• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • تفسير سورة لقمان


      تفسير سورة لُقْمَان

      - سبب التسمية : سميت ‏سورة ‏لقمان ‏لاشتمالها ‏على ‏قصة ‏لقمان ‏الحكيم ‏التي ‏تضمنت ‏فضيلة ‏الحكمة ‏وسر ‏معرفة ‏الله ‏تعالى ‏وصفاته ‏وذم ‏الشرك ‏والأمر. ‏ بمكارم ‏الأخلاق ‏والنهي ‏عن ‏القبائح ‏والمنكرات ‏وما ‏تضمنه ‏كذلك ‏من ‏الوصايا ‏الثمينة ‏التي ‏أنطَقَه ‏الله ‏بها .‎
      -
      التعريف بالسورة :
      1) مكية . ماعدا الآيات: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿26﴾ مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿27﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿28 فمدنية .
      2)من المثاني .
      3) عدد آياتها ثلاثة و ثلاثون .
      4) ترتيبها في المصحف الحادية والثلاثون .
      5) نزلت بعد سورة "الصافات" وقبل سورة سبأ.
      6) بدأت بأحد حروف الهجاء الم . ولقمان اسم لأحد الصالحين اتصف بالحكمة . 7) الجزء 21 ، الحزب ،42 ، الربع 4،5 .
      - سبب نزولها: ان قريشا سألت النبي ﷺ عن قصة لقمان مع ابنه وعن بره والديه ، فنزلت.
      - فضل السورة : أخرج النسائي وابن ماجة عن البراء قال : كنا نصلي خلف النبي الظهر ونسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات .
      - المعنى الإجمالي لسورة: اشتملت هذه السورة على الموضوعات التالية : فبدأت ببيان معجزة النبي الخالدة وهي القرآن دستور الهداية الربانية ، وموقف الناس منه ، ففريق المؤمنين يصدّقون بكل ما جاء فيه ، فيظفرون بالجنان ، وفريق الكافرين الساخرين الهازئين الذي يعرضون عما فيه من الآيات ، ويضلون عن سبيل اللّه جهلا وسفها ، فيتلقون العذاب الأليم. ثم تحدثت عن أدلة الوحدانية والقدرة الباهرة للّه ربّ العالمين من خلق العالم والكون ، وتلا ذلك بيان قصة لقمان الحكيم ووصاياه الخالدة لابنه ، تعليما للناس وإرشادا لهم ، وعلى رأسها نبذ الشرك ، وبر الوالدين ، ورقابة اللّه على كل صغيرة وكبيرة ، وإقامة الصلاة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والتواضع واجتناب الكبر ، ومشي الهوينى ، وإخفاض الصوت.
      وأردف ذلك توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك مع مشاهدتهم أدلة التوحيد ، والنعي عليهم في تقليدهم الآباء ، وجحودهم نعم اللّه الكثيرة التي لا حصر لها ، وإعلامهم أن طريق النجاة هو إسلام النفس للّه والإحسان بالعمل الصالح ، وبيان تناقضهم حين يقرّون بأن اللّه هو خالق كل شيء ثم يعبدون معه غيره ، مع أن اللّه هو مالك السموات والأرض والمنعم بجلائل النعم ، وعلمه محيط بكل شيء ، وأن خلق جميع البشر وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها ، فهو المدبر والمصرف الذي لا يعجزه شيء ، وأنهم يتضرعون إليه وقت الشدة ويشركون به وقت الرخاء.
      ثم أضافت السورة أدلة أخرى على القدرة الإلهية من إيلاج الليل في النهار وبالعكس ، وتسخير الشمس والقمر ، وتسيير السفن في البحار وغير ذلك.
      و ختمت السورة ببيان الأمر بالتقوى والخوف من عذاب يوم القيامة الذي لا بد من إتيانه ، ولا أمل فيه بنصرة أحد ، وعدم الاغترار بمتاع الدنيا وزخارفها ، والتنبيه على مفاتيح الغيب الخمسة التي اختص اللّه بعلمها ، وأن اللّه محيط علمه بالكائنات جميعها ، خبير بكل ما يجري فيها.

