• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • القرآن لساناً وعربيا: تدبر آيات عدم تبرئة النفس وعدم طلب الحكم في سورة يوسف


      اختلف أهل التفسير في نسبة عبارة "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء" (يوسف/53)، فمنهم من يرى أن قائلها نبي الله يوسف ، ومنهم من يرى أنها قائلتها امرأة العزيز. بيد أن الأمر لا يستوجب الخلاف البتة. فهذه المقولة آية عظمى، وحكمة بالغة، وتقريرٌ سامٍ خليق به أن يصدر عن ذي حظ عظيم من الصلاح والحكمة والنبوة؛ وما مِن سبيلٍ إلا أن يكون قائلها يوسف الصديق ، وما مِن سبيل لنسبتها لامرأة العزيز. وفيما يلي توضيح ذلك.
      تماثل هذه المقولة الجليلة الشأن، الجميلة المعنى والمبنى، ما قاله الأنبياء، ، في القرآن الحكيم؛ ففيها الاعتراف بالتقصير، والافتقار إلى رحمة الله تعالى وهدايته؛ وفيها النأي عن تزكية النفس، وتحاشي إسباغ صفات الكمال عليها؛ وفيها ما يليق بالأنبياء وبالمؤمنين أجمعين من هضم النفس وتخفيضها، أي أنَّ فيها، باختصار، التواضع الذي هو أولى صفات الأنبياء وأعظهما، التواضع الذي هو الطريق الوحيد لتحقيق ما خلقنا الله من أجله: العبودية له. فليس الإنسان هو الذي يهدي نفسه بنفسه، بل الله يمنُّ عليه بالإيمان وبالهداية، ولولا رحمة الله به لضلّ وغوى. فلئن قال يوسف الصديق "وما أبرئُ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي" (يوسف/53)، فقد قال يونس بن متى : "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين" (الأنبياء 87)؛ وها هو نبي الله زكريا يستشعر الفتنة "فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب" (القصص 24)؛ وها هو نبي الله موسى يقر بأن ما قام به من عمل الشيطان فيرجع إلى ربه تائباً مستغفراً: "ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي، فغفر له إنه هو الغفور الرحيم" (القصص 16)؛ وحين عاتب المولى رسوله نوحاً: "قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين" (هود/46)، فزع نوحٌ ففرّ إلى ربه بقوله: "ربِّ إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين" (هود/47)؛ وأخيراً، أ لم يقل المولى لخاتم رسله وأنبيائه، وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركنُ إليهم شيئاً قليلا"؟ (الإسراء/74). فالأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، محتاجون إلى التثبيت، حاجتهم إلى النصر والزرق. فهم بشر لا تعصمهم إلا رحمة ربهم بهم، وتعليمه وتأديبه لهم، ومغفرته لذنوبهم: "ووضعنا عن وزرك" (الشرح/2)، "فغفرنا له ذلك" (ص/25)، "فغفر له إنه هو الغفور الرحيم" (القصص/16).
      ما قاله يوسف قاله الأنبياء من قبله ومن بعده، عليهم الصلاة والسلام جميعاً. إذن، من حيث المبدأ، هذا القول جائز تماماً في حق سيدنا يوسف ، ولا حرج فيه، مثلما جاز في حق جميع الأنبياء؛ بل على العكس تماما، هو شرف كبير يرتقي به العبد درجة عالية في العبودية لله؛ فذلك هو التواضع الذي ما بعده إلا الرفعة؛ و هو المنجاة الوحيدة من العجب وتزكية النفس والرضا عنها.
