• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • تَحْرِيكُ الْجَنَانِ لِهِدَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ الْقُرْآنِ شَهْرِ الْجِنَانَ( 4

      َحْرِيكُ الْجَنَانِ لِهِدَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ الْقُرْآنِ شَهْرِ الْجِنَانَ4))
      الْجُزْءُ الرَّابِعُ
      الحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، ونَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أنفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ الله، فَلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ له، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عبدُه وَرَسُولُهُ".
      طَلَبُ الْمَعُونَةِ أصلٌ في تَحْصِيلِهَا :
      عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ، أَنَّ رَسُولَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ ، وَقَالَ : يَا مُعَاذُ ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ ، فَقَالَ : أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ ، وَشُكْرِكَ ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ مُعَاذ وَأَنا أُحِبُّكَ. قال الشيخُ الألباني : صَحيحٌ
      ويُمكن أن يَشملَ الأمرُ كلَّ صَلاةٍ – فَريضَةً أو نَافِلَةً .
      قال العُثيمينُ رحمَه اللهُ في فَتح ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ بشرحِ بُلوغ المرام :
      وفي الإعَانةِ على هَذهِ الأُمورِ إعَانةٌ عَلى ما فيه سَعَادةُ الإنسَانِ فِي الدُّنْيَا وَالآخَرَةِ ، وفي سُؤال العَبدِ ربه أن يُعينَه على ذَلكَ عُنوانٌ عَلى افتِقَارِه إلى رَبه، وأنَّه- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إن لم يُعنه فإنه لا يَسعَدُ ,وهو كَذلِك إذا لم يَمده اللهُ عَزَّ وجلَّ بِعَونه، فإنه إن وَكَله إلى نَفسِه وَكَله إلى ضَعفٍ وعَجزٍ وعَورةٍ، ولهذا قَرَنَ اللهُ الاستعانةَ بالعِبَادة فقال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وقال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: 23]. فلابُدَّ من استعَانةِ العَبدِ بِربه، فإن لَم يُعنه شُغلَ وعَجزَ عن إدراكِ العَملِ.
      وفي قَوله: " وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ " لم يَقل: "على عِبَادَتِكَ "، لأن الإنسانَ قَد يَعبدُ ربَّه، ولَكن لا يَكونُ عَملُه حَسنًا إما لعَدمِ إخلاصِه، وإما لِعدمِ مُتابعته، والعَملُ لا يَكونُ حَسنًا إلا بأمرَينِ: بالإخلاصِ لله، والمُتابعة لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
      الدَّعْوَةُ إلَى اللهِ هِيَ المُجِيرُ مِنهُ عزّ وجَلَّ :
      قوله تعالى : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23)
      قال الطَّبري رحمَه اللهُ:
      وَقَدْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ (إِلاَّ) حَرْفَيْنِ ، وَتَكُونَ (لاَ) مُنْقَطِعَةً مِنْ (إِنْ) فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلاَمِ : قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ إِنْ لَمْ أُبَلِّغْ رِسَالاَتِهِ.
      قال القرطبي رحمَه اللهُ:
      (إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ) فَإِنَّ فِيهِ الْأَمَانَ وَالنَّجَاةَ.
      جاء في تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني :
      قَوْلُهُ تَعَالَى : إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ ؛ أي لا يُنجِيني من عذاب الله إلاَّ أن أُبلِّغَ عن اللهِ ما أُرسلتُ به ، وبذلك أرجُو النجاةَ ، ونيلَ الكرامةِ.
      قال البَغوي رحمَه اللهُ في تفسيره :
      إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ، فَفِيهِ الْجِوَارُ وَالْأَمْنُ وَالنَّجَاةُ، قَالَهُ الْحَسَنُ. قَالَ مُقَاتِلٌ: ذَلِكَ الَّذِي يُجِيرُنِي مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، يَعْنِي التَّبْلِيغَ.
      قال ابن كثير رحمَه اللهُ:
      قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا أَيْ: لَا نَصِيرَ وَلَا مَلْجَأَ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا وَلِيَّ وَلَا مَوْئِلَ.وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا إِلا بَلاغًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ قَوْلِهِ: لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ أَيْ: لَا يُجِيرُنِي مِنْهُ وَيُخَلِّصُنِي إِلَّا إِبْلَاغِي الرِّسَالَةَ الَّتِي أَوْجَبَ أَدَاءَهَا عَلَيَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [الْمَائِدَةِ: 67].
      قال في التحرير والتنوير:
      ورِسالاتِهِ: جَمْعُ رِسَالَةٍ، وَهِيَ مَا يُرْسَلُ مِنْ كَلَامٍ أَوْ كِتَابٍ فَالرِّسَالَاتُ بَلَاغٌ خَاصٌّ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فَالْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا تَبْلِيغُ الْقُرْآنِ.
      قال في الظِلال :
      وهذه هي القولةُ الرهيبة ، التي تملأ القلبَ بجِدية هذا الأمر .. أمر الرسالة والدعوة .. والرسول - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤمر بإعلان هذه الحقيقةِ الكَبيرة .إنَّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ ، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ ملجأ أو حماية ، إلا أن أبلغَ هذا الأمر ، وأؤدي هذه الأمانة ، فهذا هو المَلجأ الوحيدُ ، - وهذه هي الإجَارةُ المأمُونةُ.
