إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • ماهي القيمة العلمية لكتاب "ملاك التأويل" لابن الزبير الغرناطي ؟

    السلام عليكم ، أسأل المشايخ الفضلاء عن القيمة العلمية لهذا الكتاب ، وكنت قد قرأت مواضع منه ، ولكن آثرت التحفظ حتى استمع إلى رأي من قرأه وتأمله من الإخوة المتخصصين ، أثابهم الله.
    - بكالوريوس الشريعة: جامعة الإمام محمد بن سعود -
    - ماجستير علم اللغة التطبيقي: علم اللغة النفسي -
    - باحث دكتوراه علوم اجتماعية: منظمات متعلّمة -
    Twitter

  • #2
    [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم[/align]

    كتاب (ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل) من أَجلِّ الكتب التي تناولت موضوع المتشابه اللفظي في القرآن الكريم وأنفعها لطالب العلم ، ومؤلفه العلامة أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي الغرناطي (627-708هـ) إمام محقق ، وناقد مدقق ، شهد له العلماء بالتقدم في علوم كثيرة ، وفنون متعددة ، من أبرزها التفسير والقراءات ، والنحو وأصول الفقه.
    وموضوع كتابه هذا هو كما حدده في مقدمته في (توجيه ما تكرر من آيات الكتاب العزيز لفظاً ، أو اختلف بتقديم أو تأخير أو بعض زيادة في التعبير) [ص 1/145]
    وقد وفى المؤلف بغاية كتابه ، وكان وفياًَ للضربين الذين بنى عليهما مقصود كتابه ، فتجده يورد من جهة الآيات المتشابهة لفظاً في السورة الواحدة أو في السور المختلفة ، ويبرز ما خفي وراء هذا التكرار من معانٍ وحكم آلهية سامية ، ويورد من جهة ثانية الآيات التي سيقت في الموضوع الواحد واختلفت فيما بينها بتقديم أو تأخير أو بعض زيادة في التعبير ، ويظهر الأسباب التي اقتضت هذا الاختلاف ، سواء منها ما رجع إلى المعنى أو رجع إلى النظم ، ويؤكد التناسب التام ، والتلاؤم الكامل بين الآي وما ورد فيها.
    وكثيراً ما يشير المؤلف عند توجيهه للتشابه بين الآي إلى الضرب الذي يرجع إليه ، بل وينبه أحياناً إلى ما يخرج عن موضوع كتابه ، أو ما هو تتمة له.
    وقد سبق إلى التصنيف في هذا الموضوع الخطيب الإسكافي أبو عبدالله محمد بن عبدالله الأصبهاني المتوفى سنة 420هـ في كتابه (درة التنزيل وغرة التأويل) الذي طبع قديماً بدون تحقيق ، وطبع حديثاً (1422هـ) في جامعة أم القرى ، بتحقيق الدكتور محمد مصطفى آيدين .
    [align=center][/align]

    فجاء أبو الزبير الغرناطي ، وبنى كتابه على كتاب الخطيب الإسكافي ، وقال في مقدمة كتابه وهو يذكر عزمه على تصنيف الكتاب وأهميته وعدم وجود مصنف سابق في الموضوع:«إلى أن ورد عليَّ كتابٌ لبعض المعتنين من جلة المشارقة نفعه الله ، سماه بكتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) قرع به مغلق هذا الباب ، وأتى في هذا المقصد بصفو من التوجيهات لباب ، وعرف أنه باب لم يوجف عنه أحد قبله بخيل ولا ركاب ، ولا نطق ناطق قبل فيه ، بحرف مما فيه ، وصدق ، وأحسن فيما سلك وسن ، وحق لنا به لإحسانه أن نقتدي به ونستن...الخ) [1/146]
    ثم ذكر أنه سار بسير الإسكافي ، غير أنه لا يطالع كلام الإسكافي إلا بعد أن يكتب ما يخطر بباله ، ويستنبطه بفكره في التوجيه للآيات ، ثم يضيف ما لم يخطر بباله من كتاب الإسكافي. وقد عقد محققُ كتاب الغرناطي - د.سعيد الفلاح - موازنة بين الكتابين ، ليتبين له ما زاد به الغرناطي على الإسكافي فقال:
    «وبمقارنة بين محتوى (ملاك التأويل) ومحتوى كتاب (درة التنزيل) تبين أن مجموع الآيات التي تناولها الإسكافي في كتابه بلغ ثلاثاً وسبعين ومائتين آية (273) ، بينما بلغ ما تناوله ابن الزبير سبعاً وسبعين وثلاثمائة آية (377) ، فيكون بذلك عدد ما أغفله صاحب درة التنزيل وحظي بعناية صاحب ملاك التأويل مائة وأربع آيات (104 آيات) ، يضاف إليه عدد كبير من الآيات أوردها ابن الزبير في نطاق سرد الآيات المتشابهة ، أغفلها صاحب درة التنزيل ، فقد كان ابن الزبير أكثر استقراء وتتبعاً وتحرياً». [ملاك التأويل 1/113].
    هذا من حيث الكم ، أما من حيث الكيف فإن ابن الزبير قد تميز في عمله بجملة من الخصائص ألخصها من كلام المحقق وهي :
    - كان أكثر إحاطة بالموضوع أو أكثر تمكناً في الاستقراء.
    - كان عموماً أكثر بسطاً وتحيليلاً للمسائل .
    - أكثر استشهاداً بآراء العلماء من المفسرين وغيرهم.
    - كان متميزاً بردوده على الفرق والملل ، وبمواقفه السنية من بعض المسائل الخلافية.
    - من جهة الهدف فقد كان مقصود كل من الخطيب الإسكافي وابن الزبير الغرناطي خدمة الكتاب العزيز ، والقطع بذوي الإلحاد والتعطيل .
    ولجلالة كتاب ملاك التأويل ، قال الزركشي وهو يذكر من صنف في موضوع المتشابه في القرآن :«وصنف فيه أبو جعفر بن الزبير وهو أبسطها في مجلدين».[البرهان في علوم القرآن1/112]
    بقي أن أشير إلى أن الطبعة التي قام بتحقيقها الدكتور سعيد بن جمعة الفلاح وفقه الله وهو الأستاذ المشارك بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض هي الطبعة التي يعول عليها الباحثون ، وهي المعتمدة ، وقد نشرتها دار الغرب الإسلامي عام 1403هـ .

