إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تفسير سورة العنكبوت من مختصري لتفسير الطبري (متجدد)

    سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ مَكِّيَّةٌ، وَآيَاتُهَا تِسْعٌ وَتِسْعُونَ
    الم [العنكبوت: 1]
    الم [العنكبوت: 1] قَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى «الم»، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ فِيمَا مَضَى، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
    أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[العنكبوت: 2]
    أَحَسِبَ النَّاسُ أَظَنَّ الَّذِينَ خَرَجُوا يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَصْحَابِكَ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ..
    أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[العنكبوت: 2] أَنْ نَتْرُكَهُمْ بِغَيْرِ اخْتِبَارٍ، وَلَا ابْتِلَاءِ امْتِحَانٍ، بِأَنْ قَالُوا: آمَنَّا بِكَ يَا مُحَمَّدُ، فَصَدَّقْنَاكَ فِيمَا جِئْتَنَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَلَّا، لَنَخْتَبِرَنَّهُمْ، لِيَتَبَيَّنَ الصَّادِقُ مِنْهُمْ مِنَ الْكَاذِبِ.
    وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[العنكبوت: 3]
    وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَقَدِ اخْتَبَرْنَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، مِمَّنْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلَنَا، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالَتْهُ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ بِأَعْدَائِهِمْ، وَتَمْكِينَنَا إِيَّاهُمْ مِنْ أَذَاهُمْ، كَمُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَابْتَلَيْنَاهُمْ بِفِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ، وَكَعِيسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَابْتَلَيْنَا مَنِ اتَّبَعَهُ بِمَنْ تَوَلَّى عَنْهُ، فَكَذَلِكَ ابْتَلَيْنَا أَتْبَاعَكَ بِمُخَالِفِيكَ مِنْ أَعْدَائِكَ
    فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنْهُمْ فِي قِيلِهِمْ آمَنَّا..
    وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[العنكبوت: 3] مِنْهُمْ فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ عَالِمٌ بِذَلِكَ مِنْهُمْ قَبْلَ الِاخْتِبَارِ، وَفِي حَالِ الِاخْتِبَارِ، وَبَعْدَ الِاخْتِبَارِ، وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ صِدْقَ الصَّادِقِ مِنْهُمْ فِي قِيلِهِ آمَنَّا بِاللَّهِ مِنْ كَذِبِ الْكَاذِبِ مِنْهُمْ بِابْتِلَائِهِ إِيَّاهُ بِعَدُوِّهِ، لِيَعْلَمَ صِدْقَهُ مِنْ كَذِبِهِ أَوْلِيَاؤُهُ.. وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَذَّبَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَفُتِنَ بَعْضُهُمْ، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى أَذَاهُمْ حَتَّى أَتَاهُمُ اللَّهُ بِفَرَجٍ مِنْ عِنْدِهِ.. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ قَوْمٍ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِمَكَّةَ، وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْهِجْرَةِ، وَالْفِتْنَةِ الَّتِي فُتِنَ بِهَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ عَلَى مَقَالَةِ هَؤُلَاءِ، هِيَ الْهِجْرَةُ الَّتِي امْتُحِنُوا بِهَا.
    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ[العنكبوت: 4]

    أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ فَيَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ..
    أَنْ يَسْبِقُونَاأَنْ يُعْجِزُونَا، فَيَفُوتُونَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَا نَقْدِرَ عَلَيْهِمْ فَنَنْتَقِمَ مِنْهُمْ لِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ؟..
    سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ[العنكبوت: 4] سَاءَ حُكْمُهُمُ الَّذِي يَحْكُمُونَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ يَسْبِقُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ.
    مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[العنكبوت: 5]
    مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ مَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ يَوْمَ لِقَائِهِ، وَيَطْمَعُ فِي ثَوَابِهِ..
    فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ الَّذِي أَجَّلُهُ لَبَعْثِ خَلْقِهِ لِلْجَزَاءِ وَالْعِقَابِ..
    لَآتٍ قَرِيبًا..
    وَهُوَ وَاللَّهُ الَّذِي يَرْجُو هَذَا الرَّاجِي بِلِقَائِهِ ثَوَابَهُ..
    السَّمِيعُ لِقَوْلِهِ: آمَنَّا بِاللَّهِ..
    الْعَلِيمُ[العنكبوت: 5] بِصِدْقِ قِيلِهِ إِنَّهُ قَدْ آمَنَ مِنْ كَذِبِهِ فِيهِ.
    وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[العنكبوت: 6]

