إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • منهج أهل السنة في التفسير :

    إن مشروعية التساؤل عن مدى حاجتنا للتفسير تنطلق من كوننا نجد بعض الآيات القرآنية تشير إشارة واضحة إلى أن القرآن الكريم واضح الأهداف ، بين الغايات، لا من قبيل الطلاسم والمعميات ، فهو الوضوح، والنور والهدى . ولكننا عندما نلقي نظرة عما خلفه لنا الرهط المؤمن من علماء الأمة في مجال التفسير نذهل لعظمة هذا التراث. فما السر إذن في تعاطي المسلمين لهذا العلم الشريف رغم أن القرآن يصرح بأنه واضح ليس بعده بيان، وميسر ليس بعده يسر، يقول تعالى : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر سورة القمر ، الآية 17.

    ويمكننا أن نحدد الأسباب التي جعلت من التفسير ضرورة ملحة لفهم القرآن الكريم الذي هو مناط العلوم الشرعية في أربع نقط أساسية :

    1- تدبر القرآن وفهمه واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، ونتبين ذلك من قوله تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ، وليتذكر أولو الألباب.
    وقوله تعالى : أفـلا يتدبــرون القــرآن أم علــى قـلوب أقفالها .
    وقوله : ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر.

    2- كان الدين واضحا في ذهن المسلمين ، وبسبب عوامل سياسية معروفة لدينا نشأت فرق مبتدعة من شيعة وخوارج ومرجئة وقدرية وجبرية وغيرها مما جعلها تتجرأ على القرآن وتستمد منه شرعيتها . كما أن الدخلاء على الإسلام من أصحاب الثقافات المشرقية أو اليونانية كانوا وراء التفسير المغرض والتأويل الفاسد لآي الذكر الحكيم . وفي ذلك يقول ابن تيمية ـ ـ : " إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرق والاختلاف صار أهل التفرق، والإختلاف شيعا، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر، والإيمان بالرسول وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه. فلهذا نجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها بشروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول ، بل أن يدفع منازعه عن الإحتجاج بها".
    كل ذلك جعل علماء الأمة الغيورين يتصدون لهذه التيارات المناوئة وذلك بتفسيرهم للقرآن الكريم تفسيرا يكشف في وضوح كليات العقيدة الإسلامية ويبين للناس طريق الهدى وسبل الرشاد.

    3- إن الحياة دائمة التطور في كافة المجالات، علميا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، مما يحتم علينا الرجوع إلى القرآن الكريم نتلمس فيه القول الفصل في هذه الأمور التي استجدت .
    وفضلا عن ذلك فإن القرآن الكريم قد ضمنه الله علوم الدين والدنيا "وما يتصل بهما من المعارف ما تتفاوت في إدراكه عقول الناس وما لا يزال الزمن والبحث يكشف عن درره وجواهره، ويبين غرائبه وعجائبه سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق. أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد سورة فصلت : الآية 53..

    4- تفشي اللحن وانتشار العامية بالبعد عن الفصحى، جعل من التفسير ضرورة ملحة لفهم القرآن الكريم الذي هو منهاج المسلم في حياته . فلا يمكن أن يتبعه ويحكمه في حياته مالم يتفهمه وما لم يتضح في ذهنه. وبعد ذلك تأتي عملية التدبر المفضية إلى العمل والإتباع .

    وللإمام السيوطي قول في هذا المعنى يبين فيه أسباب احتياج المسلمين إلى التفسير ، يقول :"وأما وجه الحاجة إليه فقال بعضهم : أعلم أن من المعلوم أن الله إنما خاطب خلقه بما يفهمونه . ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه. أنزل كتابه على لغتهم، وإنما احتيج إلى التفسير لما سيذكر بعد تقرير قاعدة وهي أن كل من وضع من البشر كتابا فإنما وضعه ليفهم بذاته من غير شرح، وإنما احتيج إلى الشروح لأمور ثلاثة :
    أ- كمال فضيلة المصنف . فإنه لقوته العلمية يجمع المعاني الدقيقة في اللفظ الوجيز ، فربما عسر فهم مراده فقصد بالشرح ظهور تلك المعاني الخفية ، ومنهنا كان شرح بعض الأئمة تصنيفه أدل على المراد من شرح غيره له .
    ب- إغفاله بعض تتمات المسألة أو شروط لها اعتمادا على وضوحها أو لأنها من علم آخر فيحتاج لبيان المحذوف ومراتبه .
    ح- احتمال اللفظ لمعان كما في المجاز والاشتراك ودلالة الالتزام. فيحتاج الشارح إلى بيان غرض المصنف وترجيحه، وقد يقع في التصانيف ما لا يخلو عنه بشر من السهو والغلط أو تكرار الشيء أوحذف المبهم وغير ذلك، فيحتاج الشارح للتنبيه على ذلك .

    إذا تقرر هذا نقول : إن القرآن إنما نزل بلسان عربي في زمن أفصح العرب وكانوا يعلمون ظواهره وأحكامه، أما دقائق باطنه فإنما كان يظهر لهم بعد البحث والنظر مع سؤالهم النبي ـ ـ في الأكثر كسؤالهم لما نزل قوله تعالى :ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ ففسره النبي ـ ـ بالشرك، واستدل عليه بقوله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم ... وغير ذلك مما سألوا عن آحاد منه. ونحن محتاجون إلى ما كانوا يحتاجون إليه وزيادة على ذلك مما لم يحتاجوا إليه من أحكام الظواهر لقصورنا عن مدارك أحكام اللغة بغير تعلم فنحن أشد الناس احتياجا إلى التفسير".

    من كل ما سبق يتبين لنا أن تفسير القرآن الكريم ضرورة يفرضها الأمر بالتدبر والتذكر والإعتبار ومعرفة شرع الله كمنطلق أساسي لتحكيمه في واقعنا كما يفرضه جهلنا بعلوم اللغة وعلوم القرآن، وأخيرا تفرضه ظروف المواجهة والتحدي .
    أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

  • #2
    شروط المفسر

    إن كثيرا من الدارسين المحدثين قد أقحموا في دراساتهم كتبا، هي أبعد ما تكون عن التفاسير، وقاموا بدراسة مباحث رجال هم أبعد ما يكونون عن المفسرين، فارتأيت أن أقوم بدارسة شروط وآداب المفسر حتى تكون نبراسا في اختيار التفاسير التي يعول عليه الإنسان في استنباط مراد الله تعالى من القرآن الكريم.
    لقيام أي بحث علمي لابد من توفر شروط نظرية نتطلبها في الباحث الذي يريد خوض غمار الكشف عن الحقيقة وتجليتها. وهذه الشروط التي نشترطها فيه هي ذات بعدين :
    البعد الذاتي :
    ونعني به الأخلاق والقيم الروحية التي ينبغي أن تتوفر في الباحث، لتؤهله لتحمل أمانة الكشف عن الحقيقة وتجليتها لمن يجهلها من البشر. وقد عبر سلفنا الصالح عما ذهبنا إليه بآداب العالم أو سمت العلماء .
    البعد المعرفي :
    وهو يتمثل في جملة العلوم المساعدة والضرورية للكشف عن الحقيقة، والتي بدونها تذهب الجهود هدرا ودون جدوى، لأنها لم تتهيأ لها الأسباب الكفيلة بإيصالنا إلى الكشف الحقيقة التي نطمح إلى تجليتها وبيانها. وقد اصطلح العلماء على تسمية هذا البعد المعرفي بشروط العالم. وبالنسبة لمبحث تفسير القرآن الكريم فإن علماء الأمة قد وضعوا أيدينا على جملة آداب وشروط ينبغي توافرها في المفسر حتى يوفر لنفسه الأسباب الموصلة إلى الحقيقة .


    شــــــروط المـــفــســر :

    إذا تتبعنا الشروط التي اشترط العلماء توفرها في المفسر- والتي اجتهد الإمام السيوطي-- وصاحب كتاب "المباني" في جمعها لنا- لا نجدها تخرج عن هذه الشروط :
    1- اللغة : لأن بها يعرف شرح المفردات ومدلولاتها بحسب السياق.
    2- النحو : لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب . فلا بد من اعتباره.
    3- التصريف : فيه تعرف الأبنية والصيغ .
    4- الإشتقاق : لأن الإسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف باختلافهما .
    5- علوم البلاغة : وهي علوم المعاني والبيان والبديع، لأن المفسر يعرف بالأول خواص تركيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام. وهذه العلوم هي أعظم الشروط التي ينبغي توفرها في المفسر، ذلك أنه مطالب بمراعاة ما يقتضيه الإعجاز ، وإنما يدرك بهذه العلوم .
    والملاحظ أن النصوص الأدبية الرفيعة لا تدرك إلا بالذوق وليس كل من اشتغل بالنحو واللغة وغيرهما يكون من أهل الذوق، وممن يصلح لانتقاد تلكم النصوص. وإنما أهل الذوق هم الذين يشتغلون بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر، وصارت لهم بذلك دراية وملكة تامة فهؤلاء يمكن الاعتماد عليهم في انتقاد النصوص وتمييزها .
    6 علم القراءات وبه نعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض .
    7- أصول الدين : بما في القرآن الكريم من الآيات الدالة بظاهرها على ما يجوز على الله تعالى، فالأصولي يؤول ذلك، ويستدل على ما يستحيل، وما يجب وما يجوز.
    8- أصول الفقه : فيه يعرف وجه الإستدلال على الأحكام والإستنباط .
    9- أسباب النزول والقصص : فبسبب النزول يمكننا معرفة الظروف والملابسات التي واكبت نزول الآية . وبالقصص يمكننا الوقوف على بعض أبعاد ما أجمل في القصص القرآني.
    10- الناسخ والمنسوخ : ليعلم محكم آي الذكر الحكيم من غيره .
    11- الفقه : حتى تفسر آيات الأحكام تفسيرا صحيحا لا يحيد بها عن جادة الحق والصواب.
    12- الإلمام بالأحاديث النبوية الشريفة المبينة والمفسرة لما أجمل وأبهم من آي الذكر الحكيم .
    13- علم الموهبة : وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم . وإليه يشير الحديث النبوي ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ).
    أما بالنسبة للمفسر المعاصر فيتعين إضافة ثلاثة شروط أخرى، وهي :
    1- الإلمام التام بعلوم العصر وذلك حتى يمكن أن يعطي للقرآن بعده الحضاري الصحيح فيتحقق مفهوم شمولية وعالمية الدين الإسلامي.
    2- المعرفة بالفكر الفلسفي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، السائد والمهيمن على الساحة، وذلك حتى يستطيع دحض كل الشبهات المحاكة حول الدين الإسلامي، وإبراز حقيقة القرآن الكريم وموقفه من كل قضايا العصر، وذلك مساهمة منه في نشر الوعي بحقيقة الإسلام وريادته الفكرية والحضارية.
    3- الوعي بمشكلات العصر وأزماته. والمعرفة بها ضرورية لإبراز موقف الإسلام منها وسبل تفاديها وكيفية معالجتها، ولصاحب " كتاب المباني " إشارة لطيفة لهذه النقطة، حيث يقول: " والثالثة أن يكون عالما بأبواب السر من الإخلاص والتوكل والتفويض والأذكار الباطنة التي افترضها الله تعالى، وبالإلهام والوسوسة وما يصلح الأعمال وما يفسدها، وبآفات الدنيا ومعايب النفس، وسبل التوقي من فسادهما ليتأتى له تفسير الآيات المنتظمة لهذه المعاني ".
    والمتتبع للشروط المعرفية التي اشترطها علماؤنا ـ من أهل السنة ـ يتضح له أن هذه الشروط وإن كانت كلها معرفية فإنها تنقسم إلى قسمين :
    1- شروط معرفية بحتة .
    2- شروط منهجية .
    وهذه الأخيرة اشترطوا فيها :
    أ- تفسير القرآن بالقرآن .
    ب- تفسير القرآن بالسنة .
    ح - الأخذ بقول الصحابي .
    د- الأخذ بأقوال كبار التابعين كمجاهد وابن جبر وسعيد ابن جبير، وعكرمة وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري ومسروق بن الأجدع وسعيد بن المسيب، وغيرهم ممن تلقى جميع التفسير عن الصحابة رضوان الله عليهم.
    أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

    تعليق


    • #3
      آداب المفسر

      وهي ما سميناه بالبعد الذاتي، وللسيوطي قول جامع فيه : " اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعة أو كبر أو هوى أو حب الدنيا أو هو على ذنب أو غير متحقق بالإيمان أو ضعيف التحقيق أو يعتمد على قول مفسر ليس عنده علم أو راجع إلى معقوله، وهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من بعض. قلت : وفي هذا المعنى قوله تعالى : سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق .
      قال سفيان بن عيينة " يقول أنزع عنهم فهم القرآن" أخرجه ابن أبي حاتم ".
      من هذا القول الجامع للإمام السيوطي ـ ـ نستخلص جملة آداب يتعين على المفسر التحلي بها وهي :
      1- صحة الاعتقاد .
      2- التجرد عن الهوى.
      3- حسن النية .
      4- حسن الخلق .
      5- التواضع ولين الجانب .
      6- الزهد في متاع الدنيا، حتى يكون عمله خالصا لله تعالى .
      7- إعلان التوبة والامتثال لأمور الشرع، والانتهاء عن نواهيه .
      8- عدم الاعتماد في التفسير على أهل البدع والضلالة.
      9- يتعين عليه أن لا يستكين إلى معقوله، وأن يجعل من كتاب الله أميرا يقتدى به .
      وفي هذا يقول الشهيد حسن البنا ـ ـ "ومع هذا التعظيم لقدر التفسير والمفسرين الذين يعلمون فيما أنزلت الآيات وما أريد بها، فإن السلف رضوان الله عليهم، كانوا يتحرون دائما في التفسير ألا تتحكم فيما يفهمونه من الآيات أغراض خاصة، أو أهواء شخصية، أو ظروف طارئة، ولكنهم كانوا يجردوه من كل ذلك حتى يكون القرآن أميرا على تصرفاتهم، ويكون هواهم تبعا لما جاء به رسولهم . وهو صريح الإيمان . ومن هنا كان الكثير منهم يتحرج من التفسير ويخاف أن يقول في القرآن برأيه".
      أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