      ذلك، إذن، من حيث المبدأ، أما من حيث السياق، فإنّ امرأة العزيز لم تكن بريئة، ولم يبرئها أحدٌ أصلاً، بل أدانها النبي يوسف حين قال "هي رادوتني عن نفسي" (يوسف/26)، ثم أدانها شاهد من أهلها، ومن بعد ذلك أدانها زوجها حين قال لها "واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين" (يوسف/29)، ثم أدانتها النسوة صاحباتها حين قلن عن يوسف :"حاشا لله ما علمنا عليه من سوء" (يوسف/51)، وأخيراً اعترفت هي نفسها بمحاولاتها الإغواء والكذب حين قالت: "الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين" (يوسف/51). فالعبارة، كما جاء في تفسير الرازي: "كلام لا يحسن صدوره إلا ممن احترز عن المعاصي ثم يذكر هذا الكلام على سبيل كسر النفس، وذلك لا يليق بالمرأة التي استفرغت جهدها في المعصية" [أي في محاولات الإغواء] (تفسير الرازي، ج 18، سورة يوسف).
      يقرر سيدنا يوسف بقوله العظيم ذلك بديهةً من البدائه: نحن ضالون إن لم يهدنا الله، هالكون إن لم تسعفنا رحمته، غاوون من دون تثبيته. فإن اهتدينا لا يجوز لنا أن ننسب لأنفسنا أي فضل. ذلك لأن الهداية عطاء رباني وليست إنجازاً فرديا. فالنفوس جميعها فيها نوازع للشر، والشيطان كامن فيها، يجري من ابن آدم جري الدم في العروق، يزين له، ويعده ويمنيه، ويخوّفه، ويضع له خطة السير نحو الضلال، خطوةً خطوة. ولا عاصم إلا من عصمه الله، ولا منجاة من الشيطان إلا بالفرار منه إلى الله . ولا يثبت على الهداية إلا من ثبّته الله. فليس لأحد من البشر قوة ذاتية تحقق له الهداية. بل الله يهديه ويقويه ويهئ له سبل الهداية. وحسبه أن يطلب الهداية من الله ويسعى لها: "اهدنا الصراط المستقيم" (الفاتحة/6). وهناك الكثير جدا من الآيات التي تؤكد أن النفس لا تنصرف من الشر، أو عنه، إلا برحمة من الله تعالى: "فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الأية" (ابراهيم/4)؛ "وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّه" (يونس/100)؛ "مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (الْأَنْعَامِ/59). ويقول سبحانه تعالى في الحديث القدسي: " يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم". وهذا يشمل الأنبياء، سلام الله عليهم، ومَن هم دونهم. فصريح الآية يشير إلى أن سيدنا يوسف ، همَّ بها بعد أن هّمت به، لكن الله منَّ عليه بأن أراه برهاناً فتذكر مقام ربه فاستعصم واهتدى. ولا ينبغي لأحد أن يلوي ذراع الآيات لينزه نبي الله يوسف عن شيء لا ينبغي التنزيه عنه، وعن فطرة الله التي فطر الناس عليها. إن غاية جهد البشر أن يذكرهم ربهم فيتذكروا؛ ويهموا بالمعصية ثم يتراجعوا، وينزغهم نزغ من الشيطان فيستعيذوا بربهم فينجوا؛ ويطاردهم الشيطان فيفروا إلى الله. لا أحد أكبر من ذلك، ولا ينبغي تكبير أحد على ذلك.
      بيد أن الهداية لا تأتي هديةً للقاعدين؛ بل شأنها شأن الرزق: فكما لا ينبغي لأحد أن يقعد ويطلب الرزق، فكذلك لا ينبغي لأحد أن يسدر في غيه وينتظر الهداية، فليس للإنسان إلا ما سعى. فإنْ أدركتَ الهداية أو حصلتَ على الزرق فلا تظنّن أنك أدركتها وحصلت عليه بقوتك أو بسعيك ذلك الذي سعيته؛ بل الله هو الذي هداك ورزقك، ويسر لك السعي إلى كليهما، وبارك لك في الرزق، وثبتك على الهداية.
      يعكس الأسلوب القرآني سلطان الله على عباده. ففي القصص القرآني يعطي الله الكلمة لمن يشاء ومتى شاء، ويتناول هو الكلمة متى شاء. في الآية 51 تكلمت امرأة العزيزة فأقرت بذنبها وببراءة يوسف؛ وفي الآيتين بعدها أعطى الله الكلمة لسيدنا يوسف فقال: "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين"، ثم أردف: "وما أبرئ نفسي...الآية". سياق المعنى هو المعول عليه في معرفة مَن المتكلم. وهذا مبحث آخر ليس هنا مجال الاسترسال فيه.
