إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الرؤية النسبية


    الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا
    والصلاة والسلام علي سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم. أما بعد
    قال تعالي سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ فإن معرفة الحق مرتبطة ارتباطا وثيقا برؤية آيات الله في الآفاق وفي النفس وما سنتعرض له بعض الآيات الكونية التي يمكن النظر إليها من خلال مفهوم النسبية وهو يمثل حقيقة علمية لها العديد من التطبيقات في حياتنا و باختصار أنه قد يختلف حكمك علي الظاهرة باختلاف الرؤية النسبية لها واختلاف أدوات الرؤية والهدف من ذلك إزالة التناقض عند مقابلة الآيات القرآنية بعضها ببعض أوالقرآنية بالكونية وملاحظة مدي تحقيق الآيات لمفهوم الرؤية النسبية ومتي طوعت علي مراد الله خرقا للعادة وبياناً لآية من آيات طلاقة قدرته .
    والآن سوف نتتبع مفهوم الرؤية النسبية من خلال آيات دلت مرة علي تسطيح الأرض ومرة علي كرويتها
    من تفسير القرطبي قال تعاليوَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍقَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالْأَرْضَ مَدَدْناها) هَذَا مِنْ نِعَمِهِ أَيْضًا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَسَطْنَاهَا عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ، كَمَا قَالَ" وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «1» " أي بَسَطَهَا. وَقَالَ:" وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ «1» ". وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَالْكُرَةِ.انتهي كلامه
    وصدق ابن عباس في ما قال فلم تكون كلمات البسط والمد والفرش متقاعسة عن حمل معانيها المعروفة للعرب وهي تمثل حقيقة علمية بالنسبة للراصد للأرض من وضع الثبات أو السائر فيها علي قدمه أوعلي دابة فيجد الأرض دائما ممدودة أمامة.ومن زعم أنها كالكرة لقوله تعاليخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُومن تفسير القرطبي قَالَ الضَّحَّاكُ: أَيْ يُلْقِي هَذَا عَلَى هَذَا وَهَذَا عَلَى هَذَا. وَهَذَا عَلَى مَعْنَى التَّكْوِيرِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ طَرْحُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، يُقَالُ كَوَّرَ الْمَتَاعَ أَيْ أَلْقَى بَعْضَهُ على بعض،وَمِنْهُ كَوْرُ الْعِمَامَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ. قَالَ: مَا نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ دَخَلَ فِي النَّهَارِ وَمَا نَقَصَ مِنَ النَّهَارِ دَخَلَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى:" يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ" انتهى كلامه
    والتعرض للآية هنا من الناحية اللغوية فلم تكن حقيقة كروية الأرض متبدية آنذاك ولكن الآن نستطيع القول بأن الراصد للأرض من خارج الغلاف الجوى يراها كروية وهي حقيقة علمية أكدها القمر الصناعي سبونتيك سنة 1957 عندما صور الأرض من خارج غلافها الجوى فلاتناقض بين من ذهب إلي أن الأرض مسطحة ممدودة وبمن قال أنها كروية فالأول يراها كذلك بالنسبة إلي وضعه في الأرض والثاني يراها كروية بالنسبة لوضعه خارج غلافها الجوي وقد دلت الآيات علي هذا وذاك بمنتهي الدقة .
    يتبع ...