    [align=center][/align]

    وهناك تحقيق آخر للكتاب للدكتور محمود كامل أحمد ، نشرته دار النهضة العربية في بيروت عام 1405هـ ، ولم أطلع عليه بعدُ.
    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا يا دكتور عبدالرحمن ونفعنا بعلمك.

      وكنت قد اقتنيت الكتاب بتحقيق محمود كامل أحمد ، وفيما يلي نبذة عن عمله في جمع المخطوطات ومنهج التحقيق إذ بذل جهداً يشكر عليه كذلك فجزاه الله خيرا.وأنا أنقل كلام المحقق مع تصرف في مواضع :


      [align=center]كتاب "ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل" ، دار النهضة العربية ، 1405 ، تحقيق الدكتور محمــود كامل أحمد ، سبتمبر 1982 :[/align]

      "وصف النسخ المخطوطة :

      لقد اهتدينا إلى سبع نسخ من كتاب "ملاك التأويل" لابن الزبير الأندلسي رتبتها حسب تواريخها : وقٍدَم خطها على النسق التالي:

      1- نسخة شهيد علي: ، وقمها في المكتبة 168 ، وتقع في 207 ورقة مسطرتها 35 سطرا ، بقلم مغربي دقيق.
      وهي غفل من التاريخ إلا من تمليكة غير واضحة بصفحة العنوان. وحط النسحة يشهد بأنها من القرن الثامن الهجري. رمزها "هـ".
      2- نسخة مراد ملاّ. وهي من وقف داماد زادة. ورقمها في المكتبة 308 وتقع في 238 لوحة مسطرتها 25 سطرا ، وصاحب هذه النسخة هو محمد بن محمد البكري الشافعي ، شيخ أبي حيان النحوي الأندلسي...ويزيد من قيمة هذه النسخة ما على أوراقها من بلاغات ، وتجزئة عشرية للأوراق مما يؤكد ما نص عليه صاحب النسخة من مقابلتها على الأصل في آخر النسخة بقوله:"بلغ مقابلة بأصله المنقول منه ، حسب الطاقة والإمكان والله أعلم". ومن ثم اتحذت هذه النسخة أصلا للنص. رمزها "م".
      3- نسخة الأسكوريال ، وهي ضمن مجموع من الكتب برقم (1273/1). وكتابنا هو الكتاب الأول من هذه المجموعة ويبدأ من الورقة الأولى وينتهي عند الورقة الخامسة والسبعين بعد المائة الأولى. كتبها أحمد بن محمد الفخار الأندلسي سنة 947 هـ. رمزها "ك".
      4- نسخة المكتبة العامة بالرباط ، وتوجد هذه النسخة تحت رقم "2073/ك) لامكتية المذكورة. وهي مكتوبة بخط مغربي رديء جداً ، عام / 970 هجرية بقلم أحمد بن علي الصخري الأندلسي الأصل...ومما هو جدير بالذكر أن هذه النسخة تغير صيغ الأسئلة التي كان المؤلف يصوغها على ألسنة السائلين عنها / كما كان الناسخ يختصر كثيراً من المواضع ومن الآيات النصوص القراآنية الكريمة."ب".
      5- نسخة المكتبة العبدلية ، وتوجد بمكتبة الزيتونة بتونس ، وهي من وقف علي باي باشا ، عليها إشهاد وقفية بتاريخ 1188 هجرية على أن ينتفع بها على أي أوجه الانتفاعات أراد المنتفع ، بشرط ألا يخرج بها منها إلى غيرها ، إلا الشيخ المدرس بالمدرسة الغربية ...وقد كتبت هذه النسخة عام / 1703 هجرية . وعدد اوراقها 265 ورقة. ومسطرتها 21 سطراً وهي بقلم مغربي جميل. رمزها "ع".
      6- نسخة المدينة المنورة. وتوجد بمكتبة عارف حكمت رقم 114/ تفسير ، وليست في مكة كما زعم O.Spies في مجلة (1) Z.D.M.G . وهذه النسحة منقولة عن نسخة شهيد علي. وسورة الأعراف مكانها في هذه النسخة بياض...وهذه النسخة غير مرقمة وما أثبتناه هو حاصل عد وترقيم الأخوين الفاضلين محمد صادق قمحاوي الأستاذ المساعد بكلية القرآن الكريم بالمدينة المنورة ، والأخ محروس شحاته المردس بالمدينة المنورة أيضاً. وقد تطابق تقريراهما حول هذه النسخة. "رمزها "ف".
      7- نسخة دار الكتب المصرية ، وتوجد بدار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة تحت رقم 57/ مجاميع. وبهذه النسخة حرم من آخرها يبدأ من أثناء سورة الأحزاب إلى آحر النسخة وهي مكتوبة عام 1205 هجرية بقلم مغربي. رمزها "ج".