      تعليق


      • #4
        التفسير والتأويل لغة :

        للغويين في معنى التفسير أقوال طريفة ومتعددة، وكلها تلتقي في معنى الإيضاح والبيان والكشف، فقد "ذكر الليث عن الخليل بن أحمد أنه قال : مأخذ التفسير من الفسر وهو البيان، قال والتفسرة اسم البول الذي تنظر فيه الأطباء وتستدل به على مرض البدن، وكل شيء يعرف به تفسير الشيء فهو تفسرته ".
        وقد وردت لفظة (التفسير) في القرآن الكريم في موضع واحد وهو قوله تعالى: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا .
        وقال ابن عباس في معنى الآية : أي تفصيلا .
        ومن معاجم اللغة يتبين لنا أن التفسير يستعمل لغة في الكشف الحسي ـ ولعل قول الخليل السالف الذكر يقوم دليلا على ذلك ـ وقلما يستعمل في المعاني المعقولة.
        وأما التأويل في اللغة فهو من آل يؤول إلى كذا أي يرجع إليه، ويقول الرازي في مختار الصــحاح : " التأويل تفسير ما يؤول إليه الشيء، وقد أوله تأويلا وتأوله بمعنى ،وآل الرجل أتباعه وعياله ، وآله أيضا أتباعه " .
        وقد وردت كلمة "التأويل" في سبعة عشر موضعا من القرآن الكريم، وكلها تحوم حول هذه المعاني :
        1- تأويل الأحاديث : وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث .
        2- تأويل الأحـلام : وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين .
        3- تأويل الأعلام وبيان ما يقصد منها : سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا .
        4- ما يتعلق بالمتشابه الذي لا يعلمه إلى الله : وما يعلم تأويله إلى الله .
        والسياق الذي وردت فيه كلمة "التأويل" في القرآن الكريم يبين أن استعمالها يكون أكثر في الكشف عن المعاني المعنوية العقلية .
        ويرى جلة من العلماء أن التأويل مرادف للتفسير في أشهر معانيهما اللغوية ، ومما يؤكد ذلك ما ذهب إليه الدكتور الجليند من أن التأويل بمعنى " نقل ظاهر اللفظ إلى ما يحتاج في إثباته إلى دليل، أي صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر يحتمله اللفظ " لم يرد في المعاجم التي ألفت قبل القرن الرابع الهجري. ويخلص من ذلك إلى القول إن " كلمة التأويل كانت تستعمل على ألسنة اللغويين من رواة ومحدثين حتى بداية القرن الخامس الهجري في معنى: المرجع والمصير والعود. حيث لم يرد إلينا في المعاجم التي وضعت في هذه الفترة. وهي المصدر الوحيد لكل المعاجم التي وضعت بعد ذلك ما يخالف ذلك .
        وليس معنى هذا أن التفسير هو عين التأويل لغة، فقد أثبتت الدراسات اللغوية أن الترادف لا يعني التماثل والتوافق التام في المعنى، بل هناك تشابه في المعنى العام، مع وجود فروق دقيقة لابد من التنبيه إليها. ومن ثم يمكن القول إن التفسير يرتبط بتفسير الأمور الحسية في الغالب. أما التأويل فيستعمل ـ غالبا ـ في الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والنظر.
        وقد نبه الراغب الأصفهاني (ت502هـ) إلى ذلك حيث قال : " والتفسير أعم من التأويل، وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني، كتأويل الرؤيا والتأويل يستعمل أكثره في الكتب الإلهية والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها، والتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ، والتأويل أكثره يستعمل في الجمل".
        أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

        تعليق


        • #5
          التفسـيــر والتــأويــل اصطـــلاحا :

          بسط العلماء القول في تعريف التفسير اصطلاحا، ولعل أجمع أقوالهم ما أثبته الزرقاني في كتابه "مناهل العرفان في علوم القرآن " حيث قال : " والتفسير في الاصطلاح : علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية ".
          ويستعان في التفسير ببعض العلوم المساعدة كعلم اللغة والقراءات، والناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، والفقه وأصول الفقه، مع الإلمام بأصول الدين وقواعده. ويؤكد هذا المعنى قول الزركشي عند تعريفه لمصطلح التفسير فهو " علم نزول الآية وسورتها وأقاصيصها والإشارات النازلة فيها، ثم ترتيب مكيها ومدنيها ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومحكمها ومفسرها.
          وزاد فيها قوم فقالوا : علم حلالها وحرامها . ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها ".
          وأما مصطلح التأويل فمصطلح مشكل، ذلك أن استعمالاته تختلف من قرن لآخر، ومن قوم إلى آخرين، ومن بيئة ثقافية إلى أخرى، ومن ثم تعددت وتنوعت تعريفاته. فمنها ما يفتقر إلى الدقة العلمية، ومنها ما يتسم بالتدقيق والتحديد التام الذي يصبح معه دلالة المصطلح واضحة جلية .
          والتأويل كما يوضح ابن تيمية ينبغي في تحديد دلالته الإصطلاحية بالتفريق بين جيلين :
          1- السلف الصالح .
          2- متأخري المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم .
          فعند الأوائل نجد له معنيين :
          1- تفسير الكلام وبيان معناه، سواء أكان موافقا لظاهره أم مخالفا له، ومن ثم يكون التأويل والتفسير شيئا واحدا، أي مترادفين .
          وهذا هو المعنى نفسه الذي استعمله محمد بن جرير الطبري (ت310هـ) حيث يقول عند تفسيره لآي الذكر الحكيم : القول في تأويل قوله كذا وكذا . واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك . وكله محمول -كما أسلفنا - على التفسير والبيان .
          2- هو نفس المراد بالكلام، فإذا كان الكلام عن طلوع الشمس فالتاويل هو نفس طلوعها، أي هو نفس الحقيقة الموجودة في الواقع الخارجي، وهذا في نظر ابن تيمية -- هو لغة القرآن التي نزل بها.
          أما عند متأخري المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة : فالتأويل هو صرف اللغظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. وهذا التأويل هو الذي نجد المتكلمين قد استعملوه في معظم كتبهم، ويتجلى ذلك في موقفهم من آيات الصفات. ومن ثم يتضح لنا أن القول بالباطن هو الأساس الذي جعلهم يقصرون دلالة التأويل على هذا المعنى.
          واستغلت الباطنية المعنى الأخير للتأويل ـ بعد أن استندوا على حديث ينسب إلى الرسول  " للقرآن ظهر وبطن " أو " للقرآن باطن " ـ فراحوا يفسرون القرآن الكريم وفق هواهم، وتبعا لأذواقهم ومواجيدهم الباطلة شرعا، وقد رد ابن تيمية ـ رحمه لله ـ هذا الحديث فقال : " أما الحديث المذكور فمن الأحاديث المختلفة التي لم يروها أحد من أهل العلم، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث " .
          والتأويل بهذا المعنى ينقسم إلى قسمين: أحدهما يوافق العلم الظاهر، وهو إما صحيح مقبول أو باطل مردود أو ملتبس فيتوقف عنه.
          أما إذا كان التأويل مخالفا للعلم الظاهر فهو باطل شرعا، والقائل به إما ملحد زنديق أو جاهل ضال.
          والمتأول بالمعنى الأخير مطالب بأمرين :
          1- أن يبين احتمال اللفظ للمعنى الذي حمله عليه وادعى أنه المراد منه.
          2- أن يبين الدليل الذي أوجب صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح.
          وبدون ذكر ذلك يكون التأويل فاسدا وضربا من التلاعب بالنصوص، وحملها على الهوى وصرفها عن معناها الحقيقي المستفاذ من ظاهرها، وتعطيل لشرائع الله. وكل ذلك ملاحظ في تفاسير الفرق الضالة .
          وقد دأب العلماء على التفريق بين التفسير والتأويل، ولهم في ذلك أقوال متعددة، فمنهم مـن قال: " التفسير هو تحقيق المعنى وذلك لا يكون إلا من قبل الله تعالى، والتأويل هو على احتمال اللغات، فلكل واحد من أهل اللغة أن يتأول بلغته.
          " ومنهم من قال التفسير هو ذكر القصص وما أنزل فيه، والتأويل هو ما يحتمله معنى الكلام ".
          ويشير الزركشي إلى السبب العلمي والمنهجي في التفريق بين التفسير والتأويل وجعل كل منهما ذا دلالة محددة وواضحة، ومتميزة ومخالفة لدلالة الآخر، وذلك حيث يقول : " والحق أن علم التفسير منه ما يتوقف على النقل كسبب النزول والنسخ وتعيين المبهم، وتبيين المجمل، ومنه ما لا يتوقف ويكفي في تحصيله التفقه على الوجه المعتبر، وكأن السبب في اصطلاح بعضهم على التفرقة بين التفسير والتأويل، التمييز بين المنقول والمستنبط، ليحمل على الإعتماد في المنقول، وعلى النظر في المستنبط، تجويزا له وازديادا، وهذا من الفروع في الدين.
          ويفهم من هذا الكلام ومن الذي قبله أن التفسير يتعلق بالرواية، وأما التأويل فمرتبط بالدراية وإعمال النظر، ولكل منهما شروط صحة وقبول.
          وخلاصة القول أنه يتعين علينا التفريق بين جيلين من المفسرين، فالاول منهما كان يستعمل اللفظين بمعنى واحد، وعلى أساس أنهما مترادفان، أما الجيل الثاني منهما فقد فرق بينهما، فعين التفسير للمنقول، والتأويل للمعقول ولهذا دلالة واضحة على طبيعة التفسير ذاته. ذلك أن السلف الصالح كانوا يعتمدون في تفسيرهم النقل والعقل معا دون التفريق بينهما، وكان شعارهم في ذلك أن صريح المعقول يوافق صحيح المنقول، وهذا الاتجاه واضح في تفسير الإمام الطبري، والإمام ابن تيمية وابن كثير وغيرهم من مفسري أهل السنة .
          أما الخلف فقد أصبحت تفاسيرهم للذكر الحـكيم ـ في الأعم والأغلب ـ تشكل ثنائية ضدية حادة. فهناك تفاسير بنيتها الأساسية النقل، وأخرى تعتمد أساسا العقل، فكان تفريقهم بين اصطلاحي التفسير والتأويل تقريرا لواقع التفسير وطبيعته في عصرهم .
          وعلماء التفسير غالبا يقسمونه إلى منهجين أساسين هما:
          1- التفسير بالمأثور .
          2- التفسير بالمعقول أو الرأي .
          ويرجعون إليهما كل ضروب وأنواع التفاسير التي ألفها العلماء، إلا أن هذا التقسيم يتسم بالخطورة والخلط. فخطورته تتجلى في مساهمته في إحداث انشطار شخصية وعقلية الإنسان المسلم إلى ثنائية ضدية حادة وصارمة: العقل والنقل. وكأن الأمرين لا يمكن الجمع بينهما، في حين يثبت واقع ديننا الإسلامي الحنيف أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل الصريح، وهذا المبدأ المنهجي العظيم يخلصنا من الوقوع في مطب الإنشطار الذي جنى على أمتنا ولا زال. ويمكننا من تجاوز ثنائية العقل والنقل إلى حلول وإمكانات أخرى متاحة.

          أما الخلط فيتبين لنا في تجاهل أنواع التفسير الأخرى والتي لها مميزاتها وصفاتها التي تجعلها متميزة عن التفسير المأثور أو المعقول، كالتفسير الإشاري أو الصوفي، والتفسير الموضوعي، والتفسير الأدبي/الإجتماعي، والتفسير العلمي وغيرها من أنواع التفسير الكثيرة التي يعبر تجاهلها عن خلط في تصور طبيعة المناهج التفسيرية .
          ونشير هنا إلى أن الغالبية العظمى من تفاسير القرآن الكريم لا يمكن تصنيفها ضمن اتجاه أو منهج معين إلا بالتغليب والترجيح، وذلك أننا نجدها تستفيد من كل المناهج والمعارف والعلوم المتاحة، مما يجعلها تسمو وترتفع فوق التصنيف المقرر لتعبر عن شمولية الدين الإسلامي الحنيف، ولتبرهن عن تآزر النقل والعقل من أجل إبراز الحقيقة وتجليتها.
          وقد تنبه أهل السنة عند كتابتهم عن مناهج واتجاهات التفسير إلى أن اتجاهات التفسير ثلاث وهي :
          1- التفسير النقلي .
          2- التفسير العقلي .
          3- التفسير الصوفي .
          وهذا يتمشى وينطبق مع مبدئهم الأساسي، ألا وهو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، فتجاوزوا بذلك الوقوع في مطلب ثنائية الرواية والدراية، أو العقل والنقل .
          والمناهج التفسيرية ـ حسب ما يتضح لنا من استعراض المراحل التاريخية للتفسير ـ تختلف باختلاف ما يستعين به المفسر من أدوات علمية مساعدة، وهي التي يسميها العلماء بعلوم الآلة. كما أنها تختلف باختلاف مصادر التفسير، وباختلاف الاتجاه الفكري والسياسي، واختلاف الواقع المعيشي لمفسر الذكر الحكيم، وهذا هو ما سنحاول الكشف عنه عند تحليلنا لأهم تفاسير الذكر الحكيم الحديثة .
          أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

          تعليق


          • #6
            منهج أهل السنة في التفسير :

