• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • قصص الملائكة من القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية المطهرة

      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلمَ تسليما كثيرا.


      اضغط على الصورة لعرض أكبر. 

الإسم:	غلاف قصص الملائ&#1.jpg 
مشاهدات:	1 
الحجم:	48.4 كيلوبايت 
الهوية:	407597


      أما بعد

      فقد كان من خبر هذا الكتاب أنني حين شرعت في الطلب قديما كنت أقرأ مع بعض الإخوان كتاب الإيمان لمحمد نعيم ياسين فلما وصلنا إلى مبحث الإيمان بالملائكة ذكر أنه يجب الإيمان بالملائكة الذين وردت أسماؤهم في الكتاب أو السنة بالتفصيل. فكان قوله: "يجب ... بالتفصيل" شديد الوقع على نفسي وسألت كيف السبيل إلى ذلك؟ أعني إلى معرفة كل الملائكة الذين ذكروا في الكتاب والسنة بالتفصيل، فكانت كل الأجوبة لا تشفي غليلي. فسألت هل يوجد كتاب جامع في هذا الأمر؟ أعني كتاب أُفْرِدَ للحديث عن الملائكة تفصيلا، فكان الجواب: لا يوجد، وكم تمنيت أن لو وُجِدَ مثل هذا الكتاب لِيَتِمَّ إيماننا بهذا الركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالملائكة على وجهه.
      ثم مضى نحو عقد من الزمان وإذا بأخي محمد يرغب إليَّ أن أضع كتابا عن الملائكة فأثار ما كان في نفسي قديما، وقلت في نفسي: إنها أمنية قديمة ولكني لست أهلا لها، ثم بعد أيام أعاد طلبه هذا، وظل مدة من الزمان يسألني ذلك وقال: إن التأليف الآن قد كثر جدا فإن لم تبدأ في صنع هذا الكتاب صنعه غيرُك، فكنت أتمنى أن يصنعه غيري لصعوبته وعدم وجود تأليف سابق فيما كنت أظن، وقلة المراجع بين يدي، إلا أنني كنت أتمنى أن أصنعه أنا ولكنها كانت أمنية بعيدة إذ كنت أعلم أنني لست لها أهلا.
      فلما زاد إلحاح أخي محمد على هذا الأمر وانشرح صدري له عزمت على البدء في جمع مادته ولكن لم يكن عندنا من الكتب ما يُمَكِّنُنا من ذلك، فعزمتُ في صيف عام 1997م على البدء بما تيسر لدي فشرعت في قراءة صحيح البخاري وكان عندي الطبعة اليونينية غير كاملة، وبعض أجزاء من صحيح مسلم طبعة دار التحرير وعلى هامشها تعليقات مأخوذة من شرح الإمام النووي فبدأت باستخراج ما فيهما من الأحاديث عن الملائكة وفي أثناء ذلك إذا بأخي محمد يشتري سنن الدارمي فأخذته فقرأته كله واستخرجت ما فيه وهو قليل جدا، ثم جاءني بسنن الدارقطني فقرأتها كلها واستخرجت ما فيها، ومشيت هكذا لا يقع تحت يدي كتاب إلا قرأته كله لاسيما إذا كان من كتب السنة فقرأت صحيح سنن النسائي للإمام الألباني كله وبعض ضعيف النسائي وسنن ابن ماجه تحقيق عبد الباقي قرأتها كلها أو بعضها لا أذكر الآن، وأكثر سنن أبي داود وبعض سنن الترمذي والشمائل له والزهد لابن المبارك والزهد لأحمد وتلبيس إبليس لابن الجوزي والنهاية في الفتن والملاحم لابن كثير والصحيح من التذكرة للقرطبي وتنبيه الغافلين للسمرقندي وكل ما وقع تحت يدي في هذا الوقت قرأته كله أو جله حتى اجتمعت لدي مادةٌ كثيرة عن الملائكة،
      وفي أثناء ذلك جمعت كل أو أكثر الآيات التي تتحدث عن الملائكة
      ثم وقفت وقفة هامة لتنظيم هذه المادة وترتيبها فلما قمت بذلك وجدت أن ما اجتمع لدي عن ميكائيل يمكن تنظيمه بحيث يكون موضوعا كاملا فكتبت قصة ميكائيل كلها كما ستراها هنا إن شاء الله تعالى، ثم سِرْتُ في باقي القصص على نهجها مِنْ ذكر الاسم والعمل المكلف به وأعوانه ...الخ
      وقد استغرقتْ كتابةُ مسودةِ الكتاب نحو سنتين ونصف، كنت في أكثرها بعيدا عن كتبي إذ كنت ما زلت طالبا في الجامعة وأسكن في المدينة الجامعية وأعود للبيت كل خميس وجمعة ففيهما كنت أنتهز الفرصة للكتابة
      ولما انتهيت من مسودته في شتاء سنة 2000م لم أكن خَرَّجْتُ أحاديثه بل نقلت أحكام العلماء التي قابلتني فقط كأحكام ابن كثير وابن الجوزي وغيرهما، وذلك لعدم وجود الكتب بين يدي، فلما يَسَّر الله تعالى لي الحصول على بعض كتب التراجم كالتقريب والتهذيب لابن حجر والجرح والتعديل وسؤالات الحاكم شرعت في تخريج كل أحاديثه مرة أخرى معتمدا على ما وقفت عليه من أسانيد إذ لم تكن الشاملة قد ظهرت بل لم يكن عندي حاسوبا وكان هذا من أفضل ما استفدته إذ لم أكن أعتمد على سرعة استخراج طرق الحديث بضغطة زر بل كان بمراجعة كثيرة مني والبحث بنفسي عن مواطن الحديث وفي الأماكن التي يمكن أن يوجد فيها كأن يكون مثلا في كتاب الرقائق أو التفسير ونحو ذلك فربما قرأت الباب كله إن لم أكن قرأته قبل ذلك وربما أعدت قراءته أكثر من مرة، وكنت أنظر في تخريجات المحققين ولا أعتمد عليها إذ كانوا –أحيانا- يخطئون في الإحالة فكنت أرجع إلى كل الأماكن التي يحيلون عليها للاطمئنان بنفسي على صحة هذه الإحالات، وكان أمرًا شاقًّا جدا، ولكن ما أكثر ما أفدت من ذلك ولله الحمد.
      ثم لما انتهيت من ذلك أخذني أحد الأصدقاء –جزاه الله خيرا- إلى فضيلة الشيخ مصطفى العدوي لينظر في الكتاب وكان ذلك في عام 2004م ولكن لم يتيسر ذلك ولكن قابلت بعض تلامذة الشيخ فراجع معي كثيرا من أحاديثه وناقشني مناقشات جادة نافعة جزاه الله خيرا ونصحني نصائح أفدت منها كثيرا ومنها أن أحذف الضعيف فحذفت أكثره فكان نحو ثلث الكتاب حتى هممت بأن أصنع ضعيف قصص الملائكة.
      ثم عرضه أخي محمد على بعض دور النشر فأراد أحدهم شراءَه بثمن بخس دراهم معدودة تقل عن ثمن مسند الإمام أحمد طبعة شاكر! وعجبا والله لهؤلاء الناشرين! ولكني ولله الحمد لم أكن فيه من الزاهدين فأخذته واحتفظت به سنوات كثيرة ثم عرضته مرة أخرى بعد نحو عشر سنوات على بعض دور النشر في السعودية فوافقت إحدى الدور على نشره وطلبوا مني أن أعمل له (فَسْح إعلام = تصريح نشر) فكلفني ما كلفني حتى إذا انتهيت منه، إذا بهم يقولون: إن الدار لن تستطيع نشره الآن!! وهكذا ظل حبيس المكتب حتى وجدت هذه الدار التي تولت طباعته...
      فأرسلت لصاحبها الكتاب فأخذه،
      وثمنَ طباعته فأكله،
      فلا تسل عما وراء ذلك،
      وإنما أقول ذلك مصرحا به تبرئة للذمة لئلا ينخدع بهذه الدار أحد، لا رغبة في غيبة أحد، ويكفي أن تعلم أن صاحب هذه الدار بعد أن أخذ الكتاب وثمنه ماطلني كثيرا في مجرد الرد على الجوال؛ إذ لم يكن هناك وسيلة للاتصال بيننا إلا الجوال، وأنا في بلد وهو في بلدة أخرى، لكنه لما علم أني أعمل طبيبا في السعودية كانت هاتان الخصلتان (طبيب + في السعودية) كافيتين عنده لأن يأخذ الكتاب لنفسه! إذ هو خالٍ عنهما؛ فليس طبيبا كما أنه لا يعمل في السعودية. وبناء على ذلك فهو أولى بهذا الكتاب مني، فكان أن قام بإغلاق هاتفه عني إذ كان يعلم أني لا أستطيع الوصول إليه إلا من خلاله، ثم لم يكتف بذلك بل قام بعمل (حظر) لرقمي فلا يصل إليه، ثم في مثل هذه الأيام من العام الماضي وصلت إليه في الأجازة وذهبت إليه حيث هو ووقعت معه عقدا (على ورق فقط طبعا)
      فلما عرف أنني سافرت (رجعت ريمة لعادتها القديمة)،
      وتبرئة للذمة أيضا أقول إنني تحصلت منه على نحو خمسين نسخة من الكتاب وكان الاتفاق أن يرسلها لي في السعودية وقد أعطيته ثمنها بل أكثر من ثمنها زيادة على ثمن الكتاب، ولكن ...
      ولأن جميع الحقوق محفوظة للمؤلف! كما كتب هو على غلاف الكتاب الداخلي، وأيضا فقد مضى على طبع الكتاب نحو سنتين إلا قليلا، فقد استخرت الله تعالى في كتابته في المنتديات رغبة فيما عنده من ثواب وطمعا أن يغفر لي ما خالط عملي هذا من قلة الإخلاص أو عدمه، وما شَابَهُ من سوء القصد والعمل،
      وأسأله سبحانه أن يغفر لي وللمسلمين ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما هو –سبحانه- أعلم به منا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وألا يتوفنا جميعا إلا وهو راض عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه
      هذا وأُذَكِّرُ إخواني بأن هذا أول عمل حديثي لي وبعض الأحكام الموجودة فيه لا أرضاها الآن ولكن ليس لدي الوقت الكافي لمراجعتها فأنا أكتب الكتاب كما طُبِعَ وكما كتبته قديما فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان
      وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين



    • #2
      وقد رتبته على تمهيد ومقدمة وأبواب
      ذكرت في التمهيد شيئا مما أشرت إليه من قصة الكتاب
      وأما المقدمة فقد اشتملت على عدة أبواب هامة عن الملائكة منها: باب عن معنى كلمة (ملائكة) واشتقاقها، وحكم الإيمان بالملائكة، وذكر خلق الملائكة وفيه بحث عن وقت خلقهم، ثم باب عن أصناف الملائكة، وآخر عن أوصافهم، وباب عن عصمتهم وغير ذلك مما سيمر بك إن شاء الله تعالى
      وأما الأبواب فتأتي بعد المقدمة
      وأولها باب قصة جبريل وفيه فصول
      ثم باب قصة ميكائيل وفيه فصول
      ثم باب قصة إسرافيل وفيه فصول منها التوفيق بين التعارض الظاهري الكثير في قصته من مثل كونه لم يطرف منذ وكل بالصور مع ما ذكر من نزوله مع جبريل وميكائيل لبشارة إبراهيم وتعذيب قوم لوط وحروبه مع النبي ونحو ذلك، وكذا التوفيق بين ما روي من أن النفاخين في السماء الثانية وأنه ما من صباح إلا وملكان موكلان بالصور ...الخ مع ما يروى من أن إسرافيل أحد حملة العرش، وغير ذلك مما تقر به عين الناظر إن شاء الله تعالى.
      ثم باب قصة ملك الموت وفيه فصول واستشكالات وأجوبتها، ومن فصوله فصل في ذكر الحالات التي لا يقبض فيها ملك الموت الأرواح
      ثم باب قصة منكر ونكير وفيه فصول
      ثم باب ذكر ملك الأرحام وفيه فصول
      ثم باب ذكر ملك الجبال وفيه فصل واحد
      ثم باب ذِكْرُ الحفظة على العباد وفيه فصول
      ثم باب ذكر خزنة السماوات وفيه فصلان
      ثم باب ذكر حملة العرش وفيه فصول
      ثم باب ذكر الحافون من حول العرش
      ثم باب الملائكة وعلامات الساعة وفيه فصول
      ثم باب الملائكة يوم القيامة وفيه فصول
      ثم باب ذكر خزنة النار وفيه فصول
      ثم باب ذكر خزنة الجنة وفيه فصل واحد وفوائد
      ثم بابٌ يشمل فصولا بديعة عن الملائكة منها: فصل عن الملائكة الذين نزلوا من السماء أول مرة، وفصل عن الذين رأوا الملائكة وآخر عن الذين سمعوا الملائكة وغير ذلك
      ثم ختمته بباب الفضائل.
      فتم به الكتاب، ولله الحمد والمنة


      تعليق


      • #3
        بسم الله الرحمن الرحيم
        إن الحمد لله، نحمده ونستعينـه ونستغفـره، ونعـوذ بالله من شـرور أنفسنا ومن سيئـات أعمالنا، من يهده الله فلا مضـل له، ومن يضلل فلا هـادى له.
        وأشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
        يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102]
        يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1]
        يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) [الأحزاب: 70، 71]
        أما بعد:
        فقد شكا إلىَّ بعضُ إخواني -أصلح اللهُ شانَهم وشاني- ندرةَ وجود كتاب جامع عن قصص الملائكة المكرمين-صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-[1]
        وهذا الموضوع مع جلالته وتطاولِ الأزمان عليه لم يَتَصَدَّ أحدٌ لوضع كتاب عنه فيما أعلم –والله أعلم- إلا ما كان منثورا في كتب العقيدة من الحديث عن الملائكة لأنه ركن من أركان الإيمان الستة
        وكذا في كتب التفسير عند تفسير الآيات المتعلقة بهم
        ثم دواوين شروح الحديث وغيرها
        لكن لم يفرده أحد بتأليف مستقل يجمع فيه ما تفرق في غيره؛ فقلت كما قال الأول: «لعل ذلك فضلٌ ذَخَرَهُ اللهُ لمن يشاء من العبيد، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد».
        ولكني أحجمت عن الإقدام على هذا العمل؛ لأنه أمر جلل.
        ولما كنت أعلم عن نفسي العجز والكسل؛ توانيت خشية التقصير والزلل
        ورحت ألتمس لنفسي معذرة، وأقول: فنظرة إلى ميسرة.
        وتمنيت أن لو قام غيري بذلك؛ إِذْ لستُ مِنْ أهلِ هاتيك المسالك
        ولكن شرح الله له صدري، ويَسَّرَ لي أمري؛ فخضت عُباب هذا البحر، ودفعت عن نفسي الإعياء والبُهْر[2]، حتى انتهيت وفي نفسى مزيد، فسبحان المبدي وسبحان المعيد.

        والإيمان بالملائكة أحد أركان الإيمان الستة كما قال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285]
        وفى حديث جبريل -- أنه سأل النبي عن الإيمان فقال: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِـهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ...» [3]
        وقد ذكرت قصة كلِّ ملَكٍ مفردة، وذكرت معها بعض ما يتعلق بها من المسائل والأحكام، تذكرةً لأولي الألباب والأفهام.
        ومتى كان الحديث فى الصحيحين أو أحدِهما اقتصرت فى التخريج عليه، إلا أن يكون فى لفظ غيرهما زيادةٌ عليه؛ فأذكرها مع بيان ذلك.
        ولا أطيل في التخريج إلا إذا اقتضى الأمر ذلك.
        واللهَ أسأل، أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني بقبولٍ حسنٍ؛ إنه نعم المولي ونعم النصير.
        -----------------------------------
        [1] قلت هذا قديماً حين شرعت فى جمع مادة هذا الكتاب فى صيف عام 1997م ثم انتهيت منه فى شتاء عام2000م.
        وفى تلك الفترة لم أكن وقفت على أي كتاب أُفرد للحديث عن الملائكة بله قصصَها.
        ثم وقفت بعد أن جاوزت ثلث الكتاب، على كتاب عن الملائكة للشيخ محمد رجب بيومي.
        وكنت أحسب أن كتابَىْ: الحبائك فى أخبار الملائك للسيوطي والعظمة لأبى الشيخ فى عدادالمخطوطات ثم وقفت عليهما بعد ذلك فاستفدت من العظمة لأبي الشيخ دون الحبائك.
        [2] البُهْر: انقطاع النَّفَسِ من الإعياء، يقال: (وقع عليه البُهْرُ) وهو ما يعتري الإنسان عند السعي الشديد والعَدْوِ من النَّهِيجِ وتتابع النَّفَسِ.
        [3] صحيح: رواه البخاري (50 ، 4777 ) ومسلم (9 ، 10 ) وانظر اللؤلؤ والمرجان (5) .



        تعليق


        • #4
          [باب]
          [معني كلمة ملائكة]

          يطلق لفظ (الملَك) على الواحد والجمع[1]:
          فمن إطلاق لفظ (الملَك) على المفرد قوله : «هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ...» [2] وسيأتي -إن شاء الله تعالى- عند ذكر الملائكة الذين نزلوا من السماء أول مرة.
          ومن إطلاقه على الجمع قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: 22]
          وأما معنى الملك في اللغة فهو بإيجاز: القوى الشديد، أو الرسول. وسنزيد ذلك بيانا فى البحث الآتي.

          بحث فى كلمة مَلَك:
          الملائكة مختلف فى واحدها وأصلها كما يلي:
          (1) قال قوم: أصل مَلَك مَلْأَك على وزن مَفْعَل؛ فالهمزة عين الكلمة. والجمع ملائكة، على وزن مَفَاعِلَة.
          وممن ذهب إلى هذا الرأى: صاحب الكشاف، والنسفى، والجَمَل، وغيرهم.
          (2) وقال قوم: أصلها مَأْلَك، على وزن مَفْعَل؛ فالهمزة فاء الكلمة، ثم دخلها القلب المكاني، فأخرت الهمزة فجعلت بعد اللام، فصارت مَلْأَك، على وزن مَعْفَل، بتأخير الفاء. والجمع ملائكة، على وزن مَعافلة.
          وممن ذهب إلى هذا الرأى: الكسائى، وابن برى، والبغوى، والخازن، والبيضاوي، والليث، والأزهري، وجمهور أهل اللغة.
          وعلى كِلَا القولين، أُلْقِيَتْ حركة الهمزة (وهى الفتحة) على الساكن الصحيح قبلها (وهو اللام) ثم حذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال، وحين الجمع رد إلى أصله، فقيل ملائكة، وملائك بالهمزة.
          (3) وقال قوم: عين الكلمة واو، وهو من لاك الشئَ يلوكُهُ: إذا أداره في فيه. فكأن صاحب الرسالة يديرها في فيه.
          قال المواردي: وإنما سميت الرسالة ألوكاً؛ لأنها تؤلك في الفم. والفرس يألك اللجام، ويعلكه بمعني: يمضغ الحديد بفمه.[3]
          وعلي هذا، فأصل كلمة ملَك مَلَاك، علي وزن مَفْعَل، ولكنه أجوف، ثم حذفت عينه (الألف) تخفيفاً؛ فيكون أصل ملائكة ملاوكة، فأبدلت الواو همزة علي غير قياس -كما أبدلت واو مصائب- فصارت ملائكة.
          وممن ذهب إلي هذا الرأي أبو عبيدة. وضُعِّف هذا الرأي؛ لأنه لم يشتهر لاك بمعني أرسل.
          (4) وقال آخرون: مَلَك فَعَل، من الملك وهو: القوة؛ أي أن الميم أصل؛ ولا حذف فيه، ولكنه جمع علي فعائلة شذوذاً.
          (5) وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق للمَلَك عند العرب.[4]
          قلت: وأما من حيث المعنى المشتق منه الملك فقد اختلفوا أيضاً علي قولين:
          أحدهما: أنه من الألوكة بمعنى الرسالة. وهذا يشير إلي أن الهمزة أصلية والميم زائد. يقال: أَلَكَ بين القوم أَلْكًا وألوكاً: كان رسولاً بينهم. وتقول: أَلِكْني إليها أي: أرسلني إليها. قال الهذلي:
          أًلِكـْني إليها وخــير الرســـول
          *(م)*
          أعلمهم بنواحـي الخــبر
          والألوك والمألَكة والمألُكة: الرسالة. قال لبيد :
          وغـلام أرســـلته أمــــه
          بألـوكٍ فبذلنـا ما ســــأل
          وقال عدي بن زيد:
          أبلـغ النعمـان عـني مألَـُكــاً[5]
          إنه قد طال حبسي وانتظـاري

          ومن رجح أنه من الألوكة قال: لأن الملائكة رسل الله إلي الناس أو كالرسل إليهم؛ فمعنى الرسالة يعم الملائكة كلهم. قالوا: أما بالنسبة إلي مُبَلِّغِ الوحيِ فظاهرٌ أن معني الرسالةِ يشمله. وأما بالنسبة إلي غيره؛ فلأنهم وسائط بين أمر الله تعالى وبين الناس يرسلهم إليهم: لحفظهم في عموم الأوقات، ولرفع أعمالهم، وتصويرهم في الأرحام، وقبض أرواحهم، وتحصيل أرزاقهم، وتدبير أمورهم. كما قال تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا [النازعات: 1] إلى قوله تعالى: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [النازعات: 5]
          فهم رسل الله كافة. وذلك إذا لم يعتبر في الرسالة معرفةُ المرسَلِ إليهم الرسولَ وجهةَ رسالته،
          أو كالرسل إن اعتبر ذلك.
          أو رسل الله؛ لأنهم وسائط بين الله وبين أنبيائه: يبلغون إليهم رسالاته بالوحى، والإلهام، والرؤيا الصادقة. أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه.
          أو كالرسل، في وصول آثار لطفه؛ لأن منهم الذين يستغفرون للذين آمنوا.
          قالوا: والتحقيق أن تحقق المعنى اللغوى في بعض الأفراد كافٍ في النقل، لاسيما في الأفراد الكثيرة. ([6])

          ثانيهما- أنه من المَلْكِ[7] بمعنى القوة؛ فالهمزة زائدة، قاله ابن كيسان. وذلك لدوران (م.ل.ك) مع الشدة في مَالِك، ومَلْكٍ، ومِلْكٍ. ويقال: مَلَكَ العجينَ: إذا شدد عجنه. قال التفتازاني: وظاهر كلام صاحب الكشاف أن الهمزة زائدة، وأن اشتقاقه من ملك. ولعل التفتازاني أخذ هذا المعنى من كلامه؛ حيث شبهه بالشمائل، وهمزته زائدة. ورُدَّ ذلك بأنه قد يكون أراد الشبه الصوري (أي أن صورة الملائك مثل صورة الشمائل ومَلْأَك مثل شَمْأَل) مع قطع النظر عن زيادة الهمزة وأصالتها.
          قيل: الوجه أن تكون الهمزةُ زائدةً، والميم أصلياً. واشتقاقه من مَلَكَ؛ لأن الملك[8] اسم جنس يعم جميع الملائكة؛ لوجود معنى القوة والشدة في جميعهم، بخلاف معنى الألوكة فإنه لا يعم الجميع؛ لقوله تعالي: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75] واعتبار المعنى لترجيح تسمية الكل باسم الملك أولي وأصوَبُ، من اعتبار المعنى الخاص لبعضهم؛ إذ لو كان مرجح التسمية هذا المعنى الخاص -أي الألوكة- لما صح أن يسمي غير الرسل منهم باسم الملك؛ لعدم وجود المرجح؛ فالأولي أن يكون من ملك العجين؛ لعموم هذا المعنى بكل من يسمي باسم الملك.[9]
          --------------------------------------
          [1] فهو اسم جنس إفرادي واسم الجنس ألإفرادي هو ما يصدق علي الكثير والقليل بلفظ واحد كالماء والهواء والخل والزيت ... الخ فالماء مثلاً يطلق على النقطة الواحدة كما يطلق علي ماء البحر كله فكذلك كلمة ملك .
          [2] صحيح: مسلم (806)
          [3] تفسير المواردي : 1/ 59 .
          [4] انظر تفسير القرطبي ( ط. الشعب ) 1/224، والكشاف للزمخشري ( ط. الدار العالمية ) 1/71، ومفاتيح الغيب للرازي (ط. دار الغد العربي ) 1/572، تفسير الخازن ( ط. دار الفكر ) 1/44، وتفسير البغوي بحاشية الخازن 1/44، وتفسير النسفي بحاشية الخازن أيضاً ( طبعة آخري ) 1/44، وحاشية الجمل علي الجلالين (ط. عيسي الحلبي ) 1/37، وإعراب القرآن للعكبري بحاشية الجمل أيضاً ( ط . عيسي الحلبي ) 1/87- 88، وتفسير الآلوسي (إدارة الطباعة المنيرية) 1/218، وحاشية القونوي علي البيضاوي 2/4 – 5، ومعه حاشية ابن التمجيد علي البيضاوي 2/4-5، وحاشية الصاوي علي الجلالين (ط. عيسي الحلبي) 1/19، وفتح البيان في مقاصد القرآن لصديق حسن خان (ط. دار الفكر العربي) 1/103.
          [5] مألكا: بفتح اللام وضمها
          [6] حاشية القونوى ( الحافظ إسماعيل بن محمد بن مصطفي القونوي ) علي القاضي البيضاوي 2/4 .
          [7] من باب ضرب يقال: مَلَكْتُ العجينَ مَلْكًا إذا شَدَدْتَهُ وقَوَّيْتَهُ.
          [8] المِلْك بكسر الميم اسم، والمَلْك بالفتح مصدر، والفعل (مَلَكَ).
          [9] حاشية: ابن التمجيد علي القاضي 2/5

          تعليق


          • #5
            = فوائد:
            الأولي- التاء في (ملائكة) لتأكيد معنى الجمع وليست لتأنيث اللفظ؛ وذلك لاعتبارهم التأنيث المعنوي في كل جمع حيث قالوا: كل مؤنث بتأويل الجماعة.
            وقيل: التاء للمبالغة: كعلامة ونسابة.
            وقد ورد بغير تاء في قوله:
            * أبا خالد صلت عليك الملائك *
            الثانية- (ملائك) بغير تاء ممنوعة من الصرف؛ لأنها على صيغة منتهى الجموع، وأما بالتاء (ملائكة) فمصروفة؛ لخروجها بالتاء عن صيغة منتهى الجموع.
            الثالثة- قد تأتي كلمة (ملك) في الشعر علي الأصل -أي مَلْأَك– كما فى قوله:
            فلست لإنسي ولكن لِمَلْأَكٍ * * * تَنًـَزَّلَ من جَوِّ السماء يَصُوبُ[1]
            الرابعة- يوحى لفظ الملائكة بالجمال. فمن ذلك: قول النسوة في شأن يوسف :
            وفى حديث جرير: «عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ»[2] قال ابن الأثير: أي أثر من الجمال؛ لأنهم أبداً يوصفون بالجمال.[3]
            معنى الملائكة شرعاً:
            مخلوقات علوية خلقهم الله تعالى من نور وفطرهم على طاعته ووكل بهم أعمالهم ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوةَ على تنفيذه، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شئ.
            وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية.


