إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • اكثر من اربعمائة جوهرة من جواهر الضمائر فی كتاب الله

    بسم الله الرحمن الرحيم

    منذ سنوات وأنا مشغول بعلم الضمائر فی كتاب الله أبحث عنها وأفتش فی أسرارها

    وقد جمعت إلي الأن مايزيد عن 400 جوهرة من جواهرها ولا يزال البحث جاريا ان شاء الله

    وحقيقة البحث فی الضمائر فی كتاب الله لذة لا يشعر بها الا من اهتم وغاص فی بحور هذا العلم فی كتاب الله

    ارجو من الله ان ينفع بهذا البحث وان يجعله فی ميزان حسناتی يوم ألقاه

    الجوهرة الاولي

    وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

    قال القرطبي فی نفسيره

    الثالثة: قوله تعالى: فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ

    الضمير في «فَأَنْسَاهُ» فيه قولان: أحدهما: أنه عائد إلى يوسف ، أي أنساه الشيطان ذكر الله ؛ وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك ـ حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك ـ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق؛ فعوقب باللّبث، قال عبد العزيز بن عُمير الكِنْديّ: دخل جبريل على يوسف النبي في السجن فعرفه يوسف، فقال: يا أخا المنذرين! مالي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل : يا طاهر (ابن) الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول: أما استحيت إذ ٱستغثت بالآدميين؟! وعزّتي! لألبثنّك في السجن بضع سنين؛ فقال: يا جبريل! أهو عنّي راضٍ؟ قال: نعم! قال: لا أبالي الساعة. ورُوي أن جبريل جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطوّل سجنه، وقال له: يا يوسف! من خلّصك من القتل من أيدي إخوتك؟! قال: الله تعالى، قال: فمن أخرجك من الجبّ؟ قال: الله تعالى قال: فمن عَصَمك من الفاحشة؟ قال: الله تعالى، قال: فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال: الله تعالى، قال: فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟! قال: يا رب كلمة زلّت مني! أسألك يا إله إبراهيم وإسحق والشيخ يعقوب أن ترحمني؛ فقال له جبريل: فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. ورَوى أبو سلَمة عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله : " رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال: ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ما لبث في السجن بضع سنين " وقال ٱبن عباس: عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لمّا قال للذي نجا منهما ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ولو ذكر يوسف ربه لخلّصه. وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: قال رسول الله : " لولا كلمة يوسف ـ يعني قوله: ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ ـ ما لبث في السجن ما لبث " قال: ثم يبكي الحسن ويقول: نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس.

    وقيل: إن الهاء تعود على الناجي، فهو الناسي؛ أي أنسى الشيطانُ الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده؛ وفيه حذف، أي أنساه الشيطانُ ذكره لربه؛ وقد رجّح بعض العلماء هذا القول فقال: لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن؛ إذ الناسي غير مؤاخذ. وأجاب أهل القول الأوّل بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب؛ ردّ عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى: وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ فدلّ على أن الناسي (هو) الساقي لا يوسف؛ مع قوله تعالى:

    إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ
    [الإسراء:65] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطنة؟! قيل: أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد، وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلّغونه، فإنهم معصومون فيه؛ وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقاً، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم؛ قال : " نسي آدم فنسيت ذريته " وقال: " إنما أنا بشر أنسى كما تَنسون " وقد تقدم.

    وقال ابن كثير فی تفسيره

    هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد ابن إسحاق وغير واحد. ويقال: إن الضمير عائد على يوسف . رواه ابن جرير عن ابن عباس، ومجاهد أيضاً، وعكرمة وغيرهم، وأسند ابن جرير ههنا حديثاً فقال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعاً، قال: قال النبي : " لو لم يقل - يعني: يوسف -: الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث؛ حيث يبتغي الفرج من عند غير الله " ، وهذا الحديث ضعيف جداً، لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو الخُوزي أضعف منه أيضاً. وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلاً عن كل منهما، وهذه المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم.

    ملحوظة

    أنا ارجح ماذهب اليه الحافظ ابن كثير فسيدنا يوسف قال للناجی اذكر برائتی عند ربك ولم يقصد الخروج وإلا لو كان همه الأول الخروج لأجاب الداعی وخرج فورا لما جاءه ولكنه لم يخرج الا بعد أن ظهرت برائته فقال للناجی اذكر برائتی ونزاهتی فنسي الناجی ان يذكر هذا لربه فلبث فی السجن بضع سنين

  • #2
    الجوهرة الثانية

    وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

    قال السمين الحلبي فی دره المصون

    قوله تعالى: لِلَّذِي ظَنَّ : فاعلُ " ظنَّ " يجوز أن يكون يوسف إن كان تأويلُه بطريقة الاجتهاد، وأن يكون الشرَّابيُّ إن كان تأويله بطريق الوحي،

    أو يكون الظنُّ بمعنى اليقين، قاله الزمخشري.

    قلت: يعني أنه إنْ كان الظنُّ على بابه فلا يستقيم إسناده إلى يوسفَ إلا أن يكون تأويلُه بطريق الاجتهاد؛ لأنه متى كان بطريق الوحي كان يقيناً فيُنْسَب الظن حينئذ للشَّرابي لا له ، وأمَّا إذا كان الظنُّ بمعنى اليقين فتصِحُّ نسبتُه إلى يوسف وإن كان تأويله بطريق الوحي، وهو حَسَنٌ وإلى كونِ الظنِّ على بابه ـ وهو مسندٌ ليوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد ـ ذهب قتادة، فإنه قال: " الظنُّ هنا على بابه لأنَّ عبارة الرؤيا ظنٌّ "

    وقال الرازی فی تفسيره

    المسألة الأولى: اختلفوا في أن الموصوف بالظن هو يوسف أو الناجي فعلى الأول كان المعنى وقال الرجل الذي ظن يوسف كونه ناجياً، وعلى هذا القول وجهان: الأول: أن تحمل هذا الظن على العلم واليقين، وهذا إذا قلنا بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الوحي. قال هذا القائل وورود لفظ الظن بمعنى اليقين كثير في القرآن. قال تعالى:
    ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ رَّبُّهُمْ
    [البقرة: 46] وقال:
    إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ
    [الحاقة: 20] والثاني: أن تحمل هذا الظن على حقيقة الظن، وهذا إذا قلنا إنه ذكر ذلك التعبير لا بناء على الوحي، بل على الأصول المذكورة في ذلك العلم، وهي لا تفيد إلا الظن والحسبان.

    والقول الثاني: أن هذا الظن صفة الناجي، فإن الرجلين السائلين ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف ورسالته، ولكنهما كانا حسني الاعتقاد فيه، فكان قوله لا يفيد في حقهما إلا مجرد الظن.