      إن الأمرَ ليس أمري ، وليس لي فيه شيء إلا التبليغ ، ولا مَفرَ لي من هذا التبليغ. فأنا مطلوبٌ به من الله ولن يُجِيرَنِي منه أحد ، ولن أجد من دونه ملجأ يَعصمني ، إلا أن أبلغ وأؤدي! يا للرهبة! ويا للروعة! ويا للجد! إنها ليست تطوعا يتقدم به صاحب الدعوة. إنما هو التكليفُ. التكليفُ الصارمُ الجازم ، الذي لا مَفر من أدائه. فالله من ورائه! وإنها ليست الًّلذة الذاتية في حَمل الهُدى والخير للناس. إنَّما هو الأمرُ العُلوي الَّذي لا يمكن التلفتُ عنه ولا الترددُ فيه! وهكذا يَتبين أمر الدعوةِ ويَتحددُ .. إنها تكليفٌ وواجبٌ. وراءه الهول ، ووراءه الجِد ، ووراءه الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ!

    • #2
      إِقَامَةُ الْحُجَّةِ وَإِزَاحَةُ الْعِلَّةِ أَقْطَعُ لِلْمَعْذِرَةِ وَأَرجَى للمَغْفِرةِ:
      إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ سَابِقِ عِلمِهِ بأن فِرعَونَ سَيَكفُرُ إلَّا أنَّه أرسَلَ إليِه سَيِّدَنَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ – وليسَ فَقَطْ بَلْ أمدَّ سَيِّدَنَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ بسَيِّدِنَا هارونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - وليسَ فَقَطْ بَلْ قَاَلَ لَهُمَا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى .
      فإِقَامَةُ الْحُجَّةِ لَا تَنقَطِعُ أبَدا , فَنَحنُ خَيْرُ أُمَّةٍ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَالْخَيْرُ كُلُّ الْخَيْرِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .
      قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِىٌّ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ». .رَوَاه مُسْلِمٌ
      قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)
      قال في الظِلال :
      إن كلمةَ الدَّعوةِ حينئذٍ هي أحسَنُ كلمةٍ تُقالُ فِي الْأَرْضِ ، وتَصعدُ في مُقدمةِ الْكَلِمِ الطَّيِّبُ إِلَى السَّمَاءِ. ولَكن مَع الْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذي يُصدقُ الكَلمةَ ومعَ الاستسلامِ للهِ الَّذي تَتوارى مَعه الذاتُ. فَتصبحُ الدَّعوةُ خَالصةً لله , ليسَ للداعية فِيهَا شَأنٌ إلَّا التَّبليغِ.
      ولا على الدَّاعيةِ بَعد ذلك أن تُتلقى كَلمتُه بالإعراضِ ، أو بِسوء الأدَب ، أو بالتبَجح في الإنكَارِ. فَهُو إنَّما يَتقدمُ بالحَسَنة. فَهو في المَقامِ الرَّفيعِ ، وغيره يَتقدمُ بالسيئة. فَهو في المَكَانِ الدُّون .
      عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ ورائهم» . رَوَاهُ الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمدْخل وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيّ وَأَبا دواد لَمْ يَذْكُرَا: «ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ» . إِلَى آخِره
      قَالَ صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ :
      ( نَضَّرَ اللَّه ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ الدُّعَاء لَهُ بِالنَّضَارَةِ وَهِيَ النِّعْمَة وَالْبَهْجَة ، يُقَال نَضَرَهُ اللَّه وَنَضَّرَهُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيل وَأَجْوَدُهُمَا التَّخْفِيفُ اِنْتَهَى .
      وَقَالَ فِي النِّهَايَة : نَضَّرَهُ وَنَضَرَهُ وَأَنْضَرَهُ أَيْ نَعَّمَهُ وَيُرْوَى بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد مِنْ النَّضَارَة ، وَهِيَ فِي الْأَصْل حُسْن الْوَجْه وَالْبَرِيق ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حُسْن خُلُقه وَقَدْره اِنْتَهَى .
      قَالَ السُّيُوطِيُّ : قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن جَابِر : أَيْ أَلْبَسَهُ نَضْرَة وَحُسْنًا وَخُلُوصَ لَوْنٍ وَزِينَةً وَجَمَالًا ، أَوْ أَوْصَلَهُ اللَّه لِنَضْرَةِ الْجَنَّة نَعِيمًا وَنَضَارَة . قَالَ تَعَالَى : وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ .
      قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَطْلُب حَدِيثًا إِلَّا وَفِي وَجْهه نَضْرَة ، رَوَاهُ الْخَطِيب .
      قال القَاري في مِرقاةِ المَفاتيح شرح مِشكَاة المَصابيحِ :
      (ثَلَاثٌ) أَيْ: ثَلَاثُ خِصَالٍ (لَا يَغِلُّ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَبِكَسْرِ الْغَيْنِ، فَالْأَوَّلُ مِنَ الْغِلِّ الْحِقْدِ، وَالثَّانِي مِنَ الْإِغْلَالِ الْخِيَانَةِ (عَلَيْهِنَّ) أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ (قَلْبُ مُسْلِمٍ) : أَيْ كَامِلٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخُونُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَلَا يَدْخُلُهُ ضِغْنٌ يُزِيلُهُ عَنِ الْحَقِّ حِينَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَالَهُ التُّورِبِشْتِيُّ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ: إِنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ يُسْتَصْلَحُ بِهَا الْقُلُوبُ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا طَهُرَ قَلْبُهُ مِنَ الْغِلِّ وَالْفَسَادِ، وَ " عَلَيْهِنَّ " فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: لَا يَغِلُّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ كَائِنًا عَلَيْهِنَّ، وَإِنَّمَا انْتَصَبَ عَنِ النَّكِرَةِ لِتُقَدُّمِهِ اهـ.
