• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • اختصار خطبة الكتاب(مقدمة الطبري لتفسيره) من مختصري لتفسير الطبري

      خُطْبَةُ الْكِتَابِ
      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
      وَبِهِ ثِقَتِي وَعَلَيْهِ اعْتِمَادِي
      رَبِّ يَسِّرْ
      الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَجَبَتِ الْأَلْبَابَ بَدَائِعُ حِكَمِهِ، وَخَصَمَتِ الْعُقُولَ لَطَائِفُ حُجَجِهِ، وَقَطَعَتْ عُذْرَ الْمُلْحِدِينَ عَجَائِبُ صُنْعِهِ، وَهَتَفَ فِي أَسْمَاعِ الْعَالَمِينَ أَلْسُنُ أَدِلَّتِهِ، شَاهِدَةً أَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ..
      الَّذِي لَا عِدْلَ لَهُ مُعَادِلٌ، وَلَا مِثْلَ لَهُ مُمَاثِلٌ، وَلَا شَرِيكَ لَهُ مُظَاهِرٌ، وَلَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَلَا كُفُوًا أَحَدٌ..
      وَأَنَّهُ الْجَبَّارُ الَّذِي خَضَعَتْ لِجَبَرُوتِهِ الْجَبَابِرَةُ..
      وَالْعَزِيزُ الَّذِي ذَلَّتْ لِعِزَّتِهِ الْمُلُوكُ الْأَعِزَّةُ، وَخَشَعَتْ لِمَهَابَةِ سَطْوَتِهِ ذَوُو الْمَهَابَةِ، وَأَذْعَنَ لَهُ جَمِيعُ الْخَلْقِ بِالطَّاعَةِ طَوْعًا وَكَرْهًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ..
      فَكُلُّ مَوْجُودٍ إِلَى وَحْدَانِيَّتِهِ دَاعٍ، وَكُلُّ مَحْسُوسٍ إِلَى رُبُوبِيَّتِهِ هَادٍ، بِمَا وَسَمَهُمْ بِهِ مِنْ آثَارِ الصَّنْعَةِ، مِنْ نَقْصٍ وَزِيَادَةٍ، وَعَجْزٍ وَحَاجَةٍ، وَتَصَرُّفٍ فِي عَاهَاتٍ عَارِضَةٍ، وَمُقَارَنَةِ أَحْدَاثٍ لَازِمَةٍ، لِتَكُونَ لَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ..
      ثُمَّ أَرْدَفَ مَا شَهِدَتْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَدِلَّتُهُ، وَأَكَّدَ مَا اسْتَنَارَتْ فِي الْقُلُوبِ مِنْهُ بَهْجَتُهُ، بِرُسُلٍ ابْتَعَثَهُمْ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ..
      دُعَاةً إِلَى مَا اتَّضَحَتْ لَدَيْهِمْ صِحَّتُهُ، وَثَبَتَتْ فِي الْعُقُولِ حُجَّتُهُ؛ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ[النساء: 165]، وَلِيَذَّكَرَ أُولُو النُّهَى وَالْحُلُمِ..
      فَأَمَدَّهُمْ بِعَوْنِهِ، وَأَبَانَهُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ، بِمَا دَلَّ بِهِ عَلَى صِدْقِهِمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَأَيَّدَهُمْ بِهِ مِنَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ، وَالْآيِ الْمُعْجِزَةِ؛ لِئَلَّا يَقُولَ الْقَائِلُ فِيهِمْ: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ، وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ[المؤمنون: 34]. فَجَعَلَهُمْ سُفَرَاءَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، وَأُمَنَاءَهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَاخْتَصَّهُمْ بِفَضْلِهِ، وَاصْطَفَاهُمْ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِيمَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ مَوَاهِبِهِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ كَرَامَاتِهِ، مَرَاتِبَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنَازِلَ مُتَفَرِّقَةً..
      وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ، مُتَفَاضِلَاتٍ مُتَبَايِنَاتٍ، فَكَرَّمَ بَعْضَهُمْ بِالتَّكْلِيمِ وَالنَّجْوَى، وَأَيَّدَ بَعْضَهُمْ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَخَصَّهُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ أُولِي الْعَاهَةِ وَالْعَمَى..
      وَفَضَّلَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدَّرَجَاتِ بِالْعُلْيَا، وَمِنَ الْمَرَاتِبِ بِالْعُظْمَى، فَحَبَاهُ مِنْ أَقْسَامِ كَرَامَتِهِ بِالْقِسْمِ الْأَفْضَلِ، وَخَصَّهُ مِنْ دَرَجَاتِ النُّبُوَّةِ بِالْحَظِّ الْأَجْزَلِ، وَمِنَ الْأَتْبَاعِ وَالْأَصْحَابِ بِالنَّصِيبِ الْأَوْفَرِ..
      وَابْتَعَثَهُ بِالدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالرِّسَالَةِ الْعَامَّةِ، وَحَاطَهُ وَحِيدًا، وَعَصَمَهُ فَرِيدًا، مِنْ كُلِّ جَبَّارٍ عَانِدٍ، وَكُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ..
      حَتَّى أَظْهَرَ بِهِ الدِّينَ، وَأَوْضَحَ بِهِ السَّبِيلَ، وَأَنْهَجَ بِهِ مَعَالِمَ الْحَقِّ، وَمَحَقَ بِهِ مَنَارَ الشِّرْكِ، وَزَهَقَ بِهِ الْبَاطِلُ، وَاضْمَحَلَّ بِهِ الضَّلَالُ وَخُدَعُ الشَّيْطَانِ، وَعِبَادَةُ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، مُؤَيَّدًا بِدَلَالَةٍ عَلَى الْأَيَّامِ بَاقِيَةٍ، وَعَلَى الدُّهُورِ وَالْأَزْمَانِ ثَابِتَةٍ، وَعَلَى مَمَرِّ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ دَائِمَةٍ، يَزْدَادُ ضِيَاؤُهَا عَلَى كَرِّ الدُّهُورِ إِشْرَاقًا، وَعَلَى مَرِّ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ ائْتِلَاقًا، تَخْصِيصًا مِنَ اللَّهِ لَهُ بِهَا، دُونَ سَائِرِ رُسُلِهِ، الَّذِينَ قَهَرَتْهُمُ الْجَبَابِرَةُ، وَاسْتَذَلَّتْهُمُ الْأُمَمُ الْفَاجِرَةُ، فَعَفَتْ بَعْدَهُمْ مِنْهُمُ الْآثَارُ، وَأَخْمَلَتْ ذِكْرَهُمُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، وَدُونَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُرْسَلًا إِلَى أُمَّةٍ دُونَ أُمَّةً، وَخَاصَّةٍ دُونَ عَامَّةٍ، وَجَمَاعَةٍ دُونَ كَافَّةٍ..
      فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَرَّمْنَا بِتَصْدِيقِهِ، وَشَرَّفَنَا بِاتِّبَاعِهِ، وَجَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الْإِقْرَارِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَبِمَا دَعَا إِلَيْهِ وَجَاءَ بِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ أَزْكَى صَلَوَاتِهِ، وَأَفْضَلَ سَلَامِهِ، وَأَتَمَّ تَحِيَّاتِهِ.
      ........................يتبع
      العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