      ثم نقطة أخرى مهمة يجب الانتباه لها. عندما قال سيدنا يوسف "هي راودتني عن نفسي"، فإنه هنا يبرئ في الحقيقة نفسه على المستوى الجنائي والقانوني وعلى المستوى العرفي لأنه كان في وضع المتهم. فهو لم يطلب، بل هي التي طلبت، ولو لم تطلب لما حدث شيء. إذنْ من الناحية الجنائية، أمام القضاء والقانون، هو برئ؛ وهو كذلك برئٌ أيضاً من الناحية العرفية والأخلاقية، أمام مولاه وولي نعمته، براءةً شهد بها شاهد من أهلها. إذن فثمة اختلاف بين البراءة الدنيوية والبراءة الدينية. من الناحية الدينية لا يجوز للمؤمن أن يبرئ نفسه أبداً، وإلا ولج في تزكية النفس وفي الكبر، بل عليه أن يجتهد في تلمس إدانة نفسه تطبيقاً لقاعدة دِنْ نفسك قبل أن تدان. أما على المستوى الدنيوي فالأمر يحكمه العرف والقانون. ولنضرب مثلاً بسيطاً. لو كنت تسير بسيارتك والإشارة أمامك خضراء، فقطع أمامك سائق آخر فصدمته، فمن حقك أن تشهد ببراءتك حسب مقتضى العرف والقانون. فاللوم على قاطع الإشارة الحمراء، ومن حقك الحصول على تعويض على الضرر. كل هذا على المستوى الدنيوي: مستوى القانون والعرف. لكن عندما تخلو إلى نفسك، وتجد نفسك وجهاً لوجه أمام ربك، ما عليك إلا الاستغفار وتلمس الأسباب التي تدينك: لعلِّي أسرعت في التحرك فور تحول الضوء إلى أخضر، وكان ينبغي أن أتريث وأنظر خلفي وأمامي وحولي؛ وكان ينبغي أن تكون مكابح سيارتي أقوى؛ وهكذا تمضي في تلمس أسباب عدم براءتك حتى تصل إلى سؤال جوهري: لماذا أقتني سيارة أصلاً، فلو لم تكن عندي سيارة لسلم الناس من شري. وهكذا عندما كان سيدنا يوسف أمام القضاء برأ نفسه تبرئة دنيوية؛ لكن حين برأه الجميع، ما كان له إلا أن يتواضع، بأن يتلمس الأسباب لإدانة لنفسه. نحن، بالطبع، لا ندري كيف وجد الأسباب لإدانة نفسه، لكن مَن لو كان في مكانه يمكن أن يقول لنفسه: كان عليّ أن أكون أكثر وعياً بالفتنة الكامنة في صورتي؛ وكان ينبغي أن أكون أكثر حذراً وتباعداً؛ وكان ينبغي أن أجد طريقة للتخفيف من الفتنة بمظهري، بل كان ينبغي لي أن أهرب من الدار ومن البلدة لتسلم تلك المرأة من شر الفتنة بي، وغير ذلك من الأسباب المتخيلة.
      والطريف أن السورة نفسها تحمل مثالاً آخر للشهادة "الدنيوية" للنفس. عندما اختبر الملك علم يوسف ، أُعجب به، وقرر أن يوظفه عنده ليستفيد من ذلك العلم، فقال له "إنك اليوم لدينا مكين أمين" (يوسف/54)، أي: إنك آمن ونريد أن نمكّن لك في الأرض، أي بالدارجة الحالية "نريد أن نعينك وزيراً"، عندها شهد سيدنا يوسف بالحق لنفسه، وتكلم بكل موضوعية عن المجال الذي يناسب مهاراته فقال: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفظ عليم" (يوسف/55)، أي بالدارجة: "إن مؤهلاتي تناسب وزارة التموين". نستخلص من هذه الآيات فائدة جليلة، وهي أنه يجوز للشخص أن يتحدث بحرية عن مؤهلاته وشهاداته لأغراض التوظيف، ولا حرج عليه في ذلك، ولا تكبر؛ لكن الحرج كل الحرج أن يفعل ذلك من قبيل المباهاة.
