم، ويبعثك ويدخلك النار". كما رُوِىَ أن عتبة وشيبة وأبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا البختري والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف ورؤساء قريش اجتمعوا على ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تُعْذَروا به. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم سريعا وهو يظن أنه بدا في أمره بَدَاء (أى غيروا موقفهم منه)، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه تعنُّتهم حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نَعْلَم رجلاً من العرب أَدْخَلَ على قومه ما أدخلتَ على قومك. لقد شتمت الآباء وعِبْتَ الدين وسَفَّهْتَ الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت به لتطلب به مالاً جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سّوَّدْناك علينا، وإن كنت تريد مُلْكًا ملَّكْناك علينا، وإن كان هذا الرَّئِىُّ الذي يأتيك تراه قد غلب عليك (وكانوا يسمّون التابع من الجن: الرَّئِىّ) بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نُبْرِئك منه أو نُعْذَر فيك. فقال رسول الله : ما بي ما تقولون. ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلَّغْتُكم رسالة ربي ونصحتُ لكم. فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليَّ أَصْبِر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم. قالوا: يا محمد، فإن كنتَ غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أقلّ مالاً ولا أشدّ عيشا منا. سَلْ لنا ربك الذي بعثك بما بعثك، فلْيُسَيِّرْ عنا هذه الجبال التي ضيّقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يُبْعَث لنا منهم قُصَيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صَدُوقًا، فنسألهم عما تقول: حَقٌّ هو؟ فإن صنعتَ ما سألناك صدَّقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول". ووجه الشاهد فى الخبر أنهم تحدَّوْه، ضمن ما تحدَّوْه به، أن يأتى لهم بمن مات من آبائهم، وعلى رأسهم جَدّه قُصَىّ بن كلاب، إذ كانوا، كما قلنا، يَرَوْنَ استحالة عودة الميت إلى الحياة، أما من يقول بغير هذا فعليه أن يُثْبِت ما يقول ويعيد الموتى إلى الدنيا كرة أخرى! وثمة خبر فى "أسباب النزول" للواحدى يفسّر سبب نزول قوله : "وَأَقسَموا بِاللهِ جَهدَ أَيمانِهِم لا يَبعَثُ اللهُ مَن يَموتُ"، وفيه أنه "كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دَيْن فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلَّم به: والذي أرجوه بعد الموت. فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك لتُبْعَث بعد الموت؟ فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت. فأنزل الله تعالى هذه الآية". وكانوا يتهكمون بما ينزل به القرآن فى أوصاف الجنة، كالذى يُرْوَى عن أبى جهل من أنه "لما ذكر الله تعالى الزَّقُّوم خُوِّف به هذا الحي من قريش، فقال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد...؟ قالوا: لا. قال: الثَّرِيد بالزبد! أمَا والله لئن أمكننا منها لنَتَزَقَّمَنَّها تَزَقُّمًا. فأنزل الله : "وَالشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا"...". ومن هذا الوادى أيضا ما جاء فى بعض الروايات من أن "خَبّاب بن الأرتّ كان قَيْنًا، وكان يعمل للعاص بن وائل السهمي، وكان العاص يؤخر حقه، فأتاه يتقاضاه، فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال: لستُ بمفارقك حتى تقضيني. فقال العاص: يا خباب، مالك؟ ما كنتَ هكذا! وإِنْ كنتَ لَتُحْسِن الطلب. فقال خباب: ذاك أني كنت على دينك، فأما اليوم فأنا على الإسلام مفارق لدينك. قال: أولستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضةً وحريرًا؟ قال خَبّاب: بلى. قال: فأَخِّرْني حتى أقضيك في الجنة، استهزاءً. فوالله لئن كان ما تقول حقًّا، إني لأفضل فيها نصيبًا منك". وكان هذا الاستهزاء يتكرر كلما نزل شىء من القرآن فى تعداد نِعَم الجنة، ومن ذلك ما ورد فى النص التالى لدى الواحدى: "كان المشركون يجتمعون حول النبي يستمعون كلامه ولا ينتفعون به، بل يكذبون به ويستهزئون ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لَنَدْخُلَنَّها قبلهم، ولَيَكُونَنَّ لنا فيها أكثر مما لهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: "أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئ مِّنهُم أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ* كَلاّ"...".
    فإذا انتقلنا إلى العبادات الجاهلية وجدنا مثلا قوله تعالى: "إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ" (الأنفال/ 19)، أى أنهم كانوا يتجهون بالدعاء لله. وقد سلف القول إنهم كانوا يؤمنون بوجوده سبحانه، وإن عَزَّ على عقولهم المغلقة أن تفهم أن الله بطبيعته لا يمكن إلا أن يكون إلها واحدا، فكانوا يشركون به آلهة أخرى كما سبق بيانه. ومعنى "الاستفتاح" هو الدعاء إلى الله أن يظهر لهم الحق من الباطل، وقد وردت أكثر من رواية فى ذلك فى تفسير الطبرى فقيل: "كان الـمشركون حين خرجوا إلـى النبـيّ من مكة أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: اللهمّ انصر أَعَزّ الـجندين، وأكرم الفئتـين، وخير القبـيـلتـين. فقال الله: "إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ". يقول: نَصَرْتُ ما قلتـم، وهو مـحمد "، وقيل: "استفتـح أبو جهل فقال: اللهمّ، (يعنـي مـحمدا ونفسه) أيُّنا كان أَفْجَرَ لك اللهمّ وأَقْطَعَ للرَّحِم، فأَحِنْهُ (أى أَهْلِكْه) الـيوم. قال الله: إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ". كما نقرأ فى ذات السورة قوله سبحانه: "وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" (الأنفال/ 32- 33)، وقد جاء فى تفسير الطبرى: "قال رجل من بنـي عبد الدار يقال له: النضر بن كلدة: "اللّهُمّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ". فقال الله: "وَقالُوا رَبّنا عَجّلْ لَنا قِطّنا قَبْلَ يَوْمِ الـحِسابِ"، وقال: "وَلَقَدْ جِئْتُـمُونا فرَادَى كمَا خَـلَقْناكُمْ أوّلَ مَرّةٍ"، وقال: "سأَلَ سائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ* للْكافِرِينَ...". قال عطاء: لقد نزل فـيه بضع عشرة آية من كتاب الله". أما فى تفسير الآية الثانية فقد أورد فيها، ضمن ما أورد، قول من قال: وما كان الله لـيعذّب هؤلاء الـمشركين من قريش بـمكة وأنت فـيهم يا مـحمد، حتـى أُخْرِجك من بـينهم، وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهؤلاء الـمشركون يقولون: "يا ربّ، غفرانك" وما أشبه ذلك من معانـي الاستغفـار بـالقول... وقوله: "وَما لهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ؟" (أى) فـي الاَخرة". أى أنهم، رغم شركهم، كانوا يدعون الله بما يريدون على غباءٍ فيهم وعنادٍ وانغلاق ذهن وقلب! كما أنهم، رغم شركهم، كانوا يستغفرون الله كما جاء فى بعض الأقوال! ومن عباداتهم كذلك ما ورد فى قول رب العزة: "وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ" (الأنفال/ 35)، وتفسيره ما ورد عند شيخ المفسرين: "كانت قريش يطوفون بـالبـيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: "قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ التـي أخْرَجَ لِعِبـادِهِ"، فأُمِروا بـالثـياب... كانت قريش يعارضون النبـيّ فـي الطواف يستهزئون به، يصفرون به ويصفقون... كانوا ينفخون فـي أيديهم، والتصدية: التصفـيق".
    ولعل القارئ قد تنبه لما جاء فى كلام الطبرى من أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت الحرام عراة، وإن كنت أتصور أن يكون بعضهم فقط هم الذين يفعلون ذلك لا كلهم. وفى تفسير قوله تعالى: "يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ"* يَا بَنِي آَدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (ولم يكن جمهور العرب يؤمنون بالآخرة، فلا بعث عندهم ولا حساب، وليس إلا الدنيا، التى إذا ما انتهت فقد انتهى كل شىء بالنسبة للإنسان، وكانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون مَلَك الموت وقَبْضَ الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثةٍ تَحْدُث إلى الدهر والزمان، فالدهر يُفْنِى ولا يعيد من يُفْنِيه. وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان.‏ وكانوا يجادلون النبى فى ذلك مجادلة لا تنتهى، محتجين بأنه من غير الممكن أن يعود الإنسان إلى الحياة كرة أخرى بعد أن يصبح عظاما ورُفَاتا، وإلا فأين آباؤهم الأولون؟ ولماذا لم يرجعوا إلى الحياة من قبل؟ وإذا كانت هناك آخرة فلماذا لا تأتى؟ وإن كثرة الآيات التى تتناول هذا الموضوع وتعرض جدالهم وسَخَرهم بما كانوا يسمعون من الآيات القرآنية التى تتحدث عن البعث لدليل على أن نكرانهم كان من القوة والحدة بمكان: "وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا" (الإسراء/49- 51)، "وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا" (مريم/ 66)، "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ" (الحج/ 5- 7)، "قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ" (النمل/ 82- 83)، "بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا" (الفرقان/ 11)، "وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ" (السجدة/ 10)، "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" (سبأ/ 3)، "أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَوَآَبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ" (الصافات/ 16- 17)، "إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ* إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ* فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الدخان/ 34- 36)، "وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الجاثية/ 24- 25)، "أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ" (ق/3)، "قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ* يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ" (الذاريات/ 10- 12)، "زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (التغابن/ 7)، "يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ" (النازعات/ 10- 12).