    • #2
      أَمَّا بَعْدُ..
      فَإِنَّ مِنْ جَسِيمِ مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ أُمَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفَضِيلَةِ، وَشَرَّفَهُمْ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ مِنَ الْمَنَازِلِ الرَّفِيعَةِ، وَحَبَاهُمْ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ السَّنِيَّةِ، حِفْظَهُ مَا حَفِظَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِهِ وَتَنْزِيلِهِ..
      الَّذِي جَعَلَهُ عَلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَالَةً..
      وَعَلَى مَا خَصَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَامَةً وَاضِحَةً وَحُجَّةً بَالِغَةً..
      أَبَانَهُ بِهِ مِنْ كُلِّ كَاذِبٍ وَمُفْتَرٍ..
      وَفَصَلَ بِهِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كُلِّ جَاحِدٍ وَمُلْحِدٍ..
      وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ كُلِّ كَافِرٍ وَمُشْرِكٍ..
      الَّذِي لَوِ اجْتَمَعَ جَمِيعُ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا، مِنْ جِنِّهَا وَإِنْسِهَا، وَصَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، لَمْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا..
      فَجَعَلَهُ لَهُمْ فِي دُجَى الظُّلَمِ نُورًا سَاطِعًا، وَفِي سَدَفِ الشُّبَهِ شِهَابًا لَامِعًا، وَفِي مَضَلَّةِ الْمَسَالِكِ دَلِيلًا هَادِيًا، وَإِلَى سُبُلِ النَّجَاةِ وَالْحَقِّ حَادِيًا، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[المائدة: 16]..
      حَرَسَهُ بِعَيْنٍ مِنْهُ لَا تَنَامُ، وَحَاطَهُ بِرُكْنٍ مِنْهُ لَا يُضَامُ، لَا تَهِي عَلَى الْأَيَّامِ دَعَائِمُهُ، وَلَا تَبِيدُ عَلَى طُولِ الْأَزْمَانِ مَعَالِمُهُ، وَلَا يَجُورُ عَنْ قَصْدِ الْمَحَجَّةِ تَابِعُهُ، وَلَا يَضِلُّ عَنْ سُبُلِ الْهُدَى مُصَاحِبُهُ..
      مَنِ اتَّبَعَهُ فَازَ وَهَدَى، وَمَنْ حَادَ عَنْهُ ضَلَّ وَغَوَى..
      فَهُوَ مَوْئِلُهُمُ الَّذِي إِلَيْهِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ يَئِلُونَ، وَمَعْقِلُهُمُ الَّذِي إِلَيْهِ فِي النَّوَازِلِ يَعْتَقِلُونَ، وَحِصْنُهُمُ الَّذِي بِهِ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ يَتَحَصَّنُونَ، وَحِكْمَةُ رَبِّهِمْ الَّتِي إِلَيْهَا يَحْتَكِمُونَ، وَفَصْلُ قَضَائِهِ بَيْنَهُمُ الَّذِي إِلَيْهِ يَنْتَهُونَ، وَعَنِ الرِّضَا بِهِ يَصْدُرُونَ، وَحَبْلُهُ الَّذِي بِالتَّمَسُّكِ بِهِ مِنَ الْهَلَكَةِ يَعْتَصِمُونَ..
      اللَّهُمَّ فَوَفِّقْنَا لِإِصَابَةِ صَوَابِ الْقَوْلِ فِي مُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ، وَمُجْمَلِهِ وَمُفَسَّرِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَتَأْوِيلِ آيِهِ، وَتَفْسِيرِ مُشْكِلِهِ، وَأَلْهِمْنَا التَّمَسُّكَ بِهِ، وَالِاعْتِصَامَ بِمُحْكَمِهِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى التَّسْلِيمِ لِمُتَشَابِهِهِ، وَأَوْزِعْنَا الشُّكْرَ عَلَى مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ حِفْظِهِ، وَالْعِلْمِ بِحُدُودِهِ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، قَرِيبُ الْإِجَابَةِ..
      وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
      ......................يتبع
      العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

      تعليق


      • #3
        اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ، رَحِمَكُمُ اللَّهُ..
        أَنَّ أَحَقَّ مَا صُرِفَتْ إِلَى عِلْمِهِ الْعِنَايَةُ، وَبَلَغَتْ فِي مَعْرِفَتِهِ الْغَايَةُ، مَا كَانَ لِلَّهِ فِي الْعِلْمِ بِهِ رِضًا، وَلِلْعَالِمِ بِهِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ هُدًى..
        وَأَنَّ أَجْمَعَ ذَلِكَ لِبَاغِيهِ، كِتَابُ اللَّهِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ، وَتَنْزِيلُهُ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، الْفَائِزُ بِجَزِيلِ الذُّخْرِ وَسَنَى الْأَجْرِ تَالِيهِ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
        ......................يتبع
        العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

        تعليق


        • #4
          نَحْنُ فِي شَرْحِ تَأْوِيلِهِ، وَبَيَانِ مَا فِيهِ مِنْ مَعَانِيهِ:
          مُنْشِئُونَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ - كِتَابًا مُسْتَوْعِبًا لِكُلِّ مَا بِالنَّاسِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ عِلْمِهِ جَامِعًا..
          وَمِنْ سَائِرِ الْكُتُبِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ كَافِيًا..
          وَمُخْبِرُونَ فِي كُلِّ ذَلِكَ بِمَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنَ اتِّفَاقِ الْحُجَّةِ فِيمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ..
          وَاخْتِلَافِهَا فِيمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ مِنْهُ..
          وَمُبَيِّنُو عِلَلِ كُلِّ مَذْهَبٍ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ..
          وَمُوَضِّحُو الصَّحِيحِ لَدَيْنَا مِنْ ذَلِكَ، بِأَوْجَزِ مَا أَمْكَنَ مِنَ الْإِيجَازِ فِي ذَلِكَ، وَأَخْصَرِ مَا أَمْكَنَ مِنَ الِاخْتِصَارِ فِيهِ..
          وَاللَّهَ نَسْأَلُ عَوْنَهُ وَتَوْفِيقَهُ لِمَا يُقَرِّبُ مِنْ مَحَابِّهِ، وَيُبْعِدُ مِنْ مَسَاخِطِهِ..
          وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى صَفْوَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
          ..................يتبع
          العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

