• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • كتاب استنباط العلوم من كلام الحي القيوم ليزيد بن عبد الرحمن


      هذا كتابٌ أجمَعُ مادته منذ سنواتٍ، ودِدْتُ أن أضعه بيْنَ يدي إخواننا ليتحفونا بملحوظاتهم ونقدهم وتوجيههمْ، وهو جديدٌ كل الجدة في مواضيعه وطريقة تناوله لمباحث في القرآن وعلومه والعلوم التجريبية والكونية، وعسى أن يكون بداية ثورة علمية بحقّ.
      آملُ أنْ أجد تجاوبًا مع الموضوع بعد قراءة الفهرس.



      فهرس:

      فهرس: 3
      مقدمة: 6
      فوائد البحث:. 13

      الباب الأول: القرآن والعلم والإعجاز. 28


      · الفصل الأول: القرآن الكريم تاريخه وأسماؤه. 28
      المبحث الأول: أسماء القرآن الكريم: الكتاب، الذكر، القرآن والفرقان.. 28
      المطلب الأول:. 28
      المبحث الثاني: تاريخ القرآن الكريم من أسمائه (قبل النزول-الفرقان-النزول(23سنة)-بعد النزول-المصحف). 29

      · الفصل الثاني: العلم. 33
      المبحث الأول: أوضاع العالم العلمية قبل وأثناء البعثة المحمدية الشريفة.. 33
      المبحث الثاني: تأثيرات طول الأمد على العقيدة وبقية العلوم.. 35
      المبحث الثالث: ظواهر قرآنية في العلم والدلالة.. 36
      المبحث الرابع: تصنيف العلوم.. 43

      · الفصل الثالث: الإعجاز والتفسير العلمي للقرآن الكريم. 44
      المبحث الأول: أقوال أهل العلم في احتواء القرآنِ كل العلوم.. 44
      المبحث الثاني: الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بين المؤيدين والمعارضين.. 50
      المبحث الثالث: أركان الإعجاز العلمي في القرآن الكريم.. 60
      المبحث الرابع: العدد والزمن، في معادلة كل شيء.. 62

      الباب الثاني: ترتيب النزول 65


      · الفصل الأول: 65
      المبحث الأول: فوائد و دوافع علم ترتيب النزول:‏ 65
      المبحث الثاني: المؤلفات والتفاسير في باب ترتيب النزول من المسلمين والمستشرقين.. 67
      المبحث الثالث: صعوبات ترتيب نزول القرآن حسب نزوله.. 69
      المطلب الأول: جمع القرآن حسب النزول التاريخي، بين السور وبين الآيات (خمسًا خمسًا أو أدنى من ذلك أو أكثر). 69
      المطلب الثاني: إشكالات في الترتيب:. 71
      المطلب الثالث: تواريخ نزول النجوم والسور وأدلتها:. 71

      · الفصل الثاني: جمعه أمل قائم. 72
      المبحث الأول: اجتهاد.. 72
      المطلب الأول: نزول القرآن ومواقع النجوم.. 72
      المطلب الثاني: تبين ما نزل من القرآن خمسًا.. 74
      المطلب الثالث: تبين ما نزل من القرآن عشرًا.. 75
      المطلب الخامس: أحداث وتواريخ مرجعية.. 76
      المطلب السادس: التقسيم المرحلي لنزول القرآن الكريم.. 76

      الباب الثالث: آفاق استنباط العلوم من القرآن الكريم 77

      · الفصل الأول: استنباط ‏ أسسِ العُلوم وتفصيلِها من القرآن الكريم استناداً إلى الترتيب الزمني للنزول 77
      المبحث الأول: القواعد الأساسية العشر في البحث في الموضوع:‏ 77
      المبحث الثاني: الأدلة الدامغة لاستنباط العلوم حسب ترتيب النزول.. 80
      المطلب الأول: اللحمة اللغوية الدلالية العلمية في القرآن الكريم:. 80
      المطلب الثاني: الآيات الأولى التي نزلت على رسول الله تحمل في طيات معانيها أسس العلوم.. 80
      المطلب الثالث: أوائل العلق والقلم والمزمل والمدثر تمهيدًا لأم الكتاب.. 83
      المبحث الثالث: استنباط أسس العلوم المهمة.. 85
      1- علم عدد السنين والحساب:. 86
      2- علم الطـب والأحياء:. 248
      3- علم الذرة والفيزياء:. 267
      4- علم الوجود‏ والتاريخ:. 285
      5- علم الأصوات وتلاوة القرآن: 292
      6- علم الجدل والبراهين. 293
      7- علم نزول وتاريخ القرآن: 293
      8- ‏علم الشريعة ومقاصدها والفقه وأصوله: 295
      المبحث الثالث: هل يمكنُ إنشاءُ مناهج تعليمية شاملةٍ تتبعُ نزول القرآنِ التاريخيّ.‏ 315

    • #2
      أخي الفاضل...
      حبذا لو أدرجت لنا فصلا من كتابك حتى يتبين لنا مضمون الكتاب، فلا يتبين من خلال الفهرس إلا القليل من المعلومات عن الكتاب.

      تعليق


      • #3
        مقدمة:

        الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته الطيبين الطاهرين.
        كانت فاتحة الكتاب أول أسباب خوضي مضمار هذا البحث، حيث أني كنت أجتهد في تدبر القرآن الكريم امتثالا لأمر الله سبحانه، وأخص فاتحة الكتاب لتكرار قرائتها في كل ركعة وجوبا، ولقد أسرتني بمعانيها العظيمةِ، بل إن أسماءها وآياتها ألهمتني أن أسعى حثيثا في التماس كل معاني الآيات التي أقرأها في آياتها السبع، قال البغوي: "ولها ثلاثة أسماء معروفة: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني"[1].
        وكتبت في ذلك بحثًا مختصرًا لم أنشره، والحق أن البحث الذي كتبت آنذاك قد ضمنته استنباط أسماء الله وصفاته من سورة الفاتحة وهي تنيف على المئة، لكون معرفة الله سبحانه أعظم غاية وأسمى مطلب للمسلمين، ولئن احتوت الفاتحة على محاور القرآن كلها، فأولى أن يكون باب أسماء الله وصفاته أول ما تحويه. وقد أقر العلماء المسلمون "أنها مع قصرها، تشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات"[2].
        ثم تساءلت إن كانت الفاتحة تحوي أسرار وأسس العلوم جميعا، وبحثت في هذا أيضا ردحا من الزمن. لكن الذي دفعني أكثر بهداية ربانية، ورحمة إلهية سؤالان:
        - السؤال الأول: لم لمْ تكن الفاتحةُ أول ما ينزل على رسول الله بدل أوائل العلق مادامت على تلك المنزلة العلية والرتبة السنية، وهي فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني[3]، وهي أعظم سور القرآن كما جاء في الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ قَالَ له : (لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً ‏هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ قُلْتُ لَهُ : أَلَمْ تَقُلْ لَأُعَلِّمَنَّكَ ‏سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ‎ [4].(‎؟
        - والسؤال الثاني: في آية الإسراء التي جاء فيها أنَّ الله فصل كل شيء تفصيلاً، هل هناك سرٌّ يستوجب النظر في عطف علم عدد السنين والحساب على تفصيل كل شيء، وذكر الليل والنهار في قوله سبحانه: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (سورة الإسراء 12).
        ورجعت إلى البعثة المحمدية وما قبلها، عساني أجد إجابات سؤالاتي.
        أما الفاتحة فوجدت أنها على الراجح أول ما نزل سورة كاملة، وخامس ما نزل في ترتيب السُّور (غير المكتملة، وهي العلق والقلم والمزمل والمدثر)، وكل ما سبقها من النجوم تمهيدٌ لها، غايةٌ في التشويق، بل إني أرجح أنَّ لفظ الله لم يتنزل في النجوم السابقة لسورة الفاتحة، فكانت كلمة الله في الفاتحة جواب السؤال العظيم مفتاح الديانة: منْ ربِّي؟ وهو سؤال أطال النبي الكريم التفكر والتحنث لأجله سنين، وجاء في طيات أول آية تنزلت على قلب نبيِّنا اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(العلق 1). كما جاء في التفسير الكبير: "لم ذكر عقيب قوله: "رَبِّكَ" قوله "الَّذِي خَلَقَ" ؟ الجواب: كأن العبد يقول: ما الدليل على أنك ربي؟ فيقول: لأنك كنت بذاتك وصفاتك معدوما. ثم صرت موجودا فلا بد لك في ذاتك وصفاتك من خالق، وهذا الخلق والإيجاد تربية فدل ذلك على أني ربك وأنت مربوبي .[5]
        والذي لا أجده عند المفسرين أن في قوله سبحانه باسم ربك تشويقًا ودفعًا للتساؤل عن الاسم ما هو؟ والإجابة في بسملة فاتحة الكتاب.
        وأما السؤال الثاني فإن تفصيلا يحيط بحال شخص النبي الكريم، وحال العرب، والعالم كله قبل البعثة حري أن يبسط.
        قبل أن يوحى إليه، تمثلتْ في محمدٍ النبي الإنسانِ النقيِّ السريرة، الكريمِ الطباع، كاملُ الصفات الخَلقية والخُلُقية، فكان أن هيأه الله وأدبه بأدبه، وشاء سبحانه أن يأخذ عبده محمدًا بعالم الأسباب في دروب الارتقاء قبل تلقي الوحي وبعده بكلامه وهديه.
        كانت الإنسانية تتخبط في الجهالة قبل الإسلام في تصوراتها ومعارفها المرتبطة بعالَمي الغيب والشهادة، ولمْ تُفْتَحْ لها أبواب العلم والحضارة إلا مع بزوغ فجرِ دين الهداية القيِّم.
        لقد نعت الله نبيه قبل الوحي بالضلال الذي يفيد الحيرة والبحث عن الحق، وامتن عليه أن هداه فقال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (الضحى 7)، وهذه الضلالة هي النسيان والغفلة الناتجة من التراكم لأجيالٍ متعاقبةٍ سابقةٍ منذ آخر نبي أرسله الله وهو عيسى ، على أن عيسى هو نفسه أرسل لقومه بني إسرائيل خاصة مثل بقية الرسل، لا للنَّاس عامة، أي أن أمما أخرى ومنهم العرب هي أبعد عن نور الوحي من بني إسرائيل.
        وشاهِدُ إطلاق معنى النسيان على الضَّلال قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (البقرة 282)، والنسيان مكتوب على الناس كما في الحديث الشريف: "وَنُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ"[6]. ذلك أن الله أخذ العهد على بني آدم فنسوه، قال الله تعالى :وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (الأعراف 172)، 173. قال الشهرستاني: "وغريزة النفس الصافية تنزع إلى جانب القدس في تذكار الأمور الغائبة عن حضرة العقل نزاعًا طبيعيًّا، فتستحضر ما غاب عنها، ولهذا السر أخبر الكتاب الإلهي وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (الكهف 24)، حتى صار كثير من الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكار، وذلك أن النفوس كانت في البدء الأول في عالم الذكر، ثم هبطت إلى عالم النسيان، فاحتاجت إلى مذكرات لما قد نسيت، معيدات إلى ما كانت قد ابتدأت وَ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (الذاريات 55)".[7]
        وشاهدُ إطلاق معنى الغفلة على النسيان أن موسى لما سأله فرعون أجابه: قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (الشعراء 20)، ويعزز القول به خطاب الله لنبيه محمد : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (يوسف 3). وجاء في تفسير قوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا (الأَنعام 122) عن مجاهد : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ، قال : ضالا فهديناه. وقال الزَّجَّاج: جاء في التفسير أنه يعني به النبي .
        ولا عجب أن يصف الله تلكم الحالة من حياة الحيرة والتساؤلات بوصفَي الموت والضلال، مادامت ليس لها في ذهن أكمل الناس عقلا، وأزكاهم نفسا، وأعظمهم خُلُقًا وهو عبده محمد جواب ما لم يكن له علم وبرهان، وكيف لا وهي سؤالات عن الحقائق العظمى المنوطة بالخالق وعالم الغيب والعلاقة القائمة مع المخلوقات وعالم الشهادة، وتفسيرِ كل ما هو حادثٌ على النحو الذي يبعث في النفس طمأنينتَها وسكونَها، وفي الفؤادِ ارتياحَه من نصَبِ الجهل المرْهِق وتَبِعاته من الأوزار وحركة الجوارح على غير نظامٍ ولا هدى، قال الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (الشرح 1-8).
        هكذا عاشت البشرية عهود النور بالنبوات المتلاحقة، وبانقطاع الرسالات والنبوات قبل مبعث محمد ينكسر كِبر الإنسانية واعتدادها بعلمٍ ليس لها من مزية فيه إلا أن حملته، فطال عليها الأمد فضيعته ونسيت أن أصله من الله لا من اجتهاداتٍ بعقولٍ مخلوقة، وانتكست فعاشت الحيرة، لكنها وجدت لها ربًّا عليمًا حكيمًا، خبيرا بحالِها وطباعها فتعاهدها بالكتب تنزَّلُ من السماء تعليماً وهداية، وبالرُّسُلِ نقلاً وإيضاحاً وبيانًا، ملائكةً وإنسًا اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الحج 75). بل إن من رحمة الله أن غيَّر لها الشرائع بالنسخ حتى تتواءم:
        - أولاً مع ما أحدث الناس بجهالاتهم وعصيانهم من آثامٍ وقتل وحروب وأسرٍ لتجد لها الحلول على الرغم من أنها محدثةٌ ليست من أوامر الله الشرعية، قال تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ(الأَعراف 173).
        - وثانياً مع السير على تغييراتٍ وأوامر ربانية كونيةٍ ليس للبشر فيها علم سابقٌ ولا حكم لاحقٌ، كزواج الإخوة المعقول أول زمن آدم ، المرفوض بعده بأزمانٍ لانتفاء علة التكاثر وحفظ النسل إلا به أولَ الأمر.
        وعدم درايته بشيء من شأن هذا النور قبل مجيئه أمرٌ قرره الله جل ثناؤه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ (الشورى 52)، وعند البغوي: مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ يعني شرائع الإيمان ومعالمه. وجاءت تتمة الآية بعده وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (الشورى 52).
        إن الاقتران الدائم في آيات القرآن بين النور والعلم والحياة دليل صدقه ما دامت ثلاثتها غاياتٍ ساميةً محبوبةً في فطرة البشر وهو لا يدع مجالا للريبة فيه، ذلك أننا حين نجول بخيالاتنا في الحال العكسية للبشر في الظلمة والجهل نجدها هلاكا وبوارًا. وللبصير في الأعمى عبرةٌ، فكيف لو كانت العوالم ظلاما حالكًا لا نور فيه وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ (فاطر 19 - 22). وللسميع في الأصم عبرة، فكيف لو كانت العوالم صمتاً دائما لا صوت فيه إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (فاطر 22).
        ثم تأمل من أوهبهم الله نوراً ظاهراً وعلمًا ظاهراً وحياةً ظاهرةً، وكلها تتسم بالنقْص والفناء العاجل أذلك خير أم النعيم الخالد الأبدي في الآخرة: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (الروم 7).
        وفي العلم، سأنبئك عن استنباطٍ أوَّلَ نخْلصُ إليه بفضل الله بجمع آيات من القرآن، بدؤها من كون الملائكة كانت قبل خلق كثير من المخلوقات ومنها الإنسان تتلو الذكر والقرآن، مادام القرآن كلام الله قديما أزليا مفصلا من الذكر، وهذا ما جاء في قوله تعالى: فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (الصافات 3)، فلما خلق الله آدم، وعلمه الأسماء كلها اختبر الملائكة التي عَلِمَت الأسماء من الذكر وجَهِلت إسقاطها على المسميات من المخلوقات: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (البقرة 31 - 33). وفي هذا تشريف استحق به آدم أمر الملائكة بالسجود له: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (البقرة 34).
        علمنا إذن أن الإنسان سابق الملائكةَ في العلم والعقل، وإن كانت قبل آدم أطالت قراءتها للذكر والقرآن أساسِ العلم دون تبين كل ما فيه مع أن الملائكة لا تخلط صحيح ما تتعلمه بالباطل والأساطير بخلاف الإنسان بفعل عوامل ثلاثة: النسيان والإثم والشيطان.
        إن الذي أصاب الإنسان حتى كفر هو تلبيس إبليس بمغالطاته وتغييره الفطرة وما علم الله آدم وبنيه من العلم الصحيح المتعلق بالدين والكون والحياة، حتى تجدَ أمة ًكالإغريق مع علو كعبها في الرياضيات والفلسفة والعلوم تنظر نظرة التقديس إلى المخلوق كالتراب والنار والهواء والماء والعدد على غير بينة، وأمما برعت في الطب والفلك والزراعة تنظر إلى كواكب تتكون من حجارة وتراب على أنها التي تنفع وتضر وتعطي وتمنع، زعما منهم أن ذلك عين العقل والحكمة، في حين أنَّ خدعَ الشيطانِ تلك قديمةٌ قدمَ ما كان منه مع آدم وزوجه حين قال لهما: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (الأَعراف 20)، وما أدراهما أن الملائكة خير منهما أو أنهما ليسا بخالدين، فغرهما بالحلف الكاذب، وما علما أن أحداً يحلف بالله كاذباً. وفي بساطة المتهكم الواثق عاب حكماء قريش على النبي محمد أن جعل الآلهة إلها واحدًا، كأنما هي علاقة رياضية يحكم بها كل ذكي حصيف بزعمهم (360 صنمًا أكبر من إله واحد 1) استيقنوها فتعجبوا مما يخالفها: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (ص 5).
        وخلاصة هذه المقدمة أن دحض الضلالة والظلام والجهل بالهداية والنور والعلم هي ديدن الوحي الإلهي، والعقيدة والرياضيات والفلك وسائر العلوم من المتلازمات المؤثرة بعضها في بعض والتي أصلح فاسدَها القرآنُ كما سنبين في حينه في هذا البحث. لذا تجد رسول الله في حيرته قبل الوحي يرى نهارًا بضياء شمسه وبديع خلق الله فيه، حتى إذا أقبل اليل تبدى له من الملكوت ما هو أعظم فيتفكر ويتدبر في أوقات ذلك الليل الساكن المظلم في خلوته يرقبُ فتحا ونورًا وعلمًا ينجو به منْ الجهْل والضلالِ، يتأمل القمر والنجوم والكواكب والشهب في نظامها السماوي الخارق. ما أشبه ظلام الجهل والجاهلية بظلام الليل المدلهم، وما أحوج البشرية للنور لتنقشع به الظلمات. لقد هيأه الله للرسالة بما هيأ به أباه إبراهيم : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأَنعام 75 - 79).
        لقد دلَّت الأحاديث والآثار كقول لحبر الأمة في تفسير الرتق والفتق أن الليل بظلامه كان مطبقًا إلى أن آذن الله بخلق النهار فجلى بنوره ما خلقَ، وكما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي يقول :( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ ).[8]
        هذه الرحلة القصيرة مع الحضرة النبوية تسلط الضوء على الظلمات التي انجلت بمحمد وما نزل عليه من الذِّكر الحكيم. لِنَقْرَأْ كما أُمِرَ رسولُ الله أنْ يقرأ، ولنتخيل أننا في ذلك الليل البهيم الذي يخفي أسرارًا ترقب نورًا ونهارًا. ولننتقل معًا لنتدبَّرَ نجوم القرآن المتنزلة على قلب النبي الأولَ فالأولَ، لنجدها تفكُّ ألغاز الخلْقِ من أولها، ويعلمنا الله فيها -بدءًا من الرعيل النَّبوي الأغرّ- ما نجهل من العلم النافع الصحيح في الدين والدنيا. وحسبنا أن نقول ما قالت ملائكة الرحمن: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (سورة البقرة 32).
        لعلَّ الأمر لازال ملتبسًا إذا ما ذكرنا سؤالنا عن احتواء القرآن العلوم كلها وتفصيل كل شيءٍ، والسِّر في جمع الليل والنهار والإبصار وفضل الله وعدد السنين والحساب في الآية: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسراء 12). لذا سأردف بمثالٍ تشويقي تأسيا بمنهاج القرآن الكريم في كثير من آياته. ‏
        إذا سلمنا أن تأخر آيات الميراث بل وسورة النساء المشتملة عليها،كان لحكمة أسبقية ترسيخ العقيدة التي عني بها القرآن ‏على مدار الفترة المكية، وأولوية غيرها من العبادات في الفترة المدنية فإن هناك أمرا مهما يستدعي التأمل إضافة إلى تلكم ‏الجوانب. تصور أن هذه الآيات أنزلت في بداية الوحي، هل كانت ستفهم بيسر دون مقدمات سابقة، وهي تحوي خوارزما ‏دقيقا يجتمع فيه الأعداد وكسورها وجمعها والمتراجحات والمنطق، مع أن المنزل إليهم القرآن وإن كانوا عربا فصحاء بلغاء ‏وفيهم أرباب الذكاء الرياضي، إلا أن عوامهم يعنُّ عليهم الفهم اليسير لتقسيم الميراث، مع العلم أن المجتمع الإسلامي ممن ‏يتلو القرآن ويتعلمه -وهم في صدر الإسلام قلة- أكثره الصبي والأمة والعبد وذوو الصنائع البسيطة وليست بيئته على درجة عالية من العلمية. وهذا ليس ‏سببا لتأخرها في النزول لكنه سبب لضرورة وجود دروس تحضيرية لجيل الصحابة في عدد السنين والحساب والمنطق وفق التدرج ‏الرباني الحكيم في تعليم عباده، حتى تضحي المفاهيم التي أشرت إليها في متناول العقول. ألا يعني لك شيئا بعد علمك هذا ‏أن تقرأ في بداية ما أنزل وهي سورة المزمل التي تحوي تقسيمات بسيطة لليل بالكسور على مرحلتين بينهما سنة، الأولى نزل ‏فيها النصف، والثانية كان فيها الثلثان والنصف والثلث؟. ستتكشف لك إن شاء الله منهجية ربانية معجزة من أول كلمة نزلت ‏على النبي اقرأ حتى آخر آية نزلت.‏
        اقرأ كتابي، الذي لم أرد الإطناب فيه اللهم من إشاراتٍ خفيفةٍ، ليقيني بعدم مقدرتنا لا أنا ولا أنت عزيزي القارئ على جمع شتات النفس أمام سيل من العلوم عرمرم ممنهج في جنبات كلام الله، لكن النفس عاجزة عن لمه في عقل ضعيف آثم، ولأفسح لك المجال للتدبُّر أكثر فيما هو واضحٌ جليٌّ من انتظام آي القرآن وإعجازه وفق ترتيب نزوله لتعليم العلوم كافة، ولتتبين جوابًا شافيًا بإذن الله تعالى، وينتابك ما انتابني من شعور أن الحضارة أبطأت مرة أخرى بعد الخلافة الراشدة، وتلك السنن الربانية في الضعف البشري وطول الأمد نأيا عن هدي الوحي زمانا ومنهاجًا، لكنها صنعت على بطءٍ بالمشيئة الإلهية حضارة وأيّ حضارة، وحقيق لخير أمة أخرجت للناس أن تفخر باجتباء الله لها في الاستخلاف والريادة. وشعور آخر، أنه بإمكان المناهج التعليمية أن تكون قرآنية خالصة في العلوم الشرعية والكونية على حد سواء. وأن نبلغ درجة عالية مقبولة عند الله بالتأصيل والتحصيل، بتأصيل العلوم وعزوها إلى باريها، وتحصيل العلم والعمل أكثر مستندين إلى كلام الله لاستنباط ما هو جديد نافع، وما يغنينا عن التبعة لأهل الكفر والباغين، وما يكفينا تعقيدات وأخطارا كثيرة في تكنولوجيات اليوم بإيجاد بدائل أفضل. إن أخطأت فذلك من نفسي ومن الشيطان، وأدعو الله أن يكتب لي أجر المجتهد، وإن أصبت فمن الله وحده، ولك أيها القارئ الكريم جزيل الشكر على التكرم بالصبر، آملا أن تتمتع بعجائب آيات الله ولسانك يلهج: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (آل عمران 191).