            وضع ابن تيمية -- في رسالته "مقدمة في أصول التفسير" أصلا هاما يعتمد عليه في نقد تفاسير القرآن الكريم في كل زمان ومكان. وذلك أن هذا الأصل يعتبر من الثوابت التي لا تتغير والتي تعتبر معلما من معالم المنهج السني، سواء أكان الأمر يتعلق بعلم التوحيد أم بالتفسير أم بالفقه، وقد سطره ابن تيمية في مقدمة رسالته حتى يكون المقياس الذي يميز به الغث من السمين، ويفرق به بين الحق والباطل.
            وهذا الأصل ينص على أن نقد النصوص يتوقف على أمرين لا ثالث لهما. فالعلم إما أن يؤخذ من مشكاة النبوة وهو الحق الأبلج والحجة البالغة، وإما رأي واجتهاد يقوم عليه دليل من العقل أو النقل. وقد نص ابن تيمية على هذا الأصل الهام باختصار شديد حيث قال: " والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم . وما سوى هذا فإما زيف مردود، وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود".
            وبناء على هذا الأصل يبين ابن تيمية أن الاختلاف في التفسير على نوعين، ذلك حسب الأصول التي يستند إليها المفسرون وهي إما نقلية أو عقلية :
            النـقـــــــل :
            وهو إما أن يكون عن معصوم أو عن غير معصوم، وهذا بذاته يفرعه ابن تيمية إلى قسمين :
            1- ما يتوصل إلى معرفة صحته فيؤخذ به مطلقا ولا يجوز تجاوزه إلى غيره.
            2- ما لا يتوصل إلى معرفة صحته من ضعيفه وهذا يتوقف عنده ولا يجزم فيه برأي، ومن ذلك ما ينقل عن كعب ووهب ومحمد بن إسحاق، وغيرهم ممن يأخذون عن أهل الكتاب، وهذا القسم الثاني من النقل هو مما لا فائدة فيه، ومثاله الاختلاف الحاصل في أحوال أهل الكهف، وفي البعض الذي ضرب به قتيل بني إسرائيل من البقرة، وغير ذلك مما يختلف فيه المقرون اختلافا كبيرا، وهو مما لا فائدة فيه على الإطلاق، فالحق سبحانه ما ترك من أمر يفيد الناس في دينهم أو دنياهم إلا أقام عليه الدليل نقلا أو عقلا.
            العقل أو الإستدلال :
            وأما ما كان مصدره العقل أو الرأي أو ما يسميه ابن تيمية بالإستدلال، فإن الخطأ فيه يكون من ناحيتين :
            الأولى :
            أن يأتي المفسر إلى القرآن طالبا دليلا ينتصر به لرأيه أو مذهبه بحيث يجعل القرآن تابعا ولا متبوعا، ومأمورا لا أميرا، وهؤلاء قد ركزوا على المعنى الذي ذهبوا إليه دون النظر إلى دلالة وبيان ألفاظ القرآن مما يجعلهم يحملون اللفظ القرآني على غير محمله.

            والمتتبع لتفسيرات هؤلاء المفسرين يجدهم يتعاملون مع النص القرآني بمنهجين متباينين، ولكنهما متكاملان من حيث الغاية والهدف، ذلك أنهم يحاولون أن يستدلوا على صحة مذهبهم وينتصروا له بآيات ليست دالة على ما ذهبوا إليه، وهم يحملونها على ظاهرها دون مراعاة للسياق الذي وردت فيه.
            وأما إذا وجدوا في القرآن ما يعارض مذهبهم فإنهم يسارعون إلى تأويله بتأويلات منحرفة وضالة وبعيدة عما دلت عليه في سياقها، مدعين أن ذلك من المتشابه، وممن سلك هذا المسلك - في نظر ابن تيمية - الفرق الضالة التي اعتقدت مذهبا يخالف الحق الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، ومنهم الخوارج والروافض والجهمية والقدرية والمرجئة والمعتزلة وغيرهم.
            وهؤلاء قد يخطئون مرة في الدليل وحده، وقد يخطئون في الدليل والمدلول وذلك حسب المنهج الذي اتبعوه في تأويلهم لآي الذكر الحكيم .
            الثــانـية :
            أن يعمل المفسرون على تفسير القرآن بمجرد ما يدل عليه اللفظ العربي، وما يريد به الناطق بالعربية دون مراعاة خصوصية القرآن الكريم .
            وهؤلاء يركزون أكثر ما يركزون على اللفظ وحده دون اعتبار للسياق القرآني، فيكون غلطهم في المعنى -الذي حملوا عليه آي الذكر الحكيم – فاحـــشا .
            أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

            تعليق


            • #7
              حقيقة اختلاف السلف في تفسير القرآن الكريم :

              بين أهل السنة ـ خاصة منهم ابن تيمية في رسالته " مقدمة في أصول التفسير " والزركشي في كتابه " البرهان في علوم القرآن " والسيوطي في كتـابه " الإتقان في علوم القرآن " ـ أن السلف لم يختلفوا في تفسير القرآن الكريم، بل قد يكون ذلك ممتنعا في حقهم لأنهم كانوا معتصمين بالكتاب والسنة. ولما قرروا هذا الأصل راحوا يوضحون أن اختلافهم في تفسير آية من آيات الذكر الحكيم ليس اختلافا تضاد بل هو اختلاف تنوع، وفي ذلك يقول الزركشي : " يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متبانية الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافا فيحكيه أقوالا وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون أحدهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالبا، والمراد الجميع فليتفطن لذلك، ولا يفهم نم اختلاف العبارات اختلاف المرادات ".
              إلا أن ابن تيمية في رسالته يعترف أن هناك اختلافا محققا بين السلف في التفسير خاصة فيما يتعلق بالأحكام . ولكنه يرى أن اختلافهم قليل جدا وهذا يعود ـ في نظره ـ إلى شرف عصرهم . وهو في ذلك يتأول حديث رسول الله ـ ـ خير أمتي القرن الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " . وهو يقول في ذلك : " كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا، وهو إن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل إلى من بعدهم، وكلما كان العصر أشرف كان الإجتماع والإئتلاف والعلم والبيان فيه أكثر" .
              وبعد أن بين ابن تيمية ـ ـ أن اختلاف السلف في التفسير قليل وغلطهم يسير بالمقارنة مع اختلاف وغلط من جاء بعدهم، وأرجع ذلك إلى عتصامهم بالكتاب والسنة، ونقاء سريرتهم، وصلاحهم وتقواهم، مما عبر عنه بصلاح عصرهم، انتقـل إلى بيـان أن اختـلافهــم
              في التفسير هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وأرجع ذلك لأمور نجملها فيما يلي :
              1- تعبيرهم عن المراد بألفاظ بين المترادفة والمتباينة، وإن كان في كل منها إضافة دلالية ليست في الأخرى ولكنها تؤول إلى عين الشيء، من ذلك أسماء الله الحسنى، وأسماء الرسول  وأسماء القرآن فهي كلها تدل على مسمى واحد. وإن كان بينها فروق دلالية واضحة، لكنها لا ترقى إلى أن تجعلها ألفاظا متباينة. وبعد هذا الطرح النظري يضرب لذلك مثلا عمليا فيقول: " مثال ذلك تفسيرهم للصراط المستقيم، فقال بعضهم : هو القرآن - أي اتباعه... وقال بعضهم هو الإسلام . فهذان القولان متفقان لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ " صراط " يشعر بوصف ثالث. وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال : هو طريق العبودية، وقول من قال : هو طاعة الله ورسوله ـ ـ وأمثال ذلك، فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة لكن وصفها كل بصفة من صفاتها" .
              2- أن يكون اللفظ عاما فيذكرون بعض أنواعه على سبيل التمثيل لا على سبيل المطابقة : " الصنف الثاني أن يذكر كل منهم الاسم العام ببعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ " الخبز " فأرى رغيفا، وقيل له : هذا، فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى الرغيف وحده.
              مثال ذلك ما نقل في قوله : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات . فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات والمنتهك للحرمات. والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات. والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات. فالمقتصدون أصحاب اليمين والسابقون أولئك المقربون.
              ثم إن كلا منهم يذكر هذا في نوع من أنواع الطاعات، كقول القائل : السابق الذي يصلي في أول الوقت. والمقتصد الذي يصلي في أثنائه. والظالم لنفسه الذي يؤخر العصر إلى الاصفرار، أو يقول : السابق والمقتصد والظالم قد ذكرهم في آخر سورة البقرة، فإنه ذكر المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا والعادل بالبـيع ...".
              وهذا ليس اختلافا حقيقيا بل هو من قبيل ذكر أنواع متعددة لجنس واحد .
              3- ما يكون من قبيل المشترك اللفظي، أو ما كان متواطئا في الأصل وأريد به أحد النوعين، وما كان ذلك شأنه فقد تحمل عليه أقوال السلف كلها، وقد تحــمل : " ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس اختلافا أن يعبروا عن المعاني بألفاظ متقاربة لا مترادفة، فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه وهذا من أسباب إعجاز القرآن، فإذا قال القـائل: يوم تمور السماء مورا : إن المور هو الحركة كان تقريبا، إذ المور حركة خفيفة سريعة، وكذلك إذا قال : الوحي الإعلام، أو قيل : أوحينا إليك انزلنا إليك، أو قيل : وقضينا إلى بني إسرائيل أي أعلنا وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق" .
              4- معرفة أسباب النزول: فقد يذكر كل واحد من السلف سببا لنزول الآية أو السورة غير ما يذكره الآخر، وكلاهما صادق فيما أخبر به، إذ قد تكون نزلت عقب تلك الأحداث كلها فاعتقد كل واحد منهم أنها نزلت في حادثة معينة، أو قد تكون نزلت مرتين أو أكثر لأسباب مختلفة : " ومعرفة سبب النزول تعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، وإذ ذكر أحدهم لها سببا نزلت لأجله، وذكر الآخر سببا فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت عقب تلك الأسباب، أوتكون نزلت مرتين، مرة لهذا السبب، ومرة لهذا السبب".

              أما بالنسبة لاختلاف السلف في الأحكام فقد بيـن ـ أي ابن تيمية ـ أن اختلافهم ذلك لم يكن عن قصد ولا عن تعنت وحب ظهور، ولا عن إعراض عن كتاب الله وسنة نبيه، بل هو راجع إلى أمور خارجة عن إرادتهم، ولا دخل لهم فيها إطلاقا، وقد يمكن رد اختلاف السلف في الأحكام إلى أربعة أسباب:
              أ- خفاء الدليل .
              ب- عدم سماع الدليل .
              ح- الغلط في فهم النص .
              د- اعتقاد معارض راجح .
              وقد عبر ابن تيمية عن ذلك بقوله : " والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل، أو الذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون الغلط في فهم النص، وقد يكون اعتقاد معارض راجح" .

              وأما السيوطي فقد تحدث في كتابه "الإتقان في علوم القرآن" عن أوجه اختلاف السلف في التفسير وأوضح أنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد ، واستشهد بكثير من الأمثلة الدالة على ذلك مما يجعلنا في غنى عن سردها هاهنا.
              أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

              تعليق


              • #8
                أسباب الاختلاف في تفسير القرآن الكريم :

                إذا تتبع الباحث الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الإختلاف في تفسير القرآن الكريم قد لا يجدها تخرج عن الأسباب التالية :
                1- مخالفة القرآن الكريم وعدم الإعتصام به، وقد نص على ذلك ابن تيمية مرات عديدة في فتاويه، ومن ذلك قوله : " إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الامة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار اهل التفرق والاختلاف شيعا، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسل وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الإحتجاج بها".
                2- مخالفة السنة وعدم التمسك بها أفضى إلى كثير من الاختلافات في التفسير خاصة أن بالقرآن ما هو مجمل غير مفصل، وعام غير مخصص، مما يحتاج إلى إيضاح وتفسير من قبل الرسول ـ ـ إذ " كل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها، كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله وكان من إلقاء الشيطان".
                3- مخالفة الصحابة والتابعين، وهم الصفوة الذين تلقوا القرآن تلاوة وتفسيرا، وإيمانا وعملا عن الرسول ـ ـ وكل من خالفهم في تفسير آي الذكر الحكيم فقد أخطأ في الدليل والمدلول معا مهما أقام من الحجج على صحة مذهبه، فإن ذلك لا يخلو أن يكون استدلالا فاسدا، أو نقلا كاذبا، أو وحيا من الشيطان: " فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب، ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ـ ـ فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول معا. ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية".
                وهذه الأسباب الثلاثة تبين أن الاختلاف في تفسير القرآن الكريم ليس ناشئا عن النص ذاته، بل هو ناتج عن المنهج المتبع في التفسير، والذي يكون في الأغلب الأعم مغرضا وغير علمي، كما هو الشأن بالنسبة للباطنية والفرق الضالة الذين لا يعتمدون في دينهم على القرآن، ولا على الإيمان الذي جاء به الرسول الكريم، بل على أصول ابتدعها مشايخهم، وهم اضطروا إلى تأويل القرآن على حسب مذهبهم المنحرف ومعتقدهم الباطل حتى لا يرموا بالزندقة والكفر البواح، وحتى يلبسوا على عامة المسلمين دينهم ويفتنوهم عن هديه وصراطه المستقيم .
                وهم إنما يفعلون ذلك خوفا من سلطان المسلمين من جهة ، ولأنهم يرون أن ذلك هو السبيل الأقوم لإبعاد المسلمين عن دينهم الحنيف .
                وهذا الطريق المعوج، والسبيل الملتوي غالبا ما يسلكه بعض الموثورين من الشعوب الحديثة العهد بالإسلام، والذين لم تتشرب قلوبهم بعد حلاوة الإيمان .
                وبتحديد الأسباب المفضية إلى الاختلاف في تفسير القرآن الكريم، يكون أهل السنة قد شخصوا الداء الحقيقي الذي يفتك بالأمة، ومن خلال هذا التشخيص بينوا الدواء الكافي، والبلسم الشافي، ألا وهو الاعتصام بالكتاب والسنة، وتتبع أثرهما في كل كبيرة وصغيرة، ففي ذلك لمّ الشعث، واتحاد الأمة، ونفي الفرقة والاختلاف من بينها .
                أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                تعليق