          تعليق


          • #5
            وَإِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ مِنَ الْقِيلِ فِي ذَلِكَ:
            الْإِبَانَةُ عَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي الْبِدَايَةُ بِهَا أَوْلَى، وَتَقْدِيمُهَا قَبْلَ مَا عَدَاهَا أَحْرَى، وَذَلِكَ الْبَيَانُ عَمَّا فِي آيِ الْقُرْآنِ مِنَ الْمَعَانِي، الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا يَدْخُلُ اللَّبْسُ عَلَى مَنْ لَمْ يُعَانِ رِيَاضَةَ الْعُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَمْ تَسْتَحْكِمْ مَعْرِفَتُهُ بِتَصَارِيفِ وُجُوهِ مَنْطِقِ الْأَلْسُنِ السَّلِيقِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ.
            ..................يتبع
            العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

            تعليق


            • #6
              الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَنِ اتِّفَاقِ مَعَانِي آيِ الْقُرْآنِ وَمَعَانِي مَنْطِقِ مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ مِنْ وَجْهِ الْبَيَانِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ هُوَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، مَعَ الْإِبَانَةِ عَنْ فَضْلِ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ بَايَنَ الْقُرْآنُ سَائِرَ الْكَلَامِ
              إِنَّ مِنْ عَظِيمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَجَسِيمِ مِنَنِهِ عَلَى خَلْقِهِ مَا مَنَحَهُمْ مِنْ فَضْلِ الْبَيَانِ:
              الَّذِي بِهِ عَنْ ضَمَائِرِ صُدُورِهِمْ يُبِينُونَ..
              وَبِهِ عَلَى عَزَائِمِ نُفُوسِهِمْ يَدُلُّونَ..
              فَذَلَّلَ بِهِ مِنْهُمُ الْأَلْسُنَ..
              وَسَهَّلَ بِهِ عَلَيْهِمُ الْمُسْتَصْعَبَ..
              فَبِهِ إِيَّاهُ يُوَحِّدُونَ..
              وَإِيَّاهُ بِهِ يُسَبِّحُونَ وَيُقَدِّسُونَ..
              وَإِلَى حَاجَاتِهِمْ بِهِ يَتَوَصَّلُونَ..
              وَبِهِ بَيْنَهُمْ يَتَحَاوَرُونَ..
              فَيَتَعَارَفُونَ وَيَتَعَامَلُونَ.

              ثُمَّ جَعَلَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ فِيمَا مَنَحَهُمْ مِنْ ذَلِكَ طَبَقَاتٍ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ..
              فَبَيْنَ خَطِيبٍ مُسْهِبٍ، وَذَلْقِ اللِّسَانِ مُهَذَّبٍ، وَمُفْحَمٍ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُبِينُ، وَعَيٍّ عَنْ ضَمِيرِ قَلْبِهِ لَا يُعَبِّرُ..

              وَجَعَلَ أَعْلَاهُمْ فِيهِ رُتْبَةً، وَأَرْفَعَهُمْ فِيهِ دَرَجَةً، أَبْلَغَهُمْ فِيمَا أَرَادَ بِهِ بَلَاغًا، وَأَبْيَنَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ بِهِ بَيَانًا..
              ثُمَّ عَرَّفَهُمْ فِي تَنْزِيلِهِ وَمُحْكَمِ آيِ كِتَابِهِ، فَضْلَ مَا حَبَاهُمْ بِهِ مِنَ الْبَيَانِ، عَلَى مَنْ فَضَّلَهُمْ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ ذِي الْبَكَمِ وَالْمُسْتَعْجِمِ اللِّسَانِ..
              فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ[الزخرف: 18]، فَقَدْ وَضَحَ إِذَنْ لِذَوِي الْأَفْهَامِ، وَتَبَيَّنَ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، أَنَّ فَضْلَ أَهْلِ الْبَيَانِ عَلَى أَهْلِ الْبَكَمِ وَالْمُسْتَعْجِمِ اللِّسَانِ، بِفَضْلِ اقْتِدَارِ هَذَا مِنْ نَفْسِهِ عَلَى إِبَانَةِ مَا أَرَادَ إِبَانَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِبَيَانِهِ، وَاسْتِعْجَامِ لِسَانِ هَذَا عَمَّا حَاوَلَ إِبَانَتَهُ بِلِسَانِهِ..
              فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ بَايَنَ الْفَاضِلُ الْمَفْضُولَ فِي ذَلِكَ فَصَارَ بِهِ فَاضِلًا، وَالْآخَرُ مَفْضُولًا، هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ فَضْلِ إِبَانَةِ ذِي الْبَيَانِ، عَمَّا قَصَّرَ عَنْهُ الْمُسْتَعْجِمُ اللِّسَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُخْتَلِفَ الْأَقْدَارِ، مُتَفَاوِتَ الْغَايَاتِ وَالنِّهَايَاتِ..
              فَلَا شَكَّ أَنَّ أَعْلَى مَنَازِلِ الْبَيَانِ دَرَجَةً، وَأَسْنَى مَرَاتِبِهِ مَرْتَبَةً، أَبْلَغُهُ فِي حَاجَةِ الْمُبِينِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَبْيَنُهُ عَنْ مُرَادِ قَائِلِهِ، وَأَقْرَبُهُ مِنْ فَهْمِ سَامِعِهِ..
              فَإِنْ تَجَاوَزَ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ، وَارْتَفَعَ عَنْ وُسْعِ الْأَنَامِ، وَعَجَزَ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ جَمِيعُ الْعِبَادِ؛ كَانَ حُجَّةً وَعَلَمًا لِرُسُلِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ..
              كَمَا كَانَ حُجَّةً وَعَلَمًا لَهَا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءُ الْأَبْرَصِ وَذَوِي الْعَمَى، بِارْتِفَاعِ ذَلِكَ عَنْ مَقَادِيرِ أَعْلَى مَنَازِلِ طِبِّ الْمُتَطَبِّبِينَ، وَأَرْفَعِ مَرَاتِبِ عِلَاجِ الْمُعَالِجِينَ، إِلَى مَا يَعْجِزُ عَنْهُ جَمِيعُ الْعَالَمِينَ.
              وَكَالَّذِي كَانَ لَهَا حُجَّةً وَعَلَمًا قَطْعُ مَسَافَةِ شَهْرَيْنِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، بِارْتِفَاعِ ذَلِكَ عَنْ وُسْعِ الْأَنَامِ، وَتَعَذَّرَ مِثْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى قَطْعِ الْقَلِيلِ مِنَ الْمَسَافَةِ قَادِرِينَ، وَلِلْيَسِيرِ مِنْهُ فَاعِلِينَ..