  • #2

    وكان لحقيقة كروية الأرض أثر مهم في تتبع الآيات التي تدل علي ذلك في كتاب الله وتفسير بعض الظواهر المرتبطة بها قال تعالي لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَوالجمهور علي أن للشمس منازل تختلف عنها في القمر ولا يجتمعان وكل يسير في فلكه أما في قوله تعاليوَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال الشعراوي :وهذا القول الحكيم قد أثبت للعرب حكما يعتقدونه ، ونفى حكما آخر يعتقدونه ، فالعرب كانت تعتقد أن الليل قبل النهار ، بدليل أن تحديد الليلة الأولى في رمضان هو الميعاد الذي يبدأ فيه شهر الصوم ، وما داموا قد حكموا بأن الليل هو الذي يسبق النهار ، فلا بد من حكم مقابل؛ وهو أن النهار لا يسبق الليل .
    وجاء القرآن إلى القضية المتفق عليها وتركها ، وهي أن النهار لا يسبق الليل مثلما اعتقد العرب ، ونفي القرآن أن يسبق الليل النهار . وكان المخاطب - إذن - يعتقد أن الليل يسبق النهار ، ويصحح الله المفاهيم فلا الليل يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل .
    وهكذا عرض الحق سبحانه للكونيات عرضا رمزيا في القرآن؛ لأنه لو جاء بالتوضيح العلمي لذلك لكذب العرب القرآن ، فلو قال القرآن بصريح العبارة : إن الأرض كروية ، لعارض الناس ذلك وقت نزول القرآن ، وما زلنا نجد من يعارض تلك الحقيقة في أواخر القرن العشرين؛ لذلك لم يكشف الحق كل الحقائق الكونية ، بل أشار إليها بما يحتمل قبول العربي البسيط لها .
    وما دام لا يسبق النهار ، والنهار لا يسبق الليل ، فكيف جاء هذا الأمر - إذن؟
    ونقول : هل خلق الله الشمس مواجهة لسطح الأرض أولا ، ثم الشمس فجاء الليل؟ كان الأمر يصح لو أن الأرض كانت مسطوحة ، ولكن الحق سبحانه خلق الأرض كروية ، وذلك دليل على أن الحق سبحانه خلق الشمس والأرض على هيئة يوجد فيها الليل والنهار معا ، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية ، فالنصف المواجه للشمس يكون الوقت فيه نهارا ، وغير المواجه لها يكون الوقت فيه ليلا ، ثم تدور الأرض؛ فيأتي النهار إلى القسم الذي كان ليلا ، ويأتي الليل للقسم الذي كان نهارا .إذن: فالحق سبحانه حكى في القرآن الكريم عن الأمور الكونية - التي سوف تستكشفها العقول بعد نزول القرآن - وعالجها بحكمة ودقة، وعلى سبيل المثال نجد قوله الحق: وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً ... [الفرقان: 62] .
    ثم يأتي التعليل: لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً [الفرقان: 62] .
    فالليل خلْفة النهار، ومعنى خلفه أي: يخلف غيره. والمثال من حياتنا نجده في دوريات الحراسة، نجد إنساناً يحرس موقعاً ما - مدّة ست ساعات مثلاً - وبعد انتهاء فترة الحراسة يسلم المهمة لحارس ثان، وبذلك يخلف واحدٌ الآخر، لكن من الذي بدأ المهمة الأولى في الحراسة قبل أن يأتي إنسان ليتسلم منه دورية الحراسة؟
    وكذلك الأمر في الليل والنهار، فبيّن الحق سبحانه أن الليل والنهار خلْفة، ومعنى ذلك أن كلا منهما كان موجوداً من البدء ولأن الأرض تدور جَاء النهار في البلاد التي تشرق فيها الشمس، وجاء الليل في البلاد التي تغيب عنها الشمس، وتتابع الليل والنهار. هكذا فَصَّل الحق سبحانه آياته.انتهي كلامه
    فالحقيقة القرآنية في أن الليل لا يسبق النهار والنهار لايسبق الليل وأنهما متواجدان في وقت واحد لايدركها الراصد لها بالنسبة لموضع في الأرض أما الحقيقة العلمية أكدت ذلك عندما تم الرصد للأرض نسبة لموضع في الفضاء فصور القمر الصناعي الليل والنهار في آن واحد وكان ذلك بيانا لمعني تكوير الليل علي النهار والعكس.فتعاقب الليل والنهار ككور العمامة بالأبيض والأسود لايحدث ذلك إلا بدوران الأرض حول محورها أمام الشمس .

    يتبع ...


    تعليق


    • #3

      قال تعاليوَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وقال تعاليوَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ قال الشعراوى :هامدة : ساكنة ، ومنه قولنا للولد كثيرالحركة : اهمد فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت . . [ الحج : 5 ] أي : تحركت ذراتها بالنبات بعد سكونها .
      والاهتزاز : تحرك ما كنت تظنه ثابتا ، وليس ما كان ثابتا في الواقع؛ لأن لكل كائن حركة في ذاته ، حتى قطعة الحديد الجامدة لها حركة بين ذراتها ، لكن ليس لديك من وسائل الإدراك ما تدرك به هذه الحركة . ولو تأملت المغناطيس لأدركت هذه الحركة بين ذراته ، فحين تدلك القضيب الممغنط وتمرره على قضيب آخر غير ممغنط في اتجاه واحد ، فإنه يكتسب منه المغناطيسية ، وتمرير المغناطيس في اتجاه واحد معناه تعديل للذرات لتحمل شحنة واحدة سالبة أو موجبة ، فإن اختلف اتجاه الدلك فإن الذرات أيضا تختلف .
      إذن : في الحديد - رمز الصلابة والجمود - حركة وحياة تناسبه ، وإن خيل إليك أنه أصم جامد في ظاهرة .
      لذلك نقول هامدة . . [ الحج : 5 ] يعني : ساكنة في رأي العلم ، حيث لا نبات فيها ثم اهتزت . . [ الحج : 5 ] يعني : زادت وربت وتحركت لإخراج النبات ، إنما هي في الحقيقة لم تكن ساكنة مطلقا؛ لأن فيها حركة ذاتية بين ذراتها .انتهي كلامه
      السكون أو الخشوع أو الهمود هي رؤية منسوبة إلي العين المجردة فلو كانت الرؤية من وراء مجهر متقدم فوجدت الأرض تعج بالحركة أو تمكنت من تصوير مايحدث من تفاعلات فيها وهذا ممكن الآن بآلة تصوير ليزرية فتحدثك نفسك بالتناقض وتقول الأرض مفعمة بالحياة كيف هي ميته .قال أهل العلم الموت يأتي بمعني مفارقة الروح للجسد قال تعاليقَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ويأتي أيضا بمعني الجهل قال تعاليأَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ والموت يأتي بمعني نسبي لا يفيد الموت الكامل أي لا حراك علي الإطلاق وعلي ذلك المعني كانت خاشعة وهامدة.ولكن بمفهوم النسبية فالرؤية الأولي بالنسبة إلي العين المجردة وهي المقصودة لأن الخطاب لغير معين والرؤية المجردة هي المتاحة لعموم الناس والرؤية الأخرى منسوبة إلي وضع العين من وراء المجهر فالآية تحمل رصيدا لرؤية أخرى لأن المعني مايبدو لك بالرؤية المجردة سكون الأرض وخشوعها وهي ليست كذلك فتظهر حيوية الأرض بالماء .
      يتبع...