      مميزات القرآن الكريم و خصائصه، وأوصاف المؤمنين به: ( الآيات: 1- 4 ).
      الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿1﴾ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿3﴾ أُولَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿4﴾ .
      - اللغة :

      [الحكيم ]
      المحكم الذي لا خلل فيه ولا تناقض.
      [يوقنون ] اليقين : التصديق الجازم.
      [الْمُفْلِحُونَ] الفائزون.
      - تفسير معاني الآيات:
      الم اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِهِ.
      تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أَيْ هَذِهِ الْآيَات من الْقُرْآن ذي الحكمة .
      الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة بَيَان لِلْمُحْسِنِينَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ هُمْ الثَّانِي تَأْكِيد.
      - من هداية الآيات:
      1- بيان إعجاز القرآن حيث ألف من مثل آلم، وص، وطس، ولم يستطع خصومه تحديه.
      2- بيان معنى الحكيم وفضل الحكمة.
      3- بيان أن القرآن بيان للهدى المنجي المسعد ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه.
      4- فضل الصلاة والزكاة واليقين.
      5- بيان مبنى الدين: وهو الإيمان والإسلام والإحسان.


      حال الكفار المعرضين عن القرآن وإقبال المؤمنين عليه: ( الآيات: 5 – 8 ).
      وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿5﴾ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿6﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴿7﴾ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّـهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿8﴾ .
      - اللغة:
      [لهو الحديث ]
      الباطل الملهي عن الخير والعبادة.
      [وقرا] ثقلا وصمما يمنع من السماع.
      - المناسبة :

      بعد بيان أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكيمة ، وبعد بيان حال السعداء المهتدين بهديه ، المنتفعين بسماعه ، بيّن اللّه تعالى حال الكفار الأشقياء التاركين له المشتغلين بغيره ، وأعقبه بوعيدهم بالعذاب المهين المؤلم ، وعطف عليه وعد المؤمنين به المقبلين على تلاوته ، الملتزمين حدوده من أوامر ونواه.
      - تفسير معاني الآيات:
      لَهْو الْحَدِيث أَيْ مَا يُلْهِي مِنْهُ عَنْ سَبِيل اللَّه طَرِيق الْإِسْلَام هزؤا مَهْزُوءًا بِهَا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب مُهِين ذُو إهانة.
      - سبب نزول قوله تعالى :
      ومن الناس من يشتري لهو الحديث ، روي أنها نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء محمد ﷺ وسبه فنزلت الآية في ذلك ، وقيل إنه ابن خطل ، فالشراء على هذا حقيقة.
      وروي عن أبي أمامة الباهلي بأن النبي ﷺ قال : « شراء المغنيات وبيعهن حرام » وقرأ هذه الآية ، وقال في هذا المعنى أنزلت علي هذه الآية .
      و روى الترمذي الحديث بمعناه عن أبي أمامة كتاب البيوع ج 3 باب 51 ونصه: لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلّموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام. وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد ، وقال الحسن لهو الحديث المعازف والغناء .
      وقال بعض الناس نزلت في النضر بن الحارث وكان قد تعلم أخبار فارس، لأنه اشترى كتب رستم واسبندياد وكان يخلف رسول الله ﷺ فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول أنا أحسن حديثاً من محمد ، وقال قتادة : الشراء في هذه الآية مستعار ، وشراء لهو الحديث استحبابه وسماعه، فالشراء على هذا مجاز، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الأباطيل . ومعنى اللفظ يعم ذلك كله، وظاهر الآية أنه لهو مضاف إلى الكفر بالدين واستخفاف، لقوله تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية، وأن المراد شخص معين، لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف.
      و لهو الحديث كل ما يلهي من غناء وخنى ونحوه ، والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزواً ولا عليهم هذا الوعيد ، بل ليعطل عبادة ويقطع زماناً بمكروه.
      وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا أَيْ الْقُرْآن وَلَّى مُسْتَكْبِرًا مُتَكَبِّرًا فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا صَمَمًا وَجُمْلَتَا فَبَشِّرْهُ أعلمه بعذاب أليم مؤلم ذكر الْبِشَارَة تَهَكُّم بِهِ وَهُوَ النَّضْر بْن الْحَارِث كَانَ يَأْتِي الْحِيرَة يَتَّجِر فَيَشْتَرِي كُتُب أَخْبَار الْأَعَاجِم وَيُحَدِّث بِهَا أَهْل مَكَّة وَيَقُول إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثكُمْ أَحَادِيث عَادٍ وَثَمُود وَأَنَا أُحَدِّثكُمْ أَحَادِيث فَارِس وَالرُّوم فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثه وَيَتْرُكُونَ اسْتِمَاع القرآن.
      خَالِدِينَ فِيهَا أَيْ مُقَدَّرًا خُلُودهمْ فِيهَا إذَا دَخَلُوهَا وَعْد اللَّه حَقًّا أَيْ وَعَدَهُمْ اللَّه ذَلِكَ وَحَقّه حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيز الَّذِي لَا يَغْلِبهُ شَيْء فَيَمْنَعهُ مِنْ إنْجَاز وَعْده وَوَعِيده الْحَكِيم الَّذِي لَا يَضَع شَيْئًا إلا في محله.
      - من هداية الآيات:
      1- إن من أعظم الجرائم الإعراض عن سماع القرآن كلام اللّه ، وشغل الناس بسماع غيره من أنواع الكلام غير المفيد من القصص والأساطير والمضاحيك ونحو ذلك من ألوان اللهو والعبث ، بقصد الإضلال والصد عن دين اللّه تعالى ، ويستحق المعرض المتولي تكبرا عن القرآن عذابا أليما.
      2- استدل ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بقوله : لَهْوَ الْحَدِيثِ على منع استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.