      وَعَن ابْن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ الدَّارمِيّ عَن أبي الدَّرْدَاء
      قالَ في تُحفَةِ الأَحَوَذيِّ :( فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ ) أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ.
      قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26)
      قال في المحرر الوجيز :
      قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) أَيْ مَا أَبْصَرَهُ وَأَسْمَعَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: لَا أَحَدٌ أَبْصَرُ مِنَ اللَّهِ وَلَا أَسْمَعُ. وَهَذِهِ عِبَارَاتٌ عَنِ الْإِدْرَاكِ.
      وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى" أَبْصِرْ بِهِ" أَيْ بِوَحْيِهِ وَإِرْشَادِهِ هُدَاكَ وَحُجَجَكَ وَالْحَقَّ مِنَ الْأُمُورِ، وَأَسْمِعْ بِهِ الْعَالَمَ، فَيَكُونَانِ أَمْرَيْنِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ.
      قال القُرطُبي رَحِمَهُ اللهُ: وَقِيلَ. الْمَعْنَى أَبْصِرْهُمْ وَأَسْمِعْهُمْ مَا قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ.

      تعليق


      • #3
        قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)
        قال في التحرير والتنوير :
        وَإِذْ قَدْ كَانَ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ بَثُّ عُلُومِهِ وَآدَابِهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ وَتَكْوِينُ جَمَاعَاتٍ قَائِمَةٍ بِعِلْمِ الدِّينِ وَتَثْقِيفِ أَذْهَانِ الْمُسْلِمِينَ كَيْ تَصْلُحَ سِيَاسَةُ الْأُمَّةِ عَلَى مَا قَصَدَهُ الدِّينُ مِنْهَا، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ عَقُبَ التَّحْرِيضُ عَلَى الْجِهَادِ بِمَا يُبَيِّنُ أَنْ لَيْسَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ تَمَحُّضُ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ لِأَنْ يَكُونُوا غُزَاةً أَوْ جُنْدًا، وَأَنْ لَيْسَ حَظُّ الْقَائِمِ بِوَاجِبِ التَّعْلِيمِ دُونَ حَظِّ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كِلَيْهِمَا يَقُومُ بِعَمَلٍ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ، فَهَذَا يُؤَيِّدُهُ بِتَوَسُّعِ سُلْطَانِهِ وَتَكْثِيرِ أَتْبَاعِهِ، وَالْآخَرُ يُؤَيِّدُهُ بِتَثْبِيتِ ذَلِكَ السُّلْطَانِ وَإِعْدَادِهِ لِأَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مَا يَضْمَنُ انْتِظَامَ أَمْرِهِ وَطُولَ دَوَامِهِ، فَإِنَّ اتِّسَاعَ الْفُتُوحِ وَبَسَالَةَ الْأُمَّةِ لَا يَكْفِيَانِ لِاسْتِبْقَاءِ سُلْطَانِهَا إِذَا هِيَ خَلَتْ مِنْ جَمَاعَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالسَّاسَةِ وَأُولِي الرَّأْيِ الْمُهْتَمِّينَ بِتَدْبِيرِ ذَلِكَ السُّلْطَانِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ مُلْكُ اللَّمْتُونِيِّينَ فِي الْأَنْدَلُسِ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تَقَلَّصَ، وَلَمْ تَثْبُتْ دَوْلَةُ التَّتَارِ إِلَّا بَعْدَ أَنِ امْتَزَجُوا بِعُلَمَاءِ الْمُدُنِ الَّتِي فَتَحُوهَا وَوَكَلُوا أَمْرَ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِمْ.
        لا تتَعجل حَتى تَقرأَ مَرةً أُخرى :
        وَأَنْ لَيْسَ حَظُّ الْقَائِمِ بِوَاجِبِ التَّعْلِيمِ دُونَ حَظِّ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ كِلَيْهِمَا يَقُومُ بِعَمَلٍ لِتَأْيِيدِ الدِّينِ، فَهَذَا يُؤَيِّدُهُ بِتَوَسُّعِ سُلْطَانِهِ وَتَكْثِيرِ أَتْبَاعِهِ، وَالْآخَرُ يُؤَيِّدُهُ بِتَثْبِيتِ ذَلِكَ السُّلْطَانِ وَإِعْدَادِهِ لِأَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مَا يَضْمَنُ انْتِظَامَ أَمْرِهِ وَطُولَ دَوَامِهِ، فَإِنَّ اتِّسَاعَ الْفُتُوحِ وَبَسَالَةَ الْأُمَّةِ لَا يَكْفِيَانِ لِاسْتِبْقَاءِ سُلْطَانِهَا إِذَا هِيَ خَلَتْ مِنْ جَمَاعَةٍ صَالِحَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالسَّاسَةِ وَأُولِي الرَّأْيِ الْمُهْتَمِّينَ بِتَدْبِيرِ ذَلِكَ السُّلْطَانِ
        جَاء في جَلاءِ الأَفهَامِ فِي فَضلِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَى مُحَمَّد خَيرِ الْأَنَامِ لِابْنِ القَيِّمِ (المُتوفى: 751هـ) :
        وتَبليغُ سُنتِه إِلَى الْأُمّةِ أفضَلُ مِن تَبْلِيغ السِّهَام إِلَى نُحُورِ الْعَدُوِ لِأَن ذَلِكَ التَّبْلِيغ يَفْعَله كَثيرٌ مِن النَّاسِ, وَأما تَبْلِيغُ السُّنَن فَلَا تَقومُ بِهِ إِلَّا وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاء وخُلَفَاؤهُم فِي أُمَمِهِم, جَعَلنَا اللهُ تَعَالَى مِنْهُم بِمَنِّه وَكَرَمِهِ.