            [باب]
            [ذكر نبذة عن آراء أهل الديانات الأخرى والفلاسفة فى الملائكة]

            ذكرنا قولنا نحن المسلمين فى الملائكة وأنها أجسام نورانية...الخ
            وقالت طائفة من النصارى: هى الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة، وأما الخبيثة فشياطين.
            وهو مردود بما علم يقينا أن الملائكة مخلوقة قبل البشر بأزمنة متطاولة.
            وقال عبدة الأوثان: إنها هذه الكواكب: فالسعد منها ملائكة الرحمة، والنحس ملائكة العذاب.
            قالوا: الكواكب أحياء ناطقة كالإنسان، ومدبراتها هى الملائكة، كتدبير نفوسنا لأجسامنا.
            وقال المجوس والثنوية: الظُّلْمة: عنصر الشياطين، والنور: عنصر الملائكة.
            وقال الفلاسفة: هى الممدة لنفوسنا الناطقة، ونسبتها إليها كنسبة الشمس إلى ضوئها. وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة، والنفوس الفلكية التى تحرك الأفلاك، وأنها مجردات عن المواد. والحاصل أنها غير متحيزة، ولا أجسام مركبة من المواد.[4]
            أقول: نعوذ بالله من الخذلان. وإنما ذكرنا هذه النبذة؛ للتنبيه على ضلال هذه الفرق، وليزداد الذين آمنوا إيمانا. والله ولى التوفيق.

            _
            [1] ينسب هذا البيت لعلقمة بن عبدة وليس له ولا هو فى ديوانه، وهو من أبيات سيبويه 1: 379، وشرح شواهد الشافية: 287. ويقال: إنه لرجل من عبد القيس جاهلى يمدح النعمان، وحكى السيرافى: أنه لأبى وجزة السعدى يمدح عبد الله بن الزبير. انظر تفسير الطبرى/ شاكر / 1: 333 حاشية رقم : 2 ط. مكتبة ابن تيمية
            [2] صحيح : رواه البخاري في الأدب المفرد (251) وأصله في الصحيحين بدون هذه الجملة، وانظر أيضا الاستيعاب لابن عبد البر (ط.دار صادر) بحاشية الإصابة1/233. وقال الحافظ: وروى أحمد وابن حبان من طريق المغيرة بن شبل عن جرير قال: لما دنوت من المدينة أنخت ثم لبست حلتي فدخلت فرماني الناس بالحدق فقلت: هل ذكرني رسول الله بشئ قالوا: نعم، ذكرك بأحسن ذكر فقال: «يدخل عليكم رجل من خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك» ا.هـ فتح الباري (طبعة الإيمان)7/164. وكان جرير بن عبد الله البجلى الصحابي المشهور جميل الصورة قال عمر بن الخطاب هو يوسف هذه الأمة. وانظر الإصابة (ط.دار صادر)1/232، والاستيعاب1/232، والطبقات الكبرى1/167، وفتح البارى 7/163.
            [3]- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير:4/359
            [4] انظر تفسير الألوسى 1/218، والجواهر فى تفسير القرآن1/56، وحاشية القونوى على القاضى البيضاوى2/5

            تعليق


            • #6
              [باب]
              [حكم الإيمان بالملائكة ومعناه وحكم منكرهم]

              الإيمان بالملائكة واجب إجمالا وتفصيلا:
              فأما الإيمان بهم إجمالاً: ففرض عين على جميع المكلفين؛ لأنه مما جاء به الرسول بل هو من المتواتر الذى لا شك فيه، بل هو من المعلوم من الدين بالضرورة، وهو أحد أركان الإيمان الستة، الواردة فى حديث جبريل المتقدم.
              ومعنى الإيمان بهم إجمالا:
              أن تؤمن بأن لله ملائكة خلقهم لعبادته، واختصهم بوظائف يقومون بها: كالوحى، والنفخ فى الصور، وقبض الأرواح... وغير ذلك. وأن تؤمن بأسماء من ورد اسمه منهم فى القرآن، أو فى حديث متواتر، أو إجماع: كجبريل وميكائيل وصاحب الصور إسرافيل وملك الموت والحفظة والكتبة وخزنة الجنة وخزنة النار ورئيسهم مالك ... الخ
              وأن تعلم أنهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ماأمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.
              فمن قصر فى معرفة شئ من ذلك، فهو آثم. بخلاف من أنكر شيئا من ذلك.


              وأما الإيمان بهم تفصيلا: ففرض كفاية، إذا قام به بعض الأمة ممن يحصل بهم الكفاية، سقط الحرج عن الباقين، وإلا أثم الجميع.
              قال شارح الطحاوية: ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية؛ فإن ذلك داخل فى تبليغ ما بعث الله به رسوله وداخل فى تدبر القرآن وعقله وفهمه.[1]


              ومعنى الإيمان بهم تفصيلا: أن تعرف جميع أو أكثرأسماء من ورد اسمه منهم فى الكتاب والسنة، ووظائفَهم على وجه التفصيل، وصفاتهم التي خلقوا عليها، وما يتعلق بهم من أمور.
              قال الشيخ ابن عثيمين- تعالى-: والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
              الأول- الإيمان بوجودهم.
              الثاني- الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالا.
              الثالث- الإيمان بما علمنا من صفاتهم: كصفة جبريل، فقد أخبر النبي أنه رآه على صفته التى خلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق.
              الرابع- الإيمان بما علمنا من أعمالهم التى يقومون بها بأمر الله تعالى: كتسبيحه، والتعبد له ليلا ونهاراً بدون ملل ولا فتور.[2]


              حكم منكرهم: فيه تفصيل: إن أنكر من هو مجمع على أنه من الملائكة كجبريل فكافر لا محالة؛ لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة. وإن أنكر من هو مختلف فيه كهاروت وماروت، لم يكفر.


              [1] شرح الطحاوية لابن أبى العز الحنفى مع تخريج الألباني/70
              [2] شرح الأصول الثلاثة لفضيلة الشيخ ابن عثيمين: (90- 91) الناشر دار الإيمان- الإسكندرية.

              تعليق


              • #7
                [باب]
                [ذكر خلق الملائكة]

                خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج([1]) من نار، وخلق آدم - - من طين.
                فعن عائشة قالت: قال رسول الله : " خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِن نَّارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ."(2)


                بحث فى وقت خلقهم:

                قد علمت أن الملائكة خلقت من النور،
                وقد خلق الله - - السماوات والأرض وما فيهن فى ستة أيام،
                وخَلَقَ النور يوم الأربعاء؛
                فَخَلْقُ الملائكة متأخر عليه لا محالة.
                فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي فَقَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَام - بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ."(3)
                وفى رواية أخرى التصريح بأن خلق الملائكة كان يوم الجمعة.
                فعن ابن عباس: أن اليهود أتت النبى فسألت عن خلق السماوات والأرض فقال: " خلق الأرض يوم الأحد والاثنين. وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من المنافع. وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب. فهذه أربعة فقال عز من قائل: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت 9-10] وخلق يوم الخميس السماء. وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه. فخلق فى أول ساعة من هذه الثلاث من الساعات، الآجال حين يموت من مات. وفى الثانية ألقى الآفة على كل شئ مما ينتفع به الناس. وفى الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها فى آخر ساعة." ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوي على العرش." قالوا: قد أصبت لو أتممت. قالوا: ثم استراح. قال: فغضب النبى غضبا شديداً؛ فنزلت: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ﴾ [ق: 38 -39] ([4])
                قلت: خَلْقُ الملائكة سابق على خلق الجنة والنار؛ فإن الله لما خلقهما أرسل إليهما جبريل كما سيأتى إن شاء الله تعالى.
                ويتلخص مما سبق، أن خلق الملائكة كان يوم الأربعاء، أو بعده. ويحتمل أن يكون فى يوم الجمعة.
                والله أعلم.

                __
                [1] المارج : اللهب المختلط بسواد النار
                [2] صحيح : رواه مسلم (2996)
                [3] صحيح : رواه مسلم (2789). وأحمد (8349). والبيهقى فى الأسماء والصفات/38-39. والنسائي فى التفسير (30) . وهذاالحديث مما انتقد على الصحيح . قال ابن كثير : وهو من غرائب الصحيح وقد علله البخاري فى التاريخ فقال : رواه بعضهم عن أبى هريرة t عن كعب الأحبار وهو الأصح (تفسير القرآن العظيم 7/109). قلت : قد أجاب العلماء عما ورد من الشبه على هذا الحديث فهو صحيح إن شاء الله.
                [4] ضعيف: رواه الحاكم (3997) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبى فى التلخيص فقال: أبو سعيد البقال قال ابن معين: لا يكتب حديثه. ورواه البيهقى فى الأسماء والصفات من طريق الحاكم أيضا /367- 368 وذكره ابن كثير فى التفسير 7/109 من رواية ابن جرير من طريق أبى سعيد البقال أيضا وقال: هذا الحديث فيه غرابه.

                تعليق


                • #8
                  [باب]
                  [أصناف الملائكة]
                  ([1])
                  إحداها: أكابر الملائكة ورؤساؤهم. ومنهم:
                  · جبريل وميكائيل - - قال تعالى: مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيل وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ [البقرة : 98]
                  · إسرافيل صاحب الصور - - قال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ [الزمر : 68]
                  · ملك الموت - - قال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [السجدة:11]
                  ثانيها: حملة العرش :
                  قال تعالى : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة: 17]
                  ثالثها: الحافون من حول العرش :
                  قال تعالى : وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر: 75] قال ابن كثير: ومنهم الكروبيون؛ وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش، وهم الملائكة المقربون، كما قال تعالى: لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً [النساء : 172] ([2])
                  رابعها: ملائكة الجنة:
                  قال تعالى: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ [الرعد : 23- 24 ]
                  خامسها: ملائكة النار:
                  قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً [المدّثر : 31] ورؤساؤهم التسعة عشر المذكورين فى قوله تعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدّثر : 30] ومقدمهم مالك قال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف : 77] وأسماء جملتهم الزبانية قال تعالى: فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق 17-18]
                  سادسها: الموكلون ببنى آدم:
                  قال تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً [الأنعام : 61]
                  وقال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80] ومنهم الموكلون بهم فى الأرحام. ومنهم الموكلون بهم فى القبر وهما: منكر ونكير.
                  سابعها: الموكلون بأحوال هذا العالم:
                  وهم المرادون بقوله تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفّاً [الصافات : 1] ومنهم ملك الجبال، وخزنة السماوات.
                  وكل ذلك وأكثر سنفصله فيما بعد إن شاء الله تعالى.


                  [1] انظر مفاتيح الغيب:2/567
                  [2] البداية والنهاية 1/50

                  تعليق


                  • #9
                    [باب]
                    [أوصاف الملائكة]([1])

                    إحداها: أن الملائكة رسل الله :
                    قال تعالي: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً﴾ [فاطر : 1] وقال تعالي: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج : 75]
                    ثانيها: قربهم من الله - :
                    قال تعالي: ﴿ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ [الأنبياء : 19]
                    ثالثها: تكريم الله - لهم:
                    قال تعالي: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] وقال تعالي: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس 15: 16] وقال تعالي: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الإنفطار 10 : 11]
                    رابعها: وصف طاعاتهم، وذلك من وجوه:
                    الأول: قوله تعالي: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:30] وقوله تعالي: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات 165:166] والله تعالي لم يكذبهم في هذا؛ فثبت بهذا اموظبتـــهم علــــي العبادة. وقد قال تعالي: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء : 20]
                    الثاني: مبادرتهم إلي امتثال أمر الله - سبحانه - وهو قوله تعالي: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر:30]
                    الثالث: أنهــم لا يفعلون شيئاً إلا بوحـــــيه - سبحانه - وهو قوله تعــــالي: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 2]
                    خامسها: وصف قدرتهم وذلك من وجوه:
                    الأول: أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي. ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش، بل هو بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة في فلاة، أعظم من جملة السموات والأرض. قال تعالي: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:255]
                    الثاني: أن جبريل - - بلغ من قوته أنه اقتلع جبال قوم لوط وبلادهم دفعة واحدة، ورفعها حتى عنان السماء، وحتى سمع أهل السموات صياح ديكتهم، ثم قلبها. قال ابن كثير: قالوا: كان من شدة قوته أن رفع مدائن قوم لوط - وكن سبعاً - بمن فيها من الأمم، وكانوا قريباً من أربعمائة ألف، وما معهم من الدواب والحيوانات وما لتلك المدن من الأراضي والمعتملات والعمارات وغير ذلك. رفع ذلك كله علي طرف جناحه، حتى بلغ بهن عنان السماء، حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، وصياح ديكتهم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. فهذا هو شديد القوي. ([2])
                    الثالث: قال تعالي: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر : 68] فصاحب الصور يبلغ في القوة إلي حيث أنه بنفخة واحدة منه، يصعق من في السموات ومن في الارض مع عظم المسافة بين كل سماء وسماء، وسمك كل سماء، واتساعها. ثم إنه بنفخة واحدة أخري، يعودون أحياءً، فاعرف منه عظم هذه القوة.
                    الرابع: قول ملك الجبال للنبي ﷺ: "لو أردت أن أطبق عليهم الاخشبين لفعلت..." ([3]) وسيأتى - إن شاء الله تعالى - عند ذكر ملك الجبال.
                    الخامس: أن منكرا ونكيراً يضربان الكافر بمرزبة لو اجتمع عليها من بين الخافقين لم يقلوها.
                    وانظر ما سيأتي عند ذكر منكر ونكير إن شاء الله تعالي.


                    [1] انظر مفاتيح الغيب:2/578
                    [2] البداية والنهاية: 1/45
                    [3] صحيح: متفق عليه انظر اللؤلؤ والمرجان ( 1173 )

                    تعليق


                    • #10
                      سادسها: وصف خوفهم ويدل عليه وجوه:
                      الأول: أنهم مع كثرة عبادتهم وعدم إقدامهم علي الزلات البتة، يكونون خائفين وَجِلين حتى كأن عباداتهم معاصٍ.
                      قال تعالي: "يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [النحل : 50] وقوله تعالي: "وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ" [الأنبياء : 28]
                      الثاني: قوله تعالي: "حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" [سبأ: 23]
                      وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ قَالَ : "إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا "فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا" [سبأ: 23] لِلَّذِي قَالَ: "الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاءِ." ([1])
                      الثالث: روي ابن المبارك في زوائد الزهد عن محمد بن المنكدر قال: لما خلقت النار فزعت الملائكة وطارت أفئدتها ، فلما خلق آدم سكن ذلك عنهم، وذهب ما كانوا يحذرون. ([2])
                      وذكر القرطبي في التذكرة عن ميمون بن مهران قال: لما خلق الله تعالى جهنم أمرها فزفرت زفرة ؛ فلم يبق فى السماوات السبع ملك إلا خر على وجهه. فقال لهم الجبار : ارفعوا رؤسكم؛ أما علمتم أنى خلقتكم لطاعتى وعبادتى. وخلقت جهنم لأهل معصيتى من خلقى. فقالوا ربنا لا نأمنها حتى نرى أهلها. فذلك قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ" [المؤمنون : 57]
                      فالنار عذاب الله؛ فلا ينبغى لأحد أن يعذب بها. ([3])
                      سابعها: الملائكة لها أجنحة:
                      *قال تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [فاطر : 1]
                      قوله: "أُولِي أَجْنِحَةٍ" يصح أن يكون صفة لقوله "رُسُلاً" لكن هذا يوهم أن الأجنحة لطائفة مخصوصة من الملائكة: وهى طائفة الرسل منهم، وهو غير مراد؛ إذ إن الأجنحة لكل الملائكة.
                      وعلى ذلك فالأولى أن يجعل قوله: "أُولِي أَجْنِحَةٍ" صفة أو حالا من الملائكة.
                      فمن الملائكة من له جناحان،
                      ومنهم من له ثلاثة،
                      ومنهم من له أكثر من ذلك؛
                      فالله يزيد فى الخلق ما يشاء: من زيادة فى عدد الأجنحة وغيرها،
                      ويزيد فى خلق الملائكة وغيرهم ما يشاء من طول القامة، وحسن الصورة، وغير ذلك.
                      ودل قوله تعالى: "يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ" أن من الملائكة من له أكثر من أربعة أجنحة إلى ما يشاء الله
                      وقد ثبت هذا فى السنة الصحيحة كما سيمر بك - إن شاء الله تعالى - فى هذا الكتاب .
                      ثامنها: الملائكة لا يأكلون ولا يشربون:
                      قد دلت على ذلك آيات منها قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ" [هود :69- 70]
                      وإنما خاف إبراهيم - - لما رآهم لا يأكلون، ولا يشتهون الطعام، ولا رغبة لهم فيه بالكلية؛ فعند ذلك علم أنهم ملائكة، وأوجس فى نفسه خيفة؛ لأنه - - يعلم أن الملائكة إنما تنزل بعذاب الأمم، فخاف على أمته من ذلك رأفة بهم، ورحمة لهم،
                      فقالوا له عند ذلك: لا تخف فإنا لم نرسل إلى قومك، وإنما أرسلنا إلى قوم لوط.
                      واعلم أن طعام الملائكة وشرابَهم هو: التسبيح والتقديس والتحميد والتهليل والتمجيد وأنسُهم بذكر ربهم وطاعته.
                      تاسعها: الملائكة لا يبولون ولا يتغوطون:
                      وهذا؛ لأن البول والغائط إنما ينتج عن الأكل والشرب، وقد علم أن الملائكة لا تأكل ولا تشرب؛ فامتنع عليهم ما ينتج عن الأكل والشرب وهو البول والغائط.
                      عاشرها: الملائكة لا يتناكحون ولا يتناسلون:
                      وهذا لأن النسل إنما ينتج عن الذكر والأنثى، والملائكة لايوصفون بذكورة ولا بأنوثة.
                      حادى عشرها: الملائكة شهداء الله فى السماء:
                      فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ عَلَى النَّبِيِّ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ : "وَجَبَتْ" ثُمَّ مَرُّوا بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ النَّبِيُّ : "وَجَبَتْ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُكَ الْأُولَى وَالْأُخْرَى "وَجَبَتْ" فَقَالَ النَّبِيُّ : "الْمَلَائِكَةُ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ."([4])


                      [1] صحيح: رواه البخارى (4701-4800-7481)
                      [2] صحيح إلى محمد ابن المنكدر: رواه ابن المبارك فى زوائد الزهد (321 )
                      [3] التذكرة:339 وهو وما قبله من الإسرائيليات
                      [4] صحيح: رواه أبوداود (3233)، والنسائى واللفظ له (1932)، وأحمد (10476). ورواه ابن ماجه من طريق أخرى عن أبى هريرة (1492). وله شاهد عن أنس روا البخارى (2642،1367)، ومسلم (949) والترمذى (1058) وقال: حسن صحيح، والنسائى (1931)، وأحمد (13573،13038،12837)، والحاكم (1397) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرخاه بهذا اللفظ ووافقه الذهبى فى التلخيص. وجملة "الملائكة شهداء الله فى السماء" انفرد بها النسائى عن الستة. وللحاكم زيادة أخرى وهى: "إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بنى آدم بما فى المرء من الخير والشر".

                      تعليق


                      • #11
                        ثانى عشرها: الملائكة لهم عقول :
                        قال الشيخ ابن عثيمين - -: إذا قال قائل: هل لهم عقول ؟ نقول: هل لك عقل ؟ ما يسأل عن هذا إلا رجل مجنون ؛ فقد قال الله تعالى : "لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" [التحريم : 6] فهل يثنى عليهم هذا الثناء، وليس لهم عقول: "يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ" [الأنبياء : 20] أنقول: هؤلاء ليس لهم عقول؟ أحق من يوصف بعدم العقل من قال: إنه لا عقل لهم.
                        ثالث عشرها: الملائكة لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة:
                        قال تعالى: "وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ" [النحل : 57]
                        وقال تعالى: "أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا" [الإسراء : 40]
                        وقال تعالى: "قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ" [الأنبياء : 26]
                        وقال تعالى: "فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" [الصافات :149- 154]
                        وقال تعالى: "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ أمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ" [الزخرف:15- 16] وقال تعالى: "وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ" [الزخرف: 19]
                        وقال تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى" [النجم: 27]
                        ينكر الله على المشركين قولَهم: إن الملائكة بنات الله.
                        وليس المراد بالبنات بناتهم التي يلدونها؛ لأنهم يعترفون بأنها منسوبة لهم فلا يضيفونها لله، وإنما البنات التي يضيفونها لله هي الملائكة.
                        والقائل ذلك: كنانة، وخزاعة، وجهينة، وبنو سليم، وبنو مليح. ([1])
                        وقيل: هم اليهود.
                        قال قتادة: قالت اليهود: إن الله صاهر الجن؛ فكانت بينهم الملائكة؛ فقال الله تكذيبا لهم: "بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ" [الأنبياء: 26] أى الملائكة أكرمهم بعبادته واصطفاهم ووصفهم بصفات سبعة: أولها: "عِبَادٌ". والأخيرة: "وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ" [الأنبياء: 29] وهذه الضمائر كلها للملائكة.[2]
                        وأما قوله تعالى: "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً" [الزخرف:15] فقد قال الزجاج والمبرد: الجزء هاهنا البنات.
                        وقال الماوردي: فيه أربعة أوجه:
                        أحدها: عدلا أي: مِثْلاً. قاله قتادة.
                        الثاني: من الملائكة ولداً. قاله مجاهد.
                        الثالث: نصيباً. قاله قطرب.
                        الرابع: أنه البنات، والجزء عند أهل العربية البنات. يقال: قد أجزات المرأة إذا ولدت البنات.
                        قال الشاعر:
                        إن أجـزأت حـرة يومـا فـلا عجب ** **قد تجـزئ الحـرة المذكـار أحيـانا([3])
                        وقد أنكر الزمخشري هذا الأخير، فقد نقل عنه القرطبي قوله: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء في لغة العرب اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث متحول، ولم يقنعهم ذلك حتي اشتقوا منه أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتا وبيتا:
                        **إن أجزأت حرة يوما فلا عجب *
                        و** زُوِّجتها من بنات الأوس مجزئة* *[(4)]
                        وإنما قوله: "وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً" [الزخرف: 15] أن قالوا: الملائكة بنات الله؛ فجعلوهم جزءًا له وبعضاً، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له.([5])
                        وأما قوله تعالى: "وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا" [الصافات:158] فقد قال مجاهد: قال المشركون: الملائكة بنات الله. فقال أبوبكر: فمن أمهاتهم ؟! قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة وابن زيد.
                        ولهذا قال تعالى: "وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ" أي الذين نسبوا إليهم ذلك "إنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ" [الصافات:158] أي إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم.
                        وحكى ابن جرير عن ابن عباس قوله: زعم أعداء الله أنه - - هو وإبليس أخوان. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ([6])
                        وقد ذكر الله - سبحانه - فيما تقدم من الآيات عن المشركين - ثلاثة أقوال في الملائكة في غاية الكفر والكذب :
                        فأولا: جعلوهم بنات الله، فجعلوا لله ولدا تعالى الله وتقدس.
                        وثانيا: جعلوا هذا الولد أنثي، وهم الذين إذا بشر أحدهم بالأنثى، ظل وجهه مسودا وهو كظيم، فاختاروا لله - - أسوأ الصنفين عندهم.
                        وثالثا: عبدوا الملائكة من دون الله - - وكل واحدة من هذه الثلاثة كاف في التخليد في النار.
                        رابع عشرها: الملائكة أجسام خلافا لمن أنكر ذلك:
                        قال الشيخ ابن عثيمين - تعالى - : وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساماً وقالوا: إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات. وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله وإجماع المسلمين.
                        قال الله تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ" [فاطر:1]
                        وقال: "وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ" [الأنفال:50]
                        وقال: "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ" [الأنعام:93]
                        وقال: "حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ" [سبأ:23]
                        وقال في أهل الجنة: "وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ* سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ" [الرعد:24،23]
                        وفي صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ قَالَ: " إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ".
                        وفيه أيضاً عنه قال: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتْ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً ثُمَّ كَبْشًا ثُمَّ دَجَاجَةً ثُمَّ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ."
                        وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام، لا قوى معنوية كما قال الزائغون. وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.([7])
                        __
                        [1] حاشية الصاوى على الجلالين 2/315، الجواهر فى تفسير القرآن 10/189، فتح البيان فى مقاصد القرآن 6/150
                        [2] فتح البيان فى مقاصد القرآن: 6/150
                        [3] تفسير الماوردى المسمى النكت والعيون: 3/601
                        [4] تمامه:
                        للعوسج اللدن فى أبياتها زجل.
                        [5] تفسير القرطبى: 5889 ط.دار الشعب.
                        [6] تفسير القرآن العظيم لابن كثير:7 /27
                        [7] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: (5/ 118- 119)


                        تعليق


                        • #12
                          أما قبل:
                          فأعتذر لإخواني الذين كنت وعدتهم أن أضع يوم الاثنين (أو ليلة الثلاثاء) من كل أسبوع حلقة من هذا الموضوع ولم أستطع الوفاء بذلك رغما عني لانقطاع الشبكة عني كثيرا، والله أعلم ببواطن الأمور.