      تعليق


      • #4

        قال تعالي وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ من تفسير ابن عاشور
        الذي قاله جمهور المفسرين : إن الآية حكت حادثا يحصل يوم ينفخ في الصور فجعلوا قوله وترى الجبال تحسبها جامدة عطفا على ينفخ في الصور أي ويوم ترى الجبال تحسبها جامدة إلخ . . وجعلوا الرؤية بصرية ، ومر السحاب تشبيها لتنقلها بمر السحاب في السرعة ، وجعلوا اختيار التشبيه بمرور السحاب مقصودا منه إدماج تشبيه حال الجبال حين ذلك المرور بحال السحاب في تخلخل الأجزاء وانتفاشها فيكون من معنى قوله وتكون الجبال كالعهن المنفوش ، وجعلوا الخطاب في قوله " ترى " لغير معين ليعم كل من يرى ، وجعلوا معنى هذه الآية في معنى قوله تعالى ويوم نسير الجبال . فلما أشكل أن هذه الأحوال تكون قبل يوم الحشر ؛ لأن الآيات التي ورد فيها ذكر دك الجبال ونسفها تشير إلى أن ذلك في انتهاء الدنيا عند القارعة وهي النفخة الأولى أو قبيلها ، فأجابوا بأنها تندك حينئذ ثم تسير يوم الحشر لقوله فقل ينسفها ربي نسفا إلى أن قال يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له ؛ لأن الداعي هو إسرافيل وفيه أن للاتباع أحوالا كثيرة ، وللداعي معاني أيضا .

        وقال بعض المفسرين : هذا مما يكون عند النفخة الأولى وكذلك جميع الآيات التي ذكر فيها نسف الجبال ودكها وبسها . وكأنهم لم يجعلوا عطف وترى الجبال على ينفخ في الصور حتى يتسلط عليه عمل لفظ " يوم " بل يجعلوه من عطف الجملة على الجملة ، والواو لا تقتضي ترتيب المعطوف بها مع المعطوف عليه ، فهو عطف عبرة على عبرة وإن كانت المذكورة أولى حاصلة ثانيا .

        وجعل كلا الفريقين قوله صنع الله إلخ مرادا به تهويل قدرة الله تعالى وأن النفخ في الصور وتسيير الجبال من عجيب قدرته ، فكأنهم تأولوا الصنع بمعنى مطلق الفعل من غير التزام ما في مادة الصنع من معنى التركيب والإيجاد ، فإن الإتقان إجادة ، والهدم لا يحتاج إلى إتقان .

        [ ص: 48 ] وقال الماوردي : قيل هذا مثل ضربه الله ، أي وليس بخبر . وفيما ضرب فيه المثل ثلاثة أقوال : أحدها : أنه مثل للدنيا يظن الناظر إليها أنها ثابتة كالجبال وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب ، قاله سهل بن عبد الله التستري .

        الثاني : أنه مثل للإيمان تحسبه ثابتا في القلب ، وعمله صاعد إلى السماء .

        الثالث : أنه مثل للنفس عند خروج الروح ، والروح تسير إلى العرش . وكأنهم أرادوا بالتمثيل التشبيه والاستعارة .

        ولا يخفى على الناقد البصير بعد هذه التأويلات الثلاثة ؛ لأنه إن كان " الجبال " مشبها بها فهذه الحالة غير ثابتة لها حتى تكون هي وجه الشبه وإن كان لفظ " الجبال " مستعارا لشيء وكان مر السحاب كذلك كان المستعار له غير مصرح به ولا ضمنيا .

        وليس في كلام المفسرين شفاء لبيان اختصاص هذه الآية بأن الرائي يحسب الجبال جامدة ، ولا بيان وجه تشبيه سيرها بسير السحاب ، ولا توجيه التذييل بقوله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء فلذلك كان لهذه الآية وضع دقيق ، ومعنى بالتأمل خليق ، فوضعها أنها وقعت موقع الجملة المعترضة بين المجمل وبيانه من قوله ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلى قوله " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون " بأن يكون من تخلل دليل على دقيق صنع الله تعالى في أثناء الإنذار والوعيد إدماجا وجمعا بين استدعاء للنظر ، وبين الزواجر والنذر ، كما صنع في جملة ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه الآية ; أو هي معطوفة على جملة ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه الآية ، وجملة ويوم ينفخ في الصور معترضة بينهما لمناسبة ما في الجملة المعطوف عليها من الإيماء إلى تمثيل الحياة بعد الموت ، ولكن هذا استدعاء لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة وبديع الصنعة .

        وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزة من الجانب العلمي يدركها [ ص: 49 ] أهل العلم ، كما كان معجزة للبلغاء من جانبه النظمي كما قدمناه في الجهة الثانية من المقدمة العاشرة .

        فإن الناس كانوا يحسبون أن الشمس تدور حول الأرض فينشأ من دورانها نظام الليل والنهار ، ويحسبون الأرض ساكنة . واهتدى بعض علماء اليونان أن الأرض هي التي تدور حول الشمس في كل يوم وليلة دورة تتكون منها ظلمة نصف الكرة الأرضية تقريبا وضياء النصف الآخر وذلك ما يعبر عنه بالليل والنهار ، ولكنها كانت نظرية مرموقة بالنقد وإنما كان الدال عليها قاعدة أن الجرم الأصغر أولى بالتحرك حول الجرم الأكبر المرتبط بسيره وهي علة إقناعية ؛ لأن الحركة مختلفة المدارات فلا مانع من أن يكون المتحرك الأصغر حول الأكبر في رأي العين وضبط الحساب وما تحققت هذه النظرية إلا في القرن السابع عشر بواسطة الرياضي ( غاليلي ) الإيطالي . والقرآن يدمج في ضمن دلائله الجمة وعقب دليل تكوين النور والظلمة دليلا رمز إليه رمزا ، فلم يتناوله المفسرون أو تسمع لهم ركزا .

        وإنما ناط دلالة تحرك الأرض بتحرك الجبال منها ؛ لأن الجبال هي الأجزاء الناتئة من الكرة الأرضية فظهور تحرك ظلالها متناقصة قبل الزوال إلى منتهى نقصها ، ثم آخذة في الزيادة بعد الزوال . ومشاهدة تحرك تلك الظلال تحركا يحاكي دبيب النمل أشد وضوحا للراصد ، وكذلك ظهور تحرك قممها أمام قرص الشمس في الصباح والمساء أظهر مع كون الشمس ثابتة في مقرها بحسب أرصاد البروج والأنوار .

        ولهذا الاعتبار غير أسلوب الاستدلال الذي في قوله تعالى ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه فجعل هنا بطريق الخطاب وترى الجبال . والخطاب للنبيء تعليما له لمعنى يدرك هو كنهه ولذلك خص الخطاب به ولم يعمم كما عمم قوله ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه في هذا الخطاب ، وادخار لعلماء أمته الذين يأتون في وقت ظهور هذه الحقيقة الدقيقة . فالنبيء أطلعه الله على هذا السر العجيب في نظام الأرض كما أطلع إبراهيم على كيفية إحياء الموتى ، اختص الله رسوله بعلم ذلك في وقته وائتمنه على علمه بهذا السر العجيب في قرآنه ولم يأمره بتبليغه إذ لا يتعلق بعلمه للناس مصلحة حينئذ [ ص: 50 ] حتى إذا كشف العلم عنه من نقابه وجد أهل القرآن ذلك حقا في كتابه ، فاستلوا سيف الحجة به وكان في قرابه .

        وهذا التأويل للآية هو الذي يساعده قوله وترى الجبال المقتضي أن الرائي يراها في هيئة الساكنة ، وقوله تحسبها جامدة إذ هذا التأويل بمعنى الجامدة هو الذي يناسب حالة الجبال إذ لا تكون الجبال ذائبة .

        وقوله وهي تمر الذي هو بمعنى السير مر السحاب أي مرا واضحا لكنه لا يبين من أول وهلة . وقوله بعد ذلك كله صنع الله الذي أتقن كل شيء المقتضي أنه اعتبار بحالة نظامها المألوف لا بحالة انخرام النظام ؛ لأن خرم النظام لا يناسب وصفه بالصنع المتقن ولكنه يوصف بالأمر العظيم أو نحو ذلك من أحوال الآخرة التي لا تدخل تحت التصور .

        و مر السحاب مصدر مبين لنوع مرور الجبال ، أي مرورا تنتقل به من جهة إلى جهة مع أن الرائي يخالها ثابتة في مكانها كما يخال ناظر السحاب الذي يعم الأفق أنه مستقر وهو ينتقل من صوب ويمطر من مكان إلى آخر فلا يشعر به الناظر إلا وقد غاب عنه . وبهذا تعلم أن المر غير السير الذي في قوله تعالى ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة فإن ذلك في وقت اختلال نظام العالم الأرضي .

        وانتصب قوله صنع الله على المصدرية مؤكدا لمضمون جملة تمر مر السحاب بتقدير : صنع الله ذلك صنعا . وهذا تمجيد لهذا النظام العجيب إذ تتحرك الأجسام العظيمة مسافات شاسعة والناس يحسبونها قارة ثابتة وهي تتحرك بهم ولا يشعرون .

        والجامدة : الساكنة ، قاله ابن عباس . وفي الكشاف : الجامدة من جمد في مكانه إذا لم يبرح ، يعني أنه جمود مجازي ، كثر استعمال هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة .

        والصنع ، قال الراغب : إجادة الفعل فكل صنع فعل وليس كل فعل صنعا قال تعالى ويصنع الفلك وعلمناه صنعة لبوس لكم يقال للحاذق المجيد : صنع ، وللحاذقة المجيدة : صناع اهـ . وقصر في تفسير الصنع الجوهري وصاحب اللسان [ ص: 51 ] وصاحب القاموس واستدراكه في تاج العروس . قلت : وأما قوله : بئس ما صنعت ، فهو على معنى التخطئة لمن ظن أنه فعل فعلا حسنا ولم يتفطن لقبحه . فالصنع إذا أطلق انصرف للعمل الجيد النافع وإذا أريد غير ذلك وجب تقييده على أنه قليل أو تهكم أو مشاكلة .

        واعلم أن الصنع يطلق على العمل المتقن في الخير أو الشر قال تعالى تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ، ووصف الله بـ الذي أتقن كل شيء تعميم قصد به التذليل ، أي ما هذا الصنع العجيب إلا مماثلا لأمثاله من الصنائع الإلهية الدقيقة الصنع . وهذا يقتضي أن تسيير الجبال نظام متقن ، وأنه من نوع التكوين والخلق واستدامة النظام وليس من الخرم والتفكيك .

        وجملة إنه خبير بما تفعلون تذييل أو اعتراض في آخر الكلام للتذكير والوعظ والتحذير ، عقب قوله الذي أتقن كل شيء ؛ لأن إتقان الصنع أثر من آثار سعة العلم فالذي بعلمه أتقن كل شيء هو خبير بما يفعل الخلق فليحذروا أن يخالفوا عن أمره . انتهى كلامه
        يتبع...

        تعليق


        • #5
          اخي الكريم
          جزاكم الله خيرا
          بالنسبة لمرور الجبال مر السحاب.... لم تتعرض لان الارض تتكون من الواح كبرى تثبتها الجبال مثل الاوتاد.... وان حركة تلك الالواح بما تحمله من جبال عبر الزمن الجيولوجي الذي يقدر بملايين السنوات يمكن ان يعني مرور تلك الجبال مر السحاب ((طبعا اذا نظرنا لتلك الحركة بالتصوير البطيء)) وهذا ما قال به استاذنا الدكتور زغلول النجار.... فما رايكم؟

          تعليق


          • #6

            الأخ الكريم| د سعد
            سعدت جدا بتعقيبك على الموضوع حيث أننا في حاجه ماسة لأهل التخصص وبخصوص تفسير الآية اختلف فيها أهل العلم ولذلك عرضت تفسير ابن عاشور كاملا حيث أنني أميل إلي تفسيره.وبالنسبة لأستاذنا الدكتور زغلول النجار لديه حلقة ناقش فيها تفسير الآية علي الرابط الآتي
            فما رأيكم؟
            https://www.youtube.com/watch?v=-Vj3TOG9dkM


