"النوال في تحرير ما للمفسرين من أقوال" (26)

اكتب في (قوقل) (النوال. وأول الآية) التي تريد معرفة ملخص آراء المفسرين فيها.

قال الرازي في من يفهم آيات القرآن على الآراء الضعيفة: "أقول حقاً: إن الذين يتبعون أمثال ذلك قد حرموا الوقوف على معاني كلام الله تعالى حرماناً عظيماً".

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال الله تعالى في سورة "الرعد": (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)
وقال تعالى في سورة "الأنبياء" (أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ)

القول الأقرب في الآية أن المراد خراب الأرض والنقص في عمران البلاد.
فالمراد والله أعلم التغيير والانحسار الذي يقضي به الله على البلاد والأمم فتنقص وتتقلص وتضعف بأمر الله وقدرته, وفي هذا تهديد للكفار.

والآن إلى ذكر أقوال المفسرين في الآية.
اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية على خمسة أقوال:
القول الأول: أن المراد ظهور المسلمين وانتصاراتهم على المشركين فينتقص من بلاد الكفار باستيلاء أهل الإسلام عليها.
(رجح هذا القول ابن جرير*, وابن كثير*) (واقتصر عليه الزمخشري*) (وذكره الماتريدي*, والبغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*, والرازي*, وابن عاشور*)
(وفي موضع آية الأنبياء اقتصر عليه ابن جرير*, والبغوي*, والقرطبي*) (ورجحه الرازي*, والشنقيطي*)

قال الزمخشري: "فإن قلت: أي فائدة في قوله: (نأتي الأرض)؟
قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدى المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها".

واعترض ابن عاشور على هذا القول.
فقال عند تفسير آية "الأنبياء": "المراد بنقصان الأرض: نقصان من عليها من الناس لا نقصان مساحتها, لأن هذه السورة مكية فلم يكن ساعتئذ شيء من أرض المشركين في حوزة المسلمين. والقرينة المشاهدة".

ثم قال ابن عاشور: "المراد: نقصان عدد المشركين بدخول كثير منهم في الإسلام ممن أسلم من أهل مكة".

قلت: هذا القول الذي رجحه ابن عاشور في الآية بعيد, وله قول آخر قاله عند آية سورة "الرعد" كما سيأتي عند ذكر القول الرابع.

القول الثاني: أن المراد خراب الأرض والنقص في عمران البلاد. (ذكره ابن جرير*, والبغوي*, وابن عطية*, والقرطبي*, والرازي*, وابن كثير*, والشنقيطي*) (واقتصر عليه صاحب الظلال*)

(وفي آية الأنبياء جمع ابن جرير بين هذا القول والذي قبله) فقال: نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها، وغلبتناهم، وإجلاؤهم عنها، وقتلهم بالسيوف".

وهذا القول الثاني هو أقرب الأقوال, فيكون المراد والله أعلم التغيير والانحسار الذي يقضي به الله على البلاد والأمم فتنقص وتتقلص وتضعف بأمر الله وقدرته, وفي هذا تهديد للكفار.

وليس المراد بالأرض كل الأرض, إنما المراد الأرض التي تكون فيها البلاد, كما في قوله تعالى: (وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض) أي: أرض الشام.

قال صاحب الظلال: "وإن يد الله القوية لبادية الآثار فيما حولهم، فهي تأتي الأمم القوية الغنية - حين تبطر وتكفر وتفسد - فتنقص من قوتها وتنقص من ثرائها وتنقص من قدرها, وتحصرها في رقعة من الأرض ضيقة بعد أن كانت ذات سلطان وذات امتداد، وإذا حكم الله عليها بالانحسار فلا معقب لحكمه، ولا بد له من النفاذ".

وقال عند تفسير آية الأنبياء: "ومن ثم يلمس السياق وجدانهم بعرض المشهد الذي يقع كل يوم في جانب من جنبات الأرض حيث تطوى رقعة الدول المتغلبة وتنحسر وتتقلص. فإذا هي دويلات صغيرة وكانت امبراطوريات. وإذا هي مغلوبة على أمرها وكانت غالبة. وإذا هي قليلة العدد وكانت كثيرة. قليلة الخيرات وكانت فائضة بالخيرات ..
والتعبير يرسم يد القدرة وهي تطوي الرقعة وتنقص الأطراف وتزوي الأبعاد ... فإذا هو مشهد ساحر فيه الحركة اللطيفة وفيه الرهبة المخيفة! «أَفَهُمُ الْغالِبُونَ»؟ فلا يجري عليهم ما يجري على الآخرين؟".

القول الثالث: أن المراد نقص بركة الأرض وثمرتها وموت أهلها. (ذكره ابن جرير*, وابن عطية*, والقرطبي*, وابن كثير*, والشنقيطي*) (وذكره الماتريدي* عند تفسير آية الأنبياء)

القول الرابع: المراد إهلاك الأمم المكذبة السابقة قبل قريش. (ذكره القرطبي*). (ورجحه ابن كثير*) (وصوبه الشنقيطي*) (ومال إليه ابن عاشور*)

(رجحه ابن كثير* عند تفسير آية الأنبياء) فقال: "أحسن ما فسر بقوله تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ".

(وصوب الشنقيطي* قول ابن كثير) فقال عند تفسير آية الأنبياء: "ما ذكره ابن كثير صواب، واستقراء القرآن العظيم يدل عليه، وعليه فالمعنى: أفلا يرى كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله والكفر بما جئت به أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أي: بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط".

(ومال إليه ابن عاشور*) فقال: "ألم يعملوا ما حل بأراضي الأمم السابقة من نقص, وأطلقت الأرض هنا على أهلها مجازاً، بقرينة تعلق فعل النقص بها، لأن النقص لا يكون في ذات الأرض ولا يرى نقص فيها ولكنه يقع فيمن عليها".

القول الخامس: أن المراد ذهاب فقهائها وعلمائها وخيارها. (ذكره ابن جرير*, والماتريدي*, والبغوي*, وابن عطية*, والرازي*, وابن كثير*) (وضعفه الشنقيطي*)

(واستبعده القرطبي*) فقال: "هذا القول بعيد، لأن مقصود الآية: أنَّا أريناهم النقصان في أمورهم، ليعلموا أن تأخير العقاب عنهم ليس عن عجز".

فهذا القول بعيد إذاً, فإن سياق الآيات ولفظ الآية يدل على ضعف هذا القول.
والله تعالى أعلم.

للاطلاع على مقدمة سلسلة (النوال)
انظر هنا
https://majles.alukah.net/t188624/