    تعليق


    • #3
      الجوهرة الثالثة

      قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ

      قال الرازی فی تفسيره

      أما قوله: قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ففيه بحثان:

      الأول: اختلفوا في ذلك الشخص على قولين: قيل كان من الملائكة، وقيل كان من الإنس،

      فمن قال بالأول اختلفوا، قيل هو جبريل ، وقيل هو ملك أيد الله تعالى به سليمان ،

      ومن قال بالثاني اختلفوا على وجوه: أحدها: قول ابن مسعود: إنه الخضر

      وثانيها: وهو المشهور من قول ابن عباس: إنه آصف بن برخيا وزير سليمان، وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم إذا دعا به أجيب وثالثها: قول قتادة: رجل من الإنس كان يعلم اسم الله الأعظم ورابعها: قول ابن زيد: كان رجلاً صالحاً في جزيرة في البحر، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان

      وخامسها: بل هو سليمان نفسه والمخاطب هو العفريت الذي كلمه، وأراد سليمان إظهار معجزة فتحداهم أولاً، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت،

      وهذا القول أقرب لوجوه: أحدها: أن لفظة (الذي) موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان ، فوجب انصرافه إليه، أقصى ما في الباب أن يقال، كان آصف كذلك أيضاً لكنا نقول إن سليمان ، كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان أولى الثاني: أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية، فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان ، وأنه غير جائز الثالث: أن سليمان ، لو افتقر في ذلك إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق الرابع: أن سليمان قال: هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبّى لِيَبْلُوَنِى أَءشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان

      تعليق


      • #4
        الجوهرة الرابعة

        فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ

        بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ

        الأختلاف فی ضمير توارات وردوها عظيم بين أهل التفسير

        قال القرطبي


        حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ يعني الشمس كناية عن غير مذكور؛ مثل قوله تعالى:
        مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ
        [فاطر: 45] أي على ظهر الأرض؛ وتقول العرب: هاجت باردة أي هاجت الريح باردة. وقال الله تعالى:
        فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ
        [الواقعة: 83] أي بلغت النفس الحلقوم. وقال تعالى:
        إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ
        [المرسلات: 32] ولم يتقدم للنار ذكر. وقال الزجاج: إنما يجوز الإضمار إذا جرى ذكر الشيء أو دليل الذكر، وقد جرى هاهنا الدليل وهو قوله: بِٱلْعَشِيِّ . والعشيّ ما بعد الزوال، والتواري الاستتار عن الأبصار، والحجاب جبل أخضر محيط بالخلائق؛ قاله قتادة وكعب. وقيل: هو جبل قاف. وقيل: جبل دون قاف. والحجاب الليل سمّي حجاباً لأنه يستر ما فيه. وقيل: «حَتَّى تَوَارَتْ» أي الخيل في المسابقة. وذلك أن سليمان كان له ميدان مستدير يسابق فيه بين الخيل، حتى توارت عنه وتغيب عن عينه في المسابقة؛ لأن الشمس لم يجر لها ذكر. وذكر النحاس أن سليمان كان في صلاة، فجيء إليه بخيل لتعرض عليه قد غُنِمت فأشار بيده، لأنه كان يصلّي حتى توارت الخيل، وسترتها جُدر الاصطبلات، فلما فرغ من صلاته قال: «رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً» أي فأقبل يمسحها مسحاً. وفي معناه قولان: أحدهما أنه أقبل يمسح سوقها وأعناقها بيده إكراماً منه لها، وليرى أن الجليل لا يقبح أن يفعل مثل هذا بخيله. وقال قائل هذا القول: كيف يقتلها؟ وفي ذلك إفساد المال ومعاقبة من لا ذنب له. وقيل: المسح هاهنا هو القطع أُذِن له في قتلها.....

        وقد قيل: إن الهاء في قوله: رُدُّوهَا عَلَيَّ للشمس لا للخيل. قال ابن عباس: سألت عليًّا عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها؟ فقلت سمعت كعباً يقول: إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتى توارت الشمس بالحجاب وفاتته الصلاة، قال؛ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي أي آثرت حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي الآية رُدُّوهَا عَلَيَّ يعني الأفراس وكانت أربع عشرة؛ فضرب سوقها وأعناقها بالسيف، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوماً؛ لأنه ظلم الخيل. فقال علي بن أبي طالب: كذب كعب؛ لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت؛ أي غربت الشمس بالحجاب؛ فقال بأمر الله للملائكة الموكّلين بالشمس: «رُدُّوهَا» يعني الشمس فردوها حتى صلّى العصر في وقتها، وأن أنبياء الله لا يظلمون؛ لأنهم معصومون.

        قلت: الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، وتركها لدلالة السامع عليها بما ذكر مما يرتبط بها ويتعلق بذكرها، حسب ما تقدّم بيانه. وكثيراً ما يضمرون الشمس؛ قال لبيد:
        حتّى إذا ألْقَتْ يداً في كافِرٍ وأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغورِ ظلاَمُها
        والهاء في «رُدُّوهَا» للخيل، ومسحها قال الزهري وابن كيسان: كان يمسح سوقها وأعناقها، ويكشف الغبار عنها حُبًّا لها. وقاله الحسن وقتادة وابن عباس. وفي الحديث أن النبيّ رؤي وهو يمسح فرسه بردائه.

        وقال: " إني عوتبت الليلة في الخيل " خرّجه الموطأ عن يحيـى بن سعيد مرسلاً. وهو في غير الموطأ مسند متصل عن مالك عن يحيـى بن سعيد عن أنس. وقد مضى في «الأنفال» قوله : " وامسحوا بنواصيها وأكفالها " وروى ابن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها وسوقها بالسيوف......

        قلت: ومن قال إن الهاء في «رُدُّوهَا» ترجع للشمس فذلك من معجزاته. وقد اتفق مثل ذلك لنبينا . خرّج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عُمَيْس من طريقين: " أن النبي كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليّ، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس؛ فقال رسول الله : «أصليت يا علي» قال: لا. فقال رسول الله : «اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس»قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها بعدما غربت طلعت على الجبال والأرض، وذلك بالصَّهْباء في خيبر " قال الطحاوي: وهذان الحديثان ثابتان، ورواتهما ثقات.

        قلت: وضعَّف أبو الفرج ابن الجوزي هذا الحديث فقال: وغلوّ الرافضة في حب عليّ حملهم على أن وضعوا أحاديث كثيرة في فضائله؛ منها أن الشمس غابت ففاتت عليّاً العصر فردّت له الشمس، وهذا من حيث النقل محال، ومن حيث المعنى فإن الوقت قد فات وعودها طلوع متجدّد لا يردّ الوقت. ومن قال: إن الهاء ترجع إلى الخيل، وأنها كانت تبعد عن عين سليمان في السباق، ففيه دليل على المسابقة بالخيل وهو أمر مشروع. وقد مضى القول فيه في «يوسف».