                • #9
                  الفرق بين التفسير والتأويل عند أهل السنة :

                  لاحظ أهل السنة ـ خاصة ابن تيمية ـ أن مشكلة تأويل القرآن الكريم من أخطر المشاكل التي جرت على الأمة كثيرا من الويلات، فهو أولا حادث في الأمة نتيجة الخلاف والفرقة بين المسلمين عشية مقتل الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان، وهو ما يعرف في التاريخ الإسلامي بالفتنة الكبرى، وبعد ذلك صار التأويل مدخلا أساسيا للبدع التي حلت بالدين الإسلامي. وفي ذلك يقول ابن تيمية : " إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الأمة ما حدث من التفرقة والاختلاف صار أهل التفرق والاختلاف شيعا، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسول وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه. فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الاحتجاج بها ".
                  ولما كانت قضية التأويل بذلك الحجم وبتلكم الخطورة، فقد أولاها ابن تيمية قسطا وافيا من الدراسة، متتبعا هذا المشكل من أوله، فلاحظ أن الكلام عموما ينقسم إلى قسمين :
                  1- إما أن يكون إنشاء وهو ما تضمن أمرا بالفــعل أو الترك .
                  2- وإما أن يكون إخبارا بأمور قد مضت كتاريخ وقصص الأمم السابقة، أو بأمور مستقبلية ستحــدث، أو بأمور غيبية استأثر الله بعلمها، ومن ذلك المعاد والبعث والقيامة، والجنة والنار، وغيرها من الأمور الغيبية التي أخبر بها القرآن الكريم .
                  وأما الأول فتأويله هو إتيان ما أمر به المشرع والانتهاء عما نهى عنه، ومن ثم كان السلف يقولـون : " إن السنة هو تأويل الأمر. قالت عائشة كان رسول الله ـ ـ يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن ".
                  وأما الإخبار " فتأويله عين الأمر المخبر به إذا وقع، ليس تأويله فهم معناه " ، فتأويل الخبر إذن ليس هو إدراك معناه، بل إدراك الحقيقة الخارجية له، وهو ما لا يستطيعه الإنسان، فهو فوق مستوى إدراكه، إذ إنه لا يمتلك تصورا ذهنيا لحقيقة تلكم الأمور الغيبية على ما هي عليه في واقعها، " فنحن نعلمها إذا خوطبنا بتلك الأسماء من جهة القدر المشترك بينهما، ولكن لتلك الحقائق خاصية لا ندركها في الدنيا، ولا سبيل إلى إدراكنا لها لعدم إدراك عينها، أو نظيرها من كل وجه، وتلك الحقائق علىما هي عليه هي تأويل ما أخـبر الله به ".
                  وفضلا عن ذلك فهذه الأمور الغيبية قد استأثر الله بعلمها، وحجبها عن الإنسان ـ رحمة به ـ ولن يدركها على ماهي عليه في واقع أمرها، إلا حين يأتي وقت المشاهدة والمعاينة. والحديث عن أنواع الكلام هو بمثابة مدخل ضروري، وتوطئة لازمة لإبراز أنواع التأويل الممكنة. وقد حصرها في ثلاثة أنواع :
                  أولا : مفهوم التأويل في القرآن الكريم :
                  بين ابن تيمية أن لفظ التأويل ورد كثيرا في القرآن الكريم، وقد حاول أن يبين المعنى الذي ينبغي أن يفهم من لفظ التأويل في القرآن، وذلك من خلال تتبعه لاستعمالها في السياقات المختلفة التي وردت فيها مع التركيز على تفسير قوله تعالى : ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق .
                  فالتأويل معناه هنا تحقق هذه الأمور الغيبية التي أخبر بها القرآن الكريم، على ما هي عليه في واقع أمرها، يقول ابن تيمية : ثم قال : هل ينظرون إلى تأويله إلى آخر الآية ، إنما ذلك مجيء ما أخبر القرآن بوقوعه من القيامة وأشراطها : كالدابة ويأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ومجيء ربك والملك صفا صفا، وغير ذلك، فحينئذ يقولون :
                  قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل
                  وهذا القدر الذي أخبر به القرآن من هذه الأمور لا يعلم وقته وقدره وصفته إلا الله ".
                  فهذه الحقائق الغيبية الكبرى يتعذر على الإنسان إدراكها، ومن ثم يستحيل تأويل أمثالها مما ورد في القرآن الكريم .
                  ثانيا : مفهوم التأويل عند السلف :
                  وأما التأويل عند السلف فله معنيان : الأول : هو نفس مفهوم التأويل في القرآن الكريم، وأما المعنى الثاني عندهم فهو مرادف للفظ التفسير. وفي ذلك يقول ابن تيمية : "وأما التأويل في لفظ السلف فله معنيان : "أحدهما " تفسير الكلام وبيان معناه سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقاربا أو مترادفا .
                  وهذا ـ والله أعلم ـ هو الذي عناه مجاهد أن العلماء يعلمون تأويله. ومحمد ابن جرير يقول في تفسيره : القول في تأويل قوله كذا وكذا . واختلف أهل التأويل في هذه الآية ونحو ذلك ومراده التفسير .
                  و"المعنى الثاني " في لفظ السلف وهو الثالث من مسمى التأويل مطلقا : هو نفس المراد بالكلام فإن الكلام إن كان طلبا تأويله نفس الفعل المطلوب وإن كان خبرا كان تأويله نفس الشيء المخبر به ".
                  ثالثا : مفهوم التأويل عند الخلف :
                  "التأويل في عرف المتأخرين من المتفقهة والمتكلمة والمحدثة والمتصوفة ونحوهم، هو صرف اللفظ عن المعنى الراجع إلى المعنى المرجوح لدليل يعترن به، وهذا هو التأويل الذي يتكلمون عليه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، فإذا قال أحدهم : هذا الحديث أو هذا النص مؤول أو هو محمول على كذا . قال الآخر : هذا نوع تأويل ، والتأويل يحتاج إلى دليل" .
                  وهذا المعنى للتأويل معنى مبتدع، وهو يشكل خطورة كبيرة على عقيدة الامة الإسلامية، وعلى كيانها وسيادتها، إذ أخذ مطية من طرف الروافض، وملاحدة الفلاسفة وغلاة الصوفية، وبالأخص من طرف موثوري الشعوب الدخيلة - لمحاربة الدين الإسلامي، وزعزعة الأمن والنظام في البلاد الإسلامية، ومن ثم وجدنا ابن تيمية يرفضه فيقول: " والتأويل المردرد هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره ".
                  ويعقد ابن تيمية مقارنة بين معنيي التأويل عند السلف فيبين أن التأويل بمعنى التفسير أو المرادف له هو من باب العلم والشرح والإيضاح، والمتكلم فيه يتحدث عن أشياء قد عقلها وأحسها وكون عنها تصورا كافيا يمكنه من التحدث عنها وهو مطمئن إلى سلامة ما يقول. أما المعنى الثاني للتأويل عند السلف وهو المرادف للحقيقة الخارجية على ما هي عليه في واقعها، فهذا مما لا يستطيع الإنسان إدراكه إذ لا يمتلك تصورا ذهنيا كاملا للموضوع، بل كل ما يعرفه في هذا الأمر هو صفاتها وأحوالها التي اخبره بها المخاطب عن طريق التقريب وضرب المثل : " وبين هذا والذي قبله بون، فإن الذي قبله يكون التأويل فيه من باب العلم والكلام، كالتفسير والشرح والإيضاح، ويكون وجود التأويل في القلب واللسان له الوجود الذهني واللفظي والرسمي. وأما هذا فالتأويل فيه نفس الأمور الموجودة في الخارج، سواء كانت ماضية أو مستقبلة، فإذا قيل: طلعت الشمس، فتأويل هذا نفس طلوعها، ويكون "التأويل " من باب الوجود العيني الخارجي، فتأويل الكلام هو الحقائق الثابتة في الخارج بما هي عليه من صفاتها وشؤونها وأحوالها، وتلك الحقائق لا تعرف على ما هي عليه بمجرد الكلام والإخبار إلا أن يكونا المستمع قد تصورها أو تصور نظيرها بغير كلام وأخبار، ولكن يعرف من صفاتها وأحوالها قدر ما أفهمه المخاطب : إما بضرب المثل، وإما بالتقريب، وإما بالقدر المشترك بينها وبين غيرها، وإما بغير ذلك".
                  وبهذا النص الهام جدا، يضع ابن تيمية أيدينا على نقطتين هامتين، ترفعان ما يمكن أن توصم به نظرية أهل السنة في التفسير من تناقض واضطراب، وهما :
                  1- مرتكزات التفريق بين التفسير والتأويل .
                  2- الفرق بين تأويل الآية وفهم معناها.
                  أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                  تعليق


                  • #10
                    مرتكزات التفريق بين التفسير والتأويل عند أهل السنة:

                    بين النص السابق أن أهل السنة حددوا مفهومهم للتفسير والتأويل اعتمادا على مراتب الوجود وهي :
                    1- علم اليقين : هو ما أخبر به الرسول - - أمته مبلغا عن ربه .
                    2- عين اليقين : وهو المشاهدة .
                    3- حق اليقين : وهو الملامسة .
                    فالتفسير يخص النوع الأول من الكلام أي الأمر بفرعيه : الفعل والترك، أي ما يصطلح عليه بأحكام القرآن، كما أنه يخص الجانب الأول من المتشابه وهو ما يتعلق بإدراك الخبر القرآني وحده، دون أن يتعلق الأمر بإدراك عين الحقيقة المخبر بها .
                    ومن تم يمكننا القول إن التفسير عند أهل السنة يشمل جوانب ثلاث، وهي :
                    1- إدراك الأحكام التكليفية العملية .
                    2- إدراك ما أخبر به الحق سبحانه من أمور غيبية تتعلق بالبعث وأهوال يوم القيامة ومشاهد الجنة والنار وغيرها من الأمور الغيبية التي وردت بالقرآن الكريم .
                    3- إدراك ما أثبته الله لنفسه من أسماء وصفات .
                    وأما التأويل فيتعلق بالجانب الثاني من المتشابه، وهو ما يتعلق بإدراك المخبر به فقط، وهم يلاحظون أن مهمة التأويل خارجة عن القدرة الإنسانية في الفهم والإدراك، ذلك أنه يقوم أساسا على إدراك الحقائق الغيبية على ما هي عليه في عالم المعاينة والمشاهدة، وهذا مما استأثر الله تعالى بعلمه، وهم إذ يفعلون ذلك إنما يتأولون قوله تعـــالى : ذلك خير وأحسن تأويلا .
                    هل ينظرون إلا تأويله .
                    بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله .

                    فهذه الآيات تفيد أن تأويل الأمور الغيبية -بمعنى إدراك الحقيقة التي هي عليها في واقع أمرها -هو من العلم الذي استأثر الله به، وخص به ذاته المقدسة ولم يطلع عليه أحدا من خلقه .
                    ومما سبق يتبين لنا أن التأويل عند أهل السنة لا يخرج عن هذه الأمور الثلاث :
                    1- التفسير والبيان، وهو ما درجوا على استعماله في تفاسيرهم، وهو المفهوم من أقوال الرسول ـ ـ وأقوال الصحابة والتابعين .
                    2- إدراك الحقيقة الواقعية، وهذا مما استأثر الله بعلمه، وهم لا يخوضون في القضايا الغيبية على طريقة المتكلمين والفلاسفة والروافض وغلاة الصوفية، بل يوجهون كل جهودهم إلى معرفة هذه الحقائق وتمييز بعضها عن بعض، ففي الصفات مثلا لا يحاولون إدراك معنى الصفة على ما هي عليه حقيقة، بل يحاولون التعرف على معنى الصفة كما وردت في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف، بحيث يفهمون من صفة القدرة غير ما يفهمونه من صفة الكلام والعلم وهكذا.
                    3- والمعنى الثالث للتأويل استنبطوه من الحديث الذي روته السيدة عائشة : (كان رسول الله - - يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي بتأول القرآن ) تعني قوله تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا .
                    والتأويل هنا معناه تنفيذ الأمر الرباني، أمرا كان أم نهيا.
                    ثانيا : الفرق بين تأويل الآية وفهم معناها :
                    للتفريق بين تأويل الآية وفهم معناها، ناقش علماء أهل السنة ما إذا كان في القرآن شيء لا يدرك معناه، ومن ثم يحرم الخوض فيه.
                    ومن خلال مراجعتنا لآراء كل من ابن عطية والطبري، والزركشي، وابن تيمية في هذا الموضوع، تبين لنا أنهم يعترفون بأن في القرآن أشياء استأثر الله تعالى بعلمها، وهي من قبيل الغيبيات كأسماء الله وصفاته، والجنة والنار، ونحو ذلك من الأمور الغيبية المستقبلية كخروج الدابة، والنفخ في الصور، وعدد النفخات، ومن ذلك قول الإمام الطبري : " وأن نمه ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم ، وما أشبه ذلك، فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه ".
                    وعلى هذا المعنى الذي أورده الإمام الطبري حملوا الاحاديث الواردة في النهي عن التفسير القرآني الكريم، يقول الزركشي في " البرهان " : " ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل لقوله تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم وقوله : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون . وقوله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم . فأضاف البيان إليهم، وعليه حملوا قوله : ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ). رواه البيهقي من طرق، من حديث ابن عباس. وقوله : (من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال غريب من حديث ابن جندب .
                    وقــال البيـهـقي في "شعـب الإيـمان" هـذا إن صح، فإنـما أراد ـ والله أعلم ـ الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا الذي لا يجوز الحكم به في النوازل ، وكذلك لا يجوز تفسير القرآن به.
                    وأما الرأي الذي يسنده برهان فالحكم به في النوازل جائز، وهذا معنى قول الصديق : " أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي".
                    وهذا الأمر نفسه دفع القرطبي (ت671هـ) في تفسيره " الجامع لأحكام القرآن" والإمام ابن عطيـة (ت 546هـ) في تفسيره "الجامع المحرر الوجيز" إلى مناقشة الحديث الذي روته السيدة عائشة والذي بينت فيه أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا بضع آيات وبوحي من الله ، يقول ابن عطية : " روي عن عائشة -- أنها قالت : (ما كان رسول الله ـ ـ يفسر من كتاب الله إلا آيات بعدد علمه إياهن جبريل).
                    قال المؤلف ـ ـ : " ومعنى هذا الحديث في مغيبات القرآن، وتفسير مجمله ونحو هذا مما لا سبيل إليه إلا بتوفيق من الله تعالى، ومن جملة مغيباته ما لم يعلم الله به كوقت قيام الساعة ونحوه، ومنها ما يستقرأ من ألفاظه كعدد النفخات في الصور، وكرتبة خلق السموات والأرض" .
                    ولا يفهم من كلام هؤلاء العلماء أن في القرآن ما لا يفهم معناه، بحيث يكون بالنسبة لذي العلم باللسان العربي، بمثابة الكلام الأعجمي الذي لا يفقه منه شيئا، بل يستفاد من أقوالهم أن هناك أمورا أخبر بها القرآن، كصفات الله وأسمائه مثلا. فهذه فعلا يستحيل على الإنسان فهمها على ما هي عليه في واقع أمرها. وبتعبير آخر لا يدرك الإنسان حقيقتها الخارجية، ولكنه يدرك حقيقتها العلمية بحيث يفهم من كل صفة غير ما يفهمه من الصفات الاخرى. وفي ذلك يقول ابن تيمـية ـ مبطلا قول من جعل أسماء وصفات الله سبحانه من المتشابه الذي لا يفهم معناه ـ : " أما الدليل على بطلان ذلك فإني لا أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا : إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا أحاديث الصفات تمر كما جاءت، وينهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه".
                    وانطلاقا من هذه النقطة بدأ ابن تيمية يبين الفرق بين تأويل الآية وفهم معناها . وذلك عبر مرحلتين :
                    المرحلة الأولى:
                    ناقش فيها من يدعون أن القرآن يتضمن ما لا يفهم معناه، ومن ثم يتعين عدم الخوض فيه، وذلك حيث يقول : " قال : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ). أي كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله. وأن الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله : فإن الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام على التمام، وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به، وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به، فمعرفة الخبر هي معرفة تفسير القرآن، ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله .
                    ونكتة ذلك أن الخبر لمعناه صورة علمية وجودها في نفس العالم كذهن الإنسان مثلا، ولذلك المعنى حقيقة ثابتة في الخارج عن العلم، واللفظ إنما يدل ابتداء على المعنى الذهني، ثم تتوسط ذلك أو تدل على الحقيقة الخارجة، فالتأويل هو الحقيقة الخارجة، وأما معرفة تفسيره ومعناه فهو معرفة الصورة العلمية، وهذا هو الذي بيناه فيما تقدم أن الله إنما أنزل القرآن ليعلم ويفهم، ويفقه ويتدبر ويتفكر فيه، محكمه ومتشابهه، وإن لم يعلم تأويله ".
                    وهكذا يبين ابن تيمية أن تأويل الآية هو غير فهم معناها، وبذلك يفند رأي من قالوا بعدم الخوض في آيات الصفات لأنها مما استأثر الله بعلمه، وأنها بمثابة قول أعجمي لا يفقه له معنى ، وهم إنما يفعلون ذلك لأحد أمرين .
                    1- إنتصارا للهوى والمذهب، كالمعطلة وغيرهم من الفرق الضالة التي أحدثث في الإسلام أقوالا، وأفعالا غريبة عن طبيعته، وشاذة عن هديه وصراطه المستقيم: " وأما أولئك -كنفاة الصفات من الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم، وكالفلاسفة -فيجعلون ما ابتدعوه هم برأيهم هو المحكم الذي يجب اتباعه، وإن لم يكن معهم من الأنبياء والكتاب والسنة ما يوافقه، ويجعلون ما جاءت به الأنبياء وإن كان صريحا قد يعلم معناه بالضرورة، ويجعلونه من المتشابه، ولهذا كان هؤلاء أعظم مخالفة للأنبياء من جميع أهل البدع ".
                    2- أو خوفا من أن تتسرب بعض المفاهيم البعيدة عن الإسلام إليه إذا فتح باب التأويل على مصراعيه، وذهب إلى ذلك بعض علماء أهل السنة .
                    وافحاما لهؤلاء جميعا، وإقامة للحجة عليهم يبين ابن تيمية أن دعواهم -بأن أسماء الله وصفاته من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله- لا أساس لها من الصحة ولا سند لها، ومن ثم فهي محض افتراء، وادعاء باطل وقول مبتدع، وحادث في الملة : "وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو اعتقاد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله ... من قال إن هذا من المتشابه وأنه لا يفهم معناه، فنقول : أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة لا أحمد ابن حنبل ولا غيره، أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه، وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا : إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة، قالوا في أحاديث الصفات : تمر كما جاءت ، ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه، ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد، والفضائل، وغــير ذلك ".
                    المرحلة الثانية :

                    أما المرحلة الثانية فيرد فيها على من يزعمون أن كل ما تضمنه القرآن يمكن تأويله، معتمدين في ذلك على حديث رسول الله -- الذي يدعو فيه لابن عباس أن يعلمه الله تأويل الكتاب . ون هؤلاء غلاة الشيعة والصوفية والملاحدة وغيرهم من الفرق الباطنية . يقول ابن تيمية : "وما أحسن ما يعاد التأويل إلى القرآن كله فإن قيل : فقد قال لعبد ا بن عباس ـ ـ : ( اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل )، قيل أما تأويل الأمر والنهي فذاك يعلمه، واللام هنا للتأويل المعهود، لم يقل : تأويل كل القرآن فالتأويل المنفي هو تأويل الأخبار التي لا يعلم حقيقة مخبرها إلى الله. والتأويل المعلوم هو الأمر الذي يعلم العباد تأويله، وهذا كقوله : هل ينظرون إلى تأويله يوم يأتي تأويله . وقوله : بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتـهم تأويله . فإن المراد تأويل الخبر الذي أخبر فيه عن المستقبل، فإنه هو الذي " ينتظر " و " يأتى " و " لما يأتهم "، وأما تأويل الأمر والنهي فذاك في الأمر، وتأويل الخبر عن الله وعمن مضى إن أدخل في التأويل لا ينتظر . والله سبحانه أعلم ".
                    وأهل السنة يعترفون أن التفسير يعتمد النقل بالأساس، والتأويل يعتمد الإستدلال والإستنباط أساسا، ومن ثم راحوا يوضحون منهجهم في التأويل حتى لا يلتبس بمفهوم التأويل عند الفرق الضالة التي تلتجىء إليه انتصارا للرأي والمذهب والهوى .
                    يقول الزركشي في كتابه "البرهان" : "وكل لفظ احتمل معنيين فصاعدا فهو الذي لا يجوز لغير العلماء الإجتهاد فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه على ما تقدم بيانه، وكل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان :
                    أحدهما : أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجلي فيحمل عليه .
                    الثاني : أن يكونا جليين والإستعمال فيهما حقيقة . وهذا على ضربين :
                    أحدهما حقيقة لغوية ، وفي الآخر حقيقة حقيقة شرعية . فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينته على إرادة اللغوية نحو قوله تعالى : وصل عليهم إن صلاتك ســكن لهم . وكذلك إذا دار بين اللغوية والعرفية، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة، ولو دار بين الشرعية والعرفية، فالشرعية أولى لأن الشرع ألزم ".
                    وهذا النص الهام يبين لنا عنصرين هامين من عناصر المنهج السني :
                    أولهما : أن أهل السنة لا يتنكرون لحقيقة قائمة كما هو الشأن بالنسبة للتأويل، فرغم أنهم يعلمون خطورته البالغة على عقيدة المسلم، وعلى كيان الدولة المسلمة ككل - إذ هو المدخل الذي تنفذ منه كل الدعاوي الباطلة والمذاهب الهدامة- رغم كل ذلك نجدهم يقررون أهميته، ويعترفون به لا كأمر واقع فحسب، بل كأداة منهجية يستدعى استخدامها النص القرآني، إذ هناك كثير من المواقف التي تتطلب من المفسر أن يستعمل فيها الإستدلال والإستنباط للوقوف على المعنى الحقيقي للآية أو السورة التي يروم تفسيرها.
                    الثاني: إن قبولهم التأويل واعترافهم به لا يعني التسليم بكل تأويل، بل وضعوا المنهج القويم للتأويل المرتضى، وأسسوه على قاعدة منهجية وعلمية وموضوعية، بحيث يكون النص هو الذي يفرض الأداة المنهجية التي ينبغي أن نتعامل معه بها، وألا نسقط عليه أدوات منهجية غريبة عنه تفضي بنـا ـ في النهاية ـ إلى مفارقات صارخة، وإلى نتائج غريبة عن طبيعة الإسلام العقدية والشرعية .
                    فما ينبغي أن يعرف من موقف أهل السنة في قضية التأويل إجمالا أنهم لم يرفضوه بالكلية، وإنما رفضوا المعنى الأخير، الذي قال به متأخروا المتكلمين والفلاسفة والأصوليين وغيرهم، حيث يصرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به، وقد رفضوه لأنه استحدث في الأمة لأغراض غير نزيهة وغير علمية، ذلك أنه المدخل الذي تلج منه البدع والضلالات بعد أن تلبس ثوب الشريعة الإسلامية، وتصبغ بصبغتها في الظاهر، لتجنب نفسها المعارضة الشعبية التي كانت ستواجهها حتما إن هي أسفرت عن باطلها وضلالها.
                    في الوقت نفسه نجد علماء أهل السنة يقررون المعنى القرآني للتأويل، وهو رد الشيء المخبر به إلى حقيقته وآماله، وينصون على أن ذلك مما استأثر الله تعالى بعلمه، ومن ثم لم يجوزوا الخوض فيه موضحين أن المنهج السليم هو إثبات المعنى الذي جاء به القرآن الكريم، والقول به من غير زيادة أو نقصان.
                    كما أنهم قالوا بمعنى التأويل الذي ورد عن السلف وهو ما يفيد التفسير والبيان من جهة، وتنفيذ الأمر الرباني - أمرا كان أو نهيا - من جهة أخرى، وهذا مما أفاضوا الكلام فيه .
                    أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                    تعليق


                    • #11
                      أسباب الاختلاف في تفسير القرآن الكريم :

                      إذا تتبع الباحث الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الإختلاف في تفسير القرآن الكريم قد لا يجدها تخرج عن الأسباب التالية :
                      1- مخالفة القرآن الكريم وعدم الإعتصام به، وقد نص على ذلك ابن تيمية مرات عديدة في فتاويه، ومن ذلك قوله : " إن السلف كان اعتصامهم بالقرآن والإيمان، فلما حدث في الامة ما حدث من التفرق والاختلاف، صار اهل التفرق والاختلاف شيعا، صار هؤلاء عمدتهم في الباطن ليست على القرآن والإيمان، ولكن على أصول ابتدعها شيوخهم، عليها يعتمدون في التوحيد والصفات والقدر والإيمان بالرسل وغير ذلك، ثم ما ظنوا أنه يوافقها من القرآن احتجوا به، وما خالفها تأولوه، فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى، إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس مقصوده أن يفهم مراد الرسول، بل أن يدفع منازعه عن الإحتجاج بها".
                      2- مخالفة السنة وعدم التمسك بها أفضى إلى كثير من الاختلافات في التفسير خاصة أن بالقرآن ما هو مجمل غير مفصل، وعام غير مخصص، مما يحتاج إلى إيضاح وتفسير من قبل الرسول ـ ـ إذ " كل من خالف الرسول لا يخرج عن الظن وما تهوى الأنفس، فإن كان ممن يعتقد ما قاله وله فيه حجة يستدل بها، كان غايته الظن الذي لا يغني من الحق شيئا، كاحتجاجهم بقياس فاسد، أو نقل كاذب، أو خطاب ألقي إليهم اعتقدوا أنه من الله وكان من إلقاء الشيطان".
                      3- مخالفة الصحابة والتابعين، وهم الصفوة الذين تلقوا القرآن تلاوة وتفسيرا، وإيمانا وعملا عن الرسول ـ ـ وكل من خالفهم في تفسير آي الذكر الحكيم فقد أخطأ في الدليل والمدلول معا مهما أقام من الحجج على صحة مذهبه، فإن ذلك لا يخلو أن يكون استدلالا فاسدا، أو نقلا كاذبا، أو وحيا من الشيطان: " فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته وطرق الصواب، ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ـ ـ فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول معا. ومعلوم أن كل من خالف قولهم له شبهة يذكرها إما عقلية وإما سمعية".
                      وهذه الأسباب الثلاثة تبين أن الاختلاف في تفسير القرآن الكريم ليس ناشئا عن النص ذاته، بل هو ناتج عن المنهج المتبع في التفسير، والذي يكون في الأغلب الأعم مغرضا وغير علمي، كما هو الشأن بالنسبة للباطنية والفرق الضالة الذين لا يعتمدون في دينهم على القرآن، ولا على الإيمان الذي جاء به الرسول الكريم، بل على أصول ابتدعها مشايخهم، وهم اضطروا إلى تأويل القرآن على حسب مذهبهم المنحرف ومعتقدهم الباطل حتى لا يرموا بالزندقة والكفر البواح، وحتى يلبسوا على عامة المسلمين دينهم ويفتنوهم عن هديه وصراطه المستقيم .
                      وهم إنما يفعلون ذلك خوفا من سلطان المسلمين من جهة ، ولأنهم يرون أن ذلك هو السبيل الأقوم لإبعاد المسلمين عن دينهم الحنيف .
                      وهذا الطريق المعوج، والسبيل الملتوي غالبا ما يسلكه بعض الموثورين من الشعوب الحديثة العهد بالإسلام، والذين لم تتشرب قلوبهم بعد حلاوة الإيمان .
                      وبتحديد الأسباب المفضية إلى الاختلاف في تفسير القرآن الكريم، يكون أهل السنة قد شخصوا الداء الحقيقي الذي يفتك بالأمة، ومن خلال هذا التشخيص بينوا الدواء الكافي، والبلسم الشافي، ألا وهو الاعتصام بالكتاب والسنة، وتتبع أثرهما في كل كبيرة وصغيرة، ففي ذلك لمّ الشعث، واتحاد الأمة، ونفي الفرقة والاختلاف من بينها .
                      أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                      تعليق


