إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • أصول وجوامع من تفسر التحرير والتنوير

    قوله تعالى : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279)
    قال في التحرير والتنوير:
    هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ تَقْتَضِي نَقْضَهَا، وَانْتِقَالَ الضَّمَانِ بِالْقَبْضِ، وَالْفَوَاتَ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ، وَالرُّجُوعَ بهَا إِلَى رُؤُوس الْأَمْوَالِ أَوْ إِلَى الْقِيَمِ إِنْ فَاتَتْ، لِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ مِنْ رَأس المَال.
    ورؤوس الْأَمْوَالِ أُصُولُهَا، فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الرَّأْسِ عَلَى الْأَصْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ» .
    وَمَعْنَى لَا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ لَا تَأْخُذُونَ مَالَ الْغَيْرِ وَلَا يَأْخُذُ غَيْرُكُمْ أَمْوَالَكُمْ.

  • #2
    قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)
    قال في التحرير والتنوير:
    وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ. وَالتَّقْوَى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وحاصلها امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَاجْتِنَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فِي الْأَعْمَالِ الظّاهرة، والنّوايا الْبَاطِنَة. وَحَقُّ التَّقْوَى هُوَ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهَا تَقْصِيرٌ، وَتَظَاهُرٌ بِمَا لَيْسَ مِنْ عَمَلِهِ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: 16] لِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هِيَ الْقُدْرَة، والتّقوى مقدورة لِلنَّاسِ. وَبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَعَارُضٌ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ، وَلَا نَسْخٌ، وَقِيلَ: هَاتِهِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لِأَنَّ هَاتِهِ دَلَّتْ عَلَى تَقْوَى كَامِلَةٍ كَمَا فَسَّرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَرَوَوْا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ يقوى لهَذَا» فَنزلت قَوْلُهُ تَعَالَى:فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَنَسَخَ هَذِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِي الْآيَتَيْنِ للْوُجُوب، وَعَلَى اخْتِلَافِ الْمُرَادِ مِنَ التَّقَوَيَيْنِ. وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا بَيَانٌ لَا نَسْخٌ، كَمَا حَقَّقَهُ المحقّقون، وَلَكِن شاع عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ إِطْلَاقُ النَّسْخِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْبَيَانَ. وَقَوْلُهُ: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ نُهِيَ عَنْ أَنْ يَمُوتُوا عَلَى حَالَةٍ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَى حَالَةِ الْإِسْلَامِ فَمَحَطُّ النَّهْيِ هُوَ الْقَيْدُ: أَعْنِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَحْذُوفَ وَالْمُسْتَثْنَى وَهُوَ جُمْلَةُ الْحَالِ، لِأَنَّهَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحْوَالٍ، وَهَذَا الْمُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي النَّهْيِ عَنْ مُفَارَقَةِ الدِّينِ بِالْإِسْلَامِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، وَهُوَ مَجَازٌ تَمْثِيلِيٌّ عِلَاقَتُهُ اللُّزُومُ، لِمَاشَاعَ بَيْنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ سَاعَةَ الْمَوْتِ أَمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ:
    كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
    فَالنَّهْيُ عَنِ الْمَوْتِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ مُفَارَقَةِ الْإِسْلَامِ فِي سَائِرِ أَحْيَانِ الْحَيَاةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَعْنَاهُ الْأَصْلِيُّ، لَكَانَ تَرْخِيصًا فِي مُفَارَقَةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ، وَهُوَ مَعْنًى فَاسِدٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