        وقال ابن الجوزی فی زاد المسير

        حتى توارت بالحجاب قال المصنف: وأهل اللغة يقولون: يعني الشمس، ولم يَْرِ لها ذِكْر ولا أحسبهم أعطَوا في هذا الفِكْر حَقَّه، لأن في الآية دليلاً على الشمس، وهو قوله بالعشيِّ ومعناه: عُرِضَ عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب، ولا يجوز الإِضمار، إلا أن يجريَ ذِكْر أو دليل ذِكْر فيكون بمنزلة الذِّكْر، وأما الحِجَاب، فهو ما يحجُبها عن الأبصار.

        قوله تعالى: رُدُّها عَلَيَّ قال المفسرون: لمّا شغله عَرْضُ الخَيْل عليه عن الصلاة، فصلاّها بعد خروج وقتها، اغتمَّ وغضب، وقال: " رُدُّوها عَلَيَّ " ، يعني: أعيدوا الخَيْل عَلَيَّ فطَفِقَ قال ابن قتيبة: أي: أقبل مَسْحاً قال الأخفش: أي: يَمْسَحُ مَسْحاً.

        فأمّا السُّوق، فجمع ساق، مثل دُور ودار، وهمز السُّؤق ابن كثير، قال أبو علي: وغيرُ الهمز أحسنُ منه. وقرأ أبو عمران الجوني، وابن محيصن: " بالسُّؤوق " مثل الرُّؤوس، وفي المراد بالمسح هاهنا ثلاثة أقوال.

        أحدها: أنه ضربها بالسيف، " وروى أُبيُّ بن كعب عن رسول الله في قوله: فطَفِقَ مَسْحاً بالسُّوق والأعناق قال: «بالسيف» " وروى مجاهد عن ابن عباس قال: مسح أعناقها وسوقها بالسيف. وقال الحسن، وقتادة، وابن السائب: قطع أعناقها وسُوقها، وهذا اختيار السدي، ومقاتل، والفراء، وأبي عبيدة، والزجاج، وابن قتيبة، وأبي سليمان الدمشقي، والجمهور.

        والثاني: أنه جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حُبّاً لها، رواه عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال مجاهد: مسحها بيده، وهذا اختيار ابن جرير والقاضي أبي يعلى.

        والثالث: أنه كَوَى سُوقها وأعناقها وحبسها في سبيل الله تعالى، حكاه الثعلبي.

        والمفسِّرون: على القول الأول. وقد اعترضوا [على] القول الثاني، وقالوا: أيّ مناسبة بين شغْلِها إيّاه عن الصلاة وبين مَسْح أعرافها حُبّاً لها؟!، ولا أعلم قوله: " حُبّاً لها " يثبت عن ابن عباس. وحملوا قول مجاهد " مَسَحها بيده " أي تولىَّ ضَرْبَ أعناقها.

        فإن قيل: فالقول الأول يفسُد بأنه لا ذَنْب للحيوان، فكيف وجّه العقوبة إليه؟ وقصد التَّشفِّي بقتله، وهذا يشبه فِعْلَ الجبّارِين، لا فِعْلَ الأنبياء؟

        فالجواب: أنه لم يكن لِيَفْعَلَ ذلك إلا وقد أُبيح له، وجائز أن يُباح له ما يُمنَع منه في شرعنا، على أنه إذا ذبحها كانت قرباناً، وأكلُ لحمها جائز، فما وقع تفريط.

        وقال الرازی:
        ثم قال تعالى: حَتَّىٰ تَوَارَتْ أقول الضمير في قوله: حَتَّىٰ تَوَارَتْ ، وفي قوله: رُدُّوهَا يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الشمس، لأنه جرى ذكر ماله تعلق بها وهو العشي

        ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائداً إلى الصافنات

        ، ويحتمل أن يكون الأول متعلقاً بالشمس والثاني بالصافنات،

        ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك، فهذه احتمالات أربعة لا مزيد عليها

        فالأول: أن يعود الضميران معاني إلى الصافنات، كأنه قال حتى توارت الصافنات بالحجاب ردوا الصافنات علي،

        والاحتمال الثاني: أن يكون الضميران معاً عائدين إلى الشمس كأنه قال حتى توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس، وروي أنه لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر، فسأل الله أن يرد الشمس فقوله: رُدُّوهَا عَلَيَّ إشارة إلى طلب رد الشمس، وهذا الاحتمال عندي بعيد والذي يدل عليه وجوه الأول: أن الصافنات مذكورة تصريحاً، والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر الثاني: أنه قال: إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ وظاهر هذا اللفظ يدل على أن سليمان كان يقول إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي. وكان يعيد هذه الكلمات إلى أن توارت بالحجاب، فلو قلنا المراد حتى توارت الصافنات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره عليها حال جريها كان يقول هذه الكلمة إلى أن غابت عن عينه وذلك مناسب، ولو قلنا المراد حتى توارت الشمس بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت المغرب، وهذا في غاية البعد الثالث: أنا لو حكمنا بعود الضمير في قوله حتى توارت إلى الشمس وحملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر كان هذا منافياً لقوله: أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِى فإن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله لما نسي الصلاة ولما ترك ذكر الله الرابع: أنه بتقدير أنه بقي مشغولاً بتلك الخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر؟، فكان ذلك ذنباً عظيماً وجرماً قوياً، فالأليق بهذه الحالة التضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة، فأما أن يقول على سبيل التهور والعظمة لإله العالم ورب العالمين، ردوها علي بمثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المطهر المكرٰ الخامس: أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول ردها علي ولا يقول ردوها علي، فإن قالوا إنما ذكر صيغة الجمع للتنبيه على تعظيم المخاطب فنقول قوله: رُدُّوهَا لفظ مشعر بأعظم أنواع الإهانة فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم السادس: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهداً لكل أهل الدنيا ولو كان الأمر كذلك لتوفرت الدواعي على نقله وإظهاره، وحيث لم يقل أحد ذلك علمنا فساده السابع: أنه تعالى قال: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىّ ٱلصَّـٰفِنَـٰتُ ٱلْجِيَادُ ثم قال: حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ وعود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى، وأقرب المذكورين هو الصافنات الجياد، وأما العشي فأبعدهما فكان عود ذلك الضمير إلى الصافنات أولى، فثبت بما ذكرنا أن حمل قوله: حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ على تواري الشمس وأن حمل قوله: رُدُّوهَا عَلَىَّ على أن المراد منه طلب أن يرد الله الشمس بعد غروبها كلام في غاية البعد عن النظم.

