إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • القَدَاسَةُ والتَّقْديْس فِي السِّيَاقِ القُرآنيّ



    قال الحق :
    وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ البقرة:30

    الحمدلله وحده والصلاة والسلام على نبي بعده وبعد
    مضى وقتٌ طويل وأنا أراجعُ هذه الآية الكريمة باحثاً عن أسرارها ومفاهيمها، ساعياً في الوصول لما تطمئن إليه النّفس، وقد اطلعت على أقوال مفسرينا الأجلاء وأقوال السلف والخلف من الأئمة والعلماء وطلبة العلم، فلم أقع على ما يروي غليلاً ولم أجد الأقوم قيلاً بل وجدت من الاضطراب في فهم الآية ما يشط بالتفاسير لتناقضات مع مواضع أخرى في القرآن الكريم، بل كان تعدد الآراء واللجوء للإسرائيليات دلالة واضحة على هذا الاضطراب، وفي نهاية الأمر لم أجد الكفاية عن مؤونة البحث والاستقراء والتدبر والاستقصاء.
    وفي هذا البحث سنتتبع ونستقرئ مفردات هذه الآية لمحاولة الوصول لفهم سليم بتوفيق الله وتيسيره مسترشداً باستقراء مفردات الآية في القرآن الكريم ومقارنة المفاهيم المتشابهة لتحقيق ال.

    أسئلة محيرة
    من ابرز التساؤلات والإشكالات في ذهن بعض قراء هذه الآية ماهية العلاقة بين سؤال الملائكة وبين استخلاف الله لآدم وذريته في الأرض، فقد يصعب تبيُّن طبيعة السؤال ومؤداه، هل هو تعجبي؟ أم استنكاري؟ استفهامي؟؟ ولماذا لم يرد الجواب عن سؤال الملائكة إن كان سؤالهم على سبيل الاستفهام؟
    وقد يصعب الوصول لمفهوم قوله تعالى:

    (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)
    فالتسبيح بحمد الله هو تنزيهه جلّ وعلا عما لا يليق، ولكن ما معنى قوله نقدس لك؟؟ ، ولماذا لم يقولوا (نقدسك) ؟
    لقد وجدت أن فهم التقديس في هذا الموضع وفي كل القرآن الكريم هو محور فهم هذه الآية على وجه دقيق متسق، فانطلقت من هنا حتى فتح الله علي بفهم ارجو أن يكون هو الأقرب للحق.

    مفهوم التقديس والمعاني المرتبطة به
    القُدْس، الْقَدَاسَة: ويعني الطهر والبراءة من الدنس والسوء من الأفعال والأقوال.
    والتقديس: هو التطهير والتبرئة من الذنوب والآثام.
    والملائكة مخلوقات قدسها الله أي طهرها ونزهها عن الذنوب والخطايا فلا ينبغي لها العصيان أو الرذل من الأفعال فيقول تعالى (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) ، والواحد من الملائكة (الملك) يسمى "قُدَاسْ" أي الطَّاهر المطهر ، والجمع "قُدُسْ" أي الأطهار ، فالقُدَاس يجمع إلى قُدُس ، كالحجاب يجمع إلى حُجُب ، والكتاب يجمع إلى كُتُبْ ، وهي صيغة جمع التكسير لكل اسم ثلاثي معتل العين فيجمع على صيغة فُعُل ، وجبريل رئيس الملائكة ، ويسميه الله تعالى في القرآن الكريم "رُوْحُ القُدُس" فهو رئيس الأطهار وروحهم.
    والقداسة تشمل طهارة الموضع كالوادي المقدس طوى، فطهارته وقيمته المقدسة جعلت الرحمن يأمرُ عبده موسى أن يخلع نعليه بعلّةِ قداسةِ الموضع وطهره فيقول جل شأنه:
    إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى طه:12