    تعليق


    • #3
      قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)
      قال في التحرير والتنوير:
      وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ، وَقَدْقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبٍ نَفْسٍ» .
      وَفِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
      وَتَقْدِيمُ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْأَنْفُسِ، مَعَ أَنَّ الثَّانِيَ أَخْطَرُ، إِمَّا لِأَنَّ مُنَاسَبَةَ مَا قَبْلَهُ أَفْضَتْ إِلَى النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْأَمْوَالِ فَاسْتَحَقَّ التَّقْدِيمَ لِذَلِكَ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ كَانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ أَكْلُ الْأَمْوَالِ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَشَدُّ اسْتِخْفَافًا بِهِ مِنْهُمْ بِقَتْلِ الْأَنْفُسِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَقَعُ فِي مَوَاقِعِ الضَّعْفِ حَيْثُ لَا يَدْفَعُ صَاحِبُهُ عَنْ نَفْسِهِ كَالْيَتِيمِ وَالْمَرْأَةِ وَالزَّوْجَةِ. فَآكِلُ أَمْوَالِ هَؤُلَاءِ فِي مَأْمَنٍ مِنَ التَّبِعَاتِ بِخِلَافِ قَتْلِ النَّفْسِ، فَإِنَّ تَبِعَاتِهِ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ، وَإِنْ بَلَغَ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْعِزَّةِ فِي قَوْمِهِ كُلَّ مَبْلَغٍ، وَلَا أَمْنَعَ مِنْ كُلَيْبِ وَائِلٍ، لِأَنَّ الْقَبَائِلَ مَا كَانَتْ تُهْدِرُ دِمَاءَ قَتْلَاهَا.

      تعليق


      • #4
        قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)
        قال في التحرير والتنوير:
        وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي جَوَازِ التَّحْكِيمِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَمَسْأَلَةُ التَّحْكِيمِ مَذْكُورَةٌ فِي الْفِقْه.

        تعليق


        • #5
          قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)
          قال في التحرير والتنوير:

          قَالَ عُلَمَاؤُنَا: هَذِه الْآيَة أصل من أصُول إِثْبَات الذّرائع الّتي انْفَرد بهَا مَالِكٌ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَتَابَعَهُ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ وَخَفِيَتْ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- مَعَ تَبَحُّرِهِمَا فِي الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ كُلُّ عَمَلٍ ظَاهِرِ الْجَوَازِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَحْظُورٍ اهـ.

          تعليق


          • #6
            قوله تعالى :قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)
            قال في التحرير والتنوير:
            وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ لِأَهْلِ الْمَحَلَّةِ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ مَحَلَّتِهِمْ مَنْ يُخْشَى مِنْ سِيرَتِهِ فُشُوُّ الْفَسَادِ بَيْنَهُمْ.

            قوله تعالى : وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)
            قال في التحرير والتنوير: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي سَدِّ ذَرَائِعِ الْفَسَادِ الْمُحَقَّقَةِ أَوِ الْمَظْنُونَةِ.