        ثم قال تعالى: فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ أي فجعل سليمان يمسح سوقها وأعناقها، قال الأكثرون معناه أنه مسح السيف بسوقها وأعناقها أي قطعها، قالوا إنه لما فاتته صلاة العصر بسبب اشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلى الله تعالى، وعندي أن هذا أيضاً بعيد، ويدل عليه وجوه الأول: أنه لو كان معنى مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله:
        وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
        [المائدة: 6] قطعها، وهذا مما لا يقوله عاقل بل لو قيل مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم ألبتة من المسح العقر والذبح الثاني: القائلون لهذا القول جمعوا على سليمان أنواعاً من الأفعال المذمومة فأولها: ترك الصلاة وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقال : " حب الدنيا رأس كل خطيئة " وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة ألبتة ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: رُدُّوهَا عَلَىَّ وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس وخامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وروي عن النبي

        " نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكله " فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها: وسادسها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقيب قوله:
        وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ
        [ص: 17] وأن الكفار لما بلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد اصبر يا محمد على سفاهتهم واذكر عبدنا داود: وذكر قصة داود، ثم ذكر عقبيها قصة سليمان، وكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد اصبر يا محمد على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يكون لائقاً لو قلنا إن سليمان أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة، وصبر على طاعة الله، وأعرض عن الشهوات واللذات، فأما لو كان المقصود من قصة سليمان في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب الجسيمة لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً بهذا الموضع، فثبت أن كتاب الله تعالى ينادي على هذه الأقوال الفاسدة بالرد والإفساد والإبطال بل التفسير المطابق للحق لألفاظ القرآن والصواب أن نقول إن رباط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما أنه كذلك في دين محمد ثم إن سليمان احتاج إلى الغزو فجلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها وذكر أني لا أحبها لأجل الدنيا ونصيب النفس، وإنما أحبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله عن ذكر ربي، ثم إنه أمر بإعدائها وتسييرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طفق يمسح سوقها وأعناقها، والغرض من ذلك المسح أمور الأول: تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يتضع إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل وأمراضها وعيوبها، فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض، فهذا التفسير الذي ذكرناه ينطبق عليه لفظ القرآن انطباقاً مطابقاً موافقاً، ولا يلزمنا نسبة شيء من تلك المنكرات والمحذورات، وأقول أنا شديد التعجب من الناس كيف قبلوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها، وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة، فإن قيل فالجمهور فسروا الآية بذلك الوجه، فما قولك فيه؟ فنقول لنا ههنا مقامان:

        المقام الأول: أن ندعي أن لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها، وقد ظهر والحمد لله أن الأمر كما ذكرناه، وظهوره لا يرتاب العاقل فيه.

        المقام الثاني: أن يقال هب أن لفظ الآية لا يدل عليه إلا أنه كلام ذكره الناس، فما قولك فيه وجوابنا أن الدلالة الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء ، ولم يدل دليل على صحة هذه الحكايات ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية، فكيف الحكايات عن أقوام لا يبالي بهم ولا يلتفت إلى أقوالهم، والله أعلم.

        وقال ابو حيان فی بحره المحيط

        والظاهر أن الضمير في توارت عائد على الصافنات ، أي دخلت اصطبلاتها، فهي الحجاب. وقيل: حتى توارت في المسابقة بما يحجبها عن النظر. وقيل: الضمير للشمس، وإن لم يجر لها ذكر لدلالة العشي عليها.

        وقالت طائفة: عرض على سليمان الخيل وهو في الصلاة، فأشار إليهم أني في صلاتي، فأزالوها عنه حتى دخلت في الاصطبلات؛ فقال هو لما فرغ من صلاته: إني أحببت حب الخير ، أي الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، كأنه يقول: فشغلني ذلك عن رؤية الخيل حتى أدخلت اصطبلاتها، ردوها عليّ فطفق يمسح أعرافها وسوقها محبة لها. وقال ابن عباس والزهري: مسحه بالسوق والأعناق لم يكن بالسيف بل بيدية تكريماً لها ومحبة، ورجحه الطبري. وقيل: بل غسلاً بالماء. وقال الثعلبي: إن هذا المسح كان في السوق والأعناق بوسم حبس في سبيل الله. انتهى. وهذا القول هو الذي يناسب مناصب الأنبياء، لا القول المنسوب للجمهور، فإن في قصته ما لا يليق ذكره بالنسبة للأنبياء.

        تعليق


        • #5
          الجوهرة الخامسة

          الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ * إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

          قال ابو حيان فی بحره

          والضمير في إنا أنزلناه، عائد على الكتاب الذي فيه قصة يوسف، وقيل: على القرآن، وقيل: على نبأ يوسف، قاله الزجاج وابن الأنباري. وقيل: هو ضمير الإنزال

          تعليق


          • #6
            الجوهرة السادسة


            قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً

            قال القرطبي فی تفسيره

            قوله تعالى: وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً يحتمل أن يكون من قول يوشع لموسى؛ أي اتخذ الحوت سبيله عجباً للناس. ويحتمل أن يكون قوله: «واتخذ سبيله في البحر» تمام الخبر، ثم استأنف التعجيب فقال من نفسه: «عجباً» لهذا الأمر. وموضع العجب أن يكون حوت قد مات فأكل شقّه الأيسر ثم حيي بعد ذلك. قال أبو شجاع في كتاب «الطبري»: رأيته ـ أتيت به ـ فإذا هو شقّ حوت وعين واحدة، وشق آخر ليس فيه شيء. قال ابن عطية: وأنا رأيته والشقّ الذي ليس فيه شيء عليه قشرة رقيقة ليست تحتها شوكة.

            ويحتمل أن يكون قوله: وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ إخباراً من الله تعالى،

            وذلك على وجهين: إما أن يخبر عن موسى أنه اتخذ سبيل الحوت من البحر عجباً، أي تعجب منه، وإمّا أن يخبر عن الحوت أنه اتخذ سبيله عجباً للناس.

            وقال ابن الجوزی فی زاد المسير

            قوله تعالى: واتخذ سبيله في البحر عجباً الهاء في السبيل ترجع إِلى الحوت. وفي المُتَّخِذ قولان.

            أحدهما: أنه الحوت، ثم في المخبر عنه قولان.

            أحدهما: أنه الله ، ثم في معنى الكلام ثلاثة أقوال.

            أحدها: فاتخذ سبيله في البحر يُري عجباً، ويُحدث عجباً.

            والثاني: أنه لما قال الله تعالى: واتخذ سبيله في البحر ، قال: اعجبوا لذلك عجباً، وتنَّبهوا لهذه الآية.

            والثالث: أن إِخبار الله تعالى انقطع عند قوله: «في البحر» فقال موسى: عجباً، لِما شوهد من الحوت. ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري.

            والثاني: [أن] المُخْبِر عن الحوت يوشع، وصف لموسى ما فعل الحوت.

            والقول الثاني: أن المتخِذ موسى، اتخذ سبيل الحوت في البحر عجباً، فدخل في المكان الذي مَرَّ فيه الحوت، فرأى الخَضِر. وروى عطية عن ابن عباس قال: رجع موسى إِلى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، حتى انتهى به إِلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر.

