• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • لعن المؤمن، ولعن الكافر، ولعن الفاسق

      لَعْنُ المؤمن، ولَعْنُ الكافر، ولَعْنُ الفاسق

      أمس كانت أُخْتِي مع بعض صَوَاحِبِها، فَذَكَرْنَ الهندي (المتحدث باسم حزب بهارتا الحاكم في الهند) الذي سَبَّ رسول الله ، وأهان أم المؤمنين عائشة ، فَلَعَنَتْهُ أختي قائلة: لَعْنَةُ الله عليه.
      فقالت إحدى صَوَاحِبِها: لا يجوز أن تَلْعَنِي أحَداً حَيًّا، وإنْ كان كافرا، فَلَعَلَّه يُسْلِم.
      فلم تستطع أختي الرد، وسَكَتَتْ غير راضية، ثم اتصلت بي، وخاطبتني غاضبة مُتَحَسِّرَةً بَاكِيَة: ألا يجوز لي أنْ أَلْعَنَ هذا الكلب الذي يَسُبُّ رسول الله، وأنا عاجزة عن أن أدفع عنه.
      فقلت لها: وكيف لا نَلْعَنُ مَن لَعَنَه الله، اسمعي لقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا) [الأحزاب: 57]
      فسَكَنَت قائلة: يجوز إذن.
      فقلت: نعم، يجوز، ألا لعنة الله عليه، وعلى كل خبيث يقع في عِرْضِ رسول الله أو في عِرْضِ أَحَدٍ مِنْ آلِهِ أو صَحْبِه.
      ثم طلبت أختي مني بحثا كاملا موجزا عن حكم اللعن في الإسلام لكل الأصناف، فقلت نعم أفعل إن شاء الله، لكن أمهليني، وها هو بعنوان:

      [لَعْنُ الْمُؤمن، ولَعْنُ الكافر، ولَعْنُ الفاسق]

      اللَّعْنُ : أيْ الطرد والإبعاد من النعمة.
      وفي الشرع اللَّعْنُ: هو الطرد من رحمة الله.
      إنَّ مما ينبغي للمؤمن أن يُنَزِّهَ لسانه عن اللَّعْنِ، فإنَّ اللَّعْنَ ليس مِن خِصَال المؤمنين، قال رسول الله : "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِىءِ"، أَضِفْ إلى ذلك أنَّ اللَّعنةَ ترتد على اللَّاعِن إنْ لم يكن الْمَلْعُونُ جَدِيراً بها، قال رسول الله : "مَنْ لَعَنَ شيئا ليس له بأهل رَجَعَت اللَّعْنَةُ عليه".
      فَلْيَحْذَرْ هؤلاء الذين دَرَجَتْ أَلْسِنَتُهم علَى السَّبِّ واللَّعْن؛ فإنَّ اللَّعْنَ إنْ نَزَلَ علَى مَحَلٍّ غيرِ جَدِير باللَّعْنِ، عاد اللَّعْنُ على اللَّاعِنِ واِرْتَدَّ إليه.

      أولا: لعن المؤمن:
      لا خلافَ أنَّ مَنْ لَعَنَ المؤمنَ الْمَصُونَ حَيًّا كان أو مَيِّتاً قد أَتَى إثما عظيما، قال رسول الله : "لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ"، فلا يجوز لمسلم أنْ يَلَعَنَ أَخَاه المسلم، ولا أنْ يَسُبَّه، ولا أنْ يَطعَنَ في عِرْضِه حاضرا كان أو غائبا، حَيًّا كان أو مَيِّتاً، بل إن ذلك من كبائر الذنوب.

      ثانيا: لَعْنُ الكافر:
      ذلك له حالتان:
      الحال الأولى: لَعْنُ عُمُوم الكافرين:
      وهذا جائز باتفاق، سواء قَصَدَ عُمُومَ الأحياء منهم أو الأموات، وقد ورد مثل ذلك في القرآن الكريم في مواضع عدة، منها:
      • إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة: 161]
      • وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [هود: 18، 19]

      الحال الثانية: لَعْنُ الْمُعَيَّنِ مِنَ الكافرين:
      • أما إنْ كانَ الْمُعَيَّنُ كافرا مَيِّتاً: فَيَجُوز لَعْنُهُ باتفاق، مثل لَعْنِ فرعون وجُنْدِه، ولَعْنِ أبي جَهْلٍ، وأبي لهب، وكل من مات كافرا بالله.
      • وأما إنْ كان الْمُعَيَّنُ كافرا حَيًّا ففيه قولان:
      القول الأول: لا يجوز لَعْنُ الكافر الْمُعَيَّن مادام حَيًّا، ولا يجوز أنْ يَتَمَنَّى المسلمُ أنْ يَـمُوتَ كافرٌ علَى كُفْرِه، بل إنَّ فِطْرَةَ المسلم السَّوِيَّة ترجو أنْ يُسْلِمَ كلُّ مَنْ في الأرض جميعا.
      والقول الثاني: إنْ كان كافرا شَدِيدَ الأذَى للمسلمين، مُحَارِباً لله ورَسُوله، كهذا الهندي اللعين [المتحدث باسم حزب بهارتا الهندي] الذي سَبَّ رسول الله وزوجه الطاهرة فذاك يجوز لعنه.