    هل تصح نسبة القداسة لله؟؟
    لقد طهر الله تعالى ملائكته طهارة تكوينية ، فلا ينبغي لهم إتيان المعاصي أو ترك العبادة ونبذها ، فالقداسة حلت عليهم من (القدوس) وهو اسم من أسماء الله الحسنى يشير لتفرده بتحقيق القداسة وإضفاءها على من يشاء وما يشاء من خلقه.
    لا تصحُّ نسبةُ الطُّهْر إلى الله فيقال المُطَهَّر ، لأن ذلك يعني أنه قبل التقديس لم يكن كذلك تعالى ربنا عن ذلك ، بل هو القدوس الذي به يتحقق التطهير ، فعندما يجعل من الملائكة طاهرين فقد قدسهم ونزههم عن الذنوب ، وهو عندما يغفر ذنوب المذنبين فهو يطهرهم من دنس الذنب فيتقدسون حتى يعودون و يذنبون فتنتفي عنهم القداسة حتى يعود الله عليهم بالغفران والتطهير فكان اسم القدوس دليل على مصدر التطهير وليس هدفه.
    والنصارى يسمون صلاتهم (قُدّاساً) فتحصل المغفرة بزعمهم لمن يشارك في هذه الطقوس الكنسية، وهم يسمون العالم الرباني الجليل أو الوليُّ من أولياء الله عندهم (القدّيس) لامتناعه عن إتيان الذنب وطهارته عن النقائص برأيهم.
    فالله تعالى وحده مصدر القداسة، فهو سبوح منزه عن الدنايا قدُّوس مطهِّرٌ لمن يشاء له ذلك من خلقه وهذا متفق مع طبيعة كل أسماء الله الحسنى .

    وظيفة الملائكةالكرام
    إنَّ القرآن الكريم يعرّفنا على وظيفتين أساسيتين هما تكاليف الملائكة وعبادتهم التي افترضها الله عليهم وهما:
    أولاً: الوظيفة العلوية وهي: التسبيح بحمد ربهم .
    ثانياً: الوظيفة السفلية وهي : الاستغفار للمؤمنين (التقديس).

    ودلالة ذلك في قوله جلَّ شأنه:
    تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الشورى:5
    الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ غافر:7

    إن استغفار الملائكة لمن في الأرض هو بذاته التقديس لأنهم يطهِّرون من في الأرض باستغفارهم لهم ويستجيب القدوس سبحانه لاستغفارهم فيمحو ذنوب المكلفين فيتحقق التطهير وتحل عليهم القداسة.
    وبعد الحساب ودخول أهل الجنة لمأواهم، ودخول أهل النار لمستقرهم يبقى التسبيح - وهو الوظيفة العلوية - ويتوقف التقديس - وهو الوظيفة السفلية - ويحلّ محلّهُ الحمد وذلك لتحقق الحساب والثواب والعقاب وانتهاء التكليف وفي ذلك يقول تعالى :
    وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الزمر:75

    مفهوم الآية الكريمة
    هنا يتبين لنا بجلاء ووضوح مفاد هذه الآية الكريمة، فالملائكة الكرام عالمين بما في اللوح المحفوظ وعارفين بعلم من الله بما سيكون من البشر على الأرض، وقد سبق أن علمنا كيف أن الشياطين كانت تقعد مقاعد للاستماع فيعلمون شيئا من الغيوب حتى حَرَمَهُم الله جلّ جلاله من ذلك بالشهب الحارقة ترصدهم وتمزق من يحاول الاستماع.
    فالملائكة يتفكرون بتعجب فيما علموا من الغيب - المستثنى - الذي علمهم الله (لا علم لنا إلا ما علمتنا) عن خلق الله وفعله بهم ، فكيف يجعل في الأرض قوما يبارزونه بالمعاصي ، ويسفكون الدماء ، وبالمقابل فإن الملائكة تؤمر بالاستغفار لهم وتقديسهم برغم سوء فعلهم و عظيم جرمهم ؟.
    وهذا من أعظم المفاهيم وأجلّها، وفيها ما يبعث على الرهبة والامتنان والخشية والتذلل لهذا الرب العظيم وهذا الإله الكريم.
    فالله يخبرهم بحلول أمره بتكوين الإنسان وخلق آدم وجعله خليفة فيقول تعالت ذاته :
    (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة)
    فيقول الملائكة الكرام بعد علمهم بما يكون من نتائج هذا الاستخلاف متعجبين من فعل الله : أتجعلُ في هذه الأرض مفسدين مذنبين طغاة بغاة (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) وهي الوظيفة الأولى، العلوية.
    (وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نستغفر لهم بأمرك ، ونطهرهم لأجلك رغم ما يقع منهم من سوء وسفك للدماء ؟ ، وهي الوظيفة الثانية ، السفلية.
    فلو كان التقديس يقصد به تنزيه الله لقال (نقدسك) أما قوله (نقدس لك) فالتقديس لم يقع على الله بل وقع على سواه ولكن لأجله تعالى وبأمره ، فعندما يقول الرجل لأخيه إني استغفر لك ، فالمعنى اني اطلب من الله أن يحقق المغفرة لذنوبك فالعمل أقوم به لأجلك ، وعندما يقول قائل إني أذبح لله ، فالمذبوح ومن وقع عليه الذبح من النعم غير من كان الذبح تقربا إليه.
    وعندما يقول لي قائلٌ : لقد طبختُ لك، فلا يراد أن الطبخ وقع علي بل وقع لي ولأجلي ولكن الفعل وقع على الطعام المطبوخ ، وكذلك قول الملائكة (نقدس لك) نستغفر لخلقك تطهيراً لهم من آثامهم لأجلك وتنفيذاً لأمرك.
    فكيف يا رب تبادل هذه المخلوقات العاصية المجرمة بالمغفرة والتطهير الدائم مع ما يبتدرونك به من العصيان والإجرام وسفك الدماء؟
    وهو سؤال يعجبون فيه من فعل الرحمن بخلقه في حين أن المتبادر للذهن أن مثل أولئك قوم يستحقون العقاب الشديد على فعلهم ولكن الله يُمهلهم ويُطهرهم ويأمر الملائكة بالاستغفار لهم ويسخرهم لذلك الفعل.
    لا شك أن هذه الرأفة والإشفاق على بني آدم من أسمى معاني الربوبية والرحمة، وليعلم أهل الأرض كرامة الله لهذا المخلوق العاصي وإمهاله له وعنايته به حتى أنه سخر له الملأ الأعلى ليقوم على شئونه ويصرف نصف عبادته مستغفراً له مطهراً لسجله من المعاصي والآثام.