        [1] معالم التزيل.
        [2] انظر : "مدارج السالكين" (1/24-27).‏
        [3] قال الحافظ‎ :‎ ‎" ‎اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتهَا " مَثَانِي " فَقِيلَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى كُلّ رَكْعَة أَيْ تُعَاد، وَقِيلَ لِأَنَّهَا يُثْنَى بِهَا عَلَى اللَّه تَعَالَى، وَقِيلَ ‏لِأَنَّهَا اُسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الْأُمَّة لَمْ تَنْزِل عَلَى مَنْ قَبْلهَا" انتهى‎.‎
        [4] رواه البخاري (4474).
        [5] التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي أبو عبد الله محمد بن عمر بن حسين القرشي الطبرستاني الأصل، دار الكتب العلمية ببيروت، سنة النشر: 2004م – 1425هـ ، عدد الأجزاء: ستة عشر مجلد ًا، ص14.
        [6] الترمذي برقم 3076 وقال حديث حسن صحيح.
        [7] الملل والنحل ص 330.
        [8] السلسلة الصحيحة " (رقم/1076)‏.
        التعديل الأخير تم بواسطة محمد يزيد; الساعة 23/05/2017 - 23/05/2017, 10:47 pm. سبب آخر: مراجعة

        تعليق


        • #4
          فوائد البحث:

          لنذكر تغييرات جوهرية في نظام المواقيت حدثت من بعيدٍ، أو كالتي حدثتْ من قريب سنةَ 1582 م مثلًا[2]، ولنذكر أمما كانتْ تعتبِر بعضَ العلوم أسرارًا، وتُحاكم لأجل قضايا علمية محاكماتٍ تودي بحياة علماء متهمين بمخالفة الكنيسة فيما تراه من مركزية الأرض للكون ونظائرها من المسلمات آنذاك عندهم، وما مثل غاليليو عنا ببعيد. إن بين يدي الأمة كتاب ربها الذي فيه في كل دهورها البرهان والبيان ودليل جهوزية المسلمين للردّ على كل مستحدث، والعالم الآن يعج بنظريات تعصف بالعتيق، وتشكك في كل ما سبق، ولعل ميكانيكا نيوتن التي لا تصلح للأبعاد الفلكية الكبيرة ولا لأبعاد الذرة المتناهية في الصغر مثال وجيه على دواعي إعادة نظر كثير من المنظرين في أسس العلوم في المسلمات والنظريات مهما بلغت حداثتها وقوة أدلتها، ومن هنا كان لزاما على المسلم تبينُهُ الثابتَ والمتغيرَ استنادًا إلى كتاب ربه. هبْ أن نظرية اعْتُمِدتْ في تغيير عدة الشهور، أو ماشابهها، لولا ضمان في القرآن لما بَعُدَ أن تضل أمم أو البشر أجمعون.
          يقول ستيفن هاوكنج أحد أعمدة الغرب في الفيزياء النظرية في كتابه "التصميم العظيم" أن "العلم المادي ليس له أي سلطان معرفي، فتجربة علمية واحدة قد تُغير كل نظرياتنا العلمية للأبد، وقد يصح المبدأ الهولوغرامي – والذي يعني أن المجرات حولنا مجرد انعكاسات ضوئية- وساعتها سنكتشف أننا كنا أسرى لخديعة علمية كبرى"[3]. ويقول بول فيرابند فيلسوف العلوم والنِد الأشهر لكارل بوبر: "علماء الطبيعة لا تختلف أغلب نظرياتهم عن أساطير الديانات القديمة لكنها تتسم بأنها أطول قليلاً وأكثر تعقيدًا". طغيان العلم، بول فيرابند، ترجمة مركز دلائل، ص129. وخذ على ذلك أمثلة:
          نظرية الأوتار الفائقة يعمل بها آلاف العلماء وهي دون دليل تجريبي أو رصدي واحد حتى الساعة.
          ونظرية التطور تُدرس في أغلب جامعات العالم ولها مؤسسات علمية عملاقة ولم تُسجل حتى الساعة معلومة واحدة جينية ظهرت داخل كائن حي من خارج الحوض الجيني للنوع وهذا يضرب أصل النظرية.
          والمادة السوداء التي يصل حجمها مع الطاقة السوداء إلى 96% من مادة الكون كما يقرر علماء الفلك، لا دليل رصدي واحد على هذا الحجم ولا دليل على وجودها أصلاً، فهي ليست ضرورية لحِفظ توازن الكون ولكن لحفظ توازن المعادلة الرياضية.
          وقوام علم الفلك المعاصر على مجموعة من الملاحظات القليلة، ومجموعة من المعادلات الرياضية الكثيرة، وأطنان من النظريات العلمية المبنية عليهما، ولا يوجد توافق حقيقةً بين ملاحظاتنا الفلكية القليلة وبين هذا الحشد الضخم من النظريات المنبثقة عنها والممتلئة بحشود من التخمينات."[4]
          إن القرآن كان هو الرقيب على البشرية كيلا تزيغ عن هذه الأسس (عدة الشهور مثلا)، ولازال كذلك. بخلاف ما عاشته قرون قبل نزوله ضلت وأضلت إذ لم يكن لها بيان أو هدى. لقد سمى القرآن ذلك هدى، ولذا جاء في القرآن في معرض الامتنان بعد ذكر أمثال هؤلاء القرون أن القرآن بيان وهدى وموعظة: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران 137 - 138). وقوله: وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (النحل 89). فهو تبيان لكل شيء، وهدى حتى لغير المسلمين في باب العلوم الكونية والتجريبية. وكلتا الآيتين جاءتا بعد ذكر الأمم السابقة. ونظيرها في قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (الأَنعام 154). وفي عشر آيات أخر أمثالها، وإن هذه الثلاثيات التي يتوسطها الهدى (الهداية)، وأولها بيان وتفصيل كل شيء، وما جاء في القرآن من بسط تفاصيلها حقًّا لأكبر دليل يقوض رأي القائلين: "القرآن ليس كتاب علومٍ وكونيات"[5].
          ومن الأكيد المُسَلَّمِ به أنه لولا القرآن لكانت البشرية تنظر إلى العلوم التي فُكَّتْ طلاسمها به سحرا وكهانة، وإلى ظواهر الكون أنها آلهة وأرباب، ولا مراصد ولا حساب ولا طب ولا كيمياء. فإن قيل إنها العلوم كانت قبل البعثة ولازالت، رُدَّ عليهم أن ذلك صنيع بقايا الوحي، لكنها مزجت ببضاعة كاسدة من أوهام الناس، فرحم الله البشرية أن ابتعث إليها نبيا رسولاً بالعلم، ورسالةً حُسنى زكية.
          لقد صنع القرآن العقل العلمي المحيط بأساسياتٍ في العلوم كافة، وعلى مر السنين أثناء النبوة وبعدها أخذت تلك الأساسياتُ تنحو باتجاهات التفرع والغوص في دقائق المعرفة العلمية حتى ظهرت هامات علمية غيرت التاريخ الحضاري. و"إثر نشوء الخلافة الإسلامية، أدت مركزة المعارِفِ العِلْمِيةِ في لُغَةِ الضادِ إلى بُروزِ نُظمٍ واكتِشافاتٍ عِلْمِيةٍ لم يعْهَدْها التاريخُ مِنْ قَبْلُ، وَكُتِبَتْ كُلُّها بالعَرَبِيَّة:كالجَبْرِ عِنْدَ الخوارِزْمِي وَأبي كامِلٍ، والبَصَرِيَّات والفَلَكِ وَرِياضِياتِ اللامُتَناهِيَةِ في الصِغَرِ عِنْدَ ابنِ الهيثم، والمعادلات الجبْيية عِنْدَ الخيام، والأكر عِنْدَ ابن عراق والخجندي[6] والبوزجاني [7]الخ".[8] ولقد قصدت من وراء هذا البحث:
          1- تأكيد إسْلامية المعرفة: قبل البعثة المحمّدية وبعدها، وهيمنة القرآن عليها كلها، جاء في الأثر عن عبدِ الله بن مسْعُودٍ ، قال: (مَنْ أَرَادَ خَير الأوَّلينَ وَالآخِرينَ فَليثوِّرِ القرآنَ، فإنَّ فيهِ خَيْرَ الأوَّلينَ وَالآخِرينَ). وفي لفظ: (عِلْمَ الأوَّلينَ وَالآخِرينَ)[9]، وفي رواية: (مَنْ أَرَادَ العِلْمَ فليثوِّر القرآن)، ولا جرم أن الثورات العلمية تضْحي بهذا المعنى إسلامية النشأة أيضًا. إِنَّ إسْلاميةَ المعرفة أمر يكاد يكون مسلما عند أكثر المسلمين، لكن لا يوجد نظرية شاملة متكاملة تستقي أصول العلوم وأخصها الكونية من القرآن[10] وتقوم بتصنيفها منه وعلى أسسه، والأمر إنْ تمَّ فلنْ يكونَ بِدْعًا لا حجةَ شرعيّةً له، لكنه سيكون محاكاة لأغلب العلوم المستحدثة مثل التوحيد فإن التقسيم القائم على توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات أو باقي التصنيفات لأنواع التوحيد عند بعض أهل العلم، إنما هو اجتهادي اصطلاحي توفيقي وصل إليه العلماء بالاستنباط من القرآن الكريم، اهتدوا إليها بجمع الآيات في الباب الواحد وتفاسيرها من السنة والآثار ورووها بفهوم رصينة لتنبت العلم الصحيح، ولم يكن هو ولا علم التجويد ولا أصول الفقه ولا التزكية وكذا علوم أخرى مما يدرس على النحو المعروف اليوم على زمن النبي وصحابته. والدارس القرآن وتفاسيره، المتدبر له بتلاوته، يخفى عليه دقائق علوم كثيرة في التوحيد والفقه وأصوله واللغة والتشريع وغيرها ما لم يكن هنالك منْ يستنبط له ليكشف عنه أسرارا هي أمامه بالحرف نصًّا، ومعانيها خفية إلى أن يجليها له بالبينة، وكذلك الأمر بالنسبة لعلوم الحساب والهيئة والكيمياء وباقي العلوم الكونية التجريبية. وليس هذا سبيلا "أنْ نحَاكِمَ المعَارِفَ العُلْيا إِلى المعَارِفِ الدُّنْيا"[11]، على حدِّ تعبير الزرقاني لرد فكرة احتواء القرآن علوم الكون، فإنما مَثَلُ المستنبط هذه العلومَ كمثل مؤلف في إعراب القرآن أو صرفه ونحوه، لاستكشاف أوجه بناء كلم القرآن وبيانه.
          2- إحقاق حقوق مسلوبة: إن علماء المسلمين قبل النكسة المختومة بسقوط الأندلس أواخر القرن الخامس عشر الميلادي كانوا يغرفون في الأساس من القرآن والسنة فيما أنتجوا من أفكار وإنتاج علمي أبهر العالم آنذاك وغير نظرته للكون والوجود والعلم وأثمر الحضارة القائمة اليوم، ولا يماري منصفٌ أن كثيرًا من مكتشفاتهم الثمينة سُرقَتْ إبان الزحف الصليبي على بلاد الإسلام وفق خطط ممنهجة[12]، وحفظ الله الباقي حفظًا، ولا أُراهم إلا عدموا السبيل إلى تبديل ذلك الحجم الهائل من باكورة نتاج العلماء المسلمين فنالوا مما حسبوه كافيًا. بل إن السّرقات العلمية وعزوها إلى أوربيين نال من حضارات غير الحضارة العربية والإسلامية أيضا، ولك أن ترى أمثلة نبدأها من الرياضيات:
          1. أسس الحساب بالأعداد والكسور العشرية و كيفية إجراء العمليات الأربع و إيجاد الجذر التربيعي وضع الكاشي والاقليدسي أسسها بطريقة لاتختلف كثيراً عمّا هو متبع اليوم٬ حتى إن الكاشي حسب النسبة π ب 17 رقماً بعد الفاصلة.
          2. الأعداد الحقيقية: المسلمون أول من أطلق صفة عدد على جميع الأعداد الطبيعية والقياسات الهندسية الكسرية وغير الكسرية (الحقيقية). وأول من بسّط وصاغ ما يعرف بنظرية ويلسون وتعرف في يومنا هذا بلاغرانج على اسم العالم الذي استطاع أن يبرهنها بعد 750 عاما من اكتشاف ابن الهيثم لها.
          3. الأعداد المتحابة: استخرج ثابت بن قرة زوج ‏الأعداد المتحابة 17296 و 18416 المنسوبة إلى أويلر عالم الرياضيات السويسري صاحب قاعدة أُويلر الرياضية المشهورة.
          4. الأعداد الزوجية الكاملة وهي الأعداد المساوية لمجموع قواسمها ابن الهيثم أول من حاول تصنيفها.
          5. استخراج الجذور: من علماء كأبي الوفا وعمر الخيام.
          6. نظرية ثنائي الحدود للأسس الصحيحة من الكرجي.
          7. التكامل: مهد العرب لظهور عملية التكامل، وذلك من قبل ابن الهيثم وثابت بن قرة وغيرهم، حيث حسبوا مساحات وأحجام دورانية بطرق تقريبية تشبه تماماً تعريف التكامل المعاصر، ولسنا نعلم محتوى ملايين المخطوطات المسروقة في الحملات الصليبية في هذا الباب، بل وحتى الموجودة غير المحققة في أيامنا بين أيدي المسلمين.
          8. الاشتقاق: استخدم شرف االدين الطوسي فكرة الاشتقاق في دراسة جذور المعادلات كثيرة الحدود، ولكنه لم يسمه باسمه المعروف الآن.
          9. علم المثلثات جزء من علم الفلك، هكذا عده المسلمون، و اهتموا به لصلته بتحديد أوقات الصلاة والشعائر الدينية، وقد أرسى مجموعة من العلماء المسلمين قواعد علم المثلثات قبل القرن العاشر وكان أشهرهم البتاني الذي طوّر هو وابن الهيثم وغيرهم علم المثلثات الكروّي وطبقوه في حل المسائل الفلكية.
          10. جيب وجيب التمام[13] كان البتاني أول من استخدم هذين المصطلحين معرفاً إياهما بوصفهما أطوالاً بدلاً من نسب كما نعرفهما اليوم وأشار للظل(tan) بعبارة الظل الممدود ” أي ظل مستقيم أفقي وهمي مركب على جدار”. من الجدير بالذكر أن كلمة “جيب الزاوية” تعني بالعربية فجوة أو تجويف أو جيب والذي وجدت طريقها إلى اللغة اللاتينية بهذه الكلمة Sinus والانجليزية بهذه الكلمة Sine، وكلاهما مشتق من الكلمة العربية.
          11. مثلث باسكال: [14] وهو المثلث الذي يستخدم في الاحتمالات، معروف منذ أزمنة بعيدة.
          بل وحتى نظريات فاسدة حديثة أخذت أصولها من تفصيلات بديعة لعلماء مسلمين، نحو نظرية داروين في التطور.
