إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • استفسار عن تفسيرالشيخ محمد عبده

    أيها الفضلاء هل يوجد تفسير للشيخ محمد عبده ؟ وهل هو لجميع القرآن ؟ وهل ثمت ملاحظات تأخذ في الاعتبار ؟ وما هو حجم هذا التفسير وما أحسن طبعاته ؟

  • #2
    هذه معلومات حول التفسير عند الامام محمد عبده من كتاب التفسير والمفسرون للشيخ الذهبي ارجو ان تفيدك حول بعض النقاط التي استفسرت عنها وسامحني على الاطالة فهي منقولة من الكتاب وفيها الاستفادة ان شاء الله


    مدرسة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، وأثرها فى التفسير:
    وإذا كان هذا اللًَّون الأدبى الاجتماعى يعتبر فى نظرنا عملاً جديداً فى التفسير، وابتكاراً يرجع فضله إلى مُفسِّرى هذا العصر الحديث، فإنَّا نستطيع أن نقول بحق: إن الفضل فى هذا اللَّون التفسيرى يرجع إلى مدرسة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده للتفسير. هذه المدرسة التى قام زعيمها - ورجالها من بعده - بمجهود كبير فى تفسير كتاب الله تعالى، وهداية الناس إلى ما فيه من خير الدنيا وخير الآخرة.
    نعم .. قامت هذه المدرسة بمجهود كبير فى تفسير كتاب الله تعالى. مجهود نحمد لها الكثير منه، ولا نوافقها على بعض منه قليل.
    * محاسن هذه المدرسة:
    فالذى نحمده لهذه المدرسة: أنها نظرت للقرآن نظرة بعيدة عن التأثر بمذهب من المذاهب، فلم يكن منها ما كان من كثير من المفسِّرين من التأثر بالمذهب إلى الدرجة التى تجعل القرآن تابعاً لمذهبه، فيؤوِّل القرآن بما يتفق معه، وإن كان تأويلاً متكلفاً وبعيداً.
    كما أنها وقفت من الروايات الإسرائيلية موقف الناقد البصير، فلم تُشَوِّه التفسير بما شُوِّهَ به فى كثير من كتب المتقدمين، من الروايات الخرافية المكذوبة، التى أحاطت بجمال القرآن وجلاله، فأساءت إليه وجرَّأت الطاعنين عليه!!
    كذلك لم تغتر هذه المدرسة بما اغتر به كثير من المفسِّرين من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التى كان لها أثر سىء فى تفسير القرآن الكريم!!
    ولقد كان من أثر عدم اغترار هذه المدرسة بالروايات الإسرائيلية، والأحاديث الموضوعة. أنها لم تخض فى تعيين ما أبهمه القرآن، ولم تجرؤ على الخوض فى الكلام عن الأُمور الغيبية، التى لا تُعرف إلا من جهة النصوص الشرعية الصحيحة، بل قررت مبدأ الإيمان بما جاء من ذلك مجملاً، ومنعت من الخوض فى التفصيلات والجزئيات، وهذا مبدأ سليم، يقف حاجزاً منيعاً دون تسرب شىء من خرافات الغيب المظنون إلى المعقول والعقائد.
    كذلك نجد هذه المدرسة أبعدت التفسير عن التأثر باصطلاحات العلوم والفنون، التى زُجَّ بها فى التفسير بدون أن يكون فى حاجة إليها، ولم تتناول من ذلك إلا بمقدار الحاجة، وعلى حسب الضرورة فقط.
    ثم إن هذه المدرسة، نهجت بالتفسير منهجاً أدبياً اجتماعياً، فكشفت عن بلاغة القرآن وإعجازه، وأوضحت معانيه ومراميه، وأظهرت ما فيه من سنن الكون الأعظم ونظم الاجتماع، وعالجت مشاكل الأمة الإسلامية خاصة، ومشاكل الأُمم عامة، بما أرشد إليه القرآن، من هداية وتعاليم، جمعت بين خيرى الدنيا والآخرة، ووفَّقت بين القرآن وما أثبته العلم من نظريات صحيحة، وجلت للناس أن القرآن كتاب الله الخالد، الذى يستطيع أن يساير التطور الزمنى والبَشرى، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، ودفعت ما ورد من شُبَه على القرآن، وفنَّدت ما أُثير حوله من شكوك وأوهام، بحجج قوية قذفت بها على الباطل فدمغته فإذا هو زاهق .. كل هذا بأسلوب شيق جذاب يستهوى القارئ، ويستولى على قلبه، ويُحَبب إليه النظر فى كتاب الله، ويُرَغبه فى الوقوف على معانيه وأسراره.
    هذا ما نحمده لهذه المدرسة، ولا نستطيع أن نغمطها عليه، أو نقلل من فضلها فيه؟
    * *
    * عيوب هذه المدرسة:
    أما ما نأخذه على هذه المدرسة، فهو أنها أعطت لعقلها حرية واسعة، فتأوَّلت بعض الحقائق الشرعية التى جاء بها القرآن الكريم، وعدلت بها عن الحقيقة إلى المجاز أو التمثيل، وليس هناك ما يدعو لذلك إلا مجرد الاستبعاد والاستغراب. استبعاد بالنسبة لقُدرة البَشر القاصرة، واستغراب لا يكون إلا ممن جهل قدرة الله وصلاحيتها لكل ممكن.
    كما أنها بسبب هذه الحرية العقلية الواسعة جارت المعتزلة فى بعض تعاليمها وعقائدها، وحمَّلت بعض ألفاظ القرآن من المعانى ما لم يكن معهوداً عند العرب فى زمن نزول القرآن وطعنت فى بعض الأحاديث: تارة بالضعف، وتارة بالوضع، مع أنها أحاديث صحيحة رواها البخارى ومسلم، وهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى بإجماع أهل العلم، كما أنها لم تأخذ بأحاديث الآحاد الصحيحة الثابتة، فى كل ما هو من قبيل العقائد، أو من قبيل السمعيات، مع أن أحاديث الآحاد فى هذا الباب كثيرة لا يُستهان بها.
    وما يُقال من أن خبر الواحد لا تثبت به عقيدة إجماعاً. فيه نظر من وجوه:
    الأول: أن دعوى الإجماع باطلة، فإن للعلماء أربعة أقوال فى إفادة خبر الواحد العلم:
    1- يفيد الظن مطلقاً.
    2- يفيد العلم بقرينة.
    3- يفيد العلم من غير قرينة باطراد.
    4- يفيد العلم من غير قرينة لا باطراد.