              فَإِذَا كَانَ مَا وَصَفْنَا مِنْ ذَلِكَ كَالَّذِي وَصَفْنَا..
              فَبَيِّنٌ أَنْ لَا بَيَانَ أَبْيَنُ، وَلَا حِكْمَةَ أَبْلَغُ، وَلَا مَنْطِقَ أَعْلَى، وَلَا كَلَامَ أَشْرَفُ، مِنْ بَيَانٍ وَمَنْطِقٍ تَحَدَّى بِهِ امْرُؤٌ قَوْمًا، فِي زَمَانٍ هُمْ فِيهِ رُؤَسَاءُ صِنَاعَةِ الْخُطَبِ وَالْبَلَاغَةِ، وَقِيلِ الشِّعْرِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالسَّجْعِ وَالْكَهَانَةِ، كُلُّ خَطِيبٍ مِنْهُمْ وَبَلِيغٍ، وَشَاعِرٍ مِنْهُمْ وَفَصِيحٍ، وَكُلَّ ذِي سَجْعٍ وَكَهَانَةٍ..
              فَسَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ، وَقَصَّرَ مَعْقُولَهُمْ، وَتَبْرَّأَ مِنْ دِينِهِمْ، وَدَعَا جَمِيعَهُمْ إِلَى اتِّبَاعِهِ، وَالْقَبُولِ مِنْهُ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ رَسُولٌ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ..
              وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِهِ، وَحُجَّتَهُ عَلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ، مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنَ الْبَيَانِ وَالْحِكْمَةِ وَالْفُرْقَانِ، بِلِسَانٍ مِثْلِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَمَنْطِقٍ مُوَافِقَةٍ مَعَانِيهِ مَعَانِيَ مَنْطِقِهِمْ..
              ثُمَّ أَنْبَأَ جَمِيعَهُمْ أَنَّهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ بَعْضِهِ عَجَزَةٌ، وَمِنَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ نَقَصَةٌ..
              فَأَقَرَّ جَمِيعُهُمْ بِالْعَجْزِ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالتَّصْدِيقِ، وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالنَّقْصِ..
              إِلَّا مَنْ تَجَاهَلَ مِنْهُمْ وَتَعَامَى، وَاسْتَكْبَرَ وَتَعَاشَى، فَحَاوَلَ تَكَلُّفَ مَا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ عَنْهُ عَاجِزٌ، وَرَامَ مَا قَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ عَلَيْهِ غَيْرُ قَادِرٍ، فَأَبْدَى مِنْ ضَعْفِ عَقْلِهِ مَا كَانَ مَسْتُورًا، وَمِنْ عِيِّ لِسَانِهِ مَا كَانَ مَصُونًا، فَأَتَى بِمَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ الضَّعِيفُ الْأَخْرَقُ، وَالْجَاهِلُ الْأَحْمَقُ، فَقَالَ: وَالطَّاحِنَاِتِ طَحْنًا، وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، فَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، وَالثَّارِدَاتِ ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحَمَاقَاتِ الْمُشْبِهَةِ دَعْوَاهُ الْكَاذِبَةَ.

              فَإِذَا كَانَ تَفَاضُلُ مَرَاتِبِ الْبَيَانِ، وَتَبَايُنُ مَنَازِلِ دَرَجَاتِ الْكَلَامِ، بِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ..
              وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَحْكَمَ الْحُكَمَاءِ، وَأَحْلَمَ الْحُلَمَاءِ..
              كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَبْيَنَ الْبَيَانِ بَيَانُهُ، وَأَفْضَلَ الْكَلَامِ كَلَامُهُ، وَأَنَّ قَدْرَ فَضْلِ بَيَانِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى بَيَانِ جَمِيعِ خَلْقِهِ، كَفَضْلِهِ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ..
              فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرَ مُبِينٍ مِنَّا عَنْ نَفْسِهِ مَنْ خَاطَبَ غَيْرَهُ بِمَا لَا يَفْهَمُهُ عَنْهُ الْمُخَاطَبُ..
              كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ، وَلَا يُرْسِلُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ رَسُولًا بِرِسَالَةٍ إِلَّا بِلِسَانٍ وَبَيَانٍ يَفْهَمُهُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ..
              لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ وَالْمُرْسَلَ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَفْهَمْ مَا خُوطِبَ بِهِ وَأُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِ، فَحَالُهُ قَبْلَ الْخِطَابِ وَقَبْلَ مَجِيءِ الرِّسَالَةِ إِلَيْهِ وَبَعْدَهُ سَوَاءٌ، إِذْ لَمْ يُفِدْهُ الْخِطَابُ وَالرِّسَالَةُ شَيْئًا كَانَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ جَاهِلًا..
              وَاللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ خِطَابًا أَوْ يُرْسِلَ رِسَالَةً لَا تُوجِبُ فَائِدَةً لِمَنْ خُوطِبَ أَوْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِينَا مِنْ فِعْلِ أَهْلِ النَّقْصِ وَالْعَبَثِ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ مُتَعَالٍ..
              وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[إبراهيم: 4]، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[النحل: 64]، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ بِهِ مُهْتَدِيًا مَنْ كَانَ بِمَا يُهْدَى إِلَيْهِ جَاهِلًا..
              فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا بِمَا عَلَيْهِ دَلَّلْنَا مِنَ الدَّلَالَةِ أَنَّ كُلَّ رَسُولٍ لِلَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمٍ، فَإِنَّمَا أَرْسَلَهُ بِلِسَانِ مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ، وَكُلَّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيٍّ، وَرِسَالَةٍ أَرْسَلَهَا إِلَى أُمَّةٍ، فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ لَهُ بِلِسَانِ مَنْ أَنْزَلَهُ أَوْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ..
              وَاتَّضَحَ بِمَا قُلْنَا وَوَصَفْنَا أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

              وَإِذَا كَانَ لِسَانُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَبِيًّا، فَبَيِّنٌ أَنَّ الْقُرْآنَ عَرَبِيٌّ، وَبِذَلِكَ أَيْضًا نَطَقَ مُحْكَمُ تَنْزِيلِ رَبِّنَا، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ[يوسف: 2]، وَقَالَ: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[الشعراء: 193].

              وَإِذَا كَانَتْ وَاضِحَةً صِحَّةُ مَا قُلْنَا، بِمَا عَلَيْهِ اسْتَشْهَدْنَا مِنَ الشَّوَاهِدِ وَدَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّلَائِلِ..
              فَالْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمَعَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُوَافِقَةً، وَظَاهِرُهُ لِظَاهِرِ كَلَامِهَا مُلَائِمًا، وَإِنْ بَايَنَهُ كِتَابُ اللَّهِ بِالْفَضِيلَةِ الَّتِي فَضَلَ بِهَا سَائِرَ الْكَلَامِ وَالْبَيَانِ بِمَا قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُنَا.

              فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ فَبَيِّنٌ - إِذْ كَانَ مَوْجُودًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْإِيجَازُ وَالِاخْتِصَارُ، وَالِاجْتِزَاءُ بِالْإِخْفَاءِ مِنَ الْإِظْهَارِ، وَبِالْقِلَّةِ مِنَ الْإِكْثَارِ، فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَاسْتِعْمَالُ الْإِطَالَةِ وَالْإِكْثَارِ، وَالتَّرْدَادِ وَالتَّكْرَارِ، وَإِظْهَارُ الْمَعَانِي بِالْأَسْمَاءِ دُونَ الْكِنَايَةِ عَنْهَا، وَالْإِسْرَارُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَالْخَبَرُ عَنِ الْخَاصِّ فِي الْمُرَادِ بِالْعَامِّ الظَّاهِرِ، وَعَنِ الْعَامِّ فِي الْمُرَادِ بِالْخَاصِّ الظَّاهِرِ، وَعَنِ الْكِنَايَةِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمُصَرَّحُ، وَعَنِ الصِّفَةِ وَالْمُرَادُ الْمَوْصُوفُ، وَعَنِ الْمَوْصُوفِ وَالْمُرَادُ الصِّفَةُ، وَتَقْدِيمُ مَا هُوَ فِي الْمَعْنَى مُؤَخَّرٌ، وَتَأْخِيرُ مَا هُوَ فِي الْمَعْنَى مُقَدَّمٌ، وَالِاكْتِفَاءُ بِبَعْضٍ مِنْ بَعْضٍ، وَبِمَا يَظْهَرُ عَمَّا يُحْذَفُ، وَإِظْهَارُ مَا حَظُّهُ الْحَذْفُ..
              أَنْ يَكُونَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَهُ نَظِيرًا، وَلَهُ مِثْلًا وَشَبِيهًا..
              وَنَحْنُ مُبَيِّنُو جَمِيعِ ذَلِكَ فِي أَمَاكِنِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ، وَأَمُدُّ مِنْهُ بِعَوْنٍ وَقُوَّةٍ.
              ....................يتبع
              العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

              تعليق


              • #7
                الْقَوْلُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ
                قَدْ قُلْنَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَرَبِيٌّ..
                وَأَنَّهُ نَزَلَ بِأَلْسُنِ بَعْضِ الْعَرَبِ، دُونَ أَلْسُنِ جَمِيعِهَا..
                وَأَنَّ قِرَاءَةَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ وَمَصَاحِفَهُمُ الَّتِي هِيَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، بِبَعْضِ الْأَلْسُنِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ دُونَ جَمِيعِهَا..
                وَقُلْنَا فِي الْبَيَانِ عَمَّا يَحْوِيهِ الْقُرْآنُ مِنَ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ وَالْحِكْمَةِ وَالْبَيَانِ، الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ إِيَّاهُ، مِنْ أَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَوَعْدِهِ، وَوَعِيدِهِ، وَمُحْكَمِهِ، وَمُتَشَابِهِهِ، وَلَطَائِفِ حِكَمِهِ، مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ.

                وَنَحْنُ قَائِلُونَ فِي الْبَيَانِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ..
                قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[النحل: 44] .
                وَقَالَ أَيْضًا جَلَّ ذِكْرُهُ: وَمَا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[النحل: 64]..
                وَقَالَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ..

                فَقَدْ تَبَيَّنَ بِبَيَانِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، أَنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا لَا يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ..
                وَذَلِكَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ مَا فِيهِ، مِنْ وجُوهِ أَمْرِهِ، وَوَاجِبِهِ، وَنَدْبِهِ، وَإِرْشَادِهِ وَصُنُوفِ نَهْيِهِ، وَوَظَائِفِ حُقُوقِهِ، وَحُدُودِهِ، وَمَبَالِغِ فَرَائِضِهِ، وَمَقَادِيرِ اللَّازِمِ بَعْضَ خَلْقِهِ لِبَعْضٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ آيِهِ، الَّتِي لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهَا إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ..
                وَهَذَا وَجْهٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْقَوْلُ فِيهِ، إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِتَأْوِيلِهِ، بِنَصٍّ مِنْهُ عَلَيْهِ، أَوْ بِدَلَالَةٍ قَدْ نَصَبَهَا دَالَّةً أُمَّتَهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ.

                وَأَنَّ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ..
                وَذَلِكَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ آجَالٍ حَادِثَةٍ، وَأَوْقَاتٍ آتِيَةٍ، كَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّورِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ تِلْكَ أَوْقَاتَ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ حُدُودَهَا، وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْ تَأْوِيلِهَا إِلَّا الْخَبَرَ بِأَشْرَاطِهَا، لِاسْتِئْثَارِ اللَّهِ بِعِلْمِ ذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ..
                وَكَذَلِكَ أَنْزَلَ رَبُّنَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ، فَقَالَ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنِّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنِّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ..
                وَكَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا بِأَشْرَاطِهِ، دُونَ تَحْدِيدِهِ بِوَقْتٍ، كَالَّذِي رُوِيَ عَنْهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ إِذَا ذُكِرَ الدَّجَّالُ: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِنْ يَخْرُجْ بَعْدِي، فَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ»..
                وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ، الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَابُ، الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ أَوْقَاتِ شَيْءٍ مِنْهُ، بِمَقَادِيرِ السِّنِينَ وَالْأَيَّامِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِنَّمَا كَانَ عَرَّفَهُ مَجِيئَهُ بِأَشْرَاطِهِ، وَوَقْتِهِ بِأَدِلَّتِهِ.

                وَأَنَّ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ بِاللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ..
                وَذَلِكَ إِقَامَةُ إِعْرَابِهِ، وَمَعْرِفَةُ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَسْمَائِهَا اللَّازِمَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا، وَالْمَوْصُوفَاتِ بِصِفَاتِهَا الْخَاصَّةِ دُونَ مَا سِوَاهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ..
                وَذَلِكَ كَسَامِعٍ مِنْهُمْ لَوْ سَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ[البقرة: 12]..
                لَمْ يَجْهَلْ أَنَّ مَعْنَى الْإِفْسَادِ هُوَ مَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ مِمَّا هُوَ مَضَرَّةٌ، وَأَنَّ الْإِصْلَاحَ هُوَ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ، مِمَّا فِعْلُهُ مَنْفَعَةٌ؛ وَإِنْ جَهِلَ الْمَعَانِي الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِفْسَادًا، وَالْمَعَانِي الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِصْلَاحًا..
                فَالَّذِي يَعْلَمُهُ ذُو اللِّسَانِ الَّذِي بِلِسَانِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ، مِنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، هُوَ مَا وَصَفْتُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَسْمَائِهَا اللَّازِمَةِ، غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا، وَالْمَوْصُوفَاتِ بِصِفَاتِهَا الْخَاصَّةِ، دُونَ الْوَاجِبِ مِنْ أَحْكَامِهَا وَصِفَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا، الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِعِلْمِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يُدْرَكُ عِلْمَهُ إِلَّا بِبَيَانِهِ، دُونَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ.
                وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٍ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ..