      منهج المحقق:

      1- جمع النسخ الموجودة في العالم ، واستثناء نسخة عارف حكمت – نسخة المدينة – اكتفاء بأصلها المنقولة عنه في مكتبة شهيد علي.
      2- مقابلة النسخ المختلفة على نص النسخة "م".
      3- إثبات الفروق الخطية بين النسخ.
      4- تخريج: الشعر ، والشواهد اللغوية والنحوية ، والقرآنية ، وشواهد الحديث النبوي الشريف والآراء الفقهية.
      5- التعريف بالأعلام ، والكتب المذكورة في النص.
      6- إضافة مالا يستقيم النص إلا به بين معقوفين مربعين [ ] .
      7- كتابة النص الصحيح في صلب الكتاب ، وكتابة الخطأ في النص بهامش الكتاب لأكبر قدر من الانتفاع بالنص صحيحاً دالاً على معناه.
      8- استشارة المصادر المختلفة في كل تصحيح بالإبدال أو بالإضافة." أ.هـ. بتصرف

      [align=center]وكنت آمل منافسة أخي عبدالرحمن في وضع صــورة للغلاف !! ، ولكن مالا يدرك كله لا يترك جله.[/align]=======================
      (1) VON :90 - 105
      - بكالوريوس الشريعة: جامعة الإمام محمد بن سعود -
      - ماجستير علم اللغة التطبيقي: علم اللغة النفسي -
      - باحث دكتوراه علوم اجتماعية: منظمات متعلّمة -
      Twitter

      تعليق


      • #4
        أما قيمته العلمية ، فالحمد لله أني وجدت من يشاركني من المتخصصين الرأي في براعة المصَنِّف وجودة المصَنَّف. وذلك أن غير المتخصص في مثل هذه الأمور قد يرفع من قيمة كتاب من الكتب حتى يوصله عنان السماء ، ويثني عليه ثناء عالم لا يشق له غبار! نظراً لحداثة علمه - أي طالب العلم الغِر- وقلة بضاعته ، والله المستعان. ولكن بالفعل ،قد بهرني بفك إشكالات علقت في ذهني ردحاً من الزمن ، ف وجميع المسلمين آمين.
        - بكالوريوس الشريعة: جامعة الإمام محمد بن سعود -
        - ماجستير علم اللغة التطبيقي: علم اللغة النفسي -
        - باحث دكتوراه علوم اجتماعية: منظمات متعلّمة -
        Twitter

        تعليق


        • #5
          درس الدكتور محمد فاضل صالح السامرائي موضوع المتشابه اللفظي في كتاب ملاك التأويل لابن الزبير الغرناطي ، وذلك في دراسته للماجستير ، وقد طبعت هذه الدراسة في دار عمار بالأردن عام 1426هـ .
          وقد ذكر المؤلف أنه استدرك على دراسة الدكتور سعيد الفلاح كثيراً من المسائل العلمية ، وقد قدم للكتاب الدكتور الفاضل حسام النعيمي .

          [align=center][/align]
          عبدالرحمن بن معاضة الشهري
          أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

          تعليق


          • #6
            جزاكم الله خيراً على هذه المداخلات العلمية القيمة التى تثرى الملتقى وتنفع طلاب العلم فى كل مكان وزمان

            تعليق


            • #7
              ابن الزبير الأندلسي وكتابه ملاك التأويل
              ملخص موجز لرسالة الدكتوراة 1998م
              ( ابن الزبير الأندلسي ومنهجه في ملاك التأويل)
              د/ياسر الصعيد ي


              ولد أحمد بن إبراهيم بن الزبير في مدينة ( جِيَّان ) من أعمال غرناطة بالأندلس ، وكان مولده في شهر ذي القعدة أواخر سنة 627هـ، وقيل سنة 628هـ؛ حيث كانت ( جيان ) إحدى القواعد الإسلامية.
              وأجمعت المصادر على أصله وحسبه، فقد نشأ في أسرة ميسورة الحال مشجعة للعلم والعلماء، فأبوه إبراهيم بن الزبير بن محمد بن إبراهيم الثقفي (ت: بعد 643هـ) كان واحدا من مشجعي العلم والعلماء باذلا ماله في سبيل ذلك؛ يقول ابن الخطيب: ( ولأبيه إذ ذاك إثراء وجدة أعانته على إرفاد من أحوجته الأزمة في ذلك الزمان من جالية العلماء عن قرطبة وإشبيلية)

              ( وابن عمه محمد بن الحسن بن الزبير الثقفي (ت:663هـ)، كان خطيبا في مسجد القصبة بمالقة في فترة محمد بن يوسف بن هود سنة 634هـ)، ثم شغل منصب الشروط[كتابة الوثائق والعقود]، وكان خبيرا، عالما بالقراءات والحديث، ودرَّس اللغة والأدب.)

