• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • تصنيف الأصناف في تعريف أصحاب الأعراف


      يقول الحق :

      وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) الأعرف

      الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وجنده

      الآيات المباركات الأربع من سورة الأعراف هي الآيات الفريدة الوحيدة التي تتحدث عن هذه الفئة من الناس يوم القيامة والذي يظهر من السياق تأخرهم عن الناس في الفصل والقضاء وينتهي بهم الأمر للجنة مناً وكرماً ورحمة من الله رب العالمين.

      لم يرد لأصحاب الأعراف ذكرٌ في أي موضع آخر في القرآن ولم يرد نص صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعريف أولئك الناس ومن يكونون وماهو حالهم عدا حديث مرفوع ولو كان صحيحاً لما اختلف المفسرين بعده فضلاً عما يشكل عليه من إشكالات ، وجل ما نقل فيهم أقوال منسوبة لابن عباس وأقوال المفسرين تعالى.

      وقد ورد التفصيل والرأي في حال أصحاب الأعراف على أقوال شتى تجاوزت اثني عشر قولاً ، وطالماً لم يفصل في الأمر فالمجال رحب في قراءة السياق وربط معطيات الآيات الكريمة مع سواها لاستجلاء حال أولئك الناس ، ولن أغرق في تفنيد الأقوال وما يشكل عليها فبعضها بيّن التهافت والضعف كالقول بأنهم ملائكة والقول بأنهم أولاد الزنا ، أما أقواها (وهو القول بأنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فحجزوا بين الجنة والنار) فعليه مآخذ عديدة أبرزها أن الله وصفهم بقوله (رجال) ولم يرد في كتاب الله مفردة رجال لتشمل الجنسين بل في كل موضع شمل الجنسين كان يذكر رجال ونساء وبالتالي فلا يستقيم ذلك القول مع مقتضى الآيات .

      ثم بعد ذلك سأبدأ في منهج استجلاء الآيات بتتبع أحوال الناس يوم القيامة وكيف يتميزون عن بعضهم البعض ؟ ، وماهي أسس تمييز الخلق يوم العرض الأكبر ، وكيف تم تمييز أصحاب الأعراف وبالتالي استنباط سبب تمييز أولئك القوم استناداً على ما قد وصلنا من الهدي النبوي الشريف عن حال الناس يوم القيامة ، وفي الخلاصة نبين التوجيه الذي نرى صحته في حال أصحاب الأعراف بكل إقناع وتبيان إن شاء الله ، فإن أصبنا فربِّ ثوابكَ وأجريكَ ، وإن أخطأت فمغفرتك وعفوك وأجرك.

      أحوال الناس وأصنافهم يوم القيامة

      لكي نتعرف على أصحاب الأعراف يجب أن نستعرض أحوال الخلق يوم العرض بين يدي الله ، فلو علمنا حال المجرمين الذين يستكبرون عن السجود لله في الدنيا فإنهم يحرمون منه يوم القيامة فتتصل سوقهم بأفخاذهم فلا يقدرون على السجود ، فيكون حالهم متعلق بحالهم في الدنيا ، فإن قيل أن قوماً يحاولون السجود فلا يستطيعون فسنستدل على حالهم وعملهم في الدنيا بحالهم يوم القيامة.

      ولو أخبرنا عن رجل خفي حسابه عن الناس ولم يعلم أهل الموقف بذنوبه علمنا بأنه كان يستر الناس فستره الله في الآخرة ، وهكذا فإن أحوال الناس يوم القيامة يستدل بها على حالهم في الدنيا والأمثلة لذلك اكثر من أن تعد وتحصر في كتاب الله تعالى وفي الحديث الشريف عن نبيه ،ولذلك واستناداً لهذه القاعدة فإن أفضل أدوات فهم هذه الآية هو تتبع سمات أهل الأعراف وحالهم في الآخرة.

      * دلالة “سيماهم” في قصتهم

      نلحظ استعمال مفردة “سيماهم في موضعين في قصة أصحاب الأعراف ، فقد تعلقت المفردة بأصحاب النار ، وأصحاب الجنة (يعرفون كلا بسيماهم) ، وهناك فئة ثالثة تتميز من ضمن أهل النار وهم الذي قيل فيهم (وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ) وهؤلاء فيما يبدو يتميزون بسمات عن بقية أهل النار.

      * ارتباط الأعراف بالمعرفة

      ذكرت مفردة الأعراف في الآيات مرتين ومفردة (يعرفون) مرتين فكانت دلالة المعرفة في القرآن أن الجمع كلهم متعارفين يعرف بعضهم بعضاً من الدنيا وليسوا مجاهيل فلهم ببعضهم علاقة في الدنيا انعكست على موقفهم في الآخرة ، ولهم عمل في الدنيا انعكس وظهر على حالهم في الآخرة.

      سيماهم وما يعرِّفنا بهم ويعرفُّهُم بمن في الآية

      هنا نستعرض سيماهم التي ذكرت في الآيات الكريمة لنستدل على هويتهم ونعلم من أولئك الرجال فنقول وبالله التوفيق:
      أولاً : هم رجال مؤمنون من بني آدم وليس بينهم جنس غير ذلك أو خلق آخر كالملائكة وغيرهم وليس بينهم نساء وهذا واضح ثابت في الآيات الكريمة.


      ثانياً : أنهم معروفين معلومي الأسماء والهوية لأهل الجنة ولأهل النار فقد وضعوا على الاعراف لأنهم معروفين في الدنيا فعرَّفهم الله في الآخرة وأبرزهم عن سواهم لأنهم في الدنيا كانوا كذلك وقلنا أن حال الخلق في الآخرة انعكاس لحاله في الدنيا ولكن لا يحب أحد من الخلق التشهير به في يوم العرض والحساب ، فهم على الأعراف رغماً عنهم ليس لهم وسيلة للنزول إلى الناس والسير معهم ودخول الجنة (لم يدخلوها وهم يطمعون).

      ثالثاً : أنهم متأخرين في الحساب وظاهر الآيات ينبئنا بأنهم آخر من دخل الجنة ، وهنا دلالة بأنهم كانوا متقدمين في الدنيا على الخلق فأخرهم الله عن أهل المشهد في الآخرة.

      رابعاً : أن من تألى على الله وأقسم فقال ( لا ينالهم الله برحمة) قالها عنهم في الدنيا تألياً على الله فلقي عقوبة ذلك بأن دخل في ضمن أهل النار وميز بعلامة وسمات عرفها أصحاب الأعراف.


      خامساً : أن الغاية من تعريف أهل المشهد بهم ووضعهم على الأعراف ليُعرَفوا وليشهد الناس كلهم حسابهم فهذه سيماهم ، كما أن الساجدين تظهر سيماهم في وجوههم من أثر السجود في الدنيا فارتبطت السمة بسمة أخرى في الآخرة في الموضع الذي ارتبط به حال السجود وهو الوجه ، وكذلك أهل الأعراف فإن سيماهم في الأعراف التي هم عليها.

      أصحاب الأعراف ومن يكونون ؟

      استدلالا واستنباطاً مما تقدم من خلاصة مفهوم الآيات الكريمة فإن أصحاب الأعراف هم ولاة المسلمين وأئمتهم من الحكام والملوك ، فهم من ينطبق عليهم هذا الوصف:
      أولا : الحاكم الشرعي المسلم رجل ولا ينبغي أن يكون امرأة وهذا أصل فقهي لا نختلف عليه ، ولو شذ رأي بالقول بغير ذلك فهو لن يغير الواقع بأن حكام المسلمين بل وجل غير المسلمين رجال.


