• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • العرضة الأخيرة (المفترى عليها)

      بسم الله الرحمن الرحيم
      العرضة الأخيرة (المفترى عليها)

      الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه إلى يوم النفخ في الصور والعرض والنشور يوم يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور
      أما بعد:
      ففي هذا البحث المختصر سأتكلم عن قضية مشهورة عند القراء, وهي ما يسمى بالعرضة الأخيرة, وهي مسألة يكثر ورودها جداً في كتب القراءات قديمها وحديثها, ويكثر سوء فهمها والخطأ في شأنها.
      وسوف أبين إن شاء الله المراد بالعرضة الأخيرة والحكمة منها, ثم أذكر ثلاثة آراء ضعيفة مع شهرة بعضها, وأبين ضعفها بالدليل, أسأل الله الإعانة والسداد.

      ولست أشبه أمر العرضة الأخيرة إلا بمسألة الأحرف السبعة, فعندما ضُخِّم وهُوِّل أمر الأحرف السبعة ضل معناها واختفى واضطربت فيها الأقاويل وحار فيه كثير من أهل العلم.
      ولو ترك في الدائرة الصغيرة التي أراد رسول الله لم يخْفَ معناه على أحد, ولم يحْتَجْ أحد أن يسأل عنه كما وقع للصحابة .
      وهكذا الحال مع العرضة فحينما ضُخِّم شأنها وهُوِّل حار في أمرها بعض العلماء لا سيما المتأخرون منهم, واضطربوا فيها, وكان من نتاج ذلك بروز آراء غريبة تؤكد مسألة الحيرة من هذه القضية.
      والواقع أن أمر العرضة ما هو إلا حدث عادي صغير لمجرد تأكيد الحفظ وما نسخ من بعض آيات القرآن, وليس وراء ذلك من شيء أبداً.

      فقد ثبت من حديث ابن عباس قال: (كان رسول الله أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل, وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن, فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة)
      متفق عليه. البخاري (6) , ومسلم (2308)
      وفي رواية للبخاري (1803) (يعرض عليه النبي القرآن).
      وفي حديث أبي هريرة (يعرض على النبي القرآن كل عام مرة, فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه). أخرجه البخاري (4712)
      وثبت في البخاري أيضاً (3426) من حديث عائشة عن فاطمة (أن النبي أسرَّ إليها إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة, وإنه عارضني العام مرتين, ولا أراه إلا حضر أجلي).

      وقد دلت هذه الأحاديث على أن جبريل كان يعارض النبي بالقرآن كل سنة مرة في رمضان, وأنه عارضه به في العام الأخير من حياته مرتين.
      والمراد بالمعارضة والمدارسة أن جبريل والنبي كان كل منهما يعرض القرآن ويقرؤه على صاحبه, كما هو صريح في الروايات.
      ولفظ المعارضة والمدارسة يدل على المشاركة.
      وسميت العرضة الأخيرة بذلك لأنها كانت آخر معارضة بالقرآن بين جبريل والنبي .

      إذاً العرضة الأخيرة ليس بينها وبين وفاة النبي سوى بضعة أشهر, وينبغي استحضار هذه الجزئية دائماً حتى يسهل فهم مسائل أخرى في هذا الموضوع.

      وكانت المعارضة بحرف واحد كما سيأتي, وهو حرف زيد, وهي القراءة المنزلة التي كتبت بين يدي النبي فور نزولها, وتلقيت عنه.
      وليس في الوجود أي دليل لا صحيح ولا ضعيف ولا موضوع يدل على أن المعارضة كانت بأكثر من حرف, وإنما هو قول التزم به بعض العلماء لأنهم يعتقدون أن القراءات كلها منزلة وأنه لا فرق بين حرف قريش وغيره من الأحرف, مع أن النصوص صريحة في أن القرآن أنزل بلغة قريش, والأدلة على هذا كثيرة جداً قد ذكرتها في موضوع "هل القراءات القرآنية كلها نزل بها جبريل".
      ومما يدل على أن المعارضة إنما كانت بحرف واحد قول أبي عبد الرحمن السلمي: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة, كانوا يقرؤون القراءة العامة, وهي القراءة التي قرأها رسول الله على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه.
      وكان زيد قد شهد العرضة الأخيرة, وكان يقرئ الناس بها حتى مات, ولذلك اعتمده الصديق في جمعه, وولاه عثمان كتبة المصحف. انظر: "المرشد الوجيز" لأبي شامة ص (68) , و"البرهان" للزركشي (1/237)