        وَيَكْفِي فِي هَذَا قَولُ النَّبِي صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسلم لعَلي رَضِي اللهُ عَنهُ : فَوَاللَّهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَم.. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ
        جَاء في كِتَابِ البِدَعِ لابْنِ وَضًّاحٍ القُرطبُيِّ رَحِمَهُ اللهُ :
        عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيِّ رَفَعَهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى الْعِبَادِ بِأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ , يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى , وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى , وَيُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى , كَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ , وَضَالٍ تَائِهٍ قَدْ هَدَوْهُ , بَذَلُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ دُونَ هَلَكَةِ الْعِبَادِ , فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ , وَأَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ , يَقْتُلُونَهُمْ فِي سَالِفِ الدَّهْرِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا بِالْحُدُودِ وَنَحْوِهَا , فَمَا نَسِيَهُمْ رَبُّكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: 64] جَعَلَ قَصَصَهُمْ هُدًى , وَأَخْبَرَ عَنْ حُسْنِ مَقَالَتِهِمْ , فَلَا تَقْصُرْ عَنْهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ رَفِيعَةٍ , وَإِنْ أَصَابَتْهُمُ الْوَضِيعَةُ "
        قَالَ تَعَالَى في سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
        قالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ يَعْنِي الْقُرْآنَ." فَصَّلْناهُ" أَيْ بَيَّنَّاهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ مَنْ تَدَبَّرَهُ وَقِيلَ: فَصَّلْناهُ" أَنْزَلْنَاهُ مُتَفَرِّقًا. عَلى عِلْمٍ مِنَّا بِهِ، لَمْ يَقَعْ فِيهِ سَهْوٌ وَلَا غَلَطٌ.
        قال ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَوْلُهُ: فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ أَيْ: عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بِمَا فَصَّلْنَاهُ بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ [النِّسَاءِ:166] .
        قالَ صاحبُ تَفسيرِ المَنَارِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
        أَيْ وَلَقَدْ جِئْنَا هَؤُلَاءِ النَّاسَ بِكِتَابٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ ، كَامِلِ التِّبْيَانِ ، وَهُوَ الْقُرْآنُ . فَصَّلْنَا آيَاتِهِ تَفْصِيلًا عَلَى عِلْمٍ مِنَّا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ ، وَتَكْمِيلِ فِطْرَتِهِمْ ، وَسَعَادَتِهِمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ ، حَالَ كَوْنِهِ أَوْ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ مَنَارَ هِدَايَةٍ عَامَّةٍ وَسَبَبَ رَحْمَةٍ خَاصَّةٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِهِ إِيمَانَ إِذْعَانٍ يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ ، وَهُوَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ الْعِلْمِيِّ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ إِذَا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ ، وَلَمْ يَرْضَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِرَحْمَتِهِ . ثمَّ ذَكَرَ- رَحِمَهُ اللَّهُ - أمثلةً لهَذَا التَّفْصِيلِ – ثم قال - فَبِمِثْلِ هَذَا التَّفْصِيلِ كَانَ الْإِسْلَامُ دِينَ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَكَانَ الْقُرْآنُ يَنْبُوعَ الْهُدَى وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ فَيَا حَسْرَةً عَلَى الْمَحْرُومِينَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَا شَقَاءَ الطَّاعِنِينَ فِي هِدَايَتِهِ .
        قَالَ تَعَالَى في سُورَةِ فُصِّلَتْ:وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)
        هذه هي الركيزةُ والمُستَنَدُ القَديمُ وَالحَدِيثُ لِأعدَائِنَا لَا تَسْمَعُوا وَُهو صَرفٌ وَاضِحٌ لِمَنعِ اتِّصَالِ الْأَسْمَاعِ بهذا الكِتابِ المُباركِ – والخُطوةُ الثانيةُ وَالْغَوْا فِيهِ بأيِّ طَرِيقَةٍ كَانَت وَبأيِّ وَسِيلةٍ تَظهَرُ , وأمَلُهُم في ذَلِكَ : لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .
        فَلَقَدْ اتَّضَحَتْ لنا المُعَادَلةُ – فعِندَ عَدَمِ سَمَاعِ القُرآنِ وَعِندَما يُلغَى فيه – يَبدأُ البَاطِلُ في التَّحَرُّكِ وتَبرزُ مَعَالمُ الكُفرِ والضًلالِ- وعِندَها نَفقِدُ الصِّلةَ بِمَاضِينَا ويَضطرِبُ حَاضرُنا ويَصعُبُ عَلينا أن نُحددَ مَلامِحَ مُستَقبَلِنا – وكلُّه بما كَسبت أيدينا . هم يَقولونَ : لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ واللهُ قالَ : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وَوَعدُ اللهِ لَنَا : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ - ومُرادُهُم : لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .
        والذينَ لا يَسمَعونَ القُرآنَ ويَسمَعونَ غَيرَه كالغناءِ مَثلا ,ما هم إلا مدادٌ لمَكر الَّذِينَ كَفَرُوا وتحقيق ٌلِقولتِهم الخَبيثةِ .