            تعليق


            • #7
              قوله تعالى : قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)
              قال في التحرير والتنوير:
              وَشَبَّهَ ابْنُ عَطِيَّةَ بِمَقَامِ يُوسُفَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- هَذَا مَقَامَ أَبِي بَكْرٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي دُخُولِهِ فِي الْخِلَافَةِ مَعَ نَهْيِهِ الْمُسْتَشِيرَ لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَى اثْنَيْنِ. قُلْتُ: وَهُوَ تَشْبِيهٌ رَشِيقٌ، إِذْ كِلَاهُمَا صِدِّيقٌ.
              وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ لِوُجُوبِ عَرْضِ الْمَرْءِ نَفْسَهُ لِوِلَايَةِ عَمَلٍ مِنْ أُمُورِ الْأُمَّةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ النُّصْحِ لِلْأُمَّةِ، وَخَاصَّةً إِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَى إِيثَار مَنْفَعَة نَفسه عَلَى مَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ. وَقَدْ عَلِمَ يُوسُفُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّهُ أَفْضَلُ النَّاسِ هُنَالِكَ لِأَنَّهُ كَانَ الْمُؤْمِنَ الْوَحِيدَ فِي ذَلِكَ الْقُطْرِ، فَهُوَ لِإِيمَانِهِ بِاللَّهِ يَبُثُّ أُصُولَ الْفَضَائِلِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا شَرِيعَةُ آبَائِهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ- عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-. فَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَاجَاءَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَن عبد الرحمان بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَا عبد الرحمان لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا»، لِأَن عبد الرحمان بْنَ سَمُرَةَ لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا بِالْفَضْلِ مِنْ بَيْنِ أَمْثَالِهِ وَلَا رَاجِحًا عَلَى جَمِيعِهِمْ.
              وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ أَخَذَ فُقَهَاءُ الْمَذْهَبِ جَوَازَ طَلَبِ الْقَضَاءِ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَهْلٌ وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُوَلَّ ضَاعَتِ الْحُقُوقُ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: «يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ السَّعْيُ فِي طَلَبِ الْقَضَاءِ إِنَّ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَلِهِ ضَاعَتِ الْحُقُوقُأَوْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوَلَّى. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ تَوْلِيَتُهُ وَلَا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إِلَّا بِطَلَبِ أَهْلِهِ» .
              وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ غَيْرِ الْمَازِرِيِّ.
              وَقَالَ عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الْإِمَارَةِ، أَيْ مِنْ «شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» ، مَا ظَاهِرُهُ الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ الطَّلَبِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ فِي «الْمُقَدِّمَاتِ» حُرْمَةُ الطَّلَبِ مُطْلَقًا. قَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا نَقَلَ الْمَازِرِيُّ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ لِلْغَزَّالِيِّ فِي «الْوَجِيز» .

              تعليق


              • #8
                قوله تعالى : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)
                قال في التحرير والتنوير: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الِاجْتِهَادِ، وَفِي الْعَمَلِ بِالرَّاجِحِ، وَفِي مَرَاتِبِ التَّرْجِيحِ، وَفِي عُذْرِ الْمُجْتَهِدِ إِذَا أَخْطَأَ الِاجْتِهَادَ أَوْ لَمْ يَهْتَدِ إِلَى الْمَعَارِضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً فِي مَعْرِضِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمَا.
                وَفِي بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ مَا يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِي رُجُوعِ الْحَاكِمِ عَنْ حُكْمِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ تَتَضَمَّنْهُ الْآيَةُ وَلَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَأْصِيلًا وَأَنَّ مَا حَاوَلَاهُ مِنْ ذَلِكَ غَفْلَةٌ.
                وَإِضَافَةُ (حُكْمٍ) إِلَى ضَمِيرِ الْجَمْعِ بِاعْتِبَارِ اجْتِمَاعِ الْحَاكِمِينَ وَالْمُتَحَاكِمِينَ.
                وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ فَفَهَّمْناها، وَلَمْ يَتَّقَدَّمْ لَفْظٌ مُعَادٌ مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ، عَلَى تَأْوِيلِ الْحُكْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِحُكْمِهِمْ بِمَعْنَى الْحُكُومَةِ أَوِ الْخُصُومَةِ.
                فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ أَنَّهُ أَلْهَمَهُ وَجْهًا آخَرَ فِي الْقَضَاءِ هُوَ أَرْجَحُ لِمَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ التَّفْهِيمِ مِنْ شِدَّةِ حُصُولِ الْفِعْلِ أَكْثَرَ مِنْ صِيغَةِ الْإِفْهَامِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فَهْمَ سُلَيْمَانَ فِي الْقَضِيَّةِ كَانَ أَعْمَقَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِمَا فَكَانَتِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَتَجَاذَبُهُ دَلِيلَانِ فَيُصَارُ إِلَى التَّرْجِيحِ، وَالْمُرَجِّحَاتُ لَا تَنْحَصِرُ، وَقَدْ لَا تَبْدُو لِلْمُجْتَهِدِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ عِلْمَ سُلَيْمَانَ عِنْدَ أَبِيهِ لِيَزْدَادَ سُرُورُهُ بِهِ، وَلِيَتَعَزَّى عَلَى مَنْ فَقَدَهُ مِنْ أَبْنَائِهِ قَبْلَ مِيلَادِ سُلَيْمَانَ. وَحَسْبُكَ أَنَّهُ الْمُوَافِقُ لِقَضَاءِ النَّبِيءِ فِي قَضِيَّةِ الزُّبَيْرِ، وَلِلِاجْتِهَادَاتِ مَجَالٌ فِي تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ.