      والغاية من المعارضة استثبات حفظه على ما أوحاه إليه جبريل, وتثبيت ما يشاء الله ونسخ ما يشاء, وليس وراء ذلك من شيء.
      وهذا قول عامة العلماء, وهو الصواب دون ريب.

      قال الشعبي كما "المرشد الوجيز" ص (22) : "إن جبريل كان يعارض النبي بما أنزل عليه في سائر السنة في شهر رمضان".
      وقال الشعبي أيضاً كما "فضائل القرآن" لابن الضريس (128) : (كان الله تعالى ينزل القرآن السنة كلها، فإذا كان شهر رمضان عارضه جبريل بالقرآن، فينسخ ما ينسخ، ويثبت ما يثبت, ويحكم ما يحكم وينسئ ما ينسئ).

      أي: أن جبريل في شهر رمضان يعارض النبي بما أنزل عليه قبل رمضان لاستثبات حفظه, ونسخ ما يشاء الله من الآيات, وهكذا في كل رمضان, وفي العام الأخير من حياته عارضه مرتين تأكيداً وختاماً, وكانت هذه العرضة الأخيرة في العام الأخير كالعرض في الأعوام السابقة, ليس لها ميزة أو خاصية أو مخالفة للعرضات السابقة, فإن الغرض منها هو الاستثبات وتأكيد ما نسخ وما أثبت من الآيات.

      قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص (94) : "فيحدث الله من ذلك ما يشاء وينسخ ما يشاء, وييسر على عباده ما يشاء".

      وقال ابن كثير في "تفسيره" (1/51) : "والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى، ليبقى ما بقي ويذهب ما نسخ توكيداً أو استثباتاً وحفظاً, ولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره على جبريل مرتين، وعارضه به جبريل كذلك".

      وقال ابن حجر في "الفتح" (9/5) : "جبريل كان يعارض النبي بالقرآن في شهر رمضان, وفي ذلك حكمتان, إحداهما: تعاهده, والأخرى تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ".

      وقال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (24) : "وكأنه نَزَّلَ عرضه وإحكامه في رمضان من كل سنة منزلة إنزاله فيه، مع أنه قد لا ينفك من إحداث إنزال ما لم ينزل أو تغيير بعض ما نزل بنسخ أو إباحة تغيير بعض ألفاظه"
      وقال ص (69) : ويقال: إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي عرضها رسول الله على جبريل وهي التي بُيِّن فيها ما نسخ وما بقي.

      هذه إذاً هي الغاية الوحيدة من المعارضة سواء الأخيرة أو ما قبلها, إنما هي استثبات الحفظ ونسخ بعض الكلمات أو الآيات أو السور.
      ومن أمثلة ما نسخ من الآيات والسور:
      قال ابن حجر في "الفتح" (9/65) : "ثبت عن جماعة من الصحابة ذكر أشياء نزلت من القرآن فنسخت تلاوتها وبقي حكمها أو لم يبق, مثل حديث عمر (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة), وحديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة, قال: فأنزل الله فيهم قرآناً (بلغوا عنا قومنا أنا لقد لقينا ربنا), وحديث أبي بن كعب (كانت الأحزاب قدر البقرة), وحديث حذيفة (ما يقرؤون ربعها) يعني براءة, وكلها أحاديث صحيحة"اهـ
      ومما نسخ ما جاء في حديث عائشة قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن, ثم نسخن بخمس معلومات, فتوفي رسول الله وهن فيما يقرأ من القرآن) أخرجه مسلم (1452)

      قال النووي في "شرح مسلم" (10/29) : "معناه أن بعض الناس يقرأ خمس رضعات ويجعلها قرآناً متلواً لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده, فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى".