              عاش ابن الزبير ما يقرب من ستة عشر عاما من حياته في (جيان) قبل استيلاء النصارى عليها عام 643هـ، حيث توجه إلى مع أسرته المكونة منه ومن أبيه وأمه التي حملت في بطنها أخاه عبد الله الذي ولد فور وصولهم غرناطة؛ يقول ابن الزبير عند ترجمته لأخيه هذا : ( يكنى أبا محمد، ولد بغرناطة لسبع عشرة خلت من ذي القعدة سنة 643هـ بعد خروجنا من بلدنا (جيان) بستة عشر، فنشأ بها.)
              وجدير بالذكر أن المصادر كلها لم تشر إلى حياة ابن الزبير في جيان، كما لم تشر إلى طريقة تعليمه فيها، على الرغم من أنه أمضى مرحلتين من حياته التعليمية هناك، وأرجح أنه تلقى في جيان تعليما خاصا نظرا لحب أبيه وأسرته للعلم والعلماء، ومن الراجح كذلك أنه حفظ القرآن الكريم وجوده، وتعلم القراءة والكتابة والخط، وأخذ شيئا من علوم التفسير والفقه والحديث، وشيئا من العلوم الإنسانية، وذلك على عادة أهل الأندلس في تعليم أبنائهم. ( ولعله كان يشهد بعض الحلقات في الجامع الأعظم بجيان، وهو يشير إلى شيء من هذا عندما يقول في ترجمة عيسى بن على بن واصل: " قد أدركته ببلدنا وتعرفت على أحواله، وتوفي بجيان في حدود سنة 637هـ، وحضر جنازته الجماء الغفير، وتفجعوا عليه ." )
              وتبدأ مسيرة ابن الزبير العلمية غداة وصول أهله إلى غرناطة، التي لجأ إليها عدد من علماء المدن الضائعة، فأخذ ينهل من مناهل العلم المختلفة، ورحل في سبيل ذلك إلى سبتة سنة 645هـ، وسلا بالمغرب، وإلى مرسية، والمرية، لورقة، والجزيرة الخضراء، وكان لمالقة الحظ الأوفر من رحلاته؛ حيث أمضى بها أكثر من ثلاثة أعوام، وتردد إليها بعد رجوعه إلى غرناطة.
              وأعتقد أن ابن الزبير لم تكن له رحلات للمشرق، فلم يأت في ثنايا المصادر أي ذكر لذلك، وهذا ما يؤكده ابن عبد الملك المراكشي عندما ذكر في ترجمته جملة من الأساتذة والعلماء المشارقة الذين أجازوا لابن الزبير دون أن يلقاهم.

              وهذا لا يقلل من علم ابن الزبير ولا من مكانته بين العلماء، فقد أخذ العلم عن جلة علماء المغرب والأندلس، واستجاز العديد من علماء المشرق فأجازوه، وربما حالت الظروف في هذه الفترة بينه وبين زيارة المشرق.

              وقد أفادتنا المصادر ـ وخاصة كتابه صلة الصلة ـ أنه خلال هذه الفترة من تعليمه تلقى أنواعا مختلفة من العلوم، فسمع وقيد وحفظ وقرأ، فتكونت لديه ذخيرة هائلة من المعارف التي ظهرت فيما بعد في كتاباته ومؤلفاته.
              فتذكر المصادر أنه تلا بالسبع على الشيخ أبي الوليد إسماعيل بن يحيى العطار(ت:668هـ)، وعلى أبي الحسن علي بن محمد الشاري(ت:649هـ).
              كما سمع التيسير لأبي عمرو الداني من الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جوبر(ت: 655هـ) عن ابن أبي جمرة عن أبيه عن الداني بالإجازة، وهذا السند كما يقول ابن الجزري:( في غاية الحسن والعلو.)
              وفي مجال الحديث: يذكر ابن الزبير أن أول من قصده في غرناطة في طلب الحديث الشيخ عبد الرحمن بن عبد المنعم المعروف بابن الفرس (ت:663هـ).
              وأخذ صحيح مسلم مناولة عن الشيخ عبد الله بن أحمد بن عطية القيسي المالقي (ت:648هـ)، وسمع السنن الكبرى للنسائي من الشيخ أبي الحسن الشاري.
              وفي مجال التفسير أخذ الكشاف للزمخشري عن القاضي ابن الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السكوتي(ت: 652هـ)، عن أبي طاهر بركات بن إبراهيم بن طاهر الخشوعي، عن الزمخشري.
              وفي مجال الفقه والأصول: صحب الشيخ عبد العظيم بن عبد الله البلوي المالقي(ت: 666هـ) مدة ثلاثة أعوام في مالقة، أخذ عنه خلالها جملة من مسائل المستصفى لأبي حامد الغزالي ، مما كان لأستاذه فيه اختيار أو مفهوم ما، كما قرأ عليه خلال هذه المدة أشياء من الأصول وغيرها.
              وفي غرناطة أخذ طائفة أخرى من مسائل المستصفى عن الشيخ عبد الله بن أبي عامر المعروف بابن ربيع(ت:666هـ)، وأكثر مسائل المستصفى عن الشيخ على بن محمد بن علي بن يوسف الكتامي المعروف بابن الضائع (ت:680هـ).
              كما أخذ بعض شيء من العربية وأصول الفقه عن الشيخ محمد بن يحيى العبدري المعروف بالصدفي(ت: 651هـ)