                وَهَذَا الْوَجْهُ الرَّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ..
                مِنْ أَنَّ أَحَدًا لَا يُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ، مَعْنًى غَيْرُ الْإِبَانَةِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْجَهْلَ بِهِ..
                ......................يتبع
                العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                تعليق


                • #8
                  النَّهْيُ عَنِ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ
                  مَا كَانَ مِنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ، إِلَّا بِنَصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِنَصْبِهِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ، فَغَيَّرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الْقِيلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ..
                  بَلِ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِيهِ، فَمُخْطِئٌ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ بِقِيلِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ..
                  لِأَنَّ إِصَابَتَهُ لَيْسَتْ إِصَابَةَ مُوقِنٍ أَنَّهُ مُحِقٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ إِصَابَةُ خَارِصٍ وَظَانٍّ..
                  وَالْقَائِلُ فِي دَيْنِ اللَّهِ بِالظَّنِّ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ..
                  وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَقَالَ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ[الأعراف: 33]..
                  فَالْقَائِلُ فِي تَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بَيَانَهُ، قَائِلٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَإِنْ وَافَقَ قِيلُهُ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْقَائِلَ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.
                  ......................... يتبع
                  العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                  تعليق


                  • #9
                    ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَنْ كَانَ يُفَسِّرْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ
                    عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يُعْرَفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ»..
                    وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ، كَانُوا يُقْرِؤُنَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُسْتَقْرَئُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُخْلِفُوهَا حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ، فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا»..
                    قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرَهُ، مَا نَزَلَتْ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ»..
                    وَعَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ عَلِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْحَجِّ، قَالَ: فَخَطَبَ النَّاسَ خِطْبَةً، لَوْ سَمِعَهَا التُّرْكُ وَالرُّومُ لَأَسْلَمُوا، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ النُّورِ، فَجَعَلَ يُفَسِّرُهَا..
                    وعَنْ شَقِيقِ، قَالَ: قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَجَعَلَ يُفَسِّرُهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ سَمِعَتِ هَذَا الدَّيْلَمُ لَأَسْلَمَتْ..
                    وَعَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَوَلِيَ الْمَوْسِمَ، فَقَرَأَ سُورَةَ النُّورِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفَسَّرَهَا، لَوْ سَمِعَتِ الرُّومُ لَأَسْلَمَتْ..

                    وَفِي حَثِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِمَا فِي آيِ الْقُرْآنِ، مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالتِّبْيَانِ، بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[الزمر: 28]، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ، وَحَثَّهُمْ فِيهَا، عَلَى الِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِ آيِ الْقُرْآنِ، وَالِاتِّعَاظِ بِمَوَاعِظِهِ..
                    مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ تَأْوِيلِ مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْهُمْ تَأْوِيلُهُ مِنْ آيَاتٍ..
                    لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَا يَفْهَمْ مَا يُقَالُ لَهُ وَلَا يَعْقِلُ تَأْوِيلَهُ: اعْتَبِرْ بِمَا لَا فَهْمَ لَكَ بِهِ وَلَا مَعْرِفَةَ مِنَ الْقِيلِ وَالْبَيَانِ، إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِأَنْ يَفْهَمَهُ وَيَفْقَهَهُ، ثُمَّ يَتَدَبَّرَهُ وَيَعْتَبِرَ بِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَمُسْتَحِيلٌ أَمْرُهُ بِتَدَبُّرِهِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ جَاهِلٌ..
                    كَمَا مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِبَعْضِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَلَا يَفْهَمُونَهُ، لَوْ أُنْشِدَتْ قَصِيدَةُ شِعْرٍ مِنْ أَشْعَارِ بَعْضِ الْعَرَبِ، ذَاتُ أَمْثَالٍ وَمَوَاعِظَ وَحِكَمٍ: اعْتَبِرْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْثَالِ، وَادَّكَّرْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَوَاعِظِ، إِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ لَهَا بِفَهْمِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ الِاعْتِبَارُ بِمَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ، فَأَمَّا وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِمَعَانِي مَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَنْطِقِ؛ فَمُحَالٌ أَمْرُهَا بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مَعَانِي مَا حَوَتْهُ مِنَ الْأَمْثَالِ وَالْعِبَرِ، بَلْ سَوَاءٌ أَمْرُهَا بِذَلِكَ وَأَمْرُ بَعْضِ الْبَهَائِمِ بِهِ، إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَعَانِي الْمَنْطِقِ وَالْبَيَانِ الَّذِي فِيهَا..
                    فَكَذَلِكَ مَا فِي آيِ كِتَابِ اللَّهِ، مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ وَالْمَوَاعِظِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: اعْتَبِرْ بِهَا، إِلَّا لِمَنْ كَانَ بِمَعَانِي بَيَانِهِ عَالِمًا، وَبِكَلَامِ الْعَرَبِ عَارِفًا، وَإِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ لِمَنْ كَانَ بِذَلِكَ مِنْهُ جَاهِلًا، أَنْ يَعْلَمَ مَعَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ، ثُمَّ يَتَدَبَّرُهُ بَعْدُ، وَيَتَّعِظُ بِحِكَمِهِ وَصُنُوفِ عِبَرِهِ..
                    فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، قَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ بِتَدَبُّرِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِهِ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آيُهُ جَاهِلًا..
                    وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِذَلِكَ، إِلَّا وَهُمْ بِمَا يَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ عَالِمُونَ، صَحَّ أَنَّهُمْ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْهُمْ عِلْمَهُ مِنْ آيِةِِ، الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنْهُ دُونَ خَلْقِهِ، الَّذِي قَدْ قَدَّمْنَا صِفَتَهُ آنِفًا عَارِفُونَ..
                    وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ، فَسَدَ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ تَفْسِيرَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ، مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْ خَلْقِهِ تَأْوِيلَهُ.
                    ...........................يتبع
                    العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                    تعليق