            تعليق


            • #7

              من تفسير الشعراوى قال:قوله تعالى تحسبها جامدة [ النمل : 88 ] اي : تظنها ثابتة ، وتحكم عليها بعدم الحركة؛ لذلك نسميها الرواسي والأوتاد وهي تمر مر السحاب [ النمل : 88 ] أي : ليس الأمر كما تظن؛ لأنها تتحرك وتمر كما يمر السحاب ، لكنك لا تشعر بهذه الحركة ولا تلاحظها لأنك تتحرك معها بنفس حركتها .
              وهب أننا في هذا المجلس ، أنتم أمامي وأنا أمامكم ، وكان هذا المسجد على رحاية أو عجلة تدور بنا ، أيتغير وضعنا وموقعنا بالنسبة لبعضنا؟
              إذن : لا تستطيع أن تلاحظ هذه الحركة إلا إذا كنت أنت خارج الشيء المتحرك ، ألا ترى أنك تركب القطار مثلا ترى أن أعمدة التليفون هي التي تجري وأنت ثابت .
              ولأن هذه الظاهرة عجيبة سيقف عندها الخلق يزيل الله عنهم هذا العجب ، فيقول صنع الله الذي أتقن كل شيء [ النمل : 88 ] يعني : لا تتعجب ، فالمسألة من صنع الله وهندسته وبديع خلقه ، واختار هنا من صفاته تعالى : الذي أتقن كل شيء [ النمل : 88 ] يعني : كل خلق عنده بحساب دقيق متقن .
              البعض فهم الآية على أن مر السحاب سيكون في الآخرة ، واستدل بقوله تعالى : وتكون الجبال كالعهن المنفوش [ القارعة : 5 ] .
              وقد جانبه الصواب لأن معنى كالعهن المنفوش [ القارعة : 5 ] أنها ستتفتت وتتناثر ، لا أنها تمر ، وتسير هذه واحدة ، والأخرى أن الكلام هنا مبني على الظن تحسبها جامدة [ النمل : 88 ] وليس في القيامة ظن؛ لأنها إذا قامت أحداثها متيقنة .
              ثم إن السحاب لا يتحرك بذاته ، وليس له موتور يحركه ، إنما يحركه الهواء ، كذلك الجبال حركتها ليست ذاتية فيها ، فلم نر جبلا تحرك من مكانه ، فحركة الجبال تابعة لحركة الأرض؛ لأنها أوتاد عليها ، فحركة الوتد تابعة للموتود فيه .
              لذلك لما تكلم الحق عن الجبال قال : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم [ النحل : 15 ] .
              ولو خلقت الأرض على هيئة السكون ما احتاجت لما يثبتها ، فلا بد أنها مخلوقة على هيئة الحركة .
              في الماضي وقبل تطور العلم كانوا يعتقدون في المنجمين وعلماء الفلك الكفرة أنهم يعلمون الغيب ، أما الآن وقد توصل العلماء إلى قوانين حركة الأرض وحركة الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية واستطاعوا حساب ذلك كله بدقة مكنتهم من معرفة ظاهرة الخسوف والكسوف مثلا ونوع كل منهما ووقته وفعلا تحدث الظاهرة في نفس الوقت الذي حددوه لا تتخلف .
              واستطاعوا بحساب هذه الحركة أن يصعدوا إلى سطح القمر ، وأن يطلقوا مركبات الفضاء ويسيروها بدقة حتى إن إحداها تلتحم بالأخرى في الفضاء الخارجي .
              كل هذه الظواهر لو لم تكن مبنية على حقائق متيقنة لأدت إلى نتائج خاطئة وتخلفت .
              ومن الأدلة التي تثبت صحة ما نميل إليه في معنى حركة الجبال ، أن قوله تعالى صنع الله الذي أتقن كل شيء [ النمل : 88 ] امتنان من الله تعالى بصنعته ، والله لا يمتن بصنعته يوم القيامة ، إنما الامتنان علينا الآن ونحن في الدنيا .انتهى كلامه
              وهنا أشار الشيخ إلي نسبية الرؤية بطريقة سهلة وطريفة وتلخيص المسألة يكمن في أن راصد الجبال من موضع ثابت علي الأرض يراها ثابتة والراصد من خارج الغلاف الجوى يرى الأرض متحركة بما عليها لا تنفصل عن غلافها الجوى بفعل الجاذبية الأرضية وهذا ماعبرت عنه الآية بدقة.
              يتبع ...




              تعليق


              • #8
                انا كل يوم بشوف لو في جديد في الموضوع.. جميل جدا ما شاء الله.. استمر ربنا يوفقك

                تعليق


                • #9
                  اخي الكريم.. هذا الكلام من كتاب التحرير و التنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور و كان من الافضل لو انك ذكرت مصدر معلوماتك و لكن الحمدلله لولا هذا الموضوع لم اكن لاعلم بالكتاب

                  تعليق


                  • #10
                    السلام عليكم اخي محمد سبيع
                    معذرة نقلت راي قديم سمعته من الدكتور النجار ونعرفه في الجيولوجيا باسم حركة الالواح الارضية... لكن ما يقول به الدكتور حاليا ان الاية (وترى الجبال....) تشير الى دوران الارض حول محورها امام الشمس وفيها دليل على كروية الارض... اما المعنى الخاص بالحركة الظاهرية للجبال مع تحرك الالواح الارضية فيتفق بشكل جزءي مع تفسير الشيخ الشعراوي الذي يقول فيه:
                    "ثم إن السحاب لا يتحرك بذاته ، وليس له موتور يحركه ، إنما يحركه الهواء ، كذلك الجبال حركتها ليست ذاتية فيها ، فلم نر جبلا تحرك من مكانه ، فحركة الجبال تابعة لحركة الأرض؛ لأنها أوتاد عليها ، فحركة الوتد تابعة للموتود فيه" الذي نقلتموه اعلاه... وتوجد خرايط توضح تحرك القارات عبر الزمن الجيولوجي فمثلا المحيط الاطلنطي لم يكن موجودا منذ حوالي 200 مليون سنة وظهر واتسع بحركة الالواح الارضية وكذلك البحر الاحمر ظهر منذ حوالي 50 مليون سنة... والهند كانت ملتصقة بشرق افريقيا ثم انفصلت وتحركت شمالا وشرقا لتتكون جبال الهيمالايا بعد انغلاق بحرا عظيما كان يفصل بين الصين وشرق افريقيا.... فهذه الحركات يمكن اعتبارها مرورا للجبال مثل مرور السحاب مع اختلاف سرعة كل منهما والعامل المؤثر على تلك الحركة والله اعلم.