    ومما رُوِىَ عن الكفار فى هذا المجال "أن أبي بن خلف أتى النبي بعظمٍ بالٍ يفتّته بيده، وقال: أترى الله يُحْيِى هذا بعدما رُمّ؟ فقال : نعم، ويبعثك ويدخلك النار". كما رُوِىَ أن عتبة وشيبة وأبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا البختري والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف ورؤساء قريش اجتمعوا على ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تُعْذَروا به. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم سريعا وهو يظن أنه بدا في أمره بَدَاء (أى غيروا موقفهم منه)، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه تعنُّتهم حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نَعْلَم رجلاً من العرب أَدْخَلَ على قومه ما أدخلتَ على قومك. لقد شتمت الآباء وعِبْتَ الدين وسَفَّهْتَ الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت به لتطلب به مالاً جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سّوَّدْناك علينا، وإن كنت تريد مُلْكًا ملَّكْناك علينا، وإن كان هذا الرَّئِىُّ الذي يأتيك تراه قد غلب عليك (وكانوا يسمّون التابع من الجن: الرَّئِىّ) بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نُبْرِئك منه أو نُعْذَر فيك. فقال رسول الله : ما بي ما تقولون. ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلَّغْتُكم رسالة ربي ونصحتُ لكم. فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليَّ أَصْبِر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم. قالوا: يا محمد، فإن كنتَ غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أقلّ مالاً ولا أشدّ عيشا منا. سَلْ لنا ربك الذي بعثك بما بعثك، فلْيُسَيِّرْ عنا هذه الجبال التي ضيّقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يُبْعَث لنا منهم قُصَيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صَدُوقًا، فنسألهم عما تقول: حَقٌّ هو؟ فإن صنعتَ ما سألناك صدَّقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول". ووجه الشاهد فى الخبر أنهم تحدَّوْه، ضمن ما تحدَّوْه به، أن يأتى لهم بمن مات من آبائهم، وعلى رأسهم جَدّه قُصَىّ بن كلاب، إذ كانوا، كما قلنا، يَرَوْنَ استحالة عودة الميت إلى الحياة، أما من يقول بغير هذا فعليه أن يُثْبِت ما يقول ويعيد الموتى إلى الدنيا كرة أخرى! وثمة خبر فى "أسباب النزول" للواحدى يفسّر سبب نزول قوله : "وَأَقسَموا بِاللهِ جَهدَ أَيمانِهِم لا يَبعَثُ اللهُ مَن يَموتُ"، وفيه أنه "كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دَيْن فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلَّم به: والذي أرجوه بعد الموت. فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك لتُبْعَث بعد الموت؟ فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت. فأنزل الله تعالى هذه الآية". وكانوا يتهكمون بما ينزل به القرآن فى أوصاف الجنة، كالذى يُرْوَى عن أبى جهل من أنه "لما ذكر الله تعالى الزَّقُّوم خُوِّف به هذا الحي من قريش، فقال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد...؟ قالوا: لا. قال: الثَّرِيد بالزبد! أمَا والله لئن أمكننا منها لنَتَزَقَّمَنَّها تَزَقُّمًا. فأنزل الله : "وَالشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا"...". ومن هذا الوادى أيضا ما جاء فى بعض الروايات من أن "خَبّاب بن الأرتّ كان قَيْنًا، وكان يعمل للعاص بن وائل السهمي، وكان العاص يؤخر حقه، فأتاه يتقاضاه، فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال: لستُ بمفارقك حتى تقضيني. فقال العاص: يا خباب، مالك؟ ما كنتَ هكذا! وإِنْ كنتَ لَتُحْسِن الطلب. فقال خباب: ذاك أني كنت على دينك، فأما اليوم فأنا على الإسلام مفارق لدينك. قال: أولستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضةً وحريرًا؟ قال خَبّاب: بلى. قال: فأَخِّرْني حتى أقضيك في الجنة، استهزاءً. فوالله لئن كان ما تقول حقًّا، إني لأفضل فيها نصيبًا منك". وكان هذا الاستهزاء يتكرر كلما نزل شىء من القرآن فى تعداد نِعَم الجنة، ومن ذلك ما ورد فى النص التالى لدى الواحدى: "كان المشركون يجتمعون حول النبي يستمعون كلامه ولا ينتفعون به، بل يكذبون به ويستهزئون ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لَنَدْخُلَنَّها قبلهم، ولَيَكُونَنَّ لنا فيها أكثر مما لهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: "أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئ مِّنهُم أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ* كَلاّ"...".
    [align=center]* * *[/align]
    فإذا انتقلنا إلى العبادات الجاهلية وجدنا مثلا قوله تعالى: "إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ" (الأنفال/ 19)، أى أنهم كانوا يتجهون بالدعاء لله، وقد سلف القول إنهم كانوا يؤمنون بوجوده سبحانه، وإن عَزَّ على عقولهم المغلقة أن تفهم أن الله بطبيعته لا يمكن إلا أن يكون إلها واحدا، بل كانوا يشركون به آلهة أخرى مما سبق بيانه. ومعنى الاستفتاح هو الدعاء إلى الله أن يظهر لهم الحق من الباطل. وقد وردت أكثر من رواية فى ذلك فى تفسير الطبرى فقيل: "كان الـمشركون حين خرجوا إلـى النبـيّ من مكة أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: اللهمّ انصر أَعَزّ الـجندين، وأكرم الفئتـين، وخير القبـيـلتـين. فقال الله: "إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ". يقول: نَصَرْتُ ما قلتـم، وهو مـحمد "، وقيل: "استفتـح أبو جهل فقال: اللهمّ، (يعنـي مـحمدا ونفسه) أيُّنا كان أَفْجَرَ لك اللهمّ وأَقْطَعَ للرَّحِم فأَحِنْهُ (أى أَهْلِكْه) الـيوم. قال الله: إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ". كما نقرأ فى ذات السورة قوله سبحانه: "وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" (الأنفال/ 32- 33)، وقد جاء فى تفسير الطبرى: "قال رجل من بنـي عبد الدار, يقال له: النضر بن كلدة: "اللّهُمّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ". فقال الله: "وَقالُوا رَبّنا عَجّلْ لَنا قِطّنا قَبْلَ يَوْمِ الـحِسابِ"، وقال: "وَلَقَدْ جِئْتُـمُونا فرَادَى كمَا خَـلَقْناكُمْ أوّلَ مَرّةٍ"، وقال: "سأَلَ سائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ* للْكافِرِينَ...". قال عطاء: لقد نزل فـيه بضع عشرة آية من كتاب الله". أما فى تفسير الآية الثانية فقد أورد فيها، ضمن ما أورد، فول من قال: وما كان الله لـيعذّب هؤلاء الـمشركين من قريش بـمكة وأنت فـيهم يا مـحمد, حتـى أُخْرِجك من بـينهم، وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهؤلاء الـمشركون يقولون: يا ربّ غفرانك وما أشبه ذلك من معانـي الاستغفـار بـالقول... وقوله: وَما لهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ؟ (أى) فـي الاَخرة". أى أنهم، رغم شركهم، كانوا يدعون الله بما يريدون على غباء فيهم وعناد وانغلاق ذهن وقلب! كما أنهم، رغم شركهم، كانوا يستغفرون الله كما جاء فى بعض الأقوال! ومن عباداتهم كذلك ما ورد فى قول رب العزة: "وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " (الأنفال/ 35)، وتفسيره ما ورد عند شيخ المفسرين "كانت قريش يطوفون بـالبـيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: "قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ التـي أخْرَجَ لِعِبـادِهِ"، فأُمِروا بـالثـياب... كانت قريش يعارضون النبـيّ فـي الطواف يستهزئون به، يصفرون به ويصفقون... كانوا ينفخون فـي أيديهم، والتصدية: التصفـيق".
    ولعل القارئ قد تنبه لما جاء فى كلام الطبرى من أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت الحرام عراة، وإن كنت أتصور أن يكون بعضهم فقط هم الذين يفعلون ذلك لا كلهم. وفى تفسير قوله تعالى: "يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ* يَا بَنِي آَدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32 ولم يكن جمهور العرب يؤمنون بالآخرة، فلا بعث عندهم ولا حساب، وليس إلا الدنيا، التى إذا ما انتهت فقد انتهى كل شىء بالنسبة للإنسان، وكانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس، وينكرون مَلَك الموت وقَبْضَ الأرواح بأمر الله، وكانوا يضيفون كل حادثةٍ تَحْدُث إلى الدهر والزمان، فالدهر يُفْنِى ولا يعيد من يُفْنِيه. وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان.‏ وكانوا يجادلون النبى فى ذلك مجادلة لا تنتهى، محتجين بأنه من غير الممكن أن يعود الإنسان إلى الحياة كرة أخرى بعد أن يصبح عظاما ورُفَاتا، وإلا فأين آباؤهم الأولون؟ ولماذا لم يرجعوا إلى الحياة من قبل؟ وإذا كانت هناك آخرة فلماذا لا تأتى؟ وإن كثرة الآيات التى تتناول هذا الموضوع وتعرض جدالهم وسَخَرهم بما كانوا يسمعون من الآيات القرآنية التى تتحدث عن البعث لدليل على أن نكرانهم كان من القوة والحدة بمكان: "وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا* قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا* أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا" (الإسراء/49- 51)، "وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا" (مريم/ 66)، "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ* ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ" (الحج/ 5- 7)، "قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ" (النمل/ 82- 83)، "بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا" (الفرقان/ 11)، "وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ" (السجدة/ 10)، "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" (سبأ/ 3)، "أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* أَوَآَبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ" (الصافات/ 16- 17)، "إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ* إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ* فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الدخان/ 34- 36)، "وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ* وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الجاثية/ 24- 25)، "أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ" (ق/3)، "قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ* يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ" (الذاريات/ 10- 12)، "زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" (التغابن/ 7)، "يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ* أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً* قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ" (النازعات/ 10- 12).