              وفي مجال العلوم اللغوية: أخذ عن ابن الضائع المذكور كتاب سيبويه كله في عدة سنين، كما أخذ عنه أكثر كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي، وجمل الزجاجي.
              وقرأ طائفة من إيضاح الفارسي على الشيخ علي بن محمد بن عبد الرحمن (ت: 680هـ)
              وفي مجال التاريخ والرواية: تتلمذ على يد أستاذين مشهورين في مجال الرواية والنقل:
              أولهما: الشيخ أبو العباس أحمد بن يوسف المعروف بابنفرتون السلمي(ت:660هـ)، فكثيرا ما نقل عنه في صلة الصلة، ونقد بعض تراجمه؛ فمثلا عند حديثه عن مجاهد بن محمد بن مجاهد (ت:585هـ) يقول: ( ذكره الشيخ في الذيل عن حفيده صهيب[أي حفيد ابن مجاهد المذكور]، وعن أبي القاسم، إلا أن الشيخ ذكر أن مجاهدا هذا يحمل مع ابن عزلون عن أبي الغساني ، وذلك وهم، وأرى مجاهدا لم يدرك الغساني بمولده بوجه.) ،كما يقول عند ترجمته لعلي بن عبد الله بن ثابت الخزرجي(ت: 539هـ): (وذكره الشيخ في الذيل، ووهم في اسم أبيه؛ فأثبته فيمن اسمه ثابت.)
              وثانيهما : الراوية الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله المعروف بابن حوط الله الأنصاري(ت: 667هـ)، يذكره ابن الزبير في صلته قائلا: ( وكان على حظ وافر من الطلب، وكانت عنده مشاركة، وكان عدلا ثقة، سنيا متحريا في روايته، من بيئة علم وديانة … ولم يسم لي من شيوخه أحدا إلا أوقفني على خطة له بسؤال أبيه أو عمه إلا أبا العباس بن مضاء، فإنه قال لي:"ليس عندي خطه لي بإجازة، وإنما اعتمدت فيه على ما ذكره لي أبي من أنه أجاز لي"، فقضى الله سبحانه ووقفت بعد موته على خط أبيه القاضي أبي محمد بإجازة ابن مضاء لابنه عبد الرحمن مع سائر بنيه، فحمدت تحريه واحتياطه .)
              وابن الزبير مالكي المذهب، عده ابن فرحون أحد أعيان المذهب المالكي، وترجم له في الديباج ترجمة وافية، ومثله فعل ابن مخلوف في شجرة النور الزكية، ولا يذكر مصدر أعيان المذهب المالكي إلا وذكر ابن الزبير كواحد من مشاهير الفقهاء المالكيين، وإن كان لم يشتهر بالتأليف في الفقه.
              أما عن عقيدته الفكرية فهو سني من أهل السنة والجماعة، وإن كانت المصادر لم تنص على ذلك صراحة فإنها أشارت إلى تصديه لمحاربة البدع والأهواء، وملازمته للسنة، ومعاناته في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأليفه في ذلك كتابه:"ردع الجاهل"، ونظمه أرجوزة في الرد على الشوذية.
              وفـاتـه :
              اتفقت أكثر المصادر على أن ابن الزبير توفي يوم الثلاثاء الثامن من ربيع الأول سنة 708هـ بغرناطة، ودفن بها، عن إحدى وثمانين عاما، وذكر ابن حجر أن وفاته كانت في رمضان سنة سبع أو ثمان وسبعمائة.
              مـؤلفـاتـه:
              نال ابن الزبير شهرة واسعة في مجال علوم اللغة والدين والتاريخ، فقصده الطلاب للأخذ عنه من كل البقاع، وكان له في بعض هذه العلوم مؤلفات متنوعة بتنوع معارفه؛ ولم يصلنا من تلك المؤلفات إلا القليل، وقد حفظت لنا كتب الطبقات وقوائم المكتبات أسماء مجموعة من مؤلفاته، منها:
              1- الإعلام بمن ختم به القطر الأندلس من الأعلام.
              2- إيضاح السبيل من حديث سؤال جبريل.
              3- برنامج رواياتـه.
              4- البرهان في ترتيب سور القرآن :
              5- تعليق على كتاب سيبويه.
              6- ردع الجاهل عن اعتساف المجاهل في الرد على الشوذية وإبداء غوائلها الخفية.
              7- الزمان والمكان، أو:"كتاب تعيين الأوان والمكان للنصر الموعود به في آخر الزمان مستقرا من صحيح السنة ومحكم القرآن".
              8- سبيـل الرشـاد إلى فضل الجـهاد.
              9- شرح الإشـارة للبـاجي.
              10- صـلة الصـلة ، أو"تاريخ أعـلام الأندلـس".
              11- فهرسـته، أو"معـجم شـيوخه".
              12- نـزهة البصـائر والأبصار.
              وأخيرا - ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل:
              ذكرته معظم المصادر بهذا الاسم، ويعتقد أنه من آخر ما ألف ابن الزبير.
              وتوجد منه عدة نسخ خطية بالقاهرة والمدينة وتونس والرباط والأسكوريال، وحقق مرتين:
              الأولى: في مصر تحقيق الدكتور محمود كامل أحمد سنة 1979م، في رسالة نال بها درجة الدكتوراه من جامعة عين شمس، تحت عنوان: "المتشابه في القرآن مع تحقيق كتاب ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل لابن الزبير الثقفي الأندلسي الغرناطي"،ويوجد منها نسخة بالمكتبة المركزية بجامعة عين شمس، وقد طبع التحقيق، وحصلت على نسخة من الرسالة ونسخة من التحقيق.
              الثانية : تحقيق الدكتور سعيد الفلاح بتونس، وهو رسالة حصل بها على درجة الدكتوراه من كلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس، وقد طبع هذا التحقيق بدار الغرب الإسلامي بيروت سنة 1983م، وحصلت على نسخة من التحقيق اعتمدت عليها في دراستي لمنهج ابن الزبير نظرا لأنها متأخرة عن تحقيق محمود كامل، وإن كان الفرق بين التحقيقين ضئيلا جدا، ولكن امتاز التحقيق الثاني بالفهارس التوضيحية التي سهلت علي الكثير.