    مراجعة لبعض أقوال المفسرين
    من المهم أن نراجع أقوال المفسرين في هذا الباب ونتعرف على آرائهم حيال تفسير هذه الآية ومفهومها ونعلق على كل فقرة قدر الإمكان ودائما ما نجد ابن جرير الطبري أكثر المفسرين إحاطة بالأقوال المتنوعة، المتفق منها والمتضارب، الشائع والشاذ فنقتبس من تفسيره بتصرف غير مخل اقتصر على إغفال الاسرائيليات ومالا سند له من قرآن ولا حديث فنقول وبالله التوفيق:

    حدثنا به بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " فاستشار الملائكة في خلق آدم ، فقالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون " فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة . قال : وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا ؟ فابتلوا بخلق آدم - وكل خلق مبتلى ، كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة ، فقال الله : ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [ سورة فصلت : 11 ] .
    وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " على غير يقين علم تقدم منها بأن ذلك كائن ، ولكن على الرأي منها والظن ، وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من [ ص: 464 ] قيلها ، ورد عليها ما رأت بقوله : " إني أعلم ما لا تعلمون " من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأنبياء والرسل والمجتهد في طاعة الله . انتهى
    أقول في هذا الباب : وهذا القول ينفي تنزيه الملائكة بالقول بالهوى والظن وعصمتهم عن الرجم بالغيب وهو فعل ذميم ، فهم ما قالوا قولهم إلا لاطلاعهم على ما قرروه وعلمهم من علم بالله بما قالوه ، ونفيهم العلم بالأسماء في قولهم " سبحانك لا علم لنا " مستثنى منه ما علمهم الله " إلا ما علمتنا " فكان دلالة على أن الملائكة علموا من علم الله شيئاً وخفي عنهم أشياء ، فالمعرفة والعلم ليست قاطعة بالعلم بكل شيء وليست منفية فيقال الجهل بكل شيء ودلالتها في الآية وهذا مما لا يحتاج معه لمزيد بحث.