      ثانياً : أن هؤلاء الحكام والأئمة والولاة معروفين عند عامة الناس معلومي الهوية وقلنا أن حال الخلق يوم القيامة أن تكون سيماهم انعكاس لحالهم في الدنيا وسيما أصحاب الأعراف كانت العلو والسلطة والارتفاع عن الناس في الدنيا فرفعهم الله وعرَّفهم للناس يوم الوقوف بين يديه ولكنهم لا يملكون النزول عن الاعراف الشاهقة ليلحقوا بأهل الجنة كما كانوا يملكون النزول عن عروشهم في الدنيا.

      ثالثاً : أن تأخرهم لازم لأنهم رعاة ومسئولين عن رعيتهم فيستحيل دخول أحدهم الجنة لأحد من رعيته مظلمة عنده فينبغي أولاً سؤاله و الاقتصاص منه قبل الدخول للجنة أو للنار ، ونتيجة ذلك أنهم سيكونون آخر من يغادر أرض الموقف العظيم.

      رابعاً : أن مناوئي الحكام وأعدائهم طالما رموهم بالكفر وشتموهم وانتقصوا من دينهم وإيمانهم وكفروهم فينطبق عليهم التألي على الله وهذا من أخطر الكبائر أن يجعل الإنسان نفسه مكان الإله يحكم بجنة أو بنار ، فيدخل الله أولئك المتألين للنار ، ويمن على أصحاب الأعراف بدخول الجنة منَّاً وكرماً وعطاءً منه جلت قدرته وإلا فهم أخطر الخلق حالاً وأقربهم للعقاب لما للناس عندهم من مظالم وحقوق.

      هذا والله ولي التوفيق والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

      رابط البحث في المدونة



    • #2
      تحليل الاقوال في أصحاب الأعراف والرد عليها

      بعد أن برهنتُ وسقتُ الاستنتاجات والاستنباط بأن أصحاب الأعراف هم ملوك المسلمين وولاتهم يوم القيامة وجدت أن تفنيد الأقوال التي خاضت في مسألة أصحاب الأعراف أمر هام للغاية لبيان ضعف تلك الأقوال ومواطن تعارضها مع القرآن الكريم والحديث الشريف فنقول وبالله التوفيق:
      القول الأول : أن أصحاب الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم فجازت بهم حسناتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة وسأردُّ عليها في موضعين يكفي أولهما عن التالي ولكن للإحاطة بما يمكن الإحاطة به.
      1- أن المشار إليهم في الآية رجال ولا يوجد بينهم نساء بينما تساوي الحسنات والسيئات لا يقتصر على جنس دون سواه فقد يحدث التساوي للنساء كما هو للرجال ، وكذلك فإن القرآن الكريم يستعمل مفردة (رجال) للرجال دون النساء وكل المواضع التي تشمل الرجال والنساء نجد الآيات تفرق فتذكر الرجال ثم تذكر النساء ولا تجملهم تحت اسم واحد ، ومن الأمثلة قوله تعالى : وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32] ويقول تعالى : إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا [النساء:98] وقوله تعالى : أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل:55]
      والآية التي يحتج بها البعض أنها تحتمل التغليب وهي قوله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23] فلو تجاوزنا سبب النزول الذي يبين أن المراد هو الرجال دون النساء فإن الإشارة فيها إلى الرجال (من المؤمنين) تبعيضاً ، والمراد المؤمنين المجاهدين في سبيل الله والجهاد والقتال يكلف به الرجال من المؤمنين ولا يلزم النساء فكانت الإشارة للرجال تبعيضاً من بقية المؤمنين.

      2- يظهر من الآية أن مِن أصحاب النار من سبق منه التألي بأن هؤلاء بأعيانهم لن ينالهم الله برحمة وهذا لا شك أنه في الدنيا ففي موقف العرض كلا شغل بنفسه عن سواه والموقف موقف جزاء على أقوال وأعمال الدنيا ، فما وجه الربط بين تألِّي أهل النار على من تساوت حسناتهم وسيئاتهم ؟؟ هل علموا من الدنيا أنهم سيقفون على الأعراف ويتأخرون عن دخول الجنة واللحاق بالمؤمنين ؟؟ ومن اين لهم القول بذلك بمعنى ماهي القرينة التي تسوغ لنا فهم هذا الحوار بهذه الصورة ؟؟.

      القول الثاني : أنهم الملائكة:
      وهو قول متهافت لم يكلف قائله نفسه للبحث والاستقراء وهو قول لا يستحق الالتفات ولكني لا أستبعد أن هناك من يقول به ومقتنع بذلك :
      1-أن الملائكة مخلوقات تختلف عن جنس بني آدم فهم لا ينقسمون لرجال ونساء يقول تعالى : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9] فالملك لا ليس برجل ولكنه في حال ارسله الله فإنه يجعله يشبه رجال بني آدم.
      2-أن الملائكة مخلوقات غير مكلفة فهي لا تذنب حتى تتستوجب المغفرة وبالتالي فهي لا تطلب الجنة التي اقتصرت على المكلفين من الخلق وهما الثقلان.
      3-متى تألى أحد من الخلق بان الملائكة لا ينالهم الله برحمة ؟؟ بل إن كل ديانات الكفر تنزه الملائكة وتعظمها.
      4-أن الملائكة تدخل الجنة على المؤمنين تهنئهم بصبرهم (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (24) الرعد
      5-بعد انقضاء الحساب ودخول أهل الجنة الى الجنة وأهل النار إلى النار فحال الملائكة : وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]

      القول الثالث : أنهم أولاد الزنا

      وهذا قول لا يحتاج للكثير لبيان بطلانه فكل نفس بما كسبت رهينة ولا يؤخذ إنسان بجريرة والديه فالله حكم عدل .

      القول الرابع : أنهم الشهداء الذين خرجوا للقتال بدون إذن آبائهم فقتلوا في سبيل الله فقصر بهم عصيانهم لآبائهم عن الجنة وجاز بهم استشهادهم عن النار
      1- الفصل في ذلك لكتاب الله إذ يقول تعالى وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [آل عمران:157] فالقتل في سبيل الله جزاءه المغفرة والرحمة.
      2- السيئات التي تدون على الشهيد يغفرها الله بالشهادة يقول تعالى فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران:195]
      3- ويقول فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:74]
      4- في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ’ أن رسول الله قال : ( يُغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين )
      5- إذا كان الشهيد يشفع في سبعين من اهل بيته فكيف يشفع من بقي متخلفاً عن دخول الجنة بعد أن دخل أهل الجنة كلهم إلى الجنة ؟ عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله يقول : ( الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته ) حديث صحيح.
      6- وإن كان الشهيد العاق يقف على الأعراف فكيف بمن أذنب بالعقوق وغفر الله له من غير الشهداء ؟؟ أيدخلون الجنة قبل الشهداء ؟؟.

      القول الخامس : بأن أصحاب الأعراف هم الأنبياء.