              أ- موضوع الكتاب والغاية من تأليفه :
              حصر ابن الزبير موضوع كتابه في توجيه المتشابه اللفظيّ، فنصَّ على ذلك في عنوانه؛ حيث سمَّاه:"ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل"، وأشار إلي ذلك في مقدمة الكتاب؛ فقد رأى ابن الزبير أن توجيه ما تكرر من آيات القرآن وألفاظه، أو اختلف بالتقديم أو بالتأخير، أو بالزيادة في التعبير، وهو ما يسمى بتوجيه المتشابه اللفظي، رأى في توجيهه كشف النقاب عن منظوم القرآن الجليل، وإعجازه الباهر، وعدَّ ذلك العمل خدمة جليلة لعلوم القرآن، لا تقل أهميَّة عن معرفة أسباب نزوله، أو معرفة ناسخه ومنسوخه، أو مكيِّه ومدنيِّه، أو غيرها من علوم القرآن المختلفة.
              ولم يخرج عما رسمه لنفسه وحدده، بل في أحيان كثيرة ـ في ثنايا الكتاب وأثناء توجيهه للمتشابه ـ يشير إلى الضرب الذي بنى عليه كتابه، وإذا خرج عن هذا الضرب نبه إلى ذلك في موضعه، وهذا مما يحسب له.

              ب ـ طريقته في التوجيه، ومراحله :
              حين يُتحدث عن أسلوب مؤلف أو كاتب في فن من الفنون العلمية أو الأدبية ، إنما يعنى بذلك بيان طريقته في إيصال هذا العلم أو الفن إلى الآخرين سواء كانوا طلبة علم، أو مثقفين، أو معنيين بهذا الفن.
              وهذه الطريقة تختلف من فن إلى فن؛ ومن مؤلف إلى آخر، تبعا لاختلاف المادة العلمية واختلاف الموضوعات، فالأسلوب في المواد والموضوعات الأدبية يختلف عنه في مواد العلوم الطبيعية والاجتماعية. وتمكن المؤلف مـن مادته العلمية استيعابا وإحاطة بكلياتها وجزئياتها يؤثر على طريقة عرضه لهذه المادة.

              كذلك اختلاف مدارك الفهم لدى المخاطبين تؤثر بالسلب أو الإيجاب على عملية عرض المادة العلمية ارتقاء أو تبسيطا، أو ما إلى ذلك؛ فمعيار نجاح الأسلوب يقاس بمدى التفاعل والأثر الذي يحدثـه المؤلف في نفسية القارئ، وعليه فإن فهم العمق النفسي للمخاطب أحد دعائم الأسلوب عند التأليف.

              من هنا يمكن القول: إن الطريقة أو الأسلوب هو الوسيلة التي يتم بها إيصال المعلومات من المصنف إلى المتلقي سواء بالسماع أو القراءة. وهي تختلف عن المنهج؛ لأن المنهج هو الخطة العامة التي تقوم على المادة العلمية، والطريقة هي الأسلوب الذي ينقل به المؤلف ذلك المنهج.