    ومما رُوِىَ عن الكفار فى هذا المجال "أن أبي بن خلف أتى النبي بعظمٍ بالٍ يفتّته بيده، وقال: أترى الله يُحْيِى هذا بعدما رُمّ؟ فقال : نعم، ويبعثك ويدخلك النار". كما رُوِىَ أن عتبة وشيبة وأبا سفيان والنضر بن الحرث وأبا البختري والوليد بن المغيرة وأبا جهل وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف ورؤساء قريش اجتمعوا على ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تُعْذَروا به. فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. فجاءهم سريعا وهو يظن أنه بدا في أمره بَدَاء (أى غيروا موقفهم منه)، وكان عليهم حريصًا يحب رشدهم ويعز عليه تعنُّتهم حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد، إنا والله لا نَعْلَم رجلاً من العرب أَدْخَلَ على قومه ما أدخلتَ على قومك. لقد شتمت الآباء وعِبْتَ الدين وسَفَّهْتَ الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة، وما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك. فإن كنت إنما جئت به لتطلب به مالاً جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثرنا مالاً، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سّوَّدْناك علينا، وإن كنت تريد مُلْكًا ملَّكْناك علينا، وإن كان هذا الرَّئِىُّ الذي يأتيك تراه قد غلب عليك (وكانوا يسمّون التابع من الجن: الرَّئِىّ) بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نُبْرِئك منه أو نُعْذَر فيك. فقال رسول الله : ما بي ما تقولون. ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا للشرف فيكم ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلَّغْتُكم رسالة ربي ونصحتُ لكم. فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليَّ أَصْبِر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم. قالوا: يا محمد، فإن كنتَ غير قابل منا ما عرضنا فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أقلّ مالاً ولا أشدّ عيشا منا. سَلْ لنا ربك الذي بعثك بما بعثك، فلْيُسَيِّرْ عنا هذه الجبال التي ضيّقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وأن يبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يُبْعَث لنا منهم قُصَيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صَدُوقًا، فنسألهم عما تقول: حَقٌّ هو؟ فإن صنعتَ ما سألناك صدَّقناك وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولاً كما تقول". ووجه الشاهد فى الخبر أنهم تحدَّوْه، ضمن ما تحدَّوْه به، أن يأتى لهم بمن مات من آبائهم، وعلى رأسهم جَدّه قُصَىّ بن كلاب، إذ كانوا، كما قلنا، يَرَوْنَ استحالة عودة الميت إلى الحياة، أما من يقول بغير هذا فعليه أن يُثْبِت ما يقول ويعيد الموتى إلى الدنيا كرة أخرى! وثمة خبر فى "أسباب النزول" للواحدى يفسّر سبب نزول قوله : "وَأَقسَموا بِاللهِ جَهدَ أَيمانِهِم لا يَبعَثُ اللهُ مَن يَموتُ"، وفيه أنه "كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دَيْن فأتاه يتقاضاه، فكان فيما تكلَّم به: والذي أرجوه بعد الموت. فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك لتُبْعَث بعد الموت؟ فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت. فأنزل الله تعالى هذه الآية". وكانوا يتهكمون بما ينزل به القرآن فى أوصاف الجنة، كالذى يُرْوَى عن أبى جهل من أنه "لما ذكر الله تعالى الزَّقُّوم خُوِّف به هذا الحي من قريش، فقال أبو جهل: هل تدرون ما هذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد...؟ قالوا: لا. قال: الثَّرِيد بالزبد! أمَا والله لئن أمكننا منها لنَتَزَقَّمَنَّها تَزَقُّمًا. فأنزل الله : "وَالشَجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرآنِ وَنُخَوِّفُهُم فَما يَزيدُهُم إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا"...". ومن هذا الوادى أيضا ما جاء فى بعض الروايات من أن "خَبّاب بن الأرتّ كان قَيْنًا، وكان يعمل للعاص بن وائل السهمي، وكان العاص يؤخر حقه، فأتاه يتقاضاه، فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال: لستُ بمفارقك حتى تقضيني. فقال العاص: يا خباب، مالك؟ ما كنتَ هكذا! وإِنْ كنتَ لَتُحْسِن الطلب. فقال خباب: ذاك أني كنت على دينك، فأما اليوم فأنا على الإسلام مفارق لدينك. قال: أولستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضةً وحريرًا؟ قال خَبّاب: بلى. قال: فأَخِّرْني حتى أقضيك في الجنة، استهزاءً. فوالله لئن كان ما تقول حقًّا، إني لأفضل فيها نصيبًا منك". وكان هذا الاستهزاء يتكرر كلما نزل شىء من القرآن فى تعداد نِعَم الجنة، ومن ذلك ما ورد فى النص التالى لدى الواحدى: "كان المشركون يجتمعون حول النبي يستمعون كلامه ولا ينتفعون به، بل يكذبون به ويستهزئون ويقولون: لئن دخل هؤلاء الجنة لَنَدْخُلَنَّها قبلهم، ولَيَكُونَنَّ لنا فيها أكثر مما لهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: "أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئ مِّنهُم أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ* كَلاّ"...".
    فإذا انتقلنا إلى العبادات الجاهلية وجدنا مثلا قوله تعالى: "إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ" (الأنفال/ 19)، أى أنهم كانوا يتجهون بالدعاء لله، وقد سلف القول إنهم كانوا يؤمنون بوجوده سبحانه، وإن عَزَّ على عقولهم المغلقة أن تفهم أن الله بطبيعته لا يمكن إلا أن يكون إلها واحدا، بل كانوا يشركون به آلهة أخرى مما سبق بيانه. ومعنى الاستفتاح هو الدعاء إلى الله أن يظهر لهم الحق من الباطل. وقد وردت أكثر من رواية فى ذلك فى تفسير الطبرى فقيل: "كان الـمشركون حين خرجوا إلـى النبـيّ من مكة أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا الله وقالوا: اللهمّ انصر أَعَزّ الـجندين، وأكرم الفئتـين، وخير القبـيـلتـين. فقال الله: "إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ". يقول: نَصَرْتُ ما قلتـم، وهو مـحمد "، وقيل: "استفتـح أبو جهل فقال: اللهمّ، (يعنـي مـحمدا ونفسه) أيُّنا كان أَفْجَرَ لك اللهمّ وأَقْطَعَ للرَّحِم فأَحِنْهُ (أى أَهْلِكْه) الـيوم. قال الله: إنْ تَسْتَفْتِـحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْـحُ". كما نقرأ فى ذات السورة قوله سبحانه: "وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" (الأنفال/ 32- 33)، وقد جاء فى تفسير الطبرى: "قال رجل من بنـي عبد الدار, يقال له: النضر بن كلدة: "اللّهُمّ إنْ كانَ هَذَا هُوَ الـحَقّ مِنْ عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَـيْنا حِجارَةً مِنَ السّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذَابٍ ألِـيـمٍ". فقال الله: "وَقالُوا رَبّنا عَجّلْ لَنا قِطّنا قَبْلَ يَوْمِ الـحِسابِ"، وقال: "وَلَقَدْ جِئْتُـمُونا فرَادَى كمَا خَـلَقْناكُمْ أوّلَ مَرّةٍ"، وقال: "سأَلَ سائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ* للْكافِرِينَ...". قال عطاء: لقد نزل فـيه بضع عشرة آية من كتاب الله". أما فى تفسير الآية الثانية فقد أورد فيها، ضمن ما أورد، فول من قال: وما كان الله لـيعذّب هؤلاء الـمشركين من قريش بـمكة وأنت فـيهم يا مـحمد, حتـى أُخْرِجك من بـينهم، وَما كانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وهؤلاء الـمشركون يقولون: يا ربّ غفرانك وما أشبه ذلك من معانـي الاستغفـار بـالقول... وقوله: وَما لهُمْ ألاّ يُعَذّبَهُمُ اللّهُ؟ (أى) فـي الاَخرة". أى أنهم، رغم شركهم، كانوا يدعون الله بما يريدون على غباء فيهم وعناد وانغلاق ذهن وقلب! كما أنهم، رغم شركهم، كانوا يستغفرون الله كما جاء فى بعض الأقوال! ومن عباداتهم كذلك ما ورد فى قول رب العزة: "وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " (الأنفال/ 35)، وتفسيره ما ورد عند شيخ المفسرين "كانت قريش يطوفون بـالبـيت وهم عراة يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: "قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ التـي أخْرَجَ لِعِبـادِهِ"، فأُمِروا بـالثـياب... كانت قريش يعارضون النبـيّ فـي الطواف يستهزئون به، يصفرون به ويصفقون... كانوا ينفخون فـي أيديهم، والتصدية: التصفـيق". كما أن فى القرآن آية تنهى عن السجود للشمس أو القمر، مما يدل على أن هناك من كانوا يسجدون لهما: "وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ" (فُصِّلَتْ/ 37).
    ولعل القارئ قد تنبه لما جاء فى كلام الطبرى من أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت الحرام عراة، وإن كنت أتصور أن يكون بعضهم فقط هم الذين يفعلون ذلك لا كلهم. وفى تفسير قوله تعالى: "يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ* يَا بَنِي آَدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ* وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ* قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ* فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ* يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ* قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (الأعراف/ 36- 32) يقول الطبرى ما زُبْدَته: أنه، جلّ ثناؤه، يبين للجهلة من العرب الذين كانوا يتعَرَّوْن أن لِباس التّقوَى هو الحياء.وقد ابتدأ سبحانه الخبر عن إنزاله اللباس الذي يواري سَوْآتنا والرِّيَاش توبيخا للمشركين الذين كانوا يتجرّدون في حال طوافهم بالبيت، ويأمرهم بأخذ ثيابهم والاستتار بها في كلّ حال مع الإيمان به واتباع طاعته، إذ كانوا يطوفون بالبيت عُراةً متحججين بقولهم: "نطوف كما ولدتنا أمّهاتنا"، فتضع المرأة على قُبُلها النّسْعة أو الشيء فتقول:
    [align=center] اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلّه * * فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلّهُ[/align]
    فعُذِلوا على ما أَتَوْا من قَبيح فعلهم وعُوتبوا عليه،فكان جوابهم: وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بَهْديهم ونستنّ بسُنّتهم، والله أمرنا به، فنحن نتبع أمره فيه. فيقول الله جلّ ذكره لنبيه محمد : قل يا محمد لهم إن الله لا يأمر بالفحشاء، أى لا يأمر خلقه بقبائح الأفعال ومَساويها. أتقولون، أيها الناس، على الله ما لا تعلمون؟ أتَرْوُون على الله أنه أمركم بالتعرّي والتجرّد من الثياب واللباس للطواف، وأنتم لا تعلمون أنه أمركم بذلك؟ لقد كانوا يطوفون عراة: الرجال بالنهار، والنساء بالليل، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس.وكانت العرب تطوف بالبيت عراةً إلا الحُمْس: قريش وأحلافهم.
