• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • اللهُ وَالرَّحْمنُ جَلَّ جَلَالُه دِرَاسَةٌ مُقَارِنَةٌ لِلدَّلاَلاَتِ وَالمَضَامِيْنْ

      تمهيد :
      إن أسماء الله الحسنى تحملُ ظواهرَ لافتة ومعانٍ مباغتة تلتمع في أذهان المتدبرين وتستقر في أفهام المؤمنين ، وهنا وَجَبَ عليهم تتبّعها واستنطاقها ودراستها.
      وعند استقراء الاسمين الأعظمين لله (الله والرَّحمَن) وجدتُ أننّا قد غفِلنا لزمن طويل عن جوانبَ هامّة ودلالاتٍ أصوليّة لهذين الاسمين من أسماء لله دون بقية أسمائه وصفاته جل في علاه.
      وفي هذه الدراسة سأقدم ما توصلت إليه من حقائق وما يؤيدها من قول الله في كتابه الكريم وكيف أن هذين الاسمين مرتبطين ببعضهما البعض وما هي دلالة كل منهما مستدلاً بالسياق القرآني .
      وبعد ذلك سأعرض للقارئ الكريم أبرز ما قيل في التراث الإسلامي عن هذين الاسمين ، وقد أخرت الرجوع لأقوال العلماء لعدة أسباب:
      أولاً: أسلوب الدراسة والبحث ، فلم تكن استنتاجات وترجيحات مما سبق من أقوال ، ذلك أني رأيت أن هذا النوع من البحوث يستلزم أولاً طرح ما قيل في المسألة ثم ترجيح الأصوَب في نظر الباحث ومسوغات هذا الترجيح ، إلا أننا في هذه الدراسة وبعد أن تدوين الرأي شرعنا في مراجعة أقوال العلماء للتحقق مما إذا كان قد سبق التطرق إليه بهذه الصورة أو أن نتيجة قد رشحت مشابهة لما توصلنا إليه أم لا فلم نجد لذلك أثراً ذا قيمة سوى بعض الاشارات التي لا تقرر ما نعتقده ولكني افردت باباً لأقوال أهل العلم ليسهل عند قرائتها في مجموعها إدراك الفهم العام للمسالة ومقارنتها بما وصل إليه هذا البحث .
      ثانياً: ضرورة إيراد تلك الأقوال لأن الحكم في تقييم نتائج الدراسة لا يمكن أن يحصل مالم يتمكن القارئ الكريم من الإحاطة بكل ما قيل في المسألة فتستقر لديه القناعة بأحد الأقوال إما القول الذي ذهبتُ إليه أو سواه.

      ثالثاً: أن الأمانة العلمية تفرض على كل باحث توسيع مداركه ومباحثه ومفاهيمه وأن لا تكون حكراً على فهمه وذهنه بل ينبغي أن يضمنها في متن الدراسة ليثبت قيامه بالخطوات العلمية السليمة فيكون عمله متقناً مقبولاً شكلاً ولو لم يقبل مضموناً عند البعض.
      ظواهر تفرد الاسمين(الله والرَّحمَن) دون سواهما
      يعلم كل مسلم أن لله أسماءً وصفات عديدة وصلت في قول جمهور العلماء إلى تسعة وتسعين إسماً ثابتاً لله ، ولكن الاسمين الجليلين موضع البحث تَميَّزا عن بقية أسماء الله تعالى من عدة وجوه:
      الوجه الأول: اجتماعهما في البسملة دون سواهما من أسماء الله تعالى (بسم الله الرَّحمَن الرحيم) فما عدا سورة التوبة فلا توجد سورة من سور القرآن الكريم لا تفتتح بالبسملة بهذه الصيغة التوقيفية ، في حين أن للاستعاذة أكثر من صيغة.
      الوجه الثاني : تشابه السياقات التي يرد فيها كل اسم منهما ضمن القرآن الكريم ، فنجد أن اسم الجلالة (الله) له سياقات شائعة يأتي فيها ، ولاسم الجلالة (الرَّحمَن) سياقات شائعة أخرى يأتي فيها ، لذا فكانت ظاهرة لافتة تستدعي البحث والاستقراء.
      الوجه الثالث : في حين أن المبالغة في الرحمة هي الصيغة المتبادرة لذهن من يقرأ الاسم إلا أن اسم الجلالة (الرَّحمَن) أتى في سياقات أخرى تحمل الدلالة على البطش والعذاب والخشية والعقاب فكيف يكون ذلك إلا أن يكون للاسم دلالات تتجاوز مفهوم الرحمة من جهة ودلالات على أن من العدل البطش بالمعتدي رحمة بالمعتدى عليه.
      الوجه الرابع : أن الله لفت الأنظار لهذين الاسمين دون سواهما وأمر عباده بالدعاء بهما أو بأحدهما وأجمل بقية الأسماء الحسنى بعدهما فقال تعالى :
      (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا) [الإسراء:110]