                          [باب]

                          [ذكر كثرتهم وأعمالهم]

                          قد دلت الآيات والأحاديث أنهم خلق كثير جدا : "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ" [المدّثر : 31] وقد وكلهم الله - - بما خلق من شئ:
                          فقد خلق الله الإنسان ووكل به ملكا وهو فى بطن أمه جنينا، ثم وكل به حفظة من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، ووكل به حفظة على أعماله؛ وهم الكرام الكاتبون.
                          وخلق الجنة ووكل بها ملائكة لحراستها وعمارتها بالبناء والغرس فيها.
                          وخلق النار ووكل بها ملائكة وهم الزبانية، ورؤساؤهم التسعة عشر، ومقدهم مالك. ومما يدل على كثرتهم قوله : "يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا."[1]
                          وخلق الله السحاب ووكل به ملائكة وهم: ميكائيل وأتباعه. وهم موكلون كذلك بالرياح.
                          وخلق السماوات السبع ووكل بها ملائكة يحرسونها؛ فلا ينزل منها ولا يعرج إليها أحد إلا بأمر الله . والسماواتُ موطنُ الملائكة، يعمرونها بالصلاة والتسبيح والتقديس. فعن أَبِى ذَرٍّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ وَلَخَرَجْتُمْ عَلَى -أَوْ- إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ." قَالَ: فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ.[2]
                          وعن حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله مع أصحابه إذ قال لهم: "هَلْ تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ " قالوا: ما نسمع من شئ. فقال رسول الله : " أَسْمَعُ أَطِيطَ[3] السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ".[4]
                          والحديث فى صحيح الجامع بلفظ: "أَتَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ ؟ إِنِّى لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ؛ وَمَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ."[5]

                          ووكل الله بالأرض ملائكة، وبالشمس ملائكة، وبالأفلاك ملائكة. وهناك حملة العرش، والحافون من حوله، وملائكة الكرسى، وملائكة اللوح المحفوظ.
                          وهناك رؤساء الملائكة وهم - كما سبق -: جبريل وأعوانه، وميكائيل وأعوانه، وإسرافيل وأعوانه، وملك الموت وأعوانه.
                          ومن الملائكة :
                          المرسلات عرفا، والناشرات نشرا: وهى الملائكة تنشر أجنحتها عند النزول بالوحي.
                          والفارقات فرقا: وهى الملائكة تأتي بالوحي فرقانا بين الحق والباطل.
                          فالملقيات ذكرا: وهى الملائكة تلقي الوحي إلى الأنبياء.
                          والنازعات غرقا: وهى الملائكة تنزع أرواح الكفار من أقاصي أجسامهم.
                          وغرقا: أى نزعا شديدا مؤلما بالغ الغاية.
                          والناشطات نشطا: وهى الملائكة تسُلُّ أرواح المؤمنين برفق.
                          والسابحات سبحا: وهى الملائكة تنزل مسرعة لما أمرت به.
                          فالسابقات سبقا: وهى الملائكة تسبق بالأرواح إلى مستقرها نارا وجنة.
                          فالمدبرات أمرا: وهى الملائكة تنزل بالتدبير المأمور به.
                          ومعنى جمع التأنيث فى ذلك كله: الفرق والطوائف والجماعات التى مفردها: فرقة وطائفة وجماعة.

                          ومنهم ملائكة يدخلون البيت المعمور كل يوم، ثم لا يعودون إليه أبدا. ففى حديث الإسراء والمعراج: "فَفُتِحَ لَنَا فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِداً ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ."
                          ولفظ البخارى: "فَرُفِعَ لِىَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّى فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُواْ لَمْ يَعُودُواْ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ ..."([6])
                          قال الحافظ: واستدل به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يعرف من جميع العوامل من يتجدد جنسه في كل يوم سبعون ألفا غير ما ثبت عن الملائكة في هذا الخبر.[7]
                          فكيف بالله هذه الكثرة العجيبة ؟! وأين يذهبون ؟! وأي مكان يتسع لكل هؤلاء ؟! فسبحان من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء !
                          وقال الإمام علي بن أبى طالب في وصف الملائكة: ثم فتق ما بين السماوات العلى، فملأهن أطوارا من ملائكة فمنهم: سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون. لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهر العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان. ومنهم: أمناء وحيه، وألسنة إلى رسله، ومختلفون بقضائه وأمره. ومنهم: الحفظة لعباده، والسدنة لأبواب جنانه.
                          ومنهم: الثابتة فى الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم. ناكسة دونه حجب العزة، وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر.([8])
                          فالملائكة أعظم خلق الله.


                          [1] صحيح: رواه مسلم (2842)، والترمذى (2537)، والحاكم (8758) عن عبد الله بن مسعود مرفوعا. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال الذهبى: لكن العلاء (بن خالد الكاهلى) كذبه أبو مسلمة التبوذكى. ورواه ابن أبى شيبة (8/91) موقوفا على ابن مسعود. وهذا الحديث مما انتقد على الصحيح. قال الدارقطنى: رفعه وهم ا.هـ لكن لما كان هذا الحديث مما لايقال بالرأى كان له حكم الرفع. والله أعلم.
                          [2] صحيح لغيره: رواه الترمذى (2312) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (4190)، وأحمد فى المسند (21572) ورواه الحاكم (3883- 8633- 8726) وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى. وأبو نعيم فى الدلائل (360) ومحمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (25) وأبو الشيخ فى العظمة (509) ورواه أحمد فى الزهد (784-785) موقوفا.
                          [3] قوله: أطيط السماء. قال فى النهاية: الأطيط: صوت الأقتاب. وأطيط الإبل: أصواتها،وحنينها. أى أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتي أطت. وهذا إيذان بكثرة الملائكة. كذا نقله محقق ابن ماجه2/1402
                          [4] صحيح لغيره: رواه محمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (250) وأبو الشيخ فى العظمة (511)
                          [5] صحيح: انظر صحيح الجامع (95) وقال: صحيح. وعزاه للطبرانى فى الكبير والضياء فى المختارة والصحيحة (852)
                          [6] صحيح: رواه البخارى (3207-3393-3430-3887) ومسلم (164،162) وقصة البيت المعمور هذه مدرجة فى حديث الإسراء كما نبه على ذلك الحافظ فى الفتح 6/366 أدرجها سعيد بن أبى عروبة وهشام الدستوائى وقد فصَل همام فى سياقه قصة البيت المعمور من قصة الإسراء فروى أصل الحديث عن قتادة عن أنس وقصة البيت المعمور عن قتادة عن الحسن والصواب رواية همام ا.هـ قلت: وروى قصة البيت المعمور وحدها أحمد (12559) والنسائى فى التفسير (550) ط. مكتبة السنة. والحاكم (3742) وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى. والله أعلم .
                          [7] فتح البارى: ( 7/268)
                          [8] انظر مفاتيح الغيب للرازى (2/579) ونهج البلاغة بشرح الإمام محمد عبده: ص18-20 مؤسسة الأعلمى للمطبوعات بيروت ونقل بعضه الحافظ فى الفتح ( 6/365)

                          تعليق


                          • #13
                            [باب]
                            [المفاضلة بين الملائكة وصالحى البشر]

                            اعلم أن أفضل المخلوقات على العموم، الشامل للجن والإنس والملك، فى الدنيا والآخرة، فى سائر خصال وأوصاف الكمال، هو نبينا محمد ولا عبرة بما زعمه الزمخشرى من تفضيل جبريل - - على نبينا محمد مستدلا بقوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [التكوير: 19] حيث عد فيه فضائل جبريل - - فإنه وصف فيه بأنه رسول كريم إلى قوله: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ [التكوير: 22] وقد خرق فى ذلك الإجماع. ولا دلالة فى الآية لما ادعاه؛ لأن المقصود منها نفى قولهم: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل : 103] وقولهم: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ [سبأ : 8] وليس المقصود المفاضلة بينهما، وإنما هو شئ اقتضاه الحال.
                            ولا عبرة بما قد يتوهم من تفضيل جبريل عليه لكونه كان يعلمه؛ فكم من مُعَلَّم - بفتح اللام - أفضل من مُعَلِّم بكسرها.
                            إذا عرفت هذا، فاعلم أن حاصل الأمرفى مسألة المفاضلة هذه - بعد معرفة أنه أفضل الفريقين - ثلاث مذاهب:
                            الأول: تفضيل صالحى البشر والأنبياء فقط على الملائكة:
                            وينسب هذا القول إلى أهل السنة. وممن نسب إليه: ابن تيمية وابن القيم وهو أحد أقوال أبى حنيفة.
                            وقال قوم من الماتريدية:
                            - الأنبياء أفضل من رؤساء الملائكة كجبريل وميكائيل،
                            - ورؤساء الملائكة أفضل من عوام البشر، والمراد بهم أولياؤهم غير الأنبياء كأبى بكر وعمر
                            وليس المراد بالعوام ما يشمل الفساق؛ فإن الملائكة أفضل منهم على الصحيح.
                            - وعوام البشر المذكورون، أفضل من عوام الملائكة، وهم غير رؤسائهم.


                            الثانى: تفضيل الملائكة:
                            وينسب هذا القول إلى القاضى أبو عبد الله الحليمى مع آخرين؛ كالمعتزلة. وهو أحد أقوال أبى حنيفة - تعالى - فإنه قال أولا بتفضيل الملائكة على البشر، ثم قال بعكسه.


                            الثالث: التوقف عن الكلام فى هذه المسألة :
                            وهو أيضا أحد أقوال الإمام أبى حنيفة - تعالى - كما ذكره شارح الطحاوية نقلا عن كتاب " مآل الفتاوى " للإمام ناصر الدين السمرقندى قال : فإنه - أى صاحب مآل الفتاوى - ذكر مسائل لم يقطع أبو حنيفة فيها بجواب. وعد منها التفضيل بين الملائكة والأنبياء.[1]
                            قلت: أدلة الفريقين متكافئة، ومن العسير جدا ترجيح أحد القولين على الآخر.
                            قال الإمام ابن القيم: والحق أن كلا الطائفتين على صواب من القول ... وكل واحدة من الطائفتين فقد أدلت بحجج لا تمانع، وأتت ببينات لا ترد ولا تمانع.[2]
                            وقال شارح الطحاوية: فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أى الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان واجبا لبُيِّن لنا نصا، وقد قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة : 3] وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً [مريم : 64] وفى الصحيح: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها."[3] فالسكوت عن الكلام فى هذه المسألة نفيا وإثباتا والحالة هذه أولى. ولا يقال: إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة ؛ لأن الأدلة هنا متكافئة...[4]
                            قلت: ثم رأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية - تعالى - إجابة حسنة جداً قال: صالحى البشر أفضل باعتبار كمال النهاية، والملائكة أفضل باعتبار البداية؛ فإن الملائكة الآن فى الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقون فى عبادة الرب. ولا ريب أن هذه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر. وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحى البشر أكمل من حال الملائكة.
                            قال ابن القيم: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين ويصالح كل منهم على حقه.[5]

                            _
                            [1] شرح العقيدة الطحاوية/302
                            [2] طريق الهجرتين:250
                            [3] ضعيف: قال الشيخ الألبانى - تعالى - فى تعليقه على الطحاوية، الحاشية رقم (347): حسن لغيره رواه الدارقطنى وغيره ثم تبينت أن الشواهد التى رفعته إلى الحسن ضعيفان جدا لا يصلحان للشهادة.
                            [4] شرح العقيدة الطحاوية 302
                            [5] مجموع الفتاوى 4/343

                            تعليق


                            • #14
                              [باب]
                              [ذكـر عصمـة الملائـكة]

                              قال القاضى عياض تعالى : "الفصل السادس عشر: في القول في عصمة الملائكة: أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون فضلاء،
                              واتفق أئمة المسلمين أن حكمَ المرسلين منهم حكمُ النبيين، سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم.
                              واختلفوا في غير المرسلين منهم؛
                              - فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي
                              - وذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين.
                              والصواب عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم."[1] ا.هـ بتصرف


                              قلت: الأدلة على عصمة الملائكة كثيرة مشهورة نذكر بعضا منها مما فيه كفاية إن شاء الله تعالى:
                              الأول: قوله تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50]
                              قال الفخر الرازى: قوله تعالى: وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يتناول جميع فعل المأمور وترك المنهيات؛ لأن النهى عن الشئ مأمور بتركه.[2]
                              الثانى: قوله تعالى: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم : 6]
                              الثالث: قوله تعالى: بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: 26- 27] قال الرازى: فهذا صريح فى براءتهم عن المعاصى، وكونهم متوقفين فى كل الأمور، إلا بمقتضى الأمر والوحى.[3]
                              الرابع: قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء : 20] ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه.
                              الخامس: قال ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبى كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل.[4]

                              وأما من زعم أنهم غير معصومين، فقد استدل بأشياء لا تقوم بها حجة.
                              وأهم ذلك ثلاث شبه:
                              الأولى: ما يذكرونه فى قصة إبليس، وأنه كان من الملائكة ورئيساً فيهم، ومن خزان الجنة ... إلى آخر ما حكوه، وأنه استثناه من الملائكة بقوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34] وسنتكلم على ذلك فى الباب التالى إن شاء الله تعالى.
                              الثـانية: قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 30 - 34]
                              يخبر - - أنه قال لملائكته المكرمين حين أراد أن يخلق آدم : إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قال قتادة : قال لهم: إنى فاعل هذا ومعناه أنه أخبرهم.
                              والمراد بالخليفة هنا: قوماً يخلف بعضهم بعضاً، قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل. كما قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ [الأنعام: 165]
                              وليس المراد بالخليفة آدمَ - - وحده؛ إذ لو كان كذلك لما حَسُن قول الملائكة أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء فليس آدم – – هو الذى يفسد ويسفك الدماء بل المراد أن من هذا الجنس من يفعل ذلك.


                              وأما كيف علمت الملائكة أن هذا الخليفة الذى يخلقه الله - - سيفسد فى الأرض ويسفك الدماء ؟ ففيه أقوال:
                              الأول: أن الله - - لما أخبرهم أن هذا الخليفة سيُخلق من صلصال من حمإٍ مسنون، علموا أنه مركب من الشهوة والغضب؛ فيتولد عن الشهوة الفساد، ويتولد عن الغضب سفك الدماء.
                              الثانى: أنهم فهموا من الخليفة: أنه الذى يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم. فلابد من وقوع المظالم والمآثم؛ حتى يكون للخليفة معنى غير المراد من توارث الأرض؛ فإنه لو كان المراد بالخليفة الذى يخلف بعضُه بعضاً فقط لما كان لسؤالهم هذا معنى. فتأمل.
                              الثالث: أنه تعالى لما قال للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا: ربَّنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون فى الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً؛ فعند ذلك قالوا: يا ربنا، أتجعل فى الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء؟
                              الرابع: لما كتب القلم فى اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلعلهم طالعوا اللوح المحفوظ فعرفوا ذلك. وقيل غير ذلك. وأيّاً ما كان طريق معرفتهم فإنهم قد علموا ذلك وسألوا عن الحكمة من ذلك.


                              وقد استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن الملائكة غير معصومين فقالوا: إن الملائكة اعترضوا على الله تعالى، ومدحوا أنفسهم، واغتابوا بنى آدم. وهذا كله ينفى عصمتهم.
                              والجواب عن هذا بإيجاز من وجوه:

                              _
                              [1] الشفا للقاضى عياض: 2/ 174 وبذيله مزيل الخفا للشمنى ط. دار الكتب العلمية.
                              [2] مفاتيح الغيب:2/582
                              [3] السابق
                              [4] صحيح: رواه البخارى معلقا بصيغة الجزم (1/150 فتح) كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.

                              تعليق


                              • #15
                                الأول: أن السؤال كان عن الحكمة، واسترشاداً منهم عما لم يعلموا من ذلك. فكأنهم قالوا: يارب أخبرنا. كأنهم تعجبوا من كمال علم الله - تعالى - وإحاطة حكمته بما خفى على كل العقلاء.
                                هذا، والاعتراض على الله - تعالى - فى فعله، أو الإنكار عليه، كفرٌ يستحيل صدوره من الملائكة؛ فتعين حمل الكلام على غير هذا المعنى.
                                الثانى: أن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه؛ يكره أن يكون له عبد يعصيه.
                                الثالث: قول المعترض: إن الملائكة مدحوا أنفسهم وذلك يوجب العجب وتزكية النفس. فالجواب: أن مدح النفس غير ممنوع مطلقاً لقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11] وأيضاً، فيحتمل أن يكون قولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ليس المراد مدح النفس ، بل المراد: بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به فى حكمك يارب؛ فإنا نسبح بحمدك، ونعترف لك بالألوهية. بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل.
                                الرابع: قول المعترض: أنهم اغتابوا بنى آدم.
                                فالجواب: أن محل الإشكال فى خلق بنى آدم، إقدامهم على الفساد والقتل. ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره.
                                __
                                الشبهة الثالثة: قصة هاروت وماروت:
                                قال تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ [البقرة : 102]
                                قوله تعالى: وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عطف على جواب لما فى الآية التى قبلها، وهى قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [البقرة : 101]
                                الضمير فى قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءهُمْ لعلماء اليهود وأحبارها الذين كانوا فى زمن النبى ممن كانوا يستفتحون به قبل ذلك؛ لأنهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، بعد مجئ النبى محمد . والمعنى على هذا والله أعلم: ولما جاء هؤلاء اليهودَ محمدٌ بصفته المذكورة فى التوراة عندهم = فصدقها؛ إذ جاء على وفق ما فيها. وصدقته؛ بأن كان ما فيها مطابق لنعته = نبذوا كتاب الله - أى التوراة - وراء ظهورهم، رافضين ما فيها، كأنهم لا يعلمون ما فيها من الأمر بتصديقه واتباعه، واتبعوا كتب السحرة التى كانت تتلوها الشياطين فى ملك سليمان .
                                واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله - تعالى - : تَتْلُواْ على قولين:
                                الأول: تُحَدِّث وتَرْوِي وتتكلم به وتخبر. نحو تلاوة الرجل للقرآن، وهى قراءته. والمعنى: أن الشياطين روت السحر للناس، وأخبرتهم به.
                                الثانى: تروى، وتتبع، وتعمل به. كما يقال: تلوت فلانا، إذا مشيت خلفه، وتبعت أثره. فيجوز أن الشياطين كانت تقرأ السحر للناس، وتخبرهم به، وتعمل به، فاتبعت اليهود منهاجها فى ذلك، فروته، وعملت به.
                                وذكر المفسرون: أن الشياطين كانت تعمل بالسحر، وتسترق السمع؛ ففشى فى الناس أن الجن تعلم الغيب، فلما أُرْسِلَ سليمانُ - - جمع ما كان من ذلك مكتوبا، ووضعه تحت كرسيه، وقال: من قال إن الشياطين تعلم الغيب ضربت عنقه. وقيل: بل الشياطين هى التى عمدت - بعد موت سليمان - إلى السحر فصنفته أصنافا، وكتبت: من أراد أن يبلغ كذا وكذا، فليفعل كذا وكذا، ثم ختمته بخاتم عليه نقش سليمان، وجعلت عنوانه: (هذا ما كتب آصف بن برخيا الصِّدِّيق للملك سليمان بن داود من ذخائر العلم) ثم دفنته تحت كرسيه. فلما ذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعدهم خلف، تمثل الشيطان فى صورة إنسان، وأتى نفرا من بنى إسرائيل فقال لهم: هل أدلكم على كنز سليمان الذى كان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك ؟ قالوا: نعم. قال: فإنه فى بيت خزانته تحت كرسيه. فاستخرجوه وقالوا: والله ما كان سليمان بن داود إلا ساحراً، ولم يستعبد الإنس والجن والطير إلا بهذا. فأكذبهم الله تعالى فى ذلك، وبرأ نبيه سليمان - - مما قالوه.
                                واختلف أهل العلم فى ما التى فى قوله: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ:
                                (1) قال بعضهم: ما بمعنى لم. روى ذلك الإمام الطبرى فى تفسيره عن ابن عباس، والربيع بن أنس. والمعنى: أن الله - تعالى - لم ينزل على الملكين السحر. وعلى ذلك فهاروت وماروت فى موقع جر على البدل من الملكين أومن الناس: فأما كونهما بدلا من الملكين - على هذا المعنى - فغير جائز؛ لأنه يؤدى إلى بطلان معنى قوله: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وذلك أن معنى الآية يصير هكذا: ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر، ولم ينزل الله السحر على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما يعلمان من أحد حتى يقولا ... الآية .
                                فإذا لم يكونا عالِمَيْن بما يُفَرَّقُ به بين المرء وزوجه، فما الذي يَتعلم منهما من يفرِّق بين المرء وزوجه ؟!
                                وإن كانت مَا فى قوله: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ معطوفة على قوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ فإن الله - تعالى - نفى عن سليمان أن يكون السحر من عمله أوعلمه أو تعليمه. فإن كان نفى عن الملَكين من ذلك نظير الذي نفى عن سليمان، وهاروت وماروت هما الملكان. يعنى: إن كان الله – عزوجل - نفى عن الملَكين هاروت وماروت أن يكون السحر من عملهما أو علمهما أو تعليمهما، فمَنِ المتعلَّم منه إذًا ما يفرَّق به بين المرء وزوجه ؟ وعمن الخبر الذي أخبر عنه بقوله: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ إن خطأ هذا القول لواضح بين. وإن كان قوله هاروت وماروت بدلا من الناس في قوله: وَلَـكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فقد وجب أن تكون الشياطين هي التي تعلم هاروت وماروت السحر، وتكون السحرة إنما تعلمت السحر من هاروت وماروت عن تعليم الشياطين إياهما، ويكون معنيا بالملكين: جبريل، وميكائيل؛ لأن سحرة اليهود - فيما ذكر- كانت تزعم: أن الله أنزل السحر إلى سليمان بن داود - - على لسان جبريل وميكائيل. فأكذبهم الله – تعالى - فى ذلك، وبرأ نبيه سليمان - - مما نسبوه إليه.
                                ومعنى الآية على هذا التوجيه: واتبعت اليهود السحر الذى تتلوه الشياطين فى ملك سليمان، وماكفر سليمان فيعمل بالسحر، وما أنزل الله السحر على الملكين جبريل وميكائيل، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون رجلين من الناس السحر ببابل اسم أحدهما هاروت، واسم الآخرماروت. فإن يكن ذلك كذلك، فقد كان يجب أن يكون بهلاكهما قد ارتفع السحر والعلم به والعمل - من بني آدم؛ لأنه إذا كان علم ذلك من قبلهما يؤخذ، ومنهما يتعلم، فالواجب أن يكون بهلاكهما وعدم وجودهما، عدم السبيل إلى الوصول إلى المعنى الذي كان لا يوصل إليه إلا بهما. وفي وجود السحر في كل زمان ووقت، أبين الدلالة على فساد هذا القول. وقد يزعم قائل ذلك أنهما رجلان من بني آدم، لم يعدما من الأرض منذ خلقت، ولا يعدمان بعد ما وجد السحر في الناس، فيدعي ما لا يخفى بُطلانه.
                                (2) وقال آخرون: بل مَا بمعنى الذى. رواه ابن جرير عن عبدالله بن مسعود والسدى وقتادة وابن عباس وابن زيد. وهى بمعنى ما الأولى التى فى قوله: مَا تَتْلُواْ ومعطوفة عليها، ومعناها فى الموضعين: السحر.
                                ومعنى الآية على هذا التوجيه: واتبعت اليهودُ السحرَ الذى تتلوه الشياطين فى ملك سليمان، والسحرَ الذى أنزل ببابل على الملكين هاروت وماروت.
                                ويرد على هذا القول استشكالين:
                                الأول: هل يجوز أن ينزل الله السحر ؟ وهل يجوز لملائكته أن تعلمه الناس ؟ وقد أجاب ابن جرير على ذلك فقال: إن الله جل ثناؤه عرف عباده جميع ما أمرهم به وجميع ما نهاهم عنه، ثم أمرهم ونهاهم بعد العلم منهم بما يؤمرون به وينهون عنه. ولو كان الأمر على غير ذلك، لما كان للأمر والنهي معنى مفهوم. فالسحر مما قد نهى عباده من بني آدم عنه، فغير منكر أن يكون جل ثناؤه علمه الملكين اللذين سماهما في تنزيله، وجعلهما فتنة لعباده من بني آدم - كما أخبر عنهما أنهما يقولان لمن يتعلم ذلك منهما إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ - ليختبر بهما عباده الذين نهاهم عن التفريق بين المرء وزوجه، وعن السحر، فيمحص المؤمن بتركه التعلم منهما، ويخزي الكافر بتعلمه السحر والكفر منهما. ويكون الملكان في تعليمهما من علما ذلك - لله مطيعيْن، إذْ كانا = عن إذن الله لهما بتعليم ذلك من علماه = يعلمان. وقد عبد من دون الله جماعة من أولياء الله، فلم يكن ذلك لهم ضائراً؛ إذ لم يكن ذلك بأمرهم إياهم به، بل عبد بعضهم والمعبود عنه ناه. فكذلك الملكان، غير ضائرهما سحر من سَحر ممن تعلم ذلك منهما، بعد نهيهما إياه عنه، وعظتهما له بقولهما: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ إذ كانا قد أديا ما أمرا به بقيلهما ذلك (1).
                                وقال أبو السعود فى تفسيره: هما ملكان أنزلا لتعليم السحر، ابتلاء من الله للناس، كما ابتلى قوم طالوت بالنهر. أو تمييزا بينه وبين المعجزة، لئلا يغتر به الناس. أو لأن السحرة كثرت في ذلك الزمان، واستنبطت أبوابا غريبة من السحر، وكانوا يدعون النبوة؛ فبعث الله تعالى هذين الملكين؛ ليعلما الناس أبواب السحر؛ حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الكذابين وإظهار أمرهم على الناس(2). الثانى: إذا كان المراد بـ مَا فى الموضعين (مَا تَتْلُواْ - وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) واحداً وهو السحر. فكيف جاز عطف إحداهما على الأخرى ؟ والعطف يقتضى المغايرة ! أجيب عن ذلك بأن العطف لتغاير الاعتبار أى أن السحر باعتبار تلاوة الشياطين إياه فى ملك سليمان نوع، وباعتبار نزوله على الملكين نوع آخر. وقيل: بل الذى أنزل على الملكين نوع أقوى من الآخر. وقيل: بل مَا فى الموضع الأول بمعنى السحر، وفى الموضع الثانى بمعنى التفريق الذى بين المرء وزوجه خاصة. كما سيأتى فى رقم (3) الآتى.
                                (3) وقال آخرون: معنى مَا معنى الذى، وهى عطف على مَا الأولى، غير أن الأولى فى معنى السحر، والثانية فى معنى التفريق الذى بين المرء وزوجه. وتأويل الآية على هذا القول: واتبعوا السحر الذى تتلوه الشياطين فى ملك سليمان، والتفريق الذى بين المرء وزوجه، الذى أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت. رواه الطبرى عن مجاهد.
                                (4) وقال آخرون: جائز أن تكون مَا بمعنى الذى وجائز أن تكون بمعنى لم. رواه الطبري عن القاسم بن محمد.
                                والراجح من هذه الأقوال قول من قال إن معنى مَا معنى الذى سواء كانت بمعنى السحر أو بمعنى التفريق بين المرء وزوجه خاصة ، وأن هاروت وماروت مترجم بهما عن الملكين. والله أعلم.
                                وقد رويت آثار كثيرة فى قصة هاروت وماروت ، ولا يصح فيها شئ . فمن ذلك:...