                    تعليق


                    • #11

                      أخي | د سعد
                      ماتفضلت به حقيقة جولوجية هي أن الجبال لها حركة لاتدرك إلا بعد ملايين السنين ونظرا لبطئ الحركة الراصد للجبال يحسبها ساكنة .وهذا لا يتناقض مع قول د زغلول النجار و يفيد بأن الثبات نسبي أيضا جزيت خيرا علي المعلومة

                      تعليق


                      • #12

                        أخي |محمد عبد المنعم
                        الإقتباس
                        قال تعالي وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ من تفسير ابن عاشور
                        تم توضيح المرجع في المشاركة الرابعة في البداية وكذلك في المشاركة السادسة في ردي علي د|سعد
                        تحياتي وعظيم امتناني لمتابعتكم


                        تعليق


                        • #13

                          قال تعاليوَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
                          قال صاحب المنار : الْمِثْقَالُ ـ مِفْعَالٌ مِنَ الثِّقَلِ ـ الْمِقْدَارُ الَّذِي لَهُ ثَقُلَ مَهْمَا قَلَّ ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْمِعْيَارِ الْمَخْصُوصِ لِلذَّهَبِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ ، وَالذَّرَّةُ أَصْغَرُ مَا يُدْرَكُ مِنَ الْأَجْسَامِ وَ أُطْلِقَ عَلَى النَّمْلَةِ وَعَلَى رَأْسِهَا وَعَلَى الْخَرْدَلَةِ ، وَعَلَى الدَّقِيقَةِ مِنْ دَقَائِقِ الْهَبَاءِ وَهُوَ مَا يَظْهَرُ فِي نُورِ الشَّمْسِ الدَّاخِلِ مِنَ الْكُوَى ـ إِلَّا لِبَيَانِ مَكَانِ صِغَرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ; وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الذَّرَّةِ رِوَايَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ ، رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا رَأْسُ النَّمْلَةِ ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التُّرَابِ ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ فَقَالَ : كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ ذَرَّةٌ ، وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ : " إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ نَمْلَةٍ " ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْقِرَاءَةِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقُرْآنُ ، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا التَّفْسِيرُ .ثم قال:(يَعْزُبُ) دَّالُّ عَلَى الْخَفَاءِ وَالْبَعْدِ مَعًا ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ مَا شَأْنُهُ أَنْ يَبْعُدَ وَيَخْفَى عَلَيْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ لَا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِ رَبِّكُمْ ، فَإِنَّهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ، أَيْ أَقَلُّ شَيْءٍ يَبْلُغُ وَزْنُهُ ثِقَلَ ذَرَّةٍ وَهِي النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ(وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ) هَذَا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ قَائِمٌ بِرَأْسِهِ ، مُؤَكِّدٌ لِمَا قَبْلَهُ بِتَعْبِيرٍ أَدَقَّ وَأَشْمَلَ وَ (لَا) فِيهِ نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ ، أَيْ وَلَا شَيْءَ أَصْغَرَ مِنَ الذَّرَّةِ وَهُوَ مَا لَا تُبْصِرُونَهُ مِنْ دَقَائِقِ الْكَوْنِ كَمَا قَالَ : (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) وَلَا أَكْبَرَ مِنْهَا وَإِنْ عَظُمَ مِقْدَارُهُ كَعَرْشِهِ عَزَّ وَجَلَّ . انتهي كلامه
                          المثقال جاء في كتاب الله علي معنين الأول مادى قال تعالىوَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ وقال تعالىوَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍوقال تعالىقُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍوقوله تعالىيَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ .أما المعنى الثانى للمثقال جاء معنوى قال تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ .
                          فمثقال النملة أو رأسها كناية عن أقل وزن يمكن تصوره وقتها بالنسبة للعرب فما دونه لايمكن تصوره أو قياسه وقتها هو في علم الله معلوم في كتابه .أما مفهوم الذرة بالنسبة لنا اليوم هي إحدى الوحدات الأساسية التى تتكون منها المادة وكان الاعتقاد السائد لفترة قريبة أن الذرة هى أقل وحدة يمكن حساب وزنها رغم صغرها المفرط وثبت علميا أنها تتكون من بروتونات موجبة و إلكترونات سالبة ونيترونات متعادلة وكواركات وثبت أن مثقال الذرة بمفهومنا اليوم يوجد ماهو أصغر منه وزنا وهذا لايختلف مع مضمون الآية فهو واقع معلوم عند الله في كتابه.فالرؤية نسبية للمثقال والمراد واحد هو بيان إحاطة الله بما دق وعظم وقد وقع في الرؤيتين.ولحل الإشكال بطريقة أخرى العرب ترى أن مثقال الذرة هو وزن نملة أو رأسها فما ثبت علميا من أن وزن الذرة (atom) للمادة بالنسبة لنا يفوق وزن البرتون ثم يقع دونه وزن الكوارك ولاشك في أن هذه الأوزان المتناهية الصغر دون المثقال المتعارف عليه عند العرب متضمن في قوله تعالىوَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ محققة له ففي الآية رصيد لما يستحدث من أوزان وعلى هذا فأصغر وزن يمكن الحصول عليه يحيط الله بأصغر منه فالآية تنبئ بذلك .
                          يتبع...