      فاختص هذين الاسمين دون سواهما بالذكر والأمر بدعاءه جل شأنه بهما وهو أمر لا ينبغي أن يمر علينا بلا تدبر واستظهار ، بل يجب إخضاعه للبحث والتحليل حتى نصل للنتيجة التي تطمئن إليها القلوب.
      دلالات إسميّ الجلالة (الله ، الرحمن)




      لا شك أن هذين الاسمين دون سواهما يحملان دلالات خاصة تظهر في سياق استعمال هذين الاسمين العظيمين، ومن خلال البحث والاستقراء تبين بأن هذين الاسمين لهما خصائص لا توجد في سواهما من أسماء الله الحسنى و نلحظ ما يلي :
      اسم الجلالة “الله“ :
      وهذا الاسم العظيم متعلق باستحقاقه جلَّ جلاله لعبادة العابدين وتفرده بالألوهية فالله هو المألوه الذي يُتّخَذُ إلهاً يعبد، فتعلق هذا الاسم بما يصعد إليه جلَّ جلاله من عبادة العابدين وتأليهٍ وتنزيهٍ وإعلاءٍ في قلوبهم ، ولو تتبعنا مواضع هذا الاسم العظيم في القرآن لوجدناه يحمل دلالة التأليه والتنزيه والعبادة .
      اسم الجلالة ” الرَّحمَن“:
      وهذا الإسم متعلق بربوبيته جل في علاه لخلقه وإحاطته وقدرته واختصاصه بجميع ما ينزل إليهم من كرمه وعطاءه أو من قوته وعذابه وعموم ربوبيته فكان ذا دلالة مكملة لدلالة الألوهية عند الخلق ، ففي حين كانوا يؤلهون الأصنام وينزهونها ويفردونها بالعبادة فقد كانوا يدركون عجزها عن الربوبية والحفظ والعقاب والحساب والتصرف في الكون فيصرفون لها مالا يستقيم مع حالها وحقارتها فلا تقدر على ربوبية حتى ولو كانت مألوهة من ضُلَّالِ الخلق وكفارهم.
      فلا إلهَ في الكون يستحق التأليه والعبادة وهو لا يملك القدرة والكمال ، ولا تتجلى هاتين الصفتين إلا في الله الرَّحمَن الرحيم فهو إله منزه متعالٍ مستحق لصعود العبادات إليه وخضوع الخلق ، وهو في نفس الوقت متصرفٌ ربٌّ ليسَ كبقية المربوبين بلْ ربٌّ بحقّ ، تتحقق منه الربوبية بكل معانيها ومفاهيمها ، وبذلك كان اسم الجلالة الرحمن غير متعلق بالرحمة بقدر ما هو متعلق بالربوبية عامة بكل صورها.
      ولو أخذنا مثلاً ولله المثل الأعلى بالأب الذي هو ربُّ بيته فنجد من ربوبيته عقاب المعتدي من أبنائه رحمةً وعدلاً بمن استرعاه الله عليهم من أهل بيته المعتدى عليهم، فلا تكون الربوبية بالرأفة والرزق والعطاء وحدها بل يشمل المنع والشدة والعقاب أيضاً حتى تستقيم الحياة ويسود العدل .
      لذلك يقول جل شأنه:
      (وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ) [البقرة:163]


      فجمع تعالى رأسي الأمر “الألوهية” و “الربوبية” ليبين لنا كمالات لا تتحقق إلا فيه جلَّ في علاه.
      وقوله جل شأنه : ( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا) [مريم:18]


      ولما كان الموقف موقف حفظ ولجوء حَسُنَ أن يُؤتَى بمناط الربوبيّة في هذا الموضع فالرَّحمَن لا تحمل الدلالة على الرحمة فحسب بل على كل قدرة نازلة من الله إلى خلقه كما ان الألوهية استحقاق كل عبودية من الخلق إلى الله ، ولجوء مريم للرحمن هو عين الحق فعقاب الله للمعتدي رحمة للمعتدى عليه في أصلها ، وعدله جلَّ جلاله في خلقه منتهى الرحمة بهم وهي مناط الربوبية التي لا يقدر عليها سواه.