      - حكم الغناء عند الفقهاء : للفقهاء ، ومنهم علماء المذاهب الأربعة على المعتمد لديهم تفصيل في حكم الغناء هو ما يأتي :
      أ - الغناء الحرام : هو الذي يحرّك النفوس ، ويبعثها على الهوى والغزل ، والمجون ، بكلام يشبّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن ، وذكر الخمور والمحرّمات لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. وإذا لم يجز فأخذ الأجرة عليه لا يجوز.
      ب - الغناء المباح : هو ما سلم مما ذكر ، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد ، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان في حفر الخندق حول المدينة .

      الاستدلال بخلق السموات والأرض على وحدانية اللّه وإبطال الشرك: الآيات: 9 – 10 ).
      خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴿9﴾ هَـذَا خَلْقُ اللَّـهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿10﴾ .
      - اللغة
      :
      [عمد] جمع عماد وهو الدعامة التي يرتكز عليها الشيء.
      [رواسي ]
      جبالا ثوابت ، ورست السفينة : إذا ثبتت واستقرت.
      [تميد] تتحرك وتضطرب.
      [بث ]
      نشر وفرق .
      - المناسبة :

      بعد قوله تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الدال على عزته وحكمته وكمال قدرته وعلمه وإتقان صنعه ، ذكر اللّه تعالى الأدلة على قدرته العظيمة من خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما ، لتقرير وحدانيته ، وإبطال الشرك ، والتنبيه إلى وجوب اتباع الحق الذي جاءت به الرسل.

      - تفسير معاني الآيات
      :
      خلق السَّمَاوَات بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا أَيْ الْعَمَد جَمْع عِمَاد وَهُوَ الْأُسْطُوَانَة وَأَلْقَى فِي الْأَرْض رَوَاسِي جِبَالًا مُرْتَفِعَة ل أَنْ لَا تَمِيد تَتَحَرَّك مِنْ كُلّ زَوْج كَرِيم صِنْف حَسَن.
      هَذَا خَلْق اللَّه أَيْ مَخْلُوقه فَأَرُونِي أَخْبِرُونِي يَا أَهْل مَكَّة مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونه غَيْره أَيْ آلِهَتكُمْ حَتَّى أَشْرَكْتُمُوهَا بِهِ تَعَالَى وَمَا اسْتِفْهَام إنْكَار الظَّالِمُونَ فِي ضَلَال مُبِين بَيِّن بِإِشْرَاكِهِمْ وَأَنْتُمْ منهم.
      - من هداية الآيات:
      1- حرمة غناء النساء للرجال الأجانب.
      2- حرمة شراء الأغاني في الأشرطة والاسطوانات التي بها غناء العواهر والخليعين من الرجال.
      3- حرمة حفلات الرقص والغناء الشائعة اليوم في العالم كافره ومسلمه.
      4- دعوة الله تقوم على دعامتي الترهيب والترغيب والبشارة والنذارة.
      5- بيان شتّى مظاهر القدرة والعلم والعز والحكمة الموجب للإيمان والتوحيد.
      6- لا قصور في الأدلة والحجج الإلهية وإنما ضلال العقول بالشرك والمعاصي هو المانع من الاهتداء. والعياذ بالله تعالى.