    وقال ابن جريج بما :
    حدثنا به القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " ؟ وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " لأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم . فسألته الملائكة ، فقالت ، على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم ؟ فأجابهم ربهم : إني أعلم ما لا تعلمون ، يعني : أن ذلك كائن منهم - وإن لم تعلموه أنتم - ومن بعض من ترونه لي طائعا . يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه .
    وقال بعض أهل العربية : قول الملائكة : " أتجعل فيها من يفسد فيها " على غير وجه الإنكار منهم على ربهم ، وإنما سألوه ليعلموا ، وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون . وقال : قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يعصى الله ، لأن الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت .
    وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : " يا رب خبرنا " مسألة استخبار منهم لله ، لا على وجه مسألة التوبيخ .
    قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه ، مخبرا عن ملائكته قيلها له : " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " [ ص: 470 ] ، تأويل من قال : إن ذلك منها استخبار لربها ، بمعنى : أعلمنا يا ربنا أجاعل أنت في الأرض من هذه صفته ، وتارك أن تجعل خلفاءك منا ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل . وإن كانت قد استعظمت لما أخبرت بذلك ، أن يكون لله خلق يعصيه .
    وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلك فسألته على [ ص: 471 ] وجه التعجب ، فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ، ولا خبر بها من الحجة يقطع العذر . وغير جائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة .
    وأما وصف الملائكة من وصفت - في استخبارها ربها عنه - بالفساد في الأرض وسفك الدماء ، فغير مستحيل فيه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السدي ، ووافقهما عليه قتادة من التأويل : وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا ، فقالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " على ما وصفت من الاستخبار .
    فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها ، والأمر على ما وصفت ، من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن ؟
    قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك . وهل ذلك منهم ؟ ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الخلفاء في الأرض حتى لا يعصوه . وغير فاسد أيضا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ، وتابعه عليه الربيع بن أنس ، من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض - قبل آدم - من الجن ، فقالت لربها : " أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون " ؟ على وجه الاستعلام منهم لربهم ، لا على وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك ، فيكون ذلك منها إخبارا عما لم تطلع عليه من علم الغيب . وغير خطأ أيضا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيل الملائكة ما قالت من ذلك ، على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلق يعصي خالقه .
    وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ، ووافقه عليه الربيع بن أنس ، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك ، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر ، ويلزم سامعه به الحجة . والخبر عما مضى وما قد سلف ، لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئا يمتنع معه التشاغب والتواطؤ ، ويستحيل معه الكذب والخطأ والسهو . وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع ، ولا فيما قاله ابن زيد .
    أكتفي بما قد سبق وأستغفر الله العلي العظيم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم
    رابط المقال في المدونة

  • #2
    السلام عليكم
    أتجعلُ في هذه الأرض مفسدين مذنبين طغاة بغاة (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) وهي الوظيفة الأولى، العلوية.
    (وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي نستغفر لهم بأمرك ، ونطهرهم لأجلك رغم ما يقع منهم من سوء وسفك للدماء ؟ ، وهي الوظيفة الثانية ، السفلية.

    التقديس المقصود فى الآية لايخص البشر الذين لم يخُلقوا بعد ، لكن يخص ما سواهم من أرض ومخلوقات اخرى
    كما أن تطهير الملائكة للبشر
    ليس مقصورا لمن يعص منهم بالاستغفار له

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا أخي الغامدي..

      قرأت مقالك فرأيت أن أكتب هنا إشارة تدبرية، أن أعبر عن تدبري لتلك الآية باللغة الرمزية، وأرجو أن تتفاعل معها كذلك فكلامي في التدبر لا في التفسير (ولا التأويل الذي كتبتَ فيه)، وبالإشارة لا بالبيان. وهل كتبت مقالا تفسيريا؟ المهم أنت رجعت إلى كلام أهل التفسير، وهذا ما لن أفعله هنا أو قد يقع منه شيئا لكن بغير قصد أو من بعيد، لأن المقولة التفسيرية خاضعة لمقدمات التفسير أو على الأقل متماشية مع الجانب النظري المتمثل في أصول التفسير، فحق لك حينئذ توظيف المنهج التفسيري في التفاعل. أشير أيضا إلى أثر الواقع والمعرفة والوعي في التفسير عند أهله، لنستفيد أن التأثير على العمل التدبري وارد لاشك بل التأثير هنا أولى، والمهم أن لا تحاكم الإشارة التدبرية بأدوات الشرح والبيان والتفسير والتأويل، وإذا حدث أن وجدت إشارة مرتبطة بفن خاص من الفنون فالتفاعل معها يكون من جهة التخصص المعني لا من الخارج كي لا يختلط شعبان برمضان.