                          تعليق


                          • #14

                            قال تعاليلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ
                            من تفسير المنار: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ بَدَلٌ مِنْ " يَوْمِ حُنَيْنٍ " أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لَهُ ، وَحَاصِلُ مَعْنَاهُ مَعَ مَا سَبَقَهُ أَنَّهُ نَصَرَكُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ مَا كُنْتُمْ تَطْمَعُونَ فِيهَا بِالنَّصْرِ بِمَحْضِ اسْتِعْدَادِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ; لِقِلَّةِ عَدَدِكُمْ وَعَتَادِكُمْ ، وَنَصَرَكُمْ أَيْضًا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَعْجَبَتْكُمْ فِيهِ كَثْرَتُكُمْ إِذْ كُنْتُمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَكَانَ الْكَافِرُونَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ فَقَطْ ، فَقَالَ قَاتِلُكُمْ مُعَبِّرًا عَنْ رَأْيِ الْكَثِيرِينَ الَّذِينَ غَرَّتْهُمُ الْكَثْرَةُ : لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ رُوَاةِ السِّيرَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هُوَ الَّذِي قَالَ هَذَا الْقَوْلَ ، وَرَدَّهُ الرَّازِيُّ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ ، وَنَرُدُّهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَنْقُولَ الصَّحِيحَ خِلَافُهُ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنٍ : لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلَّةٍ . فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ . اهـ . أَيْ وَقَعَتْ بِأَسْبَابِهَا فَكَانَتْ عُقُوبَةً عَلَى هَذَا الْغُرُورِ وَالْعُجْبِ الَّذِي تُشِيرُ إِلَيْهِ الْكَلِمَةُ ، وَتَرْبِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ حَتَّى لَا يَعُودُوا إِلَى الْغُرُورِ بِالْكَثْرَةِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ الْكَثِيرَةِ لِلنُّصْرَةِ ، وَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمَعْنَوِيَّةِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ أَعْظَمُ ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ قِيمَةَ أَسْبَابِ النَّصْرِ الْمَعْنَوِيَّةِ كَالصَّبْرِ وَالثِّقَةِ بِاللهِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهِ : قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (2 : 249) وَكَذَلِكَ وَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ بِأَسْبَابِهَا فِي يَوْمِ أُحُدٍ عُقُوبَةً وَتَرْبِيَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَحَلِّهِ .
                            فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا أَيْ: فَلَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْكَثْرَةُ الَّتِي أَعْجَبَتْكُمْ وَغَرَّتْكُمْ كَافِيَةً لِانْتِصَارِكُمْ بَلْ لَمْ تَدْفَعْ عَنْكُمْ شَيْئًا مِنْ عَارِ الْغَلَبِ وَالْهَزِيمَةِ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ أَيْ: ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِرَحْبِهَا وَسِعَتِهَا فَلَمْ تَجِدُوا لَكُمْ فِيهَا مَذْهَبًا وَلَا مُلْتَحَدًا ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ أَيْ وَلَّيْتُمْ ظُهُورَكُمْ لِعَدُوِّكُمْ مُدْبِرِينَ لَا تَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ .انتهى كلامه
                            ولاشك أن من ضمن أسباب النصر الكثرة في مقابل القلة والواقع أن الفئة الكثيرة ترى نفسها كذلك بالنسبة للقلة وهذا ما بينته الآية إلا أنه لم يكن ذلك كافيا دون العون من الله وعندما أراد الله النصر للقلة طوع الرؤية النسبية علي مراده ويتضح ذلك في قوله تعالىوَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ
                            من تفسير القرطبى:قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا) هَذَا فِي الْيَقِظَةِ.قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: قُلْتُ لِإِنْسَانٍ كَانَ بِجَانِبِي
                            يَوْمَ بَدْرٍ: أَتَرَاهُمْ سَبْعِينَ؟ فَقَالَ: هُمْ نَحْوَ الْمِائَةِ. فَأَسَرْنَا رَجُلًا فَقُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ فَقَالَ: كُنَّا أَلْفًا. (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) كَانَ هَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْقِتَالِ حَتَّى قَالَ أَبُو جَهْلٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: إِنَّمَا هُمْ أَكَلَةُ جَزُورٍ «1»، خُذُوهُمْ أَخْذًا وَارْبِطُوهُمْ بِالْحِبَالِ. فَلَمَّا أَخَذُوا فِي الْقِتَالِ عَظُمَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَعْيُنِهِمْ فَكَثُرُوا، كَمَا قال: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [آل عمران: 13] .انتهي كلامه
                            وما حدث من رؤية نسبية معكوسة للفريقين كان خرقا للعادة فالراصد للمعركة قبل أن تدور رحاها يرى القلة على قلتها والكثرة على كثرتها وترى الفئة القليلة الكثير قليل وترى الفئة الكثيرة القليل قليل وعندما دارت المعركة قال تعالىيَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ويرى الراصد القلة تعصف بالكثرة ونرى نحن طلاقة القدرة.




                            تعليق


                            • #15

                              بخصوص الرؤية النسبية لنا هى طلاقة القدرة لله وهى رؤية علم أو رؤية قلبية وهي رؤية تستخدم فيها الحواس لكن ليس شرطا فيها جارحة العين راجع الرؤية القلبية عند ابن القيم
                              https://vb.tafsir.net/tafsir46785/#.WbmrcjUlG1s

                              تعليق

                              19,956
                              الاعــضـــاء
                              231,904
                              الـمــواضـيــع
                              42,561
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X