      ومما نسخ ما جاء في حديث أبي الدرداء (والذكر والأنثى) نسخت بالآية (وما خلق الذكر والأنثى) متفق عليه. البخاري (4660) , ومسلم (824)

      ومن ذلك ما جاء عن أبي موسى الأشعري قال: (إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة, فأنسيتها غير أني قد حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب, وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات, فأنسيتها غير أني حفظت منها يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) أخرجه مسلم (1050)

      ومن ذلك ما رواه أبو يونس مولى عائشة قال: (أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فلما بلغتها آذنتها فأملت علي حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين قالت عائشة سمعتها من رسول الله ) أخرجه مسلم (629)

      قال البراء بن عازب : (نزلت هذه الآية حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى أخرجه مسلم (630)

      فهذه الآيات أو السور المنسوخة في العرضة الأخيرة أو ما قبلها ليس لها علاقة بالأحرف السبعة, وهذا واضح جداً, إنما هي زيادات وآيات وسور كاملة نسخت وليست أوجهاً وأحرفاً قرآنية, ولذلك لا تجد أي إشارة في هذه الأحاديث للأحرف أو القراءات إنما يذكرون النسخ, وهذا النسخ لسور كاملة وآيات وكلمات, ومن المعلوم أن الأحرف إنما هي أوجه قرآنية ولهجات ليس فيها حذف آيات وسور وكلمات.

      بعد هذه المقدمة وبيان المعنى الحقيقي لما يسمى بالعرضة أقول: إن بعض العلماء ذهبوا إلى آراء بعيدة وغريبة في هذه مسألة, وهي آراء ثلاثة, كلها ضعيفة جداً, وسأستعرضها الآن وأبين ضعفها بحول الله.

      الرأي الأول:
      أن العرضة الأخيرة المراد منها نسخ قراءات من الأحرف السبعة التي نزلت توسعة على الناس, فنسخ بعضها, وبقي بعض منها.
      وممن قال بهذا ابن الجزري , حيث يقول في "منجد المقرئين" ص (95) : "المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة، فلما كثر الاختلاف وكاد المسلمون يكفر بعضهم بعضاً أجمع الصحابة على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي على جبريل عام قبض، وعلى ما أنزل الله تعالى دون ما أذن فيه، وعلى ما صح مستفاضاً عن النبي دون غيره, فكتبوا المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة، وما صح عن النبي واستفاض دون ما كان قبل ذلك مما كان بطريق الشذوذ والآحاد من زيادة، وإبدال وتقديم وتأخير وغير ذلك"اهـ

      وهذا القول الذي قاله ابن الجزري ضعيف جداً لأدلة كثيرة سأذكر بعضها الآن ثم سأذكر بعد ذلك بطلان قوله: "المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة".
      أولاً:
      أنه لا دليل عليه ولا حجة له إلا الظن, وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً, وكل من ذكر العرضة الأخيرة من الصحابة والسلف لم يشيروا إلى هذا الرأي, ولم يذكروا قراءات ولا أحرف, وإنما ذكروا كما سبق أن الغاية من العرضة استثبات الحفظ ونسخ بعض من الآيات, فإن من الآيات ما هو منسوخ كما هو معلوم.

      ثانياً:
      أن الرخصة بالأحرف السبعة ما نزلت إلا في آخر حياة النبي قبل وفاته بنحو سنتين حين دخل الناس في دين الله أفواجاً, فمن المستبعد جداً أن ينسخ كثير منها والحكمة منها والحاجة إليها قائمة, فما حرص النبي عليها ذلك الحرص الشديد إلا لتبقى ردحاً من الزمن لا أن تنسخ في أشهر, وأين الحكمة في ذلك, فالصواب أن الرخصة بالأحرف كلها بقيت حتى زمن عثمان .