                تعليق


                • #9
                  قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
                  قال في التحرير والتنوير: وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيّ: حق للمقذوف. وَيَتَرَتَّب عَلَى الْخِلَافِ سُقُوطُهُ بِالْعَفْوِ مِنَ الْمَقْذُوفِ.
                  وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي حَدِّ الْفِرْيَةِ وَالْقَذْفِ الَّذِي كَانَ أَوَّلُ ظُهُورِهِ فِي رَمْيِ الْمُحْصَنَاتِ بِالزِّنَى. فَكُلُّ رَمْيٍ بِمَا فِيهِ مَعَرَّةٌ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ بِالْإِجْمَاعِ الْمُسْتَند للْقِيَاس.

                  تعليق


                  • #10
                    قوله تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
                    قال في التحرير والتنوير:
                    وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ مِنْ نِظَامِ الْجَمَاعَاتِ فِي مَصَالِحِ الْأُمَّةِ لِأَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ إِمَامٌ وَرَئِيسٌ يُدِيرُ أَمْرَ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعِ. وَقَدْ أَشَارَتْ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِمَامَةِ إِلَى ذَلِكَ النِّظَامِ. وَمِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَ جَمَاعَةٌ إِلَّا أَمَّرُوا عَلَيْهِمْ أَمِيرًا فَالَّذِي يَتَرَأَّسُ الْجَمْعَ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ وَلِيِّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ فِي مقَام النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْصَرِفُ أَحَدٌ عَنِ اجْتِمَاعِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ جَعَلَ أَمْرَ الِانْسِلَالِ لِشَهْوَةِ الْحَاضِرِ لَكَانَ ذَرِيعَةً لِانْفِضَاضِ الِاجْتِمَاعَاتِ دُونَ حُصُولِ الْفَائِدَةِ الَّتِي جُمِعَتْ لِأَجْلِهَا، وَكَذَلِكَ الْأَدَبُ أَيْضًا فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الِاجْتِمَاعِ عِنْدَ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ كَاجْتِمَاعِ الْمَجَالِسِ النِّيَابِيَّةِ وَالْقَضَائِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ أَوِ التَّخَلُّفِ عَنْ مِيقَاتِ الِاجْتِمَاعِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِلَّا لعذر واستئذان.

                    تعليق


                    • #11
                      قوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)
                      قال في التحرير والتنوير: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْهَوَى الْبَاعِثَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَيَتْرُكُوا اتِّبَاعَ أَدِلَّةِ الْحَقِّ، فَإِذَا كَانَ الْحَقُّ مَحْبُوبًا لِأَحَدٍ فَذَلِكَ مِنَ التَّخَلُّقِ بِمَحَبَّةِ الْحَقِّ تَبَعًا لِلدَّلِيلِ مِثْلَ مَا يَهْوَى الْمُؤْمِنُ الصَّلَاةَ وَالْجَمَاعَةَ وَقِيَامَ رَمَضَانَ وَتِلَاوَةَ الْقُرْآن وَفِي الْحَدِيثِ «أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ» يَعْنِي الْإِقَامَةَ لِلصَّلَاةِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»
                      وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ اجْتَمَعَ هَوَاهُ وَعَمَلُهُ وَعِلْمُهُ فَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ تَبَعًا لِهَوَاهُ فَيَوْمُهُ يَوْمُ سُوءٍ وَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ تَبَعًا لِعِلْمِهِ فَيَوْمُهُ يَوْمٌ صَالِحٌ» . وَأَمَّا اتِّبَاعُ الْأَمْرِ الْمَحْبُوبِ لِإِرْضَاءِ النَّفْسِ دُونَ نَظَرٍ فِي صَلَاحِهِ أَوْ فَسَادِهِ فَذَلِكَ سَبَبُ الضَّلَالِ وَسُوءِ السِّيرَةِ.
                      وفي الحديث الحسن «ثَلَاثٌ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ: شُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوَىً مُتبع، وَإِعْجَاب المرأ بِنَفْسِهِ» .