      مثلا كلمة (نبضة) قد أستعملها في جملة فنية والمقام مقام الكلام عن بيان إعلامي فأقصد السبق الصحفي وأشير إليه بالنبضة، فلماذا لا أكتفي بالسبق الصحفي؟ لأن وراء هذا السبق ما وراءه فالنبضة تلي المقدمة أو الإفتتاحية (الموسيقية)، ولعل ذاك السبق هو كذلك من دون التفرد به، وهذا محتمل.. ونحن نعلم في الموسيقى ماذا يراد من الإفتتاحية من تشويق وكذلك إيجاد الجو المناسب للأغنية (النص واللحن والأداء) وغير ذلك. صحيح؟ لا يهم، فالمهم التعرف على الكلمة في مجالها، قبل البحث في الإشارة. كذلك نقرأ في سورة البقرة المقدمة الموسيقية الم على ترقب للنبضة ذلك الكتاب لا ريب فيه إذ تقرع العصا حتى يتبين المتلقي ويرى أنه مخاطب بلغة مبينة، باللسان العربي وبالإشارة، مثل الإشارة إلى البقرة، ولعلها أهم رمز سردي في السورة.

      إنها البقرة التي سمع بها البعض منهم، ومنهم من لم يسمع بها؛ ثم الذي لا يعلم شيئا عنها يسأل أهل الذكر، أو يفتري من عنده ما شاء إن هو أراد أن يأتي بمثله، ولن يفعل. إذن سيقف عاجزا ثم يبحث عن حلول أخرى للمواجهة، وعندها تتمثل البقرة أمامه ويرى أنه من أصحابها وأنه يردد ما هي وما لونها، فيقول مثلا: بعوضة! أيُضرب المثل بها؟ فتتجلى براءة البقرة، وأكذوبة ما تعلق بها من ادعاء يبين لنا و تشابه علينا وغيرها من المحاولات التي يخدعون بها أنفسهم وما يشعرون لأن المتمثل الفعلي هنالك لا شيء إلا الأنا لتذكير أولئك الذين ذبحوها وما كادوا يفعلون، فتظهر البقرة وهي تسهزئ بهم فحليبها الم ولحمها لا ريب وعملها فأتوا بسورة من مثله، وهي تفعل ذلك بأشد ما يمكن من الاستهزاء مع الذين جمعوا بين اتباع الشبهات والشهوات، من أهل النفاق، بعد طرد الكافرين نهائيا من المسرحية لأنهم سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ليحملك هذا الطرد على استحضار التمثيلية السماوية المتمثلة في الأنانية المثالية كما ترجمها الذي استكبر وكان من الكافرين إلى واقع ينزل إلى الأرض، فيتمثل المشهد باستمرار يحمل معه السؤال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم، ثم يميتكم ثم يحييكم ؟ في سلسلة متتابعة من الأحداث لا يستفيد من دسائسها وتحدياتها إلا أهل التقوى، من المفلحين.

      أما الملائكة لما باهوا بأعمالهم وتسبيحهم وتقديسهم ضربهم كلهم بالجهل حتى قالوا لا علم لنا وبينها أي لا علم لنا و وما كادوا يفعلون كما بين الأرض والسماء، وهكذا ننتقل في سورة البقرة من هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا إلى ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم وهذا انتقال من الأرض إلى السماء في مراتب الأنا الإنسية والتي تصور لنا حقيقة الإنسان، وقد أثارت إعجاب الملائكة فعبروا عنها بسؤال أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ وجهلت الجانب الآخر في الإنسان، الذي هو مجموعة من التناقضات انعكست على واقعه الأرضي ولما امتحن بذبح البقرة بدأ يميل إلى السؤال الإبليسي أأسجد لمن خلقت طينا؟ ويتجاهل السؤال الملائكي لتمثله تقريرا في الأرض وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها. وقد قيل أن الملائكة جعلوا دعاءهم وسيلة إلى الله، فأمر الله النار فأحرقت منهم ساعة واحدة ألوفًا فأقروا بالعجز وقالوا سبحانك لا علم لنا .كما جهلت الملائكة دور الشيطان في علاقته مع الإنسان، ولم تكن تعلم أن نفخ الروح في الإنسان طفرة جديدة تنقله من البشرية إلى الآدمية، وبهذه الطفرة أصبح البشر إنسانا يتفكر وينطق، أي يستعمل اللغة والفكر في صراعه مع الشيطان، وأصبح قادرا على إنتاج المعرفة ونقلها إلى الأجيال اللاحقة، فاستحق الخلافة إذ بها تميز عن أسلافه من البشر وباقي الحيوانات أي صار قادرا على التعامل مع العهد الإلهي المتبادل بين الإنسان وربه؛ وبذلك نعلم أن الخاسرين هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض فالإنسان خلق في أحسن تقويم، وهو الذي يستطيع أن يتدهور فيصير إلى أسفل سافلين، فينغلق بعقله على السفليات ولا يستفيد من فكره إلا ما يكون منه في مصلحة الأدوات ليعيش كالأنعام، أو أضل لأن الأنعام لا خيار لها.