      وقبل أن أبدا بتفنيد هذا القول سأستعرض السياق لنصل إلى حقيقة هي أن أصحاب الأعراف آخر الخلق دخولاً الجنة فيقول الحق :
      فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)
      وهنا انتهى الحساب وصدر الحكم بكفرهم بشهادتهم على أنفسهم

      قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)
      ادَّارَكُوا (أي ادرك بعضهم بعضا في النار فلحق المتأخرون بالمتقدمين إلى دركات جهنم) فأهل النار قد ولجوا النار واجتمع أولهم وآخرهم يصطرخون ويدعون بالثبور على بعضهم بعضاً.

      وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)
      فهذا الجزاء بأن يدخلون النار وتحرم الجنة عليهم حتى يستحيل عليهم دخولها جزاءً لجرمهم وكفرهم ، ويصف ربنا حالهم من فوقهم ومن اسفل منهم تلتهب عليهم جهنم فلا منفذ ولا مهرب ولا مأوى.

      وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)
      وهؤلاء اصحاب الجنة بجميع درجاتهم خالدين في جنات النعيم نزع الله الغل من قلوبهم وحمدوا ربهم على حسن الجزاء ولقاء عملهم وحسن صنيعهم في الدنيا.

      وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)
      وهنا الحوار بين أصحاب الجنة واصحاب النار يتسائلون بينهم عن وعد الله للفئتين في الدنيا وانهم وجدوا وعد الله حق بعد انقضاء الحساب ودخول الناس إلى الجنة وإلى النار.

      ثم ينتقل بنا السياق إلى الآية التالية مباشرة (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

      أولاً : فهل من المقبول أن ننسب للأنبياء أن يكونون هم اصحاب الأعراف فيتاخرون عن الخلق في الحساب ولا يدخلون للجنة إلا بعد دخول أصحاب الجنة للجنة وأصحاب النار للنار ؟؟ ونحن نعلم يقيناً أن أنبياء الله أول الداخلين للجنة وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو أول من يستفتح ابواب الجنة فيفتح له لقاء مقامهم العظيم واصطفائهم وبلاغهم للحق للأمم، روى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: "لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ ". (الأنبياءُ لا يُسألونَ هذهِ الأسئلةَ الأربعةَ، يُسألونَ لإظهارِ شَرَفِهم هل بلَّغتم ؟).

      ثانياً: أيُقبل أن يحرم الأنبياء من الدخول للجنة وهم يطمعون في دخولها (وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فهم يلقون السلام على أهل الجنة وهم خارجها فهل يعقل أن يسبق أدنى اهل الجنة أن يسبقون الانبياء ؟؟

      ثالثاً : نلحظ الخوف الشديد والخشية من دخول النار والفزع من ذلك (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) فإن كان المؤمنين من دون الأنبياء وعدهم الله بالأمن من الفزع يوم القيامة فكيف لا يأمن الأنبياء وهم أولى بالأمن من سواهم مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]

      رابعاً : لم يرد في التاريخ والسير قولاً واحداً قيل في الأنبياء بان الله لن ينالهم برحمة ، فالكفار لم يطرقوا ذلك الأمر ولا يستقيم أصلا قول كهذا في حق الأنبياء.

      خامساً : لا شك أن الأعراف ليسوا هم الأنبياء فالأنبياء أعلام لهم سورة بإسم (الأنبياء) وترتيبها (21) وعدد آياتها (112) آية فكيف يسمي سورة أخرى الأعراف إذا كانت تدل على نفس الفئة من البشر وهم أنبياء الله ورسله في حين أن لهم سورة تحمل اسم الأنبياء ؟.

      ونقتصر على الأقوال الآنفة ونختم تلخيصاً بأن أصحاب الأعراف :
      * قوم مؤمنون متأخرون في دخول الجنة
      * مشفقون خائفون فزعون من دخول النار
      * معروفون في الدنيا فعرفهم الله في الآخرة بأن جعل لهم مواضع مرتفعة لا يملكون النزول عنها
      * تألى على الله فيهم خلق كثير ، فأدخل الله من تألى عليه فيهم واقسم لا ينالهم الله برحمة أدخلهم إلى النار وغفر لأصحاب الأعراف وأدخلهم الجنة.
      وقلنا أن من ينطبق عليهم القول من أهل الدنيا هم حكام المسلمين وولاتهم ،
      * فهم معروفين لأهل النار ولأهل الجنة
      * وهم مرتفعين عمن سواهم في مواضع مخصوصة ليكون حسابهم مشهوداً وليواطئ ذلك علوهم في الدنيا ولكنهم لا يستطيعون نزولاً عن أعرافهم كما كانوا يستطيعون النزول عن عروشهم في الدنيا وهم يستطيعون ،
      *وهم سابقون في كل أمر في الدنيا فيؤخرهم الله في الآخرة.
      * لا يمكن أن يدخلون الجنة قبل رعاياهم فلكل من رعيتهم قصاص وحق ينبغي أن يقتصه من الحاكم
      عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
      ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))
      [أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر]
      فالمسئولية ليست عن عدد قليل بل عن كل رعيته وهذا يستلزم البقاء حتى زوال من سواه من أرض الموقف العظيم.
      * ولهم من المناوئين والأعداء من يكفرهم في الدنيا ويحكم بأنهم في النار متألياً على الله.
      * ويقترن الولاة بوفرة المال والغنى وهذا يستلزم حساباً يطول كل ما زاد المال اتفاقاً مع ما رواه ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: "لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ ".

      وإذا تلمسنا حال الأغنياء يوم القيامة في الحديث الشريف روى مسلم في (صحيحه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله - -: ((إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفاً)). (1)
      وروى الترمذي عن أبي سعيد (2) ، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - -: ((فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة)) (3)
      وقد بيّن الرسول - - في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في (مستدركه) عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله - -: ((أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلها الناس)) (4) وفي (صحيح البخاري) عن أسامة بن زيد عن النبي - - قال: ((قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار)).

      فإن كان هذا التأخر عن دخول الجنة حال الأغنياء المؤمنين فكيف بالحكام والولاة الذين جمعوا الغنى والمسئولية عمن ولاهم الله عليهم من الناس ؟؟


      هذا والله أعلى وأعلم وصلى الله على محمد وىله وصحبه وسلم

      تعليق


      • #3
        لقول الخامس : بأن أصحاب الأعراف هم الأنبياء.

        وقبل أن أبدا بتفنيد هذا القول سأستعرض السياق لنصل إلى حقيقة هي أن أصحاب الأعراف آخر الخلق دخولاً الجنة فيقول الحق :
        فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)
        وهنا انتهى الحساب وصدر الحكم بكفرهم بشهادتهم على أنفسهم

        قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)
        ادَّارَكُوا (أي ادرك بعضهم بعضا في النار فلحق المتأخرون بالمتقدمين إلى دركات جهنم)فأهل النار قد ولجوا النار واجتمع أولهم وآخرهم يصطرخون ويدعون بالثبور على بعضهم بعضاً.

        وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)
        فهذا الجزاء بأن يدخلون النار وتحرم الجنة عليهم حتى يستحيل عليهم دخولها جزاءً لجرمهم وكفرهم ، ويصف ربنا حالهم من فوقهم ومن اسفل منهم تلتهب عليهم جهنم فلا منفذ ولا مهرب ولا مأوى.

        وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)
        وهؤلاء اصحاب الجنة بجميع درجاتهم خالدين في جنات النعيم نزع الله الغل من قلوبهم وحمدوا ربهم على حسن الجزاء ولقاء عملهم وحسن صنيعهم في الدنيا.

        وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)
        وهنا الحوار بين أصحاب الجنة واصحاب النار يتسائلون بينهم عن وعد الله للفئتين في الدنيا وانهم وجدوا وعد الله حق بعد انقضاء الحساب ودخول الناس إلى الجنة وإلى النار.

        ثم ينتقل بنا السياق إلى الآية التالية مباشرة (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

        أولاً : فهل من المقبول أن ننسب للأنبياء أن يكونون هم اصحاب الأعراف فيتاخرون عن الخلق في الحساب ولا يدخلون للجنة إلا بعد دخول أصحاب الجنة للجنة وأصحاب النار للنار ؟؟ ونحن نعلم يقيناً أن أنبياء الله أول الداخلين للجنة وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو أول من يستفتح ابواب الجنة فيفتح له لقاء مقامهم العظيم واصطفائهم وبلاغهم للحق للأمم، روى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله قالَ: "لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ ". (الأنبياءُ لا يُسألونَ هذهِ الأسئلةَ الأربعةَ، يُسألونَ لإظهارِ شَرَفِهم هل بلَّغتم ؟).

        ثانياً: أيُقبل أن يحرم الأنبياء من الدخول للجنة وهم يطمعون في دخولها (وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) فهم يلقون السلام على أهل الجنة وهم خارجها فهل يعقل أن يسبق أدنى اهل الجنة أن يسبقون الانبياء ؟؟

        ثالثاً : نلحظ الخوف الشديد والخشية من دخول النار والفزع من ذلك (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) فإن كان المؤمنين من دون الأنبياء وعدهم الله بالأمن من الفزع يوم القيامة فكيف لا يأمن الأنبياء وهم أولى بالأمن من سواهم مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]

        رابعاً : لم يرد في التاريخ والسير قولاً واحداً قيل في الأنبياء بان الله لن ينالهم برحمة ، فالكفار لم يطرقوا ذلك الأمر ولا يستقيم أصلا قول كهذا في حق الأنبياء.

        خامساً : لا شك أن الأعراف ليسوا هم الأنبياء فالأنبياء أعلام لهم سورة بإسم (الأنبياء) وترتيبها (21) وعدد آياتها (112) آية فكيف يسمي سورة أخرى الأعرافإذا كانت تدل على نفس الفئة من البشر وهم أنبياء الله ورسله في حين أن لهم سورة تحمل اسم الأنبياء ؟.
        اريد هنا ان ارد عليك
        اولا: من قال ان اصحاب الاعراف الذين يدخلون الجنة اخر الخلق فليس الاعراف هنا بمعنى مكان مرتفع كسور او جبل شاهق انما هو المقام العالي والمقام الذي خصص لخيرة البشر من الانبياء والمرسلين وهذا المقام في الجنة
        ثانيا : قوله تعالى وهم يطمعون المقصود به اهل الجنة فهم على اعتاب دخول الجنة وهم يستعجلون دخولها وليس المقصود اصحاب الاعراف الذين فعلا هم في المفام العالي في الجنة
        ثالثا : قوله تعالى واذا صرفت ابصارهم ايضا هذه الاية تتحدث عن اصحاب الجنة فهم يرون اصحاب النار وما هم فيه وهم مشفقون منها يدعون ربهم ان يبعدهم عن القوم الكافرين وهم في طريقهم لدخول الجنة
        رابعا : الله سمى اكثر من سورة بيوم القيامة مثل الممتحنة والتغابن والقيامة فلا مانع من تسمية سورتين الانبياء مع ان كل سورة لها مواضيهعا الخاصة بها
        خامسا : نلاحظ ان اهل الاعراف يخاطبون اهل الجنة ويخاطبون اهل النار حتى انهم يطلبون من الذين استضعفوا في الارض من امن منهم ان يدخلوا الجنة في موقف مخيف الكل يترقب فيه والكل فزع خائف والله سبحانه اخبرنا بكتابه العزيز ان كل خائف لا تسمع الاهمسا
        ايضا انت تقول هم ولاة الامور فهناك انبياء كانوا ولاة امور المسلمين مثل محمد والخليفة داوود وسليمان وغيرهم وايضا كثيرا من الصالحين والصديقين امثال ابي بكر وعمر فهل هؤلاء ستاخرون في دخولهم الى الجنة

        تعليق


        • #4
          اخي الكريم لو قرأت ما كتبتُ لوجدت إجابة ما اشكل عندك وأقول :

          اولا: من قال ان اصحاب الاعراف الذين يدخلون الجنة اخر الخلق فليس الاعراف هنا بمعنى مكان مرتفع كسور او جبل شاهق انما هو المقام العالي والمقام الذي خصص لخيرة البشر من الانبياء والمرسلين وهذا المقام في الجنة
          الله تعالى هو من قال :

          وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ [الأعراف:46]
          فبين أصحاب الجنة وأصحاب الأعراف حجاب ، وأصحاب الجنة قد دخلوا الجنة ، وأصحاب الأعراف حرموا منها ولم يدخلوها برغم أنهم يطمعون في دخولها فكيف تقول أنهم الانبياء مخلفين خلف الناس يطمعون ان يدخلوا الجنة ولم يحصل لهم ما يريدون.


          ثانيا : قوله تعالى وهم يطمعون المقصود به اهل الجنة فهم على اعتاب دخول الجنة وهم يستعجلون دخولها وليس المقصود اصحاب الاعراف الذين فعلا هم في المفام العالي في الجنة
          من قال هذا ؟؟ فالقرآن يخالفك فالله تعالى يثبت أن أن المخاطبين (أصحاب الجنة) دخلوا الجنة وليسوا على اعتابها لأن أهل النار يستغيثون يطلبونهم الماء فلو كانوا خارج الجنة فكيف يستغاثون ؟؟ ويردون بان الله حرمهما على الكافرين
          وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)


          ثم أن الذين خارج الجنة هم اصحاب الأعراف لأنهم دخلوا في آخر الأمر حين قال ربنا لمن تالى عليه :
          أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)
          فأخلف الله تعالى ظن الجماعة المعذبين بتأليهم حيث أقسموا لا ينال الله اصحاب الأعراف برحمة فرد الله قولهم وتأليهم في نحورهم وأدخلهم الجنة نكاية فيمن تألى وليس لأعمالهم الصالحة فظهر جلياً بأن هؤلاء القوم كان هناك من يقطع بكفرهم ويتألى الله بعذابهم ، فقل لي بالله عليك أي من الأنبياء اقسم عليه بأن الله لا يناله برحمه ؟؟؟؟؟؟؟


          من المناسب والمفيد أن تعيد قراءة البحث وسياق الآيات سباقها ولحاقها حتى تستطيع فهمها على وجه دقيق ، أعاننا الله وإياكم على فهم كتابه على الوجه الذي يرضيه.