                      • #12
                        التأويل المقبول والتأويل المردود :

                        يكاد أهل السنة يجمعون على قبول التأويل المبني على أصول اجتهادية صحيحة، وقواعد منهجية وعلمية مقررة وثابتة تمكن المفسر من سبر أغوار الخطاب القرآني ورفع الحجب عن معانيه .
                        ومن هذا المنطلق نجدهم قد أسهبوا في مناقشة الأحاديث النبوية ورد النهي فيها عن التفسير بالرأي ، منها ما رواه "يحيى بن طلحة اليربوعي، قال حدثنا شريك عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (أن النبي -- قال :"من قال
                        في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار).
                        والحديث الذي رواه ابن عباس عن النبي -- والذي جاء فيه : (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار).
                        وقد لخص الإمام الزركشي آراء العلماء في مناقضة هذه الأحاديث، فحمل النهي فيها على تأويل الخطاب القرآني بمجرد الرأي والهوى، أي من غير أن يكون هناك منهج علمي يقيم الدليل، ويقرع الحجة بالحجة، بل هو مجرد رأي مجتث الجذور لا أصل له ولا قاعدة، مخالف للمنطق والوقع والعلم لأنه نابع عن تعصب أعمى للذات والهوى، مما يحجب عنها الحقيقة التي لا تتجلى إلا لمن أخلص في طلبها من أجل ذاتها لا لأي مقصد او هدف آخر. يقول الزركشي : "ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل لقوله تعالى : لا تقف ما ليس لك به علم. وقوله : وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون . وقوله تعالى : لتبين للناس ما نزل إليهم فأضاف البيان إليهم .
                        وعليه حملوا قوله : ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) رواه البيهقي من طرق من حديث ابن عباس. وقوله : (من تكلم في القرآن برأيه فاصاب فقد أخطأ) ، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وقال غريب من حديث ابن جندب .