            تعليق


            • #7
              الجوهرة السابعة

              من لطائف أثر القراءات علي الضمائر فی كتاب الله

              فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ

              قال السمين الحلبي فی الدر المصون

              قوله: لاَّ يُعَذِّبُ : قرأ الكسائي " لا يُعَذَّبُ " و " لا يُوْثَقُ " مبنيين للمفعولِ. والباقون قرؤُوهما مبنيَّيْن للفاعل. فأمَّا قراءةُ الكسائي فأُسْنِد الفعلُ فيها إلى " أحد " وحُذِفَ الفاعلُ للعِلْم به وهو اللَّهُ تعالى أو الزَّبانيةُ المُتَوَلُّون العذابَ بأمرِ اللَّهِ تعالى. وأمَّا عذابه ووَثاقه فيجوزُ أَنْ يكونَ المصدران مضافَيْن للفاعلِ والضميرِ للَّهِ تعالى، ومضافَيْنِ للمفعول، والضميرُ للإِنسانِ، ويكون " عذاب " واقعاً موقع تَعْذيب. والمعنى: لا يُعَذَّبُ أحدٌ تعذيباً مثلَ تعذيبِ اللَّهِ تعالى هذا الكافرَ، ولا يُوْثَقُ أحدٌ توثيقاً مثلَ إيثاقِ اللَّهِ إياه بالسَّلاسِلِ والأغلالِ، أو لا يُعَذَّبُ أحدٌ مثلَ تعذيبِ الكافرِ، ولا يُوْثَقُ مثلَ إيثاقِه، لكفرِه وعنادِه، فالوَثاق بمعنى الإيثاق كالعَطاء بمعنى الإِعطاء. إلاَّ أنَّ في إعمالِ اسمِ المصدرِ عملَ مُسَمَّاه خلافاً مضطرباً فنُقل عن البصريين المنعُ، وعن الكوفيين الجوازُ، ونُقل العكسُ عن الفريقَيْن. ومن الإِعمال قولُه:
              4571ـ أكُفْراً بعد رَدِّ الموتِ عني وبعد عَطائِكَ المِئَةَ الرَّتاعا
              ومَنْ مَنَعَ نَصَبَ " المِئَة " بفعلٍ مضمر. وأَصْرَحُ من هذا قولُ الآخر:
              4572ـ.................... فإنَّ كلامَها شفاءٌ لِما بيا
              وقيل: المعنى ولا يَحْمِلُ عذابَ الإِنسانِ أحدٌ كقوله:
              وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ
              [الأنعام: 164] قاله الزمخشري. وأمَّا قراءةُ الباقين فإنه أَسْنَدَ الفعلَ لفاعلِه./

              والضميرُ في " عذابَه " و " وَثاقَه " يُحتمل عَوْدُه على الباري تعالى، بمعنى: أنَّه لا يُعَذِّبُ في الدنيا مثلَ عذابِ اللَّهِ تعالى يومئذٍ أحدٌ، أي: إنَّ عذابَ مَنْ يُعَذِّبُ في الدنيا ليس كعذابِ الله تعالى يومَ القيامةِ، كذا قاله أبو عبد الله، وفيه نظرٌ: من حيث إنه يَلْزَمُ أَنْ يكونَ " يومئذٍ " معمولاً للمصدرِ التشبيهيِّ، وهو ممتنعٌ لتقدُّمِه عليه، إلاَّ أن يُقالَ: يُتَوَسَّعُ فيه.

              وقيل: المعنى لا يَكِلُ عذابه ولا وَثاقَه لأحدٍ؛ لأنَّ الأمرَ لله وحدَه في ذلك. وقيل: المعنى أنَّه في الشدة والفظاعةِ في حَيِّزٍ لم يُعَذِّبْ أحدٌ قط في الدنيا مثلَه. ورُدَّ هذا: بأنَّ " لا " إذا دَخَلَتْ على المضارعِ صَيَّرَتْه مستقبلاً، وإذا كان مستقبلاً لم يطابقْ هذا المعنى، ولا يُطْلَقُ على الماضي إلاَّ بمجازٍ بعيدٍ، وبأنَّ " يومَئذٍ " المرادُ به يومَ القيامة لا دارُ الدنيا. وقيل: المعنى أنَّه لا يُعَذِّبُ أحدٌ في الدنيا مثلَ عذابِ اللهِ الكافرَ فيها، إلاَّ أن هذا مردودٌ بما رُدَّ به ما قَبلَه. ويُحتمل عَوْدُه على الإِنسان بمعنى: لا يُعَذِّبُ أحدٌ من زبانيةِ العذابِ مثلَ ما يُعَذِّبون هذا الكافرَ، أو يكونُ المعنى: لا يَحْمِلُ أحدٌ عذابَ الإِنسانِ كقوله:
              وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ
              [فاطر: 18]. وهذه الأوجهُ صَعْبَةُ المَرامِ على طالِبها من غيرِ هذا الموضوعِ لتفرُّقها في غيرِه وعُسْرِ استخراجِها منه.

              وقال القرطبي

              قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ أي لا يعذِّب كعذاب الله أَحَد، ولا يُوثِق كوثاقه أحد. والكناية ترجع إلى الله تعالى. وهو قول ابن عباس والحسن. وقرأ الكسائي «لا يُعَذَّب» «ولا يُوثَق» بفتح الذال والثاء؛ أي لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يَوْمَئذ، ولا يوثَق كما يوثَق الكافر. والمراد إبليس؛ لأن الدليل قام على أنه أشدّ الناس عذاباً، لأجل إجرامه؛ فأطلق الكلام لأجل ما صحبه من التفسير. وقيل: إنه أمية بن خلف؛ حكاه الفرّاء. يعني أنه لا يعذَّب كعذاب هذا الكافر المعيَّن أحد، ولا يوثَق بالسلاسل والأغلال كوَثاقه أحد؛ لتناهيه في كفره وعناده. وقيل: أي لا يعذَّب مكانه أحد، فلا يؤخذ منه فداء. والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى الإيثاق. ومنه قول الشاعر:
              وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةً الرِّتاعا
              وقيل: لا يعذب أحد ليس بكافر عذاب الكافر. واختار أبو عبيد وأبو حاتم فتح الذال والثاء. وتكون الهاء ضمير الكافر؛ لأن ذلك معروف: أنه لا يعذب أحد كعذاب الله. وقد روى أبو قِلابة عن النبيّ أنه قرأ بفتح الذال والثاء. وروى أن أبا عمرو رجع إلى قراءة النبي صلّى الله عليه وسلم. وقال أبو عليّ: يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة؛ أي لا يعذِّب أحدٌ أحداً مثل تعذيب هذا الكافر؛ فتكون الهاء للكافر. والمراد بـ«ـأحد» الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار.

              وقال ابن الجوزی فی زاد مسيره

              فيومئذ لا يعذَّب عذابه أحدٌ قرأ الكسائي، ويعقوب، والمفضل «لا يعذَّب» بفتح الذال، والباقون بكسرها، فمن فتح، أراد: لا يعذب عذاب الكافر أحد، ومن كسر أراد: لا يعذَّب عذاب الله أحد، أي كعذابه، وهذه القراءة تختص بالدنيا، والأولى تختص بالآخرة.