                    • #10
                      ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي غَلَطَ فِي تَأْوِيلِهَا مُنْكِرُو الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ
                      فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا
                      قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «لَقَدْ أَدْرَكَتُ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهُمْ لَيُعَظَّمُونَ الْقَوْلَ فِي التَّفْسِيرِ، مِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَنَافِعٌ»..
                      وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ آيَةٍ، مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «لَا أَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا»..
                      وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يُحَدِّثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِي الْمَعْلُومِ مِنَ الْقُرْآنِ»..
                      وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَأَلْتُ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنْ آيَةٍ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالسَّدَادِ فَقَدْ ذَهَبَ الَّذِينَ عَلِمُوا فِيمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ»..
                      وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: سَأَلْتُ عُبَيْدَةَ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «ذَهَبَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ فِيمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ، اتَّقِ اللَّهَ، وَعَلَيْكَ بِالسَّدَادِ»..
                      قِيلَ لَهُ:
                      الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا بِإِحْجَامِهِ عَنِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ فِعْلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَفِعْلِ مَنْ أَحْجَمَ مِنْهُمْ عَنِ الْفُتْيَا فِي النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ..
                      مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ إِكْمَالِ الدِّينِ بِهِ لِعِبَادِهِ، وَعِلْمِهِ بِأَنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ وَحَادِثَةٍ، حُكْمًا مَوْجُودًا، بِنَصٍّ أَوْ دَلَالَةٍ..
                      فَلَمْ يَكُنْ إِحْجَامُهُ عَنِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، إِحْجَامُ جَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ..
                      وَلَكِنْ إِحْجَامُ خَائِفٍ، أَنْ لَا يَبْلُغَ فِي اجْتِهَادِهِ، مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فِيهِ..
                      فَكَذَلِكَ مَعْنَى إِحْجَامِ مَنْ أَحْجَمَ عَنِ الْقِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَتْفِسِيرِهِ مِنَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ، إِنَّمَا كَانَ إِحْجَامُهُ عَنْهُ حَذَار أَنْ لَا يَبْلُغَ أَدَاءَ مَا كُلِّفَ مِنْ إِصَابَةِ صَوَابِ الْقَوْلِ فِيهِ، لَا عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مَحْجُوبٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ.
                      ............................يتبع
                      العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                      تعليق


                      • #11
                        ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قُدَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ مَحْمُودًا عِلْمُهُ بِالتَّفْسِيرِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَذْمُومًا عِلْمُهُ بِذَلِكَ
                        قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: «نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ»..
                        وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: رَأَيْتُ مُجَاهِدًا يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَعَهُ الْوَاحِدُ فَيَقُولُ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اكْتُبْ , قَالَ: حَتَّى سَأَلَهُ عَنِ التَّفْسِيرِ، كُلِّهِ..
                        وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، أَوْقَفْتُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ، وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا»..
                        وَقال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ، فَحَسْبُكَ بِهِ»..
                        وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ: «لَمْ يَلْقَ الضَّحَّاكُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا لَقِيَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ بِالرِّيِّ، وَأَخَذَ عَنْهُ التَّفْسِيرَ»..
                        وَقَالَ زَكَرِيَّا: كَانَ الشَّعْبِيُّ يَمُرُّ بِأَبِي صَالِحٍ بَاذَانَ، فَيَأْخُذُ بِأُذُنِهِ فَيَعْرُكُهَا، وَيَقُولُ: «تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ وَأَنْتَ لَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ»..
                        قَدْ قُلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا فِي وُجُوهِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ تَأْوِيلَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ عَلَى أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ:
                        أَحَدُهَا: لَا سَبِيلَ إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وَحَجَبَ عِلْمَهُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهُوَ أَوْقَاتُ مَا كَانَ مِنْ آجَالِ الْأُمُورِ الْحَادِثَةِ، الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّهَا كَائِنَةٌ، مِثْلُ وَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَوَقْتِ نُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالنَّفْخِ فِي الصُّورِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ...
                        وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مَا خَصَّ اللَّهُ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ، وَهُوَ مَا فِيهِ مِمَّا بِعِبَادِهِ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ الْحَاجَةُ، فَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ، إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ تَأْوِيلَهُ..
                        وَالثَّالِثُ مِنْهَا: مَا كَانَ عِلْمُهُ عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَذَلِكَ عِلْمُ تَأْوِيلِ عَرَبِيَّتِهِ وَإِعْرَابِهِ، لَا تَوَصُّلَ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِمْ..
                        فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ..
                        فَأَحُّقُ الْمُفَسِّرِينَ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ الَّذِي إِلَى عِلْمُ تَأْوِيلِهِ لِلْعِبَادِ سَبِيلٌ:
                        أَوْضَحُهُمْ حُجَّةً فِيمَا تَأَوَّلَ وَفَسَّرَ، مِمَّا كَانَ تَأْوِيلُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دُونَ سَائِرِ أُمَّتِهِ، مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الثَّابِتَةِ عَنْهُ، إِمَّا مِنْ وَجْهِ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ، فِيمَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ، وَإِمَّا مِنْ وَجْهِ نَقْلِ الْعُدُولِ الْأَثْبَاتِ، فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَنْهُ النَّقْلُ الْمُسْتَفِيضُ، أَوْ مِنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ الْمَنْصُوبَةِ عَلَى صِحَّتِهِ..
                        وَأَوْضَحُهُمْ بُرْهَانًا فِيمَا تُرْجَمَ وَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ، مِمَّا كَانَ مُدْرِكًا عِلْمَهُ مِنْ جِهَةِ اللِّسَانِ، إِمَّا بِالشَّوَاهِدِ مِنْ أَشْعَارِهِمُ السَّائِرَةِ، وَإِمَّا مِنْ مَنْطِقِهِمْ وَلُغَاتِهِمُ الْمُسْتَفِيضَةِ الْمَعْرُوفَةِ..
                        كَائِنًا مَنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُتَأَوِّلُ وَالْمُفَسِّرُ، بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونَ خَارِجًا تَأْوِيلُهُ وَتَفْسِيرُهُ مَا تَأَوَّلَ وَفَسَّرَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ وَالْخَلَفِ مِنَ التَّابِعِينَ وَعُلَمَاءِ الْأُمَّةِ.
                        .................................يتبع
                        العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                        تعليق