      مما يؤسف له أن بعض الساعين إلى السلطة، والمتوسلين إليها شتى الوسائل، قد أخرجوا هذه الآية الكريمة من سياقها الواضح، واتخذوها حجة تسوغ لهم السعي إلى السلطة وطلب الحكم، حتى باللجوء إلى قلب الحكومات، أو بإثارة الناس على الحاكم القائم، متجاهلين قول الرسول الكريم "لا تؤتوا الحكم من طلبه". زعم هؤلاء أن سيدنا يوسف لما قال للملك: "اجعلني على خزائن الأرض" دلَّ ذلك على جواز طلب الحكم. ولكنهم لو انتبهوا للآية السابقة لعلموا أن الملك هو الذي عرض التوظيف على سيدنا يوسف عليه، عندما قال له "إنك اليوم لدينا مكين آمين"؛ وعندها آثر سيدنا يوسف، ، أن يختار الموقع الذي يوافق ما حباه الله من قدرات وعلم، فقال: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم". لكنه حتماً لم يبادر إلى طلب الحكم أو التمكين في الأرض. ويا للعجب! هؤلاء فهموا التمكين في الآية 41 من سورة الحج "الذين إنْ مكناهم في الأرض...." على أنه الحكم والولاية، ولكنهم لم يأبهوا له في سياق سورة يوسف، فانطبق عليهم مدلول آية أخرى في سورة النور "وإنْ يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين" (النور/49). فلا يجوز الافتراء على نبي من أنبياء الله لتحقيق الأهواء والأطماع. ربما يكون بعض المفسرين قد فسر هذه الآية الكريمة عن جهل أو غفلة؛ لكن المؤكد أن آخرين أرادوا أن يطفئوا نور الأحاديث الشريفة الباهر بتفسيرهم ذلك المغرض. نعم، أرادوا إطفاء نور أحاديث مثل حديث أبي موسى عن الرسول (ص) أنه قال: «إنّا لا نولّي هذا الأمر من سأله، ولا من حرص عليه»؛ وحديث أبي ذر : «قلت: يا رسول الله! ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر! إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها».
      ما أكثر طالبي الحكم، والحريصين عليه، وما أكثر حاسديهم على أمر لا محسد فيه، وما أكثر الساعين إلى اقتلاع الحاكمين اقتلاعاً والحلول محلهم.
      شرٌّ يناطح شراً!
      هؤلاء الذين فسروا كلام الله حسب هواهم لم يأخذوا الحكم بحقه وانشغلوا به عن أداء الذي عليهم فيه.
      وما الساعون إلى اقتلاعهم اقتلاعاً ليحلوا محلهم بأفضل منهم في شيء.
      نسأل الله لنا ولهم الهداية جميعاً. آمين.
      الملفات المرفقة

    • #2
      جزاك الله خيرا على الموعظة.
      ولكن ترد بعض الملاحظات عليها:
      - إمكانيّة صدور كلام من شخصٍ ما ومن أمثاله لا يُثبت الصدور.
      - في الآية "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء" (يوسف/53) نفي لبراءة النفس من فعل مخصوصٍ لا من إمكانيّة وقوعه منها، فليتنبّه فيُتّهم البريء، فللحاكم أن يحكم بها على أنّها اعتراف بالذنب.
      - جاءت الآية بعد حصر زوجة العزيز للتهم، لألا يُتوهّم الأوسع منها كوقوع الفاحشة منها مثلا أو تعدّد مثيلاتها مع غير يوسف ، فأثبتت الحاصل ونفت الأكبر منه، ثمّ دلّت بهذه الآية على أنّ الكبيرة مقصودة من نفسها فليست ببريئة من قصدها والصغيرة هي ما حدث. والله أعلم

      تعليق


      • #3
        وفقكم الله لما يحب ويرضى

        تعليق

        20,091
        الاعــضـــاء
        238,548
        الـمــواضـيــع
        42,941
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X