"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (24)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة :الصافات": (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ)

القول الأقرب أن (أو) على أصلها للتنويع, وليست بمعنى (بل), ولا (الواو) ولا (الشك في نظر المخاطبين).
وإنما هو أسلوب بليغ يراد به التأكيد على الوصف المذكور, فهو أسلوب يفهم منه كثرة الشيء أو شدة قربه أو قسوته ونحو ذلك, فـ(أو) مع ما قبلها وما بعدها ككلمة واحدة يراد بها التأكيد على الكثرة أو القرب أو الشدة أو غيرها.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف المفسرون في قوله: (أو يزيدون) إذ أن ظاهره يقتضي الشك تعالى الله عن ذلك.
ومثل ذلك قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
وقوله: يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
وقوله: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
وقوله: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ.

وقد اختلف المفسرون في هذه الآيات على أربعة أقوال:
القول الأول: أنها بمعنى (بل), أي: بل يزيدون, وبل هي أشد قسوة, وبل أشد خشية, وهكذا.
(ذكر هذا القول ابن جرير*, والماتريدي*, والبغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*, وابن كثير*, وابن عاشور*) (وذكره الرازي* عند تفسير آية (فهي كالحجارة أو أشد قسوة)

وقد اختلف النحويون هل يصح أن تكون (أو) بمعنى (بل)
فذهب الفراء وأبو عبيدة إلى أنه يصح أن تكون بمعنى (بل), وذهب كثير من النحاة إلى أنه لا يصح.

قال الفراء في "معاني القرآن": "من زعم أن أو في هذه الآية على غير معنى (بل) فقد افترى على الله لأن الله لا يشك".

وقال ابن عاشور: "بمعنى (بل) على قول الكوفيين واختيار الفراء وأبي علي الفارسي وابن جني وابن برهان".

وخالفهم جماعة.
قال أبو جعفر النحاس في "معاني القرآن": "قال أبو عبيدة والفراء هي بمعنى (بل) وهذا خطأ عند أكثر النحويين الحذاق".

قلت: القول بأنها بمعنى (بل) في هذه الآية بعيد, فكيف يخبر الله بخبر فيه عدد معين أو وصف معين دقيق أو حد معين ثم يذكر بعد قوله: (بل) ما يخالف ذلك العدد المعين أو الوصف الدقيق أو الحد.
فيخبر أنها كالحجارة, ثم يخبر أنها أشد قسوة من الحجارة.
ويخبر أنه قاب قوسين, ثم يخبر أنه أدنى من قوسين.
ويخبر أن الساعة كلمح البصر, ثم يخبر أنها أقرب من لمح البصر, وهكذا.
هذا بعيد جداً.

القول الثاني: أنها بمعنى الواو, فالمعنى مائة ألف ويزيدون. (ذكره البغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*) (وذكره الرازي* وابن كثير* عند تفسير آية (فهي كالحجارة أو أشد قسوة)

قال النحاس في "معاني القرآن: "وهذا أيضاً خطأ لأن فيه بطلان المعاني".

قلت: نعم هذا القول فيه بعد أيضاً, لأن ظاهر الآيات يدل على التحديد الدقيق (كلمح البصر) (قاب قوسين) (كالحجارة) (كخشية الله), فيبعد والله أعلم ذكر هذا التحديد الدقيق ويكون المراد أنه أقرب من ذلك, أو أدنى من ذلك, أو أشد قسوة, أو أشد خشية.

القول الثالث: أن المراد أنه كذلك في تقديركم بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون.
فالمراد أن من نظر إليهم لا يظن دون مائة ألف، ولكن يظن مائة ألف وزيادة (ذكره الماتريدي*, والبغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*, وابن عاشور*) (واقتصر عليه الزمخشري*) (وصححه الرازي*)
وذكره ابن جرير* وابن كثير* عند تفسير آية (فهي كالحجارة أو أشد قسوة)
قال ابن جرير: "أو أشد من الحجارة، عندهم وعند من عرف شأنهم".

قال الزمخشري: "أو يزيدون في مرأى الناظر أي: إذا رآها الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر، والغرض: الوصف بالكثرة".

وقال عند آية فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً: "والمعنى: أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً".

وقال ابن عطية: "وقالت فرقة: هي على بابها في الشك. ومعناه: عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم، أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة".

وقال الرازي: "وقوله تعالى: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ
وقوله تعالى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
وأجابوا عنه من وجوه كثيرة, والأصح منها وجه واحد وهو أن يكون المعنى أو يزيدون في تقديركم بمعنى أنهم إذا رآهم الرائي قال: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون على المائة، وهذا هو الجواب عن كل ما يشبه هذا".

وقال القرطبي: "قال المبرد: المعنى وأرسلناه إلى جماعة لو رأيتموهم لقلتم هم مائة ألف أو أكثر، وإنما خوطب العباد على يا يعرفون, وقال الأخفش والزجاج: أي أو يزيدون في تقديركم".