              وقد اتبع ابن الزبير أسلوبا علميا أكاديميا وطريقة واضحة سار عليها طيلة كتابه، ونبَّه القارئ إليها في مقدمته، وجدير بالذكر أن منهجية البحث في العصر الحديث تطلب من الباحث أن يقدم في مقدمة بحثه عرضا ملخصا للطريقة التي سيخوض بها غمار بحثه، وقد سبق الأولون إليها، ومنهم ابن الزبير.
              وتتلخص هذه الطريقة فيما يلي:
              استقرائه لمؤلفات السابقين في نفس الموضوع الذي يكتب فيه؛ ليكون على بينة من أمره فيما يقول،ولا يكرر ما سبق أن قيل، فيكون عمله جديدا فيما يقدمه، ليس تكرارا دون فائدة. وهذه قاعدة ثانية من قواعد البحث المعاصر.
              استحسانه أحد مؤلفات السابقين، وتنبيهه إلى تقدمه وإمامته في هذا الفن، واقتدائه به؛ حيث يقول عن كتاب"درة التنزيل" للإسكافي: ( إلى أن ورد علي كتاب لبعض المعتنين من جلة المشارقة، نفعه الله، سماه بكتاب"درة التنزيل وغرة التأويل"، قرع به مغلق هذا الباب، وأتى في هذا المقصد بصفو من التوجيهات لباب، وعرف أنه باب لم يوجف عنه أحد قبله بخيل ولا ركاب، ولا نطق ناطق قبل فيه بحرف مما فيه، وصدق ـ ـ وأحسن فيما سلك وسن، وحق لنا لإحسانه أن نقتدي ونستن.)
              وهذا من أخلاق العلماء؛ حيث يرجعون الفضل إلى أهله، فيعترفون بفضل سابقيهم، ولا ينكرون عليهم تقدمهم وإمامتهم لهم في فن من الفنون.
              استدراكه على الإسكافي كثيرا مما أغفـله من متشـابه القرآن اللفظي، وإشارته إليه بحرف "غ"، وتنبيهه القارئ إلى ذلك في المقدمة.
              وبالنظر إلي جملة ما استدركه ابن الزبير على الإسكافي يوجد أنه أكثر من مائة آية، مضافا إلى ذلك عدد من الآيات في نطاق سرد الآيات المتشابهات. وهذا يدل على أنه كان أكثر استقراءً وتحريا في تتبعه لمتشابه القرآن اللفظي من الإسكافي، وإن كان الثاني له فضل السبق في التأليف.

              وتجب الإشارة إلى أن ابن الزبير تجاوز عن مجموعة من السور تبلغ ثلاثا وثلاثين سورة لم يبن ما فيها من المتشابه، ولم يكن هذا تقصيرا أو إغفالا، وإنما لأنه عالج مثيل هـذه المتشابهات في أماكن أخرى، فأغنى ذلك عن إعادتها تجنبا للتكرار، أو لأنه ليس فيها من المتشابه شئ.

              وقد أخذ ابن الزبير على نفسه أول كتابه أن لا يقف على شئ مما قاله الخطيب الإسكافي في نفس الآية التي يوجهها إلا بعد أن يفرغ هو من توجيهها، معتمدا على إلهام الله تعالى له، وعلى ما أُوتيه من تبحر في علوم القرآن واللغة والبلاغة والتفسير والفقه والحديث وغيرها.
              ولعل ذلك يرجع إلى خوفه من أن تحجب آراء الإسكافي اجتهاداته الشخصية، أو ركونه إليها واعتماده عليها فيفقد إبداعاته، وتسترخي طاقاته، اكتفاء بما قاله الإسكافي أو استنبطه، فيصير أسير آرائه واستنباطاته.
              وهذه قاعدة أخرى من قواعد البحث المعاصر؛ التي تطلب من الباحث أن لا يكون أسير أفكار الآخرين، وأن يحرر فكره تماما قبل كتابة بحثه؛ ليخرج البحث من بنات أفكاره معبرا عن آرائه.
              ولعل نفس السبب هو الذي دفع ابن الزبير إلى تنبيه القارئ أنه لن ينقل شيئا مما قاله أصحاب المعاني إلا في الشاذ النادر، وإذا نقل كلام أحـد منهم أو من غيرهم نسبه إليه.
              راعى ابن الزبير في تتبعه كل ما تكرر من آيات القرآن أو اشتبه ترتيب التلاوة المتفق عليها سورة سورة ، وآية آية؛ فهو يورد ذكر السورة ثم يتناول ما فيها من آيات متشابهات؛ فمثلا يقول: سورة كذا ... الآية الأولى منها، ثم إذا انتقل إلى غيرها قال: "الآية الثانية منها"، وهكذا إلى آخر الآيات المتشابهات في السورة.
              فإذا انتقل إلى سورة أخرى ذكر اسمها، واتبع فيها نفس الطريقة، وإذا كانت السورة التي يتناولها لا تحتوي إلا على آية واحدة ذكر اسم السورة ثـم قال: "قوله تعالى كذا"، وأحيانا يدمج السورتين معا إذا كانت الأولى لا تحتوي إلا على آية واحدة تتشابه مع الآية الأولى من التي تليها، وإذا خلت السورة من الآيات المتشابهات أغفل ذكرها؛ مثل السور الممتدة من أول سورة البروج حتى آخر سورة الفجر، ومن أول سورة الشمس حتى آخر سورة الضحى، ومن أول سورة القدر حتى آخر سورة القارعة، ومن أول سورة العصر حتى آخر سورة الكوثر، وبعض السور المتفرقات، كسورة التين، وسورة النصر ، وسورة المسد.
              ومما يُؤخذ على ابن الزبير أنه إذا تناول آية من سورة ما مع آية أخرى سبقتها اكتفى بالإشارة إلى أنها سبق تناول ما فيها من متشابه دون ذكر مكان تناولها، أو ذكر اسم الآية التي تشابهت معها.
              بل نجده أحيانا ينص على اسم السورة مكتفيا بالإشارة إلى أنه سبق أن تناول ما فيها ، دون تحديد أي آياتها وقع فيه المتشابه.
              وبالنسبة لطريقته في توجيه الآيات فإنه يذكر الآية الأم في السورة التي هو بصددها، ثم يلحقها بما شابهها من الآيات من نفس السورة أو من غيرها.
              وانتهج في توجيهاته نهج البسط والتوسع ؛ فقد يستغرق الحديث عن الآية الواحدة عددا من الصفحات، كما فعل في الآيتين الحادية عشرة والثامنة والأربعين من سـورة آل عمران؛ حيث ساق في كل واحدة أكثر من خمس صفحات، وفي مواضع أخرى كثيرة.