      وصية لقمان الحكيم لابنه: ( الآيات: 11 – 18 ).
      وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّـهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿11﴾ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّـهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿12﴾ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿13﴾ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿14﴾ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿15﴾ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿16﴾ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿17﴾ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴿18﴾ .
      - اللغة:

      [الحكمة] الإصابة في القول والعمل ، وأصلها وضع الشيء في موضعه ، قال فى اللسان : أحكـم الأمر أتقنه ويقال للرجل إذا كان حكيما : قد أحكمته التجارب ، والحكيم : المتقن للأمور.
      [يعظه ] ينصحه ويذكره ، والعظة والموعظة : النصح والإرشاد.
      [وهنا]
      الوهن : الضعف ومنه.
      [وهن العظم مني ] أى ضعف.
      [فصاله ] الفصال : الفطام وهو لفظ يستعمل فى الرضاع خاصة، وأما الفصل فهو أعم ، وفصلت المرأة ولدها أى فطمته وتركت إرضاعه.
      [أناب ]
      رجع ، والمنيب الراجع إلى ربه بالتوبة والاستغفار .
      [تصعر] الصعر: بفتحتين فى الأصل داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه ، ثم استعمل في ميل العنق كبرا وافتخارا.
      [مرحا] فرحا وبطرا وخيلاء .
      [مختال ] متبختر في مشيته .
      [اقصد] توسط ، والقصد : التوسط بين الإسراع والبطء .
      [اغضض] غضض الصوت خفضه .
      - المناسبة :
      بعد أن بيّن اللّه تعالى فساد اعتقاد المشركين وأن المشرك ظالم ضال ، ذكر ما يدل على ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة والعلم المرشد إلى الإقرار بوحدانيته ، وإن لم يكن هناك نبوة ، فإن لقمان توصل إلى إثبات التوحيد وإطاعة اللّه والتزام مكارم الأخلاق دون نبي ولا رسول.