قلت: هذا القول الثالث أيضاً لا يخلو من الإشكال, فإن الآيات إنما هي إخبار من الله تعالى بأوصاف دقيقة جازمة مؤكدة, لا دليل ولا قرينة على أن المراد في تقديركم.

القول الرابع: أن (أو) في هذه الآيات على أصلها للتنويع, وليست بمعنى (بل), ولا (الواو) ولا (الشك في نظر المخاطبين).
وإنما هو أسلوب بليغ يراد به أن الأمر كذلك بكل تأكيد, من الكثرة أو القرب أو الخشية أو القسوة.
(هذا القول أشار إليه بعض المفسرين بعبارات متنوعة سأنقلها بعد قليل)

وهذا القول هو الأقرب.
فليس المراد الإخبار عن عدد محدد أو وقت محدد أو غير ذلك, إنما المراد التأكيد على الوصف المذكور, فهو أسلوب عربي بليغ يفهم منه كثرة الشيء أو شدة قربه أو قسوته ونحو ذلك, فهم كثير جداً مائة ألف أو يزيدون, وهو قريب جداً قاب قوسين أو أدنى, وأمر الساعة قريب جداً كلمح البصر أو أقرب, والقلوب شديدة القسوة كالحجارة أو أشد, ويخشون الناس خشية عظيمة كخشية الله أو أشد.
فـ(أو) مع ما قبلها وما بعدها ككلمة واحدة يراد بها التأكيد على الكثرة أو القرب أو الشدة أو غيرها.
يؤيد ذلك أن قساوة القلوب معنوية ليست كقساوة الحجارة.

والآن أنقل عبارات متفرقة من كلام بعض المفسرين تؤيد ما قلته من أن أو على أصلها وأنه أسلوب يراد به تأكيد الكثرة أو الشدة أو القرب أو غيرها.

قال الزمخشري عند تفسير قوله: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ): "والغرض: الوصف بالكثرة".

وقال عند تفسير آية وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ: "أي: كما تقولون أنتم في الشيء الذي تستقربونه: هو كلمح البصر أو هو أقرب، إذا بالغتم في استقرابه".

وقال ابن كثير عند تفسير آية فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى: "قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه، كقوله: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة، أي: ما هي بألين من الحجارة، بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة.
أي: ليسوا أقل منها بل هم مائة ألف حقيقة، أو يزيدون عليها. فهذا تحقيق للمخبر به لا شك ولا ترد".

وقال ابن عاشور عند تفسير آية: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً: "ويجوز أن تكون للتخيير في الأخبار... والمقصود من التخيير أن المتكلم يشير إلى أنه لا يرمي بكلامه جزافاً ولا يذمهم تحاملاً بل هو متثبت متحر في شأنهم".

وقال ابن عاشور أيضاً عند تفسير قوله تعالى: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى: "قوله: أَوْ أَدْنَى... أي لا أزيد إشارة إلى أن التقرير لا مبالغة فيه".

وقال ابن عاشور كذلك عند تفسير آية وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ: "وأو في (أو هو أقرب) للإضراب الانتقالي، إضراباً عن التشبيه الأول بأن المشبه أقوى في وجه الشبه من المشبه به، فالمتكلم يخيل للسامع أنه يريد تقريب المعنى إليه بطريق التشبيه، ثم يعرض عن التشبيه بأن المشبه أقوى في وجه الشبه وأنه لا يجد له شبيهاً فيصرح بذلك فيحصل التقريب ابتداء ثم الإعراب عن الحقيقة ثانياً".

وقال صاحب الظلال عند تفسير آية فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى: "على بعد ما بين القوسين أو أدنى, وهو تعبير عن منتهى القرب".

وفي بعض هذه الآيات أقوال أخرى:
ففي آية (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ)
قيل: "كأنه وقت ما بعثه إليهم كانوا مائة ألف، ثم ازدادوا بعد ذلك". (ذكره الماتريدي*)

وفي آية فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً:
قيل: معناها التخيير، أي: شبهوها بالحجارة تصيبوا، أو بأشد من الحجارة تصيبوا (ذكره ابن عطية*, والرازي*, والقرطبي*, وابن كثير*)

وقيل: "إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر، وفيهم من قلبه أشد من الحجر، فالمعنى فهي فرقتان كالحجارة أو أشد، ومثل هذا قولك: أطعمتك الحلو أو الحامض، تريد أنه لم يخرج ما أطعمته عن هذين" (ذكره ابن عطية*, والرازي*, والقرطبي*, وابن كثير*) (وقواه ابن جرير*)

وقيل: "إنما أراد أنها كانت كالحجارة يترجى لها الرجوع والإنابة، كما تتفجر الأنهار ويخرج الماء من الحجارة، ثم زادت قلوبهم بعد ذلك قسوة بأن صارت في حد من لا ترجى إنابته، فصارت أشد من الحجارة، فلم تخل أن كانت كالحجارة طوراً أو أشد طوراً" (ذكره ابن عطية*)
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/