        قَالَ تَعَالَى في سُورَةِ الْأَنْعَامِ: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

        تعليق


        • #4
          ومن العَجيبِ أنَّكَ تَرى رَجلا يَحملُ في يَدِه مَحمولاً وعِلبةَ سجائرٍ وعلبةَ مناديلٍ , ويرى حَملَ الْمُصْحَفِ - الذي هو أعظَمُ مَحمولٍ – يراه أمرا عَسيرا على نفسِه . وَتَرى الأُختَ تحملُ في حَقيبتِها ما شاءَ اللهُ لها أن تحملَ – ولا ترى حَملَ الْمُصْحَفِ مِن بين مُفرداتِ ما تحملُ – مَع أنَّ له مَكانا مُتاحا.
          واعلم أنَّ ما تحمِلُه الْقُلُوبُ تحْمِلُه الجُيوبُ - فالذي يحملُه الْإِنْسَانُ في جَيَّبِه , هو مُستِقِرٌ في قَلبِه ,ودليلُنا الأموالُ والمَحمولُ والبِطاقةُ , فالجَميعُ يقولُ كيفَ أتحركُ بدونِ هؤلاء –ولا يَرى مُشكلةً في عَدمِ حَملِه للمُصحَفِ - ويالها مِن كارثةٍ !
          ولا أظنُّ أبدا أنَّ القُرآنَ الَّذي في مَحمُولكَ يَكفي – بل لابُدَّ مِن كِتابِ اللهِ ,فأنتَ لا تَستَغني بالمحمولِ عَن بَاقِي أورَاقِكَ وَدِرَاسَتِكَ وَمَهامكَ – والمحمولُ ليسَ كِتابا - وَعَلى أيَّةِ حالٍ فالمقارنةُ غَيرُ جائزةٍ .
          إنَّنَا أيُّهَا الإخوَةُ لا نَقبَلُ أن تهجُرنا الزَّوْجَةُ أو الولدُ أو الوالدُ فَترةً قليلةً مِن الزمَنِ ,فَلو حَدثَ مِثلُ هذا, لقامَ أحدُنا يُطالبُ بحَقهِ وَيُعاتِبُ وَيَشتَكي حَتَّى يَنالَ حَقَّه سَريعَا , لكنَّنا ارتضينا وَبكلِّ تجاهُلٍ أن نَهجرَ القُرآنَ بالشُّهورِ ولم نُدرك مرةً هَذَا المعنى – وَهوَ أنَّ القُرآنَ له حَقُّ الصُّحبةِ كَكلِّ النَّاسِ بل يَزيدُ – بل إنَّ مُستَقبَلَ هذه الأُمَّةِ مَرهونٌ بِعلاقَتِها بالقُرآنِ - ثُمَّ نَقولُ نحنُ بخيرٍ وَنُحبُ القُرآنَ ! فَيَالَه مِن تَنَاقُضٍ عَجِيبٍ !!
          والأمرُ الآخرُ هو أنَّ تَفسيرَ القُرآنِ بكامِله قيمَته في دنيا النَّاسِ - ستونَ جُنيها , تَأَمَّلْ - تفسيرُ القُرآنِ كاملا بَينَ يَديكَ بما يُعادلُ أقلَّ الأَشياءِ في حَياتِنَا ثَمَنا , وَهَذَا التفسيرُ هُو للإمَامِ السَّعْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ - المعرُوفِ بتَفسيرِ السَّعْدِيِّ . إنَّ ما يُنفِقُه طفلٌ صَغيرٌ في أقلَ مِن أُسبُوعٍ هو أكثرُ من ثمنِ كِتابِ تَفسيرٍ لِكِتابِ اللهِ.وما يُنفقهُ النَّاسُ في حَياتِهم اليَوميَّةِ مِن تَعديلٍ أو تغييرٍ ليَزيدُ عشراتِ المراتِ عَن ثمنِ عشراتِ الكتبِ من التَّفَاسيرِ . فأيُّ مِيزانٍ وأيُّ فَهمٍ هَذَا الذي نَقولُ به ؟ والنَّجاةُ الآكدةُ في القُرآنِ لا غير .
          إنَّ الأشياءَ النَّادرةَ لا يتوقفُ النَّاسُ عَن البَحثِ عنها – وَإن وَجَدوهَا حَافَظوا عَليها وأحَاطوها بما يَحمِيها ويُبقيها – فما قَولنُا في كِتابِ اللهِ الَّذي لا يخلو مِنه بَيتٌ – أليسَ القُرآنُ من أعزِّ ما يملكُ الْمُسْلِمُونَ ومن أنفَسِ ما في أيدِيهِم ؟
          إنَّ شبابَ المُسلمينَ في كُل مكانٍ ليتنافسونَ في تَحْصيلِ دَوراتٍ علميةٍ مُتنوعةٍ وما تَراهم يَتجهونَ نحوَ الحقيقةِ- ألا وهي القُرآنُ .
          إنَّ أحَدَنا ليُسافرُ السَّفَرَ الطَّوِيلَ ليحصلَ عَلى شيء ما يَنفعُه في مِهنتِه – أو ليحصلَ عَلى شيء يحافظُ عَلى هيئتِه – وَربما كَانَ فيهِ هَلَكتُه – أما القُرآنُ فهو سَفينةُ النَّجاةِ وَلا يَخلو بيتٌ منه - وَمَع ذلك لم نُدرك حَتَّى الآن قدْرَ ما في أيدينا – ويا له مِن لُغزٍ مُحيرٍ !! فلستَ محتاجا إلى سَفرٍ أو حَجزٍ – بل هو في يديكَ وحَولكَ في كُلِّ مكانٍ – ويمكنُك أن تَسمَعَه أو تَقرأه – والقُرآنُ هو كتابُنا وفيه نجاتُنا وهو مَصدرُ قوتنا وعِزتِنا - وَلَقَدْ أخبرنا القُرآنُ أنَّ المرءَ يومَ القيامة يفرُ مِن كُلِّ شيء ولا ينَفعه إلا عَمَلُه الصَّالِحُ, فلا بَيتَ ولا ولدَ ولا زوجةَ ولا مالَ يُغني عنا شيئا.