                                __
                                (1) تفسير الطبري 2/ 426- 427، ط. دار ابن تيمية
                                (2) تفسير أبي السعود 1/ 138، ط. دار إحياء التراث العربي- بيروت

                                تعليق


                                • #16
                                  ما روى عن عبد الله بن عمر أنه سمع نبي الله يقول: " إن آدم لما أهبطه الله – تعالى - إلى الأرض قالت الملائكة: أى رب أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك. قال: إنى أعلم ما لا تعلمون. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بنى آدم. قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملَكين من الملائكة حتى يُهبَط بهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض ومُثِّلت لهما الزهرةُ امرأة من أحسن البشر. فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تَكَلَّما بهذه الكلمة من الإشراك. فقالا: والله لا نشرك بالله أبدا. فذهبت عنهما ثم رجعت بصبى تحمله فسـألاها نفسها قالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبى فقالا: والله لا نقتله أبدا. فذهبت ثم رجعت بقدح خمر تحمله فسألاها نفسها قالت: لا والله حتى تشربا الخمر. فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبى. فلما أفاقا قالت: والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه علىَّ إلا قد فعلتما حين سكرتما. فخُيِّرا بين عذاب الدنيا والآخرة فاختارا عذاب الدنيا ."[1]
                                  قال الشوكانى: رواه ابن الجوزى فى موضوعاته عن ابن عمر مرفوعا وقال: لا يصح؛ فى إسناده الفرج بن فضالة، ضعفه يحى، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد ويلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة. وفى إسناده – أيضا – سُنيد، ضعفه أبو داود والنسائى.[2]
                                  وقال الحافظ ابن كثير: هذا حديث ضعيف من هذا الوجه. ثم ذكر روايات الحديث، وتكلم على الرواة، ثم قال: فدار الحديث ورجع إلى نقل كعب الأحبار عن كتب بنى إسرائيل. والله أعلم.[3]
                                  وقال أيضا: وأما ما يذكره كثير من المفسرين فى قصة هاروت وماروت: من أن الزهرة كانت امرأة، فراوداها على نفسها، فأبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم، فعلماها، فقالته؛ فرفعت كوكبا إلى السماء. فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بنى إسرائيل .[4]
                                  وقال الخازن: إن ما نقله المفسرون، وأهل الأخبار فى ذلك، لم يصح عن رسول الله منه شئ، وهذه الأخبار إنما أخذت من اليهود، وقد علم افتراؤهم على الملائكة والأنبياء.[5]
                                  وقال القرطبى: قلنا: هذا كله ضعيف، وبعيد عن ابن عمر وغيره، لا يصح منه شئ؛ فإنه قول تدفعه الأصول فى الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه، وسفراؤه إلى رسله.[6]
                                  وقال الشيخ أحمد شاكر - تعالى - فى تعليقه على تفسير الطبرى: وهذه الأخبار، في قصة هاروت وماروت، وقصة الزهرة، وأنها كانت امرأة فمسخت كوكبا - أخبار أعلها أهل العلم بالحديث. وقد جاء هذا المعنى في حديث مرفوع، ورواه أحمد في المسند : 6178، من طريق موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر. وقد فصلت القول في تعليله في شرح المسند، ونقلت قول ابن كثير في التفسير 1: 255 وأقرب ما يكون في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، لا عنه واستدل بروايتي الطبري السالفتين: 1684، 1685 عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار.
                                  وقد أشار ابن كثير أيضًا في التاريخ 1 : 37 - 38 قال: " فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين، وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار، وتلقاه عنه طائفة من السلف، فذكروه على سيبل الحكاية والتحدث عن بني إسرائيل." وقال أيضًا، بعد الإشارة إلى أسانيد أخر: " وإذا أحسنا الظن قلنا: هذا من أخبار بني إسرائيل، كما تقدم من رواية ابن عمر عن كعب الأحبار. ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها ".
                                  وقال في التفسير أيضًا 1 : 260 ، بعد ذكر كثير من الروايات التي في الطبري وغيره: " وقد روى في قصة هاروت وماروت، عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين. وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وظاهر سياق القرآن إجمال القصة " من غير بسط ولا إطناب فيها. فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى. والله أعلم بحقيقة الحال". وهذا هو الحق، وفيه القول الفصل. والحمد لله.[7]
                                  وقال الفخر الرازى: أما الشبهة الثانية: وهى قصة هاروت وماروت، فالجواب عنها: أن القصة التى ذكروها باطلة من وجوه:
                                  أحدها: أنهم ذكروا فى القصة أن الله - تعالى - قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بنى آدم لعصيتمانى. فقالا: لو فعلت ذلك يا ربنا لما عصيناك. وهذا منهم تكذيب لله - تعالى - وتجهيلا له، وذلك من صريح الكفر. والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين.
                                  ثانيهما: فى القصة أنهما خُيِّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. وذلك فاسد، بل كان الأولى أن يُخيَّرا بين التوبة وبين العذاب، والله - تعالى - خير بينهما من أشرك به طول عمره، وبالغ فى إيذاء أنبيائه.
                                  ثالثها: فى القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما معذبين، ويدعوان إليه، وهما معاقبان على المعصية.
                                  رابعها: أن المرأة الفاجرة، كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء، وجعلها الله - تعالى - كوكبا مضيئا، وعظم قدرها بحيث أقسم به، حيث قال سبحانه: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ [التكوير : 15-16] وهذه القصة ركيكة، يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها.[8]


                                  [1] ضعيف جدا: رواه أحمد (6186) وابن حبان كما فى تفسير ابن كثير1/192 وذكره الشوكانى فى الفوائد المجموعة فى الاحاديث الموضوعة: 491 (ط . دار الكتب العلمية)
                                  [2] الفوائد المجموعة: 492
                                  [3] تفسير القرآن العظيم: 1/193
                                  [4] البداية والنهاية: 1/40
                                  [5] تفسير الخازن: 1/90
                                  [6] تفسير القرطبى: 1/442
                                  [7] تفسير الطبرى:2/432 (ط.مؤسسة الرسالة-الطبعة الأولى) حاشية رقم:9 التعليق على الأثر رقم: 1688
                                  [8] مفاتيح الغيب:2/588

                                  تعليق


                                  • #17
                                    [باب]
                                    [هل كان إبليس من الملائكة ؟]

                                    اختلفوا فيه على قولين:
                                    الأول: من رجح كون إبليس من الملائكة:
                                    قال القرطبى فى قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف:50] نصب على الاستثناء المتصل؛ لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور: ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة، وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبى الحسن، ورجحه الطبرى، وهو ظاهر الآية.[1]
                                    قلت: ذكر المفسرون هنا آثارًا كثيرة حاصلها أن إبليس كان من أشرف الملائكة، وأنه كان خازنا للجنة وللسماء الدنيا، فاغتر بذلك، ووقع فى نفسه الغرور والكبر، فأراد الله - - أن يستخرج ذلك منه؛ فأمره بالسجود لآدم، فأبى واستكبر ... إلى آخر ما ذكروه وأغلب هذه الآثار من الإسرائيليات.
                                    الثاني: من رجح كون إبليس من الجن وليس من الملائكة:
                                    نقله القرطبى وغيره عن ابن عباس - أيضا - وابن زيد والحسن وقتادة.[2]
                                    وهذا هو الرأى الراجح والأدلة عليه كثيرة نذكر بعضا منها:
                                    الدليل الأول: قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف:50] فهذا صريح فى أن إبليس من الجن.
                                    الدليل الثانى: إبليس له ذرية والملائكة ليس لها ذرية: أما إن إبليس له ذرية، فيدل عليه قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف:50]
                                    وأما إن الملائكة لا ذرية لهم؛ فلأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى، والملائكة لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة، قال تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:19] فإنه تعالى أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة، فإذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة؛ فانتفت الذرية.
                                    الدليل الثالث: الملائكة معصومون - كما تقدم - وإبليس ليس كذلك؛ فوجب ألا يكون منهم.
                                    الدليل الرابع: الملائكة مخلوقة من النور، وإبليس مخلوق من النار لقوله : "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم."[3]
                                    وقال تعالى: قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12] وقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:14-15]
                                    وقال الحافظ ابن كثير فى قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف :50]: أى خانه أصله؛ فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور ... فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك؛ فلهذا دخل فى خطابهم، وعصى بالمخالفة. ونبه تعالى ها هنا على أنه من الجن أى: على أنه خلق من نار كما قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]
                                    وقال الحسن البصرى: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن كما أن آدم - - أصل البشر.[4]
                                    الدليل الخامس: أن تأويل قوله تعالى: كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف:50] بأنه كان خازنا للجنة تأويل بعيد؛ لأن قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [الكهف:50] يشعر بتعليل تركه السجودَ لكونه جنيا، ولا يمكن تعليل تركه السجود بكونه خازنا للجنة.
                                    والله أعلم

                                    __
                                    [1] تفسير القرطبى: 1/251 وانظر تفسير ابن كثير: 1/121 وفتح البيان فى مقاصد القرآن: 1/110
                                    [2] تفسير القرطبى: 1/251
                                    [3] صحيح: وقد تقدم.
                                    [4] صحيح: رواه ابن جرير بإسناد صحيح عن الحسن وانظر تفسير ابن كثير:5/104والبداية والنهاية:1/73

                                    تعليق


                                    • #18
                                      [باب]
                                      [الحكمة فى عدم إرسال الملائكة إلى البشر
                                      ]
                                      اعلم أن الأمم الكافرة قد اجتمعت على سؤال رسلهم أن يأتوهم بالملائكة، أو أن يكون الرسول المرسل إليهم ملاكاَ، عنادًا منهم، ومكابرة، وتعجيزًا لرسلهم. ولم يكن مطلبا يسألونه ليطمئنوا به؛ فإن رسلهم قد جاؤهم بالمعجزات القاهرات، والآيات البينات.
                                      فعن أبى هريرة قال: قال النبى : " مَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلَّا أُعْطِىَ مِنَ الْآياتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَىَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ."(1)
                                      وقد ذكر القرآن طلب المشركين هذا من رسلهم، وتعجبهم من إرسال البشر إليهم، فى آيات كثيرة فمن هذا:
                                      قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ [المؤمنون:24]
                                      وقوله تعالى عن عاد قوم هود: وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ [المؤمنون:33-34]
                                      وقوله تعالى عن ثمود قوم صالح: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ [القمر:23-25]

                                      وقوله تعالى عن عاد وثمود: إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [فصلت:14]
                                      وقوله تعالى حكاية عن فرعون: فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [الزخرف:53]
                                      وقوله تعالى عن أصحاب الأيكة قوم شعيب: وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [الشعراء:186]
                                      وقوله تعالى عن الأمم السابقة: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [التغابن:6،5]
                                      وقوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [إبراهيم:9-11]
                                      وأما أعتى الأمم، وأشدها تكذيبا، وأكثرها طلبا لهذا الأمر فهم قوم نبينا محمد فمن ذلك:
                                      قوله تعالى: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود:12]
                                      وقوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [الأنبياء:3]
                                      وقوله تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا [الفرقان:7]
                                      وقوله تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الحجر:7،6]
                                      ومما يدل على أنهم إنما يطلبون هذا الأمر تعجيزا قوله تعالى: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:90-95]
                                      وقد أجاب الله - - على هؤلاء المشركين وحاصل الإجابة أمور:
                                      أحدها: أنهم لن يفهموا مخاطبة الملَك وهم على هيئتهم البشرية هذه، ولكي يفهموا عنه لابد من أحد أمرين: إما أن يصيروا ملائكة، فتتناسب طبيعتهم مع طبيعة الملَك، وإما أن يصير الملَك رجلا بشرًا:
                                      فأما أول الأمرين: وهو أن يصيروا هم ملائكة، فأمر لا يكون، ولم يأذن به الله.
                                      وأما ثانيهما: وهو أن يصير الملَك رجلا يخاطبهم حتى يفهموا عنه، فهو أمر جائز؛ لجواز أن يتمثل الملك فى صورة بشر. ولكن إن حدث هذا، فسيطلبوا منه أن يرسل الله إليهم ملكا، فيرجع الأمر إلى ما كان، كما قال تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:7-9] قال ابن كثير: أى ولو نزلنا مع الرسول البشري ملكا أي: لوبعثنا إلى البشر رسولا ملكيا، لكان على هيئة رجل؛ لتفهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري[2]
                                      وقال تعالى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [الإسراء:94-95] فلو كان هؤلاء القوم ملائكة، لكان الرسول إليهم من جنسهم ملاكا، ولكن لما كانوا بشراً، أرسل الله إليهم رسولا من جنسهم ليفهموا عنه.
                                      ومما يدل - أيضا - على أن البشر لا يستطيعون الفهم عن الملائكة، صوت الرعد، فالرعد - كما سيأتى إن شاء الله تعالى - ملك من الملائكة موكل بالسحاب، وهذا الصوت الذى نسمعه صوته، فمن منا يزعم أنه يفهم تسبيح الرعد.
                                      وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يسمعون عند نزول الوحى دويًّا كدوىِّ النحل، ولكنهم لايفهمون عنه شيئاً. وانظر ما سيأتى عند ذكر أنواع الوحى.
                                      ثانيها: أنهم لا يرون الملائكة فى يوم خير لهم، بل لا يرون الملائكة إلا عند مماتهم، فتأتيهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ويقولون: حجراً محجوراً أى: حرام عليكم الفلاح اليوم. قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22،21] فهؤلاء المشركين تعنتوا أشد التعنت، وعاندوا أشد العناد؛ فطلبوا رؤية الملائكة، ونزولهم بالرسالة عليهم كما تنزل على الانبياء، كما قال تعالى: وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الأنعام:124] أي حتى تأتينا الملائكة من الله بالرسالة كما تأتى إلى الرسل، فأجابهم الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] وبأنهم لا يرون الملائكة فى يوم خير لهم.
                                      ثالثها: أن الملائكة إنما تنزل بأمر هام لايستطيعه غيرهم: كالوحى إلى الأنبياء، وإهلاك الأمم الكافرة. قال تعالى: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ [الحجر:6-8]
                                      وقال تعالى: وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [الأنعام:8] فلو استجاب الله - - طلبَهم هذا لقُضِى الأمرُ؛ لأن الملائكة لن تنزل إلا بهلاكهم كما حدث مع الأمم السابقة.
                                      والله أعلم


                                      [1] صحيح: رواه البخارى (4981 - 7274) ومسلم (152)
                                      [2] تفسير ابن كثير:3/149

                                      تعليق


                                      • #19
                                        [باب]
                                        [الفرق بين إلهام المَلَك وإلقاء الشيطان]

                                        عن عبد الله بن مسعود قال: لابن آدم لمتان لَمَّة[1] من الملك ولمة من الشيطان فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وتطييب بالنفس وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وتخبيث بالنفس.[2]
                                        ولفظ الترمذى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ اللَّهِ فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأَ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة:268]
                                        وله شاهد من الصحيح من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ." قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَم فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ."
                                        حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَعْنِيَانِ ابْنَ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ ح و حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ "وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ."[3]
                                        قال الإمام ابن القيم: والفرق بين إلهام الملك وإلقاء الشيطان من وجوه:
                                        منها: أن ما كان لله موافقا لمرضاته وما جاء به رسوله فهو من الملك، وما كان لغيره غير موافق لمرضاته فهو من إلقاء الشيطان.
                                        ومنها: أن ما أثمر إقبالا على الله وإنابة إليه وذكرا له وهمة صاعدة إليه فهو من إلقاء الملك، وما أثمر ضد ذلك فهو من إلقاء الشيطان.
                                        ومنها: أن ما أورث أنسا ونورا فى القلب وانشراحا فى الصدر فهو من الملك، وما أورث ضد ذلك فهو من الشيطان.
                                        ومنها: أن ما أورث سكينة وطمأنينة فهو من الملك، وما أورث قلقا وانزعاجا واضطرابا فهو من الشيطان.
                                        فالإلهام الملكى يكثر فى القلوب الطاهرة النقية التى قد استنارت بنور الله؛ فللملَك بها اتصال، وبينه وبينها مناسبة؛ فإنه طيب طاهر لا يجاور إلا قلبا يناسبه. وتكون لَمة الملَك بهذا القلب أكثر من لَمة الشيطان، وأما القلب المظلم الذى اسود بدخان الشهوات والشبهات فإلقاء الشيطان ولمته به أكثر من لمة الملك.[4]
                                        تتمة :
                                        قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الناظر فى مسألة معينة وقضية معينة لطلب حكمها، والتصديق بالحق فيها - والعبد لا يعرف ما يدله على هذا أو هذا - فمجرد هذا النظر لا يفيد، بل قد يقع له تصديقات يحسبها حقا وهى باطل، وذلك من إلقاء الشيطان. وقد يقع له تصديقات تكون حقا، وذلك من إلقاء الملك. وكذلك إذا كان الناظر فى الدليل الهادى - وهو القرآن - فقد يضع الكلم مواضعه ويفهم مقصود الدليل فيهتدى بالقرآن وقد لا يفهمه[5] أو يحرف الكلم عن مواضعه فيضل به ويكون ذلك من الشيطان كما قال تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء:82] ... فالناظر فى الدليل بمنزلة المترائى للهلال قد يراه وقد لا يراه لعشى بصره وكذلك أعمى القلب.[6]


                                        [1] اللَّمَّة: الخطرة تقع فى القلب
                                        [2] حسن موقوفا: رواه ابن المبارك فى الزهد (1435) قال أخبرنا فطر عن المسيب بن رافع عن عامر بن عبدة عن عبد الله بن مسعود به ورجاله ثقات غير فِطْر وهو ابن خليفة أبو بكر الكوفى الحناط صدوق رمى بالتشيع وثقه أحمد وابن معين وابن سعد وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال الدارقطنى: لا يحتج به. انظر التقريب/384 وتهذيب التهذيب 4/507 والميزان 5/441 والطبقات الكبرى لابن سعد 6/535 والجرح والتعديل 7/90 وسؤالات الحاكم النيسابورى للدارقطنى/264 ترجمة رقم (454).
                                        وفى تفسير ابن كثير1/402 رواه مسعر عن عطاء بن السائب عن أبى الأحوص (وهو عوف بن مالك بن نضلة) عن ابن مسعود موقوفا عليه. وهذا إسناد ضعيف. وقال ابن تيمية فى مجموع الفتاوى 4/31: وهذا الكلام الذى قاله ابن مسعود هو محفوظ عنه وربما رفعه بعضهم إلى النبى ا.هـ
                                        قلت: وقد روى مرفوعا إلى النبى رواه الترمذى (2988) وقال: حسن غريب وهو حديث أبى الأحوص لا نعلمه مرفوعا إلا من حديث أبى الأحوص. ورواه النسائى فى التفسير رقم (71) وابن أبى حاتم وابن حبان فى صحيحه كما فى تفسير ابن كثير1/402 ورواه ابن الجوزى فى تلبيس إبليس/ ص37 كلهم من طريق هناد بن السرى عن أبى الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة الهمدانى عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله فذكره. ورجاله ثقات غير عطاء بن السائب فإنه صدوق اختلط كما فى التقريب/331 وقد جمع الحافظ ابن حجر الأقوال فيه ثم قال: فيحصل لنا من مجموع كلامهم أن سفيان الثورى وشعبة وزهير أو زائدة وحماد وأيوب عنه صحيح ومن عداهم يتوقف فيه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم والظاهر أنه سمع منه مرتين مرة مع أيوب كما يومى إليه كلام الدارقطنى ومرة بعد ذلك لما دخل إليهم البصرة وسمع منه مع جرير وذويه. والله أعلم.انظر التهذيب4/130-133 ترجمة رقم (5287) والميزان 5/90 رقم (5647) والطبقات الكبرى 6/525رقم (2498) والجرح والتعديل 6/332 رقم (1848) وسؤالات الحاكم للدارقطنى/262رقم (448) وقال تركوه.
                                        قلت:وقد نقل تضعيف هذا الحديث محقق تلبيس إبليس عن ضعيف الجامع(1963) وقال: فى إسنادهم أبو (الأحوص) وهو مجهول ا.هـ وهذا وهم وأغلب ظنى أنه من المحقق المذكور لا من الشيخ الألبانى - - وليس عندى ضعيف الجامع لأراجعه فالله أعلم. وأبو الأحوص هذا هو سلام بن سليم الحنفى الكوفى ثقة متقن صاحب حديث كما فى التقريب / 201رقم (2703) وأما المجهول فهو مولى بنى ليث أو بنى غفار. انظرالتقريب/544 رقم (7926) والتهذيب 6/288 رقم (9153) والله أعلم. فالظاهر مما سبق أن أبا الأحوص قد سمع من عطاء بن السائب بعد الاختلاط . والله أعلم .
                                        ورواه – أيضا - ابن المبارك فى الزهد عن صفوان بن سليم مرسلا رقم (947) وكذا رواه عن ابن عون عن إبراهيم (هو النخعى) به رقم (1437) فجعله من قول إبراهيم ونسبه ابن كثير أيضا لابن مردويه مرفوعا والله أعلم .
                                        [3] صحيح: رواه مسلم (2814) وأحمد (3648-3779-3802-4392) وهو لفظه والدارمى (2734) وأبو نعيم فى الدلائل1/185وابن الجوزى فى تلبيس إبليس/35
                                        [4] الروح لابن القيم: 328 (ط. دار المنار)
                                        [5] "قد" لا تدخل على الفعل المنفى والأحسن فى هذا أن يقول وربما لا يفهمه أو وعسى ألا يفهمه ونحو ذلك.
                                        [6] مجموع الفتاوى:4/37

                                        تعليق


                                        • #20
                                          [باب]
                                          [ذكر تسبيح الملائكة]
                                          قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:30] قال الإمام الماوردى فى تفسيره[1]: التسبيح فى كلامهم[2]: التنزيه من السوء على جهة التعظيم . ومنه قول أعشى بنى ثعلبة :
                                          أقـول لمـا جاءنـى فخـره سـبحان من علقمة الفاخـر(3)
                                          أى براءة من علقمة.
                                          ولا يجوز أن يسبح غير الله، وإن كان منزها؛ لأنه صار علما فى الدين على أعلى مراتب التعظيم التى لا يستحقها إلا الله تعالى.
                                          وفى المراد بقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أقوال:
                                          أحدها: معناه نصلى لك. وهو قول ابن عباس وابن مسعود.
                                          ثانيها: معناه نعظمك. وهو قول مجاهد.
                                          ثالثها: التنزيه، وهو قول ابن جرير. أى تنزيه الله عما لا يليق به فيكون المعنى: ونحن ننزهك عن كل سوء ونقيصة.
                                          رابعها: التسبيح المعروف وهو قول قتادة والمفضل واستشهد بقول جرير:
                                          قَبـحَ الإلـهُ وجـوهَ تَغْـلِبَ كلـما سـَبَحَ الحجـيجُ وكبـروا إهـلالا[3]
                                          وقد رجح الإمام القرطبى هذا الوجه لما رواه مسلم عن أبى ذر أن رسول الله سُئِل: أى الكلام أفضل ؟ قال: "مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَآئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللهُ وَبِحَمْدِهِ"(4)
                                          وعن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام فقلت له: أرأيت قول الله تعالى للملائكة: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: مَنْ هذا؟ فقالوا: من بنى عبد المطلب. قال: فقبل رأسى ثم قال: يا بُنَىّ إنه جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النَّفَس أليس تتكلم وأنت تتنفس وتمشى وأنت تتنفس.[5]




                                          __
                                          [1] النكت والعيون: 1/61
                                          [2] قوله: " كلامهم " يعنى فى كلام العرب.
                                          [3] شرح ديوان جرير (دار الكتب العلمية): 339 من قصيدة طويلة يهجو بها الأخطل والذى فى الديوان :.. شبح الحجيج ... بالشين المعجمة ومعناه رفع الأيدى نحو السماء للدعاء وعلى هذا فالاستشهاد بالبيت فى غير محله كما نبه على ذلك محققوا تفسير القرطبى1/236
                                          [4] صحيح: رواه مسلم (2731)
                                          [5] إسناده ضعيف وهو حسن لغيره: رواه أبو الشيخ فى العظمة (322) وذكره ابن كثير فى التفسير5/205وفى إسناده من لم أعرفه. و له شاهد فى الزهد لابن المبارك (1413) حدثنا الحسين أخبرنا محمد بن أبى عدى أخبرنا حميد الطويل عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: لقى عبد الله بن عباس كعبا فقال: إنى سائلك عن ثلاث آيات فى القرآن. قال: ما هى ؟ قال: قوله تعالى: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا [الدخان: 24] قال: طريقا وقوله للملائكة: لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20] و: لَا يَسْأَمُونَ [فصلت:38] قال: إن الملائكة ألهموا ذلك كما ألهم بنو آدم الطرف والنفس فهل يؤذيك طرفك ؟ هل تؤذيك (كذا والصواب يؤذيك) نَفَسك ؟ قال: وقوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا إلى قوله بِإِذْنِ اللَّهِ [فاطر:32] قال: لامست مناكبهم فى الجنة ورب الكعبة وفضلوا بأعمالهم. ورجاله ثقات غير أن حميداً الطويل مدلس وقد عنعن، كذلك ذكره ابن كثير من رواية محمد بن إسحاق وهو مدلس – أيضا - وقد عنعن والله أعلم. وانظر تفسير ابن كثير: 1/115، وتفسير القرطبى: 1/236 وتفسير الماوردى: 1/61