      ثالثاً:
      أن القول الصحيح الذي تشهد له الأدلة أن الأحرف السبعة لم ينزل بها جبريل , وإنما نزل جبريل بحرف واحد, وأما الأحرف السبعة فكانت رخصة للناس أن يقرؤوه على أوجه كثيرة وكان ذلك في أواخر العهد المدني حين اقتضت الضرورة ذلك, ولما زالت الضرورة كتب عثمان المصحف على حرف قريش وهو الذي نزل به جبريل وكان يكتب بحضرة النبي .
      وقد ذكرت هذه المسألة في مبحث مستقل, وذكرت الدلائل والقرائن والنقول الكثيرة عن أهل العلم من السابقين واللاحقين في هذه المسألة.
      وهو بعنوان " هل القراءات القرآنية كلها نزل بها جبريل".

      فالقول بأن العرضة الأخيرة فيها نسخ لبعض الأحرف يستحيل إذاً, فإن الأحرف لم تنزل أصلاً حتى تنسخ.

      فالغاية إذاً من معارضة جبريل للنبي سواء العرضة الأخيرة أم ما قبل ذلك ليس إلا استثبات حفظه على ما أوحاه إليه جبريل, وتثبيت ما لم ينسخ ونسخ ما يشاء الله , ليس غير ذلك البتة.

      قال ابن حجر في "فتح الباري" (9/44) : أخرج النسائي من طريق أبي ظبيان قال: (قال لي ابن عباس : أي القراءتين تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن أم عبد يعني عبد الله بن مسعود, قال: بل هي الأخيرة, إن رسول الله كان يعرض على جبريل... ) الحديث وفي آخره فحضر ذلك ابن مسعود , فعلم ما نسخ من ذلك وما بدل".

      وقال الدكتور عبد الصبور شاهين في "تاريخ القرآن" ص (119) : مراجعة النبي كل عام لما نزل من القرآن مع جبريل كانت ضماناً لوحدة النص وعاصماً من الزيادة أو النقص أو التحريف.

      وقال البغوي في "شرح السنة" (3/57) : "يقال إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها لرسول الله وقرأها عليه، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف"اهـ

      وأما قول ابن الجزري : "المصاحف التي كتبت في زمن أبي بكر كانت محتوية على جميع الأحرف السبعة".
      فهو قول باطل مخالف للحقيقة الناصعة تماماً, وترده جميع الأدلة, فإن الصحف التي جمعت في عهد أبي بكر هي التي كانت على حرف واحد وهو حرف قريش الذي نزل به القرآن, فلم يكن القرآن يكتب إلا بحرف واحد بالإجماع, والصحف التي جمعت في عهد أبي بكر هي نفسها التي نسخ منها عثمان t المصحف, وقد بينت هذا ووضحته في موضع آخر.

      القول الثاني الضعيف جداً:
      أن جبريل كان يعارض النبي في كل عرضة بوجه من الوجوه أو حرفاً من الأحرف.
      وقد قال بهذا أبو عمرو الداني, والبغوي, وابن عطية, والزركشي.
      ويلاحظ أن هؤلاء العلماء هم الذي قالوا: إن القراءات نزل بها كلها جبريل كما ذكرت في موضوع "هل القراءات كلها نزل بها جبريل", فقد اضطروا إلى القول بأن جبريل كان يعارض في كل عرضة بحرف من الأحرف لأنهم يعتقدون أن الأحرف كلها منزلة, أما غيرهم ممن يقول بأن الذي أنزله جبريل إنما هو حرف واحد وهو حرف قريش فلا يقولون بذلك.

      والآن سأذكر أقوال هؤلاء العلماء ثم أذكر مناقشتها.
      قال أبو عمرو الداني في "جامع البيان" (1/58) : "ووجه هذا الاختلاف في القرآن أن رسول الله كان يعرض القرآن على جبريل عليه الصلاة والسلام في كل عام عرضة، فلما كان في العام الذي توفي فيه عرض عليه عرضتين، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يأخذ عليه في كل عرضة بوجه وقراءة من هذه الأوجه والقراءات المختلفة، ولذلك قال : (إن القرآن أنزل عليها وإنها كلها شاف كاف), وأباح لأمته القراءة بما شاءت منها مع الإيمان بجميعها والإقرار بكلها, إذ كانت كلها من عند الله تعالى منزلة، ومنه مأخوذة"
      وقال في أرجوزته المنبهة:
      وكان يعرض على جبريل في كـل عـام جملـة التنزيـل
      فكان يقريه في كل عرضة بواحد من الحروف السبعة