    الثانى: إذا جرينا على أن خبر الواحد يفيد العلم، أمكن أن تثبت به عقيدة، وإذا جرينا على أنه يفيد الظن، أمكن أن تثبت به العقيدة إذا احتفت به قرائن - على المختار - لإفادته العلم حينئذ، ومن هنا جزم ابن الصلاح وغيره بأن أحاديث الصحيحين التى لم تُنقد عليهما تفيد العلم، فإن الأمة قد تلقتهما بالقبول، وهى معصومة من الخطأ، وظن المعصوم لا يخطىء.
    الثالث: أنه ليس المراد من العقيدة كل ما يعتقَد، وإلا لتناول ذلك الفروع الفقهية، فإنه لا يسوغ العمل بها إلا بعد اعتقاد صحة الحكم فيها، وإنما المراد بالعقائد أُصولها، وهو ما كان الإخلال بها موجباً للكفر، كالإيمان بالله وباليوم الآخر. وأما الأحاديث الواردة فى الحوادث الماضية، أو المستقبلة، أو المتعلقة بتفاصيل اليوم الآخر وما فيه، فلا يُشترط فيها التواتر، لأن هذه الأمور ليست من قبيل العقائد التى يترتب على عدم تصديقها الكفر والعياذ بالله تعالى، ولكن يُكتَفى فيا بأن تكون من طريق صحيح.
    * أهم رجال هذه المدرسة:
    هذا .. وإن أهم رجال هذه المدرسة، وهو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده زعيمها وعميدها، ثم المرحوم السيد محمد رشيد رضا، والمرحوم الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغى. وهما خير مَن أنجبت هذه المدرسة، وخير من ترسَّم خُطا الأستاذ الإمام، وسار على منهجه وطريقته فى التفسير.
    ولست أرى القارئ بحاجة إلى أن أترجم لحياة هؤلاء الرجال الثلاثة، فالعهد بهم قريب، وليس يُخشى على مَن لم صلة بالحركة العلمية فى هذا العصر شىء من معالم حياتهم، ويكفى أن أتكلم عن إنتاج كل واحد منهم فى التفسير وعن منهجه الذى سلكه فيه، وسيقف القارئ - إن شاء الله تعالى - على ما قلته عن هذه المدرسة، وما ذكرته لها من أثر محمود فى التفسير، وما ذكرته عنها من أثر يُؤخذ عليها ولا يُحمد لها.
    * * *
    النصوص الواردة في ( التفسير والمفسرون ) ضمن الموضوع ( الخاتمة.. كلمة عامة عن التفسير وألوانه فى العصر الحديث ) ضمن العنوان ( 1- الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده )

    * إنتاجه فى التفسير:
    إذا نحن ذهبنا نستقصى ما أنتجه لنا الأستاذ الإمام من عمل فى التفسير، فإنَّا نجد له تفسيره المشهور لجزء "عم" ذلك التفسير الذى ألَّفه بمشورة من بعض أعضاء الجمعية الخيرية الإسلامية، ليكون مرجعاً لأساتذة مدارس الجمعية فى تفهيم التلاميذ معانى ما يحفظون من سور هذا الجزء، وعاملاً للإصلاح فى أعمالهم وأخلاقهم، ولقد أتم الأستاذ الإمام تفسير هذا الجزء فى سنة 1321 هـ (إحدى وعشرين وثلاثمائة بعد الألف من الهجرة)، ببلاد المغرب، وبذل جهده كما يقول: "فى أن تكون العبارة سهلة التناول، خالية من الخلاف وكثرة الوجوه فى الإعراب، بحيث لا يحتاج فى فهمها إلا أن يعرف القارئ كيف يقرأ، أو السامع كيف يسمع، مع حسن النية وسلامة الوجدان".
    كذلك نجد له تفسيراً مطوَّلاً لسورة "العصر" كان قد ألقاه على هيئة محاضرات، أو دروس على علماء مدينة الجزائر ووجهائها فى سنة 1321 هـ (سنة 1902م) - ويقول الأستاذ الإمام: إنه قرأ تفسير هذه السورة فى سبعة أيام، وكل درس لا يقل عن ساعتين، أو ساعة ونصف.
    كذلك نجد له بعض بحوث تفسيرية، عالج فيها بعض مشكلات القرآن، ودفع بها بعض ما أُثير حول القرآن من شكوك وإشكالات، كشرحه لقوله تعالى فى الآية [78] من سورة النساء: وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً، وقوله فى الآية [79] من السورة نفسها: مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً وجمعه بينهما. وتوفيقه بين ما يُظَن فيهما من تناف وتضاد، وهو نسبة أفعال العباد تارة إلى الله تعالى، وتارة إلى العبد.
    وكشرحه لقوله تعالى فى الآية [52 - 55] من سورة الحج: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ .. إلى قوله: أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ، وإبطاله لقصة الغرانيق، وتفنيده لما بُنِىَ عليها من تفسير يذهب بعصمة النبى ، ويرفع الأمان عن الوحى الذى تكفَّل الله بحفظه.
    وكتفسيره لقوله تعالى فى الآية [37] من سورة الأحزاب: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً، ورده لما أُلصق بها من أحاديث باطلة، تُصوِّر النبى بصورة الرجل الشهوانى، وإبطاله لكل ما أُثير حول هذه القصة - قصة زيد وزينب - من مطاعن رُمِىَ بها رسول الله زوراً وبهتاناً.
    وكذلك نجد من آثار الأستاذ الإمام فى التفسير، تلك الدورس التى ألقاها فى الأزهر الشريف على تلاميذه ومريديه، وكان ذلك بمشورة تلميذه السيد محمد رشيد رضا، وإقناعه به، كما يقول هو فى مقدمة تفسيره.
    وقد ابتدأ الأستاذ الإمام بأول القرآن فى غُرَّة المحرَّم سنة 1317 وانتهى عند تفسير قوله تعالى فى الآية [126] من سورة النساء: وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً .. وذلك فى منتصف المحرَّم سنة 1323 هـ، إذ توفى - - لثمان خلون من جُمادى الأولى من السنة نفسها.
    وإذا كان الأستاذ الإمام قد ألقى هذه الدروس فى التفسير على طُلابه ولم يدون شيئاً، فإنّا لا نرى حَرَجاً من جعلها أثراً من آثاره فى التفسير.
    وذلك لأن تلميذه السيد محمد رشيد رضا كان يكتب فى أثناء إلقاء هذه الدروس مذكرات يودعها ما يراه أهم أقوال الأستاذ الإمام، ثم يحفظ ما كتب ليمده بما يذكره من أقواله وقت الفراغ، ثم قام بعد ذلك بنشر ما كتب فى مجلته "المنار" وكان - كما يقول هو فى مقدمة تفسيره - يُطلع الأستاذ الإمام على ما أعده للطبع، كلما تيسر ذلك بعد جمع حروفه فى المطبعة وقبل طبعه، فكان ربما يُنَقِّح فيه بزيادة قليلة، أو حذف كلمة أو كلمات. قال: "ولا أذكر أنه انتقد شيئاً مما لم يره قبل الطبع، بل كان راضياً بالمكتوب، معجباً به".