          إنَّ القُرآنَ رِسَالةٌ مِن اللهِ , وَكلُّ رِسَالةٍ لها هَدفٌ ولها مَضمونٌ ,فمِن المُحالِ أن تَقرأ أو تَكتبَ رِسَالةً وأنت عاجزٌ عن فَهمِ ما فيها – وإن عَجزتَ ,فإنَّك تسألُ مَن حَولك لتستفيدَ - كذلك القُرآنُ – فعيبٌ عَلينا أن تأتيَنا رِسَالةٌ من اللهِ ثُم لا نَقرأُها –أو نَقرأها ولا نَهتمَّ بما فيها أو نَتركَ العملَ بما جاء في رِسَالةِ ربنا جلَّ في علاه. إنَّكَ لا تَفعلُ هَذَا في كُلِّ رَسَائلِ الدَّنيا-فَكيفَ بِكَلامِ رَبنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟! وكَونُ هَذَا القُرآنِ خَاتمَ الكتبِ, فمعنى ذلكَ أنَّه حَوى الخيرَ كلَّه وَحَذَّرَ مِن الشَّرِ كلِّه ,فكيفَ نَتَبَاعَدُ عَنه ؟!
          جَاَءَ في كِتابِ التِّبْيَانِ للنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ الحَسَنُ بنُ عَلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّ مَن كان قبلَكُم رأوا القُرآنَ رَسَائلَ مَن رَبهِم فَكَانوا يَتَدبَرونَها بِاللَّيْلِ وَيَتَفَقَدونَها في النَّهارِ.
          إنَّها رِسَالةٌ تَتَضمنُ طُرقَ النَّجاةِ وَمَفاتِحَ الخَيْرِ وَبَواعِثَ الأَمَلِ وَمَوارِدَ العِزَّةِ والكَرَامَةِ .
          قال تعالى : الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وقال تعالى : أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي .
          وَلَقَدْ جَمعتُ عددَ آياتِ كلِّ جُزءٍ من القُرآنِ , وكان كلُّ جزءٍ يزيدُ على المائةِ آية ,وَيَتَجَاوَزُ بَعضُهم المائتينِ وَلَقَدْ تجاوزَ - جزءُ عمَّ- الأربعمائة آيةٍ ,فكيف تقرأُ رِسالةً من اللهِ بهَذَا العددِ ثمَّ لا تخرجُ مِنها بشيء ,إنَّ هَذَا لشيءٌ عجابٌ ؟ إنَّ في القُرآنٍ ما نُسَميهِ اليومَ بالقَرَاراتِ المَصيريةِ الحَقيقيةِ - فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ .
          ولك أن تَعلمَ أنَّ القُرآنَ رِسالةٌ مِن جَبارٍ مُقتدرٍ لا يُخلفُ الميعَادَ ولا يَظلمُ أحدا .
          إنَّه بِموجِبِ عَقدِ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ -أصبَحَ كلُّ شيء مِلكا لِمن اشترى .
          ليسَ هُناكَ استِثناءٌ في أمرٍ دُونَ أمرٍ . الْمَالُالنَّفْسُ الْوَقْتُ - فهل ما زلنا على عَهدِنا ؟
          إنَّ الوقتَ والمالَ الذي يَبخلُ به الْمُسْلِمُونَ على دِينِهِم – يَنتزِعُهُ اللهُ مِنهم انتزاعا مِن مَعايشهِم – وذلك في الموَاصَلاَتِ والمَشَافي والمخَابزِ وبَقيةِ أطوارِ حَياتِهم اليوميَّةِ – فَتَجِدُهُم يَحارونَ في الأمرِ البَسيطِ .
          وَفي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105)
          وقبل أن أنقلَ لك كَلامَ أهلِ العلمِ - تدبرْ قولَه وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ أنزلَه تَعَالى بالحَقِّ , وَنَزلَ بالحَقَّ , فما المعنى ؟
          قال صاحبُ الْمُحَرَّرِ الْوَجِيزِ:قَالَ الزَّهْرَاوِيُّ: مَعنَاه بالواجبِ الَّذي هو المصلَحةُ والسَّدادُ للناس بِالْحَقِّ في نفسه، وَقَولُه وَبِالْحَقِّ نَزَلَ، يُريدُ بِالْحَقِّ في أوامرِه وَنوَاهيهِ وأخبَارِه -فبهَذَا التَّأْوِيلِ يكونُ تِكرارُ اللفظِ لمعنى غَير الأوَّلِ .
          قال ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ أَنَّهُ بِالْحَقِّ نَزَلَ، أَيْ مُتَضَمِّنًا لِلْحَقِّ، وقوله وَبِالْحَقِّ نَزَلَ أي ونزل إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مَحْفُوظًا مَحْرُوسًا لَمْ يُشَبْ بِغَيْرِهِ وَلَا زِيدَ فِيهِ وَلَا نَقُصَ مِنْهُ، بَلْ وَصَلَ إِلَيْكَ بِالْحَقِّ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِهِ شديد الْقَوِيُّ الْأَمِينُ الْمَكِينُ الْمُطَاعُ فِي الْمَلَإِ الْأَعْلَى.