      إذا كانت الملائكة تستغفر للإنسان بأمر الله، فإنما هي تريد أن تتحقق الإنسانية، لتتلذذ بالتسبيح لله سبحانك لا علم لنا، فهي تريد أصحاب الهداية والتقوى والفلاح. ألا تبدأ سورة البقرة بذكر المنعم عليهم، قبل المغضوب عليهم والضالين؟ إن الملائكة عندما سألت أتجعل فيها من يفسد فيها؟ إنما عبرت عن رغبتها، وعليه نفهم أن الآية الكريمة توجيهية لا خبرية وإن كانت كذلك ظاهرا، فكذلك الايمان بالغيب قد يكون شكليا، لا يتحقق في أداء الصلاة، والصلاة تكون شكلية عندما لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلا يزكي صاحب الصلاة ماله المادي والمعنوي، والفحشاء والمنكر مردهما إلى الفساد الذي يظهر عند غياب التوزيع العادل للنفقة. إن الذين تبتهج بهم الملائكة فلا يتعلق بهم سؤالهم هم من المتقين الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالاخرة هم يوقنون هم المفلحون، ويقينهم بالآخرة يتجسد في الدنيا عندما يصنعون هنا الجنة لأنفسهم ولغيرهم، ويواجهون مظاهر جهنم هنا بالعمل والابداع والعدل والاحسان والتواصل والتعارف والابتعاد عن الفحش والمنكر والاضطهاد والاستبداد.

      تعليق


      • #4

        أحسن الله إليكما إخويَّ الكريمين ، استميحك العذر أخي شايب بالبدء بمداخلة الاستاذ مصطفى سعيد وفقه الله حيث تفضل بالقول:


        التقديس المقصود فى الآية لايخص البشر الذين لم يخُلقوا بعد
        سياق الآية دال على ذلك ، فالملائكة يتحدثون عن أمر لم يقع بعد (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) وما يرافق ذلك الحدث الجلل من عمل موازٍ من الملائكة وهو (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي أثناء تسبيحنا لك وتطهيرنا لهم بالاستغفار ، فإن كان لا يخص البشر فيستغفرون لمن ؟؟ ، وهم (المستخلفين) محور حديث الملائكة وهم المكلفون المذنبون المحتاجون للاستغفار.
        لكن يخص ما سواهم من أرض ومخلوقات اخرى
        الاستغفار لا يكون إلا للمذنب الذي يحتاج إليه أما الجمادات والحيوانات فلا ذنب عليها حتى يستغفرون لها ، ثم أن ذلك مصداق لقوله تعالى (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ) فعبر بمن في الأرض للعاقل وإلا لقال (ويستغفرون لما في الأرض) ليشمل الأرض والمخلوقات الأخرى


        كما أن تطهير الملائكة للبشر
        ليس مقصورا لمن يعص منهم بالاستغفار له
        لا شك في ذلك ، فكل مكلّف محتاج للاستغفار فهذا رسول الله وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في حديث أبي هريرة حيث قال : سمعت رسول الله يقول : (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)، رواه البخاري ، فالملائكة تستغفر للذين آمنوا ، وفي الآية الأخرى تستغفر لمن في الأرض وهذا من فضل الله وكرامته لبني آدم بأن سخر لهم كل شيء وسخر لهم الملائكة تستغفر لهم فيغفر هو لمن يشاء ويعذب من يشاء وهو على كل شيء قدير.

        تعليق


        • #5
          اخي الغامدي
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
          جزاكم الله خيرا على هذا المعنى الرائع للتقديس.... واتمنى ان تستكمل المناقشات ليتضح الحق لنستفيد جميعا ولكم اجر الريادة باذن الله.

          اخي الكريم
          لي بحث بعنوان: "الملائكة تحمل الكون" وهي فكرة تجديدية حول نشاة الكون منطلقة من المفاهيم القرآنية وترفض للعبث العلمي للملحدين.... واحتاج الى استطلاع الراي الفقهي (خاصة الاصولي) حول استدلالي ببعض الايات والاحاديث.

          فارجو مراسلتي على الايميل لارسل لكم المقال ولكم الاجر والثواب من الله
          [email protected]

          تعليق

          19,962
          الاعــضـــاء
          232,004
          الـمــواضـيــع
          42,588
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X