          12. التطور في الخلق وتصنيف الكائنات: يعتبر ابن خلدون من أوائل العلماء الذين أشاروا للشبه بين القردة والإنسان حيث يقول في مقدمته:"ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النبات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدرج: آخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات من الحشائش وما لا بذر له؛ وآخر أفق النبات مثل النخل[15] والكرم متصل بأول أفق الحيوان مثل الحلزون والصدف ولم يوجد لهما إلا قوة اللمس فقط. ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد بالاستعداد القريب لأن يصير أول أفق الذي بعده، واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والرؤية، ترتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، وكان ذلك أول أفق من الإنسان بعده، وهذا غاية شهودنا"[16] ولعل ما ذكره من مشاهدات موصولة بالاستنباط من الحديث النبوي الشريف عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : " أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِي فَقَالَ: ( خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ).[17] فتأمل هيئة التدرج البديع في الخلق[18] عند علماء الإسلام المأخوذ أصلا بدءا من النبوة، إن لم يكن من النبي فمن علماء اليونان الذين صرح بعضهم أنهم اقتبسوا من مشكاة النبوة[19]، وكلام علماء الإسلام يقصد به السلم الطبيعي أو التشابه التصاعدي في الكائنات، وليس كما أخذها منهم المتأخرون وأظهرهم داروين الذي حولها إلى نظرية تفسر التدرج بالتغير من خلق إلى خلق. وقد "أشار العالم الإنكليزي الشهير جون ويليام دريبر إلى ما أسماه بـ "نظرية التطور المحمدية" في كتابه في العام 1874 بعنوان "تاريخ الصراع بين الدين والعلم"، إذ كان يشير على الأغلب إلى العالم العربي ابن خلدون الذي هو صاحب كتاب المقدمة في القرن الـ 14 "[20]. على أن مؤلفا قديما للعالم المسلم ابن مسكويه (932 م-1030 م) يسمى "الفوز الأصغر" والذي يعتقد العالم محمد حميد الله أنه ضم أحد أول الإشارات إلى أفكار النشوء والارتقاء في الأحياء والتي سبق بها نظرية تشارلز داروين بمئات السنين. حيث يرى ابن مسكويه في كتابه هذا أن النباتات ارتقت حتى نشأت شجرة النخيل التي يرى أنها هي أرقى النباتات، وأن أدنى الحيوانات ظهرت بعد ذلك وارتقت حتى بلغت القرود والتي هي أرقى الحيوانات، وقد ورد ذلك أيضاً في رسائل إخوان الصفا.[21]
          وانظر إلى خلق المكروه الوارد في الحديث الشريف، وصلته بما ورثته الحضارة الحديثة من نظريات لم تصله بمصدره في هذا النص: "لم يكن هدف الجاحظ من كتابه "كتاب الحيوان" - بحسب المؤرخ الألماني هربرت آيزنشتاين - دراسة الأنواع الحيوانية، بل إثبات وجود الخلق استنتاجاً من وجود مخلوقاته. وعلاوة على ذلك، كان الجاحظ فيلسوفاً ورجل دين نابغاً، وكان له اهتمام جانبي بعلم الأحياء، وليس العكس. يرى الجاحظ أن إرادة الله وحكمته في الخلق هي السبب في أن الحيوانات خُلِقت ببعض الأجزاء - كالمخالب والأنياب والعمود الفقري - لتهاجم غيرها وتدافع عن نفسها. ووفقاً لآيزنشتاين، فقد كتب الجاحظ في تكملة الفقرة المذكورة أعلاه: "إذا رأيت شيئاً من الحيوان.. مما يشتد ضرره، وتشتد الحراسة منه، كذوات الأنياب من الحيات والذئاب وذوات المخالب من الأسد والنمور، وذوات الإبر والشعر من العقارب والدبر، فاعلم أن مواقع منافعها من جهة الامتحان، والبلوى، ومن جهة ما أعد الله للصابرين، ولمن فهم عنه، ولمن علم أن الاختيار والاختبار لا يكونان والدنيا كلها شر صرف أو خير محض". تظل هذه أحد أبرز جوانب النهج الديني المعاصر تجاه الثيوديسيا - حل معضلة الشر -، إلا أن النقطة الهامة هنا هي أن الجاحظ كان أقل اهتماماً بالآليات الطبيعية -التي تنوعت أشكال الحياة من خلالها عبر الزمن - من اهتمامه بفهم الطبيعة في سياق الفلسفة الإلهية."[22]
          ولم يكن ابن خلدون والجاحظ الوحيدين في استنباطيهما بل إنه "في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي وصف إخوان الصفا في رسائلهم مراتب الوجود على أربعة أقسام: المعادن والنبات والحيوان والإنسان، كل مرتبة أعلى من التي تسبقها. ولكل مرتبة طرفان: طرف أدنى يتصل به بالمرتبة التي دونه وطرف أعلى يتصل به بالمرتبة التي فوقه. فقالوا في رسائلهم: "بأن الجواهر المعدنية هي في أدنى مراتب المولدات من الكائنات، وهي جسم متكون منعقد من أجزاء الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء و الأرض ، وأن النبات يشارك الجواهر في كونها من الأركان ويزيد عليها وينفصل منها بأن كل جسم يتغذى وينمو ويزيد في أقطارها الثلاثة طولا وعرضا وعمقا، وأن الحيوان أيضا يشاركه النبات في الغذاء والنمو، ويزيد عليه وينفصل عنه بأنه جسم متحرك حساس. والإنسان يشارك النبات والحيوان في أوصافها ويزيد عليها وينفصل عنها بأنه ناطق مميز جامع لهذه الأوصاف كلها".[23]
          ثم لنا أن نسأل عن هذه المراحل وعن خلق النور الوارد في الحديث يوم الأربعاء، وفي ذلك إعجاز باهر إذ في القرن التاسع عشر، تم اكتشاف الكائنات وحيدة الخلية وتبين أنها لا تنتمي إلى أي من المملكتين النباتية أو الحيوانية، فصنفت في مملكة ثالثة. بينما ظلت الفطريات -التي تتغذى بالامتصاص- تصنف على أنها نباتات بناء على طريقة نموها التي تشبه نمو النباتات، وذلك بعد اكتشاف أن التر كيب الضوئي هو نمط التغذية الأساسي لدى النباتات. أما البكتريا والطحالب الزرقاء الخضراء فقد اعتبرت من الخلايا التي لا تحتوي على غشاء نووي وصنفت في مملكة رابعة. كما أضيفت مملكة خامسة تضم الكائنات العديدة الخلية والعديدة النواة والتي تهضم الغذاء خارجيا وتمتصه من خلال أسطح الأنابيب البروتوبلازمية.[24]،[25] ويبقى استخلاص الحديث من القرآن إن كان ثمة ما يدل عليه تبعا لما في القرآن أن فيه تفصيل كل شيء، علمه من علمه وجهله من جهله.
          لقد كان البدء من قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة العنْكبوت 20)، ولذا نفر المسلمون لهذه الغاية امتثالا لأمر الله، وأولهم رسول الله بالبيان حين أول وفسر وشرح ما في القرآن بأحاديث درية كمثال الحديث السابق.
          ثم قَدِمَ علماء غربيونَ ممن ترجم علوم المسلمين وسرقها أو اقتدى بسيرتهم في البحث، فقد قيل "أن أستاذ النباتات "هنسلو" بجامعة كامبريدج رشح داروين ليقوم برحلة "علمية" ثم أقنعه ليقوم برحلة بحرية الى أميركا الجنوبية على متن سفينة بياغل لمدة خمس سنوات وأن يشغل منصب الباحث الطبيعي في هذه الرحلة.. وليعود بعدها كواضع لنظرية التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي والبقاء للأقوى وللأصلح عام 1838 م.. وانه والقوة الدافعة للتطور .. ولم ينشرها لافتقارها للأدلة والبراهين و.. قبل أن تعود السفينة إلى بريطانيا، بسنتين، سمع دارون بأنه قد انتخب عضوًا للجمعية الملكية، وفي عام 1859 م صدر كتاب داروين بعنوان أصل الأنواع لادخال فكرة الأصل المشترك للكائنات بعد ان تردد كثيرا في نشره."[26]
          وعودًا إلى الحديث في قول النبي : "وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ"، الذي فيه إشارة قوية لكون ظلمة الليل أول مكروه وهي ضد النور، وكذا ما ينطوي عليه من باقي المكروهات الحسية والمعنوية وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (الِانْشقاق 17) ، وهما يجتمعان معا في معنى الظلمات الذي أشار إليه القرآن في مواضع عدة، ومنها: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (سورة الأَنعام 1).
          13. مركز المجموعة الشمسية وزاوية انحراف دائرة البروج: وقد تمكن العالم المسلم أبو عبدالله محمد بن جابر البتاني في القرن الثالث الهجري من قياس طول السنة الشمسية وكانت نتيجته 365 يومًا و5 ساعات و46 دقيقة و32 ثانية، وهي أدق قيمة تم الحصول عليها من قبل استخدام الوسائل الحديثة إذ إن الفرق بينهما فقط دقيقتان وربع. وبعد هذا تم انتقال اهتمام علمائنا لدراسة دائرة البروج وهي الدائرة التي تنتج عن تغير مسقط الشمس ما بين النجوم (البروج) أثناء تغير موقع الأرض حول الشمس خلال رحلتها السنوية، وبصيغة أخرى تمثل مسقط مدار الأرض على صفحة السماء. ولأن محور دوران الأرض (حول نفسها) ليس عموديا على مدارها حول الشمس بل يميل عليه فإن دائرة الاستواء ليست منطبقة على دائرة البروج بل تميل بنفس القيمة والتي توصل إليها علماؤنا الأوائل، وقد أشار بذلك أحد علماء الغرب (سارتون) في كتابه (المدخل إلى تاريخ العلوم) فقال: إن ابن الشاطر عالم فائق في ذكائه، فقد درس حركة الأجرام السماوية بكل دقة وأثبت أن زاوية انحراف دائرة البروج تساوي 23 درجة و31 دقيقة، وهذه نتيجة غاية في الدقة ولا تختلف عن القيمة الحديثة سوى بستة أجزاء من ألف جزء من الدرجة، ولو توفر لابن الشاطر ما لدينا من أجهزة دقيقة لما عدم التوصل إلى مثل هذه الدقة، وهو العالم المسلم الذي عثر على مخطوطاته في بولندا مسقط رأس كوبرنيكس الذي نقل الكثير من نظريات تلك المخطوطات ونسبها لنفسه بعد أن ترجمها.[27]
          14. البصريات: إن ما قدمه ابن الهيثم في البصريات هو قاعدة لعلوم تكاد تكون مع إنجازات الرياضيات لعلماء الإسلام أساس التكنولوجيا الحديثة: في طب العيون خاصة وفي الطب عموما، وفي المناظر والمراصد الفضائية التي انتهت إلى غزو الفضاء، واستكشاف الذرة وما دونها وأسرار كثيرة عن الكون والحياة.
          15. التلسكوب: جاء في المنتدى الفلكي العربي: "وكان أول من تحدث عن خواص العدسات ومقدرتها على تكبير الأشياء هو رائد علم البصريات العالم ‏والفيلسوف الكبير ابن الهيثم في سنة 1020 ميلادي في كتابه المناظر. لكن أول ظهور للتسكوب على الصورة المعروفة عليه حاليا كان من النوع ‏الكاسر وقد سجل في هولندا في بداية القرن السابع عشر 1608 ميلادي على يد خبير صناعة النظارات‎ (Hans Lippershey) ‎وشهد ‏نفس العام ادعاءات من أشخاص عدة باختراع التلسكوب منهمZacharias Janssen) ‎) وَ Jacob Metius)‎‏)، وكان أول منظار ‏مكون من عدسة شيئية محدبة وعدسة عينية مقعرة وقد صمم بطريقة لاتقلب الصورة ووصلت قوة تكبيره إلى ثلاثة أضعاف‎.‎ إن كثيراً من المنصفين وعلماء الغرب عندما يتحدثون عن اختراع التلسكوب يرجعون الفضل إلى العالم ابن الهيثم ويطرحون تساؤلاً عن السر في ‏عدم تمكن أي من المهتمين خلال خمسة قرون منذ بداية القرن الحادي عشر إلى القرن السابع عشر لتصميم مايعرف بالتلسكوب مع وجود ‏المعرفة وتوفر أنواع العدسات. بل إن بعضهم يذهب إلى أبعد من ذلك حيث ينسب اختراع التلسكوب إلى ابن الهيثم وربما ضاع كما ضاع كثير ‏من التراث العربي القديم أو أخفي عمدًا لسبب من الأسباب. ويستدل بذلك بعلماء ومهتمين ذكروا في مؤلفاتهم إلى أنهم توصلوا إلى عملية ‏تقريب الأجسام البعيدة عن طريق اصطفاف العدسات استنادا إلى ما أخذوه من علم ابن الهيثم لكن لم يسجل التاريخ لهم هذا الاختراع".
          ثم سؤال مهم: هل ننفي دور الغرب في القرون الأخيرة في النهوض بالتكنولوجيا إلى أعلى مستوياتها فيما نعرف من تاريخ البشرية الأخير؟. وجوابه أن ليس لأحد نكران هذا، وإلا لكان كمن يحجب نور الشمس، لكن الذي يعاب على القوم ما كان منهم من غمط وسرقة وتعمية عن أصول العلم ومنبعه، اللهم ما كان من المنصفين، وبمحدوديةِ وظاهريةِ النظرةِ الكافرةِ للكون والحياة، وسببه ما أشرت إليه سالفا من طول الأمد والضلال ‏لأهل الكتاب، وهذا هو السر في التمازج بين معرفة العقل ومعرفة القلب. ولهذا جاء في القرآن والسنة والآثار عند المسلمين ما يدعو إلى التواضع والاستكانة لله وعزو العلم له والهداية منه دون سواه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وقد يكون الرجل من أذكياء الناس وأحدّهم نظرًا، ويعميه عن أظهر الأشياء، وقد يكون من أبلد الناس وأضعفهم نظرًا، ويهديه لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فمن اتّكل على نظره واستدلاله، أو عقله ومعرفته خُذِل، ولهذا كان النبي في الأحاديث الصحيحة كثيرًا ما يقول: " يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ "[28].[29]، وقال عن المتكلِّمين في آخر ( الفتوى الحموية): إذا نظرت إليهم بعين القدر -والحيرةُ مستوليةٌ عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم - رحمتَهم ورفقتَ عليهم، أوتوا ذكاءً، وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهومًا، وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدةً، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (الأَحقاف 26).