          تعليق


          • #5
            اليوم لا أوافقك بالرأي
            اطلع على رأي أبو عرفة
            ------------------------

            ..
            ما هي الأعراف, ومن هم هؤلاء الرجال؟.
            صلاح الدين ابراهيم أبو عرفة
            إنها من المسائل العظيمة المشكلة, وليس أدل على إشكالها ما دار حولها, وما كتب فيها, وكم وقف عندها العلماء المؤولون!.
            فما هي, وعلى ماذا نحن الآن منها, بعد الأخذ والرد, والبحث والجد, ولم استقر الجمهور على ما استقروا عليه, وماذا عندهم من البينة والبرهان؟.
            وأعزم ما أبدأ فيه, ما نقل في مصنف ابن أبي شيبة عن علي أن قال: أعزِم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه, فإنما هلك الناس حيث يتبعون أحاديث علمائهم, ويتركون كتاب ربهم!.
            فأجعل قوله رضي الله عليه حجة في الفهم البالغ الأصيل, على كل من يحاججنا بكلام أحد من الناس, فيجعل ما استقر عليه الناس حجة علينا, كما حجة الله والرسول سواء بسواء, لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
            إنها بحق من عظيم المشكل, وما في تفاسير الناس لا يطمئن إليه القلب!.
            كيف نعقلها إذا, وما المشكل فيما عليه الجمهور؟.
            قبل أن نجيب نقول: إن ما عليه الجمهور أن الأعراف هي السور المضروب بين الجنة والنار, وأن رجال الأعراف هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم, فلم تبلغهم هذه الجنة, ولم تبلغهم هذه النار. فيوقفون على الأعراف بعدما يقضى بأهل الجنة إلى الجنة, وأهل النار إلى النار, حتى ينظر الله في أمرهم فيقضي فيهم!.
            وترك العلماء أقوالا آخرى, منها أنهم الملائكة, ومنها أنهم أبناء الزنى, ومنها أنهم النبيون, فسبحان الله في التفاسير, أيختلط عليها الأمر بين النبيين, وأبناء الزنى؟!.
            أما الذين قالوا: هم النبيون, أو هم الملائكة, فإنما كان قولا مجردا من البينة والدليل, ولم يتعد الرجم بالظن والتخريص, ولا يدين المؤمنون لظن ولا لشك.
            والحق أن ثمة مسأله يجب الوقوف عندها, وهي ما نتناقله من أن هذا قول الجمهور, فمتى يكون الرأي رأي الجمهور بحق؟!.
            ذلك أن كثيرا مما في التفاسير, هو أخذ رجل عن رجل, ونقل الواحد عن الآخر, فتبدأ بابن عباس مثلا, فيحمل القول نفسه مائة مفسر, فيصلنا نحن على أنه قول الجمهور, وهذا ليس بعدل ولا بحق, فإنما هذا قول إمام واحد, وألف ناقل, فلن يعدو أن يبقى قول إمام واحد!.
            أما قول الجمهور بحق, فهو أن ندفع بالمسألة الواحدة لمائة إمام, فينظروا فيها كل على حدة, ثم يقول كل بقوله, فإن قال أغلبهم برأي واحد متفق, دون أن يسمعه من الآخر, فذلك المتفق الغالب, هو قول الجمهور, فلننظر ولنتحسّب. قل إنما أعظكم بواحدة, أن تقوموا لله مثنى وفرادى, ثم تتفكروا.
            لم يصح في الأعراف حديث عن رسول الله
            فما في التفاسير اجتهاد وحسب!.
            من هنا نبدأ, ومن هنا نجتهد. وما روته التفاسير من أحاديث عن رسول الله في قصة أصحاب الأعراف, لم تٌقبل عند أحد من المحققين الثقات في الحديث.
            وأظهر دليل على هذا, أن الأئمة الأعلام اجتهدوا رأيهم منذ العهد الأول, فلو ورد في الأعراف حديث, لما اجتهدوا, ولوقفوا عنده!.
            قال الشيخ الألباني في مقدمة الترغيب والترهيب:
            «وجملة القول: إننا ننصح إخواننا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، أن يدعوا العمل بالأحاديث الضعيفة مطلقاً.
            فقد قال عليه الصلاة والسلام:
            «كفى بالمرء كَذِباً أن يحدّث بكلّ ما سمِع».
            أين الخلل فيما في التفاسير, ولِمَ لا نطمئن إليه؟.
            أولا: كل ما عليه المؤمنون جميعا, بسلفهم وخلفهم, مما تواتر عن ربنا ورسوله, أن الآخرة منزلان وحسب, فإما إلى جنة وإما إلى نار فريق في الجنة وفريق في السعير.
            وأن أهل الآخرة أزواج ثلاثة, لا رابع لهم, أصحاب الميمنة, وأصحاب المشأمة, والسابقون المقربون, فمن أين أتى من أتى بالزوج الرابع فابتدع له منزلة وأوقفهم عليها؟.
            ثانيا: تواتر عند المؤمنين جميعا, بنص الكتاب القاطع والحديث الصحيح, أن الموازين يوم الحشر على اثنتين, إما أن تثقل وإما أن تخف, فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية, وأما من خفت موازينه فأمه هاوية, ولم يرد من الصحيح القاطع منزلة ثالثة, من مثل الذي يقول به أهل التأويل الأول, بأن ثَمّة منزلة وسط يوقف عليها من تساوت حسناته وسيئاته, وتلك عندهم هي الأعراف!.
            بل تواتر من كتاب ربنا وحديث نبيه, ما يرد ذلك كله, من رحمة الله التي تسبق غضبه, وعفوه وتجاوزه الذي يغلب أخذه وعقوبته, وحلمه ومغفرته وجوده وكرمه, هذا كله وهذه الآية الدامغة إن الله لا يظلم مثقال ذرة, وإن تك حسنة يضاعفها.
            هذا, وما صح وتواتر من عفو الله العظيم عن إخراج الله لأقوام من النار لم يعملوا خيرا قط, يضعهم في الجنة, ثم قبوله للشفاعة لأهل الكبائر والموبقات, فمن يتصور بعد هذا كله, وهذه الرحمة كلها, أن الله يوقف عبدا أعوزته حسنة واحدة؟!.
            فإن كان لهذا العبد بضع حسنات, فضاعفها الكريم الجواد الرحيم له حتى تساوت مع سيئاته, أيتركه من أجل حسنة واحدة, وهو الذي يغفر الذنوب جميعا؟!.
            وقد صح من حديث النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلا ممن كان قبلنا حوسب, فلم ير له من الخير شيء قط, غير أنه كان موسرا وكان يخالط الناس, وكان يأمر غلمانه أن يتجاوزوا عن المعسر, فقال الله: نحن أولى بهذا منه, تجاوزوا عنه!.
            فهذا حال الله مع من ليس له حسنة قط, فكيف به مع من أعسر عن حسنة واحدة؟.
            ثم لو كان الذي قالوه من عند رسول الله لآمنا وتركنا قولنا ورأينا, أما ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام بما قالوا, فما نعلمه عن ربنا خير مما يقولون.
            فمن أين بدأ اللبس والإشكال؟.
            لعل ما يتلوه الناس من سورة الأعراف وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال, وما يتلونه من سورة الحديد فضرب بينهم بسور له باب, ذلك هو الذي لبس على من قال بالقول الأول فهمه. بيد أن ظاهر النص ليس معهم, فالآية تتحدث عن حجاب وعن أعراف, كل على حدة, وهذا شيء, وذلك شيء, فكيف جعلوه شيئا واحدا؟, وجعلوا الأعراف هو الحجاب وهو السور؟, وإنما يصح ما قالوا لو كانت الآية هكذا وبينهما حجاب وعليه رجال, أما الآية الحق فتخالف مذهبهم.
            السورة وسياقها, والآية وتعريفها, أعظم مما يقولون..
            فما الأعراف إذا؟.
            الأعراف بلسان العرب, هو المكان العالي المشرف المطل, ومنها عرف الديك, لعلوه وارتفاعه.
            وكل مسميات الله في كتابه ذات حكمة وسداد, فإنما سميت الجنة لوظيفتها, في الستر والنعيم, فنقول عليين لعلوها وشرفها, ونقول باب الريان جزاء لمن صام فظمأ وجف عِرقه, ونقول الحطمة لما تحطمه وتهدمه مما يجمع الناس ويكنزون, وكذلك اللظى والسعير والجحيم, كل واحدة منها يتفق اسمها مع مسماها, وما خلقت له.