    وكانت قريش ومَنْ وَلَدَتْه قريش، وهم الذين كانوا يُسَمَّوْن فـي الـجاهلـية: "الـحُمْس"، يقولون: لا نـخرج من الـحَرَم. فكانوا لا يشهدون موقـف الناس بعَرَفة معهم، فأمرهم الله بـالوقوف معهم والإفاضة من عَرَفـات، وهي التـي كان يُفِيض منها سائر الناس غير الـحُمْس. وعن عائشة: كانت قريش ومن كان علـى دينها، وهم الـحُمْس، يقـفون بـالـمزدلفة ويقولون: نـحن قَطِين الله. ثم جعلوا لـمن ولدوا من العرب من ساكنـي الـحِلّ مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، فـيَحِلّ لهم ما يحلّ لهم، ويَحْرُم علـيهم ما يَحْرُم علـيهم. وكانت كِنَانة وخُزَاعة قد دخـلوا معهم فـي ذلك، ثم ابتدعوا فـي ذلك أمورا لـم تكن، حتـى قالوا: لا ينبغي للـحُمْس أن يَأْقِطوا الأَقِط، ولا يَسْلأوا السَّمْن وهم حُرُم، ولا يدخـلوا بـيتا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا فـي بـيوت الجلد طَوَال إحرامهم. ثم غالَوْا فـي ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الـحلّ أن يأكلوا من طعامٍ جاءوا به معهم من الـحلّ فـي الـحَرَم إذا جاءوا حُجّاجًا أو عُمّارًا، ولا يطوفوا بـالبـيت إذا قَدِمُوا أوّل طوافهم إلا فـي ثـياب الـحُمْس، فإن لـم يجدوا منها شيئا طافوا بـالبـيت عراة. فحَمَلُوا العربَ علـى ذلك، وكان مَنْ سواهم يقـفون بعرفة، فأمرهم الله بـالوقوف معهم: "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (البقرة/ 199). وكان القوم فـي جاهلـيتهم، بعد فراغهم من حجهم ومناسكهم، يجتـمعون فـيتفـاخرون بـمآثر آبـائهم، فكانوا يذكرون آبـاءهم فـي الـحج، فـيقول بعضهم: كان أبـي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبـي يضرب بـالسيف، ويقول بعضهم: كان أبـي جَزّ نواصي بنـي فلان. فأمرهم الله فـي الإسلام أن يكون ذكرهم بـالثناء والشكر والتعظيـم لربهم دون غيره، فنزل قوله : "فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا" (البقرة/ 200).
    وكان الأنصار فـي الـجاهلـية إذا أَهَلّ أحدهم بحجّ أو عُمْرة لا يدخـل دارا من بـابها إلا أن يتسوّر حائطا، وأسلـموا وهم كذلك. فأنزل الله تعالـى ذكره: "وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (البقرة/ 189)، ونهاهم عن صنـيعهم ذاك، وأمرهم أن يأتوا البـيوت من أبوابها. فلـما حجّ رسول الله حجة الوداع أقبل يـمشي ومعه رجل من أولئك، وهو مسلـم. فلـما بلغ رسول الله بـاب البـيت احتبس الرجلُ خـلفه وأبى أن يدخـل قائلا: يا رسول الله إنـي أَحْمَس. يقصد أنه مـُحْرِم، وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يُسَمَّوْن: "الـحُمْس". فقال رسول الله : "وأنا أيْضا أَحْمَسُ (أى أنه من قريش)، فـادْخُـلْ"، فدخـل الرجل.
    وكان فى تعاملات أهل الـجاهلـية بغي وطاعة للشيطان، فكان الـحَيّ مثلا إذا كان فـيهم عُدّة ومَنَعة، فقَتَل عبدُ قومٍ آخرين عبدًا لهم، قالوا: "لا نَقْتُل به إلا حُرًّا"، تعزُّزًا لفضلهم علـى غيرهم فـي أنفسهم، وإذا قتلت امرأةُ قومٍ آخرين امرأةً لهم، قالوا: لا نَقْتُل بها إلا رجلاً. فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بـالعبد والأنثى بـالأنثى، فنهاهم عن البغي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُ نْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البقرة/ 178).
    وكان اليتامى يُظْلَمون ولا يُرْحَمون وتُؤْكَل حقوقهم، وقد نزلت فيهم آيات متعددة: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين"ِ (الماعون/1- 3)، "فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ" (البلد/ 11- 16)، "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (البقرة/ 177)،"كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ* وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا* وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا" (الفجر/ 20)، "وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ" (الأنعام/ 152، والإسراء/ 34)، "وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا* وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا* وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا* وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا* وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" (النساء/ 2- 6)، "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا" (النساء/ 10)، "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا" (النساء/ 127).
    وبالنسبة للآيات المارّ ذكرها فى صدر سورة النساء يقول ابن عطية فى "المحرَّر الوجيز" إنها فى أوصياء الأيتام، والمراد ما كان بعضهم يفعله من تبديل الشاة السمينة من مال اليتيم بالهزيلة من ماله، والدرهم الطيب بالزائف من ماله، وإن أولئك اليتامى كانوا ممنوعين من الميراث ومحجورين. والآية نَصٌّ في النهي عن قصد مال اليتيم بالأكل والتموّل على جميع وجوهه. وقالت عائشة : نزلت في أولياء اليتامى الذين يعجبهم جمال وليّاتهم فيريدون أن يبخسوهن في المهر لمكان ولايتهم عليهن، فقيل لهم: أَقْسِطوا (أى اعدلوا) في مهورهن، فمن خاف ألا يُقْسِط فلْيتزوجْ ما طاب له من الأجنبيات اللواتي يكايسن في حقوقهن (أى يدافعن عنها ويناضلن دونها). ويقول الثعالبى، فى تفسيره المسمَّى: "الجواهر الحسان فى تفسير القرآن"، إن النهي فى الآية 127 من سورة "النساء" خاصّ بـــ"ما كانت العرب تفعله من ضَمّ اليتيمة الجميلة بدون ما تستحقه من المهر ومن عَضْل الدميمة الغنية حتى تموت فيرثها العاضل". وفى "أكل التراث" المنهى عنه فى سورة "الفجر" يقول إنهم كانوا لا يورِّثون النساء ولا صغار الأولاد، إنما كان يأخذ المالَ من يقاتل ويحمي الحَوْزَة. وقد أورد ابن عطية حديثًا للنبى عما رآه ليلة الإسراء جاء فيه: "رأيت أقواما لهم مَشَافِرُ كمشافر الإبل، وقد وُكِّلَ بهم من يأخذ بمشافرهم ثم يَجْعَل في أفواههم صخرا من نار تخرج من أسافلهم. قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما"، وأورد الزمخشرى ما رُوِيَ‏ من ‏"‏أنه ُيْبْعَث آكِلُ مال اليتيم يوم القيامة والدُّخَان يخرج من قبره ومن فيه وأنفه وأذنيه وعينيه، فيعرف الناس أنه كان يأكل مال اليتيم في الدنيا‏".‏‏
    ومن الظلم الذى كان يقع على الصغار فى ذلك المجتمع الوثنى ما كانت تمارسه بعض القبائل من وأد البنات، تلك العادة الوحشية التى ندَّد بها القرآن مرارا ونهى عنها وشدد فى النهى تشديدا عظيما: "وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ" (الأنعام/ 137)، "وَلا تَقْتُلُوا أَولادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ" (الأنعام/ 151)، "وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا" (الإسراء/ 31)، "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" (النحل/ 58- 59)، "أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ* وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِين"ٍ (الزخرف/ 16- 18). وفى هذه العادة المتوحشة يقول البغوى، عند تفسير الآيات 58- 59 من سورة "النحل"، إن "مُضَرَ وخُزَاعَةَ وتَمِيمًا كانوا يدفنون البنات أحياء خوفا من الفقر عليهم وطَمَعِ غير الأَكْفَاء فيهن. وكان الرجل من العرب إذا وُلِدَتْ له بنت وأراد أن يستحييها ألبسها جُبّةً من صوف أو شعر وتركها ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسيةً قال لأمها: "زيِّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها"، وقد حفر لها بئرا في الصحراء. فإذا بلغ بها البئر قال لها: "انظري إلى هذه البئر"، فيدفعها من خلفها في البئر ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض. فذلك قوله : "أيمسكه على هون أم يدسه في التراب؟". وكان صَعْصَعَة عَمُّ الفرزدق (بل جَدّه فى الواقع) إذا أحس بشيء من ذلك وجَّه إلى والد البنت إبلاً، يُحْيِيها بذلك. فقال الفرزدق يفتخر به:
    [align=center]وعَمِّي الذي مَنَعَ الوائدا * تِ فأحيا الوئيدَ فلم تُوأَدِ"[/align]