      - تفسير معاني الآيات:
      وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة مِنْهَا الْعِلْم وَالدِّيَانَة وَالْإِصَابَة فِي الْقَوْل كَانَ قَبْل بَعْثَة دَاوُد وَأَدْرَكَ بَعْثَته وَأَخَذَ عَنْهُ الْعِلْم أَنْ أَيْ وَقُلْنَا لَهُ أَنْ اُشْكُرْ لِلَّهِ عَلَى مَا أَعْطَاك مِنْ الْحِكْمَة وَمَنْ يَشْكُر فَإِنَّمَا يَشْكُر لِنَفْسِهِ لِأَنَّ ثَوَاب شُكْره لَهُ وَمَنْ كَفَرَ النِّعْمَة فَإِنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْ خَلْقه حَمِيد مَحْمُود فِي صنعه .
      وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لُقْمانَ رجل صالح نوبياً أسود ينطق بالحكمة ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجارا وقيل: خياطا، وقيل: راعي غنم، وكان ابنه كافرا فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران.
      وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ أَمَرْنَاهُ أَنْ يَبَرّهُمَا وَهْنًا عَلَى وَهْن أَيْ ضَعُفَتْ لِلْحَمْلِ وَضَعُفَتْ لِلطَّلْقِ وَضَعُفَتْ لِلْوِلَادَةِ وَفِصَاله أَيْ فِطَامه فِي عَامَيْنِ إلَيَّ الْمَصِير أَيْ الْمَرْجِع.
      وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
      وَصَاحِبهمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا أَيْ بِالْمَعْرُوفِ الْبِرّ وَالصِّلَة وَاتَّبِعْ سَبِيل طَرِيق مَنْ أَنَابَ رَجَعَ إلَيَّ بِالطَّاعَةِ فَأُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَأُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ .
      - سبب النزول: روي أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص و أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية قال سعد: كنت رجلاً براً بأمي فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت لتدعن عن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه قلت: لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء قال: فمكثت يوماً لا تأكل فأصبحت قد جهدت قال فمكثت يوماً آخر وليلة لا تأكل فأصبحت وقد اشتد جهدها قال: فلما رأيت ذلك قلت تعلمين والله يا أمه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت فأنزلت هذه الآية وَإِن جاهَداكَ الآية.
      إنَّهَا أَيْ الْخَصْلَة السَّيِّئَة إنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ فِي صَخْرَة أَوْ فِي السَّمَاوَات أَوْ فِي الْأَرْض أَيْ فِي أَخْفَى مَكَان مِنْ ذَلِكَ يَأْتِ بِهَا اللَّه فَيُحَاسِب عَلَيْهَا إنَّ اللَّه لَطِيف بِاسْتِخْرَاجِهَا خَبِير بِمَكَانِهَا.
      يَا بُنَيّ أَقِمْ الصَّلَاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَر وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك بِسَبَبِ الْأَمْر وَالنَّهْي إنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُور مِنْ عَزْم الْأُمُور أَيْ مَعْزُومَاتهَا الَّتِي يَعْزِم عَلَيْهَا لِوُجُوبِهَا.
      وَلَا تُصَعِّر خَدّك لِلنَّاسِ لَا تَمِلْ وَجْهك عَنْهُمْ تَكَبُّرًا وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا أَيْ خُيَلَاء إنَّ اللَّه لا يُحِبّ كُلّ مُخْتَال مُتَبَخْتِر فِي مَشْيه فَخُور على الناس.
      وَاقْصِدْ فِي مَشْيك تَوَسَّطْ فِيهِ بَيْن الدَّبِيب وَالْإِسْرَاع وَعَلَيْك السَّكِينَة وَالْوَقَار وَاغْضُضْ اخْفِضْ مِنْ صَوْتك إنَّ أَنْكَر الْأَصْوَات أَقْبَحهَا لَصَوْت الْحَمِير أَوَّله زَفِير وَآخِره شَهِيق.
      - من هداية الآيات:
      1- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك.
      2- بيان الحكمة وهي شكر الله تعالى بطاعته وذكره إذ لا يشكر إلا عاقل فقيه.
      3- مشروعية الوعظ والإرشاد للكبير والصغير والقريب والبعيد.
      4- التهويل في شأن الشرك وإنه لظلم عظيم.
      5- بيان مدة الرضاع وهي في خلال العامين لا تزيد.
      6- وجوب بر الوالدين وصلتهما.
      7- تقرير مبدأ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بعدم طاعة الوالدين في غير المعروف.
      8- وجوب اتباع سبيل المؤمنين من أهل السنة والجماعة وحرمة اتباع سبيل أهل البدع والضلالة.
      9- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم الاستخفاف بالحسنة والسيئة مهما قلت وصغرت.
      10- وجوب إقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما يلحق الآمر والناهي من أذى.
      11- حرمة التكبر والاختيال في المشي ووجوب القصد في المشي والصوت فلا يسرع ولا يرفع صوته إلا على قدر الحاجة.

      توبيخ المشركين على شركهم بالرغم من مشاهدتهم دلائل التوحيد: ( الآيات: 19 – 20 ).
      أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴿19﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿20﴾ .
      - اللغة :
      [اسبغ ]
      أتم وأكمل يقال : سبغت النعمة سبوغا إذا تمت.
      - المناسبة:
      بعد أن استدل اللّه تعالى بقوله : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ على الوحدانية وذكر أن لقمان عرف ذلك بالحكمة ، لا بالنبوة ، عاد إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك ، مع مشاهدتهم دلائل التوحيد عيانا في عالم السموات والأرض ، وتسخير ما فيها لمنافعهم ، وإنعامه عليهم بالنعم المحسوسة والمعقولة ، المعروفة لهم وغير المعروفة.
      - تفسير معاني الآيات:
      أَلَمْ تَرَوْا تَعْلَمُوا يَا مُخَاطَبِينَ أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات لِتَنْتَفِعُوا بِهَا وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ الثِّمَار وَالْأَنْهَار وَالدَّوَابّ وَأَسْبَغَ أَوْسَعَ وَأَتَمَّ عَلَيْكُمْ نِعَمه ظَاهِرَة وَهِيَ حُسْن الصُّورَة وَتَسْوِيَة الْأَعْضَاء وَبَاطِنَة هِيَ الْمَعْرِفَة وَمِنْ النَّاس أَيْ أَهْل مَكَّة مَنْ يُجَادِل فِي اللَّه بِغَيْرِ عِلْم وَلَا هُدَى مِنْ رَسُول وَلَا كِتَاب مُنِير أَنْزَلَهُ اللَّه بَلْ بالتقليد.
      وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله.
      - من هداية الآيات:
      1- تعيين الاستدلال بالخلق على الخالق وبالنعمة على المنعم.
      2- وجوب ذكر النعم وشكرها لله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ .

