مُشَاغَبَة نحوية لطيفة
أحد أصدقائي معلم لغة عربية، ماهر بالنحو، محب له، جاءني بوجه طَلْقٍ سائلا سؤال العارف الجواب بغرض فتح بابٍ للمناقشة:
قال: هل تُحذَف نون الملحق بجمع المذكر السالم عند الإضافة؟
فقلت: نعم، وبعضها ملازم لحذف النون مثل (أولو) كقولك: أولو العزم وأولو خُلُق تَصَاهَرا.
فقال: أجميع ألفاظ الملحق بجمع المذكر السالم سواء في حذف النون؟
قلت: ماذا تقصد؟
قال: أعطني أمثلة لهذه الألفاظ مضافة: (عالمون - أرضون - عليون)
فقلت: ألفاظ الملحق بجمع السالم بعضها سائغ الإضافة، سهل الإسناد، وتُحذَف نونه، ويكثر استعماله،
والبعض الآخر في إسناده بالإضافة ثِقَل، لذلك هو قليل نادر.
ومن النوع السائغ:
- بنون: بنو فلان صاهروا بني علان.
- أهلون: كقول الله تعالى: (شغلتنا أموالنا وأهلونا)، وقوله : (قوا أنفسكم وأهليكم نارا)
- سُنُون: قضيتُ سِنِيِّ عمري في كَدٍ، و(سُنُون) تكثر في النصب والجر، ولا تكاد تسمعها رفعا لثِقَلِها.
ومن النوع غير السائغ:
الألفاظ التي طلبتَ التمثيل لها بالإضافة: (عالمون - أرضون - عليون) وهو ممكن لكنه ثقيل قليل نادر متروك، لكنه غير ممنوع؛ فيمكننا أن نقول:
- تأمَّلْ في عالَمِيِّ الإنس تجد عجبا، وخُضْ في أرضيهم تفِد علما، واسْعً بينهم بخير تفُز بِعِلِّيِّ السَّما.
فقال: وألفاظ العقود: (عشرون .. إلى تسعين)؟
فقلت: إنها لا تضاف، فما بعدها ملازم النصب تمييزا.
فقال: نعم، صحيح، لكن ما رأيك حين أشير إلى عشرين قلما وأقول:
هذه عِشْرُونك.
أليست إضافة؟
فقلت له: إذا كانت إضافة فلماذا لم تحذف نون عشرون؟!
فنظر إليَّ مستفهما: لماذا؟
فقلت له: الْمُشَار إليه (الأقلام) محذوف من الكلام لحضوره أمام المخاطب وعِلْمه به، وتقدير الكلام: هذه عشرون قلما لك.
فقال: علمتُ ذلك وقدَّرتُه، وأحبَبتُ مُشاغَبَتَك.
فقلتُ ضاحكا: مسألة لطيفة جدا، وأنا والله أحب مشاغباتك، فإنها طيبة نافعة.
د. محمد الجبالي