    هذا هو كل ما وصلت إليه من إنتاج الأستاذ الإمام فى التفسير، وهو وإن كان إنتاجاً يُعَد قليلاً بالنسبة لهذه الشخصية البارزة، إلا أنه - والحق يقال - كان له أثر بالغ فى تطور التفسير واتجاهاته، كما سيظهر لك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
    * *
    * منهجه فى التفسير:
    كان الأستاذ الإمام هو الذى قام وحده من بين رجال الأزهر بالدعوة إلى التجديد، والتحرر من قيود التقليد، فاستعمل عقله الحر فى كتاباته وبحوثه، ولم يجر على ما جمد عليه غيره من أفكار المتقدمين، وأقوال السابقين، فكان له من وراء ذلك آراء وأفكار خالف بها مَن سبقه، فأغضبت عليه الكثير من أهل العلم، وجمعت حوله قلوب مريديه والمعجبين به.
    هذه الحرية العقلية، وهذه الثورة على القديم، كان لهما أثر بالغ فى المنهج الذى نهجه الشيخ لنفسه. وسار عليه فى تفسيره.
    وذلك أن الأستاذ الإمام اتخذ لنفسه مبدءاً يسير عليه فى تفسير القرآن الكريم، ويخالف به جماعة المفسِّرين المتقدمين. وهو فهم كتاب الله من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم فى حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، وذلك لأنه كان يرى أن هذا هو المقصد الأعلى للقرآن، وماوراء ذلك من المباحث فهو تابع له، أو وسيلة لتحصيله.
    يقرر الأستاذ الإمام هذا المبدأ فى التفسير، ثم يتوده باللَّوم إلى المفسِّرين الذين غفلوا عن الغرض الأول للقرآن. وهو ما فيه من هداية وإرشاد، وراحوا يتوسعون فى نواح أخرى من ضروب المعانى، ووجوه النحو، وخلافات الفقه، وغير ذلك من المقاصد التى يرى الأستاذ الإمام أن الإكثار فى مقصد منها "يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهى، ويذهب بهم فى مذاهب تنسيهم معناه الحقيقى".
    لهذا نرى الأستاذ الإمام يقسم التفسير إلى قسمين:
    أحدهما: جاف مبعد عن الله وكتابه، وهو ما يقصد به الألفاظ، وإعراب الجمل، وبيان ما ترمى إليه تلك العبارات والإشارات من النكت الفنية. قال: وهذا لا ينبغى أن يُسمى تفسيراً. وإنما هو ضرب من التمرين فى الفنون، كالنحو، والمعانى، وغيرهما.
    وثانيهما: ذهاب المفسِّر إلى فهم المراد من القول، وحكمة التشريع فى العقائد والأحكام، على الوجه الذى يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة فى الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله تعالى: وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ونحوهما من الأوصاف .. قال الأستاذ الإمام: "وهذا هو الغرض الأول الذى أرمى إليه فى قراءة التفسير".
    هذا .. وإن الأستاذ الإمام لا يريد من كلامه السابق أن يُهمل الناحية البلاغية أو النحوية مثلاً فى تفسير القرآن، ولكنه يريد أن يأخذ المفسِّر من ذلك بمقدار الضرورة، فيبين المفسر - مثلاً - من وجوه البلاغة، وضروب الإعراب بقدر ما يحتمله المعنى، وعلى الوجه الذى يليق بفصاحة القرآن وبلاغته. وذلك بدون أن يتجاوز مقدار الحاجة.
    ثم إنَّا نجد الأستاذ الإمام - وقد وضع لنفسه هذه الخطة فى التفسير - يشترط شروطاً لا بد من توفرها عند مَن يريد أن يُفسِّر القرآن تفسيراً يحقق الغرض منه، وقد ذكرنها بجملتها عند كلامنا عن العلوم التى يحتاج إليها المفسِّر.
    * *
    * القرآن لا يتبع العقيدة وإنما تؤخذ العقيدة من القرآن:
    ويرى الأستاذ الإمام: أن القرآن الكريم هو الميزان الذى تُوزن به العقائد لتعرف قيمتها، ويقرر أنه يجب على مَن ينظر فى القرآن أن ينظر إليه كأصل تؤخذ منه العقيدة، ويُستنبط منه الرأى، وينعى على ما كان من أكثر المفسِّرين، من تسلط العقيدة عليهم، ونظرتهم للقرآن من خلالها، حتى تأوَّلوا القرآن بما يشهد لعقائدهم، وتتمشى معها، وفى هذا يقول: "إذا وزنا ما فى أدمغتنا من الاعتقاد بكتاب الله تعالى، من غير أن نُدخلها أولاً فيه، يظهر لنا كوننا مهتدين أو ضالين. وأما إذا أدخلنا ما فى أدمغتنا فى القرآن، وحشرناها فيه أولاً، فلا يمكننا أن نعرف الهداية من الضلال، لاختلاط الموزون بالميزان، فلا يُدرى ما هو الموزون به.
    "أريد أن يكون القرآن أصلاً تُحمل عليه المذاهب والآراء فى الدين، لا أن تكون المذاهب أصلاً والقرآن هو الذى يُحمل عليها. ويُرجع بالتأويل أو التحريف إليها، كما جرى عليه المخذولون، وتاه فيه الضالون".
    * كيف كان يقرأ الأستاذ الإمام التفسير ويكتبه:
    تناول الأستاذ الإمام تفسير القرآن الكريم بالتأليف والتدريس، أما ناحية التأليف، فمحدودة ضيقة، كما ظهر لك فيما سبق، وأما ناحية التدريس فكانت أوسع إلى حد ما من ناحية التأليف، فقد ألقى - - دروساً في التفسير بالجامع الأزهر الشريف، مدة ست سنوات، قرأ فيها ما يقرب من خمسة أجزاء من أجزاء القرآن، كما ألمعنا إليه فيما تقدم.
    كذلك ألقى دروساً فى التفسير بمدينة الجزائر من بلاد المغرب، كما ألقى دروساً فى التفسير أيضاً فى مساجد بيروت .. فى المسجد الكبير، وفى مسجد "الباشورة".