      قال تعالى :( يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) [مريم:45]


      فقد يقول قائل كيف يناسب الإتيان باسم “الرَّحمَن” موضع عذاب ؟ ، وهنا يتجلى لنا هذا المفهوم المتعلق بالربوبية بكل صورها أي بكل ما ينزل لخلقه من قدرة وحفظ ورزق وهداية وتصرف وعقاب وعذاب لأن كل ذلك عدل ، فلما كان عدلاً كان رحمة بالخلق ، فاختيار إبراهيم لاسم الرحمن لم يكن لتعلق الاسم بصفة الرحمة فقط بل لتعلقه بصفة الربوبية والتصرف في الكون والخلق بما يشمل الثواب والعقاب لينفي في الوقت ذلك تلك الربوبية عن ما يعبده أبوه من أصنام.
      ويمكن القول بأن إبراهيم ربما أراد أن يلفت نظر أبيه إلى أن الله رحمن رحيم لن يمس عذابه بشرٌّ إلّا وهو قد أتى أمراً خطيراً لا تشمل فاعله رأفة ولا رحمة.
      ولو تتبعنا ارتباط الربوبية بالرَّحمَن لوجدناها تبرز في أكثر من موضع تجد فيه العطاء والإحاطة والقدرة النازلة للخلق مرتبطة باسم الرَّحمَن دون غيره من أسماء الله وخاصة عندما يراد ذكر عموم الربوبية بلا تخصيص ، وفيما يلي من آيات ما يُبْرِزُ لنا هذا المفهوم بجلاء فيقول جل من قائل :

      ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَٰنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) [طه:90]


      فارتبطت الربوبية باسم الرحمن ، وجُمع ذلك بالاتباع والطاعة للأمر والنهي النازل من الرحمن إلى خلقه من خلال أنبياءه ، والحديث هنا في سياق الحديث عن العجل الذي فتنهم به السامري فعبدوه من دون الله ، ولما كان العجل لا يملك من الربوبية شيئاً ولا قدرة له على ما يقدر عليه الرحمن فكان تصحيح المفهوم الفاسد لدى بني إسرائيل بأن (ربكم الرحمن) وليس العجل الذي لا يقدر من الربوبية على شيء ، ولم يأتِ الأمرُ على ذكر الألوهية لأنهم اتخذوه إلها ورباً فكان موضع الاحتجاج القوي هو نفي ربوبيته لانتفاء قدرته أصلا فإن انتفت الربوبية عنه كان انتفاء ألوهيته أولى ، ولأنهم ما ألَّهوه إلا طمعاً في ربوبيته.
      قال الطبري في هذا الموضع :
      ” وقوله ( وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ) يقول: وإن ربكم الرحمن الذي يعم جميع الخلق نعمه، فاتَّبعوني على ما آمركم به من عبادة الله، وترك عبادة العجل، وأطيعوا أمري فيما آمركم به من طاعة الله، وإخلاص العبادة له ” انتهى كلامه .[1]
      ( قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَٰنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) [الأنبياء:42]



      وهنا ارتبطت العناية الربانية للخلق والتصرف والحفظ في الليل والنهار باسم الرحمن دون كل أسمائه الحسنى ، فنرى كيف كان الإتيان باسم الرحمن في سياق الربوبية والرعاية الربانية.
      ويقول تعالى : قل للمشركين يا محمد ، من الذي يحفظكم من أمر الرحمن إن أراد بكم ضراً ؟، وهنا أتى اسم الرحمن في سبيل التخويف وذلك لبيان عجز آلهتهم عن منع قدرة الرحمن عليهم ومشيئته إن حلت بهم ، ثم قال (بل هم عن ذكر ربهم) فأتى بالربوبية هنا التي في أصلها من مناط قدرة الرحمن الرحيم.


      ( قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَٰنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ) [الأنبياء:112]


      وهكذا اقترنت أيضا الربوبية المتعلقة بالحكم والإعانة والنصرة باسم الرحمن ، وهو جل في علاه المستعان على أعداء المؤمنين وقولهم الباطل في حق الله تعالى.
      قال الطبري في هذا الموضع :
      “و قوله ( وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) يقول جلّ ثناؤه : وقل يا محمد: وربنا الذي يرحم عباده ويعمّهم بنعمته ، الذي أستعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم لي فيما أتيتكم به من عند الله." انتهى كلامه .[2]
      فنلحظ أن ابن جرير علق اسم الرحمن بالرّحمة ، وقد رأينا أن ذلك ليس بشرط إنّما كانَ اسمُ الرّحمن جماعُ كل أفعال الربوبية بما فيها النصرة والعذاب والرزق والحفظ بالإضافة للرحمة.
      والرحمن هو المستعان لربوبيته لخلقه فيقول تعالى:
      الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) [الفاتحة]




      فنجد أن البسملة تسبق فيها الألوهية الربوبية ، فيسبق اسم الجلالة الله ، اسم الجلالة الرحمن (بسم الله الرحمن الرحيم) وكذلك هو الأمر في سورة الفاتحة ، فنلحظ البدء بالحمد لله ، ثم تبعه الإقرار بربوبيته للعالمين ، وكونه الرحمن الرحيم ، ثم قوله إياك نعبد وهي متعلقة باسم الجلالة (الله) وإياك نستعين وهي متعلقة باسم الجلالة (الرحمن).

      ( أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ) [يس:23]



      وهكذا فكما تقدم فإن اسم الرَّحمَن متعلق بالربوبية والقدرة النازلة من الله الى عباده خيراً كانت أو ضرّاً ، واسم اللهِ متعلقٌ بالألوهيةِ وما يتصل بها من عبادات صاعدةٍ وتنزيهٍ وعلوٍّ واستحقاقٍ للخضوعِ من خلقه ، ولذلك كان لجوءُ مريمَ لاسم الرَّحمَن استجارةً به وبقوتهِ وربوبيتهِ لخلقه.
      ( قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ) [مريم:75]


      وهنا أيضاً نلحظ أن مجيء اسم الجلالة الرحمن في مقام الوعيد والتخويف ، كما أنه في مقام الربوبية والعناية ، (فليمدد له الرحمن مداً) و يحمل معنيين الأول يمدد له ( مدَّةً ) من الزمن تطول حتى يتحول فإما ينقلب للحق فينجو وإما يبقى على الضلال فيضاعف له العذاب ، والمعنى الثاني ، يمدد له (مدداً) من المال والرزق والذرية بقوته الرحمانية الربانية فإما يَنْظُر لإمهال الله له فيرعوي ويعود للحق وإما يزداد كفراً فيظن هذا إنما كان لصدق ظنه بسلامة منهجه وعدم وجود الله في اعتقاده ليردعه عن فعله ، غيرَ مدركٍ أن الرزق والمدد الدنيوي ليس مرتبطاً بالصلاح ولا بالتقوى ولا بالإيمان ، بل يتوالى عطاء الرحمن للمؤمن والكافر في هذه الدنيا وفق سننه تعالى وما كان عطاء ربك محظوراً وهذا كيد الله الذي سيأتي معنا في تفصيل مفهوم الكيد والمكر والخداع.
      إذاً فإن الموضع موضع ربوبية وتصرف رحماني رباني فناسب أن يؤتى باسم الجلالة الرحمن في هذا السياق.
      ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ) [مريم:88]


      لا شك أن الولد سندٌ ومدَدْ ، ونفعٌ وعَقِبْ ، فالوالدُ دائماً ما يكون في حاجةٍ لولده إما لبقاء النوع واستمرار النسل أو ليكون عوناً له في كسب الرزق وإقامة حياته وصلاحها وخاصة في أرذل العمر وآخره ، وهذا ما لا ينبغي في حق الرحمن ، فهو ليس كالبشر يفنى فيكون بحاجة لوريث له بعد وفاته ، وليس بحاجة عون ولا شريك ، لأن أمر الكون لا يمكن أن يقوم إلا على واحدٍ صمدٍ ، فكان الإتيان باسم الجلالة الرحمن أنسب ما يكون في هذا الموضع لأنه الرحمن الذي يقوم عليه وبه الكون والمخلوقات كلها في رزقها وحاجاتها وتدبيرها ، ولأنه الرحمن الذي لا حدَّ لقدرته وإحاطته و ربوبيته فكيف له أن يتخذ ولداً ؟.
      وهذه من المثاني المتشابهة ففي موضع آخر يقول تعالى:
      ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) [الأنبياء:26]


      فسبحان الله الرحمن ، الرب المتعالِ عن الشريك والولد.

      ( الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) [طه:5]


      إن الإتيان باسم الجلالة الرحمن في هذا الموضع لتنزيهه تعالى عن الحاجة لهذا العرش إنّما هو من مخلوقاته التي هي في حاجته كباقي مخلوقاته وأكوانه لا تستقل بأمرٍ ولا تبقى لبرهة مالم يكلؤها الرحمن بحفظه وتيسيره ورعايته وكمال ربوبيته.
      ( رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَٰنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ) [النبأ:37]


      إن اسم الجلالة الرحمن دليل على الإله العظيم وربوبيته المطلقة وسلطته على ملكوته ، وهنا فيبدو أن كل مخلوقاته بين السماوات والأرض بما فيهم الملائكة وسائر الخلق المكلف وغير المكلف بدلالة تبيانه بقوله (لايملكون منه خطاباً) فكانت بمثابة الإشارة للسماوات والأرض وما بينهما من مخلوقات.
      ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) [الملك:19]


