إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • إضرابات ثلاث في الآية، فما هو تفسيرها؟

    قال الله تعالى:
    (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ).
    إضرابات ثلاثة في الآية
    فما هو تفسيرها؟ وماهو أثر ترتيبها على المعنى ؟
    باحث في ترجمات معاني القرآن الكريم

  • #2
    قال ابن عاشور :
    وبل للإضراب الانتقالي من الإخبار عنهم بــــ ما يشعرون أيان يبعثون وهو ارتقاء إلى ما هو أغرب وأشد ارتقاء من تعييرهم بعدم شعورهم بوقت بعثهم إلى وصف علمهم بالآخرة التي البعث من أول أحوالها وهو الواسطة بينها وبين الدنيا بأنه علم متدارك أو مدرك.
    وقرأ الجمهور إدَّارك بهمز وصل في أوله وتشديد الدال على أن أصله (تدارك) فأدغمت تاء التفاعل في الدال لقرب مخرجيهما بعد أن سكنت واجتُلِب همز الوصل للنطق بالساكن. قال الفراء وشمر: وهو تفاعل من الدّرك بفتحتين وهو اللحاق.
    وقد امتلكت اللغويين والمفسرين حيرة في تصوير معنى الآية على هذه القراءة تثار منه حيرة للناظر في توجيه الإضرابين اللذين بعد هذا الإضراب وكيف يكونان ارتقاء على مضمون هذا الانتقال، وذكروا وجوهاً مثقلة بالتكلف.
    والذي أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لَحِق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنسٌ، لمّا أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى: تداركت علومهم بعضها بعضاً.
    وذلك صالح لمعنيين: أولهما: أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلَّقى الخلف عن السلف علمَهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه
    وقال الذين كفروا أإذا كنّا تراباً وءاباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وءاباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين
    [النمل: 67 ــــ 68]. وقريب من هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين (81)
    بل قالوا مثل ما قال الأولون
    الوجه الثاني: أن يكون التدارك مستعملاً مجازاً مرسلاً في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافاً يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها: أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها، ويسمونها البلية، فذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة.
    وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله. وحرف (في) على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة.
    ويجوز وجه آخر وهو أن يكون ادارك مبالغة في (أدْرَك) ومفعوله محذوفاً تقديره: إدراكهم، أي حصل لهم علمهم بوقت بعثهم في اليوم الذي يبعثون فيه، أي يومئذ يوقنون بالبعث، فيكون فعل المضي مستعملاً في معنى التحقق، ويكون حرف (في) على أصله من الظرفية.
    وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر بل أدرك بهمز قطع وسكون الدال، ومعناه؛ انتهى علمهم في الآخرة. يقال: أدرك، إذا فني. وفي ثبوت معنى فني لفعل أدرك خلاف بين أيمة اللغة، فقد أثبته ابن المظفر في رواية شمّر عنه قال شمّر: ولم أسمعه لغيره، وأثبته الزمخشري في «الكشاف» في هذه الآية وصاحب «القاموس». وقال أبو منصور: هذا غير صحيح في لغة العرب وما علمت أحداً قال: أدرك الشيء إذا فني.
    وأقول قد ثبت في اللغة: أدركت الثمار، إذا انتهى نضجها، ونسبه في «تاج العروس» لليث ولابن جني وحسبك بإثبات هؤلاء الأثبات. قال الكواشي في «تبصرة المتذكر»: المعنى فني علمهم في الآخرة من أدركت الفاكهة، إذا بلغت النضج وذلك مؤذن بفنائها وزوالها.
    فحاصل المعنى على قراءة الجمهور وما يشعرون أيان يبعثون وقد تلقى بعضهم عن بعض ما يعلمون في شأن الآخرة وهو ما اشتهر عنهم من إنكار الحياة الآخرة، أو قد اضطرب ما يعلمونه في شأن الآخرة وأنهم سيعلمون ذلك لا محالة في يوم الدار الآخرة.
    وحاصل المعنى على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: ما يشعرون أيّان يبعثون فإنهم لا علم لهم بالحياة الآخرة، أي جهلوا الحياة الآخرة.
    أما عدد القراءات الشاذة في هذه الجملة فبلغت عشراً.
    وأما جملة بل هم في شك منها فهو إضراب انتقال للارتقاء من كونهم اضطرب علمهم في الآخرة، أو تقلد خلفهم ما لقنه سلفهم، أو من أنهم انتفى عملهم في الآخرة إلى أن ذلك الاضطراب في العلم قد أثار فيهم شكاً من وقوع الآخرة. و(من) للابتداء المجازي، أي في شك ناشىء عن أمر الآخرة. وجيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات الخبر ودوامه، والظرفية للدلالة على إحاطة الشك بهم.
    وجملة بل هم منها عمون ارتقاء ثالث وهو آخر درجات الارتقاء في إثبات ضلالهم وهو أنهم عميان عن شأن الآخرة.
    و عمون : جمع عممٍ بالتنوين وهو فعل من العمى، صاغوا له مثال المبالغة للدلالة على شدة العمى، وهو تشبيه عدم العلم بالعمى، وعادم العلم بالأعمى. وقال زهير:
    وأعلم علم اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غدً عم
    فشبه ضلالهم عن البعث بالعمى في عدم الاهتداء إلى المطلوب تشبيه المعقول بالمحسوس.
    و(من) في قوله منها عمون للابتداء المجازي، جعل عماهم وضلالهم في إثبات الآخرة كأنه ناشىء لهم من الآخرة إذ هي سبب عماهم، أي إنكارها سبب ضلالهم. وفي الكلام مضاف محذوف تقديره: من إنكار وجودها عمون، فالمجرور متعلق بــــ عمون . وقدم على متعلقه للاهتمام بهذا المتعلق وللرعاية على الفاصلة. وصيغت الجملة الاسمية للدلالة على الثبات كما في قوله بل هم في شك منها .
    وترتيب هذه الاضرابات الثلاثة ترتيب لتنزيل أحوالهم؛ فوصفوا أولاً بأنهم لا يشعرون بوقت البعث ثم بأنهم تلقفوا في شأن الآخرة التي البعث من شؤونها علماً مضطرباً أو جهلاً فخبطوا في شك ومرية، فأعقبهم عمى وضلالة بحيث إن هذه الانتقالات مندرجة متصاعدة حتى لو قيل: بل أدّارك علمهم في الآخرة فهم في شك منها فهم منها عمون لحصل المراد.
    ولكن جاءت طريقة التدرج بالإضراب الانتقالي أجزل وأبهج وأروع وأدل على أن كلاً من هذه الأحوال المترتبة جدير بأن يعتبر فيه المعتبر باستقلاله لا بكونه متفرعاً على ما قبله، وهذا البيان هو ما أشرت إليه آنفاً عند الكلام على قراءة الجمهور أدّارك من خفاء توجيه الإضرابين اللذين بعد الإضراب الأول.
    وضمائر جمع الغائبين في قوله يشعرون، ويبعثون، علمهم، هم في شك، هم منها عمون عائدة إلى (من) الموصولة في قوله تعالى قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله . و(من) هذه وإن كانت من صيغ العموم فالضمائر المذكورة عائدة إليها بتخصيص عمومها ببعض من في الأرض وهم الذين يزعمون أنهم يعلمون الغيب من الكهان والعرّافين وسدنة الأصنام الذين يستقسمون للناس بالأزلام، وهو تخصيص لفظي من دلالة السياق وهو من قسم المخصص المنفصل اللفظي. والخلاف الواقع بين علماء الأصول في اعتبار عود الضمير إلى بعض أفراد العام مخصصاً للعموم يقرب من أن يكون خلافاً لفظياً. ومنه قوله تعالى
    وبُعُولَتُهنّ أحقّ بردهن
    [البقرة: 228] فإن ضمير بعولتهن عائد إلى المطلقات الرجعيات من قوله تعالى
    والمطلقات يتربصن بأنفسهن
    [البقرة: 228] الذي هو عام للرجعيات وغيرهن.