    وَمَنْ جَاهَدَ عَدُوَّهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ..
    فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ الثَّوَابِ مِنَ اللَّهِ عَلَى جِهَادِهِ، وَالْهَرَبِ مِنَ الْعِقَابِ، فَلَيْسَ بِاللَّهِ إِلَى فِعْلِهِ ذَلِكَ حَاجَةٌ..
    إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ[العنكبوت: 6] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، لَهُ الْمُلْكُ وَالْخَلْقُ وَالْأَمْرُ..
    العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

  • #2
    وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ[العنكبوت: 7]
    وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَصَحَّ إِيمَانُهُمْ عِنْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَفِتْنَتِهِ لَهُمْ، وَلَمْ يَرْتَدُّوا عَنْ أَدْيَانِهِمْ بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُمْ..
    وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي شِرْكِهِمْ..
    وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ وَلَنُثِيبَنَّهُمْ عَلَى صَالِحَاتِ أَعْمَالِهِمْ فِي إِسْلَامِهِمْ..
    أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ[العنكبوت: 7] فِي حَالِ شِرْكِهِمْ مَعَ تَكْفِيرِنَا سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِمْ.
    وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[العنكبوت: 8]
    وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ فِيمَا أَنْزَلْنَا إِلَى رَسُولِنَا..
    بِوَالِدَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمَا..
    حُسْنًا فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: نُصِبَ ذَلِكَ عَلَى نِيَّةِ تَكْرِيرِ وَصَّيْنَا، وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ، وَوَصَّيْنَاهُ حُسْنًا.. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ أَنْ يَفْعَلَ حُسْنًا، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُسْقِطُ مِنَ الْكَلَامِ بَعْضَهُ إِذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا سَقَطَ، وَتُعْمِلَ مَا بَقِيَ فِيمَا كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ الْمَحْذُوفُ..
    وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ، فَقُلْنَا لَهُ..
    إِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِي شَرِيكٌ..
    فَلَا تُطِعْهُمَا فَتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِمَا، وَلَكِنْ خَالِفْهُمَا فِي ذَلِكَ.
    إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ إِلَيَّ مَعَادُكُمْ وَمَصِيرُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..
    فَأُنَبِّئُكُمْ فَأُخْبِرُكُمْ..
    بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[العنكبوت: 8] فِي الدُّنْيَا مِنْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ وَسَيِّئَاتِهَا، ثُمَّ أُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا الْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ، وَالْمُسِيءَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ.
    وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ[العنكبوت: 9]
    وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..
    وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ أَنْ يُؤَدُّوا فَرَائِضَ اللَّهِ، وَيَجْتَنِبُوا مَحَارِمَهُ..
    لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ[العنكبوت: 9] فِي مَدْخَلِ الصَّالِحِينَ، وَذَلِكَ الْجَنَّةُ.
    وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكِ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ[العنكبوت: 10]
    وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: أَقْرَرْنَا بِاللَّهِ فَوَحَّدْنَاهُ..
    فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ فَإِذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ فِي إِقْرَارِهِ بِاللَّهِ..
    جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا..
    كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، فَارْتَدَّ عَنْ إِيمَانِهِ بِاللَّهِ، رَاجِعًا عَلَى الْكُفْرِ بِهِ..
    وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكِ يَا مُحَمَّدُ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ..
    لَيَقُولُنَّ هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدُّونَ عَنْ إِيمَانِهِمْ، الْجَاعِلُونَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ..
    إِنَّا كُنَّا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ..
    مَعَكُمْ نَنْصُرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، كَذِبًا وَإِفْكًا، يَقُولُ اللَّهُ..
    أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ..
    بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ[العنكبوت: 10] جَمِيعِ خَلْقِهِ الْقَائِلِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ارْتَدَّ عَنْ دَيْنِ اللَّهِ فَكَيْفَ يُخَادِعُ مَنْ كَانَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَسْتَتِرُ عَنْهُ سِرٌّ وَلَا عَلَانِيَةٌ.. وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ كَانُوا بِمَكَّةَ، فَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ، فَأُدْرِكُوا وَأُخِذُوا فَأَعْطُوُا الْمُشْرِكِينَ لَمَّا نَالَهُمْ أَذَاهُمْ مَا أَرَادُوا مِنْهُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإِسْلَامِهِمْ، فَأَخْرَجَهُمُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ وَقُتِلَ بَعْضٌ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: كَانَ أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ وَأُكْرِهُوا فَاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ»[النساء: 97].. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: فَكُتِبَ إِلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَنْ لَا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا، فَلَحِقَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَأَعْطَوْهُمُ الْفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ».. إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، فَكَتَبَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا وَأَيِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا، ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدَهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ»[النحل: 110]، فَكَتَبُوا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا، فَأَدْرَكَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَقَاتَلُوهُمْ، حَتَّى نَجَا مَنْ نَجَا، وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ..
    العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