      3- حرمة الجدل بالجهل ودون علم.
      4- حرمة التقليد في الباطل والشر والفساد كتقليد بعض المسلمين اليوم للكفار في عاداتهم وأخلاقهم ومظاهر حياتهم.

      المُقبلون على الله هم الناجون والمعرضون عنه هم المعذبين: ( الآيات: 21 – 23 ).
      وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿21﴾ وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿22﴾ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿23﴾.
      - اللغة:
      [استمسك ] تمسك وتعلق واعتصم.
      - المناسبة :
      بعد بيان حال الكافر المجادل في اللّه جهلا وعنادا ، أبان اللّه تعالى حال المسلم ، وأخبر بأن منتهى الأمور صائرة إليه ، ثم أردفه بتسلية الرسول ﷺ على ما يلقاه من إعراض المشركين عن دعوته عنادا ، وهددهم بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة ، مع التنبيه بأن عذاب الآخرة أشد وأثقل.
      - تفسير معاني الآيات:
      وَمَنْ يُسْلِم وَجْهه إلَى اللَّه أَيْ يُقْبِل عَلَى طَاعَته وَهُوَ مُحْسِن مُوَحِّد فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى بِالطَّرَفِ الْأَوْثَق الَّذِي لَا يَخَاف انْقِطَاعه وَإِلَى اللَّه عَاقِبَة الْأُمُور مَرْجِعهَا.
      وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنك يَا مُحَمَّد كُفْره لَا تَهْتَمّ بِكُفْرِهِ إنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور أَيْ بِمَا فِيهَا كَغَيْرِهِ فَمَجَاز عَلَيْه.
      نُمَتِّعهُمْ فِي الدُّنْيَا قَلِيلًا أَيَّام حَيَاتهمْ ثُمَّ نَضْطَرّهُمْ فِي الْآخِرَة إلَى عَذَاب غَلِيظ وَهُوَ عَذَاب النَّار.