      وقال البغوي في "شرح السنة" (3/45) : "كان رسول الله يعارض جبريل في كل شهر رمضان بما يجتمع عنده من القرآن، فيحدث الله فيه ما شاء وينسخ ما يشاء، وكان يعرض عليه في كل عرضة وجهاً من الوجوه التي أباح الله له أن يقرأ القرآن به، وكان يجوز لرسول الله بأمر الله تعالى أن يقرأ ويقرئ بجميع ذلك"اهـ

      وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (1/45) : "فأباح الله تعالى لنبيه هذه الحروف السبعة, وعارضه بها جبريل في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز وجودة الرصف, ولم تقع الإباحة في قوله : (فاقرؤوا ما تيسر منه) بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه, ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرضاً أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله, وإنما وقعت الإباحة في الحروف السبعة للنبي ليوسع بها على أمته, فقرأه مرة لأبي بما عارضه به جبريل صلوات الله عليهما, ومرة لابن مسعود بما عارضه به أيضاً..."

      وقال الزركشي في "البرهان" (1/220) : "كان جبريل يأتي في كل عرضة بحرف إلى أن تمر سبعة".

      وقال ابن حجر في "الفتح" (9/45) : "ولعله كان يعيد ذلك الجزء مراراً بحسب تعدد الحروف المأذون في قراءتها".

      وأما قول ابن عطية : "ولم تقع الإباحة في قوله : (فاقرؤوا ما تيسر منه) بأن يكون كل واحد من الصحابة إذا أراد أن يبدل اللفظة من بعض هذه اللغات جعلها من تلقاء نفسه, ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن وكان معرضاً أن يبدل هذا وهذا حتى يكون غير الذي نزل من عند الله".
      فهذا الذي قاله ابن عطية لا يتصور, فإن القرآن كان يكتب بعد نزوله مباشرة, فهو محفوظ بتلك الكتابة ثم جمع في عهد أبي بكر ثم كتب في عهد عثمان.

      قال الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات" ص (150) : "غاب عن الإمام ابن عطية أن القرآن كان يكتب فور نزوله بإملاء النبي , فالمعارضة كانت تقع بهذا الذي كتب, وهو الذي جمعه أبو بكر, ونسخه عثمان في سبعة مصاحف, فالذي أنزل لم يبدل ولم يذهب إعجازه برخصة الأحرف السبعة".

      وأما قول الداني:
      فكان يقريه في كل عرضة بواحد من الحروف السبعة
      فهو قول عجيب غريب, فكيف يجهل أبو عمرو الداني أن الحروف السبعة ما نزلت إلا قبل وفاة النبي بسنتين فكيف يقريه في كل عرضة بواحد من الحروف السبعة!

      وقد تولى مناقشة هذا الرأي الغريب من هؤلاء العلماء أبي عمرو الداني وغيره الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات", وسوف أنقل ما تيسر منه, فكلامه قوي رصين واضح الحجة قوي البرهان.

      قال الأستاذ محمد جبل في كتابه "من القضايا الكبرى" ص (171): وجه التخفيف هو إتاحة الصور القرآنية "إبدال كلمة بكلمة وما أشبه هذا مع تماثل المعنى", حسب حديث (كقولك هلم وتعال) الذي رواه أبو بكرة الثقفي, وجاء عن ابن مسعود, وكلاهما حسن أو جيد, وبه فسر الأحرف السبعة سعيد بن المسيب وابن سيرين التابعيان, وطبقه من الصحابة عمر وأُبيّ وأنس وابن مسعود وكثيرون غيرهم, وأخذ بهذا التفسير كثير من الأئمة كابن عيينة ومالك وابن وهب والطبري والطحاوي وابن عبد البر وأبي شامة وغيرهم.
      وكان الترخيص بذلك لأن العرب المتقدمين لم يتعودوا على الحفظ والتكرار, والالتزام الحرفي بعين تفاصيل القراءة المتلقاة عن النبي , وكان النص المنزل من عند الله قد دون خطياً فور نزوله, فلا خوف عليه من التغير بهذه الرخصة, فقد كتب في عهد أبي بكر جمعاً مما كتب بإملاء النبي فور نزوله, ومن صحف أبي بكر أو مصحفه نسخت المصاحف العثمانية التي صورتها بين أيدينا".