            فلماذا سميت الأعراف بما سميت به؟.
            ونحن سميناها أم الله؟.
            وإن كانت الجنة لما نعلم عنها, والنار لما نعلم عنها, فكيف تكون الأعراف –على اعتبار وجوب اتفاق الاسم مع المسمى لأجله- كيف تكون الأعراف لما يقولون؟.
            منزل عال مشرف مطل, ما له ولمن تساوت حسناته وسيئاته؟!.
            رجل مقصّر في الدنيا, قليل عمل الخير والإحسان, لِمَ يُرفع يوم القيامة على الأعراف؟!.
            أما الله فلم يقل بهذا, ولم يرفعه على الأعراف, إنما الناس من قالوا, وإنما الناس من رفعوه.
            أليس يُبعث كل عبد على ما مات عليه, كما صح عن رسول الله؟, ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى, وآتيناه في الدنيا حسنة, وإنه في الآخرة من الصالحين. فكما كان هذا المقصر في الدنيا, غير آبه ولا منافس, فكذلك هو في الآخرة, لا يؤبه به ولا يكرم, فكيف يرفع مكانا عليا؟.
            وهذا الحديث الصحيح للنبي عليه الصلاة والسلام, يوحي بالكثير من مثل هذا: أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة.
            فمن أولى بالمعروف في الدنيا من الرسل الكرام؟.
            فلنقرأ آيات الأعراف ولنعقلها عن ربنا كما أنزلها!.
            ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار, أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا, فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا, قالوا نعم, فأذن مؤذن بينهم, أن لعنة الله على الظالمين, الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون, وبينهما حجاب, وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم.
            من هنا بدأ الاشكال, فقد ظن من قال بالقول الأول, أن الواقع في الآيات من المناداة والرد, كان بعد دخول أصحاب الجنة الجنة, وأصحاب النار النار!.
            والظاهر والأحاديث يرد هذا الفهم كله. أولها أن بينهما حجاب أظهر أن تكون بين المتنادين من الفريقين, لا بين الجنة والنار, فمن ذا الذي يقول أن الجنة والنار على أفق سواء؟, وإذا كانت الجنة درجات بعضها فوق بعض, أثم تكون النار بحدها وجانبها؟.
            فهذا الحدث, وهذه المناداة كلها في العرض والحشر, وقبل دخول الجنة والنار, وعلى رأس ما زلّت به كتب العلماء الأولين المرتضين, أن جعلوا المناداة بين الفريقين بعد الدخول!.
            وهذا دليلنا على ما نقول....
            آية سورة هود خير شاهد واصدق دليل, ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا, أولئك يعرضون على ربهم, ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم, ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا, وهم بالآخرة هم كافرون. فكم تتشابه الكلمات التي سطّرنا تحتها مع كلمات آية الأعراف السابقة, والآية صريحة بأن هذا يوم العرض, وقبل الدخول.
            ثم حديث النبي في الصحيح من أن الله يدني المؤمن فيقربه حتى يضع عليه كنفه, ويقرره بذنوبه, حتى إذا ظن العبد في نفسه أنه هلك, قال الله: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم –وليقارن القارئ بين هذا النص في المغفرة, وبين من يقول بمن تتساوى حسناتهم وسيئاتهم دون أن تدركهم الرحمة-, ثم قال عليه الصلاة والسلام: وأما المنافقون والكافرون, فيقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم إلا لعنة الله على الظالمين.
            فهذا حديث النبي الصريح فيما يجري يوم العرض, وهذا استدلاله واستشهاده بآية هود!.
            لنرجع إلى الأعراف!.
            الآية بالغة دامغة لا لبس فيها, وعلى الأعراف رجال يعرفون, وليس على الأعراف رجال متساوون!. فالأعراف للمعرفة, الأعراف للمعرفة, الأعراف للمعرفة, لا للتساوي.
            الأعراف, منزلة مشِرفة مشرَّفة عالية, عليها رجال يعرفون كلا بسيماهم, وأفرد الله لها سورة عظيمة طويلة في أول القرآن!..
            فنسألكم بالله الذي أنزل الكتاب, إن علمتم هذا, ولم تقرأوا قول أحد من قبل ولم تقرأوا تفسيرا, غير ما تقرأون من كلام الله هذا, كأنما أخذتم الآيات لتوكم من فم النبي الطاهر, فمن منا يقول: إنهم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم؟.
            أجزم أن لا يقول بها منصف متدبر!.
            قبل أن نمضي في التدبر والنظر, لنرجع إلى أول سورة الأعراف معتمدين على منهجنا الأول بالاستناد إلى البناء الموحد للسور, وانسجام السياق, فماذا نجد؟.
            فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين, فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين, والوزن يومئذ الحق, فمن ثقلت موازينه فؤلئك هم المفلحون, ومن خفت موازينه فؤلئك الذين خسروا أنفسم بما كانوا بآياتنا يظلمون.
            فلنسألنّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين, هذا مرادنا, أن الناس يوم العرض فريقان, مرسَل ومرسَل إليه, والمرسل إليه أنفسهم فريقان, أصحاب الجنة وأصحاب النار.
            فمن منا يظن أن الله سيوقف موسى بن عمران بجانب فرعون وهامان, ويوقف محمدا عليه الصلاة والسلام بجانب أبي جهل وأبي بن خلف؟.
            بل لن يجمع الله أقل المؤمنين إيمانا, مع أقل الفاجرين فجرا, وامتازوا اليوم أيها المجرمون, فها هي الآية صريحة جلية, تمايز عادل بين المؤمنين والكافرين من الفريق المرسل إليه.
            وفي المؤمنين درجات, منهم الصديقون, ومنهم الشهداء, ومنهم من دون ذلك, ومنهم, من تداركته رحمة الله من عوام المؤمنين..
            فأين الفريق الأول, وأين الرسل الكرام؟.
            لا جرم أن لهم الأعراف وأنهم مكرمون, إنهم هم أهل المنزلة الرفيعة المشرفة العالية لا شك, لا من تساوت حسناتهم وسيئاتهم, ولو أننا لم نسمع بمثل هؤلاء أصلا, إنما هي صنيعة الناس, وإن قال بها الصالحون الأولون, فكلهم جميعا لا يعدلون بمحمد عليه الصلاة والسلام, وإنما الحجة في قوله وحسب!.
            رجال يعرفون كلا بسيماهم, لعمرو الله, ما الذي رفع المقصرين على الأعراف, وما الذي جعل الجاهلين يعرفون كلا بسيماهم؟, لعمرو الله ذلك قول الناس, لا قول الله ولا رسوله.
            رفعوا على الأعراف وعرفوا, كلا بسيماهم..
            فشهدوا على هؤلاء وهؤلاء..
            فمن هم هؤلاء الأشهاد؟.
            إنهم الذين تلونا ذكرهم من قبل في آية هود ويقول الأشهاد, إنها يسيرة إذا رجعنا إلى كتاب الله لنقرأ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد, وجئنا بك على هؤلاء شهيدا!. إنهم هم الرسل بلا ريب.
            كلا بسيماهم, يُعرف المجرمون بسيماهم, إنها بلا شك عرصات العرض, يوم تبيض وجوه وتسود وجوه, فيعرف كل بسيماهم, ويعرف النبي أمته بسيماهم, غرّا محجلين, في نواصيهم وأقدامهم, ويعرف المجرمون بسيماهم فيأخذ بالنواصي والأقدام.
            المشكل الثاني
            ونادوا أصحاب الجنة, أن سلام عليكم, لم يدخلوها وهم يطمعون.