      وهنا أُتي بالرحمن مناسبة لسياق الآية التي تشير للحفظ والربوبية فاستعمل ربنا اسم الجلالة الرحمن في هذا الموضع لهذا السبب ، وبجانب ذلك فقد يقول قائل معلقاً على هذا الموضع أن الطير في حركتها تخضع لقوانين الطبيعة في طيرانها فنقول وهذا هو الرحمن ، فهو مقدر تلك القوانين وواضعها والقيِّم على استمرارها والقادر على تجاوزها وتعطيلها وتفعيلها وتحقيقها ونقضها كما يشاء ، وعلى مثال قبض الطير نقيس كل حركات الكون وسكناته وتفاعل الطبيعة والمخلوقات بأنها مسألة رحمانية ربانية وضعها الرحمن وسيَّر المخلوقات وفق أحكامها فكان مسير السحاب ومنزل المطر ومنبت الشجر وخالق الأحياء والجمادات لأنها ما تكونت إلا ضمن سنة كونية وقانون رحماني رباني لولاه لما تحققت ولا تكونت فيكون الرحمن بالضرورة فاعل الفعل ومسببه سبحانه.


      سورة “الرحمن” قاطعة الدلالة




      إن هذا الاسم العظيم “الرحمن” لله والذي قلنا أنه الاسم المكافئ لاسم الجلالة “الله” من حيث أن الله مناط استحقاق العبادة والأعمال الصاعدة، والرحمن مناط الربوبية والتصرفات النازلة فقد أفرد الله جلت قدرته سورة اسمها الرحمن جسدت معاني الربوبية المتعلقة بهذا الاسم العظيم ولعلنا نقتطف منها بعض اللفتات :
      اللفتة الأولى : خصوصية افتتاح السورة ، فقد كان اسم الرحمن آية مستقلة مفتتحة للسورة بأكملها وردت فيها تصريفات الربوبية بقوله (رب) 36 مرة ضمن ثمانٍ وسبعين آية ، ووردت فيها آية متكررة (فبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) إحدى وثلاثين مرة.
      اللفتة الثانية : اشتملت السورة على كل معاني الربوبية ابتداءً من تعليم القرآن قبل الخلق ، ثم خلق المخلوقات جميعها ، ثم التصرف في الملك وتسيير الكون ثم القيامة وأبرز مظاهرها ومن ثمَّ الحساب والعقاب والجزاء والإنعام على أهل الحق والإيمان ثم صفة الجنة وما أعده الله فيها لأهل طاعته وعبادته ، فكل تلك الجوامع العظيمة أتت تحت اسمه الجليل الرحمن الذي هو مناط كل تلك الأفعال الربانية التي لا طاقة لأحد بها إلا هو .
      اللفتة الثالثة : أن السورة لم تأت على شيء من الأوامر والنواهي بل خصصت لتعداد الوظائف الرحمانية الربانية النازلةُ للخلقِ بأصنافها و طبائعها المختلفة فكانت تحملُ دلالةً على اسم الرحمن وخصوصيته بالمقارنة مع اسم الجلالة (الله) الذي يتعلق بالألوهية والعبادة والعلو المطلق والإحاطة اللامتناهية بكل شيء.
      اللفتة الرابعة : أن السورة اختتمت بقوله تعالى (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) فاسم الرب بلا شك هو “الرحمن” الذي أسميت السورة باسمه ، ولو رجعنا إلى مواضع كلمة “تبارك” في القرآن الكريم نجدها دائما تشير لمعالم الربوبية ودلائلها وسماتها المختلفة .
      مشركو قريش بين الإقرار والإنكار




      قد لا يكون هناك ارتباط مباشر بين صلب هذه الدراسة وبين هذا الباب ، ولكن رأيت أنه مما يحسن إيراده لما يحيط به من إشكال :

      ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ) [الفرقان:60]




      وهكذا نجد أن كفار قريش ينكرون معرفة الرحمن في هذا الموضع بينما يقرون بوجوده وإنما أُتي بالرحمن هنا لتذكيرهم بربوبيته التي تستلزم صرف السجود والعبادة به جلت قدرته ، يقول تعالى :
      وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) [الزخرف]




      فنلحظ هنا إقرارهم بالرحمن فكيف نجمع بين الإقرار والإنكار؟
      والجمع بين الحالتين يسير بإذن الله ولا يشكل عليه شيء ، ذلك أن الموضع الأول هو أصل اعتقادهم فهم لا يؤمنون بالرحمن وينفرون من ذكره والأمر بالخضوع له ، وينفون عنه صفات القدرة والاستحقاق ، ويحتجون على المؤمنين عندما ينكرون عليهم عبادتهم للملائكة بحجة أن الرحمن الذي تذكرونه وتأمرونّا أن نتبع أمره لمطلق قدرته لم يمنعنا من عبادتهم ولو كانت عبادتهم أمراً منكراً والرحمن الذي تدعون ربوبيته قادرٌ على خلقه فليمنع عبادتهم إن كان قادراً كما تقولون ، ففي الأصل هم منكرون كافرون بالرحمن وإنما كان قولهم على سبيل الجدال والاحتجاج الفاسد.