    وكان من عادة الأستاذ الإمام فى دروسه: أنه يراعى حال مَن يستمعون إليه، فإذا حضره جماعة من البلداء الخاملى الفكر شرح لهم المعنى بكلمات قليلة، وإذا كان هناك مَن يتنبه ويُلقى له بالاً، يفتح الله عليه بكلام كثير. بهذا يُحدِّث الأستاذ الإمام عن نفسه.
    ويحدثنا تلميذه السيدمحمد رشيد رضا عن طريقة الأستاذ الإمام فى دروس التفسير فيقول: "كانت طريقته فى قراءة الدرس على مقربة مما ارتآه فى كتابة التفسير، وهو أن يتوسع فيه فيما أغفله أو قصَّر فيه المفسِّرون، ويختصر فيما برزوا فيه من مباحث الألفاظ، والإعراب، ونكت البلاغة، وفى الروايات التى تدل عليها، ولا تتوقف على فهمها الآيات".
    وكان الأستاذ الإمام يعتمد فى دروسه وكتابته فى التفسير على عقله الحر وكان - كما يقول عنه بعض الكاتبين - "لا يلتزم فى التفسير كتاباً، وإنما يقرأ فى المصحف، ويلقى ما يفيض الله على قلبه".
    وكان من دأبه أنه لا يرجع إلى كتاب من كتب التفسير قبل إلقاء دروسه حتى لا يتأثر بفهم غيره، وكل ما كان منه أنه إذا عرض له وجه غريب من الإعراب، أو كلمة غريبة فى اللُّغة رجع إلى بعض كتب التفسير، ليرى ما كُتِب فى ذلك، وقد حدَّث عن نفسه بذلك فقال: "إننى لا أطلع عندما أقرأ، لكننى ربما أتصفح كتاب تفسير إذا كان هناك وجه غريب فى الإعراب، أو كلمة غريبة فى اللُّغة".
    غير أننا نجد تلميذه السيد محمد رشيد رضا يذكر أن الأستاذ الإمام كان "يتوكأ فى ذلك - يعنى فى دروسه فى التفسير - على عبارة تفسير الجلالين الذى هو أوجز التفاسير، فكان يقرأ عابرته فيقرها، أو ينتقد منها ما يراه منتقداً ثم يتكلم فى الآية أو الآيات المنزَّلة فى معنى واحد بما فتح الله عليه، مما فيه هداية وعبرة".
    وسواء أقلنا إن الأستاذ الإمام كان يرجع إلى كتب التفسير أم لا يرجع إليه، فإنه كان يُحَكّم عقله فيما يلقى وفيما يكتب، غير ملتفت إلى ما سُبِق به من أقوال فى التفسير، ولا بواقف عند اعتبارات المؤلفين وأفهامهم وقوف مَن يخضع لها، ويُسَلِّم بها، على ما فيها من غث وسمين.
    نعم .. لم يجمد الأستاذ الإمام على ما فى كتب قدماء المفسِّرين، ولم يلغ عقله أمام عقولهم، بل على العكس من ذلك وجدناه يُنَدِّد بمن يكتفى فى التفسير بالنظر فى أقوال المتقدمين فيقول: "التفسير عند قومنا اليوم ومن قبل اليوم بقرون، هو عبارة عن الاطلاع على ما قاله بعض العلماء فى كتب التفسير، على ما فى كلامهم من اختلاف يتنزه عنه القرآن: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً، وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم معنى تستقر عليه أفهامهم فى العلم بمعانى الكتاب، ثم يبثونه فى الناس ويحملونهم عليه، ولكنهم لم يطلبوا ذلك، وإنما طلبوا صناعة يفاخرون بالتفنن فيها، ويمارون فيها من يباريهم فى طلبها، ولا يخرجون لإظهار البراعة فى تحصيلها عن حد الإكثار من القول، واختراع الوجوه من التأويل والإغراب فى الإبعاد عن مقاصد التنزيل. "إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس وما فهموه، وإنما يسألنا عن كتابه الذى أنزله لإرشادنا وهدايتنا، وعن سُنَّة نبينا الذى بيَّن لنا ما نُزِّل إلينا: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ..
    "يسألنا هل بلغتكم الرسالة؟ هل تدبرتم ما بُلِّغْتُم؟ هل عقلتم ما عنه نُهيتم وما به أُمرتم؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن، واهتديتم بهدَى النبى، واتبعتم سُنَّته؟ عجباً لنا ننتظر هذا السؤال ونحن فى هذا الإعراض عن القرآن وهَديه، فيا للغفلة والغرور".
    كما وجدناه يُعَرِّف لنا الفهم الصحيح للقرآن فيقول: "... وأعنى بالفهم ما يكون عن ذوق سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظه فتشغله عما بين يديه مما سواه. لا أُريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذاً جافاً، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان، اللَّذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر".
    ومما يُذكر فى هذا المقام أنه "لما أبدى الأستاذ الإمام رأياً طريفاً فى تفسير بعض الآيات، قال له أحد المجاورين: إن ما قلته لا يوافق عليه الجمل - يعنى بالجمل أحد المؤلفين ممن كتبوا الحواشى على تفسير الجلالين - فقال الأستاذ على الفور: إننى أقرر ما يدل عليه المعنى الجليل، والكلام البليغ، ولا يعنينى أوافق عليه الجمل أو الحمار".
    كل هذا يدلنا على أن الأستاذ الإمام كان حراً فى تفكيره وفهمه للقرآن، صريحاً فى نقده ونُصحه للتفسير والمفسِّرين، جريئاً فى ثورته على القديم، ودعوته إلى التحرر مما أحاط بالعقول من القيود، وما أوغلت فيه من الركود والجمود.
    هذا .. وإن الأستاذ الإمام لم يكن كغيره من المفسِّرين الذين كَلفوا بالإسرائيليات فجعلوا منها شروحاً لمبهمات القرآن، بل وجدناه على العكس من ذلك نفوراً منها، وشروداً من الخوض فيها، لاعتقاده أن الله تعالى لم يكلفنا بالبحث عن الجزئيات والتفصيلات لما جاء به مبهماً فى كتابه، ولو أراد منا ذلك لدلنا عليه فى كتابه أو على لسان نبيه، وهو يُصَرِّح بأن هذا هو "مذهبه فى جميع مبهمات القرآن يقف عند النص القطعى لا يتعداه، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه".
    وإذا نحن تتبعنا أقواله فى مبهمات القرآن وجدناه محافظاً على هذا المبدأ، لا يعدل عنه ولا يحيد، إلا فى مواضع قليلة نادرة.
    فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [10، 11] من سورة الانفطار: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ .. نجده يقول: "ومن الغيب الذى يجب علينا الإيمان به ما أنبأنا به فى كتابه: أن علينا حَفَظَة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات، ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء، ومن أى شىء خُلِقوا، وما هو عملهم فى حفظهم وكتابتهم، هل عندهم أوراق وأقالم ومداد كالمعهود عندنا ... وهو يبعد فهمه؟ أو هناك ألواح تُرسم فيها الأعمال؟ وهل الحروف والصور التى تُرسم هى على نحو ما نعهد؟ أو إنما هى أرواح تتجلى لها الأعمال فتبقى فيه بقاء المِداد فى القِرطاس إلى أن يبعث الله الناس؟ كل ذلك لا نُكَلَّف العلم به، وإنما نُكَلَّف الإيمان بصدق الخبر وتفويض الأمر فى معناه إلى الله، والذى يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل فى عملنا، هو: أن أعمالنا تُحفظ وتُحصى، لا يضيع منها نقير ولا قطمير".
    ومثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [4] وما بعدها من سورة البروج: قُتِلَ أَصْحَابُ ٱلأُخْدُودِ .... إلى آخر القصة يقول: "أما تعيين أصحاب الأُخدود، وأنَّى كانوا؟ ومَن هم أُولئك المؤمنون؟ وأين كان منزلهم من الأرض؟ فقد كثرت فيه الروايات، والأشهر أن المؤمنين كانوا نصارى نجران، عندما كان دينهم دين التوحيد، ليس فيه حدث ولا بدعة، وأن الكافرين كانوا أُمراء اليمن، أو اليهود الذين لا يبعدون عن هؤلاء فى حقيقة الوثنية، غير أن المؤمن لا يحتاج فى الاعتبار وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم، والجهة، وخاصة الدين الذى كان أولئك أو هؤلاء، حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات، وإنما الذى عليه: هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولاً، ولو علم الله خيراً فى أكثر من ذلك لتفضَّل علينا به".
    ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيتين [6، 7] من سورة الفجر: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ ..نجده يقول: "وقد يروى المفسِّرون هنا حكايات فى تصوير إرم ذات العماد، كان يجب أن يُنزَّه عنها كتاب الله، فإذا وقع إليكَ شىء من كتبهم، ونظرتَ فى هذا الموضع منها، فتخط ببصرك ما تجده فى وصف إرم، وإياك أن تنظر فيه".
    ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيات [6 - 9] من سورة القارعة: فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ .. نجده يقول: " وتقدير الله الأعمال وما تستحقه من الجزاء فى ذلك اليوم، إنما يكون على حسب ما يعلم، لا طريقة ما نعلم، فعلينا أن نفوِّض الأمر فيه إليه سبحانه على الإيمان به، ومن عجيب ما قال بعض المفسِّرين: "إنه ميزان بلسان وكفَّتين كأطباق السموات والأرض، ولا يعلم ماهيته إلا الله" فماذا بقى من ماهيته بعد لسانه وكفَّتيه حتى يُفوَّض العلم فيه إلى الله؟ والكلام فيه جرأة على غيب الله بغير نص صريح متواتر عن المعصوم، ولم يرد فى الكتاب إلا كلمة "ميزان"، وقد عرفت ما يمكننا أن نفهم منها لننتفع بما نعتقد، وما عدا ذلك فعلمه إلى الله سبحانه. وقد قالوا: إن منكر الميزان بالمعنى المعروف لا يكفر، إذا كان القائل به يحدد له لساناً وكفَّتين، مع أن البَشر اخترعوا من الموازين ما هو أتقن من ذلك وأضبط وأوفى ببيان الموزون. أفيأبى الحكيم الخبير إلا استعمال ذلك الميزان الخشن الناقص الذى هدى العلم عقول البَشر إلى ما هو أدق منه؟ أيأبى عالِمُ الغيب والشهادة أن يستعمل فى وزن المعانى والمعقولات إلا ذلك الميزان الذى اخترعه بعض البَشر قبل أن يبلغ بهم العلم ما بلغ بأهل العصر الحاضر وما سيبلغ بأهل العصور المقبلة؟ على أن جميع ما اخترع البَشر وما يخترعون مهما دقَّ ولَطُف، إنما هو معيار الأثقال الجسمانية، والأوزان المحسوسة، وهلا يكون الأليق بالمقام الإلهى أن يكون ميزان المعانى المعقولة لديه أسمى وأعلى من أن يكون على نمط ما يستعمله البَشر، مهما ارتقت المعارف وسمت بهم العلوم؟ وهل يليق بمن يخاف مقام ربه أن يجرؤ على القول بوجوب الاعتقاد بأن الميزان الذى يزن الله به الأعمال يوم القيامة هو الميزان الذى تستعمله القبائل التى لم تزل فى مهد الإنسانية الأُولى؟.. ميزان ضعفاء العقول قصار الأنظار، الذين لا يعرفون قيمة للإيمان بالغيب، ولا لحياء العقل من الله، وإطراقه عن أن ينظر إلى ما تشامخ من غيوب الله تعالى علمه، وتعاظمت قدرته.
    "عليك أيها المؤمن المطمئن إلى ما يخبر الله به أن توقن أن الله يزن الأعمال، ويميز لكل عمل مقداره. ولا تسل كيف يزن، ولا كيف يُقَدِّر، فهو أعلم بغيبه، والله يعلم وأنتم لا تعلمون".
    * *
    * معالجته للمسائل الاجتماعية:
    ثم إنّا نجد الأستاذ الإمام لا يكاد يمر بآية من القرآن، يمكنه أن يأخذ منها علاجاً للأمراض الاجتماعية، إلا أفاض فى ذلك بما يُصَوِّر للقارئ خطر العِلَّة الاجتماعية التى يتكلم عنها، ويُرشده إلى وسيلة علاجها والتخلص منها، كل هذا يأخذه الأستاذ الإمام من القرآن الكريم، ثم يُلقى به على أسماع المسلمين وغير المسلمين، رجاء أن يعودوا إلى الصواب، ويثوبوا إلى الرشاد.
    فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [3] من سورة العصر من التفسير المطوَّل لها: وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ .. نجده يقول: "والصبر مَلَكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضا بما يكره فى سبيل الحق. وهو خُلُق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق، وما أُتِىَ الناس من شىء مثل ما أُتوا من فقج البصر أو ضعفه. كل أُمة ضعف البصر فى نفوس أفرادها. ضعف فيها كل شىء، وذهبت منها كل قوة، ولنضرب لذلك مثلاً: نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإن مَن عرف باباً من أبواب العلم، لا يجد فى نفسه صبراً على التوسع فيه، والتعب فى تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هَيِّن لَيِّن، لا يكلفه مشقة، ولا يجشمه تعبأ، ويسلى نفسه عن كسله بتعظيم مَن سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقى لسَلَفه، لاتخذهم أُسوة له فى عمله، فحذا حذوهم، وسلك مسلكهم، وكلَّف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه، واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم ليسوا بمعصومين.