              تعليق


              • #8
                الجوهرة الثامنة

                وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ


                قال السمين الحلبي فی الدر المصون

                والضميرُ المرفوعُ في " فَأَتَّمَّهُنَّ " فيه قولان: أحدُهما أنه عائدٌ على " ربه " أي: فأكملهنَّ. والثاني: أنه عائدٌ على إبراهيم أي: عَمِل بهنَّ وَوَفَّى بهنَّ.

                تعليق


                • #9
                  الجوهرة التاسعة

                  فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ

                  قال ابو حيان فی بحره المحيط

                  ويحتمل إن صح أنه قتل غراب غراباً أو كان ميتاً، أن يكون الضمير في أخيه عائداً على الغراب، أي: ليرى قابيل كيف يواري الغراب سوءة أخيه وهو الغراب الميت، ....

                  وضمير الفاعل في ليريه الظاهر أنه عائد على الله تعالى، لأن الإراءة حقيقة هي من الله، إذ ليس للغراب قصد الإراءة وإرادتها. ويجوز أن يعود على الغراب أي: ليريه الغراب، أي: ليعلمه لأنه لما كان سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه على سبيل المجاز،

                  تعليق


                  • #10
                    الجوهرة العاشرة

                    ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا

                    قال ابو حيان فی بحره المحيط

                    والظاهر أن الضمير في له عائد على الكتاب وعليه التخاريج الإعرابية السابقة. وزعم قوم أن الضمير في له عائد على عبده

                    تعليق


                    • #11
                      الجوهرة الحادية عشر

                      يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ

                      قال ابو حيان فی بحره

                      والظاهر أن من الجنّ رسلاً إليهم كما أن من الإنس رسلاً لهم. فقيل: بعث الله رسولاً واحداً من الجنّ إليهم اسمه يوسف. وقيل: رسل الجنّ هم رسل الإنس فهم رسل الله بواسطة إذ هم رسل رسله، ويؤيده قوله:
                      ولوا إلى قومهم منذرين
                      [الأحقاف: 29] قاله ابن عباس والضحاك. وروي أن قوماً من الجنّ استمعوا إلى الأنبياء ثم عادوا إلى قومهم فأخبروهم كما جرى لهم مع الرسول، فيقال لهم رسل الله وإن لم يكونوا رسله حقيقة

                      وعلى هذين القولين يكون الضمير عائداً على الجنّ والإنس وقد تعلق قوم بهذا الظاهر فزعموا أن الله تعالى بعث إلى الجنّ رسلاً منهم ولم يفرقوا بين مكلفين ومكلفين أن يبعث إليهم رسول من جنسهم لأنهم به آنس وآلف. وقال مجاهد والضحاك وابن جريج والجمهور: والرسل من الإنس دون الجن ولكن لما كان النداء لهما والتوبيخ معاً جرى الخطاب عليهما على سبيل التجوز المعهود في كلام العرب تغليباً للإنس لشرفهم، وتأوّله الفراء على حذف مضاف أي من أحدكم كقوله:
                      يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان
                      [الرحمن: 22] أي من أحدهما وهو الملح وكقوله: وجعل القمر فيهنّ نوراً
                      [نوح: 16] أي في إحداهن وهي سماء الدنيا
                      ويذكروا اسم الله في أيام معلومات
                      [الحج: 28] أراد بالذكر التكبير وبالأيام المعلومات العشر أي في أحد أيام وهو يوم النحر. وقال الكلبي: كان الرسل يبعثون إلى الإنس وبعث محمد إلى الجن والإنس

                      تعليق


                      • #12
                        الجوهرة الثانية عشر

                        سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ

                        ذهبت ابحث فى كتب ساداتنا اهل التفسير عن مرجع الضمير فى قوله تعالى انه هو السميع البصير فوجدنهم كلهم قالوا انه لله اى الله هو السميع البصير وهو الصحيح بلا شك

                        ووجدت الامام الالوسي ذكر رأی اخر فقال:

                        وأما الغيبة في قوله : إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ على تقدير كون الضمير له تعالى كما هو الأظهر وعليه الأكثر فليطابق قوله تعالى: بِعَبْدِهِ ويرشح ذلك الاختصاص بما يوقع هذا الالتفات أحسن مواقعه وينطبق عليه التعليل أتم انطباق إذ المعنى قربه وخصه بهذه الكرامة لأنه سبحانه مطلع على أحواله عالم باستحقاقه لهذا المقام. قال الطيبـي: أنه هو السميع / لأقوال ذلك العبد البصير بأفعاله بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصدق والصفا مستأهلة للقرب والزلفى،

                        وأما على تقدير كون الضمير للنبـي كما نقله أبو البقاء عن بعضهم وقال: أي السميع لكلامنا البصير لذاتنا، وقال الجلبـي: إنه لا يبعد، والمعنى عليه إن عبدي الذي شرفته بهذا التشريف هو المستأهل له فإنه السميع لأوامري ونواهي العامل بهما البصير الذي ينظر بنظرة العبرة في مخلوقاتي فيعتبر أو البصير بالآيات التي أريناه إياها كقوله تعالى:
                        مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ
                        [النجم: 17] فقيل لمطابقة الضمائر العائدة عليه وكذا لما عبر به عنه من قوله سبحانه: عَبْدِهِ ، وقيل: للإشارة إلى اختصاصه بالمنح والزلفى وغيبوبة شهوده في عين بـي يسمع وبـي يبصر، ولا يمتنع إطلاق السميع والبصير على غيره تعالى كما توهم لا مطلقاً ولا هنا، قال الطيبـي: ولعل السر في مجيء الضمير محتملاً للأمرين الإشارة إلى أنه إنما رأى رب العزة وسمع كلامه به سبحانه كما في الحديث المشار إليه آنفاً فافهم تسمع وتبصر.

                        تعليق


                        • #13
                          الجوهرة الثالثة عشر

                          وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ

                          قال ابو حيان فی بحره

                          وإنها لكبيرة : الضمير عائد على الصلاة. هذا ظاهر الكلام، وهو القاعدة في علم العربية: أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل، وقيل: يعود على الاستعانة، وهو المصدر المفهوم من قوله: واستعينوا ، فيكون مثل
                          اعدلوا هو أقرب للتقوى
                          [المائدة: 8] أي العدل أقرب، قاله البجلي. وقيل: يعود على إجابة رسول الله ، لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه، قاله الأخفش. وقيل: على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. وقيل: يعود على الكعبة، لأن الأمر بالصلاة إليها. وقيل: يعود على جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها، من قوله: اذكروا نعمتي إلى واستيعنوا . وقيل: المعنى على التثنية، واكتفى بعوده على أحدهما، فكأنه قال: وإنهما كقوله:
                          والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها
                          [التوبة: 34] في بعض التأويلات، وكقوله: والله ورسوله أحق أن يرضوه ، وقول الشاعر:
                          إن شـرخ الشبـاب والشعـر الأسـود مـا لم يعـاص كـان جنونـا
                          فهذه سبعة أقوال فيما يعود الضمير عليه، وأظهرها ما بدأنا به أولاً، قال مؤرج في عود الضمير: لأن الصلاة أهم وأغلب، كقوله تعالى:
                          انفضّوا إليها
                          [الجمعة: 11]، انتهى. يعني أن ميل أولئك الذين انصرفوا في الجمعة إلى التجارة أهم وأغلب من ميلهم إلى اللهو، فلذلك كان عود الضمير عليها، وليس يعني أن الضميرين سواء في العود، لأن العطف بالواو يخالف العطف بأو، فالأصل في العطف بالواو مطابقة الضمير لما قبله في تثنية وجمع، وأما العطف بأو فلا يعود الضمير فيه إلا على أحد ما سبق. ومعنى كبر الصلاة: ثقلها وصعوبتها على من يفعلها مثل قوله تعالى:
                          كبر على المشركين ما تدعوهم إليه
                          [الشورى: 13]، أي شق ذلك وثقل.