          قال في التَّحْرِيرِ وَالتَّنْوِيرِ: وَقَدْ وُصِفَ الْقُرْآنُ بِصِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَحْتَوِي عَلَى ثَنَاءٍ عَظِيمٍ وَتَنْبِيهٍ لِلتَّدَبُّرِ فِيهِمَا.
          قال في الظِّلَالِ : وَلَقَدْ أنزلَ اللهُ هَذَا القُرآنَ قَائِمَا عَلَى الحقِّ -وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ- فَنزلَ ليُقرَّ الحقَّ في الْأَرْضِ ويثبته - وَبِالْحَقِّ نَزَلَ- فالحقُّ مَادتُه وَالحَقُّ غايتُه. وَمِن الحقِّ قِوامُه، وبالحقِّ اهتمامُه..
          قَالَ تَعَالَى في سُورَةِ الْإِسْرَاءِ: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)
          قال ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى شَرَفِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ كُلُّهُمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما أنزل عَلَى رَسُولِهِ لَمَا أَطَاقُوا ذَلِكَ وَلَمَا اسْتَطَاعُوهُ، وَلَوْ تَعَاوَنُوا وَتَسَاعَدُوا وَتَظَافَرُوا فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يُسْتَطَاعُ، وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلَامُ الْمَخْلُوقِينَ كَلَامَ الْخَالِقِ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا مِثَالَ لَهُ وَلَا عَدِيلَ لَهُ.
          قال البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَالْقُرْآنُ مُعْجِزٌ فِي النَّظْمِ وَالتَّأْلِيفِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ وَهُوَ كَلَامٌ فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَوْ كَانَ مَخْلُوقًا لَأَتَوْا بِمِثْلِهِ .
          جَاَءَ في الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِلدَّارِمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ :
          وَأَنَّى يَأْتِي الْمَخْلُوقُ بِمِثْلِ كَلَامِ الْخَالِقِ؟، وَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ؟، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: 24] فَلَنْ تَفْعَلُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَيْسَ كَكَلَامِهِ كَلَامٌ.

          تعليق


          • #5
            قال في البداية والنهاية :
            بَلِ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، تَكَلَّمَ بِهِ كَمَا شَاءَ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فالخلق كلهم عاجزون حقيقة وفي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ وَلَوْ تَعَاضَدُوا وتناصروا عَلَى ذَلِكَ، بَلْ لَا تَقْدِرُ الرُّسُلُ الَّذِينَ هم أفصح الخلق وأعظم الْخَلْقِ وَأَكْمَلُهُمْ، أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِمِثْلِ كَلَامِ اللَّهِ وَهَذَا الْقُرْآنُ الَّذِي يُبَلِّغُهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم عن الله، أسلوب كلامه لَا يُشْبِهُ أَسَالِيبَ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم، وأساليب كلامه الْمَحْفُوظَةُ عَنْهُ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ إِلَيْهِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ أَسَالِيبِهِ فِي فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، فِيمَا يرويه من المعاني بألفاظه الشريفة، بل وأسلوب كلام الصحابة أَعْلَى مِنْ أَسَالِيبِ كَلَامِ التَّابِعِينَ، وَهَلُمَّ جَرًّا إلى زماننا.
            قَالَ تَعَالى في سُورَةِ الْحِجْرِ : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)
            قال ابنُ كَثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ :يَقُولُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمَا آتَيْنَاكَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فَلَا تَنْظُرَنَّ إِلَى الدُّنْيَا، وَزِينَتِهَا، وَمَا مَتَّعْنَا بِهِ أَهْلَهَا مِنَ الزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ فَلَا تَغْبِطْهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ . وَقَوْلُهُ: لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ أَيِ اسْتَغْنَ بِمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْمَتَاعِ وَالزَّهْرَةِ الْفَانِيَةِ.
            قال في اللُّبَابِ : قَالَ أَبو بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : مَنْ أوتِي القُرآنَ فرَأى أنَّ أحَداً أوتِي مِنَ الدُّنيَا أفضلَ ممَّا أوتِي، فَقَد صَغَّرَ عَظِيماً وَعَظَّمَ صَغِيراً .قَالَ العِرِاقِي: إنَّ الخَبَرَ مَرويٌ , لَكنْ لم أَقِف عَلَى رِوَايَتِهِ عَن أَبي بَكْرٍ رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنهُ في شَيءٍ مِن كُتَبِ الحدَيثِ.
            قالَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ) الْمَعْنَى: قَدْ أَغْنَيْتُكَ بِالْقُرْآنِ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ .
            قال أبوحيَّان في الْبَحْرِ الْمُحِيطِ: لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِتْيَانِهِ مَا آتَاهُ، نَهَاهُ. وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ النَّهْيَ لَا يَقْتَضِي الْمُلَابَسَةَ وَلَا الْمُقَارَبَةَ عَنْ طُمُوحِ عَيْنِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْمَعْنَى: نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِيهِ وَامْتِثَالُ تَكَالِيفِهِ وَفَهْمُ مَعَانِيهِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِزَهْرَةِ الدُّنْيَا. وَمَدُّ الْعَيْنِ لِلشَّيْءِ إِنَّمَا هُوَ لِاسْتِحْسَانِهِ وَإِيثَارِهِ.
            قَالَ الْأَلُوسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ :قد أوتيت النِّعْمَةَ الْعُظْمَى الَّتي كُلُّ نِعْمَةِ وَإِن عَظُمَتْ فَهَيَ بِالنسبة إليها حَقِيرَةٌ , فَعَلَيكَ أَن تَستَغْنِي بِذَلِكَ وَلَا تَرغَبَ في مَتَاعِ الدُّنيَا.