      قال الأستاذ جبل:
      "فالقول بأن المعارضة كانت تنصب كلياً أو جزئياً على أوجه قرائية متلقاة يلغي التخفيف, لأنه يعني أن الوجه أو الأوجه الجديدة التي أبيح للناس أن يقرؤوا بها هي مما يجب الالتزام به حسب قول الإمام الداني: (إن جبريل عارض النبي بها كلها), وهذا مستحيل نظرياً وعملياً, لأن الرخصة كانت مفتوحة ومتاحة للمسلمين جميعاً في ذلك الوقت, وحسب اختيار كل منهم تبعاً لظروف حفظه وأدائه, والأصل أنهم هم الذين يبدؤونها, فإن التيسير كان يتمثل أصلاً في إجازة التحلل من الالتزام الحرفي الدقيق بالمتلقى لم لا تسعفه ظروفه بالحفظ الحرفي, وكانت هذه رخصة للقراءة الشفوية لمن ظروفه تقتضيها, في حين أن النص الأصلي المنزل ظل محفوظاً كما أنزل, لأنه كتب فور نزوله بإملاء النبي ".

      قال الأستاذ جبل:
      "فنحن نعلم أن المعارضة كانت تقع بحرف واحد هو حرف زيد, وهو القراءة الأصلية المنزلة التي كتبت بين يدي النبي فور نزولها, وتلقيت عنه, وهو الموجودة في المصاحف التي بين أيدينا, وليس فيها من الأحرف السبعة إلا ما يحتمله الرسم, ونص عليه الأئمة".

      وقال الأستاذ جبل ص (174) : ثانياً: قول الإمام أبي عمرو: إن جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله وضبطتها الأمة على اختلافها وتلقتها منه هو تبرع لا أساس له.
      فالأحرف كانت منتثرة لا منتشرة, بمعنى أن أفراداً هنا وهناك من الصحابة والتابعين كانوا يقرؤون بقراءات مختلفة, أما الجمهور الأعظم من الصحابة وعلى رأسهم الصحابة الذين تلقت عنهم الطبقة الثانية فكانوا يقرؤون النص موحد الكلمات والجمل والآيات في السور كما تلقوه عن النبي , وكما كتب بين يديه, ربما كان بعضهم يقرأ أمام غيره بكلمة أو بكلمات بقصد التنبيه إلى التيسير, لكنه بحفظه كما تلقى وكما كتبت.
      والاختلاف العنيف الذي نشب بين الجند في وقعة أرمينية ولحظه سيدنا حذيفة وأبلغ أمره إلى أمير المؤمنين عثمان كان بصفة أساسية بين الجند, وبين غلمان مكاتب التحفيظ وبين معلميهم أيضاً, فكل من هؤلاء التقطوا الكلمات المختلفة ونصبوا خلافهم عليها, ولم يكن الاختلاف بعد استقرار الرخصة بين الصحابة الذين فقهوا عن النبي أن الأمر مجرد تيسير...

      قال الأستاذ جبل:
      أنا أعجب أشد العجب من إقدام إمام في جلالة قدر الإمام الداني على الزعم "بأن أمير المؤمنين والصحابة قد أثبتوا جميع تلك الأحرف السبعة في المصاحف وأخبروا بصحتها وأعلموا الناس بثبوتها وخيروا الناس فيها كما صنع رسول الله ", ولا أدري كيف قال الإمام الداني ذلك مع أنه هو روى عن الذين رأوا مصاحف عثمانية رأي العين, ورأى هو مصاحف منقولة من المصاحف العثمانية, وهي ليس فيها إلا رسم واحد لكل كلمة, نعم قد تتأتى منه قراءات ولكنه رسم واحد, بل إن بعض المصاحف العثمانية أو صوراً منها متاحة الآن في متاحف الآثار في مصر وغيرها, وليس فيها كلمات مكررة حسب القراءات... وكلام الإمام الداني لا يجوز إلا إذا فسر بأنه يقصد أن المصاحف تشتمل على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة مثل (ملك/ مالك) ونحو هذا فهذا يقبل, وعليه استقر جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين".