    "ثم هو إذا تعلَّم لا يجد صبراً على مشقة دعوة الناس إلى علم ما يعلم، وحملهم على عرفان ما يعرف، ولا جلداً على تحصيل الوسائل لنشر ما عنده، بل متى لاقى أول معارضة قبع فى بيته وترك الخلق للخالق كما يقولون.
    "يجلس الطالب لدرسه سنة أو سنتين، ثم تعرضه مشقة التحصيل، فيترك الدرس أو يتساهل فى فهمه إلى حرفة أخرى يظنها أربح له، فينقطع عن الطلب، ويذهب فى الجهل كل مذهب، وكل هذا من ضعف الصبر.
    "يبخل البخيل بماله، ويجهد نفسه فى جمعه وكنزه، وتعرض له وجوه البر فيعرض عنها، ولا يُنفق درهماً فى شىء منها، فيؤذى بذلك وطنه ومِلَّته، ويترك الشر والفقر يأكل قومه وأُمته، ولو نظرنا إلى ما قبض يده لوجدناه ضعف البصر، لما أُصيب بذلك المرض القاتل له ولأهله.
    "يُسرف المسرف فى الشهوات، ويتهتك المتهتك فى المنكرات، حتى ينفد المال، وتسوء الحال، ويستبدل الذل بالعز، والفقر بالغنى، ولا سبب لذلك إلا ضياع صبره فى مقاومة الهوى، وضبط نفسه عن مواقع الردى، ولو صبر فى مجاهدة تلك النزعات لما كان قد خسر ماله، وأفسد حاله .. وهكذا لو أردت أن أعد جميع الرذائل، وأبحث عن عللها الأولى، لوجدتموها تنتهى إلى ضعف الصبر أو فقده. ولو سردتَ جميع الفضائل وطلبتَ ينبوعها الذى تستمد منه حياتها لما وجدتَ لها ينبوعاً سوى الصبر، أفلا يكون جديراً بعد هذا بأن يُخَص بالذكر".
    ثم يبين بعد ذلك وسائل الدعوة إلى الخير فيقول: "... يجب على العلماء ومَن يتشبه بهم، أن يتعلموا من وسائل القيام بالواجب ما تدعو إليه الحال، على حسب الأزمان واختلاف أحوال الأُمم، وأول ما يجب عليهم فى ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح، وعلم تكوين الأُمم، وارتفاعها وانحطاطها، وعلم الأخلاق وأحوال النفس، وعلم الحس والوجدان، ونحو ذلك مما لا بد منه فى معرفة مداخل الباطل إلى القلوب، ومعرفة طرق التوفيق بين العقل والحق، وسُبُل التقريب بين اللَّذة والمنفعة الدنيوية والأُخروية، ووسائل استمالة النفوس عن جانب الشر إلى جانب الخير، فإن لم يحصلوا على ذلك كله فوزر العامة عليهم. ولا تنفعهم دعوى العجز، فإنهم ينفقون من أزمانهم في القيل والقال، والبحث فى الألفاظ والأقوال، ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار علم، وأعلام هُدى ورُشد، فليطلبوا العلم من سُبُله التى قام عليها السَلَف الصالح، والله كفيل أن يمدهم بمعونته، أما وقد انقطعوا إلى ما يعجزهم عن القيام بأمره، فلن يقبل الله لهم عذراً، بل فليتربصوا حتى يأتى أمر الله.
    "لو قضى الزمان بأن يكون من وسائل التمكن من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واشتغال الناس بالحق عن الباطل، وبالطيب عن الخبيث أن يضرب الإنسان فى الأرض ويمسحها بالطول والعرض، وأن يتعلم اللُّغات الأجنبية، ليقف على ما فيها مما ينفعه فيستعمله، وما يخشى ضرره على قومه فيدمغه، لوجب على أهل العلم أن يأخذوا من ذلك بما يستطيعون، ولهم فى سَلَف الأُمة من القرون الأولى إلى نهاية القرن الرابع من الهجرة أحسن أُسوة، وأفضل قدوة، وكل ما يُهوِّنون به على أنفسهم مما يخالف ذلك فإنما هى وساوس شيطان. يشغلهم بها عن النظر فى معانى القرآن، ويحرمهم من التعرض لرحمة الرحمن".
    ومثلاً عند قوله تعالى فى الآية [13] من سورة الانفطار: إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ .. نراه يوضح معنى البِّر وما يكون به الإنسان من الأبرار، ثم يقول: "فلا يُعَد الشخص بَرا ولا باراً حتى يكون للناس من كسبه ومن نفسه نصيب فلا يغترَّن أُولئك الكسالى الخاملون، الذين يظنون أنهم يدركون مقام الأبرار بركتعات من الخشية خاليات، وبتسبيحات وتكبيرات وتحميدات ملفوظات غير معقولات، وصيحات غير لائقات بأهل المروءة من المؤمنين والمؤمنات، ثم بصوم أيام معدودات، لا يجتنب فيها إيذاء كثير من المخلوقات، مع عدم مبالاة الواحد منهم بشأن الدين قام أم أسقط، ارتفع أو انحط. ومع حرصه وطمعه لما فى أيدى الناس، واعتقاده الاستحقاق لما عندهم، لا لشىء سوى أنهم عاملون فى كسب المال وهو غير عامل، وهم يجرون على سُنَّة الحق وهو مستمسك بسُنَّة الباطل، وهم يتجملون بحلية العمل موهو منها عاطل، فهؤلاء ليسوا من الأبرار، بل يجدر بهم أن يكونوا من الفُجَّار".
    ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى في أول سورة العاديات: وَٱلْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَٱلمُورِيَاتِ قَدْحاً * فَٱلْمُغِيرَاتِ صُبْحاً * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً .. نجده يقول: "وكان فى هذه الآيات القارعات، وفى تخصيص الخيل بالذكر فى قوله: وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، وفيما ورد فى الأحاديث التى لا تكاد تُحصر ما يحمل كل فرد من رجال المسلمين على أن يكون فى مقدمة فرسان الأرض مهارة فى ركوب الخيل، ويبعث القادرين منهم على قنية الخيل على التنافس فى عقائلها، وأن يكون فن السباق عندهم يسبق بقية الفنون إتقاناً، أفليس من أعجب العجب عندهم أن ترى أُمماً هذا كتابها قد أهملت شأن الخيل والفروسية، إلى أن صار يُشار إلى راكبيها بينهم بالهزء والسخرية، وأخذت كرام الخيل تهجر بلادهم إلى بلاد أُخرى؟ أليس أغرب ما يُستغرب أن أُناساً يزعمون أن هذا الكتاب كتابهم، يكون طُلاب العلوم الدينية منهم أشد الناس رهبة من ركوب الخيل، وأبعدهم عن صفات الرجولية، حتى وقع من أحد أساتذتهم المشار إليهم بالبنان عندما كنت أكمله فى منافع بعض العلوم وفوائدها فى علم الدين أن قال: "إذا كان كل ما يفيد فى الدين نُعَلِّمه لطلبة العلم، كان علينا إذن أن نعلمهم ركوب الخيل"! يقول ذلك ليفحمنى وتقوم له الحُجَّة علىّ، كأن تعليم ركوب الخيل مما لا يليق ولا ينبغى لطلبة العلم، وهم يقولون إن العلماء ورثة الأنبياء، فهل هذه الأعمال وهذه العقائد تتفق مع الإيمان بهذا الكتاب؟ أنصف ثم احكم".
    ومثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآية [3] من سورة الماعون: وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ .. نجده يقرر: أن قوله: وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ، كناية عن الذى لا يجود بشىء من ماله على الفقير المحتاج إلى القوت الذى لا يستطيع له كسباً".
    ثم يقول: "وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين، ولم تجد ما تعطيه، فعليك أن تطلب من الناس أن يعطوه. وفيه حث للمصدِّقين بالدين على إغاثة الفقراء ولو بجمع المال من غيرهم وهى طريقة الجمعيات الخيرية، فأصلها ثابت فى الكتاب بهذه الآية، وبنحو قوله تعالى فى الآيتين [17، 18] من سورة الفجر: كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ، ونعمت الطريقة هى لإغاثة الفقراء، وسد شىء من حاجات المساكين".
    ومن أجل هذه الروح التى تسيطر على الأستاذ الإمام فى تفسيره، نجد الشيخ المراغى يقول: "وكانت دروسه يجد علماء الاجتماع فيها تطبيق القرآن على معارفهم".
    * *
    * تفسيره للقرآن على ضوء العلم الحديث:
    كذلك نجد الأستاذ الإمام - - يتناول بعض آيات القرآن فيشرحها شرحاً يقوم على أساس من نظريات العلم الحديث، وغرضه بذلك: أن يوفق بين معانى القرآن التى قد تبدو مستبعَدة فى نظر بعض الناس، وبين ما عندهم من معلومات توشك أن تكون مُسَلَّمة عندهم، أم هى مُسلَّمة بالفعل، وهو - وإن كان يرمى من وراء ذلك إلى غرض نبيل - يخرج أحياناً بمثل هذا الشرح والبيان عن مألوف العرب، وما عُهِد لديهم وقت نزول القرآن.
    فمثلاً عند تفسيره لقوله تعالى فى أول سورة الإنشقاق: إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ..نجده يقول: "انشقاق السماء، مثل انفطارها الذى مَرَّ تفسيره فى سورة إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ، وهو فساد تركيبها، واختلال نظامها، عندما يريد الله خراب هذا العالَم الذى نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التى قد ينجر إليه سير العالَم، كأن يمر كوكب فى سيره بالقُرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأى غمام، يظهر فى مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام، واختل نظمها حال ظهوره".
    هذا التفسير من الأستاذ الإمام عمل جليل يُشكر عليه، إذ غرضه من ذلك تقريب معانى القرآن وما يُخبر به من عقول الناس، بما هو معهود عندهم ومُسَلَّم لديهم. ولكن هل لا بد فى فساد الكون من أن يترتب على مثل هذه الظاهرة الكونية؟ وهل يعجز الله عن إفساده وإخلاله بأمر آخر غير ذلك؟ أليس الأولى بنا أن نؤمن بما جاء به القرآن، ولا نخوض فيما وراء ذلك من تفصيلات كما هو مذهب الشيخ؟ أحسب أن الشيخ يضرب ذلك مثلاً، ولا يريده على أنه أمر لا بد منه.
    ومثلاً عندما يعرض لتفسير سورة الفيل، بعد أن ذكر ما قيل فى إرسال الطير على أبرهة، وما جاءت به بعض الروايات من أن الذى أصابهم هو داء الجدرى والحصبة يقول: "وقد بيَّنت لنا هذه السورة الكريمة، أن ذلك الجدرى أو تلك الحصبة نشأت من حجارة يابسة سقطت على أفراد الجيش، بواسطة فِرَق عظيمة من الطير مما رسله الله مع الريح، فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذى يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذى تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجدسه دخل فى مسامه، فأثار يه تلك القروح التى تنتهى بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيراً من هذه الطيور الضعيفة يُعَد من أعظم جنود الله فى إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذى يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فِرَق وجماعات لا يحصى عددها إلا بارئها، ولا يتوقف ظهور أثر قُدرة الله تعالى فى قهر الطاغين على أن يكون الطير فى ضخامة رؤوس الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها فلله جند من كل شىء.
    *ولى كل شىء له آية * تدل على أنه الواحد"*
    وهنا أيضاً نجد الأستاذ الإمام قد خالف طريقته فى مبهمات القرآن فراح يخوض فى التفصيلات والجزئيات، ثم جوَّز أن تكون الطير هى ما يُسمى اليوم بالميكروبات، كما جوَّز أن تكون الحجارة هى جراثيم بعض الأمراض، وهذا ما لا نُقره عليه، لأن هذه الجراثيم التى اكتشفها الطب الحديث لم يكن للعرب علم بها وقت نزول القرآن، والعربى إذا سمع لفظ الحجارة فى هذه السورة لا ينصرف ذهنه إلى تلك الجراثيم بحال من الأحوال، وقد جاء القرآن بلغة العرب، وخاطبهم بما يعهدون ويألفون.
    وإذا كان الأستاذ الإمام قد أعطى لعقله الحرية الكاملة فى تفسيره للقرآن الكريم، فإنَّا نجده يُغرِق فى هذه الحرية ويتوسع فيها، إلى درجة وصلت به إلى ما يشبه التطرف فى أفكاره، والغلو فى آرائه.
