• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • من فوائد التدبر

      من أعظم فوائد التدبر أن يعيش المسلم مع كلام الله تعالى بقلبه وعقله ، فيقف على معاني آياته ، في سياحة فكرية روحية يقف فيها على معالم الحق ؛ قال ابن تيمية - : فِي تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ وَتَفَهُّمِهِ مِنْ مَزِيدِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ مَا لَا يُحِيطُ بِهِ بَيَانٌ[1].
      قال ابن القيم - : وأما التأمل في القرآن ؛ فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه ، وجمع الفكر على تدبره وتعقله ؛ وهو المقصود بإنزاله ، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر ، قال الله تعالى : ] كِتَابٌأَنْزَلْنَاهُإِلَيْكَمُبَارَكٌلِيَدَّبَّرُواآيَاتِهِوَلِيَتَذَكَّرَأُولُوالْأَلْبَابِ [ [ ص : 29 ] ، وقال تعالى : ] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [ [ محمد : 24 ] ، وقال تعالى : ] أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [ [ المؤمنون : 68 ] ، وقال تعالى : ] إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ [ الزخرف : 3 ] ، وقال الحسن : نزل القرآن ليتدبر ويعمل به فاتخذوا تلاوته عملا .ا.هـ .
      فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن ، وإطالة التأمل ، وجمع منه الفكر على معاني آياته ، فإنها تُطْلِعُ العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما ، وعلى طرقاتهما ، وأسبابهما ، وغاياتهما ، وثمراتهما ، ومآل أهلهما ، وتُتِلُّ في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة ، وتُثَبِّت قواعد الإيمان في قلبه ، وتشيد بنيانه ، وتوطد أركانه ، وتريه صورة الدنيا والآخرة ، والجنة والنار في قلبه ، وتحضره بين الأمم ، وتريه أيام الله فيهم ، وتبصره مواقع العبر ، وتُشهده عدل الله وفضله ، وتعرفه ذاته ، وأسماءَه وصفاته وأفعالَه ، وما يحبه وما يبغضه ، وصراطه الموصل إليه ، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ، وقواطع الطريق ، وآفاتها ؛ وتعرفه النفس وصفاتها ، ومفسدات الأعمال ومصححاتها ، وتعرفه طريق أهل الجنة ، وأهل النار ، وأعمالهم ، وأحوالهم ، وسيماهم ، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه ، وافتراقهم فيما يفترقون فيه .
      وبالجملة : تعرفه الربَّ المدعو إليه ، وطريق الوصول إليه ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه ؛ وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشيطان ، والطريق الموصلة إليه ، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه .
      فهذه ستة أمور ضرورية للعبد معرفتها ومشاهدتها ومطالعتها ، فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها ، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها ، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم ، فتريه الحق حقًّا والباطل باطلًا ، وتعطيه فرقانًا ونورًا يفرق به بين الهدى والضلال ، والغي والرشاد ؛ وتعطيه قوة في قلبه ، وحياة وسعة وانشراحًا وبهجة وسرورًا ، فيصير في شأن والناس في شأن آخر ؛ فإن معاني القرآن دائرة على التوحيد وبراهينه ، والعلم بالله ، وما له من أوصاف الكمال ، وما ينزه عنه من سمات النقص ، وعلى الإيمان بالرسل ، وذكر براهين صدقهم ، وأدلة صحة نبوتهم ، والتعريف بحقوقهم ، وحقوق مرسلهم ، وعلى الإيمان بملائكته ، وهم رسله في خلقه وأمره ، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته ، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلوي والسفلي ، وما يختص بالنوع الإنساني منهم ، من حين يستقر في رحم أمه ، إلى يوم يوافي ربه ويقدم عليه ؛ وعلى الإيمان باليوم الآخر ، وما أعد الله فيه لأوليائه من دار النعيم المطلق ، التي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ، ولا تنغيص ؛ وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل التي لا يخالطها سرور ، ولا رخاء ، ولا راحة ولا فرح ، وتفاصيل ذلك أتم تفصيل وأبينه ، وعلى تفاصيل الأمر والنهي والشرع والقَدَر ، والحلال والحرام ، والمواعظ والعبر ، والقصص والأمثال ، والأسباب والحِكَم ، والمبادئ والغايات في خلقه وأمره ، فلا تزال معانيه تُنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل ، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل ، وتحثه على التضمر والتخفف للقاء اليوم الثقيل ، وتهديه في ظُلَمِ الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل ، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل ، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل ، وتبصره بحدود الحلال والحرام ، وتوقفه عليها ، لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل ، وتُثَبِّتْ قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل ، وتُسهِّل عليه الأمور الصعاب والعقبات الشاقة غاية التسهيل ، وتناديه كلما فترت عزماته ووَنَى في سيره : تقدم الركب ، وفاتك الدليل ، فاللحاق اللحاق ، والرحيل الرحيل ، وتحدو به ، وتسير أمامه سير الدليل ، وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو ، أو قاطع من قطاع الطريق ، نادته : الحذر الحذر ! فاعتصم بالله واستعن به ، وقل : حسبي الله ونعم الوكيل ؛ وفي تأمل القرآن وتدبره وتفهمه أضعافَ أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد ، وبالجملة : فهو أعظم الكنوز ، طلسمه ( أي : سرُّه المكتوم ) : الغوص بالفكر إلى قرار معانيه [2] .ا.هـ .

      [1]انظر ( مجموع الفتاوى ) : 10/ 81 .
      [2] انظر ( مدارج السالكين ) : 1 / 451 - 453 .
      د . محمد عطية
    20,173
    الاعــضـــاء
    231,658
    الـمــواضـيــع
    42,623
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X