            وفي سُورَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)
            قال في فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ لِتَعْدَادِ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ قَدَّمَ النِّعْمَةَ الَّتِي هِيَ أَجْلُّهَا قَدْرًا، وَأَكْثَرُهَا نَفْعًا، وَأَتَمُّهَا فَائِدَةً، وَأَعْظَمُهَا عَائِدَةً، وَهِيَ نِعْمَةُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهَا مَدَارُ سَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَقُطْبُ رَحَى الْخَيْرَيْنِ، وَعِمَادُ الْأَمْرَيْنِ. ثُمَّ امْتَنَّ بَعْدَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِنِعْمَةِ الْخَلْقِ الَّتِي هِيَ مَنَاطُ كُلِّ الْأُمُورِ وَمَرْجِعُ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ فَقَالَ: خَلَقَ الْإِنْسانَ ثُمَّ امْتَنَّ ثَالِثًا بِتَعْلِيمِهِ الْبَيَانَ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفَاهُمُ، وَيَدُورُ عَلَيْهِ التَّخَاطُبُ، وَتَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مَصَالِحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إِبْرَازُ مَا فِي الضَّمَائِرِ وَلَا إِظْهَارُ مَا يَدُورُ فِي الْخَلَدِ إِلَّا بِهِ.
            قال في التَّحْرِيرِ وَالتَّنْوِيرِ: ابْتُدِئَتْ بِالتَّنْوِيهِ بِالْقُرْآنِ قَالَ فِي –الْكَشَّافِ- :أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُقَدِّمَ فِي عَدَدِ آلَائِهِ أَوَّلَ شَيْءٍ مَا هُوَ أَسْبَقُ قِدَمًا مِنْ ضُرُوبِ آلَائِهِ وَأَصْنَافِ نَعْمَائِهِ وَهِيَ نِعْمَةُ الدِّينِ فَقَدَّمَ مِنْ نِعْمَةِ الدِّينِ مَا هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا وَأَقْصَى مَرَاقِبِهَا وَهُوَ إِنْعَامُهُ بِالْقُرْآنِ وَتَنْزِيلِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَأَخَّرَ ذِكْرَ خَلْقِ الْإِنْسَانِ عَنْ ذِكْرِهِ ثُمَّ أَتْبَعُهُ إِيَّاهُ ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَمَيَّزَ بِهِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ مِنَ الْبَيَانِ اهـ.
            قال أَبُو السُّعُودِ – رَحِمَه اللهُ- في تَفسيرِه- إرشادُ العَقلِ السليمِ إلى مزايا الكِتابِ الكَريمِ :
            الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ لأنَّه أعظمُ النعَمِ شأنا وأرفعُها مكاناً كيفَ لا وهُو مَدارٌ للسعادةِ الدينيةِ والدنيويةِ وعيارٌ على سائرِ الكُتبِ السماويةِ ما منْ مرصدٍ يرنُو إليه أحداقُ الأممِ إلا وهُو منشؤُه ومناطُه ولا مقصدٍ يمتدُّ إليه أعناقُ الهممِ إلا وهُو منهجُه وصراطُه وإسنادُ تعليمِه إلى اسمِ الرَّحمنِ للإيذانِ بأنَّه مِن آثارِ الرحمةِ الواسعةِ وأحكامِها وقد اقتُصرَ على ذكرِه تنبيهاً على أصالتِه وجلالةِ قدرِه ثمَّ قيلَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ تعييناً للمعلَّم وتبييناً لكيفيةِ التَعليمِ والمرادُ بخلقِ الإنْسَانِ إنشاؤُه على ما هُو عليه منَ القُوى الظاهرةِ والباطنةِ والبيانُ هو التَعبيرُ عمَّا في الضميرِ وليسَ المرادُ بتعليمِه مجردَ تمكينِ الإنسانِ من بيانِ نفسِه بل منْهُ ومنْ فهمِ بيانِ غيرِه أيضاً إذْ هُو الذي يدورُ عليه تعليمُ القُرآنِ .
            قال ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ : أَقْرَأَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلُمِيُّ الْقُرْآنَ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ عَلَيْهِ أَحَدُنَا الْقُرْآنَ قَالَ: قَدْ أَخَذْتَ عِلْمَ اللَّهِ، فَلَيْسَ أَحَدٌ الْيَوْمَ أَفْضَلَ مِنْكَ إِلَّا بعمل، ثم يقرأ قوله: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً.
            قال في التَّحْرِيرِ وَالتَّنْوِيرِ: وَالتَّارِيخُ شَاهِدٌ بِأَنَّ مَا تَهَيَّأَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ عَجَائِبِ الِانْتِشَارِ وَالسُّلْطَانِ عَلَى الْأُمَمِ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، فَيَتَبَيَّنُ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّمَا تَمَسَّكُوا بِعُرَى الْإِسْلَامِ لَقُوا مِنْ نَصْرِ اللَّهِ أَمْرًا عَجِيبًا يَشْهَدُ بِذَلِكَ السَّابِقُ وَاللَّاحِقُ .
            قال ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ النُّونِيَةِ:
            حُبُّ الكِتَابِ وَحُبُّ ألْحَانِ الغِنَا ... في قَلْبِ عَبدٍ ليَسَ يَجْتَمِعَانِ

            تعليق

            20,125
            الاعــضـــاء
            230,461
            الـمــواضـيــع
            42,210
            الــمــشـــاركـــات
            يعمل...
            X