                      تعليق


                      • #12
                        قوله تعالى : وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37)
                        قال في التحرير والتنوير: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي سَدِّ ذَرِيعَةِ الْفَسَادِ.
                        قوله تعالى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)
                        قال في التحرير والتنوير: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ مِنْ وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْ دَخِيلَةِ مَنْ جُهِلَ حَالُ تَقْوَاهُ.
                        وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يُؤْسَرُ أَحَدُ فِي الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْعُدُولِ، وَهِيَ أَيْضًا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي تَصَرُّفَاتِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَفِي تَعَامُلِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مِنْ عَدَمِ الْإِصْغَاءِ إِلَى كُلِّ مَا يُرْوَى وَيُخْبَرُ بِهِ.
                        وَالْأَمر بالتبيّن أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي وُجُوبِ التَّثَبُّتِ فِي الْقَضَاءِ وَأَنْ لَا يَتَتَبَّعَ الْحَاكِمُ الْقِيلَ وَالْقَالَ وَلَا يَنْصَاعَ إِلَى الْجَوَلَانِ فِي الْخَوَاطِرِ مِنَ الظُّنُونِ وَالْأَوْهَامِ.

                        تعليق


                        • #13
                          قوله تعالى : لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)
                          قال في التحرير والتنوير: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي تَفَاضُلِ أَهْلِ الْفَضْلِ فِيمَا فُضِّلُوا فِيهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ ثَابِتٌ لِلَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ. وَبِئْسَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ مِنْ عِبَارَاتٍ تُؤْذِنُ بِتَنْقِيصِ مَنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ قُرَيْشٍ مِثْلِ كَلِمَةِ «الطُّلَقَاءِ» وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ حَزَازَاتٍ فِي النُّفُوسِ قَبَلِيَّةٍ أَوْ حِزْبِيَّةٍ، وَاللَّهُ يَقُولُ: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: 11] .

                          تعليق


                          • #14
                            قوله تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)
                            قال في التحرير والتنوير: وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ وَهُوَ تَشَوُّفُ الشَّارِعِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ «أُصُولِ النِّظَامِ الِاجْتِمَاعِيِّ فِي الْإِسْلَامِ» .