      وقال ص (163) : "قراءة جبريل مع النبي في كل عرضة بوجه أمر لم يرد به أي أثر هذا من ناحية.
      ومن ناحية أخرى فهو أمر يمنعه العقل من عدة جوانب.
      أحدها:
      أن التيسير رخصة للناس أن يقرؤوا كما تيسر لهم, ولا يسوغ أن يقال ذلك ثم يعين لهم ما يتيسر, ويلزموا به بمقتضى المعارضة, فتكون النتيجة إما أن تقرأ الكلمة كذا أو كذا دون أي شيء آخر.
      إن التيسير يتمثل في أن يقرأ القارئ بدل الكلمة القرآنية التي ذهل عنها أية كلمة يختارها هو بشرط أن تكون بمعنى التي ذهل عنها أو قريبة منه, أما تعيين الكلمات البديلة فهو تكليف لمن شاء التيسير بحفظ الكلمات البديلة, أي: أنه بدلاً من حفظ كلمة أصبح عليه أن يحفظ اثنتين أو ثلاثاً إلى سبع.

      ثانيها:
      أن الكلمات أو العبارات المستصعبة لكونها من غير لغة القارئ أو لأنه نسيها أو لا يعقلها تختلف من شخص إلى آخر, وهذا أمر لا يحاط به.

      ثالثها:
      أن البدائل الميسرة للكلمات المستصعبة تختلف أيضاً من شخص إلى آخر, وهذا أمر لا يحاط به أيضاً, فبأي من هذه الأمور التي لا يحاط بها تقع المعارضة.
      إن القول بأن المعارضة كانت تقع كل مرة بوجه من وجوه القراءة هو تبرع جزافي مبني على تصور غير محدد للأحرف السبعة... وهو تبرع من قائليه لا أصل له, وتسور على أمر غيبي بلا أدنى بينه"اهـ
      انتهى قول الأستاذ الدكتور محمد جبل .
      ولله دره ما أحسنه من كلام وأبلغه وأعمقه, فسبحان من يسر الفهم على بعض خلقه وعسره وأغلقه على آخرين, ولله الحكمة البالغة.

      القول الثالث الضعيف هو قول ساقط جداً تنفر من سماعه النفوس.
      وهو أن الغرض من المعارضة تجويد ألفاظه وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها, وتلقي طريقة القراءة والأداء من جبريل .
      وهذا القول ساقط متهافت شديد الغرابة كما سيأتي.
      وهو من الرجم بالغيب, ولا دليل عليه إلا الظن المجرد والخبط في مسائل العلم والدين دون تأن وتدقيق وبصيرة.
      وقد قال به الكرماني المتوفى سنة (786) هـ, والبرماوي المتوفى سنة (831) هـ, والقسطلاني المتوفى سنة (923) هـ
      وردده بعض المعاصرين.
      قال الكرماني كما في "عمدة القاري" للعيني (1/76) : "وفائدة درس جبريل عليه الصلاة والسلام تعليم الرسول بتجويد لفظه وتصحيح إخراج الحروف من مخارجها".
      وقال البرماوي: "مدارسة جبريل للنبي معناه تعلم مخارج الحروف وكيفية النطق بها".
      وقال القسطلاني: ولا مرية أنه كما يتعبد بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده يتعبد بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة"اهـ
      ذكر هذين القولين الأستاذ محمد جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات" ص (154)

      وقال الدكتور عبد العزيز القارئ في كتابه "سنن القراء ومناهج المجودين" ص (114) : "بل إن رسول الله نفسه وهو أفصح من نطق بالضاد لم يرخص له ذلك, بل علم القراءة تعليماً, وتلقاها مشافهة من القوي الأمين عرضاً وسماعاً"اهـ

      قلت: سبحان الله, كأن القائلين بهذا القول يجهلون أن محمداً عليه الصلاة والسلام أفصح الخلق, وقد وضعه الله موضع البلاغ من وحيه, ونصبه منصب البيان لدينه, واختار له من اللغات أعربها, ومن الألسن أفصحها وأبينها.