      يتبع ....
      [1] ص144 - تفسير الطبري جامع البيان ط هجر
      [2] ص555 - تفسير الطبري جامع البيان ت شاكر.

    • #2
      ما قيل في مفاهيم اسم الرحمن

      سنورد في هذا الموضع تقريرات بعض أهل العلم بشأن اسم الجلالة “الرحمن” فقد قال الصابوني في روائع البيان تفسير آيات الأحكام عن اسم الرحمن والرحيم :
      الرحمن“: المنعم بجلائل النعم، ومعنى الرحيم : المنعم بدقائقها.
      ولفظ الرحمن مبنيّ على المبالغة، ومعناه: ذو الرحمة التي لا نظير له فيها، لأن بناء (فعلان) في كلامهم للمبالغة، فإنهم يقولون للشديد الامتلاء: ملآن، وللشديد الشبَع: شبعان.
      قال الخطّابي: ف الرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم ومصالحهم، وعمّت المؤمن والكافر.
      و الرحيم خاص للمؤمنين كما قال تعالى: وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً [الأحزاب: 43] .
      ولا يجوز إطلاق اسم (الرحمن) على غير الله تعالى لأنه مختص به جلّ وعلا، بخلاف الرحيم فإنه يطلق على المخلوق أيضاً قال تعالى: بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة: 128] قال القرطبي: «وأكثرُ العلماء على أن الرحمن مختصّ بالله عَزَّ وَجَلَّ، لا يجوز أن يسمّى به غيره، ألا تراه قال: قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن [الإسراء: 110] فعادَل الاسم الذي لا يَشْركه فيه غيره: أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45] فأخبر الرحمن هو المستحق للعبادة جلّ وعزّ، وقد تجاسر (مسيلمة الكذاب) لعنه الله فتسمى ب (رحمان اليمامة) ولم يتسمّ به حتى قرع مسامَعه نعت الكذّاب، فألزمه الله ذلك حتى صار هذا الوصف لمسيلمة عَلَماً يُعرف به» “. انتهى كلامه [1]
      وفي مفهوم الأسماء والصفات لسعد عبدالرحمن ندا يقول عن الرحمن :
      ” وقد ذكر البعض: أن (الرحمن) يرحم أهل الدنيا والآخرة، و (الرحيم) خاص بالمؤمنين يوم القيامة، إذ أن الله يرحم المؤمنين والكافرين في الدنيا على السواء وذلك من نواحي أمورهم المعيشية، وأسباب حياتهم، وما يكفل لهم حياتهم الدنيا، فرحمته هنا (أي رحمة الرحمن) عامة، وإذا لم تكن الرحمة هذه عامة، لا تتكامل أسباب التكليف من الإنعام عليهم بنعمة العقل الذي بواسطته يعرفون الحق من الباطل، ونعمة تسخير ما في الكون ليستفيد منها أهل الأرض من الإنس والجن هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعا . فتكامل أسباب التكليف في الدنيا سيكون عليه في الآخرة مدار الحساب. “ انتهى كلامه.[2]
      وقال ابن تيمية في تبيان سر تقديم "إياك نعبد" على "إياك نستعين"
      لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ و " الرَّبُّ " هُوَ الْمُرَبِّي الْخَالِقُ الرَّازِقُ النَّاصِرُ الْهَادِي وَهَذَا الِاسْمُ أَحَقُّ بِاسْمِ الِاسْتِعَانَةِ وَالْمَسْأَلَةِ. وَلِهَذَا يُقَالُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا . فَعَامَّةُ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِعَانَةُ الْمَشْرُوعَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ. فَالِاسْمُ الْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْعَبْدِ وَمَصِيرَهُ وَمُنْتَهَاهُ وَمَا خُلِقَ لَهُ وَمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَكَمَالُهُ وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَالِاسْمُ الثَّانِي يَتَضَمَّنُ خَلْقَ الْعَبْدِ وَمُبْتَدَاهُ وَهُوَ أَنَّهُ يُرَبِّهِ وَيَتَوَلَّاهُ مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ يَدْخُلُ فِي الْأَوَّلِ دُخُولَ الرُّبُوبِيَّةِ فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْأُلُوهِيَّةَ أَيْضًا. وَالِاسْمُ " الرَّحْمَنِ " يَتَضَمَّنُ كَمَالَ التَّعْلِيقَيْنِ وَبِوَصْفِ الْحَالَيْنِ فِيهِ تَتِمُّ سَعَادَتُهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ فَذَكَرَ هُنَا الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ: (الرَّحْمَنَ و (رَبِّي و (الْإِلَهَ وَقَالَ: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ كَمَا ذَكَرَ الْأَسْمَاءَ الثَّلَاثَةَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ؛ لَكِنْ بَدَأَ هُنَاكَ بِاسْمِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا بَدَأَ فِي السُّورَةِ بـ (إيَّاكَ نَعْبُدُ فَقَدَّمَ الِاسْمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ [3]