                            تعليق


                            • #15
                              ومن أجمل ما في تفسيره :
                              قوله تعالى :وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)
                              قال في التحرير والتنوير:
                              وَالتَّحْرِيرُ تَفْعِيلٌ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، أَيْ جَعْلُ الرَّقَبَةِ حُرَّةً. وَالرَّقَبَةُ أُطْلِقَتْ عَلَى الذَّاتِ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ، كَمَا يَقُولُونَ، الْجِزْيَة على الرؤوس عَلَى كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ.
                              وَمِنْ أَسْرَارِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ حِرْصُهَا عَلَى تَعْمِيمِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ بِكَيْفِيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمَّا بَعَثَ رَسُولَهُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ كَانَتِ الْعُبُودِيَّةُ مُتَفَشِّيَةً فِي الْبَشَرِ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهَا ثَرَوَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَتْ أَسْبَابُهَا مُتَكَاثِرَةً: وَهِيَ الْأَسْرُ فِي الْحُرُوبِ، والتصيير فِي الدِّيوَان، وَالتَّخَطُّفُ فِي الْغَارَاتِ، وَبَيْعُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَبْنَاءَهُمْ، وَالرَّهَائِنُ فِي الْخَوْفِ، وَالتَّدَايُنُ.
                              فَأَبْطَلَ الْإِسْلَامُ جَمِيعَ أَسْبَابِهَا عَدَا الْأَسْرِ، وَأَبْقَى الْأَسْرَ لِمَصْلَحَةِ تَشْجِيعِ الْأَبْطَالِ، وَتَخْوِيفِ أَهْلِ الدَّعَارَةِ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ الْعَرَبِيَّ مَا كَانَ يَتَّقِي شَيْئًا مِنْ عَوَاقِبِ الْحُرُوبِ مِثْلَ الْأَسْرِ، قَالَ النَّابِغَةُ:
                              حِذَارًا عَلَى أَنْ لَا تُنَالَ مقادتي ... وَلَا نسوتهي حَتَّى يَمُتْنَ حَرَائِرَا
                              ثُمَّ دَاوَى تِلْكَ الْجِرَاحَ الْبَشَرِيَّةَ بِإِيجَادِ أَسْبَابِ الْحُرِّيَّةِ فِي مُنَاسَبَاتٍ دِينِيَّةٍ جَمَّةٍ: مِنْهَا وَاجِبَةٌ، وَمِنْهَا مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا. وَمِنَ الْأَسْبَابِ الْوَاجِبَةِ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ الْمَذْكُورَةُ هُنَا. وَقَدْ جُعِلَتْ كَفَّارَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ أَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَقَدْ جُعِلَ هَذَا التَّحْرِيرُ بَدَلًا مِنْ تَعْطِيلِ حَقِّ اللَّهِ فِي ذَاتِ الْقَتِيلِ، فَإِنَّ الْقَتِيلَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَيُرْجَى مِنْ نَسْلِهِ مَنْ يَقُومُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ دِينِهِ، فَلَمْ يَخْلُ الْقَاتِلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فَوَّتَ بِقَتْلِهِ هَذَا الْوَصْفَ، وَقَدْ نَبَّهَتِ الشَّرِيعَةُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَيَاةٌ، وَأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ مَوْتٌ فَمَنْ تَسَبَّبَ فِي مَوْتِ نَفْسٍ حَيَّةٍ كَانَ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي إِحْيَاءِ نَفْسٍ كَالْمَيِّتَةِ وَهِيَ الْمُسْتَعْبَدَةُ. وَسَنَزِيدُ هَذَا بَيَانًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ [20] ، فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّ اللَّهَ أَنْقَذَهُمْ مِنَ اسْتِعْبَادِ الْفَرَاعِنَةِ فَصَارُوا كَالْمُلُوكِ لَا يَحْكُمُهُمْ غَيْرُهُمْ.
                              وَثَانِيهُمَا الدِّيَةُ. وَالدِّيَةُ مَالٌ يُدْفَعُ لِأَهْلِ الْقَتِيلِ خَطَأً، جَبْرًا لِمُصِيبَةِ أَهْلِهِ فِيهِ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ نَقْدَيْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا.
                              وَالدِّيَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ بِمَعْنَاهَا وَمَقَادِيرِهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُفَصِّلْهَا الْقُرْآنُ. وَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ جَعَلُوا الدِّيَةَ عَلَى كَيْفِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَكَانَتْ عِوَضًا عَنْ دَمِ الْقَتِيلِ فِي الْعَمْدِ وَفِي الْخَطَأِ، فَأَمَّا فِي الْعَمْدِ فَكَانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِأَخْذِهَا.
                              تأمل فتحَ الله عليه في هذه العبارات :
                              وَقَدْ نَبَّهَتِ الشَّرِيعَةُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَيَاةٌ، وَأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ مَوْتٌ فَمَنْ تَسَبَّبَ فِي مَوْتِ نَفْسٍ حَيَّةٍ كَانَ عَلَيْهِ السَّعْيُ فِي إِحْيَاءِ نَفْسٍ كَالْمَيِّتَةِ وَهِيَ الْمُسْتَعْبَدَةُ.

                              تعليق

                              19,960
                              الاعــضـــاء
                              231,953
                              الـمــواضـيــع
                              42,573
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X