            فقد نقلت إلينا التفاسير, أن أصحاب الأعراف ينادون أصحاب الجنة بعدما دخلوا جنتهم, متحسرين على حالهم هم على ما قصّروا, فلم يدخلوها وهم يطمعون!.
            وقلنا من قبل, إن الآيات والحديث, تخالفان هذا, فالمناداة كانت في العرض, وقبل الدخول. ولكن لماذا لم يدخلوها وهم يطمعون؟, ومن هم الذين لم يدخلوها وهم يطمعون؟.
            على سياقنا الأول والانسجام الموضوعي, فالذين لم يدخلوها وهم يمطمعون, هم أصحاب الجنة أنفسهم, لا أصحاب الأعراف, فقد اتفق لنا أنه لم يدخل أحد منزله بعد, وها هم أصحاب الأعراف الأشهاد يعرفون أصحاب الجنة من بين أهل العرض فيشهدون لهم, ويثبتونهم ويؤمنونهم, وهم لم يدخلوها بعد وهم يطمعون, على ما ظهر لهم من البشارة والتثبيت. فمن ابيض وجهه, وأوتي كتابه بيمينه, طمع بالجنة, إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين, فهذا طمع على ما سلف, وطمع على ما ظهر من التبشير.
            وعلى الأعراف رجال..
            أليس هناك نساء تساوت حسناتهم وسيئاتهم؟!
            قد يقول قائل: إنها خرجت مخرج الغالب, كون عامتهم من الرجال.
            فنقول وما أدراكم, ولم يكونون كذلك, ولم لا يتساوى الرجال والنساء في الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم, فكلاهما أهل معصية وذنب؟.
            وقد يستدل من يقول بإنها خرجت على الغالب, بآية سورة النور يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال, فيقول: ألا يسبح فيها النساء؟, فيستدل بها على الغالب!.
            فنقول إن الآية حقا حصرت في الرجال وحسب, ولم يرد بها غيرهم, فقد أتبعها الله بسِمة لازمة للحال التي عليها استحقوا الثناء, فكانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع, فهل هذه للنساء اللواتي يتركن البيوع والصفقات بالاسواق, فيسارعن إلى المساجد؟.
            ومثل هذا الدليل, حديث النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح, عن صلاة الجماعة, أن قال :ثم أخالف إلى رجال في بيوتهم فأحرّق عليهم بيوتهم, فهل أراد بالرجال الرجال والنساء, إم الرجال وحسب, إذ الأمر بصلاة الجماعة واقع على الرجال دون النساء!.
            المشكل الثالث
            وإذا صُرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين.
            فقد أولها المؤولون الأولون, أنها دلالة تقصيرهم وآية اعترافهم بذنوبهم, فهم يتحاشون النظر إلى ما يستحقون, فتُصرف أبصارهم جبرا وقسرا حتى يقرّعوا ويذكروا بما فرطوا وأجرموا!.
            وهذا أيضا لا يصح, ولا يتفق مع تسلسل السياق والموضوع, فليس كل من يصرف بصره إلى العذاب أهل للعذاب!, ثم من أين أتوا بأنهم يتحاشون النظر, فتصرف أبصارهم قسرا, إليها؟!.
            بل هي سنة الله وتأديبه لهذه المواطن والظروف, فاقرؤها في حال النبي العظيم محمد عليه الصلاة والسلام من سورة المؤمنون قل رب إما تريني ما يوعدون, رب فلا تجعلني في القوم الظالمين!, فمن يجرؤ أن يقول: إن الله أمر النبي بهذا لأنه مَنََّ عليه ونجاه مما يستحق؟, حاش لله!.
            ثم إن صُرفت لا تجزم أبدا أن صاحبها كان يغالب نفسه ألا يرى فيغلب عليها, بل قد تكون في حال آمن تنظر أمامك, فيصرف بصرك يمنة أو يسرة, فترى ما شاء الله أن ترى.
            من هم هؤلاء.. حتى يثبتوا هؤلاء, ويبكّتوا هؤلاء
            ويقضوا بهؤلاء؟!.
            ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم, قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون, أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة, أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
            ما هذا العلو, وما هذه الرفعة, وما هذه المنزلة المكينة, ومن هم هؤلاء الذين يتكلمون من عال, يوم تخرس الألسن فلا تسمع إلا همسا لا يملكون منه خطابا, إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا, فلم يأذن الله لمحمد عليه الصلاة والسلام, واذن للأراذل من الناس, فسكت النبي وقالوا هم صوابا؟!.
            لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون, لم نسمعها من قبل إلا من الله أو ملائكته الكرام, فكيف صارت هنا من قول الأراذل المقصّرين؟!.
            بعد هذا العرض, وهذه الشهادات, يدخل الناس منازلهم.
            ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله.
            الآن صار أصحاب الجنة في الجنة وصار أصحاب النار في النار, بعدما شهد الأشهاد, وقضى أصحاب الأعراف, فهل يكونون هم الأرذلين المقصرين, أم الرسل الكرام؟!.
            إنهم هم الرجال بحق, وهم أولى بها وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي أليهم.
            إضافة أخيرة
            لم يرد مفرد الأعراف في القرآن كله إلا مرتان, مرة في آخر سورة الأعراف نفسها خذ العفو وأمر بالعرف, فكانت هنا متعلقة بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام. فعلى رأس الآمرين بالعرف يكون الرسول.
            ثم في سورة المرسلات والمرسلات عرفا, وعلى اختلاف المفسرين على المراد بالمرسلات, إلا أن تعلقها الظاهر الجلي بالعرف أجلى من التبيان, فالعلاقة بالغة بليغة بين الرسالة والعرف!.
            فأصحاب الأعراف هم الرسل الكرام المقربون, وهم الأشهاد, بما يظهر لنا من كتاب الله, لا من كلام الناس, ولا حجة بيننا وبين ربنا غير رسله!.
            لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
            فالله الله بيننا وبينكم, أن نقرأ كتاب الله كأنما نزل لتوه, وكأنما نأخذه غضا من فم المبلغ الأمين محمد عليه الصلاة والسلام, ولو كان ما يقولون ويفسرون حقا ملزما, كلازم الكتاب والحديث, فقد ابتدعوا على الله ورسوله الباطل.
            ولو كان عبد يسمع هذه الآيات من فم النبي, ولم يكن يومها تفسير ولا تأويل, وكان يتلى يومها في الناس اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي, فبأي التفاسير نلزمه, وعلى أيها نحمله؟!.
            فاللهم إني أشهد, ومعي من المؤمنين كثير, أن نبيك محمدا عليه الصلاة والسلام, ترك الدنيا ولم يبْلُغنا أنه قال في الأعراف شيئا, وبلّغ عنك ما أمرت من الكتاب كله, فترك فينا كتابك وحديثه, فجاء رجال من الناس فاجتهدوا من عند أنفسهم, فحمله الناس عنهم, وآمنوا بما قالوا, وألزموا الناس به, وجعلوه دينا مفروضا, كدينك الذي أنزلت, ونبيك الذي أرسلت!.
            فاللهم لا رب لي سواك, ولا نبي غير محمد عليه الصلاة والسلام, ولا حجة في قول أحد بعده لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فالحمد لله وكفى.
            فاللهم هذا كتابك, وهذا حديث نبيك, حجتك علينا, وحجتنا عندك, ولا ندين لغير هذا, كائنا من كان, على أن لا إله إلا الله محمد رسول الله, فاقبلها منا وثبتنا عليها, إذا زاغ الناس وبدلوا.
            اللهم إني أبرأ إليك من كل كتاب غير كتابك, ومن كل حديث غير حديث نبيك, ومن كل قول للناس لست في أوله وآخره, كائنا من كان.
            اللهم إن كان هذا حقا فأجرني عليه, وإن كان باطلا فاعذرني عليه.
            ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.