          إنك إذ تقرأ هذه الفوائد المرجوة من البحث، ستتيقن بإذن الله أن عالما قام بإنجاز علمي مُضْن ٍكلفه وقتًا ومراحل طويلةً يصعب عليه إعادة كتابة مراحل إنجازه ومنبع أفكاره الإبداعية بالدقة المتوخاة مهما اجتهد، وعند تعميم فكرة إنجاز علمي واحد مع عالم واحد إلى كم هائل من المنجزات والعلماء على مدار عقودٍ أو قرون طويلة بل وحضارات متتابعة، يغدو تدوين أفكار الأساس فقط ضربًا من الخيال، فكيف لو كفاك الله مؤنة الأمر برمته ووجدنا أسس العلم مبثوثة في كلامه سبحانه، إنها المعجزة القرآنية الخالدة.
          ولعل حجر الأساس في البحث الذي يفضي إلى جديده هو الإقرار بحقيقة أن القرآن هو الوحيد الصادق صدقا تاما كاملاً، المحيط بكل دقيق وجلي في الكون إحاطة العلام الذي لا يجارى ولا يمارى، وما سواه من الكتب والأقوال والنظريات فيعتريها الخطأ والزيف والباطل، وقد جاء القرآن:
          1- مثبتاً مقرراً حقائق علميةً وسنناً عمليةً سابقة.
          2- نافياً مُزيحًا خرافاتٍ علميةً وبدعاً عمليةً سابقة.
          3- مصحِّحاً مَا شابَهُ أخطاءٌ علميةٌ أو تغييراتٌ عمليةٌ سابقة.
          ثم لا بأس من تشويق القارئ بطرح التساؤلات التالية:
          - ألم يغير العرب الكثير من الشرائع، وبدلوا حتى عدةَ الشهور باستحداث النسيء فما الذي يثبت العدة الصحيحة للشهور إن لمْ يكن القرآن وحسب؟
          - وما الذي يثبت أنَّهُمْ أو غيرُهم من الأمم لمْ يضلوا زيادةً على ضلالة الدين فغيروا ترتيب الأرقام، ونظام العدِّ، وعدد الأيامِ والليالي في الشهر[30]؟ وما الذي يدلِّل على صحَّة أو دقَّةِ مصْطلح الأسْبوعِ وعدَّة أيامه والسنة والفصل، إن لمْ يكن ذلك في القرآن؟ ومن ارتاب في هذا السؤال، فليَعُد وليسأل ما عساه يكونُ التوقيفيَّ والتوفيقيَّ فيما علَّم الله أبانا آدم .
          - فإن قيل إن الشك لازم أن يطال كلَّ كلِمات اللغة ومدلولاتها لينطلي على كافة العلوم وليس الأعداد والحساب فقط قلتُ نعمْ، أما الشك فمنهج نبوي فيما هو أهمّ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ قَالَ: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: "رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي"[31]، وأما مدلولات اللغة فإن الله بنى الدين على أسس جديدة تقوم على إقرار الصحيح وتغيير الباطل، لذا تجد منها الأمر الإلهي في القرآن الذي يمنع مثلًا "رَاعِنَا" واستبدالها بكلمة "انْظُرْنَا"، والتعليم النبوي الذي يبين معنى "الدّهر[32] والكرم"[33]، ويقرِّر عامة الكلام وقواعد اللغة بما هو أبلغ وأوسع وأنفع، ثم إن مسألة الأعداد مرتبطة بعلوم المادة وحقوق الناس في الشريعة. وإذن لا جرم أن تجد ما يقرر عدة الشهور وكل نظائرها من أسس المواقيت والعدد والحساب.
          إن درجة فهم المخلوقات للقرآن وفقهها لمعانيه منذ خلقها الله وأطلعها على كلامه، شبيه بدرجة فهمنا له في أطوار حياتنا، كلما تقدم بالمرء العمر أدرك من علومه وأسراره ما لا يمكن أن تتسمى وحداته بغير ما سماها الله به "آيات"، والآية العلامة والأمارة والعبرة والمعجزة، لذا يمكن تقسيم تعليم القرآن حسب هذا المعيار في الزمن إلى مراحل:
          - التعليم القديم الذي هو تعليم أسماء وأكثر المسمَّيات مجهولةٌ. وهذا خاص بآدم والملائكة، في قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (البقرة 31).
          - تعليم بعضِه مما حرف واندثر خاص بالأنبياء والرسل من بعدُ قبلَ النبي ، الذي أخبر الله عنه مثل الصحف: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (الأَعلى 18 - 19).
          - التعليم الحديث المهيمن الذي هو تعليم أسماء ومسمَّيات وأقلُّ المسمَّياتِ مجهولة. وهذا خاص بالنبي وأمَّته. الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (إِبراهيم 1)، فالقرآن جاء مهيمنا على ما سبقَ وإن وجد بعد نزوله بعض الوحي السابق مما لم يحرف لاستحالة تبينه وسط المبدل: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (سورة ‏المائدة 48)‏.
          ظهرت حضاراتٌ عظيمةٌ مبنيةٌ على علمٍ بإمكان بعض أفراده في إحداها على عهد سيدنا سليمان نقل عرش مملكة كمملكة بلقيس من اليمن إلى الشام قبل القيام من الجلوس أو ارتداد الطرف، وهو من إنسي عارف سبق عفريتا من الجن بالعلم. أين هذا العلم أو بعضه؟ إن استحال كله لدعاء سليمان فبعضه ممكن قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (ص 35)، فهل البشرية على الطريق الصحيح لإدراك هذا البعض؟ ومن أولى الناس بالوصول إليه، أليسوا هم المسلمين؟
          وسؤال آخر: هل كان يمكن للإنسان قبل أن يخلق الله الليل والنهار أن يتعلم العدَّ، وحتى بوجود القرآن يتلوه، وكيف له أن يتلوه؟ وهل كانت الملائكة تتلوه قبل نزوله بما أن القرآن الكريم كلام الله ليس بمخلوق، وهو القديم الأزلي؟ وهل كانوا يفهمونه؟.
          لو قيل إنَّ الملائكة لم تزل تتلو القرآنَ منذ خلقها الله ويسَّرها لذلك لم يبعد، فالقرآن غير مخلوقٍ ولا مُحدَثٍ، وتيسيرهُ للذِّكر لازمٌ له، ليس حادثًا بنزوله، وقد قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (القمر الآيات 17-22-32-40)، فالأشبه أنهم لم يزالوا يتعبّدون الله بقراءته. والله تعالى أعلم.[34]
          إنما سمي القرآن قرآنا بقراءته التي هي منقطعة النظير كمًّا وكيفًا على مدى الدهور والأزمان:
          - من الملائكة لقوله تعالى وَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً ، وهو قول مجاهد والسدي[35] .
          - ومن جبريل لنزوله بالقرآن على قلب النبي ، فثبت تلاوته له بذاك ومدراسته معه إياه كل عام مرة إلا العام الذي قبض فيه فمرتين، وليس قراءتهم له تكليفاً، كما هو حال الإنس والجن، لكنه من جملة ما يتقربون به لربهم بالانصياع الفطري كما تنصاع باقي المخلوقات بالتسبيح: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (الإسراء 44). قال الله: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) (القيامة 17 - 18).
          - ومن النبي : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) (النحل 98).
          - ومن الإنس ومن الجن لكونه من دواعي التكليف.
          - وقراءته لا تقتضي فهمه بالكلية قبل بني آدم، أي قبل نزوله إلى السماء الدنيا، فإن الله حين جعل آدم خليفة له في الأرض، وعلمه الأسماء كلها لم تكن الملائكة تعلمها.
          ثم لا بد من إيضاح أستميح القارئ أن أبسطه له، فإنه مع هذه الدواعي الكثيرة للبحث المستندة إلى الشرع والعقل، فالحجة على من ادعى أن في البحث تحاملا على النصوص، وإخضاعا غير مستساغ لها على ما ليس بمقاصدها، أو مما ليس بحقائق علمية أصلا، أو ممن ينفي اتصال العلوم الحديثة بالقرآن كونه كتاب هداية لا كتابا لعلوم الدنيا أن:
          - البحث في الفلك والبروج والمواقيت والعدد هو لحاجة اللأمة في شرائعها من صلاة وزكاة وحج وصيام وغيرها من العبادات وصلاح أمور معاش المسلمين عامة، وسترى أنه لإثبات التوحيد من حيث أنه واحد وتر لا زوج له ولا ولد باستنباطٍ علمي فريد من آيات الذكر، ولا يقصد طلب المحظور أو المستحيل كتحديد يوم القيامة[36] ومعرفة حوادث المستقبل، فإن ذلك من علم الغيب الذي اختص به الله من ارتضى من رسله: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ (الجن 26 - 27). يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (الأَعراف 187).
          - الإعداد المأمور به في القرآن وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ (الأَنْفال 59 - 60).
          - أهل الكفر سبقونا -مؤقتا- في علوم كان لنا فيها قصب السبق قروناً هي عصور الأمة المشرقة، وقد تأسست أركانها بالإبداع العلمي والعملي في علوم الشرع والحساب والفلك والطب والكيمياء وغيرها.
          - إعجاز القرآن متجدد، وما كان لأحد أن يعلم من قبل حقائق كثيرة كانت تندرج في الغيب، وهي اليوم من عالم الشهادة المعلوم لدى أكثر المسلمين، والمقصود ظواهر الإعجاز العلمي التي فُكَّت طلاسمها بالعلم كعلم الأجنة، وحركات الأرض والقمر والكواكب والنجوم، ومرج البحرين، وغيرها كثير.
          - آلاف الباحثين من المسلمين والهيئات الإسلامية بل ومن غير المسلمين، يبذلون قصارى الجهد لسبر أغوار الإعجاز العلمي.
          - النظر إلى الإعجاز العددي نظرة جديدةً شاملةً منطقيةً تُبْنى عليها العلوم من منطلقٍ قرآني وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسراء 12)، بعيدًا عن التكلف، وبمنأى عن بناء الإعجاز العددي على الرسم العثماني وعد الآيات (اللهم ما ثبت كالفاتحة) وترتيب السور التي هي توفيقية لا توقيفية برأي أكثر أهل العلم.
          - إثبات القرآن الكريم لحقيقة معرفة العلم الصحيح بالاستنباط ممن اجتمع لهم مؤهلاته وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (النساء 83).
          - القرآن يأمر بالتدبر وتأمل الآيات الكونية ويذم ويتوعد الغافلين عنه كما في قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (آل عمران 190)، وقوله: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (محمد 24)، وغيرها كثير.
          - تقرير القرآن أن الكون مسخر لخليفة الله في أرضه، وأخصهم وأولى من هو منوط بذلك المسلمون.
          - التأصيل لأكثر علوم الشرع واللغة والتاريخ والاجتماع أتت في عصور تلت عصر النبوة والخلافة الراشدة، فما الذي يمنع الاجتهاد والمضي في التجديد والتصحيح والتنشئة لعلوم أخرى نافعة في الدين والدنيا ومنها أصول عدد السنين والحساب، وما المانع أن تُستنبط تلكم العلوم من القرآن مادام فيه تفصيل كل شيءٍ.
          - التجديد في الدين على رأس كل مئة سنةٍ، والتجديدُ يقتضي إحياء ما درس من صحيح الدين في العقيدة والأخلاق والشرائع وكذا سائر العلوم النافعة.
          وأملنا معقود على الله أن يمن علينا بفتح أبواب الفهم حتى ينتج البحث استنباطًا للصحيح من العلم فيما سبق، وللخير الذي خفي عنا من مكنونات ودرر العلم في الكتاب الحكيم فيما يُسْتَقبَل، فنتمكن من تعزيز حفظ علوم الإسلام باغتنام عهد الله سبحانه حفظ كتابه المبارك، ويكون الطريق بتثوير القرآن ونتاجه ثورة علمية تستوجب عناءً ومواجهةً للمناوئين، قصد إقرار مناهج تعليمية قرآنية المنبع، وهو الأسلم وأولى ما يلتفت إليه للتخلص من التبعية لمن ليسوا أحق بالاستخلاف في أرض الله الملك العزيز،وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (المنافقون 8).


