• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ

      قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)
      قال ابن كثير :
      يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ فِي سَبِيلِهِ سَبِيلِ الْخَيْرِ لِيَدَّخِرُوا ثَوَابَ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَلِيكِهِمْ وَلْيُبَادِرُوا إِلَى ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ أَيْ: لَا يُبَاعُ أَحَدٌ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يُفَادَى بِمَالٍ لَوْ بَذَلَهُ، وَلَوْ جَاءَ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَا تَنْفَعُهُ خُلَّةُ أَحَدٍ، يَعْنِي: صَدَاقَتُهُ بَلْ وَلَا نَسَابَتُهُ كَمَا قَالَ: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [الْمُؤْمِنُونَ:101] وَلا شَفَاعَةٌ أَيْ: وَلَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ.
      وَقَوْلُهُ: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ مُبْتَدَأٌ مَحْصُورٌ فِي خَبَرِهِ أَيْ: وَلَا ظَالِمَ أَظْلَمَ مِمَّنْ وَافَى اللَّهَ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَالَ: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.
      قال في التحرير والتنوير :
      مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ مِثْلُ مَوْقِعِ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [الْبَقَرَة: 245] الْآيَة لأنّه لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى بَذْلِ نُفُوسِهِمْ لِلْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الْبَقَرَة: 244] شَفَعَهُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى بَذْلِ الْمَالِ فِي الْجِهَادِ بِقَوْلِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [الْبَقَرَة: 245] عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْأَنْفَال: 72] ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي قُوَّةِ التَّذْيِيلِ لِآيَةِ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لِأَنَّ صِيغَةَ هَذِهِ الْآيَةِ أَظْهَرُ فِي إِرَادَةِ عُمُومِ الْإِنْفَاقِ الْمَطْلُوبِ فِي الْإِسْلَامِ، فَالْمُرَادُ بِالْإِنْفَاقِ هُنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ الْمَفْعُولُ وَالْمُتَعَلِّقُ لِقَصْدِ الِانْتِقَالِ إِلَى الْأَمْرِ بِالصَّدَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا، وَسَتَجِيءُ آيَاتٌ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ.
      وَقَوْلُهُ: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ صِيغَةُ قَصْرٍ نَشَأَتْ عَنْ قَوْلِهِ: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ فَدَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ تَعْرِيضٌ وَتَهْدِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَعَقَّبَ بِزِيَادَةِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِمْ وَالتَّنْدِيدِ بِأَنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ وَالْمُهَدَّدَ بِهِ قَدْ جَلَبُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِمُكَابَرَتِهِمْ فَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ، وَهَذَا أَشَدُّ وَقْعًا عَلَى الْمُعَاقَبِ لِأَنَّ الْمَظْلُومَ يَجِدُ لِنَفْسِهِ سَلْوًا بِأَنَّهُ مُعْتَدًى عَلَيْهِ، فَالْقَصْرُ قَصْرُ قَلْبٍ، بِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ مَظْلُومُونَ. وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ قَصْرًا حَقِيقِيًّا ادِّعَائِيًّا لِأَنَّ ظُلْمَهُمْ لَمَّا كَانَ أَشَدَّ الظُّلْمِ جُعِلُوا كَمَنِ انْحَصَرَ الظُّلْمُ فِيهِمْ.
      وَالْمُرَادُ بِالْكَافِرِينَ ظَاهِرًا الْمُشْرِكُونَ، وَهَذَا مِنْ بَدَائِعِ بَلَاغَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ صَالِحَةٌ أَيْضًا لِتَذْيِيلِ الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِنْفَاقَ لِقِتَالِ الْمُشْركين الَّذين بدأوا الدِّينَ بِالْمُنَاوَأَةِ، فَهُمُ الظَّالِمُونَ لَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ لِحِمَايَةِ الدِّينِ وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ. وَذِكْرُ الْكَافِرِينَ فِي مَقَامِ التَّسْجِيلِ فِيهِ تَنْزِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَتْرُكُوا الْإِنْفَاقَ إِذْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ ذَلِكَ، فَتَرْكُهُ وَالْكُفْرُ مُتَلَازِمَانِ، فَالْكَافِرُونَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَالْمُؤْمِنُونَ لَا يَظْلِمُونَهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [فصلت: 6، 7] ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُصَوِّرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَكْمَلِ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ وَيُقَابِلُ حَالَهُمْ بِحَالِ الْكُفَّارِ تَغْلِيظًا وَتَنْزِيهًا، وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا اعْتَقَدَ بَعْضُ فِرَقِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ تُبْطِلُ الْإِيمَانَ كَمَا قدّمناه.
    20,085
    الاعــضـــاء
    238,479
    الـمــواضـيــع
    42,936
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X