• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • التوحيد في سورة الشورى

      الشورى نظام إسلامي وأسلوب في الحكم يختلف اختلافًا جوهريًّا عن ما يسمى بـ" الديموقراطية" الغربية المنشأ والصناعة، والفرق بينهما كالفرق بين الكفر والإيمان؛ فالأُولى وحي إلهي وتشريع رباني، والثانية نظرية وضعية جاءت ردَّ فعلٍ لتسلُّط الحكام ورجال الدين في أوروبا، ولتقف في وجه ما كان عندهم سائدًا وهو ما سموه بـ"الديكتاتورية"، ونظام الحكم في الإسلام لا يسمح بهذه ولا بتلك، وهي كلمة يونانية تتكون من شقين: الأول: "ديمو" وتعني: الشعب أو السكان، والثاني: "كراتي"، وتعني: نمط الحكم، والاثنان معًا بمعنى: حكومة من قبل الشعب؛ أي: ربط الحكم بشيء واحد وهو الشعب، فالشعب هو صاحب السلطة، وهو المشرع، وله السيادة المطلقة، وهذه المفاهيم تتناقض تمامًا مع توحيد الألوهية، بل إن هذا النمط من الحكم من نواقض التوحيد.


      وأستطيع نقض "الديمقراطية" بما يلي:

      1- أن الحكم فيها والرأي الملزم هو للأغلبية، ومتى كانت الأغلبية في أي زمان ومكان - بما فيهم من رجال ونساء، وصالحين وفاسدين - يمثلون في مجموعهم رأيًا، يؤخذ به، والأكثرية دائما مائلة عن الحق وعادلة عن الصواب، وهي التي تسير في الحياة حسب رغباتها وشهواتها ومصالحها، كما أن القيم متغيرة حسب الزمان والمكان، فما هو مقبول عندهم مرفوض عندنا، وما هو مقبول في زمان قد لا يكون مقبولًا في زمن آخر!

      2- تفترض "الديموقراطية" المساواة بين الناس، وهذا يصطدم بالواقع، فليس كل الناس على درجة واحدة في القوة والضعف، ولا في الفهم والذكاء، ولا في العلم والخبرة: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ [آل عمران: 36]، فقد خلق الله تعالى الخلق متفاوتين في كل شيء، كما أن هذا إهدار لقاعدة التخصص عندنا: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]، وأهل الذكر هنا تعني أهل الرأي والعلم والتخصص، كل في مجاله وتخصُّصه.


      3-أن الناس تحركهم الأهواء والمطامع، فقد يجتمع رأي شعب على نهب ثروات شعب آخر، أو شعوب، فتجتمع الآراء على حرب هذه الشعوب واستغلالها واستعمارها، فيعيش العالم في فوضى يأكل فيه القوي الضعيف؛ كما فعلت الدول التي اخترعت الديموقراطية (1).


      وأما الشورى فهي نظام راق في السياسة والحكم، فالحاكم الذي اختاره أهل الحل والعقد، وبايعته الأمة على السمع والطاعة، له أن يستشير أهل الخبرة كل في مجاله، ثم له أن يأخذ برأي المستشار أو لا يأخذ؛ لأن الحاكم في الإسلام له مواصفات خاصة وشروط مقررة؛ منها: القوة، والرأي، والاجتهاد، ذو علم وبصيرة، كما أنه يستشير في أمور الدنيا، وما يحقق القوة والمصلحة للناس؛ كالاستشارة في أمور الحرب والزراعة وعمارة الأرض، وغير ذلك، أما في الأمور الدينية، فلا استشارة فيما فيه نص أو حكم شرعي، وليس له أن يعطل أو يبدل الأحكام فما على ذلك بويع الإمام، وفي حياة النبي ، كان الناس يسألون وكان الوحي ينزل بالجواب أو بالحكم، وفي أمور الدنيا كان يستشير أصحابه، كما أخذ برأي الحباب بن المنذر في غزوة بدر، أما في عهد الصحابة فقد كانت الشورى في بعض الأمور الشرعية الدينية؛ لأن فعل الصحابة وإجماعهم حجة، وفي كل الأحوال - حتى في عصر النبي - فإن الشورى في الأمور الدنيوية - العادية أو العادات الحياتية - لا بأس بها؛ كما كان يفعل النبي في الغزوات وفي أمور الزراعة (النخيل)، وغير ذلك، وعلى هذا فإن الشورى وأخذ الرأي، يكون بعيدًا عن أمور الدين، فقواعده مستقرة ومعلومة ولا تخضع للشورى، ولكن هناك الحكم والفتوى.


      والسورة الكريمة منظومة متكاملة للتوحيد ناطقة بالوحدانية:

      1- وحدانية المصدر: فالوحي كله - من أوله إلى آخره - من الله الواحد: ﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الشورى: 3]، فقد أوحى إليك ما أوحاه للنبين من قبلك، وهو توحيده وإقامة دينه.

      2- وحدانية الربوبية: وهذه حقيقة مقررة حتى عند المشركين، فهو سبحانه الخالق المالك: ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [الشورى: 4].

      3- وحدانية الأسماء والصفات: وجامعتُها قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، وهنا ينبغي التأمل فيما يلي:


      أولًا: أن جميع صفات الله تعالى من باب واحد؛ لأن الموصوف بها واحد، ولا يجوز في حقه مشابهة الحوادث - أي الموجودات - في شيء من صفاتهم.