                                          تعليق


                                          • #21
                                            [باب]
                                            [عبادة الملائكة]
                                            تنسب عبادة الملائكة إلى الصابئة؛ وهي الطائفة المذكورة في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج:17]
                                            واختلف في المأخوذ منه هذا الاسم على ثلاثة أقوال:
                                            أحدها: أنه مأخوذ من الطلوع والظهور، من قولهم صبأ ناب البعير إذا طلع. وهذا قول الخليل.
                                            ثانيها: أن الصابيء الخارج من شيء إلى شيء؛ فسمي الصابئون بهذا الاسم؛ لخروجهم من اليهودية والنصرانية. وهذا قول ابن زيد.
                                            ثالثها: أنه مأخوذ من قولهم: صبا يصبو إذا مال إلى الشيء وأحبه. وهذا قول نافع؛ ولذلك لم يهمز.[1]
                                            واختلفوا في الصابئة على أقوال:
                                            الأول: أنهم قوم بين المجوس واليهود والنصارى. وهذا قول مجاهد وسعيد بن جبير.
                                            الثانى: أنهم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور؛ ولهذا قال أبو حنيفة: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم. وقيل: إن زياد بن أبي سفيان أُخبِر أن الصابئين يُصَلُّون إلى القبلة ويصلون الخمس؛ فأراد أن يضع عنهم الجزية، فخُبِّر بعد أنهم يعبدون الملائكة.
                                            الثالث: قال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة.
                                            الرابع: قال وهب بن منبه: هوالذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة، ولم يحدث كفراً.
                                            الخامس: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين منا -لأديان كانوا بجزيرة الموصل- يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبى، إلا قول: لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبى وأصحابه: هؤلاء الصابئون. يشبهونهم بهم يعني فى قولهم: لا إله إلا الله.[2]
                                            وعن ابن عباس ما قال: لما نزلت: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] قال المشركون: الملائكة، وعيسى، وعزير يُعْبَدون من دون الله. فقال: لو كان هؤلاء الذين يُعبدون من دون الله آلهة ما وردوها. قال: فنزلت: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] عيسى وعزير والملائكة.[3]
                                            وذكره ابن القيم في شفاء العليل([4]) من طريق علي بن المديني بإسناده إلى ابن عباس أنه قال: آية لا يسأل الناس عنها، لا أدرى أعرفوها فلم يسألوا عنها أو جهلوها فلا يسألون عنها ؟ فقيل له: وما هي؟ فقال: لما نزلت: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] شق ذلك على قريش أو على أهل مكة وقالوا: يشتم آلهتنا، وجاء ابن الزِّبَعْرى فقال: ما لكم؟ قالوا: يشتم آلهتنا. قال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] قال: ادعوه لي. فلما دعي النبى قال: يا محمد ، هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله؟ فقال: "لَا، بَلْ لِكُلِّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ" فقال ابن الزبعرى: خُصِمتَ وَرَبِّ هذه البَنِيَّة - يعني الكعبة - ألست تزعم أن الملائكة عباد صالحون، وأن عيسى عبداً صالحاً، وأن عزيرا عبدا صالحا، وهذه بنو مليح تعبد الملائكة، وهذه النصارى تعبد عيسى، وهذه اليهود تعبد عزيراً. قال: فضج أهل مكة، فأنزل الله - -: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا [الأنبياء:101-102] قال: ونزلت وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57] قال: وهو الضجيج.
                                            وهذا الإيراد الذى أورده ابن الزبعرى لا يرد على الآية فإنه سبحانه قال: إِنَّكُمْ مخاطبا أهل مكة وهم عبدة الأوثان، وقال: وَمَا تَعْبُدُونَ ولم يقل ومن تعبدون، وما لما لا يعقل؛ فلا يدخل فيها الملائكة والمسيح وعزير، وإنما ذلك للأحجار ونحوها التى لا تعقل. وأيضا، فالسورة مكية، والخطاب فيها لعُبَّاد الأصنام، ولفظة إِنَّكُمْ ولفظة ما تبطل سؤاله، وهو رجل فصيح من العرب لا يخفى عليه ذلك، وإنما هو اللدد والخصومة. وأيضا، فإنه جعله من جهة القياس؛ أى إن كان كونه معبودا يوجب أن يكون حصب جهنم، فهذا المعنى بعينه موجود في الملائكة والمسيح. فأجيب بالفارق من وجوه:
                                            أحدها - أن الملائكة والمسيح وعزيراً ممن سبقت لهم الحسنى.
                                            الثانى - أن الأوثان حجارة غير مكلفة، فلو حصبت لها جهنم إهانة لها ولعابديها لم يكن فى ذلك من لايستحق العذاب. بخلاف الملائكة والمسيح وعزير فإنهم أحياء ناطقون، فلو حصبت بهم النار كان ذلك إيلاما وتعذيبا لهم.
                                            الثالث - أن من عبد هؤلاء بزعمه فإنه لم يعبدهم فى الحقيقة؛ فإنهم لم يدعوا إلى عبادتهم، وإنما عبد المشركون الشياطينَ، وتوهموا أن العبادة لهؤلاء.
                                            وقد برأ الله – سبحانه - ملائكته، والمسيح، وعزيرا، من ذلك فقال: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ40-41]
                                            وقال تعالى : وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأنبياء:26-29] فما عبد غير الله إلا الشيطان.[5]

                                            __
                                            [1] النكت والعيون1/92
                                            [2] تفسير ابن كثير1/152
                                            [3] صحيح: رواه الحاكم(3449)وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى فى التلخيص وابن القيم فى شفاء العليل/47
                                            [4] شفاء العليل/47(ط0مكتبة الإيمان)
                                            [5] وراجع فى هذا: تفسير القرآن العظيم1/152، وتفسير القرطبى1/370، وتفسير الماوردى1/92، وشفاء العليل لابن القيم/47، وإغاثة اللهفان له/435، ومجموع الفتاوى لابن تيمية4/314،136،134، ودقائق التفسير له 1/240،3/116

                                            تعليق


                                            • #22
                                              انتهينا من المقدمة ولله الحمد في الأسبوع الماضي
                                              واليوم نبدأ في أول القصص

                                              _
                                              [باب]
                                              [ذكر قصة جبريل ]
                                              معنى الاسم: قال الحافظ:[1] جبريل ومعناه عبد الله، وهو وإن كان سريانيا لكن وقع فيه موافقه من حيث المعنى للغة العرب؛ لأن الْجَبْرَ: إصلاح ما وَهَى ... وقد قيل إنه عربى، وأنه مشتق من جبروت الله، واستبعد؛ للاتفاق على منع صرفه. (وانظر ما سيأتى عند ذكر ميكائيل)
                                              اللغات فى جبريل ثلاث عشرة لغة وهى:
                                              الأولى: جِبْريل بكسر الجيم وسكون الموحدة التحتية وكسر الراء المهملة وسكون الياء المثناة التحتانية بغير همز ثم لام خفيفة. وهى قراءة أبى عمرو وابن عامر ونافع ورواية عن عاصم . وهى لغة أهل الحجاز.
                                              قال حسان بن ثابت:
                                              * وَجِبْريلٌ رسولُ الله فينا *

                                              الثانية: جَبْريل بفتح الجيم. قرأها ابن كثير.
                                              الثالثة: جَبْرَئيل بفتح الراء[2] ثم همزة. وهى قراءة أهل الكوفة. قرأ بها حمزة والكسائى، وأنشدوا:
                                              شَهِدْنَـا فما تَلْقَى لنـا مِنْ كتيبةٍ مَـدَى الدهـرِ إلا جَبـْرَئيل أَمَامَها

                                              قال القرطبى: هذه لغة تميم وقيس.
                                              الرابعة: جبرَئِل: قرأها يحيى بن يعمر ورويت عن عاصم.
                                              الخامسة: جبرَئِلّ: مثل الرابعة إلا أنها بتشديد اللام، رويت عن عاصم.
                                              السادسة: جبرائيل: بزيادة ألف بعد الراء ثم همزة ثم ياء ثم لام خفيفة.
                                              السابعة: جبراييل: بياءين بغير همزة، قرأها الأعمش ويحيى بن يعمر أيضا.
                                              الثامنة: جبرائل: بألف بعد الراء ثم همزة، وبها قرأ عكرمة.
                                              التاسعة: جَبْرال: بفتح الجيم ثم سكون وألف بعد الراء ولام خفيفة.
                                              العاشرة: جبرايل: بياء بعد الألف، قرأها أبو طلحة بن مصرف.
                                              الحادية عشر: جِبْرين.
                                              الثانية عشر: جَبْرين.
                                              الثالثة عشر: جبرائين.[3]
                                              قال الإمام جمال الدين ابن مالك ناظما منها سبع لغات:
                                              جِبْريل جَبْريل جبرائيـل جبرَئِل جبرَئيل وجبـرال وجبـرين
                                              [4]
                                              وذيل عليه السيوطي بالستة الباقية فقال:
                                              وجبرائل وجبراييـل مع بـدل جبرائل وبيـاء ثم جبـرين
                                              [5]
                                              ثم قال: وقولى: " مع بدل " إشارة إلى جبرائين؛ لأنه أبدل فيه الياء بالهمزة، واللام بالنون.[6]
                                              فائدة:
                                              قد يأتى الـ " جبر " بمعنى الرجل ولم يسمع إلا في شعر ابن أحمر وهو قوله:
                                              اشْـرَبْ بِـراوُوقٍ حييت به وانعـم صباحا أيها الجـبر




                                              [1] - فتح البارى6/ 364
                                              [2] - فتح الراء بدون إشباع حتى لا يتولد عن الإشباع ألف
                                              [3] - انظر فتح البارى6/ 364 وتفسير القرطبى1/ 428 وتنوير الحوالك شرح موطأ مالك للسيوطى1/ 14
                                              [4] هذا البيت يحتاج إلى إعادة نظر في ضبطه
                                              [5] وهذا البيت أيضا يحتاج إلى إعادة نظر في ضبطه
                                              [6] تنوير الحوالك1/ 14

                                              تعليق


                                              • #23
                                                [فصل]
                                                [ وصفه- - ]

                                                1-أنه عظيم الخَلْق بلغ من عظم خلقه أنه يسد ما بين السماء والأرض.
                                                فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ، وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَخَلْقُهُ، سَادٌّ مَا بَيْنَ الْأُفُقِ.[1]
                                                وعن عبد الله- هو ابن مسعود : لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:18] قال: رَأَى رَفْرَفاً أَخْضَرَ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ.[2]


                                                2- له ستمائة جناح:
                                                *فعن أبى إسحاق الشيباني قال: سألت زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عن قول الله تعالى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم:10،9] قال: حدثنا ابن مسعود: أنه رأى جبريل له ستمائة جناح.[3]


                                                3- ينتشر من ريشه ألوان مختلفة من الدر والياقوت:
                                                فعن ابن مسعود فى هذه الآية: وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:14،13] قال: قال رسول الله " رَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَلَه سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، يَنْتَشِرُ مِنْ رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ: الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ"[4]


                                                4- أنه - - حسن الخِلْقَة والهيئة:
                                                *قال تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:6،5] وقوله: ذُو مِرَّةٍ أى: ذو خَلْقٍ حسن وقيل: ذو قوة.


                                                5- أقرب الناس شبها به دحية بن خليفة الكلبي:
                                                وهو صحابي جليل كان أحسن الناس وجها وكان يضرب به المثل في حسن الصورة:
                                                قال ابن قتيبة في "غريب الحديث": فأما حديث ابن عباس: كان دحية إذا قدم المدينة لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه[5] فالمعنى بالمعصر: العاتق.
                                                وعن أَبِى عُثْمَانَ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ لَا تَكُونَنَّ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ: قَالَ وَأُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَ فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ: " مَنْ هَذَا ؟" أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللَّهِ يُخْبِرُ خَبَرَنَا.[6] أَوْ كَمَا قَالَ: قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا قَالَ مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.[7]
                                                وعن جابر بن عبد الله: أن رسول الله قال: "... وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهاً دِحْيَةٌ ".[8]
                                                وعند النسائي في حديث جبريل الطويل: "... وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَزَلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ".[9]

                                                __
                                                [1] *صحيح: رواه البخاري (7531،7380،4855،4612،3235،3234) ومسلم(177)
                                                [2] *صحيح: رواه البخاري (4858،3233)
                                                [3] *صحيح: رواه البخارى (4857،4756،3232) ومسلم (174)
                                                [4] *حسن: رواه أحمد (4396) والنسائي في التفسير (562) وأبو الشيخ في العظمة (504،503،376،345)
                                                [5] *ذكره الحافظ في الإصابة 1/473
                                                [6] قوله: " يخبر خبرنا " تصحيف نبه عليه عياض انظر فتح الباري 9/6 ولفظ الحديث عند البخارى: "يخبر خبر جبريل".
                                                [7] صحيح: رواه البخاري (4980) ومسلم (2451) وهو لفظه.
                                                [8] صحيح: رواه مسلم (167)
                                                [9] صحيح: رواه النسائي (5006)

                                                تعليق


                                                • #24
                                                  ** تتمة: في بيان معني "الرفرف" وبيان أنه لا يخالف قوله "رأي جبريل":
                                                  قد ورد في روايات الحديث المتقدمة:
                                                  - أنه رأي جبريل قد سد أفق السماء،
                                                  - وأنه رأي رفرفا أخضر قد سد الأفق،
                                                  - وفي رواية الحاكم: رأى رسول الله جبريل في حلة رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض.
                                                  فتبين من هذا أن المراد بالرفرف: إنما هو الحلة التي كان يلبسها جبريل - -
                                                  ويؤيده قوله تعالي: مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ [الرحمن:76]
                                                  وأصل الرفرف: ما كان من الديباج رقيقا حسن الصنعة. ثم اشتهر استعماله في الستر، وكل ما فضل من شيء فعطف وثني فهو رفرف. ويقال: رفرف الطائر بجناحيه إذا بسطهما.
                                                  وقال بعض الشراح: يحتمل أن يكون جبريل بسط أجنحته، فصارت تشبه الرفرف. كذا قال، والرواية التي أوردتها توضح المراد.[1]
                                                  لطيفة:
                                                  أفادت هذه الأحاديث أن الملائكة في صورتها الأصلية ترتدي الحلل وهو ما يؤكد أنها أجسام كما تقدم.
                                                  والله أعلم


                                                  [1] فتح الباري (8/765-766)

                                                  تعليق


                                                  • #25
                                                    [فصل]
                                                    [أسماؤه وصفاته]

                                                    الأول - جبريل: وقد تقدم.


                                                    الثاني - الروح: قال تعالي: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4]
                                                    وقال تعالي: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا [النبأ:38]
                                                    وقال تعالي: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا [مريم:17]
                                                    وعن عائشة أن رسول الله كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ".[1]


                                                    الثالث - الروح الأمين: قال تعالي: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء:193]
                                                    قال ابن تيمية: أي أنه مؤتمن لا يزيد ولا ينقص؛ فإن الخائن قد يغير الرسالة.[2]


                                                    الرابع - روح القدس: قال تعالي: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [النحل:102] الإضافة هنا من إضافة الموصوف للصفة أي: الروح المقدس، والقدس الطهر.
                                                    وعن أبي هريرة أن عمر مَرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلي أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعت رسول الله يقول: " أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ". قال: اللهم نعم.[3]
                                                    ومن شعر حسان:
                                                    وجبريل رسـول الله فينا وروح القدس ليـس بـه خفـاء
                                                    الخامس إلي العاشر - وَصَفَهُ تعالي بست صفات في قوله تعالي: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير:19-21].


                                                    الخامس - رسول الله: فهو - - رسول الله من الملائكة إلي أنبيائه ورسله من البشر.


                                                    السادس - كريم: أي ملك شريف حسن الخلق بهي المنظر، وكَرَمُهُ علي ربه أنه جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء والرسل.


                                                    السابع – قوي: ومن قوته أنه رفع مدائن قوم لوط إلي السماء وقلبها، قال تعالي: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5]


                                                    الثامن - مكين: أي ذو مكانة عالية عند ربه. ومكانته عند ربه أنه جعله ثاني نفسه في قوله تعالي: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم:4].


                                                    التاسع - أنه مطاع في السماوات العلي، فهو -- إمام الملائكة.
                                                    فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ."[4]


                                                    العاشر - أمين: فهو أمين الوحي قال تعالي: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء:193]


                                                    الحادي عشر - ...

                                                    __
                                                    [1] صحيح: رواه مسلم (487)
                                                    [2] دقائق التفسير 3/521
                                                    [3] صحيح: رواه البخاري (6152،3212،453) ومسلم (2485 وهو لفظه، 2486 وفيه وجبريل معك)
                                                    [4] صحيح: رواه البخاري(7485،6040،3209) ومسلم(2637) وهو لفظه.

                                                    تعليق


                                                    • #26
                                                      الحادي عشر- الناموس: فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة... الحديث وفيه فأخبره رسول الله خبر ما رأي فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله علي موسي[1]
                                                      قال البخاري: الناموس صاحب السر الذي يطلعه بما يستره عن غيره[2]
                                                      وقال الحافظ: والناموس صاحب السر، كما جزم به المؤلف في أحاديث الأنبياء.
                                                      وزعم ابن ظفر: أن الناموس صاحب سر الخير، والجاسوس صاحب سر الشر.
                                                      والأول الصحيح الذي عليه الجمهور.
                                                      وقد سوي بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب.
                                                      والمراد بالناموس هنا: جبريل .[3]
                                                      فائدة:
                                                      قوله: "هذا الناموس الذي نزل الله علي موسي." ولم يذكر عيسي وإن كان متأخرا بعد موسي؛ لأنه كانت شريعته متممة ومكملة لشريعة موسي--ونسخت بعضها في الصحيح من قول العلماء، كما قال: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50]
                                                      وقول ورقة هذا كما قالت الجن: يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف:30][4]
                                                      الثاني عشر: أنه ينصر أولياء الله ويقهر أعداءه :قال تعالي: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9] وقد نزل في الحروب مع النبي كما سيأتي إن شاء الله تعالي.
                                                      الثالث عشر: أنه معلم النبي قال تعالي: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5]
                                                      الرابع عشر: أنه ولي النبي ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه. فعن ابن عباس أن عصابة من اليهود سألت النبي عن أشياء ومنها: قالوا: وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة ؟ فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: " فَإِنَّ وَلِيِّي جِبْرِيلٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيّا إِلَّا وَهْوَ وَلِيُّهُ[5]"


                                                      [1] صحيح: رواه البخاري (3، 3392، 4953، 4955، 4956، 4957، 6982)، ومسلم (160)
                                                      [2] فتح الباري: 6 /505
                                                      [3] فتح الباري 1 /34
                                                      [4] البداية والنهاية: 3 /8
                                                      [5] حسن: رواه أحمد (2514) وابن سعد في الطبقات 1 /83-84

                                                      تعليق


                                                      • #27
                                                        [فصل]
                                                        [ذكر أعماله ووظائفه –-]

                                                        أعماله - - كثيرة، أهمها الوحي إلي الأنبياء- - فهو رسول الله من الملائكة إلى رسله من البشر قال تعالي: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]
                                                        وأعماله -- غير الوحي عديدة منها:
                                                        - النزول بالعذاب والنقمةِ على الأمم المكذبة الكافرة.
                                                        - ومنها: الحروب مع الأنبياء،
                                                        - وغير ذلك.
                                                        وسنتعرض لأعماله بشيء من التفصيل كما يلي:
                                                        أولا: جبريل وخلق الجنة والنار:
                                                        فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ: فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ، قَالَ فَوَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: اذْهَبْ إِلَى النَّارِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا. فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا. فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا. فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا."[1]
                                                        فائدة:
                                                        قوله: " فحفت بالمكاره " قال السندي: أي جعلت سبل الوصول إليها المكاره والشدائد علي الأنفس؛ كالصوم والزكاة والجهاد ولعل لهذه الأعمال وجودا مثاليا ظهر بها في ذلك العالم وأحاطت الجنة من كل جانب وقد جاء الكتاب والسنة بمثله ومن جملة ذلك في قوله تعالي: وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ أي المسميات عَلَى الْمَلَائِكَةِ [البقرة:31] ومعلوم أن فيها المعقولات والمعدومات[2].
                                                        ثانيا:جبريل مع الأنبياء--:
                                                        * وفيه فصول:

                                                        ..................


                                                        [1] صحيح لغيره: رواه أبو داود (4744)، والترمذي وهو لفظه (2560) وقال: حسن صحيح، والنسائي (3772)، وأحمد (8870،8656،8406)، والحاكم (72،71) وقال: صحيح علي شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات ص154، وفي أسانيدهم محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي قال في التقريب: صدوق له أوهام. وللحديث شاهد عند البخاري ومسلم وصححه الشيخ الألباني - - في صحيح النسائي وفي تعليقه علي الطحاوية /22.
                                                        [2] حاشية السندي علي النسائي3/655

                                                        تعليق


                                                        • #28
                                                          الأمر لله؛ فقد تلف الويندوز مرة أخرى ولكن هذه المرة كنت قد احتفظت بنسخة من ملفاتي على "ون درايف" ثم أعدت تركيب الويندوز من جديد وذهبت إلى الـ"ون درايف" فوجدت ملفاتي كما رفعتها ولله الحمد، لكن لما بحثت عن "قصص الملائكة" النسخة المكتوبة على الوورد لأكتب هذه المشاركة لم أجدها، ولا أدري كيف لم أنتبه لذلك؟
                                                          وعلى كل حال الحمد لله فقد بقيت باقي الملفات كما هي



                                                          ثانيا:جبريل مع الأنبياء--:
                                                          وفيه فصول:


                                                          الفصل الأول
                                                          جبريل مع آدم

                                                          جبريل مخلوق قبل آدم --:
                                                          وهو مقتضى عموم قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ [البقرة: 34] وقد تقدم عند ذكر خلق الملائكة أن الله - - خلق آدم في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة

                                                          جبريل يسجد لآدم :
                                                          قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) [الحجر: 28 - 30]
                                                          وظاهر الآية الكريمة العموم، ولكن حكى الرازي وغيره قولين فيها للعلماء: هل الأمر بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض؟! أو عامٌّ لملائكة السماوات والأرض؟ وقد رجَّحَ كلَّ قولٍ طائفة
                                                          قلت: الأظهر أن الملائكة كلهم بما فيهم رؤساؤهم؛ جبريل وميكائيل وإسرافيل وحملة العرش والحافون من حول العرش وملائكة السماوات وملائكة الأرض كلهم عن بكرة أبيهم سجدوا لأمر الله تعالى
                                                          والْمَلَآئِكَة في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: 30] لفظ عامٌّ فيه احتمال الخصوص؛ لأنه جمع معرف بالألف واللام فيفيد العموم، ولكنه يحتمل التخصيص بأن يكون بعض الملائكة لم يسجد، فلما قال: كُلُّهُمْ انتفى احتمال الخصوص، وهذا يسمى "بيان تقرير"[1].
                                                          ولما قال: أَجْمَعُونَ انتفى احتمال سجودهم متفرقين، وهذا يسمى "بيان تفسير"[2]، فقد فسَّرَ كيفية سجودهم وقطع احتمال تأويل الافتراق[3].
                                                          وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية: هل كان جبريل وميكائيل مع من سجد؟
                                                          فأجاب: الحمد لله، بل أسجد له جميع الملائكة، كما نطق بذلك القرآن في قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: 30] فهذه ثلاث صيغ مقررة للعموم وللاستغراق فإنّ قوله: الْمَلَآئِكَةُ يقتضي جميع الملائكة؛ فإن اسم الجمع المعرف بالألف واللام يقتضي العموم؛ كقوله: "رب الملائكة والروح"[4] فهو رب جميع الملائكة.
                                                          الثاني – كُلُّهُمْ وهذا من أبلغ العموم
                                                          الثالث – قوله: أَجْمَعُونَ وهذا توكيد للعموم
                                                          فمن قال: إنه لم يسجد له جميع الملائكة بل ملائكة الأرض فقد رَدَّ القرآن بالكذب والبهتان[5].


                                                          [1] بيان التقرير: هو بيان يقطع احتمال تخصيص اللفظ إن كان عامًّا، واحتمال التأويل إن كان خاصًّا فيجعله مؤكَّدًا؛ مثل آية: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: 36] فهو بيان تقرير، ومثل قول الرجل لامرأته: طلقي نفسك مرة واحدة، فقد نَفَى لفظُ "واحدة" إمكان التطليق أكثر من مرة.
                                                          [2] بيان التفسير: هو بيان يزيل الخفاء المحيط بالكلام، ويجعله واضحا؛ مثل قوله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر: 30]
                                                          [3] القواعد التأصيلية 184-185.
                                                          [4] صحيح: وقد تقدم
                                                          [5] مجموع الفتاوى 4/ 345.