    وفى الآية السابعة من سورة "النساء" يطالعنا قوله تعالى: "لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا"، وسبب نزولها أن من العرب من لم يكن يورِّث النساء ويقول: "لا يُوَرَّث إلا من طاعَنَ بالرمح وقاتَلَ بالسيف"، فنزلت هذه الآية. ومن ذلك أن أم كحلة مات عنها زوجها أوس بن سُوَيْد وترك لها بنتا، فذهب عَمّ بنيها إلى ألاّ ترث، فذهبت إلى النبي ، فقال العَمّ: "هي، يا رسول الله، لا تقاتل ولا تحمل كّلاًّ ويُكْسَب عليها ولا تَكْسِب". ولا يقف ظلم النساء لدى عرب الجاهلية عند هذا الحد، فقد ذكرت الآيات التالية من نفس السورة ألوانا أخرى من الغبن الذى كُنّ يتعرَّضْن له على أيدى الرجال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا* وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا* وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا" (النساء/ 19- 21). وقد علّق الزمخشرى على هذا قائلا: "كانوا يَبْلُون النساء بضروب من البلايا ويظلمونهن بأنواع من الظلم، فزُجِروا عن ذلك: كان الرجل إذا مات له قريب من أب أو أخ أو حميم عن امرأة ألقى ثوبه عليها وقال: أنا أحق بها من كل أحد‏.‏ فقيل: ‏‏"لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كَرْهًا"، أي أن تأخذوهن على سبيل الإرث كما تُحَاز المواريث، وهن كارهات لذلك أو مُكْرَهات‏.‏ وقيل‏:‏ كان يمسكها حتى تموت‏.‏ فقيل‏:‏ لا يحلّ لكم أن تمسكوهن حتى ترثوا منهن سوء العشرة والقهر‏‏ لتفتدي منه بمالها وتختلع. فقيل‏:‏ ولا تَعْضُلوهنّ لتَذْهَبوا ببعض ما آتيتموهن‏.‏ والعَضْل‏:‏ الحبس والتضييق‏.‏.. "إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينةٍ‏"،‏ وهي النشوز وشَكَاسة الخُلُق وإيذاء الزوج وأهله بالبذاء والسلاطة، أي إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن، فقد عُذِرْتم في طلب الخلع... فإن فعلتْ حَلَّ لزوجها أن يسألها الخُلْع‏.‏.. وكانوا يسيئون معاشرة النساء فقيل لهم‏:‏ ‏"‏وعاشروهن بالمعروف‏"،‏ وهو النَّصَفَة في المبيتِ والنفقةِ والإجمالُ في القول... ‏"وإن أردتم استبدال زوجٍ مكانَ زوجٍ وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانا وإثمًا مبينًا* وكيف تأخذونه وقد أَفْضَى بعضكم إلى بعضٍ وأخذن منكم ميثاقاً غليظا؟". ‏وكان الرجل إذا طَمَحَتْ عينه إلى استطراف امرأة بَهَتَ التي تحته ورماها بفاحشة حتى يُلْجِئها إلى الافتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج غيرها‏.‏ فقيل‏:‏ ‏"‏وإن أردتم استبدال زوجٍ‏...‏". وكانوا يَنْكِحون رَوَابَّهم (أى زوجات آبائهم)، وناسٌ منهم يمقتونه من ذَوِي مروءاتهم، ويسمّونه: "نكاح المَقْت"‏.‏ وكان المولود عليه يقال له: المَقْتِيّ"‏.‏ وفى الطبرى عن ابن عباس: "كان أهل الـجاهلـية يحرِّمون ما يحرَّم إلا امرأة الأب والـجمع بـين الأختـين". وفى الحديث: "لم يصبنا عيبٌ من عيوب الجاهلية فى نكاحها ومَقْتها". وبالنسبة لعلاقة الفِرَاش يقول الزمخشرى، تعليقا على قوله تعالى: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ" (البقرة/ 222)، إن "أهل الجاهلية كانوا إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فَرْشٍ ولم يساكنوها في بيتٍ كفِعْل اليهود والمجوس. فلما نزلت أخذ المسلمون بظاهر اعتزالهن فأخرجوهن من بيوتهم. فقال ناس من الأعراب‏:‏ يا رسول الله، البرد شديد، والثياب قليلة. فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحُيَّض. فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ إنما أُمِرْتُم أن تعتزلوا مُجَامَعَتَهُنّ إذا حِضْنَ، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفِعْل الأعاجم".
    وكان المجتمع الجاهلى يقوم، فيما يقوم، على نظام الرقيق، وكان الأرقاء يعامَلون بقسوة، فأوصى الإسلام بهم خيرا، ودعا إلى التقرب إلى الله وإحراز الأجر الجزيل بعتقهم. كما وَصَّى بمساعدتهم من أموال الزكاة والكفّارات والصدقات فى الافتكاك من الرق إن أرادوا المكاتبة لإعتاق أنفسهم من كسب يدهم، وكذلك مساعدتهم فى الزواج والاستعفاف. ومن رحمته سبحانه بالإماء المستضعفات أنْ أنزل آية تمسح عار البِغَاء وإثمه عن الأَمَة المُكْرَهة على البغاء من قِبَل سيدها القوّاد. وكان لعبد الله بن أُبـيّ رأسِ الضلال والنفاق أَمَةٌ أَمَرَها فزَنَتْ، فجاءت ببُرْد، فقال لها: ارجعي فـازْنِـي. قالت: والله لا أفعل. إنْ يَكُ هذا خيرا فقد استكثرتُ منه، وإن يَكُ شرّا فقد آن لـي أن أَدَعه". وقد نزل فى ذلك كله قوله جل شأنه: "وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (النور/ 32- 33).
    وكان الجاهليون يتعاملون بالرِّبَا، بل بالربا الفاحش الذى لا يرحم، ومن هنا نرى القرآن يصور الربا صورة شديدة البشاعة، ويحمل على المرابين حملة شعواء مناديا بالرحمة والتسامح مع الضعفاء والعاجزين الذين لا يقدرون على تسديد الدين، أو على الأقل إنظارهم والصبر عليهم حتى يمكنهم السداد: "وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ" (الروم/ 39)، "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ " (البقرة/275- 280)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (آل عمران/ 130). ولم يكن عرب الجاهلية هم وحدهم الذين يرابون، بل هناك أيضًا اليهود أساتذة الربا وشياطينه، وقد هاجمهم القرآن المجيد مبينا كيف أن الله عاقبهم عقابا شديدا جَرَّاءَ ذلك الاستغلال الإجرامى القاسى فى التعامل مع المحتاجين: "فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا* وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" (النساء/ 160- 161). وحين حرّم الإسلام الربا لم يتسامح فيما كان لا يزال منه قائما، ورفض للمرابين أن يأخذوا أية فوائد على قروضهم، رغم أنه قد غض البصر عما كان قد سلف منه فى الجاهلية قبل مجيئه. وفى تفسير الطبرى: "كانت ثقـيف قد صالـحت النبـيّ علـى أن ما لهم من ربـا علـى الناس وما كان للناس علـيهم من ربـا فهو موضوع. فلـما كان الفتـح استعمل عتّاب بن أُسَيْد علـى مكة، وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربـا من بنـي الـمغيرة، وكانت بنو الـمغيرة يُرْبُون لهم فـي الـجاهلـية، فجاء الإسلام ولهم علـيهم مال كثـير. فأتاهم بنو عمرو يطلبون رِبَـاهم، فأبى بنو الـمغيرة أن يعطوهم فـي الإسلام، ورفعوا ذلك إلـى عتّاب بن أُسَيْد، فكتب عتّاب إلـى رسول الله ، فنزلت: "يا أيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِـيَ مِنَ الرِّبـا إِنْ كُنْتُـمْ مُوءْمِنِـينَ* فـإنْ لَـمْ تَفْعَلُوا فـأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ..."، فكتب بها رسول الله إلـى عتّاب وقال: "إِنْ رَضُوا، وَإِلاّ فَآذِنْهُمْ بِحَرْبٍ". وقال رسول الله فى خطبته يوم الفتـح: "ألاَ إنّ رِبـا الـجاهِلِـيّةِ مَوْضُوعٌ كُلّهُ، وَأوّلُ رِبـًا أبْتَدِئُ بِهِ رِبـَا العَبّـاسِ بْنِ عَبْدِ الـمُطّلِب".
    وكان المَيْسِر، وهو القِمَار، من الآفات التى ابتُلِىَ بها عرب الجاهلية، و"كانوا يتقامرون على الأموال حتى ربما بقي المقمور فقيرا فتَحْدُث من ذلك ضغائن وعداوات" كما يقول الثعالبى. وقد أورد الطبرى عن ابن عباس: "كان الرجل فـي الـجاهلـية يخاطر (أى يقامر) علـى أهله وماله، فأيهما قَمَرَ صاحبَه (أى غلبه فى القمار) ذهب بأهله وماله". ومن هنا نستطيع أن نفهم تشديد التحريم له فى قوله سبحانه: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ" (المائدة/ 5)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة/ 90). وفى القمار يقول الطبرى إنهم "كانوا يـياسرون (أى يتقامرون) علـى الـجَزُور (وهو الجمل أو الناقة المُعَدّان للذبح)، وإذا أفلـج الرجلُ منهم صاحبَه (أى كَسَبَه) نـَحَرَه، ثم اقتسموا أعشارا علـى عدد القِدَاح (السهام). وفـي ذلك يقول أعشى بنـي ثعلبة:
    وجَزُورِ أيْسارٍ دَعَوْتُ إلـى النّدَى ** ونِـياطِ مُقْـفِرَةٍ أخافُ ضَلاَلهَا"
    ويزيد الزمخشرى الأمر تفصيلا فيقول: " كانت لهم عشرة أقداح، وهي‏ الأزلام والأقلام:‏ الفَذّ والتَّوْأم والرقيب والحِلْس والنَّافِس والمُسْبِل والمُعَلَّى والمَنِيح والسَّفِيح والوَغْد‏.‏ لكل واحد منها نصيب معلوم من جَزُور ينحرونها ويجزئونها عشرة أجزاء‏ (وقيل‏:‏ ثمانية وعشرين)، إلا لثلاثة، وهي المَنِيح والسَّفِيح والوَغْد‏.‏ ولبعضهم‏:‏
    [align=center]لِيَ في الدنيا سهامٌ ليس فيهنّ رَبِيحُ ** وأساميهنّ وَغْدٌ وسَفِيحٌ ومَنِيحُ[/align]
    للفَذّ سهم، وللتوأم سهمان، وللرَّقِيب ثلاثة، وللحِلْس أربعة، وللنَّافِس خمسة، وللمُسْبِل ستة، وللمُعَلَّى سبعة. يجعلونها في الرِّبَابة، وهي خريطة، ويضعونها على يدي عَدْل، ثم يجلجلها ويُدْخِل يده فيُخْرِج باسم رجل رجل قِدْحًا منها‏.‏ فمن خرج له قِدْحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القِدْح‏.‏ ومن خرج له قِدْحٌ مما لا نصيب له لم يأخذ شيئا وغَرِمَ ثمن الجزور كله‏. وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ولا يأكلون منها‏،‏ ويفتخرون بذلك ويذمّون من لم يدخل فيه، ويسمونه: "البَرَم"‏.