      إثبات وجود اللّه وسعة علمه وشمول قدرته على البعث وكل شيء( الآيات: 24 – 31 ).
      وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿24﴾ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿25﴾ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿26﴾ مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿27﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿28﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿29﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّـهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿30﴾ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴿31﴾ .
      - اللغة
      :
      [نفدت ] فنيت وفرغت.
      [يولج ] يدخل والإيلاج : الإدخال ومنه حتى يلج الجمل فى سم الخياط .
      [الفلك ] السفن.
      [كالظلل ] الظلل : جمع ظلة وهي كل ما اظلك من جبل أو سحاب.
      [ختار] الختار : الغدار، والختر : أسوء الغدر، قال الشاعر : فإنك لو رأيت آبا عمير ملأت يديك من غدر وختر.
      - المناسبة :
      بعد إقامة الأدلة على وحدانية اللّه بخلق السموات بغير عمد ، وبإمداد خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة ، أبان اللّه تعالى أن المشركين معترفون بوجود اللّه ، وأنهم يتضرعون إليه وحده وقت الشدة ، ثم يعودون إلى كفرهم بعد النجاة. ثم أثبت تعالى وحدانيته بملكه ما في السموات وما في الأرض ، ثم أقام الدليل على سعة علمه ، وشمول قدرته على كل شيء ، ومنه خلق الناس وبعثهم ، وتعاقب الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر في دورة محددة ، وتسيير السفن في البحار بتيسيره وتهيئة أسبابه ، علما بأن المشركين يعترفون بتلك الآيات.
      - تفسير معاني الآيات:
      ولئن لام قسم والله إن قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى ظُهُور الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ.
      لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مُلْكًا وَخَلْقًا وَعَبِيدًا فَلَا يَسْتَحِقّ الْعِبَادَة فِيهِمَا غَيْره إنَّ اللَّه هُوَ الْغَنِيّ عَنْ خَلْقه الْحَمِيد الْمَحْمُود في صنعه.
      سَبْعَة أَبْحُر مِدَادًا مَا نَفِدَتْ كَلِمَات اللَّه الْمُعَبَّر بِهَا عَنْ مَعْلُومَاته بِكَتْبِهَا بِتِلْكَ الْأَقْلَام بِذَلِكَ الْمِدَاد وَلَا بِأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْلُومَاته تَعَالَى غَيْر مُتَنَاهِيَة أَنَّ اللَّه عَزِيز لَا يُعْجِزهُ شَيْء حَكِيم لَا يَخْرُج شَيْء عَنْ عِلْمه وَحِكْمَته.
      مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة خَلْقًا وَبَعْثًا لِأَنَّهُ بِكَلِمَةِ كُنْ فَيَكُون إنَّ اللَّه سَمِيع يَسْمَع كُلّ مَسْمُوع بَصِير يُبْصِر كُلّ مُبْصِر لَا يَشْغَلهُ شَيْء عَنْ شَيْء.
      أَلَمْ تَرَ تَعْلَم يَا مُخَاطَب أَنَّ اللَّه يُولِج يُدْخِل اللَّيْل فِي النَّهَار وَيُولِج النَّهَار يُدْخِلهُ فِي اللَّيْل فَيَزِيد كُلّ مِنْهُمَا بِمَا نَقَصَ مِنْ الْآخَر وَسَخَّرَ الشَّمْس وَالْقَمَر كُلّ مِنْهُمَا يَجْرِي فِي فَلَكه إلَى أَجَل مُسَمَّى هو يوم القيامة .
      ذَلِكَ
      الْمَذْكُور بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ الثَّابِت وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونه الْبَاطِل الزَّائِل وَأَنَّ اللَّه هُوَ الْعَلِيّ عَلَى خَلْقه بِالْقَهْرِ الْكَبِير الْعَظِيم.
      أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْك السُّفُن لِيُرِيَكُمْ يَا مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ إن فِي ذَلِكَ لَآيَات عِبَرًا لِكُلِّ صَبَّار عَنْ مَعَاصِي اللَّه شَكُور لِنِعْمَتِهِ.
      وَإِذَا غَشِيَهُمْ أَيْ عَلَا الْكُفَّار مَوْج كَالظُّلَلِ كَالْجِبَالِ الَّتِي تُظِلّ مَنْ تَحْتهَا دَعَوْا اللَّه أَيْ الدُّعَاء بِأَنْ يُنْجِيهِمْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين أَيْ لَا يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْره فَمِنْهُمْ مُقْتَصِد مُتَوَسِّط بَيْن الْكُفْر وَالْإِيمَان وَمَا يَجْحَد وَمِنْهُمْ بَاقٍ عَلَى كُفْره بآياتنا ومنها الإنجاء من الْمَوْج إلَّا كُلّ خَتَّار غَدَّار كَفُور لِنِعَمِ الله تعالى.
      - من هداية الآيات:
      1- بيان نجاة أهل لا إله إلا الله وهم الذين عبدوا الله وحده بما شرع لهم على لسان رسوله محمد ﷺ .
      2- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
      3- بيان أن المشركين من العرب موحدون في الربوبية مشركون في العبادة كما هو حال كثير من الناس اليوم.
      يعتقدون أن الله رب كل شيء ولا ربّ سواه ويذبحون وينذرون ويحلفون بغيره، ويخافون غيره ويرهبون سواه.

      4- بيان سعة علم الله تعالى وأنه تعالى متكلم وكلماته لا تنفد بحال من الأحوال.
      5- بيان أن ما أوتيه الإنسان من علوم ومعارف ما هو بشيء إلى علم الله تعالى.
      6- بيان قدرة الله تعالى وأنها لا تحد ولا يعجزها شيء.
      7- إثبات صفات الله كالعزة والحكمة والسمع والبصر.
      8- تقرير التوحيد وإبطال الشرك بذكر الأدلة المستفادة من مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته. 9- فضيلة الصبر والشكر والجمع بينهما خير من افتراقهما.
      10- بيان أن المشركين أيام نزول القرآن كانوا يوحدون في الشدة ويشركون في الرخاء.

      11- شر الناس الختّار أي الغدار الكفور.
      12- ذم الختر وهو أسوأ الغدر وذم الكفر بالنعم الإلهية.