                                                          تعليق


                                                          • #29
                                                            ذَكَرَ بعض الإخوة الكرام أن ابن هشام رَدَّ قولَ مَنْ قال إن أجمعون في الآية تفيد انتفاء سجودهم متفرقين، وسأل هل مِنْ مرجح قولا على قول:
                                                            والجواب على ذلك، وبالله التوفيق:
                                                            أن المسألةَ فيها قولان:
                                                            الأول- من ذهب إلى أن أجمعون في قوله : فسجد الملائكة كلهم أجمعون لا يفيد إلا زيادة التوكيد فقط، كما تجتمع إنّ مع اللام في مثل قوله : وإنك لعلى خلق عظيم وهذا عليه أكثر النحويين ومنهم ابن هشام وابن يعيش شارح المفصل والعكبري وغيرهم
                                                            الثاني- من ذهب إلى أن أجمعون في قوله : فسجد الملائكة كلهم أجمعون فيه مع زيادة التوكيد رفع توهم أنهم سجدوا متفرقين
                                                            وممن ذهب إلى هذا: المبرد كما في الانتصار لسيبويه على المبرد لابن ولاد ت زهير سلطان (ص: 107) ط. الرسالة، والزجاج كما في اللباب في علل البناء والإعراب للعكبري ت النبهان (1/ 403) ط. دار الفكر، وأبو الحسن محمد بن عبد الله بن العباس الوراق كما في علل النحو له ت. الدرويش (ص: 259) ط. الرشد، وظاهر كلام ابن الخباز في توجيه اللمع لابن جني ت. فايز دياب (ص: 271) ط. دار السلام، وغيرهم
                                                            والظاهر أن الراجحَ المذهبُ الأولُ؛ لأنه لو أريد بقوله: أجمعون معنى مجتمعين لكان حالا فوجب نصبه، قال ابن يعيش في شرح المفصل (2/ 221 -222) ط. العلمية: "... واعلمْ أنّه قد ذهب قومٌ إلى أن في "أجمع" فائدةً ليست في "كُل"، وذلك أنّك إذا قلت: "جاءني القومُ كلُّهم"، جاز أن يجيئوك مجتمعِين، ومفترِقين، فإذا قلت: "أجمعون"؛ صارت حالُ القوم الاجتماعَ، لا غيرُ، وذلك ليس بسديدٍ. والصوابُ أنّ معناهما واحدٌ من قِبَل أن أصلَ التأكيد إعادةُ اللفظ، وتَكْرارُه، وإنّما كرِهوا تَواليهما بلفظ واحد، فأبدلوا من الثاني لفظًا يدل على معناه، فجاؤوا بـ "كُلّ" و"أَجْمَعَ"، لِيدلّوا بهما على معنَى الأول، ولو كان في الثاني زيادةُ فائدة، لم يكن تاكيدًا؛ لأنّ التأكيد تمكينُ معنَى المؤكَّد. ألا تراك إذا قلت: "ضربتُ ضَرْبًا"، كان المصدرُ تأكيدًا, ولو قلت: "ضربتُ ضربًا شديدًا، أو الضربَ المعروفَ"، لم يكن تأكيدًا، لأنّه قد دل على ما لم يدل عليه الفعلُ، فكذلك لو دل "أجمع" على ما لم يدل عليه الأوّل، لم يكن تأكيدًا. ومع هذا لو أريد بـ "أجمع" معنَى الاجتماع، لوَجَبَ نصبُه, لأنّه يكون حالًا, لأنّ التقدير: فَعَلَ ذلك في هذِه الحال." ا.هـ
                                                            وقال ابن هشام في شرح شذور الذهب ت الدقر (ص: 553): "مَسْأَلَة قَالَ بعض الْعلمَاء فِي قَوْله تَعَالَى: فَسجدَ الْمَلَائِكَة كلهم أَجْمَعُونَ: فَائِدَةُ ذِكْرِ كل رفع وهم من يتَوَهَّم أَن الساجد الْبَعْض، وَفَائِدَة ذكر أَجْمَعُونَ رفع وهم من يتَوَهَّم أَنهم لم يسجدوا فِي وَقت وَاحِد بل سجدوا فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلفين وَالْأول صَحِيح وَالثَّانِي بَاطِل بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: لأغوينهم أَجْمَعِينَ لِأَن إغواء الشَّيْطَان لَهُم لَيْسَ فِي وَقت وَاحِد فَدلَّ على أَن أَجْمَعِينَ لَا تعرض فِيهِ لِاتِّحَاد بِالْوَقْتِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ كمعنى كل سَوَاء وَهُوَ قَول جُمْهُور النَّحْوِيين وَإِنَّمَا ذكر فِي الْآيَة تَأْكِيدًا على تَأْكِيد كَمَا قَالَ تَعَالَى: فمهل الْكَافرين أمهلهم رويدا" ا.هـ
                                                            والله أعلم


                                                            [الفصل الثاني]
                                                            [جبريل مع إبراهيم--]
                                                            نزل جبريل مع ميكائيل وإسرافيل - - لبشارة إبراهيم الخليل بإسحاق ويعقوب - - ( انظر ماسيأتي عند ذكر ميكائيل - -)
                                                            واعلم أن أكثر ما وقفت عليه من الأخبار في شأن جبريل وإبراهيم - - إنما هو من الضعيف والإسرائيليات التي يتوقف فيها فلذا رأيت ألا أطيل بذكرها.

                                                            تعليق


                                                            • #30
                                                              [الفصل الثالث]
                                                              [جبريل مع لوط ]

                                                              قال المفسرون: لما خرج جبريل وميكائيل وإسرافيل - - من عند إبراهيم الخليل - - توجهوا إلي قرية سدوم من أرض غور زغر، في صور شبان حسان؛
                                                              - اختبارا من الله -تعالي- لقوم لوط،
                                                              - وإقامة للحجة عليهم
                                                              فطلبوا من لوط - - أن يضيفهم، فخشي إن لم يضيفهم أن يأخذهم قومه، وهم قوم سوء فاسقين: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ [هود:77] أي هذا يوم بلاؤه شديد؛ وذلك لما يعلم من مدافعته عنهم؛ وذلك أن قومه قد اشترطوا عليه ألا يضيف أحدا.
                                                              وانطلق لوط - - مع الملائكة الكرام، وهو يحسبهم بشرا، فجعل يعرض لهم في الكلام؛ لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلون في غيرها.
                                                              فقال لهم: والله يا هؤلاء، ما أعلم علي وجه الأرض أهل بيت أخبث من هؤلاء.
                                                              ثم مشي قليلا، وأعاد عليهم ذلك، حتي كرره أربع مرات.
                                                              فخرجت امرأة لوط، فأخبرت قومها أن في بيت لوط رجالا لم يُرَ أجمل منهم؛ فجاءه قومه يهرعون إليه، يريدون أن يأخذوا ضيفه، فأرشدهم إلي غشيان نسائهم: قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ [هود:78] فالنبي للأمة بمنزلة الوالد، كما قال تعالي: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]
                                                              وجعل لوط - - يمانع قومه الدخول، ويدافعهم، والباب مغلق وهم يحاولون فتحه، وولوجه، وهو يَعِظُهُم، وينهاهم من وراء الباب: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود:78] وهذه شهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل فيه خير، بل جميعهم سفهاء وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوه منه قبل أن يسألوه عنه.
                                                              فلما ضاق الأمر، وعسر الحال، قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود:80] أي: لأحللت بكم النكال، فقالت الملائكة: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ [هود:81]
                                                              فخرج جبريل - - فضرب وجوههم بطرف جناحه؛ فطمست أعينهم حتي قيل إنها غارت بالكلية: وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ [القمر:37] ولم يبق لأعينهم محل، ولا عين، ولا أثر.
                                                              فرجعوا يتحسسون مع الحيطان، ويتوعدون رسول الرحمن، ويقولون: إذا كان من الغد، كان لنا وله شأن.
                                                              فأمرت الملائكة لوطًا - - أن يسري هو وأهله من آخر الليل: وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ [هود:81] عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه، وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم، وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81]
                                                              فلما خرج لوط - - بأهله وهم ابنتاه فقط، لم يتبعه منهم رجل واحد
                                                              فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب؛
                                                              - فاقتلع جبريل - - مدائن قوم لوط بطرف جناحه من قرارهن،
                                                              - ورفعها بمن فيها من الناس وما معهم من الحيوانات، وما يتبع تلك المدن من الأرض، والأماكن، وغير ذلك فرفع الجميع حتي بلغ بهن عنان السماء حتي سمعت الملائكة أصوات ديكتهم، ونباح كلابهم،
                                                              - ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر:74]
                                                              والسجيل: هو الصلب الشديد القوي،
                                                              وأما منضود فمعناه: يتبع بعضها بعضا في نزولها من السماء: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ [هود:82]


                                                              هذا، وقد رويت في قصة جبريل - - مع قوم لوط آثار كثيرة، نذكر إحداها اكتفاءاً بما ذكرناه من سرد القصة، فعن مجاهد - تعالى - في قوله تعالي: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم:53] قال: يعني قوم لوط أهوي بها جبريل، ورفعها إلي السماء، ثم أهوي بها.[1]


                                                              [1] حسن: رواه أبو الشيخ في العظمة (372،371)

                                                              تعليق


                                                              • #31
                                                                [الفصل الرابع]
                                                                [جبريل-- مع قوم يس]

                                                                وهم أصحاب القرية الذين ذكرهم الله - تعالي - في قوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [يس:13-29]
                                                                فأهل هذه القرية كذبوا الرسولين اللذين أرسلهما الله - - إليهم
                                                                ثم الرسول الثالث
                                                                وقتلوا الرجل الذي جاءهم ناصحا من أقصي المدينة
                                                                فلما فعلوا ذلك لم ينزل الله – تعالي - عليهم جندا من السماء للانتقام منهموَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ يعني: وما كنا نحتاج في الانتقام إلي هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا
                                                                إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ فبعث الله-- جبريلَ - - إليهم فأخذ بعضادتي الباب الذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة أخمدت أصواتهم، وسكنت حركاتهم، ولم يبق منهم عين تطرف.

                                                                تعليق


                                                                • #32
                                                                  [الفصل الخامس]
                                                                  [جبريل الأمين مع موسي الكليم ]

                                                                  جبريل وهلاك فرعون :
                                                                  لما خرج موسي ومن معه هربا من فرعون وجنوده اتبعهم فرعون وجنوده ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته فلحقوهم عند شروق الشمس فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء:60]
                                                                  ورأي كل فريق صاحبه رأي العين فعند ذلك قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]
                                                                  فقال لهم: إني أمرت أن أسلك ها هنا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]
                                                                  فلما اقترب فرعون وجنوده يحدوهم غضبهم ويسرع بهم حتفهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وزلزل أصحاب موسي زلزالًا شديداً، أوحي الله - - إليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63]
                                                                  فلما ضربه انفلق بإذن الله – تعالي - وصار فيه طريقا يابسا فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه:77] فمرموسي ومن معه من المؤمنين
                                                                  حتي إذا مر آخرهم إذا فرعون يصل هو وجنوده إلي حافته من الناحية الأخري.
                                                                  فلما رأي ما صار إليه أمر البحر؛ خاف وفزع وهمّ بالرجوع
                                                                  فذكر المفسرون: أن جبريل - - ظهر في صورة فارس راكب علي فرس حائل: غير حامل تشتهي الفحل، فمر إلي جانب حصان فرعون، فحمحم إليها، فأسرع جبريل - - فاقتحم البحر ودخله؛ فاقتحم وراءه حصان فرعون، وفرعون لا يريد ذلك، ولا يملك لنفسه حولا ولا قوة ولا ضرا ولا نفعا.
                                                                  فلما رأي أن حصانه اقتحم البحر رغما عنه أظهر التجلد لأمرائه وجنوده، وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منا. فلما رأته الجنود قد سلك البحر، اقتحموه وراءه مسرعين.
                                                                  وكان ميكائيل - - في مؤخرتهم لا يترك منهم أحداً إلا ألحقه بهم، وكان جبريل - - في مقدمتهم يسوقانهم نحو البحر. حتي إذا تكاملوا عن آخرهم، واقترب أولهم من الوصول إلي الناحية الأخري والخروج، أمر الله -- موسي -- أن يضرب البحر بعصاه، فضربه؛
                                                                  فعاد البحر كما كان،
                                                                  وأخذ الموج فرعون وجنوده فرفعهم وخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون، وغشيته سكرات الموت،
                                                                  فقال وهو كذلك: آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90]
                                                                  فعند ذلك جعل جبريل - - يأخذ من طين البحر، وأوحاله فيدسه في فم فرعون؛ مخافة أن يقول لا إله إلا الله، فتسبق رحمة الله فيه غضبه؛ فيمهله في الدنيا، فيعود كما كان: كافرا معاندا، بل وسيشتد كفره وعناده، ولعله يوهم بعض الجاهلين، أو ضعيفي الإيمان ممن جاوز مع موسي البحر، أو غيرهم أنه إله، كما كان يزعم، وأنه لا يموت، بل إن الموت ليس له إليه سبيل. ولا عجب أن يغتر به - والحال هذه - أمثال هؤلاء. والله أعلم.


                                                                  ومما ورد في ذلك:
                                                                  عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " قَالَ لِى جِبْرِيلٌ: لَوْ رَأَيْتَنِى وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ[1] فَأَدُسُّهُ فِى فَمِ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ."[2]


                                                                  إشكال وجوابه:...


                                                                  [1] من حال البحر : أى من طين البحر .
                                                                  [2] صحيح لغيره: رواه أبو داود الطيالسى فى مسنده (2618) ومن طريقه البيهقى فى شعب الإيمان (9393) وابن أبى حاتم فى تفسيره (11400) والضياء فى المختارة (258) قال أبو داود: حدثنا شعبة عن عدى بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله فذكره. وجاء من طرق أخرى عن شعبة فرواه عنه :
                                                                  - محمد بن جعفر: عند أحمد (2144-3154) والنسائى فى الكبرى (11238) والحاكم فى المستدرك (188) وابن حبان فى صحيحه (6215) والتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان للشيخ الألبانى (6182) وقال : صحيح لغيره. والبزار فى مسنده (5018) والضياء فى المختاره (257) وابن جرير فى التفسير (17858/شاكر).
                                                                  - وخالد بن الحارث: أخرجه الترمذى (3108) وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والحاكم (189) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى. و(7634) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد من حديث على بن زيد. وقال الذهبى: صحيح.
                                                                  - وأبو النضر: أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان (9392) قال تلاثتهم ( محمد بن جعفر وخالد بن الحارث وأبو النضر): رفعه أحدهما - يعنى عطاء بن السائب وعدى بن ثابت - إلى النبى هكذا بالشك قال البيهقى: رفعه أبو داود عن شعبة عنهما من غير شك فذكر طريق أبى داود الطيالسى السابق.
                                                                  - والنضر بن شميل: رواه عنه ثلاثة من الثقات مرفوعا من طريق عدى بن ثابت وحده وهم: إسحاق بن راهويه وحميد بن زنجويه كما فى تاريخ بغداد 5/276 وسعيد بن مسعود أخرجه الحاكم (3303) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس. وقال الذهبى: على شرط البخارى ومسلم. وخالف الثلاثة محمدُ بنُ رجاء السندى فرواه عن النضر موقوفا رواه ابن أبى الدنيا فى العقوبات/245 ومن طريقه الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد (5/276) والمرفوع أصح.
                                                                  - وعمرو بن محمد العنقزى: أخرجه ابن جرير فى تفسيره (17859/ شاكر) بدون شك .
                                                                  - وعمرو بن حكام: من طريق عطاء بن السائب وحده مرفوعا أخرجه ابن جرير فى التفسير (17865/ شاكر) والخطيب البغدادى فى تاريخه 2/87
                                                                  - ورواه وكيع عن شعبة به موقوفا كما فى تاريخ بغداد 5/276 وهو شاذ .
                                                                  وللحديث طريقان وثلاث شواهد فأما الطريقان فأحدهما: عن أبى صالح عن ابن عباس أخرجه ابن مردويه كما فى الدر المنثور 4/386
                                                                  والآخر من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس مرفوعا رواه أحمد (2820) والترمذى (3107) وقال: حسن، والحاكم (7635) والطيالسى (2693) وعبد بن حميد فى مسنده (664) والطبرانى فى الكبير (12932) وابن جرير فى التفسير (17861/شاكر) وابن أبى حاتم فى التفسير (11399) والخطيب البغدادي فى تاريخه 8/101وابن عبد الحكم فى " فتوح مصر " /30
                                                                  وللحديث طريق آخر رواه السرقسطى فى " غريب الحديث " كما فى " تخريج الأحاديث والآثار الواقعة فى تفسير الكشاف " للزيلعى. وابن أبى حاتم فى تفسيره (11401) كلاهما من طريق أبى خالد الأحمر عن عمر بن يعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا وهذا طريق ضعيف جدا لضعف عمر بن يعلى قال فيه ابن أبى حاتم والدارقطنى : متروك الحديث، وقال البخارى يتكلمون فيه. وقيل: إنه كان يشرب الخمر .
                                                                  وأما الشواهد :
                                                                  فأحدها- عن أبى هريرة رواه البيهقى فى الشعب (9390) وابن جرير فى التفسير (17860) وابن عدى فى الكامل 2/381 والجرجانى فى تاريخ جرجان (306) من طريق كثير بن زاذان عن أبى حازم عن أبى هريرة مرفوعا نحوه وتابع كثيراَ سعيدُ بنُ مسروق به رواه الطبرانى فى الأوسط (5823) وذكره الهيثمى فى " مجمع الزوائد " (11070) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثورى وضعفه جماعة.
                                                                  ثانيها- عن ابن عمر رواه الطبرانى فى مسند الشاميين (1569) وابن مردويه كما فى الدر المنثور 4/387 وابن عساكر فى تاريخ دمشق 53/124
                                                                  ثالثها- عن أبى أمامة مرفوعا رواه أبو الشيخ كما فى الدر المنثور 4/387 وفتح القدير للشوكانى 2/680 نحوه.


                                                                  هذا، وقد ذهب الشيخ شعيب الأرناؤوط إلى أن هذا الحديث صحح موقوفا وأما الشيخ الألبانى - تعالى - فصححه مرفوعا وهو الصواب إن شاء الله تعالى.


                                                                  والله أعلم .

                                                                  تعليق


                                                                  • #33
                                                                    إشكال وجوابه:

                                                                    اعترض الفخر الرازي على هذا الحديث فقال: هل يصح أن جبريل أخذ يملأ فمه بالطين لئلا يتوب غضباً عليه ؟
                                                                    والجواب الأقرب: أنه لا يصح لأن في تلك الحالة إما أن يقال: التكليف هل كان ثابتاً أم لا ؟ فإن كان ثابتاً فلا يجوز لجبريل أن يمنعه من التوبة، بل يجب عليه أن يعينه على التوبة، وعلى كل طاعة. وإن كان التكليف زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت، فحينئذ لا يبقى لهذا الذي نسب إلى جبريل فائدة.
                                                                    وأيضاً، لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر، والرضا بالكفر كفر.
                                                                    وأيضاً، فكيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان؟
                                                                    ولو قيل: إن جبريل فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله فهذا يبطله قول جبريل: وما نتنزل إلا بأمر ربك.
                                                                    فهذا وجه الإشكال الذي أورده الفخر الرازي على هذا الحديث في كلام أكثر من هذا.
                                                                    وقد أجاب الخازن فى تفسيره على هذا الاعتراض بما لا مزيد عليه؛ فرأيت نقله بنصه لأهميته.
                                                                    قال: والجواب عن هذا الاعتراض أن الحديث قد ثبت عن النبي فلا اعتراض عليه لأحد.
                                                                    وأما قول الإمام: إن التكليف هل كان ثابتاً في تلك الحالة أم لا ؟ فإن كان ثابتاً لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة. فإن هذا القول لا يستقيم على أصل المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
                                                                    وهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، فإنهم يقولون: إن الله يحول بين الكافر والإيمان، ويدل على ذلك قوله تعالى: واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وقوله تعالى: وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم وقال تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة فأخبر الله أنه قَلَّب أفئدتهم؛ مثل تَرْكِهِمُ الإيمان به أول مرة.
                                                                    وهكذا فَعَلَ بفرعون: مَنَعَهُ من الإيمان عند الموت جزاء على تركه الإيمان أولاً.
                                                                    فَدَسُّ الطين في فم فرعون، من جنس الطبع والختم على القلب ومنع الإيمان وصون الكافر عنه وذلك جزاء على كفره السابق. وهذا قول طائفة من المثبتين للقدر القائلين بخلق الأفعال لله.
                                                                    ومن المنكرين لخلق الأفعال من اعترف -أيضاً- أن الله -- يفعل هذا عقوبة للعبد على كفره السابق؛ فيحسن منه أن يضله ويطبع على قلبه ويمنعه من الإيمان.


                                                                    فأما قصة جبريل مع فرعون فإنها من هذا الباب فإن غاية ما يقال فيه: إن الله منع فرعون من الإيمان وحال بينه وبينه عقوبة له على كفره السابق وَرَدِّهِ للإيمان لَمَّا جاءه.
                                                                    وأما فِعْلُ جبريل من دس الطين في فيه فإنما فعل ذلك بأمر الله لا من تلقاء نفسه.


                                                                    فأما قول الإمام: لم يجز لجبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب عليه أن يعينه عليها وعلى كل طاعة.
                                                                    هذا إذا كان تكليف جبريل كتكليفنا يجب عليه ما يجب علينا.
                                                                    وأما إذا كان جبريل إنما يفعل ما أمره الله به والله - - هو الذي منع فرعون من الإيمان وجبريل منفذ لأمر الله فكيف لا يجوز له منعُ مَنْ مَنَعَهُ اللهُ من التوبة؟! وكيف يجب عليه إعانة من لم يُعِنْهُ اللهُ؟! بل قد حكم عليه وأخبر عنه أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم حين لا ينفعه الإيمان.
                                                                    وقد يقال: إن جبريل إما أن يتصرف بأمر الله فلا يفعل إلا ما أمر الله به، وإما أن يفعل ما يشاء من تلقاء نفسه لا بأمر الله. وعلى هذين التقديرين فلا يجب عليه إعانة فرعون على التوبة، ولا يحرم عليه منعه منها؛ لأنه إنما يجب عليه فعل ما أُمِر به، ويحرم عليه فعل ما نهي عنه. والله - - لم يخبر أنه أمره بإعانة فرعون، ولا حرم عليه منعه من التوبة وليست الملائكة مكلفين كتكليفنا.


                                                                    وقوله: وإن كان التكليف زائلاً عن فرعون في ذلك الوقت فحينئذ لا يبقى هذا الذي نسب إلى جبريل فائدة.
                                                                    فجوابه أن يقال: إن للناس في تعليل أفعال الله قولين:
                                                                    أحدهما- أن أفعاله لا تعلل. وعلى هذا التقدير فلا يرد هذا السؤال أصلاً وقد زال الإشكال.
                                                                    والقول الثاني- إن أفعاله لها غاية بحسب المصالح لأجلها فَعَلها.
                                                                    وكذا أوامره ونواهيه لها غاية محمودة محبوبة لأجلها أمر بها ونهى عنها.
                                                                    وعلى هذا التقدير قد يقال: لما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وقد علم جبريل أنه ممن حقت عليه كلمة العذاب، وأن إيمانه لا ينفعه، دس الطين في فيه؛ لتحقق معاينته للموت؛ فلا تكون تلك الكلمة نافعة له.
                                                                    وأنه وإن كان قالها في وقت لا ينفعه؛ فدس الطين في فيه تحقيقاً لهذا المنع.
                                                                    والفائدة فيه تعجيل ما قد قضي عليه، وسد الباب عنه سداً محكماً بحيث لا يبقى للرحمة فيه منفذ، ولا يبقى من عمره زمن يتسع للإيمان؛ فإن موسى لما دعا ربه بأن فرعون لا يؤمن حتى يرى العذاب الأليم، والإيمان عند رؤية العذاب غير نافع، أجاب الله دعاءه.
                                                                    فلما قال فرعون تلك الكلمة عند معاينة الغرق استعجل جبريل فدس الطين في فيه؛ لييأس من الحياة ولا تنفعه تلك الكلمة وتحقق إجابة الدعوة التي وعد الله موسى بقوله قد أجيبت دعوتكما، فيكون سعي جبريل في تكميل ما سبق في حكم الله أنه يفعله، فيكون سعي جبريل في مرضاة الله - - منفذاً لما أمره به وقدره وقضاه على فرعون .


                                                                    وأما قوله: لو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر. فجوابه ما تقدم من أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وجبريل إنما يتصرف بأمر الله ولا يفعل إلا ما أمره الله به، وإذا كان جبريل قد فعل ما أمره الله به ونفذه فإنما رضي بالأمر لا بالمأمور به، فأي كفر يكون هنا؟!
                                                                    وأيضاً فإن الرضا بالكفر إنما يكون كفراً في حقنا؛ لأنا مأمورون بإزالته بحسب الإمكان، فإذا أقررنا الكافر على كفره ورضينا به كان كفراً في حقنا لمخالفتنا ما أمرنا به. وأما من ليس مأموراً كأمرنا، ولا مكلفاً كتكليفنا، بل يفعل ما يأمره به ربه، فإنه إذا نفذ ما أمره به لم يكن راضياً بالكفر، ولا يكون كفراً في حقه.
                                                                    وعلى هذا التقدير؛ فإن جبريل لما دس الطين في فِيِّ فرعون كان ساخطاً لكفره غير راض به
                                                                    والله - - خالق أفعال العباد خيرها وشرها وهو غير راض بالكفر، فغاية أمر جبريل مع فرعون أن يكون منفذاً لقضاء الله وقدره في فرعون من الكفر، وهو ساخط له غير راض به.


                                                                    وقوله: كيف يليق بجلال الله أن يأمر جبريل بأن يمنعه من الإيمان؟
                                                                    فجوابه: أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل.


                                                                    وأما قوله: وإن قيل: إن جبريل إنما فعل ذلك من عند نفسه لا بأمر الله.
                                                                    فجوابه: أنه إنما فعل ذلك بأمر الله منفذاً لأمر الله والله أعلم بمراده وأسرار كتابه .[1]




                                                                    [1] تفسير الخازن المسمى " لباب التأويل فى معانى التنزيل" 3/423 (يراجع رقم الجزء والصفحة) والخازن هو: أبو الحسن على بن محمد بن إبراهيم بن عمر الشيحى .

                                                                    تعليق


                                                                    • #34
                                                                      ** جبريل – – وخبر السامرى :
                                                                      قال تعالى: -: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه:83-98]
                                                                      لما ذهب موسى - - إلى ميقات ربه - - عمد رجل من جيران بنى إسرائيل يقال له هارون السامرى فأخذ ما كانوا استعاروه من الحلى فصاغ منه عجلا لأنه كان من قوم يعبدون البقر وألقى فى هذا العجل قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل – - حين رآه يوم أغرق الله فرعون فلما ألقاها فيه خار كما يخور العجل الحقيقى – زعموا - وزعم بعضهم أنه صار عجلا حقيقيا. وقيل: بل كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فيه فيخور كما تخور البقرة فيرقصون حوله ويفرحون فقالوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أى فنسى موسى ربه عندنا فذهب يطلبه هناك تعالى الله عما يقولون علوا كبيراَ. فلما رجع موسى إلى قومه وعلم ما فعل السامرى قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ أى ما حملك على ماصنعت قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أى رأيت جبريل –- راكبا فرسا فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أى من أثر فرس جبريل. وذكر بعضهم أنه رآه وكلما وطئت فرسه بحوافرها على موضع اخضرَّ وأعشب فأخذ من أثر حافرها فلما ألقاه فى هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان. والله أعلم.