    ‏وفى الآيتين تحريم للأزلام أيضا، وهى سهامٌ ثلاثةٌ متشابهةٌ كانوا يضعونها فى كنانة، ثم يحركونها حتى تختلط ولا يمكن تمييز أحدها عن الآخر، ثم يمد الكاهن يده فيسحب منها واحدا. فإذا كان هذا السهم مكتوبا عليه :"افعل"، فإن الشخص المُسْتَقْسِم يفعل ما كان ينوى أن يفعله، وإن خرج السهم المكتوب عليه: "لا تفعل"، فإنه لا يفعل ما كان يريد، أما إذا كان السهم غير مكتوب عليه شىء، أُعِيد تحريك السهام وبدأت عملية الاستقسام من جديد. وقد استبدل الإسلام بهذه الطريقة الوثنية طريقة أخرى تربط الإنسان بربه، وهى "الاستخارة". ونترك الإمام الطبرى يشرح الأمر بقلمه كما كتبه عند تأويله للآية الخامسة من سورة "المائدة": "ذلك أن أهل الـجاهلـية كان أحدهم إذا أراد سفرا أو غزوًا أو نـحو ذلك أجال القِدَاح، وهي الأزلام (أى هَزّ الكنانة بما فيها من سهام)، وكانت قِدَاحا مكتوبـا علـى بعضها: نهانـي ربـي، وعلـى بعضها: أمرنـي ربـي. فإن خرج القِدْح الذي هو مكتوب علـيه: "أمرنـي ربـي" مضى لـما أراد من سفر أو غزو أو تزويج وغير ذلك. وإن خرج الذي علـيه مكتوب: "نهانـي ربـي" كَفَّ عن الـمضيّ لذلك وأمسك. فقـيـل: "وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بـالأزلامِ"، لأنهم بفعلهم ذلك كانوا كأنهم يسألون أزلامهم أن يَقْسِمْنَ لهم. ومنه قول الشاعر مفتـخرا بترك الاستقسام بها:
    [align=center]ولَـمْ أَقْسِمْ فتَرْبُتَنـي القُسُوم[/align]ُ
    وأما "الأزلام" فإن واحدها "زَلَـم", ويقال "زُلَـم"، وهي القِداح التـي وصفنا أمرها". وهذه الأزلام كانت عند الكهنة، وكانوا هم الذين يقومون بعملية الاستقسام حسبما أورد الطبرى عن السُّدِّىّ.
    ومن الملاحظ تكرير القرآن النهى عن التطفيف فى الكيل والميزان وتوعُّده لمن يصنع ذلك بالعقاب الشديد، وواضح أن العرب كانوا لا يراعون العدل كما ينبغى فى هذا المجال، وإلا لم يكن القرآن ليتحدث فى ذلك الموضوع ويكرر القول فيه: "وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ" (الأنعام/ 152)، "وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" (الإسراء/ 35)، "وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ " (الرحمن/ 9)، "وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ" (المطففين/ 1- 3). وفى الطبرى: "عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة لَيُوفُون الكيل. قال: وما يمنعهم من أن يوفوا الكيل، وقد قال الله: "وَيْلٌ للْمُطَفّفِينَ* ...* يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبّ الْعالَمِينَ"؟... وعن ابن عباس قال: لما قَدِم النبيّ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله: "وَيْلٌ لِلْمُطَفّفِينَ"، فأَحْسَنوا الكيل". إلا أننى لا أستطيع أن أفهم كيف تكون الآيات الأخيرة قد نزلت فى أهل المدينة، والسورة كلها، كما يقول الطبرى نفسه فى بداية تفسيره لها، سورة مكية! ثم إن أهل المدينة كانوا مشهورين بدماثة الطبع ولم تُعْرَف عنهم شكاسة فى الخلق والمعاملات التجارية كالذى كان مشهورا عن مكة وأهلها فى الجاهلية، علاوة على أن القرآن إنما كرّر النهى عن الغَبْن فى المكاييل والموازين فى المرحلة المكية، بخلافه فى المرحلة المدنية، التى لم ينزل فيها شىء فى ذلك. ولا ينبغى أن نغفل عن أن المكيين كانوا، فى المقام الأول، تجارًا لا زُرّاعًا كاليثربيين. بل إن الحديث عن شيوع الغش فى المعاملات التجارية فى بعض الأمم القديمة وتلاعبها فى الكيل والميزان، وهى أمة شُعَيْب ، إنما كان فى "الأعراف" و"هود" و"الشعراء"، وهى مما نزل فى مكة لا المدينة. أفترى القرآن إذن كان يستبق الحوادث ويهاجم اليثربيين قبل الميعاد؟ الذى أراه هو أن المقصودين بالكلام عن الكيل والميزان إنما هم المكيون قبل غيرهم، وإن كنت لا أستبعد سواهم من العرب من هذا الانحراف الخلقى. وبالمناسبة فإن الواحدى والسيوطى مثلا فى كتابيهما عن "أسباب النزول" يقولان نفس ما قاله الطبرى.
    أما ابن عاشور فى "تفسير التحرير والتنوير" فيورد اختلاف العلماء فى مكية السورة أو مدنيتها، لينتهى إلى أنها مما نزل بين مكة والمدينة. ثم أضاف قائلا: "وعن القُرَظِيّ: كان بالمدينة تجار يطففون الكيل وكانت بياعاتهم كسبت القمار والملامسة والمناملة والمخاصرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية فخرج رسول الله إلى السوق وقرأها، وكانت عادة فَشَتْ فيهم من زمن الشرك فلم يتفطَّن بعض الذين أسلموا من أهل المدينة لما فيه من أكل مال الناس. فأريد إيقاظهم لذلك، فكانت مقدمة لإصلاح أحوال المسلمين في المدينة مع تشنيع أحوال المشركين بمكة ويثرب بأنهم الذين سَنُّوا التطفيف. وما أَنْسَبَ هذا المقصد بأن تكون نزلت بين مكة والمدينة لتطهير المدينة من فساد المعاملات التجارية قبل أن يدخل إليها النبي لئلا يشهد فيها منكرًا عامًّا، فإن الكيل والوزن لا يخلو وقت عن التعامل بهما في الأسواق وفي المبادلات". ولكنى، رغم هذا، ما زلت أرى أن "المطففين" سورة مكية لأسلوبها وموضوعاتها اللذين يشبهان أسلوب الوحى المكى وموضوعاته، وأقصى ما يمكن أن أفكر فيه هو أن يكون الرسول قد قرأها على أهل يثرب مُهَاجَرَه إليهم، فقد قلت إننى لا أستبعد أن يكون من العرب من كان يطفِّف فى الكيل والميزان من غير أهل مكة، إلا أن المكيين، فى نظرى، هم المقصودون أوّلاً وفى الأساس بهذه الآيات. أَيًّا ما يكن الأمر، وهذا هو المهم فى الموضوع، فقد كان الجاهليون يتلاعبون فى مكاييلهم وموازينهم بما يأباه الخلق الشريف والذكاء التجارى الحصيف كما يصنع كثير من التجار فى المجتمعات المتخلفة مما لا نجده فى نظيراتها المتقدمة رغم أنها ربما لا تدين بدين سماوى، لكنه الحس التجارى السليم والقانون اليقظ الحريص على سلاسة الحياة وراحة البال حتى ولو لم يكن الحفاظ على القيم الخلقية فى حد ذاتها هو المراد!
    وكان فى أهل الـجاهلـية بغي وطاعة للشيطان، فكان الـحَيّ إذا كان فـيهم عُدّة ومَنَعة، فقَتَل عبدُ قومٍ آخرين عبدًا لهم، قالوا: لا نَقْتُل به إلا حُرًّا تعزُّزًا لفضلهم علـى غيرهم فـي أنفسهم، وإذا قتلت امرأةُ قومٍ آخرين امرأةً لهم، قالوا: لا نَقْتُل بها إلا رجلاً. فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بـالعبد والأنثى بـالأنثى، فنهاهم عن البغي: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُ نْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (البقرة/ 178).
    وكان اليتامى يُظْلَمون ولا يُرْحَمون وتُؤْكَل حقوقهم، وقد نزلت فيهم آيات متعددة: "أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين"ِ (الماعون/1- 3)، "فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ" (البلد/ 11- 16)، "لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ" (البقرة/ 177)،"كَلاَّ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ* وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا* وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (الفجر/ 20)، "وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ" (الأنعام/ 152، والإسراء/ 34)، "وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا* وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا* وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا* وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا* وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" (النساء/ 2- 6)، "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا" (النساء/ 10)، "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا" (النساء/ 127)،.