    تعليق


    • #3
      وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ[العنكبوت: 11]
      وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَحِزْبَهُ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ..
      وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ[العنكبوت: 11] مِنْكُمْ حَتَّى يَمِيزَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ بِإِظْهَارِ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْكُمْ بِالْمِحَنِ وَالِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ، وَبِمُسَارَعَةِ الْمُسَارِعِ مِنْكُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ مِنْ دَارِ الشِّرْكِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَتَثَاقُلِ الْمُتَثَاقِلِ مِنْكُمْ عَنْهَا.
      وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ، وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ، إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[العنكبوت: 12]
      وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ..
      لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ مِنْهُمْ..
      اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا كُونُوا عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَجُحُودِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ..
      وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ قَالُوا فَإِنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ سَبِيلَنَا فِي ذَلِكَ، فَبُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ الْمَمَاتِ، وَجُوزِيتُمْ عَلَى الْأَعْمَالِ، فَإِنَّا نَتَحَمَّلُ آثَامَ خَطَايَاكُمْ حِينَئِذٍ..
      وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ وَكَذَبُوا فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ لَهُمْ، مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ آثَامِ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ..
      إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ[العنكبوت: 12] فِيمَا قَالُوا لَهُمْ وَوَعَدُوهُمْ، مِنْ حَمْلِ خَطَايَاهُمْ إِنْ هُمُ اتَّبَعُوهُمْ.. وَهَذَا تَكْذِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ لِلَّذِينَ آمَنُوا «اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ».
      وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ، وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ[العنكبوت: 13]
      وَلَيَحْمِلُنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ الْقَائِلُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ..
      أَثْقَالَهُمْ أَوْزَارَ أَنْفُسِهِمْ وَآثَامَهَا..
      وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَأَوْزَارَ مَنْ أَضَلُّوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ أَوْزَارِهِمْ..
      وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ[العنكبوت: 13] وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يُكَذِّبُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِوَعْدِهِمْ إِيَّاهُمُ الْأَبَاطِيلَ، وَقِيلِهِمْ لَهُمُ: «اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ» فَيَفْتَرُونَ الْكَذِبَ بِذَلِكَ.
      وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ[العنكبوت: 14]
      وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، الْقَائِلِينَ لِلَّذِينَ آمَنُوا: «اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ» يَقُولُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحْزُنْكَ يَا مُحَمَّدُ مَا تَلْقَى مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ مِنَ الْأَذَى، فَإِنِّي وَإِنْ أَمْلَيْتُ لَهُمْ فَأَطَلْتُ إِمْلَاءَهُمْ، فَإِنَّ مَصِيرَ أَمْرِهِمْ إِلَى الْبَوَارِ، وَمَصِيرُ أَمْرِكَ وَأَمْرِ أَصْحَابِكَ إِلَى الْعُلُوِّ وَالظَّفَرِ بِهِمْ وَالنَّجَاةِ مِمَّا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعِقَابِ، كَفِعْلِنَا ذَلِكَ بِنُوحٍ، إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَفِرَاقِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ مِنْ دُعَائِهِ إِيَّاهُمْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْإِقْبَالِ إِلَيْهِ، وَقَبُولِ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنَ النَّصِيحَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلَّا فِرَارًا..
      فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ فَأَهْلَكَهُمُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ، وَكُلُّ مَاءٍ كَثِيرٍ فَاشٍ طَامٍ، فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ طُوفَانٌ، سَيْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَوْتُ إِذَا كَانَ فَاشِيًا كَثِيرًا، فَهُوَ أَيْضًا عِنْدَهُمْ طُوفَانٌ..
      وَهُمْ ظَالِمُونَ[العنكبوت: 14] أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ.
      فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ[العنكبوت: 15]
      فَأَنْجَيْنَاهُ نُوحًا..
      وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَهُمُ الَّذِينَ حَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتِهِ مِنْ وَلَدِهِ وَأَزْوَاجِهِمْ.
      وَجَعَلْنَاهَا السَّفِينَةَ الَّتِي أَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَهُ فِيهَا.. وَلَوْ قِيلَ: مَعْنَى: «وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ» وَجَعَلْنَا عُقُوبَتَنَا إِيَّاهُمْ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ..
      آيَةً عِبْرَةً وَعِظَةً..
      لِلْعَالَمِينَ[العنكبوت: 15] وَحُجَّةً عَلَيْهِمْ..
      العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

      تعليق


      • #4
        للرفع................
        العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

        تعليق

        19,840
        الاعــضـــاء
        231,465
        الـمــواضـيــع
        42,359
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X