                          وقال ابن الجوزی فی زاد المسير

                          قوله تعالى: وإِنها في المكنى عنها ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الصلاة، قاله ابن عباس والحسن، ومجاهد والجمهور. والثاني: أنها الكعبة والقبلة، لأنه لما ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل. والثالث: أنها الاستعانة، لأنه لما قال: واستعينوا دل على الاستعانة، ذكره محمد بن القاسم النحوي.

                          تعليق


                          • #14
                            الجوهرة الرابعة عشر

                            فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً

                            قال الامام الرازى فى تفسيره

                            والضمير في قوله بينهما إلى ماذا يعود؟ فيه قولان،

                            الأول: مجمع بينهما أي مجمع البحرين وهو كأنه إشارة إلى (قول) موسى لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أي فحقق (الله) ما قاله.

                            والقول الثاني: أن المعنى فلما بلغ الموضع الذي يجتمع (فيه) موسى وصاحبه الذي كان يقصده لأن ذلك الموضع الذي وقع فيه نسيان الحوت هو الموضع الذي كان يسكنه الخضر أو يسكن بقربه ولأجل هذا المعنى لما رجع موسى وفتاه بعد أن ذكر الحوت صار إليه وهو معنى حسن، والمفسرون على القول الأول،

                            ملحوظة

                            مجمع بينهما...فراق بينی وبينك

                            تعليق


                            • #15
                              الجوهرة الخامسة عشر

                              أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ

                              الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ

                              فهم مرجع الضمائر فی هذه الأية يحتاج لتعمق

                              قال ابن الجوزی فی زاد مسيره

                              وفي قوله: ويتلوه قولان:

                              أحدهما: يتبعه.

                              والثاني: يقرؤه. وفي هاء «يتلوه» قولان:

                              أحدهما: أنها ترجع إِلى النبي .

                              والثاني: إِلى القرآن، وقد سبق ذكره في قوله:
                              فأْتوا بعشرِ سُوَرٍ مثلِهِ مفتريات
                              [هود 13].

                              وفي المراد بالشاهد ثمانية أقوال:

                              أحدها: أنه جبريل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وإِبراهيم في آخرين.

                              والثاني: أنه لسان رسول الله الذي كان يتلو القرآن، قاله علي بن أبي طالب، والحسن، وقتادة في آخرين.

                              والثالث: أنه علي بن أبي طالب. و «يتلوه» بمعنى يتبعه، رواه جماعة عن علي بن أبي طالب، وبه قال محمد بن علي، وزيد بن علي.

                              والرابع: أنه رسول الله هو شاهد من الله تعالى، قاله الحسين بن علي .


                              والخامس: أنه ملَك يحفظه ويسدده، قاله مجاهد.

                              والسادس: أنه الإِنجيل يتلو القرآن بالتصديق، وإِن كان قد أُنزل قبله، لأن النبي بشَّرت به التوراة، قاله الفراء.

                              والسابع: أنه القرآن ونظمه وإِعجازه، قاله الحسين بن الفضل.

                              والثامن: أنه صورة رسول الله ووجهه ومخايله، لأن كل عاقل نظر إِليه علم أنه رسول الله .

                              وفي هاء «منه» ثلاثة أقوال:

                              أحدها: أنها ترجع إِلى الله تعالى.

                              والثاني: إِلى النبي .

                              والثالث: إِلى البيِّنة.

                              قوله تعالى: ومِنْ قبله في هذه الهاء ثلاثة أقوال:

                              أحدها: أنها ترجع إِلى النبي ، قاله مجاهد.

                              والثاني: إِلى القرآن، قاله ابن زيد.

                              والثالث: إِلى الإِنجيل، أي: ومن قبل الإِنجيل كتاب موسى يتبع محمداً بالتصديق له، ذكره ابن الأنباري. قال الزجاج: والمعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى دليلاً على أمر النبي ، فيكون «كتاب موسى» عطفا على قوله: ويتلوه شاهد منه أي: ويتلوه كتاب موسى، لأن موسى وعيسى بشَّرا بالنبي في التوراة والإِنجيل. ونصب «إِماما» على الحال.

                              فإن قيل: كيف تتلوه التوراة، وهي قبله؟

                              قيل: لما بشَّرت به، كانت كأنها تالية له، لأنها تبعته بالتصديق له.

                              وقال ابن الأنباري: كتاب موسى ، مفعول في المعنى، لأن جبريل تلاه على موسى، فارتفع الكتاب، وهو مفعول بمضمر بعده، تأويله: ومن قبله كتاب موسى كذاك، أي: تلاه جبريل أيضاً، كما تقول العرب: أكرمت أخاك وأبوك، فيرفعون الأب، وهو مكرَم على الاستئناف، بمعنى: وأبوك مكرَم أيضاً. قال: وذهب قوم إِلى أن كتاب موسى فاعل، لأنه تلا محمداً بالتصديق كما تلاه الإِنجيل.

                              فصل

                              فتلخيص الآية: أفمن كان على بيِّنة من ربه كمن لم يكن؟ قال الزجاج: ترك المضادَّ له، لأن في ما بعده دليلاً عليه، وهو قوله:
                              مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم
                              [هود 24]. وقال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قوما ركنوا إِلى الدنيا، جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم، إِذ كان فيه دليل عليه. وقال ابن الأنباري: إِنما حُذف لانكشاف المعنى، والمحذوف المقدَّر كثير في القرآن والشعر، قال الشاعر:
                              فأُقْسِمُ لَوْ شيءٌ أتانا رَسُولُه سِواكِ، وَلكِن لم نَجِدْ لكِ مَدْفعا
                              فإن قلنا: إِن المراد بمن كان على بيِّنة من ربه، رسول الله ، فمعنى الآية: ويتبع هذا النبيَّ شاهد، وهو جبريل . «منه» أي: من الله. وقيل: «شاهد» هو علي بن أبي طالب، «منه» أي: من النبي . وقيل: «يتلوه» يعني القرآن، يتلوه جبريل، وهو شاهد لمحمد أن الذي يتلوه جاء من عند الله تعالى.