                                                                      ومما ورد فى ذلك:
                                                                      عن مجاهد فى قوله: بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة:54] قال: كان موسى أمر قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضا بالخناجر فجعل الرجل يقتل أباه ويقتل ولده فتاب الله عليهم. قال: والعجل حلىٌ استعاروه من آل فرعون فقال لهم هارون: احرقوه فأحرقوه وكان السامرى أخذ قبضة من أثر فرس جبريل فطرحها فيه فانسبك فكان له كالجوف فهوى فيه الريح فقال السامرى: هذا إلهكم وإله موسى.[1]


                                                                      [1] - حسن: رواه محمد بن نصر فى "تعظيم قدر الصلاة" رقم (792)

                                                                      تعليق


                                                                      • #35
                                                                        [الفصل السادس]
                                                                        [جبريل مع شمويل النبى –]
                                                                        ذكر المفسرون: أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بنى إسرائيل، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، وسبَواْ من أبنائهم جمعاً كثيرا، وانقطعت النبوة من سبط لَاوَى، ولم يبق فيهم إلا امرأة حبلى، جعلت تدعو الله – - أن يرزقها ولدًا ذكرا، فولدت غلاما، فسمته أشمويل، ومعناه بالعبرانية: إسماعيل: أي سمع الله دعائي، فلما ترعرع بعثتْه إلى المسجد، وأسلمته إلى رجل صالح فيه يكون عنده؛ ليتعلم من خيره وعبادته، فكان عنده، فلما بلغ أَشُدَّهُ بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوتٌ يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعورا، فظن أن هذا الصوتَ هو صوتُ الشيخ وأنه يدعوه، فسأله: أدعوتنى؟ فكَرِهَ الشيخُ أن يفزعه فقال: نعم، اذهب فنم. فقام. ثم ناداه الثانية، فكذلك، ثم الثالثة، فإذا جبريل- - يدعوه، فقال: إن ربك قد بعثك إلى قومك. فكان من أمره معهم ما قص الله فى كتابه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246][1].



                                                                        [1] - انظر قصص الأنبياء لابن كثير 351-352، والبداية والنهاية 2/،5 وتفسير القرآن العظيم 1/378، وتفسير البغوى 1/253، وتفسير الخازن 1/235.

                                                                        تعليق


                                                                        • #36
                                                                          [الفصل السابع]
                                                                          [جبريل- - مع مريم الصِّدِّيقة العذراء البتول]

                                                                          قال تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا إلى قوله: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم:16-26]
                                                                          قالوا: كانت مريم الصديقة لا تخرج من المسجد إلا فى زمن حيضها أو لحاجة ضرورية لابد منها من استقاء ماء أو تحصيل غذاء فبينما هي يوما قد خرجت لبعض شئونها انتبذت أي انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى إذ بعث الله إليها الروح الأمين جبريل - - فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا فلما رأته قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا علمتْ أن التقي ذو نهية: أي ذو عقل ينهاه ويمنعه عن الفاحشة إذا ذُكِّر بالله وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل فخوفته بالله - - أولاً
                                                                          قال: إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ أي لست بشراً ولكنني مَلَك بعثني الله إليك لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا
                                                                          فقالت: كيف يكون لي غلام أو يوجد لي ولد: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
                                                                          فأجابها الملَك عن تعجبها من وجود ولد منها والحالة هذه بأن هذا أمر يسير سهل هين على الله - - وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ على كمال قدرتنا على أنواع الخلق فإنه تعالى خلق آدم -- من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى -- من أنثى بلا ذكر وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى
                                                                          وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا يحتمل أن يكون هذا من تمام كلام جبريل معها أي أن هذا أمر قضاه الله وحتمه وقدره.
                                                                          ويحتمل أن يكون قوله: وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا كناية عن نفخ جبريل فيها كما قال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا [التحريم:12]
                                                                          وذكر غير واحد من السلف أن جبريل - - نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة إلى فرجها فحملت من فورها.
                                                                          ومن زعم أنه نفخ فى فمها أو أن الذى كان يخاطبها هو روح عيسى الذى ولج فيها من فمها فقوله خلاف ما يفهم من سياقات القصة فى محالها من القرآن فإن هذا السياق يدل على أن الذي أرسل إليها ملَك من الملائكة وهو جبريل - - وأنه إنما نفخ فيها
                                                                          ولم يواجه الملَكُ الفرجَ بل نفخ في جيبها فنزلت النفخة إلى فرجها كما قال تعالى: فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا فدل على أن النفخة ولجت فيه لا فى فمها.
                                                                          ولما حملت اضطرها المخاض - وهو الطلق- وألجأها إلى جذع النخلة قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا وفي هذا دليل على جواز تمني الموت عند الفتن.
                                                                          وعند ذلك ناداها جبريل - -: فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا أى نهرا تشربين منه.[1]


                                                                          [1] انظر قصص الأنبياء/427-431 والبداية والنهاية 1/54-55 وتفسير ابن كثير 5/135 وتفسير البغوى 3/241 وتفسير الخازن 3/241 وانظر سند هذه الرواية عند البيهقى فى الأسماء والصفات/372 من طريق السدى عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود . وهذا الإسناد يروى به كثير من الإسرائيليات . والله أعلم

                                                                          تعليق


                                                                          • #37
                                                                            [الفصل الثامن]
                                                                            [جبريل-- مع محمد ]

                                                                            [أ] شق صدر النبى :

                                                                            اختلفت الروايات فى عدد مرات شق صدره الكريم واختلفت أقوال العلماء تبعا لذلك.
                                                                            والصحيح أن النبى قد شُقَّ صدره الشريف مرتين:
                                                                            الأولى: وهو عند حاضنته حليمة السعدية:
                                                                            وقد ذهب عامة أهل السير إلى أن هذا حدث فى السنة الرابعة أو الخامسة من مولده ويقتضى سياق رواية ابن إسحاق أنه وقع فى السنة الثالثة[1]
                                                                            فعن أنس بن مالك أن رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم ثم لَأَمَهُ[2] ثم أعاده فى مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعنى ظئره - فقالوا: إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره.[3]
                                                                            الثانية: عند الإسراء به إلى بيت المقدس:
                                                                            فعن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله قال: "فرج عن سقف بيتى وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدرى ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه فى صدرى ثم أطبقه..."[4]
                                                                            وقد ذهب الحافظ ابن حجر إلى حدوث شق صدر النبى ثلاث مرات: مرة منها عند الطفولة، والثانية عند البعثة، والثالثة عند الإسراء.
                                                                            أما الأولى والثالثة فلا خلاف فيهما
                                                                            وأما الثانية فليس عليها دليل صحيح إلا ما روي من حديث أنس بن مالك من رواية شريك عنه وقد أنكر العلماء على شريك هذه الرواية وخصوصا قوله: "قبل أن يوحى إليه".[5]
                                                                            تنبيه :
                                                                            قوله: " ثم غسله فى طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه " ليس فيه ما يوهم جواز استعمال إناء الذهب لنا فإن هذا فعل الملائكة واستعمالهم وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا ولأنه كان أول الأمر قبل تحريم النبى أوانى الذهب والفضة.[6]

                                                                            .................................

                                                                            [1] انظر الرحيق المختوم /43
                                                                            [2] لأمه: ويقال لاءمه أى ضم بعضه إلى بعض.
                                                                            [3] صحيح: رواه مسلم (162)
                                                                            [4] صحيح: رواه البخارى (3342،1636،394) ومسلم (163)
                                                                            [5] انظر الصحيح من الإسراء لعمرو عبد المنعم سليم/47
                                                                            وقال البيهقى فى الأسماء والصفات/437: وقد ذكر شريك بن عبد الله بن أبى نمر فى روايته هذه ما يستدل به على أنه لم يحفظ الحديث كما ينبغى له من نسيانه ما حفظ غيره ومن مخالفته فى مقامات الأنبياء الذين رآهم فى السماء مَنْ هو أحفظ منه وقال فى آخر الحديث: "فاستيقظ وهو فى المسجد" ومعراج النبى كان رؤية عين وإنما شَقٌَ صدره كان وهو بين النائم واليقظان ثم إن هذه القصة بطولها إنما هى حكاية حكاها شريك عن أنس بن مالك من تلقاء نفسه لم يعزها إلى رسول الله صلى الله علسه وسلم ولا رواها عنه ولا أضافها إلى قوله.
                                                                            وقد خالفه فيما تفرد به منها عبدُ الله بن مسعود وعائشة وأبو هريرة وهم أحفظ وأكبر وأكثر.
                                                                            [6] مسلم بشرح النووى 2/175

                                                                            تعليق


                                                                            • #38
                                                                              [ب] رؤية النبىِّ جبريلَ - -:
                                                                              الثابت أنه لم ير جبريل - - على صورته التى خلق عليها غير مرتين.
                                                                              فعن مسروق قال: كنت متكئا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة[1] ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفِرْيَة.
                                                                              قلت: ما هن؟
                                                                              قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
                                                                              قال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين أنظرينى[2] ولا تعجلينى ألم يقل الله : وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [التكوير:23]، وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13]؟
                                                                              فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله فقال: « إنما هو جبريل لم أره على صورته التى خلق عليها غير هاتين المرتين رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض ».
                                                                              فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]؟
                                                                              أولم تسمع أن الله يقول: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ[الشورى:51]؟
                                                                              قالت: ومن زعم أن رسول الله كتم شيئا من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]
                                                                              قالت: ومن زعم أنه يخبر بما يكون فى غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ[النمل:65][3]
                                                                              وقال الإمام البيهقى فى الدلائل: قلت: فالمرة الأولى التى رآه هى المذكورة فيما كتبنا من سورة النجم وقد روينا أنها نزلت بعدما هاجر عثمان بن عفان وعثمان بن مظعون وأصحابهما إلى أرض الحبشة فى الهجرة الأولى فلما قرأها رسول الله فى الصلاة وسجد وسجد المسلمون والمشركون وبلغهم الخبر رجعوا ثم هاجروا الهجرة الثانية مع جعفر بن أبى طالب وذلك كان قبل المسرى بسنتين.
                                                                              ثم رآه فى المرة الثانية ليلة أسرى به عند سدرة المنتهى فى صورته التى هى وهو قول الله : وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:13-18]
                                                                              ويحتمل أن السورة نزلت فى الوقت الذى هو مشهور عند أهل المغازى غير هذه الآيات ثم نزلت هذه الآيات فى رؤيته إياه نزلة أخرى بعد المسرى فألحقت بالسورة والله أعلم.[4]
                                                                              قلت: هذا ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أن النبى رأى جبريل - - مرتين لكن وقع فى رواية عن عائشة أنه رأى فى منامه جبريل بأجياد[5] ولكنه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف عن أبى الأسود.
                                                                              قال الحافظ: وبيَّن أحمد فى حديث ابن مسعود أن الأولى كانت عند سؤاله إياه أن يريه صورته التى خلق عليها والثانية عند المعراج. وللترمذى من طريق مسروق عن عائشة: لم ير محمد جبريل فى صورته إلا مرتين:مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد".[6] وهذا يقوى رواية ابن لهيعة وتكون هذه المرة غير المرتين المذكورتين وإنما لم يضمها إليهما لاحتمال ألا يكون رآه فيها على تمام صورته. والعلم عند الله.[7]

                                                                              [1] أبو عائشة: هى كنية الإمام مسروق المتوفى سنة ثلاث وستين.سُمٍّى "مسروقا"لأنه سرقه إنسان فى صغره ثم وُجِد.
                                                                              [2] أنظرينى : الإنظار هو التأخير والإمهال
                                                                              [3] صحيح: رواه البخارى (4855) ومسلم (177) وهو لفظه
                                                                              [4] دلائل النبوة للبيهقى 2/120-121
                                                                              [5] أجياد : مكان مشهور بأسفل مكة قريب من الحرم.
                                                                              [6] ضعيف: رواه الترمذى (3278) من طريق مجالد بن سعيد وليس بالقوى وقد تغير بأخرة
                                                                              [7] فتح البارى 10/30-31 وقصة أجياد هذه ذكرها الحافظ ابن كثير فى التفسير 7/287 من طريق ابن لهيعة وهو ضعيف كما تقدم وعزاها لابن جرير وابن أبى حاتم.قلت: وروى نحوها أيضا ابن سعد فى الطبقات 1/93 من طريق محمد بن عمر الواقدى وهو متروك ورواها بنحوها أيضا أبو نعيم فى الدلائل(165) بإسناد ضعيف. والله أعلم

                                                                              تعليق


                                                                              • #39
                                                                                [ج] الوحي :
                                                                                (أولا) معنى الوحي :
                                                                                قال الإمام أبو نعيم الحافظ: ومعنى الوحي: من الوحا وهو العجلة فلما كان الرسول متعجلا لِمَا يفهم قيل لذلك التفهم وحي[1]
                                                                                وقال الإمام البيهقي: والوحي ما يوحي الله به إلى النبي من أنبيائه فيُثْبِت الله – تعالى - ما أراد من وحيه فى قلب النبي فيتكلم به النبي ويبينه، وهو كلام الله ووحيه، ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحدٌ من الأنبياء أحدًا من الناس ولكنه سرُّ غيبٍ بين الله ورسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء ولا يكتبونه لأحد ولا يأمرون بكتابته ولكنهم يحدثون به الناس حديثاً ويبينون لهم أن الله - تعالى - أمرهم أن يبينوه للناس ويبلغوهم، ومن الوحي ما يرسل الله به من يشاء فيوحون به وحيا فى قلوب من يشاء من رسله.[2]


                                                                                [1] دلائل النبوة لأبى نعيم 1/34
                                                                                [2] الأسماء والصفات /226

                                                                                تعليق


                                                                                • #40
                                                                                  (ثانيا) بدء نزول الوحي إلى رسول الله :
                                                                                  وأما نزول جبريل - - بآيات من القرآن على النبي فإنه كان يوم الاثنين لإحدي وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان.
                                                                                  وكان نزوله ليلا
                                                                                  ويوافق 10 أغسطس سنة 610 م
                                                                                  وكان عمره إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية وستة أشهر و12 يوما.[1]
                                                                                  عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت أول ما بدىء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم
                                                                                  فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح
                                                                                  ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد[2] الليالي ذوات العدد- قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك
                                                                                  ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها
                                                                                  حتى جاءه الحق وهو في غار حراء
                                                                                  فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: " ما أنا بقارئ "
                                                                                  قال: "فأخذني فغطني[3] حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت ما أنا بقارىء.
                                                                                  فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارىء
                                                                                  فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال:
                                                                                  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق:1-3]
                                                                                  فرجع بها رسول الله يرجف فؤاده
                                                                                  فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: "زملوني زملوني" فزملوه[4] حتى ذهب عنه الرَّوْع[5]
                                                                                  فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي"
                                                                                  فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا: إنك لتصل الرحم وتحمل الكَّلَّ[6] وتَكْسِبُ المعدوم[7] وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق
                                                                                  فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة -وكان امرءًا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي-
                                                                                  فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.
                                                                                  فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى ؟
                                                                                  فأخبره رسول الله خبر ما رأى
                                                                                  فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى يا ليتني فيها جذعا[8] ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك
                                                                                  فقال رسول الله : "أومخرجي هم".
                                                                                  قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك[9] أنصرك نصرا مؤزرا.[10]
                                                                                  ثم لم ينشب[11] ورقة أن تُوُفِّي وفتر الوحي.[12]



                                                                                  [1] الرحيق المختوم /50
                                                                                  [2] قوله: "وهو التعبد" مدرج فى الخبر وهو من تفسيرالزهرى كما جزم به الطيبى (فتح الباري 1 /31 ت. عبد القادر شيبة الحمد)
                                                                                  [3] غطنى: وفى رواية: غتني كأنه أراد ضمنى وعصرنى، والغط حبس النفَس ومنه غطه فى الماء أو أراد غمنى ومنه الخنق ولأبى داود الطيالسى فى مسنده بسند حسن: فأخذ بحلقى. (فتح البارى1/31)
                                                                                  [4] زملوه : أى لفوه
                                                                                  [5] الرَّوْع : بالفتح: الفزع
                                                                                  [6] الكلَّ : هو من لا يستقل بأمره
                                                                                  [7] الكسب : هو الاستفادة فكأنها قالت إذا رغب غيرك أن يستفيد مالاً موجوداً رغبت أنت أن تستفيد رجلا عاجزا فتعاونه .
                                                                                  [8] جذع: الجذع: هو الصغير من البهائم كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلى الإسلام شابا ليكون أمكن لنصره وبهذا يتبين سر وصفه بكونه شيخا كبيرا قد عمى
                                                                                  [9] يومك: أى يوم إخراجك
                                                                                  [10] مؤزرا: أى قويا
                                                                                  [11] لم ينشب: أى لم يلبث
                                                                                  [12] صحيح: رواه البخارى (3،6982،4957،4956،4955،4953،3392) ومسلم (160)

                                                                                  تعليق


                                                                                  • #41
                                                                                    (ثالثا) فترة الوحي عن رسول الله :
                                                                                    قال الحافظ: وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان وكان ذلك ليذهب ما كان وجده من الروع وليحصل له التشوق إلى العودة... وليس المراد بفترة الوحي عدم مجيء جبريل إليه بل تأخر نزول القرآن فقط.
                                                                                    ورجح الشيخ صفي الرحمن المباركفوري أن مدة فترة الوحي كانت أياما قال: وهذا الذى يترجح بعد إدارة النظر فى جميع الجوانب وأما ما اشتهر أنها دامت طيلة ثلاث سنين أو سنتين ونصف فلا يصح بحال.[1]


                                                                                    [تنبيه]:
                                                                                    زعموا أن النبي لما فتر عنه الوحي حزن حزنا شديدا حتى كاد يلقى نفسه من رؤوس الجبال ...
                                                                                    فروى أنه ( لما نزل عليه الوحي بـ (حراء)؛ مكث أياماً لا يرى جبريل، فحزن حزناً شديداً، حتى كان يغدو إلى ثبير مرة، وإلى حراء مرة، يريد أن يلقي نفسه منه، فبينا رسول الله كذلك عامداً لبعض تلك الجبال؛ إلى أن سمع صوتاً من السماء، فوقف رسول الله صعقاً للصوت، ثم رفع رأسه فإذا جبريل على كرسي بين السماء والأرض متربعاً عليه يقول: يا محمد! أنت رسول الله حقاً، وأنا جبريل.
                                                                                    قال: فانصرف رسول الله وقد أقر الله عينه، وربط جأشه. ثم تتابع الوحي بعد وحمي )[2]
                                                                                    وقد فَصَّل القولَ فيه العلامةُ الألبانى - تعالى - فى السلسلة الضعيفة ثم قال: وجملة القول أن الحديث ضعيف إسنادا، منكر متنا، لا يطمئن القلب المؤمن لتصديق هؤلاء الضعفاء فيما نسبوا إلى رسول الله من الهم بقتل نفسه بالتردي من الجبل وهو القائل فيما صح عنه : "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا" متفق عليه "الترغيب" (3/205) لا سيما وأولئك الضعفاء قد خالفوا الثقات الذين أرسلوه.[3]


                                                                                    [1] فتح البارى 1/36 والرحيق المختوم /52
                                                                                    [2] باطل: أخرجه ابن سعد فى الطبقات (1/196) عن ابن عباس وفيه محمد بن عمر الواقدى وهو متروك ومتهم بالوضع وفيه أيضا إبراهيم بن محمد بن أبى موسى وهو متروك كالواقدى أو أشد انظر السلسلة الضعيفة (4858)
                                                                                    [3] السلسلة الضعيفة (450- 458) وانظر له - أيضا - " دفاع عن الحديث النبوى والسيرة " / 50

                                                                                    تعليق


                                                                                    • #42
                                                                                      (رابعا) نزول جبريل بالوحي مرة ثانية:
                                                                                      فعن الأَوْزَاعِىُّ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى يَقُولُ سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ أَىُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1] فَقُلْتُ: أَوِ اقْرَأْ [العلق:1] فَقَالَ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ: أَىُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1] فَقُلْتُ أَوِ اقْرَأْ [العلق:1] قَالَ جَابِرٌ أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ «جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِى نَزَلْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِى فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِى وَخَلْفِى وَعَنْ يَمِينِى وَعَنْ شِمَالِى فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِى فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِى الْهَوَاءِ - يَعْنِى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فَأَخَذَتْنِى رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَثِّرُونِى. فَدَثَّرُونِى فَصَبُّوا عَلَىَّ مَاءً فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:1-4] ».[1]
                                                                                      فهذا الحديث يدل على أن أول ما نزل من القرآن هو المدثر
                                                                                      والجمهور على خلاف ذلك وهو أن أول القرآن نزولا العلق.


                                                                                      فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىَّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوحي - قَالَ فِى حَدِيثِهِ:
                                                                                      «فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِى سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِى فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِى جَاءَنِى بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرْسِىٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى. فَدَثَّرُونِى فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:1-5] وَهِىَ الأَوْثَانُ قَالَ ثُمَّ تَتَابَعَ الْوَحْىُ.[2]


                                                                                      قال ابن كثير: وهذا السياق هو المحفوظ وهو يقتضى أنه قد نزل عليه الوحي قبل هذا لقوله: "فإذا الملك الذى جاءنى بحراء" وهو جبريل حين أتاه بقوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا.
                                                                                      ووجه الجمع أن أول شئ نزل بعد فترة الوحي هذه السورة.[3]


                                                                                      [1] صحيح: رواه البخارى (4، 3238، 4922، 4923، 4924، 4925، 4926، 4954، 6214) ومسلم (161) وهو لفظه
                                                                                      [2] صحيح: وهو مكرر ما قبله
                                                                                      [3] تفسير ابن كثير: 8/149

                                                                                      تعليق


                                                                                      • #43
                                                                                        (خامسا): كيفية مجئ الوحي إلى رسول الله :
                                                                                        وأما مجئ الوحي؛ أعنى جبريل ، إلى رسول الله بالوحي فله طرق مختلفة ترجع فى مجموعها إلى ما يأتى:
                                                                                        (أ) مجيئه فى مثل صلصلة الجرس:
                                                                                        فعن عائشة أم المؤمنين أن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول الله : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول".
                                                                                        قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.[1]
                                                                                        قوله: "مثل صلصلة الجرس" الصلصلة فى الأصل صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين.
                                                                                        والمراد بالصلصلة هنا:
                                                                                        - صوتُ الملَك بالوحى.
                                                                                        - وقيل: بل صوت حفيف أجنحة الملك.
                                                                                        - وقال الخطابى: يريد أنه صوت متدارك
                                                                                        يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتي يفهمه بعد.
                                                                                        قوله: "وهو أشده علي" يفهم منه أن الوحي كله شديد ولكن هذه الصفة أشدها وهو واضح؛ لأن الفهمَ من كلام مثل الصلصلة أشكلُ من الفهم من كلام الرجل بالتخاطب المعهود.
                                                                                        والحكمة فيه: أن العادة جرت بالمناسبة بين القائل والسامع وهى هنا:
                                                                                        - إما باتصاف السامع بوصف القائل بغلبة الروحانية وهو النوع الأول
                                                                                        - وإما باتصاف القائل بوصف السامع وهو البشرية وهو النوع الثانى.
                                                                                        والأول أشد بلا شك.
                                                                                        وفائدة هذه الشدة ما يترتب على المشقة من زيادة الدرجات والزلفى.[2]
                                                                                        تتمة فى وصف صوت الملائكة: ...



                                                                                        [1] صحيح: رواه البخارى (2، 3215) ومسلم (2333)
                                                                                        [2] فتح البارى: 1/25- 26

                                                                                        تعليق


                                                                                        • #44
                                                                                          تتمة فى وصف صوت الملائكة:

                                                                                          1- جاء وصف الوحي فى هذا الحديث بصلصلة الجرس

                                                                                          وورد وصف صوت الملائكة فى غيره بـ:
                                                                                          2- "دَوىِّ النحل"

                                                                                          3- و"دَوىّ الرحى"
                                                                                          4- وهزيز الرحى
                                                                                          5- وهدير الرحى
                                                                                          6- وهزيز الرحل
                                                                                          7- وكصوت الهضباء
                                                                                          8- وكصوت القصباء تصيبها الرياح
                                                                                          9- وكصوت العصا تصفها الرياح
                                                                                          10- وحنيناً كحنين النحل."

                                                                                          وليس ثمت تعارض بينها بل كلٌ وصف الصوت الذى سمعه بحسب حاله وبالنسبة إلى مقامه وسماعه.
                                                                                          فأما وصفه بـ "دوىِّ النحل":
                                                                                          فعن عمر بن الخطاب قال: كان النبي إذا أنزل عليه الوحي سمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فسري عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: "اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنا." ثم قال صلى الله علسه وسلم: "لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] حتى ختم عشر آيات".[1]


                                                                                          وأما وصفه بـ " هزيز الرحى ":
                                                                                          فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ فِي سَفَرٍ فَسَارَ بِهِمْ يَوْمَهُمْ أَجْمَعَ لَا يَحُلُّ لَهُمْ عُقْدَةً وَلَيْلَتَهُ جَمْعَاءَ لَا يَحُلُّ عُقْدَةً إِلَّا لِصَلَاةٍ حَتَّى نَزَلُوا أَوْسَطَ اللَّيْلِ
                                                                                          قَالَ: فَرَقَبَ[2] رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ حِينَ وَضَعَ رَحْلَهُ
                                                                                          قَالَ: فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا إِلا نَائِمًا وَلا بَعِيرًا إِلَّا وَاضِعًا جِرَانَهُ[3] نَائِمًا

                                                                                          قَالَ: فَتَطَاوَلْتُ فَنَظَرْتُ حَيْثُ وَضَعَ النَّبِيُّ رَحْلَهُ فَلَمْ أَرَهُ فِي مَكَانِهِ؛ فَخَرَجْتُ أَتَخَطَّى الرِّحَالَ حَتَّى خَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ ثُمَّ مَضَيْتُ عَلَى وَجْهِي فِي سَوَادِ اللَّيْلِ فَسَمِعْتُ جَرَسًاً[4] فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَالْأَشْعَرِيِّ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِمَا فَقُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ؟
                                                                                          فَإِذَا هَزِيزٌ كَهَزِيزِ الرَّحَا[5] فَقُلْتُ: كَأَنَ رَسُولُ اللَّهِ عِنْدَ هَذَا الصَّوْتِ.
                                                                                          قَالا: اقْعُدْ اسْكُتْ.
                                                                                          فَمَضَى قَلِيلا فَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَزِعْنَا إِذْ لَمْ نَرَكَ وَاتَّبَعْنَا أَثَرَكَ.
                                                                                          فَقَالَ: "إِنَّهُ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ."
                                                                                          فَقُلْنَا نُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَالصُّحْبَةَ إِلا جَعَلْتَنَا مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِكَ
                                                                                          قَالَ: "أَنْتُمْ مِنْهُمْ."
                                                                                          ثُمَّ مَضَيْنَا فَيَجِيءُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ فَيُخْبِرُهُمْ بِالَّذِي أَخْبَرَنَا بِهِ فَيُذَكِّرُونَهُ اللَّهَ وَالصُّحْبَةَ إِلا جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ شَفَاعَتِهِ فَيَقُولُ: "فَإِنَّكُمْ مِنْهُمْ" حَتَّى انْتَهَى النَّاسُ فَأَضَبُّوا[6] عَلَيْهِ وَقَالُوا اجْعَلْنَا مِنْهُمْ قَالَ: "فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا."[7]


                                                                                          وألفاظ الحديث الأخرى فيها باقى الألفاظ المذكورة وسنمر عليها مرور السهم بالإشارة إلى بعض مواضعها حتى لا نطيل بذكر كل ألفاظ الحديث، فمن ذلك:
                                                                                          - كَدَوِىَّ الرَّحَى وكصوت القصباء تصيبها الرياح ===> مسند الشاميين للطبرانى (575).
                                                                                          - كدوى الرحا وكصوت العصا تصفها الرياح ===> المعجم الكبير للطبرانى 18/126
                                                                                          - هزيز الرحل ===> أحمد (24002)
                                                                                          - هدير الرحى ===> ابن حبان/ بلبان / الأرناؤوط (211)، عبد الرزاق فى المصنف (20865).
                                                                                          - هزيزًا كهزيز الرحى أو حنينًا كحنين النحل (حديث أبى موسى الأشعرى) ===> أحمد (19724).