      ثالثا: لَعْنُ الْعُصَاةِ الْفَسَقَة:
      وله حالتان:
      الحال الأولى: لَعْنُ الْعُصَاةِ الْفَسَقَة على العُمُوم:
      وهذا جائز باتفاق، كأن تَلْعَنَ شاربَ الخمر مِنْ غَيرِ تَعْيِين، أو تَلْعَنَ آكِلِي الرِّبا، أو الزُّنَاة، أو غير ذلك من العُصَاةِ الْفَسَقَة من غير تَعْيِين، وفي ذلك وردت الأحاديث صحيحة عن رسول الله منها:
      • "لَعَنَ الله الخمرَ وشاربَها وساقيَها وبائعَها ومُبْتَاعَها، وعَاصِرَها ومُعْتَصِرَها، وحامِلَها والْمَحْمَولَةَ إليه".
      • "لَعَنَ الله الرَّاشِي والْمُرْتَشِي".
      • "لَعَنَ الله آكِلَ الرِّبَا ومُوكِلَه وشَاهِدَيْه، وكَاتِبَه، هم فيه سواء".
      • "لَعَنَ الله السَّارقَ يَسْرِقُ بَيْضَةً فتُقْطَعَ يَدَه، ويَسْرِقُ الْـحَبْلَ فتُقْطعَ يَدَه"
      • "لَعَنَ الله الْمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرجال، والْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرجال بالنساء".
      تلك الأصناف في حديث رسول الله ليس لنا أنْ نَلْعَنَهم علَى التَّعْيِين بِأَنْ تَلْعَنَ أَحَدَهُم باسمه، أو بَعْضَهم على التعيين، فإنْ جَازَ اللَّعْنُ على العُمُوم، فإنه لا يجوز على التَّعْيِين، بل ندعو لهؤلاء بالهداية ما لم يُعْلِنُوا أو يَفْجُرُوا أ أو يُفْسِدُوا في الأرض، وإنما إذا أَعْلَنُوا أو أَفْسَدُوا أو نَشَروا فَسَادَهم فيجب محاربتهم ودَفْعُ أذاهم وضَرَرِهم بِكُلِّ السُّبُل، بَلْ ويجوز لَعْنُهم في رَأْيِ بعض أهل العلم.

      الحال الثانية: لَعْنُ الْعُصَاةِ الْفَسَقَة على التعيين:
      وفي هذا الصِّنْف قولان:
      القول الأول: لا يجوز لَعْنُ الفاسِق بِعَيْنِه:
      ودليل ذلك ما رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ r، وَكَانَ النَّبِىُّ r قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ؛ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ : «لاَ تَلْعَنُوهُ ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إلا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».

      القول الثاني: جَوَازُ لَعْنِ الفاسِق الْمُعَيَّن:
      اشترط العلماء لذلك أن يَتَعَدَّى ضَرَرُه وأَذَاهُ لِغَيْرِه، قال ابن حجر العسقلاني في ذلك: "وردت نصوص في السنة المطهّرة تدل على جواز لَعْنِ الفاسق الْمُعَيَّن، أو العاصي الْمُشْتَهِر الذي كَثُرَ ضَرَرُهُ، منها ما رُوِيَ أن النبي مرّ بحمارٍ وُسِمَ في وجهه فقال: "لَعَنَ اللهُ الذي وَسِمَهُ".
      فيجوز لَعْنُ مَنْ اِشْتَهَرَ بالفسق والمعصية، وخاصة إذا كان ضرره بَيِّناً أو كان أذاه واضحًا يَتَعَدَّى إلى الناس، أو كان ظالما جَبًّارا سَيْفًا مُسْلَطًا بالظلم والطغيان، كزبانية هذا الزمان، الذين يعتدون على عباد الله بدون حق، وقد حدثنا رسول الله عن هذا الصِّنْفِ مِنَ الظَّلَمَة، قال: «صِنْفَانِ مِنْ أهل النار لم أَرَهُما، قوم معهم سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يضربون بها الناس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلاتٌ مائلاتٌ رؤوسهن كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَة لا يَدْخُلْنَ الجنةَ ولا يَجِدْنَ رِيحَهَا وإنْ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذا وكَذا" فَيَجُوزُ لَعْنُ مثل هؤلاء الظَّلَمَة، الْمُسْتَبِيحِينَ الْـحُرُمَات.
      والله أعلم.
      د. محمد الجبالي
    20,451
    الاعــضـــاء
    234,247
    الـمــواضـيــع
    43,494
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X