          [1] في المسند وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، في حديث الكسوف.‏
          [2] التقويم الجريجوري: ينسب هذا التقويم إلى البابا جريجر الثالث عشر (Pope Gregory XIII) الذي قام بإجراء تعديلات على التقويم الجولياني حيث لاحظ في سنة 1582 أن الاعتدال الربيعي وقع في يوم 11 مارس أي أن هناك خطأ قدره (10) أيام وقع ما بين سنتين 325 إلى 1582 وهذا الفرق ناتج في أن السنة الشمسية ليست 365 يوما وربع (6 ساعات) بل أنها 365 يوما و (5) ساعات و 48 دقيقة و 46 ثانية فالخطأ يبلغ يوما واحدا في كل 128 سنة. ولتصحيح هذا الفرق فقد اعتبر يوم الجمعة (5) أكتوبر سنة 1582 ميلادية اليوم الخامس عشر منه ولئلا يتكرر الخطأ وبقاعدة أبسط فقد جعل التصحيح 3 أيام في كل 4 قرون.
          http://www.qasweb.org/articles/item.php?id=397
          [3] التصميم العظيم ص72 ( النسخة الإنجليزية)‏، من تأليف الفيزيائيَّين ستيفن هوكنغ وليوناردو ملودينو.
          [4] قناة البينة للرد على الشبهات في الفيسبوك.
          [5] منهم الشاطبي والبيروني وشلتوت وبنت الشاطئ ومحمد الغزالي، والدكتور مصطفى مسلم وآخرون كثر، وللاستزادة انظر: مباحث في إعجاز القرآن للدكتور مصطفى مسلم (ص:160). ‏
          [6] أبو محمود خجندي (حوالي 940 م – 1000 م) فلكي ورياضي فارسي طاجكي الأصل، ساعد في بناء المرصد الفلكي بالقرب من مدينة الري قريبا من طهران بإيران.
          [7] أبو الوفاء البوزجاني (328 هـ - 388 هـ / 940 - 998م) عالِم رياضيات مسلم من فارس، وعالم فلك عمل في بغداد.
          [8] حول تكوّن النظريات الرياضيّة على مثال جبر الخوارزمي، ص1.
          [9] ثَوَّرَ القرآن: فاتشَ العُلماء في تفْسيره وبَحَثَ عن معانيه وعن عِلْمه. أخرجه الطبراني في " الكبير " (9 / 146)، رقم (8665) من طريق زهير، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود، و ذكره الهيثمي في " المجمع " (7 / 168)، وقال: رواه الطبراني بأسانيد، و رجال أحدها رجال الصحيح. و أخرجه عبد الله بن أحمد في الزهد رقم (532) و الطبراني أيضا (9 / 146)، رقم (8666) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن عبد الله. و أخرجه ابن المبارك في " الزهد " (ص 280)، رقم (814)، و الفريابي في " فضائل القرآن " (ص - 197)، رقم (78)، و أبو عبيد في " فضائل القرآن " (ص 36) رقم (80). و ابن أبي شيبة (10/ 485)، رقم (10067) كلهم من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال: " إِذَا أَرَدْتُمُ الْعِلْمَ فَأَثِيرُوا الْقُرْآنَ ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ ".
          [10] وللقائل المستدرك بل من القرآن والسنة نقول ما قال الشافعي : "جميع ما حكم به النبي فهو مما فهمه من القرآن‏". الإتقان للسيوطي (2-330).
          [11]انظر: مناهل العرفان (2/253).
          [12] انظر فيلما وثائقيا على التلفزيون الألماني بعنوان "علوم الإسلام الدفينة"،
          https://www.youtube.com/watch?v=jD0HEFtCKRA
          [13] ‎(Sin & Cos) ‎‏ .‏
          [14] It was in his work that Shijie spoke of the triangle as being ancient in his time (Eves 159) Pascal's Triangle
          [15] تشبه النخلة الإنسان من حيث استقامة قدها، وطولها، وامتياز ذكرها عن أنثاها، واختصاصها باللقاح وكذلك لو قطع رأسها لهلكت، ولطلعها رائحة الحيوان المنوي، ولها غلاف كالمشيمة التي يكون الولد فيها، والجمار الذي على رأسها لو أصابه آفة هلكت النخلة مثل مخ الإنسان تمامًا، ولو قطع منها غصن لا يرجع بدله كعضو الإنسان تمامًا. ومن الجوانب الخلقية فإن لها شبها، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "إِنَّ مِنْ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ فَاسْتَحْيَيْتُ ثُمَّ قَالُوا حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هِيَ النَّخْلَةُ". رواه البخاري في صحيحه. وذكر ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة أوجه التشابه بين المسلم والنخلة التي شبه الرسول المسلم بها ، قال : "تأمل هذه النخلة التي هي إحدى آيات الله تجد فيها من الآيات والعجائب ما يبهرك. وهي تشبه المؤمن من وجوه كثيرة.
          أحدها : ثبات أصلها في الأرض، واستقراره فيها، وليست بمنزلة الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار.
          الثاني : طيب ثمرتها وحلاوتها وعموم المنفعة بها. كذلك المؤمن طيب الكلام. طيب العمل. فيه المنفعة لنفسه ولغيره.
          الثالث : دوام لباسها وزينتها، فلا يسقط عنها صيفا، ولا شتاء. كذلك المؤمن لا يزول عنه لباس التقوى وزينتها حتى يوافي ربه تعالى.
          الرابع : سهولة تناول ثمرتها، وتيسره. أمَّا قصيرُها، فلا يُحْوِجُ المتناولَ أن يرقاها. وأما باسِقُها، فصعوده سهل بالنسبة إلى صعود الشجر الطوال، وغيرها، فتراها كأنها قد هيئت منها المراقي والدرج إلى أعلاها. وكذلك المؤمن خيره سهل قريب لمن رام تناوله لا بالغرِّ، ولا باللئيم.
          الخامس: أن ثمرتها من أنفع ثمار العالم، فإنه يؤكل رطبه فاكهة وحلاوة، ويابسه يكون قُوْتًا وأُدُمًا وفاكهة، ويتخذ منه الخل والناطف والحلوى، ويدخل في الأدوية، والأشربة، وعموم المنفعة به وبالعنب فوق كل الثمار.
          الوجه السادس: أن النخلة أصبر الشجر على الرياح، والجهد وغيرها من الدوح العظام. تميلها الريح تارة وتقلعها تارة وتقصف أفنانها. ولا صبر لكثير منها على العطش كصبر النخلة. فكذلك المؤمن صبور على البلاء لا تزعزعه الرياح.
          السابع : أن النخلة كلها منفعة، لا يسقط منها شيء بغير منفعة. فثمرها منفعة، وجذعها فيه من المنافع مالا يجهل، للأبنية والسقوف، وغير ذلك. وسعفها تسقف به البيوت مكان القصب، ويستر به الفرج والخلل ، وخُوصُها يتخذ منه المكاتل، والزَّنابِيل، وأنواع الآنية، والحُصُر، وغيرها، وليفها وكربها فيه من المنافع ما هو معلوم عند الناس.
          وقد طابق بعض الناس هذه المنافع، وصفات المسلم وجعل لكل منفعة منها صفة في المسلم تقابلها. فلما جاء إلى الشوك الذي في النخلة جعل بإزائه من المسلم صفة الحِدِّة على أعداء الله، وأهل الفجور، فيكون عليهم في الشدة والغلظة بمنزلة الشوك ، وللمؤمنين والمتقين بمنزلة الرُّطَب حَلاوة ولِينا: أشداء على الكفار رحماء بينهم.
          الثامن : أنها كلما أطال عمرها. ازداد خيرها، وجاد ثمرها ،وكذلك المؤمن، إذا طال عمره ازداد خيره، وحسن عمله.
          التاسع : أن قلبها من أطيب القلوب، وأحلاه. وهذا أمر خُصَّت به دون سائر الشجر. وكذلك قلب المؤمن من أطيب القلوب.
          العاشر : أنها لا يتعطل نفعها بالكلية أبدا. بل إن تعطلت منها منفعة، ففيها منافع أُخَر حتى لو تعطلت ثمارها سنة، لكان للناس في سعفها وخوصها وليفها وكربها منافع، وهكذا المؤمن لا يخلو عن شيء من خصال الخير قطّ. إن أجدب منه جانب من الخير، أخصب منه جانب، فلا يزال خيره مأمولا، وشره مأمونا. ورد في الترمذي مرفوعا إلى النبي : "خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ". انظر مفتاح دار السعادة ج 1 ص 230.
          [16] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7...86#cite_ref-11
          [17] رواه مسلم في " صحيحه " (2789) ، وأحمد في " مسنده " (2/ 327)، وأبو يعلى في " المسند " (10/ ‏‏513) ، وابن خزيمة في " صحيحه " (3/ 117)، وابن حبان في " صحيحه " (14/ 30) ، والطبراني في " ‏الأوسط " (3/ 303) ، والبيهقي في " السنن الكبرى " (9/ 3)، والطبري في " تفسيره " (21/ 433) ‏وغيرهم‎ : ‎جميعهم من طريق ابن جريج ، عن إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع ‏مولى أم سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا‎ . ‎وأخرجه النسائي في " الكبرى " (6/ 427) من طريق آخر قال: أنا ‏إبراهيم بن يعقوب، قال حدثني محمد بن الصباح، قال: حدثنا أبو عبيدة الحداد، قال: نا الأخضر بن ‏عجلان، عن بن جريج المكي، عن عطاء، عن أبي هريرة.‏
          [18] حقيقة خلق الإنسان من طين مثبتة في القرآن، وحقيقة كون اليوم عند الله كألف سنة مما نعد مثبتتة أيضا، والحديث في ترتيب المخلوقات على الأيام في خلقها بالتدرج الذي نبه إليه ابن خلدون حجة قوية أن التطور له أصول قوية مثبتة في مفاهيمه التي لا تتعارض مع نصوص القرآن الكريم، ونحن مأمورون بالسير في الأرض والنظر كيف بدء الخلق.
          [19] وعن فيثاغورس قال القاضي صاعد في كتاب طبقات الأمم أن فيثاغورس كان بعد بندقليس بزمان، وأخذ الحكمة عن أصحاب ‏سليمان بن داود بمصر حين دخلوا إليها من بلاد الشام، وكان قد أخذ الهندسة قبلهم عن المصريين، ثم ‏رجع إلى بلاد اليونان وأدخل عندهم علم الهندسة وعلم الطبيعة وعلم الدين، واستخرج بذكائه علم الألحان وتأليف النغم وأوقعها تحت النسب العددية، وادعى أنه استفاد ذلك؛ من مشكاة النبوة، وله في نضد العالم وترتيبه ‏على خواص العدد ومراتبه رموز عجيبة، وأغراض بعيدة". و أما السموأل المغربي (524هـ/1130م-570هـ/1175م) فقد جاء في مقدمة كتابه «الباهر في الجبر»: «هذا الكتاب الذي جمعنا فيه أصول صناعة الجبر والمقابلة، وبرهنّا منها على ما لم نجد أحداً برهن عليه، وكملنا بما أودعناه من الأعمال المبتكرة والأشكال المبتدعة ما كان في أيدي الناس من هذه الصناعة، وعلّلنا فيه ما زعم فيثاغورس أنه أدركه بطريق الوحي، وجئنا به صفواً منزهاً من التمويهات والشوائب، لم نخلط كلامنا بكلام من تقدمَنا، لكنَّا نسبنا إلى أقدم من نقل ذلك عنه".
          [20] هل اكتشف الجاحظ وابن خلدون نظرية التطوّر قبل دارون؟
          [21] https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85...88%D9%8A%D9%87
          [22] هل اكتشف الجاحظ وابن خلدون نظرية التطوّر قبل دارون؟
          [23] تصنيف الكائنات الحيه - موضوع
          [24] تصنيف الكائنات الحيه - موضوع
          [25] "التصنيف الحديث ومع التقدم الباهر في تقنيات فحص الخلايا، أصبح واضحا أن الفارق الرئيسي في عالم الأحياء ليس بين النباتات والحيوانات وإنما بين الكائنات التي لا تحتوي خلاياها على نواة مغلفة والكائنات ذات الخلايا التي تحتوي على نواة يحدها غشاء. وعلى هذا، يعتمد تصنيف عالم الأحياء إلى خمس ممالك توزع على ثلاثة مستويات من التنظيم: الكائنات الأولية التي ليس بخلاياها غشاء نووي، والكائنات التي بخلاياها غشاء نووي وهي كائنات بسيطة نسبيا وعادة تكون وحيدة الخلية، والكائنات المعقدة المتعددة الخلايا التي بخلاياها غشاء نووي. وفي آخر هذه المستويات الثلاثة، تعتمد الاتجاهات الثلاث الكبرى في النشوء على نوع مختلف من التغذية ويظهر هذا من خلال الأنواع المختلفة لتركيب الأنسجة التي تعتبر من السمات الرئيسية للحيوانات والنباتات والفطريات."
          إقرأ المزيد على موضوع.كوم: تصنيف الكائنات الحيه - موضوع
          [26] http://www.eltwhed.com/vb/showthread...E1%D3%C7%D1%DE
          [27] ميل الشمس وتغيره | العدد السابع عشر د. حسن محمد باصرة.
          [28] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
          يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ)رواه الترمذي.
          [29] درء تعارض العقل والنقل (9-34).
          [30] تغييرات التأريخِ لمختلف الأمم شاهد يثير الشك والارتياب ما لم يكن في وحي الله تعالى دليلٌ مبينٌ عليْه.
          [31] أخرجه مسلم حديث (151)، وأخرجه البخاري في " كتاب التفسير " " باب "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ" (البقرة:260) حديث (4537)، وأخرجه ابن ماجه في " كتاب الفتن " " باب الصبر على البلاء" حديث (6094).
          [32] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ ‏ "‏ لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ ‏"‏ رواه مسلم ‏.‏
          [33]
          عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :"لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمْ الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ فَإِنَّ الْكَرْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ"، رواه مسلم‏‏.‏ وفي رواية‏:‏ ‏"‏فإنَّمَا الكَرْمُ قلْبُ المُؤْمِنِ‏"‏ وفي رواية للبخاري ومسلم‏:‏ ‏"‏يقُولُونَ الكَرْمُ، إنَّمَا الكَرْمُ قلْبَ الْمُؤمِنِ‏"‏‏.‏
          [34] هل تقرأ الملائكة القرآن الكريم، للدكتور محمود عبدالجليل روزن، مقال على شبكة الألوكة.
          [35] قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي : قوله تعالى ( قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) البقرة/ 97، ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرآنَ في قلب النبي مِن غير سماع قراءة، ونظيرها في ذلك قوله تعالى ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَى قَلْبِكَ ) الآية الشعراء/ 193، 194، ولكنه بيَّن في مواضع أُخَر أن معنى ذلك: أن الملَك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه ، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه ، وذلك هو معنى تنزيله على قلبه ، وذلك كما في قوله تعالى ( لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) القيامة/ 16 – 19 ، وقوله ( وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً) طه/ 114. " أضواء البيان " ( 1 / 42 ).
          [36] سبق إلى استجداء علم ميعاد يوم القيامة علماء مسلمون من قبل، وهذا غاية الغرابة حين يصدر ممن علم بنصوص القرآن والسنة الصحيحة استئثار الله بعلمه.