                                                                                          [1] ضعيف: رواه أحمد (223) والترمذى (3173) والنسائى فى الكبرى (1439) وقال: منكر، والحاكم فى المستدرك (1961، 3479) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبى فقال: سئل عبد الرزاق عن شيخه ذا (قلت: يعنى يونس بن سليم) فقال: لا أظنه شئ [ كذا والصواب شيئا ]. والبيهقى فى الدعوات الكبير (198) وعبد بن حميد (15) وعبد الرزاق فى مصنفه (6038) وأبو نعيم فى الدلائل (172) والضياء فى المختارة (234) وابن عدى فى الكامل 7/175 والعقيلى فى الضعفاء 4/460 (2092)
                                                                                          [2] رَقَبَهُ: أى حرسه
                                                                                          [3] واضعاً جرانه: جِرَان البعير، بالكسر: مُقَدَّم عنقه من مذبحه إلى منحره.
                                                                                          [4] جرساً: أى مثل صوت الجرس
                                                                                          [5] هزيز الرحى: صوت دورانها.
                                                                                          [6] أضبوا: ازدحموا
                                                                                          [7] صحيح لغيره: رواه أحمد ( 23977 ) والبخارى فى التاريخ الكبير 1/ 184، وابن خزيمة فى التوحيد 2/ 644، 648 والطبرانى فى الكبير 18/ 135 من طريق أبى المليح عن أبى بردة عن عوف بن مالك .
                                                                                          وأخرجه ابن أبى عاصم فى السنة (819) وابن خزيمة فى التوحيد 2/ 645-646 وابن حبان (7207)، والطبرانى فى الكبير 18/ 133، والحاكم (224)، من طريق خالد الحذاء عن أبى قلابة عن عوف بن مالك.
                                                                                          ومن طريق خالد عن حميد بن هلال عن أبى بردة بن أبى موسى عن عوف بن مالك.
                                                                                          وله طرق أخرى عن عوف بن مالك عند الترمذى (2441) وابن ماجه (4317) وأحمد والطبرانى وغيرهم وفى بعض أسانيده مقال وبعضها على شرط مسلم، وله شواهد منها: عن أبى موسى (صحيح)، ومعاذ بن جبل (منقطع)، وغيرهما
                                                                                          فالحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح وقد صححه الشيخ الألبانى فى عدد من كتبه منها صحيح ابن ماجه وصحيح الترمذى ومفصلاً فى ظلال الجنة صـ 388- 398 الأحاديث رقم 818 - 829 والشيخ شعيب الأرناؤوط فى تعليقه على المسند.

                                                                                          تعليق


                                                                                          • #45
                                                                                            لطيفة: معنى تمثل الملك فى صورة رجل:
                                                                                            قال الحافظ: قال إمام الحرمين: تَمَثُّلُ جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بعد.
                                                                                            وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالُها موجبًا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيًّا؛ لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلًا بل بعادة أجراها الله – تعالى - فى بعض خلقه.
                                                                                            ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تسرح فى الجنة.
                                                                                            وقال شيخنا شيخ الإسلام: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتى هو جبريل بشكله الأصلى، ومثال ذلك القطن إذا جُمِعَ بعد أن كان منتفشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورةٌ كبيرةٌ وذاتُه لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب.
                                                                                            والحق أن تمثل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيساً لمن يخاطبه.
                                                                                            والظاهر أيضاً أن القدر الزائد لا يفنى ولا يزول بل يخفى على الرائى فقط . والله أعلم[1].


                                                                                            [1] فتح البارى 1 / 21 - سلفية.

                                                                                            تعليق


                                                                                            • #46
                                                                                              [ ب ] مجيئه فى صورة رجل:
                                                                                              كما فى الحديث المتقدم: " وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا." ومن ذلك أيضا حديث جبريل المشهور وهو:
                                                                                              عن أبى هريرة وأبى ذر قالا: كان رسول الله يجلس بين ظَهْرَانَيْ أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يَسْأَل؛ فطلبنا إلى رسول الله أن نجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين كان يجلس عليه.
                                                                                              وإنا لجلوس ورسول الله فى مجلسه إذ أقبل رجل أحسن الناس وجها وأطيبُ الناس ريحا، كأن ثيابه لم يمسها دنس، حتى سلم فى طَرَفِ البساط[1]
                                                                                              فقال: السلام عليك يا محمد.
                                                                                              فردَّ .
                                                                                              قال: أَدْنُو يا محمد؟
                                                                                              قال: " اُدْنُهْ "
                                                                                              فما زال يقول: أدنو مرارا ويقول له: " اُدْنُ " حتى وضع يده على ركبتَىْ رسول الله .
                                                                                              قال: يا محمد أخبرنى ما الإسلام ؟
                                                                                              قال: "الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان."
                                                                                              قال: إذا فعلت ذلك فقد أسلمتُ ؟
                                                                                              قال: "نعم"
                                                                                              قال: صدقتَ.
                                                                                              فلما سمعنا قولَ الرجل صدقتَ أنكرناه.[2]
                                                                                              قال: يا محمد أخبرنى ما الإيمان ؟
                                                                                              قال:" الإيمان بالله وملائكته والكتاب والنبيين وتؤمن بالقدر."
                                                                                              قال: صدقتَ.
                                                                                              قال: فإذا فعلتُ ذلك فقد آمنتُ ؟
                                                                                              قال رسول الله "نعم"
                                                                                              قال: صدقتَ.
                                                                                              قال: يا محمد أخبرنى ما الإحسان ؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك."
                                                                                              قال: صدقتَ.
                                                                                              قال: يا محمد أخبرنى متى الساعة ؟
                                                                                              قال: فَنَكَّسَ[3] فلم يجبه شيئا ورفع رأسه فقال: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات تُعْرَفُ بها: إذا رأيت الرِّعاءَ البُهُمَ[4] يتطاولون فى البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها. خمسٌ لا يعلمهن إلا الله: إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ سورة لقمان-34 ]
                                                                                              ثم قال: " لا والذى بعث محمدا بالحق هدىً، ما كنتُ بأعلمَ به من رجلٍ منكم، وإنه لجبريل – – نزل فى صورة دِحْيَةَ الكلبى."[5]



                                                                                              [1] حتى سلم فى طَرَفِ البساط: هذا يدل على أنهم فرشوا للنبى بساطا. وفى رواية: السِّماط: وهو الصف من الناس
                                                                                              [2] قوله : "أنكرناه" أي استبعدنا كلامه وقلنا إنه سائل ومُصَدِّقٌ وبين الوصفين تناقض.
                                                                                              [3] فَنَكَّسَ: أى طأطأ رأسه أي: خفضه.
                                                                                              [4] البُهُم: بضمتين نعت للرعاء أى السود،
                                                                                              وقيل: جمع بهيم بمعنى المجهول ومنه أبهم الأمر: إذا لم تعرف حقيقته.
                                                                                              وقيل : الفقراء الذين لا شيء لهم فهم رعاة لإبل غيرهم.
                                                                                              وقد جاء فى بعض الروايات: رعاء الإبل والبَهْم – بفتح الباء وسكون الهاء – وهى الصغار من أولاد الضأن والمعز ... ا.هـ انظر (حاشية السندى على النسائى 4/ 437)
                                                                                              [5] صحيح: رواه البخارى ( 50، 4777) ومسلم ( 9، 10 ) والنسائى ( 5006 ) وهو لفظه، وابن ماجه / 64

                                                                                              تعليق


                                                                                              • #47
                                                                                                فوائد:

                                                                                                الأولى: سبب مجئ جبريل - - بهذه الطريقة أمام الصحابة وسؤاله النبي هو ما ورد فى بعض طرق الحديث عن أبى هريرة قال: قال رسول الله : "سلونى" فهابوه أن يسألوه. فجاء رجل فجلس عند ركبتيه..." الحديث.
                                                                                                الثانية: جاء فى بعض ألفاظ الحديث من رواية عمر : "فلبثتُ مَلِيّا" ومعناه: وقتا طويلا.
                                                                                                وفى رواية: أنه سأل عمر عن السائل بعد ثلاثة أيام.
                                                                                                وفى شرح التنبيه للبغوى: "بعد ثلاث فأكثر"
                                                                                                وظاهر هذا مخالف لقول أبى هريرة فى حديثه: ثم أدبر الرجل فقال رسول الله : "ردوا علىَّ الرجل" فأخذوا يردونه فلم يَرَوا شيئا فقال : "هذا جبريل".
                                                                                                فيمكن الجمع بينهما بأن عمر لم يحضر قول النبي فى الحال بل كان قد قام من المجلس فأخبر النبي الحاضرين فى الحال، وأخبر عمر بعد ثلاث إذ لم يكن حاضرا عند إخبار الباقين.[1]
                                                                                                الثالثة: معنى تمثل الملَك رجلا تقدم ذكر معناه.
                                                                                                الرابعة: فى الحديث بيان جواز تمثل الملَكِ لغير النبي فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع.[2]
                                                                                                الخامسة: أنكر الحافظ قوله فى آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل فى صورة دحية الكلبى." لأن دحية معروف عندهم وقد قال عمر: ما يعرفه منا أحد.[3]
                                                                                                قال السندى: كونه فى صورة دحية لا يقتضى أن لا يمتاز عنه بشئ أصلا سيما الامتياز بالأمور الخارجة فيجوز أنه ظهر لهم ببعض القرائن الخارجة بل الداخلة الخفية أنه غير دحية؛ فلا وجه لتوهيم الرواة بما ذكر فليتأمل قوله.[4]
                                                                                                قلت: لعل الحق مع الحافظ فإن جبريل – – لم يكن يتميز عن دحية إذا نزل فى صورته كما فى حديث أم سلمة المتقدم: أن النبي قال لها: "مَنْ هَذَا؟" قالت: هذا دحية. قالت أم سلمة: ايْمُ الله ما حسبته إلا إياه... الحديث.
                                                                                                وأيضا فالنبي لم يعرفْه كما فى الفائدة التالية.



                                                                                                [1] مسلم بشرح النووى 1/ 142، شرح الأربعين النووية له / 13
                                                                                                [2] فتح البارى 1/ 170
                                                                                                [3] فتح البارى 1/ 171
                                                                                                [4] حاشية السندى على النسائى 4/ 437

                                                                                                تعليق


                                                                                                • #48
                                                                                                  السادسة: أن رسول الله لم يعرف جبريل – – حين جاءه فى هذه الصورة.
                                                                                                  وقد كان جبريل – – يأتيه فى صورة دحية فيعرفه،
                                                                                                  ويأتيه فى صورة أعرابى فيعرفه،
                                                                                                  إلا فى هذه الصورة كما فى هذا الحديث: "لا والذى بعث محمدا بالحق هدًى ما كنت بأعلم به من رجل منكم" أي كنت لا أعلم من هو، مثلكم فى أنكم لا تعلمون من هو.
                                                                                                  ووقع فى رواية عند أحمد: "ما أتانى فى صورة إلا عرفته غير هذه الصورة."
                                                                                                  وهذا يدل على أن جبريل – – كان يأتى النبي فى صورٍ متعددة ولا يقتصر على صورة دحية.

                                                                                                  السابعة: أن جبريل – – قد يأتي النبي في ساعةٍ يخبره بها وقد يأتيه على غير موعد
                                                                                                  فهذا الحديث من الساعات التى جاء جبريل فيها إلى النبي على غير موعد بدليل أن النبي لم يعرفه.
                                                                                                  أما ما يدل على أنه كان يأتيه فى ساعة يخبره بها، فيدل عليه حديثُ عائشة أنها قالت: وَاعَدَ رسولَ الله جبريلُ – – فى ساعة يأتيه فيها،
                                                                                                  فجاءت تلك الساعة ولم يأتِهِ،
                                                                                                  وفى يده عصا فألقاها من يده وقال: "ما يخلف الله وعده ولا رسله"
                                                                                                  ثم التفتَ فإذا جِرْوُ كلب تحت سريره؛ فقال: "يا عائشة متى دخل هذا الكلب ها هنا"
                                                                                                  فقالت: والله ما دريت.
                                                                                                  فأمر به فأخرج؛
                                                                                                  فجاء جبريل،
                                                                                                  فقال رسول الله : "وَاعَدْتَنِى فجلستُ لكَ فلَمْ تَأْتِ"
                                                                                                  فقال: "منعنى الكلبُ الذى كان فى بيتك إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة."
                                                                                                  [1]
                                                                                                  وأيضا عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ أَخْبَرَتْنِي مَيْمُونَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا؛ فَقَالَتْ مَيْمُونَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ اسْتَنْكَرْتُ هَيْئَتَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ.
                                                                                                  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِي اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَلْقَنِي أَمَ وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي."
                                                                                                  قَالَ فَظَلَّ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ
                                                                                                  ثُمَّ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَنَا فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ
                                                                                                  فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ: "قَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ قَالَ أَجَلْ وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ"
                                                                                                  فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ كَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ وَيَتْرُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ.[2]

                                                                                                  لطيفة:

                                                                                                  قال الإمام النووى: وفيه – أى فى هذا الحديث – التنبيه على الوثوق بوعد الله ورسله لكن قد يكون للشئ شرط فيتوقف على حصوله أو يتخيل توقيته بوقت ويكون غير موقت به ونحو ذلك.
                                                                                                  وفيه أنه إذا تكدر وقت الإنسان أو تنكدت وظيفته ونحو ذلك فينبغى أن يفكر فى سببه كما فعل النبي هنا حتى استخرج الكلب... ا.هـ[3]

                                                                                                  الثامنة: كما أن جبريل – – قد يأتى فى أزمان محددة، فإن له كذلك أماكن مخصوصة يأتيه فيها .
                                                                                                  فعَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ حَدِّثْنَا يَا أَبَا حَمْزَةَ مِنْ هَذِهِ الْأَعَاجِيبِ شَيْئًا شَهِدْتَهُ لَا تُحَدِّثُهُ مِنْ غَيْرِكَ.
                                                                                                  قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ يَوْمًا
                                                                                                  ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى قَعَدَ عَلَى الْمَقَاعِدِ الَّتِي كَانَ يَأْتِيهِ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ،
                                                                                                  فَجَاءَ بِلَالٌ فَنَادَاهُ بِالْعَصْرِ،
                                                                                                  فَقَامَ كُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ أَهْلٌ يَقْضِي الْحَاجَةَ وَيُصِيبُ مِنْ الْوَضُوءِ،
                                                                                                  وَبَقِيَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ لَهُمْ أَهَالِي بِالْمَدِينَةِ،
                                                                                                  فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَدَحٍ أَرْوَحَ فِيهِ مَاءٌ فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ كَفَّهُ فِي الْإِنَاءِ فَمَا وَسِعَ الْإِنَاءُ كَفَّ رَسُولِ اللَّهِ كُلَّهَا
                                                                                                  فَقَالَ بِهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ فِي الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: "ادْنُوا فَتَوَضَّئُوا" وَيَدُهُ فِي الْإِنَاءِ فَتَوَضَّئُوا حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا تَوَضَّأَ.
                                                                                                  قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ كَمْ تَرَاهُمْ؟
                                                                                                  قَالَ: بَيْنَ السَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ.[4]

                                                                                                  وهذا المكان الذى كان يأتى فيه جبريل هو ما يسمونه موضع الجنائز أو مقام جبريل
                                                                                                  فعن جابرقال: مات رجل فغسلناه وكفناه وحنطناه ووضعناه لرسول الله حيث يوضع الجنائز عند مقام جبريل – – ثم آذَنَّا رسول الله فى الصلاة عليه فجاء معنا...الحديث.[5]
                                                                                                  وعَنْ أَبِى أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِي أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَعُودُ مَرْضَى مَسَاكِينِ الْمُسْلِمِينَ وَضُعَفَائِهِمْ وَيَتْبَعُ جَنَائِزَهُمْ وَلاَ يُصَلِّى عَلَيْهِمْ أَحَدٌ غَيْرُهُ،
                                                                                                  وَأَنَّ امْرَأَةً مِسْكِينَةً مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِى طَالَ سَقَمُهَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْهَا مَنْ حَضَرَهَا مِنْ جِيرَانِهَا
                                                                                                  وَأَمَرَهُمْ أَنْ لاَ يَدْفِنُوهَا إِنْ حَدَثَ بِهَا حَدَثٌ فَيُصَلِّى عَلَيْهَا
                                                                                                  فَتُوُفِّيَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ لَيْلا، فَاحْتَمَلُوهَا فَأَتَوْا بِهَا مَعَ الْجَنَائِزِ أَوْ قَالَ مَوْضِعَ الْجَنَائِزِ عِنْدَ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ لِيُصَلِّىَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ كَمَا أَمْرَهُمْ، فَوَجَدُوهُ قَدْ نَامَ بَعْدَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ، فَكَرِهُوا أَنْ يُهَجِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ نَوْمِهِ؛ فَصَلَّوْا عَلَيْهَا، ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهَا.
                                                                                                  فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ سَأَلَ عَنْهَا مَنْ حَضَرَهُ مِنْ جِيرَانِهَا فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهَا وَأَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يُهَجِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ لَهَا،
                                                                                                  فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : « وَلِمَ فَعَلْتُمُ؟ انْطَلِقُوا ».
                                                                                                  فَانْطَلَقُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى قَامُوا عَلَى قَبْرِهَا فَصَفُّوا وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ كَمَا يُصَفُّ لِلصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ
                                                                                                  فَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا كَمَا يُكَبِّرُ عَلَى الْجَنَائِزِ.[6]
                                                                                                  لطيفة:

                                                                                                  مقام جبريل أو موضع الجنائز هذا يقع شرقى المسجد النبوى وهو اليوم الأرض الممتدة مع طول المسجد من الشمال إلى الجنوب بجانب باب النساء.[7]

                                                                                                  وأما سبب تسميته موضع الجنائز: فلأنهم كانوا يحملون الجنائز إلى هذا الموضع حتى يصلى عليه النبي
                                                                                                  وقد كانوا قبل ذلك يؤذنون النبي إذا احتضر الميت فيذهب إليه فربما طال مكثه حتى يقبض فلما خشوا مشقة النبي فعلوا ذلك.[8]


                                                                                                  [1] صحيح: رواه مسلم ( 2104 )
                                                                                                  [2] صحيح: رواه مسلم ( 2105 )
                                                                                                  [3] مسلم بشرح النووى 14/ 69
                                                                                                  [4] إسناده صحيح: رواه ابن سعد فى الطبقات 1/ 85
                                                                                                  [5] صحيح: رواه الدارقطنى (3065 )
                                                                                                  [6] صحيح: ذكره الشيخ الألبانى فى أحكام الجنائز / 89 وقال: أخرجه البيهقى 4 / 48 بإسناد صحيح والنسائى ( 1 / 280 – 281 ) مختصرا
                                                                                                  [7] أحكام الجنائز للشيخ الألبانى / 89
                                                                                                  [8] روى ذلك ابن سعد فى الطبقات (1/ 124) من طريق محمد بن عمر وهو متروك فى الحديث مع علمه بالسير والأخبار. قال محمد بن عمر: فمن هناك سمى ذلك الموضع موضع الجنائز لأن الجنائز حملت إليه ثم جرى ذلك من فعل الناس فى حمل جنائزهم والصلاة عليها فى ذلك الموضع إلى اليوم.

                                                                                                  تعليق


                                                                                                  • #49
                                                                                                    [ج] أن يأتيَه فى صورة لا يراه فيها فينفث فى روعه ويلقى فى قلبه:
                                                                                                    فعن ابن مسعود: أن رسول الله صلى الله عقال: "ليس من عمل يقرب إلى الجنة إلا قد أمرتكم به ولا عمل يقرب إلى النار إلا قد نهيتكم عنه لا يستبطئن أحد منكم رزقه إن جبريل – – ألقى[1] فى رُوعِى[2] أن أحدا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا[3] فى الطلب فإن استبطأ أحد منكم رزقه فلا يطلبه بمعصية الله فإن الله لا ينال فضله بمعصية."[4]


                                                                                                    قال الحافظ أبو نعيم: وله – أي الوحي – مراتب ووجوه فى القرآن:
                                                                                                    وحي إلى الرسول: وهو أن يخاطبه الملَك شفاها أو يلقي في رُوعه وذلك قوله : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء... [ سورة الشورى: 51]
                                                                                                    يريد بذلك خطابا يلقى فهمه في قلبه حتى يعيه ويحفظه وما عداه من غير خطاب إنما هو ابتداء إعلام وإلهام وتوقيف من غير كلام ولا خطاب كقوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: 68]، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى [القصص:7]، وما فى معناهما.[5]



                                                                                                    [1] وفى لفظ: "نفث": أي أوحى وألقى من النفث بالفم وهو شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون إلا ومعه شئ من الريق.
                                                                                                    [2] رُوعي: الروع بالضم: القلب والعقل، يقال: وقع ذلك في روعي، أي: في خلدي وبالي.
                                                                                                    [3] أجمل: طلب في قصد واعتدال مع عدم انشغال القلب.
                                                                                                    [4] صحيح لغيره: رواه الحاكم (2136) ومن طريقه البيهقى فى الاعتقاد / 209، وفيه مجهولان
                                                                                                    وله طريق أخرى عن ابن مسعود رواها ابن أبى شيبة (35335)، والبيهقى فى شعب الإيمان ( 9891 ) لكنها منقطعة.
                                                                                                    وله شواهد:
                                                                                                    أولها- من حديث جابر بن عبد الله رواه الحاكم ( 2134 ) وابن حبان ( 3239، 3241 / إحسان ) والبيهقى فى السنن الكبرى ( 10404 ) وإسناده صحيح.
                                                                                                    ومن طريق أخرى عن جابر عند ابن ماجه ( 2144 ) والبيهقى فى الكبرى ( 10405 ) وفيها ابن جريج وأبو الزبير وهما مدلسان ولم يصرحا بالتحديث.
                                                                                                    ثانيها- عن أبى حميد الساعدى رواه ابن ماجه ( 2142 ) والحاكم ( 2133 ) والبيهقى فى الكبرى (10403) بإسناد حسن.
                                                                                                    وثالثها-عن المطلب بن حنطب مرسلا رواه الإمام الشافعى فى المسند /صـ233 ومن طريقه البيهقى فى الأسماء والصفات/ 227.
                                                                                                    وله شواهد أخرى عن أبى الدرداء وأبى أمامة وغيرهم فالحديث صحيح إن شاء الله تعالى.
                                                                                                    [5] دلائل النبوة لأبى نعيم: 1/ 34

                                                                                                    تعليق


                                                                                                    • #50

                                                                                                      [ د ] أن يأتى فى صورته التى خلق عليها:

                                                                                                      وقد تكلمنا عليه فيما سبق بما أغنى عن إعادته

                                                                                                      [سادسا]: بيان شدة الوحي على رسول الله

                                                                                                      فعن عائشة أم المؤمنين أن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال: يارسول الله: كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال
                                                                                                      وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول."

                                                                                                      قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا.[1]

                                                                                                      وعن ابن عباس فى قوله : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ [ القيامة: 16 ]، قال: كان النبي إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان مِمِّا يُحَرِّكُ به لسانه وشفتيه[2] فيشتد عليه
                                                                                                      فكان ذلك يعرف منه
                                                                                                      فأنزل الله: لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ القيامة: 16 ]، إن علينا أن نجمعه فى صدرك فتقرأه
                                                                                                      فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قال: أنزلناه فاستمع له
                                                                                                      إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ أن نبينه بلسانك
                                                                                                      فكان إذا أتاه جبريل أطرق
                                                                                                      فإذا ذهب قرأه كما وعده الله.[3]

                                                                                                      وعن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله إذا نزل الوحي عليه كَرُبَ لذلك وتَرَبَّدَ وجهُه،
                                                                                                      فأُوحي إليه ذات يوم فلقي ذلك
                                                                                                      فلما سُرِّىَ عنه قال رسول الله : "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثَّيِّبُ بالثيب والبكر بالبكر الثيب جلد مائة ثم رجما بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة ثم نفى سنة."[4]



                                                                                                      [1] صحيح: رواه البخارى (2، 3215) ومسلم (2333) وقد تقدم.

                                                                                                      [2] قوله: كان مما يحرك به لسانه وشفتيه: أى كان كثيرا ما يفعل ذلك

                                                                                                      [3] صحيح: رواه البخارى ( 5، 4927، 4928، 4929، 5044، 7524 ) ومسلم ( 448 )

                                                                                                      [4] صحيح: رواه مسلم ( 1690، 2334 )

                                                                                                      تعليق

                                                                                                      20,037
                                                                                                      الاعــضـــاء
                                                                                                      238,086
                                                                                                      الـمــواضـيــع
                                                                                                      42,815
                                                                                                      الــمــشـــاركـــات