      ثانيًا: أن الذات والصفات أيضًا من باب واحد، فكما أنه سبحانه له ذات مخالفة لجميع الخلق؛ فله تعالى صفات مخالفة لجميع صفات الخلق.

      ثالثًا: أن الحق في تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق، والإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله من غير تشبيه ولا تأويل ولا تعطيلٍ، (وانظر أضواء البيان؛ الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر جزء 2 ص 30).

      4- وحدانية الألوهية: ولا تتحقق في أرض الواقع إلا بإقامة الدين: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ [الشورى: 13]؛ يقول القرطبي : (شرع: نهج، سن؛ يعني: شرع لكم إقامة الدين)، والمعنى: أوصيناك يا محمد ونوحًا دينًا واحدًا؛ يعني: في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال، والزلف إليه، والصدق والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا، والإذاية للخلق، والاعتداء على الحيوان، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات، فهذا كله مشروع دينًا واحدًا وملةً متحدة، لم تختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلف أعدادهم، وذلك في قوله: ﴿ أن أقيموا الدِّين ﴾؛ أي: اجعلوه قائمًا يريد: دائمًا مستمرًّا محفوظًا مستقرًّا من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق مَن وفَّى بذلك ومنهم من نكث، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه؛ (انظر تفسير القرطبي، ج 8، ص 5830 - ط الشعب).

      قلت: والدعوة إلى توحيد الألوهية بهذا المعنى لا تعجب أعداءها، منهم يستنكفون منها ويشق عليهم قبولها: ﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الشورى: 13]، لهذا كانت المعركة الأزلية بين عباد الله وعباد الطواغيت والهوى والشيطان، لكن على أهل التوحيد أن يحملوا مسؤولية الدعوة إليه، وأن يستقيموا على هذا الأمر: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ [الشورى: 15]، ومهما كانت الصعاب والمشاق، فلا بد من الثبات والاستقامة، وعدم الالتفات إلى نباح المعارضين وتشنجات الكارهين: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ﴾ [الشورى: 15]، كما لا يدفعه أذى المعارضين إلى ترك العدل والاستقامة: ﴿ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [الشورى: 15]؛ يقول ابن كثير: (اشتملت هذه الآية على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، ولا نظير لها إلا آية الكرسي، فإنها أيضًا عشر فصول كهذه...).


      ومن أسمائه تعالى: اللطيف، ومن معانيه: حفيٌّ بهم، بارٌّ بهم، رفيق بهم، يرزقهم بَرَّهم وفاجرهم، ينشر من عباده المناقب ويستر عليهم المثالب، يقبل القليل، ويبذل الجزيل، يجبر الكسير العسير، لا يخاف إلا عدله ولا يرحب إلا فضله، لا يعالج من عصاه، ولا يخيب من رجاه، يعفو عمن يهفو، ذكره القرطبي، والدعوة إلى الله تعالى أمر من الله تعالى لأنبيائه وأصفيائه وأوليائه، فكيف ينال الداعي على دعوته أجرًا؟ فالأنبياء جميعهم لم يطلبوا من الناس مالًا ولا مقابلًا ماديًّا أو معنويًّا، فجلال المهمة وعظمة الوظيفة تجعل الداعي يرتفع عن أعراض الدنيا من سمعة أو صيتٍ، أو مكانة بين الناس: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: 23].

      لكن ما معنى الاستثناء في الآية وما دلالته؟

      للعلماء فيها أقوال: قيل: منقطع، ويكون المعنى: أي إلا أن تؤذوني في قرابتي، فتكفوا عن أذاكم، وتمنعوا عني أذى الناس، فبيني وبينكم نسب - ويكون المعنى أيضًا: لا تؤذوا قرابتي وعترتي (آل بيتي) - وفي المعنيين لم يطلب أجرًا، وقيل: الاستثناء: متصل، ويكون المعنى: إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم وتصلوا أرحامكم بدل أن تعادوهم، وفي المعنيين لم يطلب أجرًا، (ذكر الشنقيطي في أضواء البيان)، أما أن تكون الدعوة وسيلة للثراء والشهرة، فتلك مصيبة وكارثة حلَّت بالمسلمين، فلم تؤتِ الدعوة ثمراتها، وإذا كان من ثمر فهو لا روح فيه ولا رائحة، ولا طعم له ولا مذاق، ولا فاعلية فيه ولا تأثير، ولا ثبات فيه ولا نفع يُرتجى، ولا حول ولا قوة إلا بالله!


      (1) وانظر كتاب (الشوري لا الديموقراطية) د. عدنان علي رضا النحوي، دار صبري للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية ط4، 1992- ص 39.




      د. أمين الدميري

      شبكة الالوكة



    • #2
      بسم الله الرحمن الرحيم
      جزاكم الله تعالى خيرا الموضوع جميل وله تبعات على حياة المسلمين ...ولكن لم أرى رأياً للكاتبة الكريمة فعندما يكتب صاحب القلم عن غيره ...يجب أن ينهي كلامه بالتعليق على كلام اهل العلم ...ارجو ان نقرأ في الحلقة الثانية من الموضوع .

      تعليق

      20,081
      الاعــضـــاء
      238,427
      الـمــواضـيــع
      42,918
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X