          تعليق


          • #5
            الباب الأول
            الفصل الثاني
            المبحث الثالث: ظواهر قرآنية في البحث والدلالة.

            تعليق


            • #6
              الباب الأول -الفصل الثاني-المبحث الثالث: ظواهر قرآنية في البحث والدلالة. هنا

              تعليق


              • #7
                الباب الأول- الفصل الثالث: الإعجاز والتفسير العلمي للقرآن الكريم.
                المبحث الأول: أقوال أهل العلم في احتواء القرآنِ كل العلوم...هنا

                تعليق


                • #8
                  الباب الثاني-الفصل الأول: استنباطُ‏ أسسِ العُلوم وتفصيلِها من القرآن الكريم استناداً إلى الترتيب الزمني للنزول
                  المبحث الأول: القواعد الأساسية العشر في البحث في الموضوع:‏ .. هنا

                  تعليق


                  • #9
                    الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الأول
                    المطلب الثاني: الآيات الأولى التي نزلت على رسول الله تحمل في طيات معانيها أسس العلوم. من هنا.

                    تعليق


                    • #10
                      المبحث الثالث: استنباط أسس العلوم المهمة.

                      هذا تصنيفٌ مرحليٌّ يهيئ لبسطِ تصنيفٍ أولى، ولا مشاحة في الاصلاح، وبعض الاجتهاداتِ أولى من بعض.
                      أشرف العلوم علوم الدّين ثم علوم البدن (وأوَّلها الطب) ثم علم عدد السنين والحساب الذي به قيام المعايش.
                      وتحت علوم الدين يندرج الإيمان والشرائع والقرآن والحديث والفقه وأصوله واللغة والتاريخ والسير والأخلاق وغيرها.
                      وتحت علوم البدن يندرج مكونات البدن ومأكله ومشربه من الأنعام والدواب والنبات والزراعة والسقي، وطبه وصحته من الأمراض والأدوية والعلاج وما به يتبلغُ إلى ذلك من التجارة، ثم سلامة العقل والنفس.
                      وتحت علم عدد السنين والحساب يندرج الحساب والفلك والهندسة والقياس (الأوزان والمكاييل والمذاريع) والحركة (الفيزياء) ومكونات المادة (الكيمياء) والطاقة.

                      تعليق


                      • #11
                        المبحث الثالث: استنباط أسس العلوم المهمة.
                        1-عِلمُ عَدَدِ السِّنِينَ وَالْحِسَاب.. من هــنا

                        تعليق


                        • #12
                          الأخ الأستاذ محمد يزيد وفقه الله
                          يحسن وضع الكتاب هنا كاملا للتحميل مشتملا فهارسه.
                          ولكم الشكر
                          باحث في ترجمات معاني القرآن الكريم

                          تعليق


                          • #13
                            بارك الله فيك أخي محمد عبد الله آل الأشرف.
                            الحقُّ أني لازلت في طور مراجعة كثير من فصول الكتابِ وتنقيحها، وسأضعه هنا في حينهِ بإذن الله نزولاً عند رغبتكَ.
                            وأسأل الله التوفيق لي ولكَ، وأن يجعلنا منارات علمٍٍ وهدى إلى سبيله.

                            تعليق


                            • #14
                              جزاك الله خيرا أخي محمد يزيد
                              لما رأيتك قد وضعت هنا بعض فصول كتابك ظننت أنك ستضعها تباعا لحكمة تراها، لذا أحببت أن أقترح على حضرتك فكرة وضع الكتاب كله وليس مجزأ.
                              أما وأن الكتاب لم تنتهي من إعداده وبالتالي لم يطبع بعد، فقد جرت العادة أن يطبع الكتاب ورقيا أولا ثم بعد مدة يوضع على الإنترنت للتحميل والقراءة، هذا لكي يتاح للكتاب إمكانية بيعه ورقيا.
                              والأمر إليكم.
                              باحث في ترجمات معاني القرآن الكريم

                              تعليق


                              • #15
                                بارك الله فيكم ونفع بكم ويسر الله تعالى إكماله ..

                                تعليق

                                20,039
                                الاعــضـــاء
                                238,100
                                الـمــواضـيــع
                                42,818
                                الــمــشـــاركـــات
                                يعمل...
                                X