      - الأمر بتقوى الله، وبيان مفاتيح الغيب: ( الآيات: 32 – 33 ).
      يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ ﴿32﴾ إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿33﴾ .
      - اللغة:
      [الغرور] ما يغر ويخدع من شيطان وغيره ، وغره الأمل : خدعه .
      - المناسبة :
      بعد ذكر دلائل التوحيد من أول السورة إلى آخرها ، أمر اللّه تعالى بتقوى اللّه والخوف منه ، والخشية من يوم القيامة ، لأنه تعالى لما كان واحدا أوجب التقوى البالغة ، وأنذر الناس يوم المعاد ، وأخبر بأنه حق كائن ، ثم أردفه ختاما للسورة ببيان ما استأثر اللّه بعلمه ، وهي مفاتح الغيب الخمسة ، لأنه بعد هذا الإنذار كأن قائلا قال : فمتى يكون هذا اليوم ؟ فأجيب بأن العلم بهذه الأمور لا يحصل لغير اللّه ، ولكن يوم المعاد كائن لا بد منه ، وإن لم يعلم الناس وقته ، واللّه قادر عليه.
      - تفسير معاني الآيات:
      يأيها النَّاس أَيْ أَهْل مَكَّة اتَّقُوا رَبّكُمْ وَاخْشَوْا يوما لا يجزئيُغْنِي وَالِد عَنْ وَلَده فِيهِ شَيْئًا وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِده فِيهِ شَيْئًا إنَّ وَعْد اللَّه حَقّ بِالْبَعْثِ فَلَا تَغُرَّنكُمْ الْحَيَاة الدُّنْيَا عَنْ الْإِسْلَام وَلَا يَغُرَّنكُمْ بِاَللَّهِ فِي حِلْمه وَإِمْهَاله الْغَرُور الشَّيْطَان.
      إنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة مَتَى تَقُوم وينزل الغيث بِوَقْتٍ يَعْلَمهُ وَيَعْلَم مَا فِي الْأَرْحَام أَذَكَر أَمْ أُنْثَى وَلَا يَعْلَم وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَة غَيْر اللَّه تَعَالَى وَمَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا تَكْسِب غَدًا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ وَيَعْلَمهُ اللَّه تَعَالَى وَمَا تَدْرِي نَفْس بِأَيِّ أَرْض تَمُوت وَيَعْلَمهُ اللَّه تَعَالَى إنَّ اللَّه عَلِيم بِكُلِّ شَيْء خَبِير بِبَاطِنِهِ كَظَاهِرِهِ.
      - سبب النزول: عن قتادة قال قال المشركون إنما هذا كلام يوشك أن ينفذ فنزل ولو أن ما في الأرض الآية .
      و عن مجاهد قال جاء رجل من أهل البادية فقال إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت فأنزل الله
      إنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة.
      و عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهم إلا الله تعالى لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ولا يعلم: ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله. رواه البخاري.
      - من هداية الآيات:
      1- وجوب تقوى الله بالإيمان به وتوحيده في عبادته.
      2- تقرير عقيدة البعث والجزاء.

      3- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا، والتحذير من الشيطان أي من اتباعه والاغترار بما يزينه ويحسنه من المعاصي.
      4- بيان مفاتح الغيب الخمسة واختصاص الرب تعالى بمعرفتها.
      5- كل مدع لمعرفة الغيب من الجن والإنس فهو طاغوت يجب لعنه ومعاداته.
      6- ما ادّعي اليوم من أنه بواسطة الآلات الحديثة قد عرف ما في رحم المرأة فهذه المعرفة ليست داخلة في قوله
      تعالى:ويعلم ما في الأرحام لأنها بمثابة من فتح البطن ونظر ما فيه فقال هو كذا وذلك لوجود أشعة عاكسة أما المنفي عن كل أحد إلا الله أن يقول المرء: إن في بطن امرأة فلان ذكراً أو أنثى ولا يقرب منها ولا يجرّبها في ولادتها السابقة، ولا يحاول أن يعرف ما في بطنها بأية محاولة.
      تم بحمد الله

      تفسير مبسط لسورة لقمان . مستمد من تفسير الجلالين, وتفسير التسهيل لابن جزي, وتفسير المحرر الوجيز لابن عطية, وتفسير ابن كثير, وتفسير زاد المسير لابن الجوزي, والتفسير المنير للزحيلي, وصفوة التفاسير للصابوني, وايسر التفاسير لابي بكر جابر الجزائري .
      نلتقي لنرتقي من النفق إلى الأفق

    • #2
      عرض رائع وجميل. جزاك الله خيراً وأثابك الجنة.
      لتنا نجتمع على مثل هذا العرض لسور القرآن لتسهل الفائدة على اللجميع.

      تعليق

      20,125
      الاعــضـــاء
      230,442
      الـمــواضـيــع
      42,205
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X