                              وقيل. ويتلو رسول الله القرآن وهو شاهد من الله. وقيل ويتلو لسانُ رسول الله القرآنَ، فلسانه شاهد منه. وقيل: ويتبع محمداً شاهد له بالتصديق، وهو الإِنجيل من الله تعالى. وقيل ويتبع هذا النبي شاهد من نفسه، وهو سَمْتُه وهديه الدالُّ على صدقه. وإِن قلنا: إِن المراد بمن كان على بيِّنة من ربه المسلمون، فالمعنى: أنهم يتبعون رسول الله وهو البيِّنة، ويتبع هذا النبي شاهد له بصدقه....

                              وفي هاء «به» ثلاثة أقوال. أحدها: أنها ترجع إِلى التوراة. والثاني إِلى القرآن. والثالث: إِلى محمد .


                              وقال السمين فی الدر المصون

                              قوله: وَيَتْلُوهُ اختلفوا في هذه الضمائر، أعني في " يتلوه " ، وفي " منه " ، وفي " قبله ": فقيل: الهاء في " يتلوه " تعود/ على " مَنْ " ، والمرادُ به النبيُّ وكذلك الضميران في " منه " و " قبله " والمرادُ بالشاهد لسانُه ، والتقدير: ويتلو ذلك الذي على بَيِّنة، أي: ويتلو محمداً ـ أي صِدْقَ محمدٍ ـ لسانُه، ومِنْ قبلِه، أي قبل محمد. وقيل: الشاهدُ هو جبريلُ، والضمير في " منه " للَّه تعالىٰ، و " من قبله " للنبي. وقيل: الشاهدُ الإِنجيلُ و " كتاب موسىٰ " عطف على " شاهد " ، والمعنىٰ أن التوراة والإِنجيل يتلوان محمداً في التصديق، وقد فَصَلَ بين حرفِ العطف والمعطوف بقوله: " من قبله " ، والتقدير: شاهدٌ منه، وكتاب موسىٰ من قبله، وقد تقدَّم الكلامُ على الفصل بين حرف العطفِ والمعطوفِ مُشْبعاً في النساء.

                              وقيل: الضمير في " يتلوه " للقرآن وفي " منه " لمحمد . وقيل: لجبريل، والتقدير: ويتلو القرآنَ شاهدٌ من محمدٍ وهو لسانُه، أو مِن جبريلَ. والهاءُ في " من قبلِه " أيضاً للقرآن. وقيل: الهاءُ في " يَتْلوه " تعود على البيان المدلولِ عليه بالبيِّنة. وقيل: المرادُ بالشاهدِ إعجازُ القرآن، فالضمائر الثلاثة للقرآن. وهذا كافٍ، ووراء ذلك أقوالٌ مضطربةٌ غالبُها يَرْجِع لما ذكرْتُ.
                              ...

                              والهاءُ في " به " يجوز أن تعودَ على " كتاب موسىٰ " وهو أقربُ مذكورٍ. وقيل: بالقرآن، وقيل: بمحمد، وكذلك الهاء في " به ".

                              وقال القرطبي

                              قوله تعالى: أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ٱبتداء والخبر محذوف؛ أي أفمن كان على بينة من ربه في اتباع النبيّ ، ومعه من الفضل ما يتَبيّن به كغيره ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها؟ٰ عن علي بن الحسين والحسن بن أبي الحسن. وكذلك قال ٱبن زيد: إن الذي على بيّنة هو من ٱتبع النبيّ محمداً . وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ من الله، وهو النبيّ . وقيل المراد بقوله: أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ النبيّ ، والكلام راجع إلى قوله: وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ؛ أي أفمن كان معه بيان من الله، ومعجزة كالقرآن، ومعه شاهد كجبريل ـ على ما يأتي ـ وقد بشرت به الكتب السالفة يضيق صدره بالإبلاغ، وهو يعلم أن الله لا يُسْلِمه. والهاء في ربّه تعود عليه، وقوله: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ . وروى عِكرمة عن ٱبن عباس أنه جبريل؛ وهو قول مجاهد والنَّخَعِيّ. والهاء في منه لله ؛ أي ويتلو البيان والبرهان شاهد من الله . وقال مجاهد: الشاهد ملَك من الله عزّ وجلّ يحفظه ويُسدّده. وقال الحسن البصري وقَتَادة: الشاهد لسان رسول الله . قال محمد بن علي بن الحنفية: قلت لأبي أنت الشاهد؟ فقال: وددت أن أكون أنا هو، ولكنه لسان رسول الله . وقيل: هو علي بن أبي طالب؛ روي عن ٱبن عباس أنه قال: هو علي بن أبي طالب؛ وروي عن عليّ أنه قال: ما من رجل من قريش إلا وقد أنزلت فيه الآية والآيتان؛ فقال له رجل: أي شيء نزل فيك؟ فقال عليّ: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ . وقيل: الشاهد صورة رسول الله ووجهه ومخائله؛ لأن من كان له فضل وعقل فنظر إلى النبيّ علم أنه رسول الله ؛ فالهاء على هذا ترجع إلى النبيّ ، على قول ٱبن زيد وغيره. وقيل الشاهد القرآن في نظمه وبلاغته، والمعاني الكثيرة منه في اللفظ الواحد؛ قاله الحسين بن الفضل، فالهاء في منه للقرآن. وقال الفرّاء قال بعضهم: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ الإنجيل، وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق؛ والهاء في منه لله عزّ وجلّ. وقيل: البيّنة معرفة الله التي أشرقت لها القلوب، والشاهد الذي يتلوه العقلُ الذي رُكِّب في دماغه وأشرق صدره بنوره. وَمِن قَبْلِهِ أي من قبل الإنجيل. كِتَابُ مُوسَىٰ رفع بالابتداء، قال أبو إسحق الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى؛ لأن النبي موصوف في كتاب موسى

                              ....

                              والهاء في به يجوز أن تكون للقرآن، ويجوز أن تكون للنبيّ . وَمَن يَكْفُرْ بِهِ أي بالقرآن أو بالنبيّ . مِنَ ٱلأَحْزَابِ يعني من الملل كلها؛ عن قَتَادة؛ وكذا قال سعيد بن جُبَير: الأحزاب أهل الأديان كلها؛ لأنهم يتحازبون. وقيل: قريش وحلفاؤهم. فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ أي هو من

                              أهل النار؛ وأنشد حسان:
                              أَوردتموها حياضَ الموتِ ضاحية فالنارُ موعدُها والموتُ لاقيها
                              وفي صحيح مسلم من حديث أبي يونس عن أبي هريرة عن النبي : " والذي نفس محمد بيده لاَ يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصرانيٌّ (ثم يموت) ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلاّ كان من أصحاب النار ". فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ أي في شك. مِّنْهُ أي من القرآن. إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ أي القرآن من الله؛ قاله مقاتل. وقال الكَلْبيّ: المعنى فلا تك في مرية في أن الكافر في النار.

                              تعليق

                              19,840
                              الاعــضـــاء
                              231,465
                              الـمــواضـيــع
                              42,359
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X