      يعرب جل أهل اللغة اسم الرحمن كنعتٍ لاسم الجلالة الله ، في حين نقول أن الرحمن هو اسم ثانٍ لله والرحيم نعت للرحمن ، فيقول مثلا محمود صافي :
      (الرحمن) نعت للفظ الجلالة «1» . (الرحيم) نعت ثان للفظ الجلالة.[4]
      يقول الشيخ ناصر بن عبدالكريم العقل في شرحه لكتاب شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة لابن تيمية :
      " يظهر لي والله أعلم أن غالب الصفات الذاتية ترجع إلى اسم الجلالة الله، وغالب الصفات الفعلية ترجع إلى اسم الجلالة الرحمن؛ لأن من الرحمن تكون الرحمة وهي فعل الله، ورحمة الله هي السائدة في أفعاله؛ وكثير من أفعال الله على مقتضى الرحمة، والتأليه بمعنى: العبودية والعظمة لله ، لأن المألوه هو العظيم المعبود، فترجع بقية الأسماء أو تكون الأسماء موزعة بين الفعلية والذاتية، والذاتية أكبر ما يجمعها هو اسم الجلالة الله، والفعلية أفضل الأسماء التي ترمز هي الرحمة، والله أعلم." [5]
      وقال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير في سياق تفسير الآية التاسعة عشر من سورة مريم :
      وَتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ إِيمَاءٌ إِلَى أَن وصف الرحمان الثَّابِتِ لِلَّهِ، وَالَّذِي لَا يُنْكِرُ الْمُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وَإِنْ أَنْكَرُوا لَفْظَهُ، يُنَافِي ادِّعَاءَ الْوَلَدِ لَهُ لأنّ الرحمان وَصْفٌ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وَتَكَثُّرِهَا. وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهَا شَامِلَةٌ لكل مَوْجُود، فَذَلِك يَقْتَضِي أَن كل مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَتَقَوَّمُ ذَلِك إِلَّا بتحقق الْعُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْضُ الْمَوْجُودَاتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعَالَى لَاسْتَغْنَى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأَنَّهُ يكون بالبنوة مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ الْغِنَى الْمُطْلَقَ، وَلِأَنَّ اتِّخَاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ وَرَحْمَتَهُ لَهُ، وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.[6]
      وقال صاحب تفسير المنار في الإشارة للرحمن الرحيم :
      وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى " الرَّحْمَنِ " الْمُنْعِمُ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ، وَمَعْنَى " الرَّحِيمِ " الْمُنْعِمُ بِدَقَائِقِهَا، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ الرَّحْمَنَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِنِعَمٍ عَامَّةٍ تَشْمَلُ الْكَافِرِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ، وَالرَّحِيمَ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالنِّعَمِ الْخَاصَّةِ بِالْمُؤْمِنِينَ. وَكُلُّ هَذَا تَحَكُّمٌ فِي اللُّغَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَبْنَى تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى. وَلَكِنَّ الزِّيَادَةَ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْوَصْفِ مُطْلَقًا، فَصِفَةُ الرَّحْمَنِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْإِحْسَانِ الَّذِي يُعْطِيهِ سَوَاءٌ كَانَ جَلِيلًا أَوْ دَقِيقًا. وَأَمَّا كَوْنُ أَفْرَادِ الْإِحْسَانِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ الْأَكْثَرُ حُرُوفًا أَعْظَمَ مِنْ أَفْرَادِ الْإِحْسَانِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اللَّفْظُ الْأَقَلُّ حُرُوفًا فَهُوَ غَيْرُ مَعْنِيٍّ وَلَا مُرَادٍ. وَقَدْ قَارَبَ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى الرَّحْمَنِ الْمُحْسِنُ بِالْإِحْسَانِ الْعَامِّ، وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي تَخْصِيصِ مَدْلُولِ الرَّحِيمِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الثَّانِيَ مُؤَكِّدٌ لِلْأَوَّلِ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا هُوَ عَدَمُ الِاقْتِنَاعِ بِمَا قَالُوهُ مِنَ التَّفْرِقَةِ مَعَ عَدَمِ التَّفَطُّنِ لِمَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ.[7]