      يقول الأستاذ الدكتور محمد جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات" ص (164) : "هذا الزعم خطيئة كبرى, فالتجويد ليس إلا نطق القرآن الكريم كما ينطقه العرب الفصحاء, والنبي أعرب الخلق وأفصح الخلق... وهل كان محمد أعجمياً حتى يعلم مخارج الحروف, إن هذه القولة التي اقترن القول بها بعبارات فيها جفاء وتزيد رددها البرماوي والكرماني تستحق الاستغفار لكل من قال بها... وهو تبرع من قائيله لا أصل له, وتسور على أمر غيبي بلا أدنى بينة"اهـ

      فخلاصة الموضوع إذاً أن العرضة الأخيرة ليست إلا إثبات نص القرآن دون السور والآيات التي نسخت, وليس للعرضة الأخيرة أي علاقة بالقراءات والأحرف السبعة, والحمد لله رب العالمين.
      والله أعلم.
      وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
      أخوكم ومحبكم صالح بن سليمان الراجحي
      [email protected]

    • #2
      بارك الله فيك. أظن الموضوع يحتاج إلى بحث أوسع.
      فمثلاً
      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن الشهري مشاهدة المشاركة
      روى البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) 2/201 بتحقيق فهد الفهيد :
      حدثنا يحيى ، قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال :
      أي القراءتين تعدون أول ؟
      قلنا : قراءة عبدالله .
      قال : لا ، إِنَّ رسول الله كان يُعرَضُ عليه القرآنُ في كل رمضان مرةً إلا العام الذي قُبض فيه فإِنَّه عُرِضَ عليه القرآنُ مرتين فحَضَرَهُ عبدُالله فشهدَ ما نُسِخَ وما بُدِّلَ .

      وهذا الأثر أخرجه النسائي في السنن الكبرى في فضائل القرآن 5/7 ، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده 1/362 ، وسعيد بن منصور في سننه 1/240 من طرق عن الأعمش عن أبي ظبيان به ، وقال عنه ابن حجر العسقلاني : (إسناده صحيحٌ ، ويمكن الجمع بين القولين بأن تكون العرضتان الأخيرتان وقعتا بالحرفين المذكورين [حرف زيد بن ثابت وحرف عبدالله بن مسعود] فيصح إطلاق الآخرية على كل منهما) فتح الباري 9/45 .

      وموضوع العرضة الأخيرة وتفاصيل الروايات الواردة فيها جديرة بالجمع والتمحيص واستنباط الفوائد منها ، فبعض الآراء المستنبطة منها في بعض كتب علوم القرآن غير دقيقة ولو جمعت هذه الروايات لاتضحت الرؤية للباحثين .
      ويوجد عدة مباحث يجب أن تأخذ حقها في هذا الموضوع من أهمها ماهية الأحرف السبعة ومعناها. وبناء عليه هل الرسم العثماني كان على حرف أم أكثر؟ هل الأحرف السبعة منتثرة في المصحف العثماني أو يحمل بعضها ؟
      * من عامة المسلمين *

      تعليق


      • #3
        يا سلام يا سلام الان اصبحت القراءات والتجويد بدعة وضلالة !!!!!
        لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم اللهم امتني وارحني من جهل الجاهلين "إذا رأيت الأمور اوكلت الى غير أهلها فارتقب الساعة" والله تعالى ما يشق علي مهاول الدنيا اكثر مما يشق علي جهل من تصدر للقرآن ويزعم انه به عالم
        لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم

        تعليق

        20,125
        الاعــضـــاء
        230,441
        الـمــواضـيــع
        42,204
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X