    وبهذا تعلم أن التعبير بــــ
    الذين كفروا
    [النمل: 67] هنا ليس من الإظهار في مقام الإضمار لأن الذين كفروا أعم من ما صدق (من) في قوله لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب .
    باحث في ترجمات معاني القرآن الكريم

    تعليق


    • #3
      يقول تعالى : ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:66] .
      يقول الشعراوي (ت:1419هـ) : " تدارك ، يعني : توالى وتتابع الحديث عنها عند كل الرسل ، ومنه قوله تعالى : حتى إذا اداركوا فيها . . . [الأعراف:38] . يعني : جمع بعضهم على بعض ... إذن : هناك شيء موجود بالفعل ، لكني أغفلته ، أو تغافلت عنه بإرادتي ، فآيات البعث والقيامة موجودة ومتداركة ، لكن الناس عموا عنها فلم يروها " .
      ويقول حسين فضل الله (ت:1431هـ) : " ومن هنا نفهم أن هذا التدرّج في الحديث عنهم ينطلق من دراسة حالتهم النفسية أمام واقع الدليل الذي يفرض الإيمان بالآخرة ويؤدي إلى العلم بها ، أو يثير التفكير بها ، ما يجعل الانصراف عنه وقوعاً في الشك والعمى عن الحقيقة " .

      والله أعلم وأحكم
      عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
      جامعة المدينة العالمية

      تعليق


      • #4
        يقول تعالى : ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون . بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:65-66] .
        في العلاقة بين الآيتين يقول الزمخشري (ت:538هـ) : " فإن قلت : إن الآية سيقت لاختصاص الله بعلم الغيب ، وأن العباد لا علم لهم بشيء منه وأن وقت بعثهم ونشورهم من جملة الغيب وهم لا يشعرون به ، فكيف لاءم هذا المعنى وصف المشركين بإنكارهم البعث مع استحكام أسباب العلم والتمكن من المعرفة ؟ قلت : لما ذكر أن العباد لا يعلمون الغيب ، ولا يشعرون بالبعث الكائن ووقته الذي يكون فيه ، وكان هذا بياناً لعجزهم ووصفاً لقصور علمهم : وصل به أن عندهم عجزا أبلغ منه ، وهو أنهم يقولون للكائن الذي لا بدّ أن يكون - وهو وقت جزاء أعمالهم - لا يكون ، مع أن عندهم أسباب معرفة كونه واستحكام العلم به " .

        والله أعلم وأحكم
        عبد الكريم بن إبراهيم عزيز
        جامعة المدينة العالمية

        تعليق


        • #5
          قال الشيخ محمد حسن حسن جبل :
          (بل ادارك علمهم في الآخرة)
          أي تلاحق وتتابع على إنكار الآخرة، ثم أضرب عنه إلى شكهم (بل هم في شك منها)، ثم إلى عماهم (بل هم منها عمون).
          انتهى.
          وقد أحال على القرطبي والبحر المحيط.
          باحث في ترجمات معاني القرآن الكريم

          تعليق

          19,963
          الاعــضـــاء
          232,074
          الـمــواضـيــع
          42,594
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X