    وبالنسبة للأطعمة كان الجاهليون يحرِّمون البَحِيَرَة والسائبة والحامى، وفى ذات الوقت يأكلون المَيْتَة، سواء ماتت ميتة طبيعية أو كانت منخنقة أو موقوذة (وهى المضروبة ضربا شديدا حتى تموت، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها)، أو كانت متردِّية أو منطوحة. وكانوا يقولون عن الميتة إن الله قتلها، فكيف تكون حراما، وفى الوقت ذاته يكون ما قتله (أى ذبحه) البشر حلالا؟ وكانوا يستغربون كيف أن الرسول وأصحابه يقولون إنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون أن ما ذبحوه حلال، وما ذبح الله حرام! كذلك كانوا يأكلون الدم وما أُهِلَّ به لغير الله وما ذُبِح على النُّصُب. وسوف يأتى فى كلامنا عن الأمثال فى العصر الجاهلى إشارة إلى أكلهم الدم. وفى الطبرى أنهم "كَانُوا إذَا أَرَادُوا ذَبْح مَا قَرَّبُوهُ لآلِهَتِهِمْ سَمَّوْا اسْم آلِهَتهمْ الَّتِي قَرَّبُوا ذَلِكَ لَهَا وَجَهَرُوا بِذَلِكَ أَصْوَاتهمْ، فَجَرَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرهمْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ لِكُلِّ ذَابِح يُسَمِّي أَوْ لَمْ يُسَمِّ، جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أَوْ لَمْ يَجْهَر: "مُهِلّ"، فَرَفْعهمْ أَصْوَاتهمْ بِذَلِكَ هُوَ الإِهْلال الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى". كما يقول القرطبى إن ما أُهِلَّ به لغير الله هو "ذَبِيحَة الْمَجُوسِيّ وَالْوَثَنِيّ وَالْمُعَطِّل: فَالْوَثَنِيّ يَذْبَح لِلْوَثَنِ، وَالْمَجُوسِيّ لِلنَّارِ، وَالْمُعَطِّل لا يَعْتَقِد شَيْئًا فَيَذْبَح لِنَفْسِه".ِ و"النُّصُب" هى الأَوْثَان مِنْ الْحِجَارَة، وكَانَتْ تُجْمَع فِي الْمَوْضِع مِنْ الأَرْض، فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُقَرِّبُونَ لَهَا، وَلَيْسَتْ بِأَصْنَامٍ، لأن الصَّنَم يُصَوَّر وَيُنْقَش، وَهَذِهِ حِجَارَة، فَكَانُوا إِذَا ذَبَحُوا نَضَحُوا الدَّم عَلَى مَا أَقْبَلَ مِنْ الْبَيْت وَشَرَّحُوا اللَّحْم وَجَعَلُوهُ عَلَى الْحِجَارَة. أما البَحِيرة والسائبة والوَصِيلة والحامى فكانت النَّاقَة إِذَا وَلَدَتْ أَبْطُنًا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا شَقُّوا أُذُنهَا وَقَالُوا: هَذِهِ بَحِيرَة، وكَانَ الرَّجُل يَأْخُذ بَعْض مَالِه فَيَقُول: هَذِهِ سَائِبَة، وكَانُوا إِذَا وَلَدَتْ النَّاقَةُ الذَّكَرَ أَكَلَهُ الذُّكُور دُون الإِنَاث، وَإِذَا وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى فِي بَطْن قَالُوا: وَصَلَتْ أَخَاهَا، فَلا يَأْكُلُونَهُمَا. فَإِذَا مَاتَ الذَّكَر أَكَلَهُ الذُّكُور دُون الإِنَاث. وكَانَ الْبَعِير إِذَا وَلَدَ وَوَلَدَ وَلَدُه قَالُوا : قَدْ قَضَى هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِظَهْرِهِ و قَالُوا: هَذَا حَامٍ. وقيل أيضا: كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بُحِرَتْ أذنها فحُرِّمَتْ، وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، فإن كان الخامس ذَكَرًا بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها وكانت حرامًا على النساء لحمها ولبنها، وقيل: إذا نتجت الناقة خمسة أبطن من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرَّموا ركوبها ودَرّها. والسائبة: الناقة تُسَيَّب، أو البعير يُسَيَّب نذرا على الرجل إن سلّمه الله من مرض أو بلّغه منزله، فلا يُحْبَس عن رعي ولا ماء، ولا يركبه أحد. وقيل: هي التي تُسَيَّب لله فلا قيد عليها ولا راعي لها. وقيل: هي التي تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذَكَر، فعند ذلك لا يُرْكَب ظهرها ولا يُجَزّ وَبَرها ولا يَشْرَب لبنَها إلا ضيف. والوَصِيلة: قيل: هي الناقة إذا وَلَدَتْ أنثى بعد أنثى، وقيل هي الشاة: كانت إذا وَلَدَتْ أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرًا فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذَّكَر لآلهتهم. وقيل: كانوا إذا ولدت الشاةُ سبعة أَبْطُن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذُبِح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تُرِكَتْ في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يُذْبَح لمكانها، وكان لحمها حرامًا على النساء، إلا أن يموت فيأكلها الرجال والنساء. والحام: الفحل الحامي ظهره عن أن يُرْكَب، وكانوا إذا رُكِبَ وَلَدُ الفحل قالوا: حُمِىَ ظهره فلا يُرْكَب، فجاء الإسلام فحرَّم هذا كله. ومن الأخبار التى وردت عن ذبحهم لآلهتهم ما رُوِىَ عن ابن عباس من "أن بلالاً لما أسلم ذهب إلى الأصنام فسَلَحَ عليها، وكان عبدًا لعبد الله بن جُدْعان، فشكا إليه المشركون ما فعل، فوهبه لهم ومائةً من الإبل يَنْحَرونها لآلهتهم". وعلاوة على ما مرّ كانت الخمر شائعة بين الجاهليين شيوعًا مستطيرًا يعرفه كل من قرأ الشعر الجاهلى، ولقد أخذت هذه المسألة فى أول الإسلام بعض الوقت إلى أن كفّوا عن تعاطى أم الخبائث ممتثلين لأمر الله، وذلك بعد أن تدرج بهم القرآن مرحلة بعد مرحلة كما هو معروف من النصوص القرآنية حتى أقلعوا عنها إقلاعا لم يحدث من قبل ولا من بعد فى أى مجتمع أو حضارة بشرية!
    ومن النصوص القرآنية التى تتحدث فى موضوع الطعام والشراب والحلال والحرام منه: "إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ" (البقرة/ 173)، "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ" (المائدة/ 3)، "مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ" (المائدة/ 103)، "قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ" (الأنعام/ 145)، "إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ" (النحل/ 115- 116)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" (المائدة/ 90). ولا أدرى أكان من العرب الوثنيين من كان يأكل لحم الخنزير أم لا، لكن المؤكد أن النصارى كانوا وما زالوا يأكلونه رغم أنه محرَّم فى شريعة موسى ، التى أكد المسيح أنه إنما أتى لتكميلها لا لنقضها، إلا أن بولس اليهودى ما إن دخل النصرانية حتى أشاع فيها الاضطراب وألغى كل ما جاءت به تلك الشريعة تقريبا، ومن بين ما ألغاه تحريم الخنزير.
    وفى تفسير قوله تعالى على لسان الشيطان متحدثا عن بنى آدم: "ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنَِّبنَّهم ولآمُرَنَّهم فلَبُبَتِّكُنَّ آذان الأنعام، ولآمُرَنَّهم فلَيُغَيِّرُنّ خَلْق الله" (النساء/ 119) يقول الزمخشرى : "تَبْتِيكُهم (أى تَبْتِيك عرب الجاهلية الوثنيين) الآذان: فِعْلُهم بالبحائر: كانوا يشقّون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذَكَرًا، وحرَّموا على أنفسهم الانتفاع بها‏.‏ وتغييرهم خلق الله‏:‏ فَقْءُ عين الحامي وإعفاؤه من الركوب‏". وفى قوله سبحانه: "وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ" (الأنعام/ 136) نرى لونًا آخر من اعتقاداتهم الوثنية التى كان لها تأثير على أحكام الطعام عندهم، إذ كانوا يجعلون لله سبحانه مما خلق من حرثهم ونَتَاج دوابّهم نصيبا، ولآلهتهم نصيبا من ذلك يَصْرِفونه على سَدَنَتها والقائمين بخدمتها، فإذا ذهب ما خصصوه لآلهتهم عَوَّضوا عنه ما جعلوه لله، وقالوا: الله غني عن ذلك. وقوله: "فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله"، أي إلى المصارف التي شرع الله الصَّرْف فيها كالصدقة وصلة الرَّحِم وقِرَى الضيف، ومعنى عبارة "وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم"، أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها. وفى "الكشاف" للزمخشرى أنهم "كانوا يعيّنون أشياءَ من حرثٍ ونتاجٍ لله، وأشياءَ منها لآلهتهم، فإذا رَأَوْا ما جعلوه للّه زاكيا ناميا يزيد في نفسه خيرا رجعوا فجعلوه للآلهة، وإذا زَكَا ما جعلوه للأصنام تركوه لها واعتلُّوا بأن الله غني. وإنما ذاك لحبهم آلهتهم وإيثارهم لها". وفى قوله سبحانه: "فلا يصل إلى الله" يقول: "‏أي لا يصل إلى الوجوه التي كانوا يصرفونه إليه من قِرَى الضِّيفان والتصدق على المساكين"، أما قوله: "‏فَهُوَ يصل إلى شركائهم" فمعناه أنهم ينفقونه على الأوثان "في ذبح النسائك عندها والإجراء على سَدَنتها ونحو ذلك". أو كانوا إذا ذبحوا ما جعلوه لله ذكروا عليه اسم أصنامهم، وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم يذكروا عليه اسم الله، وهذا معنى آخر للآية الكريمة.