                        وقال البيهقي في "شعب الإيمان "هذا إن صح فإنما أراد -والله أعلم- الرأي الذي يغلب من غير دليل قام عليه، فمثل هذا الذي لا يجوز الحكم به في النوازل . وكذلك لا يجوز تفسيره القرآن به .
                        وأما الرأي الذي يسنده برهان فالحكم به في النوازل جائز، وهذا معنى قول الصديق : " أي سماء تظللني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في كتاب الله برأيي" .
                        وقد بحث علماء أهل السنة الأسباب التي تجعل من هذا التأويل تأويلا مقبولا، ومن الآخر تأويلا مردودا، وهي ما يمكن أن نصطلح عليه بمرتكزات التفريق بين التأويل المردود والتأويل المقبول، وسنحاول أن نعرض آراء هؤلاء العلماء وذلك لما تفصح عنه من دقة منهجية وأصالة علمية، وشمولية في التفكير، وفي معالجة القضايا المشكلة، ولما تتضمنه من موضوعية حقة تتحقق في أبحاث كثير من دعاة العلمية والموضوعية .
                        أولا : مرتكزات التفريق بين نوعي التأويل عند ابن عطية (ت 671هـ) :
                        يرى ابن عطية أن السبب الرئيسي في جعل التأويل مردودا هو سبب منهجي، ذلك أن من يروم تفسير القرآن الكريم لابد أن يزود نفسه بجملة علوم ضرورية تمكنه من سبر أغوار الآيات والسور القرآنية والكشف عن معانيها وإدراك، أحكامها وفقه توجيهاتها، ومن ثم فإنه لا يجوز لكل ذي تخصص معين أن يفسر القرآن الكريم من جانب تخصصه فقط. فصاحب اللغة يفسر لغته، وصاحب النحو يفسر نحوه، وصاحب الفقه يفسر آيات الأحكام، فأصحاب الاختصاص بتعبيرنا اليوم، وأهل الجهة باصطلاح السلف الصالح، هم وحدهم الذين يجوز لهم تفسير ما لم يرد فيه نص من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة والتابعين. وهذا نص كلام ابن عطية في هذه المسألة : " ويروى أن رسول الله قال : ( من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقــد أخطأ ) ومعنى هذا : أن يسأل الرجل عن معنى في كتاب الله فيتسور عليه برأيه دون نظر فيما قال العلماء، أواقتضته قوانين العلوم كالنجوم والأصول، وليس يدخل في هذا الحديث أن يفسر اللغويون لغته، والنحاة نحوه، والفقهاء معانيه ، ويقول كل واحد باجتهاده المبني على قوانين علم ونظر . فإن هذا القائل على هذه الصفة ليس قائلا بمجرد رأيه ".
                        وهنا تبدو المنهجية العلمية واضحة جلية، ويتضح أن تفسير القرآن الكريم ليس عملا هينا، بل هو عمل علمي جبار يحتاج إلى دراية، وخبرة وتمرس، فضلا عما يحتاجه المفسر من ملكات مبدعة وقدرات فذة، تمكنه من التفاعل مع الخطاب القرآني والتجاوب معه، مما يفتح الباب أمامه للكشف عن بعض حقائق الذكر الحكيم .
                        ثانيا: مرتكزات التفريق بين نوعي التأويل عند الإمام الطبري (ت310هـ) :
                        والإمام الطبري يحصر الأسباب التي تجعل التأويل مردودا في أسباب نصية داخلية، ذلك أن من النصوص ما لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول وهذه النصوص يتعين التوقف عندها، ولا يقال فيها أبدا، لأن ذلك مجازفة علمية خطيرة، قد تفضي إلى تشويش العقيدة الإسلامية، وتحريف الشريعة وإدخال البدع والضلالات، وبالتالي إحلال الفرقة والخلاف بين المسلمين، ومن ثم نص الطبري في تفسـيره على أن : " ما كان من تأويل أي القرآن الذي لا يدرك علمه إلا بنص بيان رسول الله أو بنصية الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك بــرأيه ـ وإن أصاب الحق فيه ـ فمخطئ فيما كان من فعله بقيله فيه برأيه، لأن إصابته ليست إصابة موقن أنه محق، وإنما هو إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن، قائل على الله ما لم يعلم، وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن. والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون .
                        فالقائل في تأويل كتاب الله الذي لا يدرك علمه إلا ببيان رسول الله -- الذي جعل الله إليه بيانه ، قائل بما لا يعلم، وإن وافق قيله ذلك في تاويله ما أراد الله به من معناه، لأن القائل فيه بغير علم، قائل على الله ما لا علم له به ".
                        وهذا النص يفصح عن عقلية منضبطة بمنطق علمي، وبمنهج ثابت الأصول والقواعد، قرره الكتاب والسنة، وأكدته أعمال وأبحاث السلف الصالح الذين كانوا يتورعون عن الخوض في ما لا علم لهم به، حتى أثرت عنهم كلمة "لا أدري" في كثير من القضايا والأمور التي استفتوا فيها، بل جعلوا "لا أدري" قاعدة ثابتة من قواعد المنهج الإسلامي في البحث ، فأثر عن الإمام مالك-- قوله : "العلم آية محكمة،
                        أو سنة مبينة ثابتة، أو : لا أدري" .
                        وليس في هذا حجر على العقول كما يزعم البعض، بل هو السبيل الأمثل للتوظيف الصحيح لكل الطاقات العقلية والفكرية والوجدانية التي حبانا الله بها، وهو التجرد للعلم وللحقيقة بحيث لا يكون الهوى أو الانتصار للمذهب هو الذي يتحكم ويرسم طريق البحث وتحصيل العلم والمعرفة . ومن هنا "دخل الإلتزام بكلمة "والله أعلم" . يثبتها علماء الإسلام بعد الذي يقدمون أو يدونون من علم، وتلقانا "والله اعلم" في تراث السلف الصالح ، فيتندر بها من لا يدرون أنها من تحرج العلماء، ولعلها التي تحمي الامة من جرأة من يجسر على ادعاء العلم بكل شيء، وما خشي نبينا على الدين إلا من آفتــــه ( آفة الدين ثلاث : فقيه فاجر، وإمام جائر، ومجتهد جاهل ) ".
                        ثالثــا: مرتكـــزات التفـريــق بين نـوعي التأويـل عند الإمـام الغزالي (ت 505هـ) :
                        يرى الإمام الغزالي ـ ـ في كتابه الجامع "إحياء علوم الدين" أن النهي عن تأويل القرآن الكريم إنما هو نهي عن نوعين من التأويل وهما :
                        1- التأويل المذهبي الذي يحكم الرأي والهوى في تفسير القرآن الكريم بحيث يكون هذا الأخير تابعا لا متبوعا .
                        2- التأويل الذي يحمل المعنى فيه على ظاهر اللغة العربية .
                        ويفصل الإمام الغزالي القول في ذلك فيقول : "وأما النهي فإنه ينزل على أحد وجهين (أحدهما) : أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه فيتأول له من القرآن ذلك المعنى ، وهذا تارة يكون من العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يلبس به على خصمه، وتارة يكون مع الجهل برأيه وهواه، فيكون قد فسر برأيه، أي رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه، وتارة قد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به. فهذه الفنون أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي، ويكون المراد بالرأي الرأي الفاسد الموافق للهوى دون الاجتهاد الصحيح، والرأي يتناول الصحيح والفاسد، والموافق للهوى قد يخصص باسم الرأي.
                        والوجه الثاني: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف، والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية كثر غلطه، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي" .
                        وهذه الأسباب التي تحدث عنها الإمام الغزالي كلها أسباب خارجية وليست نصية، أي أنها غير نابعة من النص، بل هي أخطاء منهجية بتجاوزها إلى قواعد منهجية علمية وسليمة قد يصبح التأويل مقبولا من الناحية الشرعية أولا، ومن الناحية العقلية المنطقية ثانيا.
                        رابعا: مرتكزات التفريق بين نوعي التأويل عند الراغب الأصفهاني (ت 502هـ) :
                        تمشيا مع منهج أهل السنة في قضية التأويل، نجد الراغب الأصفهاني في كتابه " مقدمة التفسير" " لا يرفض التأويل بصفة كلية، بل يبين أن التأويل نوعان منه ماهو مردود مرفوض، ويصطلح عليه بالتأويل المستكره، ومنه ما هو مقبول ويصطلح عليه بالتأويل المنقاد، ويضرب أمثلة للتأويل المستكره، يمكن أن نستخلص منها الأسباب التي جعلته يكون مرفوضا من طرق هذا العالم الجليل ، ويمكن حصرها في أربعة أسباب منهجية خارجية عن النص وهي :
                        1- التلفيق بين لفظين كل منهما ورد في سياق مخالف للسياق الذي ورد فيه الآخر .
                        2- ما يفسر بحديث موضوع أو ضعيف ، واصطلح عليه بخبر مزور أو كالمزور .
                        3- ما يفسر تفسيرا لغويا متعسفا .
                        وهذا نص كلامه: " والتأويل نوعان مستكره ومنقاد. فالمستكره ما يستبشع إذا سبر بالحجة ... وذلك على أربعة أضرب. الأول أن يكون لفظ عام فيخصص في بعض ما يدخل تحته نحو قوله تعالى : وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، حمله بعض الناس على علي بن أبي طالب فقط. والثاني أن تلفق بين اثنين نحو قول من زعم أن الحيوانات كلها مكلفة بقوله تعالى : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير . وقد قال تعالى : وما من دابة في الارض . ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . فدل بقوله أمم أمثالكم أنهم مكلفون كما نحن مكلفون . والثالث ما استعين فيه بخبر مزور أو كالمزور كقول بعضهم في قوله تعالى : يوم يكشف عن ساق عني به الجارحة مستدلا بحديث موضوع . والرابع ما يستعان فيه باستعارات واشتقاقات بعيدة كما قال بعض الناس في البقر إنه إنسان يبقر عن أسرار العلوم . وفي الهدهد إنه إنسان موصوف بجودة البحث".
                        ويبين بعد ذلك الراغب الأصفهاني المجالات العلمية التي يغلب عليها كل ضرب من هذه الأخطاء المنهجية الأربع فيقول : " فالأول أكثر ما يروج على المتفقهة الذين لم يقووا في معرفة الخاص والعام. والثاني على المتكلم الذي لم يقو في معرفة شرائط النظم. والثالث على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قبول الأخبار. والرابع على الأديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات" .
                        وأما التأويل المنقاد عند الراغب فهو التأويل المقبول، وهو ما سلم من عيوب التأويل المستكره، وهو مما قد يقع الخلاف فيه بين الراسخين في العلم. وموجبات الخلاف هنا هي غير موجبات الخلاف في التأويل المستكره، ذلك أنها هنا تكون كلها راجعة إلى النص ذاته، في حين نجدها في التأويل المستكره ترجع إلى أسباب منهجية خارجة عن النص، بل تكون مفروضة عليه وليست نابعة منه ولا هو يستدعيها، مما يؤدي إلى مفارقات غريبة في الإستنباط والنتائج . وفي ذلك يقول الأصفهاني : " والمنقاد من التأويل مالا يعرض فيه البشاعة المتقدمة، وقد يقع الخلاف فيه بين الراسخين في العلم لاحدى جهات ثلاث، وإما لاشتراك في اللفظ نحو قوله تعالى : لا تدركه الأبصار هل هو من بصر العين، أو من بصر القلب، أو لأمر راجع إلى النظم نحو قوله تعالى : وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا ، هل هذا الإستثناء مقصور على المعطوف، أو مردود إليه وإلى المعطوف عليه معا. وإما لغموض المعنى، ووجازة اللفظ نحو قــوله تعالى : وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم " .
                        ومن خلال هذه الدراسة المنهجية والتحليل العلمي للقضايا المشكلة، تبدو لنا الدقة المنهجية في البحث، والخبرة بتحليل النصوص وسبر أغوارها، مما يفصح عما كان يتمتع به الراغب الأصفهاني من عقلية علمية ومنهجية نحن أحوج ما نكون إليها اليوم .
                        خامسا: مرتكزات التفريق بين نوعي التأويل عند الزركشي (ت 794هـ) :
                        ينص الزركشي في كتابه "البرهان في علوم القرآن " على أن النهي عن التأويل، إنما اقتصر على المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا هو السبب الداخلي أي النص الوحيد الذي يعتبره من موانع التأويل، أو من موجبات رده وعدم قبوله بل الأخذ به. وفي ذلك يقول :" النهي إنما انصرف إلى المتشابه منه لا إلى جميعه، كما قال تعالى : فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه . لأن القرآن إنما نزل حجة على الخلق، فلو لم يجز التفسير لم تكن الحجة بالغة، فإذا كان كذلك جاز لمن عرف لغات العرب، وشأن النزول أن يفسره، وأما من كان من المكلفين ولم يعرف وجوه اللغة فلا يجوز أن يفسره إلا بمقدار ما سمع، فيكون ذلك على وجه الحكاية لا على سبيل التفسير، فلا بأس به، ولو أنه يعلم التفسير فأراد أن يستخرج من الآية حكمة أو دليلا لحكم فلا بأس به، ولو قال المراد من الآية كذا من غير أن يسمع شيئا فلا يحل، وهو الذي نهى عنه".
                        ويفهم من النص أن من التأويل ـ وهو الذي يصطلح عليه بالتأويل المردود ـ ما يكون محظورا على أهل الاختصاص ـ أو ما يعرف عند السلف الصالح بأهل الجهة ـ الخوض فيه . ومنه ما يجوز لهم الخوض فيه، ولكنه محظور على العوام ويدخل ضمنهم كل من لم يستكمل شروط المقسر العلمية والدينية .
                        أما الأسباب المنهجية الخارجية الموجهة لرد التأويل، وعدم الاخذ به فيحصرها الزركشي في سببين:
                        1- معارضة القرآن بالرأي والمذهب والهوى. وفيه يقول: فأما التأويل المخالف للآية والشرع فمحظور لأنه تأويل الجاهلين، مثل تأويل الروافض لقوله تعالى :مرج البحرين يلتقيان أنهما علي وفاطمة. ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) يعني الحسن والحسين - - وكذلك قالوا في قوله تعالى : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل إنه معاوية وغير ذلك".
                        2- الجهل بعلوم اللغة وبعلم أصول الفقه، وفي هذا السبب المنهجي يقول الزركشي : " وإذا تقرر ذلك فينزل قوله تعالى: ( من تكلم في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار) على قسمين من هذه الأربعة :
                        أ- أحدهما : تفسير اللفظ لاحتياج المفسر له إلى التبحر في معرفة لسان العرب .
                        ب- الثاني : حمل اللفظ المحتمل على أحد معنييه، لاحتياج ذلك إلى معرفة أنواع من العلوم: علم العربية واللغة والتبحر فيهما، ومن علم الأصول ما يدرك به حدود الأشياء، وصيغ الأمر والنهي، والخبر والمجمل والمبين، والعموم والخصوص، والظاهر والمضمر، والمحكم والمتشابه والمؤول، والحقيقة والمجاز، والصريح والكتابة، والمطلق والمقيد".
                        سادسا: مرتكزات التفريق بين نوعي التأويل عند ابن تيمية :
                        يرى الإمام ابن تيمية أن الأسباب الرئيسية في رد التأويل، وعدم الأخذ به تكمن في الأدوات المنهجية الموظفة في تفسير القرآن الكريم، والتي تفتقر إلى النزاهة والموضوعية العلمية، ويمكننا أن نجمل الأسباب في نقطتين :
                        1- عدم التقيد بمصادر التفسير المتفق عليها عند أهل السنة ، بحيث لا يقال في التفسير بالاجتهاد والرأي، إلا بعد أن يطلب تفسيرها في القرآن ثم في السنة، ثم في أقوال الصحابة، ثم في أقوال التابعين. فإذا استنفدنا البحث واستفرغنا الجهد في هذه المصادر كلها ولم نجد تفسيرا للآية أو السورة التي نروم تفسيرها، عندها فقط يجوز الإجتهاد في تفسيرها لمن توفرت فيه شروط الأهلية، واكتملت لديه وسائل الاجتهاد وأدواته، وهي ما يصطلح عليه السلف الصالح بعلوم الآلة، وهي علوم ضرورية لكل من يريد أن يفسر الذكر الحكيم .
                        وابن تيمية ينص في هذا السبب على أنه يتعين على من يشتغل بالتفسير أن لا يقول برأيـه فـي آيــة ثبت تفسيــرها من قبل رسول الله " ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذ عرف تفسيره من جهة النبي لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة فإنه قد عرف تفسيره، وما أريد بذلك من جهة النبي لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء " الأسماء ثلاثة أنواع " نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله تعالى: ( وعاشروهن بالمعروف ) ".
                        2- معارضة القرآن بالرأي والذوق والوجوه، في حين يتعين على المفسر أن لا يعارض القرآن إلى بالقرآن، أو بما صح من السنة التي تفسره وتوضحه، ولا يجوز إطلاقا ـ وذلك هو مذهب السلف ـ معارضته لا بالمعقول ولا بالقياس، ولا بالرأي ولا بالوجد، ولا بأي شيء من ذلك كله، فقد " كان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله، ولا قياسه ولا وجده. فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحـق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم... فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلا عن أن يقوم فيجب تقديم العقل والنقل ـ يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين ـ إما أن يفوض وإما أن يؤول ... ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول تفسرها، فإن سنة رسول الله تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه" .
                        وحتى لا ينخرم ما بنى عليه ابن تيمية حكــمه ـ من أن السلف لم يكن يعرف لديهم معارضة القرآن بالعقل والرأي والذوق، أو الوجد والقياس ـ يناقش كيفية ظهور البدع الأولى، فيبين أن بدعة الخوارج لم تكن نتيجة معارضتهم القرآن الكريم بالرأي أو العقل أو القياس أو الوجد أو شيء من ذلك، بل كانت نتيجة سوء فهمهم للقرآن الكريم لا غير. وفي ذلك يقول ابن تيمية "وكانت البدع الأولى مثل " بدعة الخوارج " إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته، لكن فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب ، إذ كان المؤمن هو البر التقي، قالوا : فمن لم يكن برا تقيا فهو كافر، وهو مخلد في النار، ثم قالوا : وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله ".
                        وحتى لا تضيع المقاييس أو تلتبس بغيرها، يبين الأصل والقاعدة المنهجية، الفاصلة والمميزة بين منهج أهل السنة في البحث العلمي، وبين منهج أهل البدعة، فأهل السنة لا يتكلمون في شيء من الدين إلا اتباعا لما جاء به أهل الرسول فإذا أراد العالم السني معرفة شيء من الدين نظر في الكتاب والسنة، فهما المعين والمصدر الذي لا ينضب، وهما اللذان يمدانه بالمعرفة الحقيقية التي لا يحتاج بعدها إلى أي معرفة أخرى. كيف لا وهي معرفة تفجرت من عرش الرحمن، ورشحت على لسان الرسـول الكـريم أما أهل البدعة فهم يجعلون آراءهم ومواجيدهم وعقولهم وأذواقهم، هي الأصل الذي يستمدون منه تصورهم للوجود كله، ثم ينظرون في الكتاب والسنة فإن وجدوا فيهما ما يوافق مذهبهم، أو هواهم أو مواجيدهم، اتخذوه حجة على صحة مذهبهم وسلامة منزعهم، وإن وجدوهما يخالفان ما ذهبوا إليه، أعرضوا عنهما بدعوى تفويض أمره إلى الله تعالى، أو حرفوهما بدعوى التأويل.
                        يقول ابن تيمية : " فعلى كل مؤمن أن لا يتكلم في شيء من الدين إلى تبعا لما جاء به الرسول، ولا يتقدم بين يديه، بل ينظر ما قال، فيكون قوله تبعا لقوله، وعلمه تبعا لأمره. فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، لهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينا غير ما جاء به الرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة .
                        وأهل البدع لا يجعلون اعتمادهم في الباطن ونفس الأمر على ما تلقوه عن الرسول، بل على ما رأوه أو ذاقوه، ثم إن وجدوا السنة توافقهم وإلا لم يبالوا بذلك، فإذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها تفويضا، أو حرفوها تأويلا" .
                        وابن تيمية إذ يحصر الأسباب التي تجعل التأويل مردودا في المنهجية المتبعة في التفسير - أي أنها كلها أسباب خارجية عن النص، وليست متولدة منه - ينطلق من قاعدة أساسية سطرها عند تحديد موقفه من التأويل، والتي تنص على أن كل ما في القرآن يستطيع أهل العلم وأهل الإختصاص الوقوف على معناه، وأنه ليس في القرآن ما لا يدرك علمه .
                        سابعا: مرتكزات التفريق بين نوعي التأويل عند صاحب مقدمة "كتاب المباني " :
                        وهذا المؤلف المجهول ـ لذي يتضح لنا من طريقة معالجته لقضية التأويل أنه يتبنى منهج أهل السنة في التفسير ـ يرى أن السبب في رد التأويل هو سبب منهجي، ذلك أن المفسر قد يحمل معنى الآية على حديث معين، أو على معنى لغوي معين ثم يجزم بأن ذلك هو وحده مراد الله . والتعامل مع كتاب الله تعالى بهذه الصورة يعد من قلة الأدب، فضلا عما فيه من بعد عن الموضوعية، وعن البحث العلمي النزيه الذي لا يقر الآراء الشخصية ـ ولو كانت نابعة عن اجتهاد ودراسة وبحث ـ ويجعلها وحدها الصحيحة دون غيرها، فيعطل بذلك المسيرة العلمية التي هي مظنة الخصب الفكري، والنماء العلمي والمنهجي ". وقال بعض العلماء: ما روى في كراهة التفسير فعلى جهات:
                        أحداها: أن تفسر ذلك بأحاديث متفردة على الجزم والقطع، لا على أن ذلك كما روى، والآية تحتمل غيره، أو على الجهل بكلام العرب، وحجج العقول.
                        فأما على الوجه الآخر من اشتراط معاني لفظة من ألفاظ اللغة وأحكامه من سنن الرسول وتعميم خاصه وتخصيص عامه، وإجازة ما احتمل المعاني، ورد ذلك إلى أنه لا يجوز أن يكون أحد تلك المعاني بغير قطع، أو كلها إن كانت جائزة، ورد ذلك إلى الله ، إذ لم يصمم على شيء من ذلك، وليس في ظاهر الآية دلالة عليه، فذلك هو الجائز ".
                        من خلال هذا العرض المفصل للأسباب النصية والمنهجية، أو الداخلية النابعة من النص، والخارجية المفروضة عليه من الخارج، وغير المنسجمة معه، يمكننا حصر أنواع التأويل الباطلة في النقط التالية:
                        1- التأويل مع الجهل بالعلوم الضرورية ـ أو ما يعرف بعلوم الآية ـ لكل من يروم تفسير الذكر الحكيم، وهي تبدأ بعلوم اللغة كلها مرورا بالسيرة والفقه وأصول الفقه، وانتهاء بعلوم القرآن كلها.
                        2- تأويل المتشابه من غير سند من الكتاب أو السنة .
                        3- حمل المعنى القرآني على ظاهر اللغة ، والتعسف في تفسيره تفسيرا لغويا بحتا من غير الرجوع إلى علوم القرآن والسيرة، والفقه وأصول الفقه، وإلى أقوال العلماء .
                        4- التفسير المذهبي الذي يحكم الرأي والهوى في تفسير القرآن الكريم، ومعارضته بالرأي أو العقل أو القياس، أو الوجد والذوق وغير ذلك.
                        5- تخصيص اللفظ القرآني العام من غير حجة أو دليل، فضلا عن أن السياق لا يحتمل تخصيصه .
                        6- التلفيق بين لفظتين كل منهما وردت في سياق مخالف للسياق الذي وردت فيه الأخرى .
                        7- عدم التقيد بمصادر التفسير وفق الترتيب المتفق عليه من طرف أهل السنة، حيث يفسر القرآن بالقرآن، فإن لم نجد فسرناه بالسنة، فإن لم نجد فسرناه بأقوال الصحابة، فإن لم نجد فبأقوال التابعين فإن لم نجد جاز الاجتهاد لمن توفرت فيه شروطه.
                        8- تفسير الآية من القرآن ثم القطع بأن ذلك هو مراد الله، وفي ذلك غلق لباب الإجتهاد فضلا عما فيه من قلة أدب في التعامل مع كلام الله سبحانه .
                        أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                        تعليق


                        • #13
                          حكم التأويل :