              بل إنه قد يستغرق في بيان الكلمة الواحدة أو الحرف بضع صفحات؛ وعادة ما يبدأ في توجيه الآية بفرض بعض الأسئلة؛ لتنبيه القارئ، وبيان المواطن التي سيعالجها منها، ثم يشرع في الإجابة عنها واحدا تلو الآخر، وفي ثنايا الإجابة نفسها يفترض بعض المداخلات من القارئ، إما بالسؤال أو الاستفسار عن بعض ما يتعلق بجوابه، فيرد عليه آخذا القارئ من سؤال إلى سؤال، ومن جواب إلى آخر، حتى ينتهي به وقد بين له كل ما يتعلق بالآية التي يوجهها، كل ذلك دون أن يمل منه القارئ، ودون أن يخرج به من إجابة إلى أخرى وهو غير مقتنع بشيء مما قاله، فهو يقنعه بأدلته القاطعة، وأسلوبه الجميل، وآرائه القيِّمة.
              وبهذه الطريقة تعمق ابن الزبير في توجيه المتشابه وتأويله، وسد الثغرات أمام الملحدين والمعطلين، وأحاط بجوانب موضوعه إحاطة كاملة.

              كذلك دأب ابن الزبير أن يصدِّر إجاباته أو يختمها بإحالة العلم إلى الله تعالى قائلا: (والله أعلم)، أو:(والله أعلم بما أراد)، ولعله بذلك يتبرأ مما قد يقع فيه من خطأِ التأويـل، واضـعا نصب عينيـه حديث رسول الله  الذي يرويه الترمذي عن ابن عباس عـَنِ النَّبِيِّ  قَال: ( اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار)
              وكثيرا ما يعرب ابن الزبير عن براعته في علم من العلوم أثناء توجيهه للمتشابه، فيعقد فصلا تكميليا، أو تمهيدا لجواب، أو إيضاحا لقضية تعرض لها.

              فكلما وجد أن الأمر يحتاج إلى زيادة بيان وإيضاح، ثم رأى أنه يخرج عن موضوع الكتاب، عقد له فصلا خاصا صدَّره بقوله: فصل، أو: تمهيد.
              وتجدر الإشارة إلى أن ابن الزبير أحيانا يعرض للسؤال الواحد جوابين.
              ويُأْخَذ على ابن الزبير أنه قد يحيل القارئ إلى مكان لاحق في كتابه يقول إنه سيزيد الأمر فيه بيانا في نفس القضية التي يتحدث فيها، ثم يذهب القارئ إلى نفس الموضع الذي حدده فلا يجد أي ذكر لما قاله.
              ويكتفي ابن الزبير بإحالة القارئ إلى كتب التفسير، أو كتب علم الكلام، أو غيرها إذا وجد أن الموضوع الذي يتحدث فيه يحتاج إلي زيادة شرح، أو بيان يخرج عن موضوعه، مستغنيا بذلك عن الإطالة، ومتحاشيا لكسر القاعدة التي بنى عليها كتابه.

              وفي أحيان قليلة يشذ ابن الزبير عن هذه القاعدة، فيخرج عن الموضوع مستطردا في شرح كلمة، أو توضيح قضية، أو شرح دليل قرآني، أو شاهد شعري، ثم يرى أنه قد يطول به ويخرجه عن موضوعه،فيستدرك أمره، ويرجع إلى توجيه الآيات.

              وكثيرا ما يحيل ابن الزبير القارئ إلى كتابه"البرهان في ترتيب سور القرآن"، مصرحا باسمه تارة ، وأخرى بالإشارة إليه.

              إلى جانب ذلك اعتنى ابن الزبير بمناقشة الآراء، والتعليق عليها، وشرح الأبيات الشعرية التي يستشهد بها، وبيان موقع الشاهد فيها.

              هذا وبالله التوفيق ،،،
              د / ياسر عطية الصعيدي
              أستاذ اللغة العربية والدراسات الإسلامية المشارك
              كلية الاداب - جامعة المنيا - مصر
              كلية التربية والآداب- جامعة الحدود الشمالية - السعودية

              تعليق


              • #8
                بارك الله بكم جميعا... ونفع بكم.... وسدد خطاكم للخير

                تعليق


                • #9
                  جزاكم الله خيرا

                  تعليق

                  19,963
                  الاعــضـــاء
                  232,081
                  الـمــواضـيــع
                  42,595
                  الــمــشـــاركـــات
                  يعمل...
                  X