                        • #12
                          الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ وَسُورَهِ وَآيِهِ
                          إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، سَمَّى تَنْزِيلَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَسْمَاءً أَرْبَعَةً:
                          مِنْهُنَّ الْقُرْآنُ: فَقَالَ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، فِي تَنْزِيلِهِ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ[يوسف: 3]، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ[النمل: 76].
                          وَمِنْهُنَّ الْفُرْقَانُ: قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، فِي وَحْيِهِ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُسَمِّيهِ بِذَلِكَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[الفرقان: 1].
                          وَمِنْهُنَّ الْكِتَابُ: قَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ، فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا[الكهف: 2].
                          وَمِنْهُنَّ الذِّكْرُ: قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[الحجر: 9].
                          وَلِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَعْنًى وَوَجْهٌ غَيْرُ مَعْنَى الْآخَرِ وَوَجْهِهِ.
                          فَأَمَّا الْقُرْآنُ: فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنَ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَرَأْتُ الْقُرْآنَ، كَقَوْلِكَ الْخُسْرَانَ: مِنْ خَسِرْتُ، وَالْغُفْرَانَ: مِنْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، وَالْكُفْرَانَ: مِنْ كَفَرْتُكَ.
                          وَالْفُرْقَانَ: مِنْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.. وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ، الَّذِي هُوَ فُرْقَانٌ: فَإِنَّ تَفْسِيرَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ جَاءَ فِي ذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، هِيَ فِي الْمَعَانِي مُؤْتَلِفَةٌ.. فَقَالَ بَعْضُهُم: هُوَ النَّجَاةُ.. وَقَالَ بَعْضُهُم: الْفُرْقَانُ الْمَخْرَجُ.. وَكُلُّ ذلكَ مُتَقَارِبُ الْمَعْنى؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ جُعِلَ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْ أَمْرٍ كَانَ فِيهِ فَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ الْمَخْرَجُ مِنْهُ نَجَاةً، وَكَذَلِكَ إِذَا نَجَى مِنْهُ فَقَدْ نُصِرَ عَلَى مَنْ بَغَاهُ فِيهِ سُوءًا، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاغِيهِ بِالسُّوءِ.. وَأَصْلُ الْفُرْقَانِ عِنْدَنَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِقَضَاءٍ، وَاسْتِنْقَاذٍ، وَإِظْهَارِ حُجَّةٍ، وَتَصَرُّفٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُفَرِّقَةِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ.. فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ، أَنَّ الْقُرْآنَ سُمِّيَ فُرْقَانًا، لِفَصْلِهِ بِحُجَّتِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ وَسَائِرِ مَعَانِي حُكْمِهِ، بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ، وَفُرْقَانُهُ بَيْنَهُمَا بِنَصْرِهِ الْمُحِقَّ وَتَخْذِيلِهِ الْمُبْطِلَ، حُكْمًا وَقَضَاءً.
                          وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ: فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ كَتَبْتُ كِتَابًا، كَمَا تَقُولُ قُمْتُ قِيَامًا، وَحَسِبْتُ الشَّيْءَ حِسَابًا، وَالْكِتَابُ هُوَ خَطُّ الْكَاتِبِ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ، مَجْمُوعَةً وَمُفْتَرِقَةً، وَسُمِّيَ كِتَابًا وَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُوبٌ.
                          وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ الذِّكْرُ: فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، ذَكَّرَ بِهِ عِبَادَهُ، فَعَرَّفَهُمْ فِيهِ حُدُودَهُ وَفَرَائِضَهُ، وَسَائِرَ مَا أَوْدَعَهُ مِنْ حُكْمِهِ.. وَالْآخَرُ: أَنَّهُ ذِكْرٌ وَشَرَفٌ وَفَخْرٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِمَا فِيهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ[الزخرف: 44]، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُ وَلِقَوْمِهِ.
                          ..........................يتبع
                          العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                          تعليق


                          • #13
                            ثُمَّ لِسُوَرٍ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ
                            فَالسَّبْعُ الطُّوَلُ: الْبَقَرَةُ، وَآلُ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءُ، وَالْمَائِدَةُ، وَالْأَنْعَامُ، وَالْأَعْرَافُ، وَيُونُسُ.
                            وَأَمَّا الْمِئُونَ: فَهِيَ مَا كَانَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، عَدَدُ آيِهِ مِائَةُ آيَةٍ، أَوْ تُزِيدُ عَلَيْهَا شَيْئًا أَوْ تُنْقِصُ مِنْهَا شَيْئًا يَسِيرًا.
                            وَأَمَّا الْمَثَانِي: فَإِنَّهَا مَا ثَنَّى الْمِئِينَ فَتَلَاهَا، وَكَانَ الْمِئُونَ لَهَا أَوَائِلَ، وَكَانَ الْمَثَانِي لَهَا ثَوَانِيَ؛ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَثَانِي سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِتَثْنِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِيهَا الْأَمْثَالَ وَالْخَبَرَ وَالْعِبَرَ.
                            قَالَ بَعْضُهُمْ:
                            حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّوَاتِي طُوِّلَتْ ... وَبِمِئِينَ بَعْدَهَا قَدْ أُمْئِيَتْ
                            وَبِمَثَانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ ... وَبِالطَّوَاسِينِ الَّتِي قَدْ ثُلِّثَتْ
                            وبِالْحَوَامِيمِ اللَّوَاتِي سُبِّعَتْ ... وَبِالمُفَصَّلِ اللَّوَاتِي فُصِّلَتْ
                            وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ، فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ.
                            وَأَمَّا الْمُفَصَّلُ: فَإِنَّهَا سُمِّيَتْ مُفَصَّلًا، لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ الَّتِي بَيْنَ سِوَرِهَا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
                            ....................يتبع
                            العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                            تعليق


                            • #14
                              ثُمَّ تُسَمَّى كُلُّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةً
                              وَتُجْمَعُ سُوَرًا، عَلَى تَقْدِيرِ خُطْبَةٍ وَخُطَبٍ، وَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ..
                              وَالسُّورَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ: الْمَنْزِلَةُ مِنْ مَنَازِلِ الِارْتِفَاعِ..
                              وَقَدْ هَمَزَ بَعْضُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَأْوِيلُهَا فِي لُغَةِ مَنْ هَمَزَهَا: الْقِطْعَةُ الَّتِي أَفُضِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ عَمَّا سِوَاهَا وَأُبْقِيَتْ، وَذَلِكَ أَنَّ سُؤْرَ كُلِّ شَيْءٍ الْبَقِيَّةُ مِنْهُ تَبْقَى بَعْدَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْفَضْلَةُ مِنْ شَرَابِ الرَّجُلِ يَشْرَبُهُ، ثُمَّ يَفْضُلُهَا فَيُبْقِيهَا فِي الْإِنَاءِ سُؤْرًا.
                              ..............يتبع
                              العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                              تعليق


                              • #15
                                وَأَمَّا الْآيَةُ مِنْ الْقُرْآنِ

                                فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ:
                                أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ آيَةً، لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا تَمَامُ مَا قَبْلَهَا وَابْتِدَاؤُهَا، كَالْآيَةِ الَّتِي تَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الشَّيْءِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ، جَلَّ ذِكْرُهُ: رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ[المائدة: 114] أَيْ عَلَامَةً مِنْكَ، لِإِجَابَتِكَ دُعَاءَنَا، وَإِعْطَائِكَ إِيَّانَا سُؤْلَنَا..
                                وَالْآخَرُ مِنْهُمَا: الْقِصَّةُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَاتِ: الْقَصَصُ، قِصَّةٌ تَتْلُو قِصَّةً بِفُصُولٍ وَوُصُولٍ.


                                تم

                                العلم النافع ، وذكر الله الحقيقي ، يُهذب الطبع ، ويحسن الأخلاق (البحر المديد /5/317)

                                تعليق

                                19,986
                                الاعــضـــاء
                                237,742
                                الـمــواضـيــع
                                42,692
                                الــمــشـــاركـــات
                                يعمل...
                                X