                          لما كان أهل السنة قد فرقوا بين نوعين من التأويل ـ فسموا الأول بالتأويل المقبول مرة وبالتأويل المنقاد مرة أخرى، وسموا الثاني بالتأويل المردود في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى سموه بالتأويل المستكره أو المذموم ـ فإن حكمهم يختلف باختلاف مجال التأويل، فإذا كان التأويل تتوفر فيه الأسباب الداعية إلى رده وعدم الأخذ به ـ وهي التي فصلنا القول فيها عند كثير من علماء ومفسري أهل السنة، ثم أجملناها في ثمان نقط هي جماع ما نصوا عليه من أسباب نصية ومنهجية تقتضي رد هذا التأويل وعدم الأخذ به - فإننا نجدهم يحرمون هذا النوع من التأويل . يقول ابن تيمية في "مقدمة في أصول القرآن " : " أما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ) ".
                          وأما إذا سلم التأويل من العيوب الثمانية القادحة فيه، فإن أهل السنة حكموا بجوازه بل اعتبروه واجبا يتعين على علماء الأمة القيام به، وذلك لما فيه من إضافة علمية، وتوسيع لمجال البحث عن الحقيقة، فضلا عما فيه من إقرار ضمني بعظمة القرآن الكريم وإعجازه الذي يتفجر جواهره ودرره لطلابه بوما بعد آخر، وجيلا بعد جيل، بحيث يجد فيه كل طالب حقيقة بغيته وكل جيل مراده .
                          يقول محيي الدين الكافيجي : " أما التفسير بالرآي فيما يحتاج الناس إلى معرفة ما يتضمنه اللفظ من وجوب الاعتقاد والعمل فأمر ورد الشرع بإيجابه ، فضلا عن الجواز ".
                          ويبين الزركشي مجال التأويل المقبول والذي حكم العلماء بجوازه ـ بل منهم من اعتبره واجبا كما هو الشأن بالنسبة للكافيجي ـ فيقول : " قالوا وهذا غير محظور على العلماء بالتفسير، وقد رخص فيه أهل العلم، وذلك مثل قوله تعالى : ولا تلقوا بايديكم إلى التهلكة ، قيل : الذي يمسك عن النفقة، وقيل : الذي ينفق الخبيث من ماله، وقيل: الذي يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس. ولكل منه مخرج ومعنى ... فهذا وأمثاله ليس محظورا على العلماء استخراجه بل معرفته واجبة، ولهذا، ولهذا قال تعالى : وابتغاء تأويله " .
                          والأمثلة التي ضربها الزركشي لأنواع التأويل الجائزة بل الواجب على العلماء استنباطها، إن هي إلا جزء من اختلاف السلف في التفسير، حيث نجد لهم أقوالا عدة في تفسير آية واحدة، قد يظنها البعض أقوالا مختلفة ومتعارضة ولكن المدقق يكتشف أنه لا تعارض بينها، وكلها مما يتحمله النص، وينتصب له الدليل نقلا أوعقلا .
                          أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                          تعليق


                          • #14
                            منهج أهل السنة في التفسير (2):

                            سطر أهل السنة منهجهم في التفسير ـ ونحن هنا نقصد بالمنهج الطريقة العلمية المحددة والمرسومة مسبقا، وفقا لقواعد علمية مستمدة من الخبرة في معالجة النصوص والقضايا ـ والهدف منه وقاية المفسر من الوقوع في الخطأ، وقد أولى الزركشي هذا الجانب المنهجي أهمية خاصة، بحيث أفاض فيه القول وبين الطريقة العلمية التي ينبغي على المفسر التزامها، وذلك حتى لا يقع في المحظور. والغريب في تناول الزركشي لهذه القضية المنهجية هو الدقة والإحاطة والشمول، بحث تناول القضية من جميع أطرافها، فبين أن التفسير قسمان، قسم ورد تفسيره بالنقل، والآخر لم لم يرد فيه شيء. فالأول يتعين على المفسر أن لا يبادر إلى قبوله من الوهلة الأولى، بل عليه أن يقوم بدراسته دراسة نقدية من حيث المتن والسند حتى إذا ثبت لديه صحته أخذ به، ولا يجوز له تجاوزه إلى غيره، وهذا فيما يخص السنة . أما فيما يخص قول الصحابي أو التابعي فإنه يسطر فيه المبادئ التي قررها أهل السنة في التعامل معها. وهي التي سنتحدث عنها في الفصل الخاص بمصادر التفسير.
                            وفي ذلك يقول الزركشي : "واعلم أن القرآن قسمان : أحدهما ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره، وقسم لم يرد . والأول ثلاثة أنواع : إما أن يرد التفسير عن النبي ـ ـ أو عن الصحابة أو عن رؤوس التابعين، فالأول يبحث فيه عن صحة السند . والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان فلا شك في اعتماده، وإن فسره بما شاهده من الأسباب والقرائن لا شك فيه، وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدم ابن عباس، لأن النبي ـ ـ بشره بذلك حيث قال :( اللهم علمه التأويل ) ، وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض، لقوله ـ ـ ( أفرضكم زيد ). فإن تعذر الجمع جاز للمقلد أن يأخذ بأيها شاء . وأما الثالث وهم رؤوس التابعين إذا لم يرفعوه إلى النبي ـ ـ ولا إلى أحد من الصحابة ـ ـ فحيث جاز التقليد فيما سبق فكذا هنا، وإلا وجب الاجتهاد".
                            وأما ما لم يرد في شأنه أي شيء مأثور ، فإنه يتعين الإجتهاد فيه، وأول طرق الإجتهاد هو تحقيق معاني مفرداته، وذلك بدراستها دراسة معجمية مستوفية، لأن ذلك هو الأساس الذي يمكنه من الاجتهاد الصحيح. كما أن الشرح المعجمي للألفاظ يزوده بأساس المعنى، ومن ثم وجدنا الزركشي ينص على أن أول ما " يجب على المفسر البداءة به العلوم اللفظية، وأول ما يجب البداءة به منها تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني المفردات من ألفاظ القرآن من أول المعادن لمن يريد أن يدرك معانيه، وهو كتحصيل اللبن من أوائل المعادن في بناء ما يريد أن يبنيه "
                            والزركشي لا يقرر هذا المبدأ المنهجي نظريا فقط، بل هو يقوم بمحاولة تطبيقية لنظريته، وذلك حتى يتسنى للباحثين من بعده الإستفادة منها، فيبين أن هناك ألفاظا مشكلة، وذلك لاحتمالها لمعنيين اصطلح عليهما بالظاهر والمؤول . والظاهر هو اللفظ الذي يحمل على المعنى المعجمي الصرف. أما المؤول فهو الذي لا يسعفنا المعجم في تحديد معناه، مما يضطرنا إلى الإستفادة من أداة منهجية تسعفنا في تحديد المعنى القرآني للكلمة، وهي دلالة السياق التي سيأتي الحديث عنها .
                            "وقد يكون اللفظ محتملا لمعنيين، وهو في أحدهما أظهر فيسمى الراجع ظاهرا، والمرجوح مؤولا.
                            مثال المؤول قوله تعالى : وهو معكــم أينما كنتم فإنه يستحيل حمل المعية على القرب بالذات، فتعين صرفه عن ذلك، وحمله إما على الحفظ والرعاية، أو على القدرة والعلم والرؤية، كما قال تعالى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ...
                            ومثال الظاهر قوله تعالى : (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الباغي يطلق على الجاهل، وعلى الظالم وهم فيه أظهر وأغلب، كقوله : ثم بغى عليه لينصرنه الله ...
                            وقد يكون الكلام ظاهرا في شيء فيعدل به عن الظاهر بدليل آخر كقوله تعالى :الحج أشهر معلوما والأشهر اسم لثلاثة ، لأنه أقل الجمع .
                            وكقوله تعالى : فإن كان له إخوة فلأمه الســدس ، فالظاهر اشتراط ثلاثة من الإخوة، لكن قام الدليل من خارج على أن المراد اثنان، لأنهما يحجبانها عن الثلث إلى السدس".
                            وفي هذه الدراسة اللغوية المعجمية، يحذر الزركشي من أن يفلت زمام الأمر من يد المفسر، فيبتدع منهجا لا يوحى به النص، مما يؤدي إلى مفارقات في النتائج والاستنباطات، ومن ثم يتعين عليه مراعاة مطابقة التفسير للنص المفسر، بحيث يقع الحافر على الحافر من غير زيادة أو نقصان في المبنى والمعنى، لأن ذلك قمين بالإزراء بكلام الله والبعد به عن مقصده وهدفه، بل قد يأتي بعكس النتــائج والأهــداف التي يتوخاها النص القرآني . يقول الزركشي : " ويجب أن يتحرى في التفسير مطابقة المفسر، وأن يتحرز في ذلك من نقص المفسر عما يحتاج إليه من إيضاح المعنى المفسر، أو أن يكون في ذلك المعنى زيادة لا تليق بالغرض، أو أن يكون في المفسر زيغ عن المعنى المفسر وعدول عن طريقته، حتى يكون غير مناسب له ولو من بعض أنحائه، بل يجتهد في أن يكون وفقه من جميع الأنحاء، وعليه بمراعاة الوضع الحقيقي والمجازي، ومراعاة التأليف، وأن يوافي بين المفردات وتلميح الوقائع، فعند ذلك تتفجر له ينابيع الفوائد".
                            ثم ينتقل الزركشي إلى الحديث عن دلالة السياق وإبراز أهميتها في فهم وإدراك معنى آي الذكر الحكيم، بل يعتبرها من أعظم الأدوات المنهجية التي يتعين على المفسر أن يتسلح بها وهو يخوض غمار عملية من أصعب وأخطر العمليات التفسيرية، ذلك أنها تتعلق بتفسير كلام رب العالمين. وهذا التفسير الخطأ فيه ليس سهلا أو هينا، وذلك لما قد تترتب عنه من أحكام وأمور وقضايا تتعلق بحياة المسلم الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية الدينية . فدلالة السياق إذن هي التي "ترشد إلى تبين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته. وانظر إلى قوله تعـــالى : ذق إنك أنت العزيز الكريم ، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير".
                            ويطلب الزركشي من مفسر القرآن الكريم أن يكون حاضر البديهة، شديد الملاحظة متوقد الإحساس، وذلك حتى يتمكن من التفاعل معه تفاعلا حقيقيا، وإيجابيا يفضي إلى رفع الحجاب عن كل الحقيقة أو بعضها. ومن مظاهر حضور البديهة "ملاحظة النقل عن المعنى الأصلي، وذلك أنه قد يستعار الشيء لمشابهة، ثم يستعار من المشابة لمشابه المشابة، ويتباعد عن المسمى الحقيقي بدرجات، فيذهب عن الذهن الجهة المسوغة لنقله من الأول إلى الآخر، وطريق معرفة ذلك بالتدريج، كقوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . وذلك أن أصل "دون" للمكان الذي هو أنزل من مكان غيره، ومنه الشيء الدون للحقير، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتب، فقيل زيد دون عمرو في العلم والشرف، ثم اتسع فيه فاستعير في كل ما يتجاوز حدا إلى حد، وتخطى حكما إلى حكم آخر، كما في الآية المذكورة، والتقدير لا تتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين".
                            ويختم الزركشي حديثه عن المنهج السني المقترح لتفسير الذكر الحكيم بالنص على أن معرفة أسباب النزول أداة منهجية عظيمة، تمكن الباحث من الوقوف على الظروف والملابسات المواكبة لنزول القرآن الكريم، مما يجعله يعيش في بيئة القرآن ساعة نزوله، وكل ذلك يساهم في إذكاء التفاعل مع الخطاب القرآني، بحيث تتفجر معانيه، وتتفتق غرره، وتتكف درره . وفي ذلك يقول :" معرفة النزول، وهو من أعظم المعين على فهم المعنى، وسبق منه في أول الكتاب جملة، وكانت الصحابة والسلف يعتمدونه، وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعالى: فلا جناح عليه أن يطوف بهما أن السعي ليس بركن، فردت عليه عائشة ذلك وقالت : لو كان كما قلت، لقال : " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " وثبت أنه إنما أتى بهذه الصيغة، لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام . فلما جاء الإسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به، فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم، وأمرهم بالطواف. رواه البخاري في صحيحه، فثبت أنها نزلت ردا على ما كان يمتنع من السعي".
                            والملاحظ أن تناول الإمام الزركشي لقضية المنهج السني المقترح في تفسير القرآن الكريم يتسم بالإحاطة والشمول، بحيث يلم بدراسة القضايا من كل أطرافها. فيبدأ بالطرح النظري، ثم يعقبه بضرب الأمثال، فيكتمل بناء النموذج المقترح نظريا وتطبيقيا. وأما الراغب الأصفهاني فيضع أيدينا على منهج في التأويل يمكن أن يجنبنا الاختلاف والفرقة في تأويل النصوص المشكلة، وذلك حيث يقول : " والوجوه التي يعتبر فيها تحقيق أمثالها أن ينظر فإن كان ما ورد فيه ذلك أمرا أو نهيا عقليا فزع في كشفه إلى الأدلة المعقلية، فقد حث تعالى على ذلك في قوله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألبــاب . وإن كان أمرا شرعيا فزع في كشفه إلى آية محكمة أو سنة مبينة. وإن كان من الأخبار الاعتقادية فزع إلى الحجج العقلية. وإن كان من الاعتبارية فزع إلى الأخبار الصحيحة المشروحة في القصص".
                            ومن هنا نستخلص أن من أول مهمات المفسـر ـ خاصة فيما يتعلق بالنصوص المشكلة ـ دراسة النصوص دراسة داخلية نصية تمكنه من تحديد طبيعتها، لأن ذلك كفيل بإرشادنا إلى المنهج الذي يتعين علينا أن ندرسها به، وبذلك يكون تفسيرنا منهجيا وعلميا وموضوعيا في الوقت نفسه.
                            أحمد بزوي الضاوي أستاذ التعليم العالي ـ جامعة شعيب الدكالي الجديدة ـ المغرب .

                            تعليق


                            • #15
                              ذكر ابن جزي في مقدمة تفسيره التسهيل 12 سببا من أسباب اختلاف المفسرين
                              وتطرق شيخ الاسلام ابن تيمية في مقدمتة إلى شيء من ذلك .وكذا السيوطي في الإتقان والزركشي في البرهان .
                              وللشيخ سعود بن عبدالله الفنيسان وفقه الله رسالة علمية نال بها درجة الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بعنوان اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره .
                              وللدكتور الشايع وفقه الله بحث مطبوع بعنوان أسباب اختلاف المفسرين

                              تعليق

                              19,963
                              الاعــضـــاء
                              232,069
                              الـمــواضـيــع
                              42,594
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X