      ثم استطرد مشيراً لقول الإمام ابن القيم في التفريق بين الرحمن والرحيم :
      أَقُولُ قَدْ سَبَقَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، وَلَكِنَّهُ عَكَسَ فِي دَلَالَةِ الِاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ. قَالَ: وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الرَّحْمَنِ وَالرَّحِيمِ فَفِيهِ مَعْنًى بَدِيعٌ، وَهُوَ أَنَّ الرَّحْمَنَ دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَالرَّحِيمَ دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْحُومِ، وَكَأَنَّ الْأَوَّلَ الْوَصْفُ وَالثَّانِيَ الْفِعْلُ، فَالْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُهُ أَيْ صِفَةُ ذَاتٍ لَهُ سُبْحَانَهُ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ، أَيْ صِفَةُ فِعْلٍ لَهُ سُبْحَانَهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ فَهْمَ هَذَا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى: (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) ، (إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) وَلِمَ يَجِيءْ قَطُّ رَحْمَنُ بِهِمْ، فَعَلِمْتُ أَنَّ رَحْمَنَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ. وَرَحِيمٌ هُوَ الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ. قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: هَذِهِ النُّكْتَةُ لَا تَكَادُ تَجِدُهَا فِي كِتَابٍ، وَإِنْ تَنَفَّسَتْ عِنْدَهَا مِرْآةُ قَلْبِكَ لَمْ تَنْجَلِ لَكَ صُورَتُهَا.[8]
      وهكذا نجد الغالب الأعم من الأقوال لا تتجاوز اشتقاق اسم الجلالة الرحمن من الرحمة دون تبيان الأصول المتعلقة بالاسم من حيث اقترانه باسم الجلالة الله ومواضع تميزهما عن بعضهما على النحو الذي نقوله.
      وقال صالح آل الشيخ في التمهيد لشرح كتاب التوحيد ما يفيد باعتقاد مفاده أن الرحمن مشتق من الرحمة على وجه المبالغة من الرحيم :
      "وقول الله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: 30] [الرعد: 30] . الآية "، الرحمن: من أسماء الله - - والمشركون والكفار في مكة كانوا يقولون: لا نعلم الرحمن إلا رحمن اليمامة، فكفروا باسم الله (الرحمن) وهذا كفر بنفسه؛ ولهذا قال - -: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ [الرعد: 30] يعني: باسم الله (الرحمن) ، وهذا اسم من أسماء الله الحسنى، وهو مشتمل على صفة الرحمة؛ لأن (الرحمن) فيه صفة الرحمة ومبني على وجه المبالغة، فالرحمن أبلغ في اشتماله على صفة الرحمة من اسم (الرحيم) ؛ ولهذا لم يتسم به على الحقيقة إلا الله - - فهو من أسماء الله العظيمة التي لا يشركه فيها أحد، أما (الرحيم) فقد أطلق الله - جلا وعلا - على بعض عباده بأنهم رحماء، وأن نبيه ، رحيم كما قال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128] [التوبة: 128.] ." [9]

      [1] ص26 - كتاب روائع البيان تفسير آيات الأحكام - سورة الفاتحة

      [2] ص93 - كتاب مفهوم الأسماء والصفات لسعد ندا - ما ورد في القرآن الكريم سورة الفاتحة - المكتبة الشاملة الحديثة

      [3] ص13 الجزء 14 من كتاب مجموع الفتاوى - معنى الإله والرب وسر تقديم إياك نعبد على إياك نستعين.

      [4] ص25 - كتاب الجدول في إعراب القرآن - محمود صافي - سورة الفاتحة آية - المكتبة الشاملة الحديثة

      [5] ص8 - شرح كتاب قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة - رجوع الأسماء الحسنى إلى الله الرحمن

      [6] ص173 - التحرير والتنوير - سورة مريم .

      [7] ص39 - تفسير المنار - - المكتبة الشاملة الحديثة

      [8] ص40 - تفسير المنار - - المكتبة الشاملة الحديثة


      [9] ص438 - التمهيد لشرح كتاب التوحيد - باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات

      تعليق

      20,080
      الاعــضـــاء
      238,426
      الـمــواضـيــع
      42,918
      الــمــشـــاركـــات
      يعمل...
      X