    وفى الآيتين 138- 139 من نفس السورة نقرأ قوله عز شأنه: "وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ* وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ". و"الحِجْر" هو التضييق، والمقصود أنهم يَقْصِرونها على طرفٍ دون آخر. ذلك أنهم كانوا إذا عيَّنوا أشياء من حرثهم وأنعامهم لآلهتهم قالوا‏:‏ ‏"‏لا يطعمها إلا من نشاء"، ‏‏يَعْنُون خَدَم الأوثان والرجال دون النساء، أما ‏الأنعام التى حُرِّمَتْ ظُهُورهَا فهى البحائر والسوائب والَحَوامِي. ثم هناك ‏الأنعام التى لا يُذْكَر اسم الله عليها ‏‏في الذبح، وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام‏.‏ وقيل‏:‏ لا يحجّون عليها ولا يُلَبُّون على ظهورها‏.‏ أى أنهم قسّموا أنعامهم فقالوا‏:‏ هذه أنعامٌ حِجْرٌ، وهذه أنعامٌ محرَّمة الظهور، وهذه أنعامٌ لا ُيذَْكر عليها اسم الله‏.‏ ليس ذلك فحسب، بل كانوا ‏يقولون أيضا: "ما في بطون هذه الأنعام خالصةٌ لذكورنا ومحرَّمٌ على أزواجنا، وإن يكن مَيْتَةً فهم فيه شركاء"، أى أن ما وُلِد من أَجِنّة البحائر والسوائب‏ حَيًّا فهو خالص للذكور لا تأكل منه الإناث، وما وُلِد منها ميتًا اشترك فيه الذكور الإناث. وفى ذات السياق أيضا ورد قوله سبحانه: "وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ" (النحل/ 56)، ومعناه أنهم كانوا يجعلون لآلهتهم التي لا علم لها (لأنها جماد، فهى لا تدرى أجعلوا لها نصيبا في أنعامهم وزروعهم أم لا) نصيبا مما رزقهم الله من الزروع والأنعام يتقربون بذلك إليها.
    فإذا انتقلنا إلى البيئة العربية وجدنا تكرارا لذكر الجبال فى آيات كثيرة فى القرآن المجيد، وهذا أمر طبيعى، فالجزيرة العربية مملوءة بالجبال: "وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ" (هود/ 42)، "وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ" (إبراهيم/ 46)، "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ" (النحل/ 68)، "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا" (النحل/ 81)، "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا" (طه/ 105)، "وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ" (فاطر/ 27)، "أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا* وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا" (النبأ/6- 7)، "وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا* مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ" (النازعات/ 32- 33). كما أشار القرآن، فى آية مشهورة، إلى ظاهرة أخرى من ظواهر البيئة العربية هى ظاهرة السراب: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا" (النور/ 39). وعلى ذكر السراب فإن الماء شحيح فى الجزيرة العربية، ومن هنا فكثيرا ما يمنّ الله على العرب بإنزاله من السماء ماء يُحْيِى الأرض بعد موتها: "الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" (البقرة/ 22)، "وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا" (الأنعام/ 99)، "وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ" (الأنفال/ 11)، "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ" (الزُّمَر/ 21)، "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ" (المُلْك/ 30)، "وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا* لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا* وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا" (النبأ/ 14- 16). والإبل هى أيضا مما ورد ذكره فى القرآن، وهى الحيوان الوحيد الذى لفت القرآن نظر العرب إلى عجيبة الخلق فيه: "أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ* وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ" (الغاشية/ 17- 20)، ومعروف أن الجمل هو سفينة الصحراء.
    وبالنسبة للمساكن التى كان يقطنها العرب فى الجاهلية فإن القرآن يشير إلى ضربين: البيوت العادية، وهى بيوت أهل الحضر، وكانوا أقل فى بلاد العرب من أهل الصحراء آنذاك، ثم بيوت الوَبَر والشَّعْر والجلد، وهى الخيام، التى لا يعرف سكان البوادى غيرها نظرا لتنقلهم المستمر وراء الغيث والمرعى: "وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ" (النحل/ 80). أما الثمار والفواكه وأشجارها التى كانت يعرفها العرب فقد ذكر القرآن منها التين والزيتون والأعناب والرمان والنخيل: "وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" (الأنعام/ 99)، "وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ" (الأنعام/ 141)، "فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ" (الرحمن/ 68)، "وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ" (التين/ 1).
    وفى القرآن المجيد أيضًا ذِكْرٌ لمكة ويثرب والمدينة واللغة العربية، وقريش ورحلتيها إلى الشام واليمن، والكعبة وإبراهيم أبى العرب وابنه إسماعيل، وسقاية الحجيج وعمارة المسجد الحرام، وسبإ وعاد وثمود ومَدْيَن، وهُود وصالح وشُعَيْب، واليهود والنصارى والصابئين والمَجُوس، والشِّعْر والشعراء والكُهّان والنفَّاثات فى العُقَد، والأشهر الحُرُم، وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، وكانوا يتوقفون فيها عن القتال والأخذ بالثأر ويجعلونها شهور هدنة، وإن كانوا أحيانا ما يستمرون فيه معوِّضين عنها بشهور أخرى يتوقفون فيها عن المعارك، وهو ما يسمون: "النَّسِىء". كما كان الأخذ بالثأر تقليدا جاهليا راسخا فى أعماق النفس العربية، ولكنْ بالمقابل كانت مكة بما فيها الكعبة حَرَمًا آمنا لا يجوز الأخذ بالثأر فيه مهما كانت الأسباب والمغريات، ولذلك يقال: "البلد الحرام"، و"البيت الحرام"، و"المسجد الحرام". وقد كان هذا كله جزءا من حياة العرب وجغرافيتهم وتاريخهم وثقافتهم ودينهم: "وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ (بالأخذ بالثأر) إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (باقتصاص الدولة من القاتل أو بأخذ الدية منه لأولياء القتيل حسبما يختارون)" (الإسراء/ 33)، "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ (أى مكة) مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ* فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" (آل عمران/ 96- 97)، "وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا* هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ" (الفتح/ 24- 25)، "لإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ" (قريش/ 2)، "جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" (المائدة/ 97)، "وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا" (الأحزاب/ 13)، "وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود* وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ* وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ* رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (البقرة/ 125- 129)، "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ" (الحج/ 78)، "أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (التوبة/ 19)، "وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" (المائدة/ 18)، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (المائدة/ 51)، "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" (المائدة/ 69)، "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (الحج/ 17)، "لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ" (سبأ/ 15)، "وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ* فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" (العنكبوت/ 36- 38)، "قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ* قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ* وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ" (هود/ 87- 89)، "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" (الشعراء/ 192- 195)، "وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ" (يس/ 69)، "وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ" (الشعراء/ 224)، "فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ* أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ" (الطور/ 29- 30)، "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ* وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ* تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الحاقّة/ 40- 43)، "وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ" (الفَلَق/ 4)، "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ* إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" (التوبة/ 36- 37)، "إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (النمل/ 91)، "أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا" (القَصَص/ 57)، "أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ" (العنكبوت/ 67)،"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا" (المائدة/ 2)، "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ" (الإسراء/ 1). كما أبرز القرآن فى أكثر من موضعٍ تمسُّك العرب الجاهليين بما تركه لهم الأجداد والآباء من عادات وتقاليد تمسكا حديديًّا: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ" (البقرة/ 170)، "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ" (المائدة/ 104)، "بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ" (الزخرف/ 22).
    وبالإضافة إلى الوثنيين نرى القرآن الكريم يتحدث عن عقائد اليهود والنصارى مبينًا أن كلا من الطائفتين كانوا يرددون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن اليهود كانوا يقولون إنهم لن يعذَّبوا يوم القيامة إلا أياما معدودات، وأن منهم من كان يجعل عُزَيْرًا ابن الله مثلما كان النصارى يقولون إن المسيح هو ابن الله، وإن كان الأخيرون يثلِّثون الألوهية، كما أن منهم من كان يعبد مريم مع الله والمسيح. بل لقد اتخذوا من أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله يتبعون ما أدخلوه لهم فى الدين من عقائد وعبادات وشرائع ما أنزل الله بها من سلطان. كما ذكر القرآن تحريف الفريقين لكتبهم، ونَصَّ على الأطعمة المحرَّمة على اليهود وما أضافوا هم إليها مما لم يحرّمه سبحانه عليهم، وهو لحم الإبل، وأشار إلى عقيدتهم فى النبوة وأنها محصورة فى بنى إسرائيل، وزَعْمهم أن الله قد عَهِدَ إليهم ألا يؤمنوا بأى رسول إلا إذا أتاهم بقربان تنزل عليه من السماء نار تلتهمه، وأنه سبحانه لم يجعل عليهم فى غير اليهود سبيلا، ومن ثم كان من حقهم أن يسرقوهم ويخونوا أماناتهم معهم دون خوف من عقاب الله، وادعائهم أنهم قتلوا المسيح وصلبوه: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" (المائدة/ 18)، "قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (الجمعة/ 6)، "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ (أى بنى إسرائيل) قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ" (آل عمران/ 24)، "وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ* اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ" (التوبة/ 30- 31)، "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (المائدة/ 17)، "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ* لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (المائدة/ 72- 73)، "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ولا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ" (المائدة/ 116)، "وَإِنَّ مِنْهُمْ (أى من اليهود) لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" (البقرة/78- 79)، "مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ" (النساء/ 46)، "فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ (أى بنى إسرائيل) لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ* وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" (المائدة/ 13- 14)، "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" (الأنعام/ 146)، "كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (آل عمران/ 93)، "الَّذِينَ قَالُوا (أى اليهود) إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (آل عمران/ 183)،"وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب ِ(وهم يهود المدينة) آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ* وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" (آل عمران/ 72- 75)، "وَقَوْلِهِمْ (أى اليهود) إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا* بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا" (النساء/ 157- 158). ويبقى المجوس، وهناك آية قرآنية تتحدث عن التثنية فى الألوهية هذا نصها: "وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ" (النحل/ 51)، وأقرب ما يمكن أن يفد إلى الذهن هنا ثَنَوِيَّة فارس، إذ كانوا يعبدون إلهين: واحدا للنور، والآخر للظلمة. وأغلب الظن أنه كان هناك عرب يؤمنون بها متابعة للفرس.
    أستاذ بجامعة عين شمس - القاهرة

  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم..
    جزاك الله خيرا أستاذنا الفاضل وجعله الله في ميزان حسناتكم..

    تعليق

    19,958
    الاعــضـــاء
    231,904
    الـمــواضـيــع
    42,559
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X