            ملاحظة أظن أنه أيضا حين نادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء
            أيضا في أرض المحشر
            لأنه حوض الكوثر في أرض المحشر
            والله أعلم
            قال الله : وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ا

            أنه نهر في الجنة أعطاه الله لنبيه وهذا المعنى هو المراد في قوله تعالى : ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ) الكوثر/1 ، كما فسره النبي بذلك كما روى مسلم في صحيحه ( 607 ) عن أنس قال : " بينما نحن عند النبي إذ غفا إغفاءة , ثم رفع رأسه متبسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال : نزلت علي سورة . فقرأ . بسم الله الرحمن الرحيم . ( إنا أعطيناك الكوثر إلى آخرها ) , ثم قال : أتدرون ما الكوثر ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير , وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة "

            ومن حمل هم الناس والأمة يوم القيامة فهذا تفريج من الله لهم النبي بأن الله سيطعم المؤمنين يوم القيامة ويسقيهم
            فعلى الكوثر خير كثير J
            المعنى الثاني :
            أنه حوض عظيم ـ والحوض هو : مجمع الماء ـ يوضع في أرض المحشر يوم القيامة ترد عليه أمة محمد . وهذا الحوض يأتيه ماؤه من نهر الكوثر الذي في الجنة ، ولذا يسمى حوض الكوثر والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه ( 4255 ) من حديث أبي ذر " أن الحوض يشخب ( يصب ) فيه ميزابان من الجنة " وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها " كما قال ذلك ابن حجر في الفتح ( 11 / 466 ) . والله أعلم .



            وقد ورد في السنة الصحيحة ذكر صفات النهر الذي في الجنة والحوض الذي في أرض المحشر فمن صفات نهر الكوثر الذي في الجنة :
            ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس عن النبي قال : "بينا أنا أسير في الجنة ، إذا أنا بنهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك قال : فضرب الملك بيده ، فإذا طينه أو طيبه مسك أزفر "
            وفي المسند ( 12084 ) عن أنس عن النبي أنه قال : " أعطيت الكوثر ، فإذا هو نهر يجري على ظهر الأرض ، حافتاه قباب اللؤلؤ ، ليس مسقوفاً فضربت بيدي إلى تربته ، فإذا تربته مسك أذفر ، وحصباؤه اللؤلؤ " وصححه الألباني في الصحيحة ( 2513 )
            وفي رواية عنه في المسند أيضا ( 12828 ) ‏ أَنَّ النَّبِيَّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏سُئِلَ عَنْ ‏ الْكَوْثَرِ فقَالَ : " ذاك نهر أعطانيه الله يعني في الجنة أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزر ( الإبل ) قال عمر إِنَّ تِلْكَ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ فقال رسول الله : "أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا يَا ‏‏عُمَر " ‏وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 3740 )
            وأما صفات الحوض الذي في أرض المحشر فمنها :
            ما رواه البخاري ( 6093 ) ومسلم ( 4244 ) عن عبد الله بن عمرو أنه قال : ‏قَالَ النَّبِيُّ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "‏ حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبدا " ‏ ‏ ‏ ‏
            وفي صحيح مسلم ( 4261 ) عن ‏أَنَسٌ‏ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "‏ ‏تُرَى فِيهِ ‏أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السماء " ‏َو في رواية : " أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ "
            وفيه أيضا ( 4256 ) ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْبَاَن أن النبِيَّ‏ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏َسُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ ؛ فَقَالَ : " أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ ‏يَغُتُّ ‏( يصب ) ‏فِيهِ ‏مِيزَابَانِ ‏ ‏يَمُدَّانِهِ ‏ ‏مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالآخَرُ مِنْ ‏ ‏وَرِق (فضة ) "

            ومنه فحوض النبي يوم القيامة غير الكوثر أو أن الكوثر يصب به والله أعلم نحتاج لدليل
            وأحاديث الحوض لا شك في تواترها عند أهل العلم بأحاديث الرسول ، فقد رواها عن النبي أكثر من خمسين صحابيا

            لقد أجاب الرسول على هذا السؤال إجابة واضحة شافية حتى لا يبقى لمعتذر عذر ، ولا لمتقاعس حجة فقد روى مسلم في صحيحه ( 367 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ : " السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا" قَالُوا : أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَال :َ" أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ " فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : " أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ " قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلا هَلُمَّ فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا "
            وهذه أيضا معرفة بالسمة من النبي

            والغرّة : بيانض في وجه الفرس
            والتحجيل : بياض في قوائمه
            و( دهم بهم ) أي : أسود شديد خالص لا يخالطه لون آخر .
            وفي البخاري ( 6528 ) ومسلم ( 4243 ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ سَهْلا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " أَنَا فَرَطُكُمْ ( أي : سابقكم ) عَلَى الْحَوْضِ مَنْ وَرَدَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ " قَالَ أَبُو حَازِمٍ فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلا يَقُولُ قَالَ فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فَيَقُول [ أي النبي ُ ] : " إِنَّهُمْ مِنِّي" فَيُقَالُ : إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ : "سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي "
            وعند البخاري في صحيحه ( 2194 ) ومسلم (4257) عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَذُودَنَّ رِجَالا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنْ الإِبِلِ عَنْ الْحَوْضِ


            بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ , أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ , أنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ , حَدَّثَنَا هَمَّامٌ , حَدَّثَنَا قَتَادَةُ , عَنْصَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ قَالَ : بَيْنَا أنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِيالنَّجْوَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْنِي مِنْهُ الْمُؤْمِنَ ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ , فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ , فَيَقُولُ : أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ أَيْ رَبِّ , حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ , قَالَ : فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ , قَالَ : فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ , وَقَالَ : وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ : هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ ،

            (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) متفق عليه

            تعليق

            20,125
            الاعــضـــاء
            230,441
            الـمــواضـيــع
            42,204
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X