    * *
    * موقف من حقيقة الملائكة وإبليس:
    فمثلاً عندما تعرَّض لقوله تعالى فى الآيات [34] وما بعدها من سورة البقرة: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ ... إلى آخر القصة، نجده يقول: "وذهب بعض المفسِّرين مذهباً آخر فى فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد فى الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخِلْقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أ، هذا النمو فى النبات لم يكن إلا بروح خاص، نفخه الله فى البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال فى الحيوان والإنسان، فكل أمر كلى قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية فى إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهى سُمِّى فى لسان الشرع مَلَكاً، ومَن لم يبال فى التسمية بالتوقيف يسم هذه المعانى القوى الطبيعية، إذا كان لا يعرف من عالَم الإمكان إلا ما هو طبيعة، أو قوة يظهر أثرها فى الطبيعة. والأمر الثابت الذى لا نزاع فيه، هو أن فى باطن الخِلْقة أمراً هو مناطها، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن العاقل أن ينكره، إن أنكر غير المؤمن بالوحى تسميته مَلَكاً، وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحى تسميته قوة طبيعية أو ناموساً طبيعياً، لأن هذه الأسماء لم ترد فى الشرع، فالحقيقة واحدة، والعاقل مَن لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجوداً لا يدرك كنهه، والذى لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح، ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، ولا يعلم إلا الله علام يختلف الناس، وكلٌ يقر بوجود شىء غير ما يرى ويحس، ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم، ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه؟ وماذا على هذا الذى يزعم أنه لا يؤمن بالغيب - وقد اعترف بما غيب عنه - لو قال: أُصدِّق بغيب أعرف أثره، وإن كنت لا أُقدِّر قدره، فيتفق مع المؤمنين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحى، ويحظى بما يحظى به المؤمنون؟
    "يشعر كل مَن فَكَّر فى نفسه، ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن فى نفسه تنازعاً كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى. فهذا يُورد وذاك يدفع، واحد يقول افعل، وآخر يقول لا تفعل، وآخر يقول لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشىء الذى أُودع فى أنفسنا ونسميه قوة وفكراً، وهى فى اللحقيقة معنى لا يدرك كنهه، وروح لا تُكتنه حقيقتها، لا يبعد أن يسميه الله ملَكَاً، أو يسمى أسبابه ملائكة، أو ما شاء من الأسماء، فإن التسمية لا حَجْرَ فيها على الناس، فكيف يُحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة، والسلطان النافذ والعلم الواسع".
    ثم قال الأستاذ الإمام بعد ذلك: "فإذا صح الجرى على هذا التفسير، فلا يُستبعد أن تكون الإشارة فى الآية أن الله تعالى لما خلق الأرض، ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التى بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصاً بنوع من أنواع المخلوقات، لا يتعداه ولا يتعدى ما حُدِّد له من الأثر الذى خُصَّ به.؟ خلق بعد ذلك الإنسان، وأعطاه قوة يكون بها مستعداً للتصف بجميع هذه القوى وتسخيرها فى عمارة الأرض، وعبَّر عن تسخير هذه القُوَى بالسجود الذى يُفيد معنى الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذى لا حد له، والتصرف الذى لم يُعط لغيره، خليفة الله فى أرضه، لأنه أكمل الموجودات فى الأرض، واستثنى من هذه القُوَى قوة واحدة، عبَّر عنها بإبليس، وهى القوى التى لزَّها الله بهذا العالَم لزا، وهى التى تميل بالمستعد للكمال، أو بالكامل إلى النقص، وتعارض مد الوجود لترده إلى العدم، أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء، أو التى تعارض فى اتباع الحق، وتصد عن عمل الخير، وتنازع الإنسان فى صرف قواه إلى المنافع والمصالح التى تتم بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودى التى خُلِق مستعداً للوصول إليها. تلك القوة التى ضللت آثارها قوماً فزعموا أن فى العالَم إلهاً يسمى إله الشر، وما هى بإله، ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلا هو".
    قال: "ولو أن أنفسنا مالت إلى قبول هذا التأويل، لم تجد فى الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب، وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق".
    ثم يعود فى موضع آخر إلى تقرير التمثيل فى القصة فيقول: "وتقرير التمثيل فى القصة على هذا المذهب هكذا: أن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة فى الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقُوَى هذا العالَم وأوراحه، التى بها قوامه ونظامه، لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها، فيكون به كمال الوجود فى هذه الأرض، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يُفْسِد فى الأرض لأنه يعمل باختياره، ويُعطَى استعداداً فى العلم والعمل لا حد لهما، هو تصوير لما فى استعداد الإنسان لذلك، وتمهيد لبيان أنه لا ينافى خلافته فى الأرض، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شىء فى هذه الأرض، وانتفاعه به فى استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة، وسؤالهم عنها، وتنصلهم فى الجواب تصوير لكون الشعور الذى يُصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدوداً لا يتعدى وظيفته، وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقُوَى له، ينتفع فى ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى فى ذلك. وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر، وإبطال داعية خواطر السوء، التى هى مثار التنازع والتخاصم والتعدى والإفساد فى الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البَشرى".
    والذى ينظر فى هذا التأويل الذى جوَّزه الشيخ، وفى سياق الآية وألفاظها وما فيها من محاورة ومقاولة، لا يسعه إلا أن يرده، وإن حاول قائله أن يروج له بجعله الأوامر التى وردت فى الآية من قبيل الأمر التكوينى، لا الأمر التكليفى.
    * *
    * موقفه من السحر:
    ولقد كان من أثر إعطاء الأستاذ لنفسه الحرية الواسعة فى فهم القرآن الكريم، أنَّا نجده يخاف رأى جمهور أهل السُّنَّة، ويذهب إلى ما ذهب إليه المعتزلة، من أن السحر لا حقيقة له، ولذلك عند تفسيره لقوله تعالى فى الآية [4] من سورة الفلق: وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّاثَاتِ فِي ٱلْعُقَدِ .. نجده بعد أن يُفسِّر معنى النفث والعُقَد، يُفَسِّر المراد بالنفَّاثات فى الآية فيقول: "المراد بهم هنا هم النمامون، المقطِّعون لروابط الأُلفة، المُحرقون لها بما يلقو عليها من ضرام نمائمهم، وإنما جاءت العبارة كما فى الآية، لأن الله جَلَّ شأنه أراد أن يشبههم بأولئك السحرة المشعوذين، الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة المحبة بين المرء وزوجه - مثلاً - فيما يُوهمون به العامة، عقدوا عقدة ثم نفثوا فيها وحَلُّوها، ليكون ذلك حلاً للعقد التى بين الزوجين. والنميمة تشبه أن تكون ضرباً من السحر، لأنها تحوِّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة، بوسيلة خفية كاذبة، والنميمة تُضَلِّل وجدان الصديقين، كما يضلل الليل مَن يسير فيه بظلمته، ولهذا ذكرها عقب ذكر الغاسق".
    * * *
    إنكاره لبعض الأحاديث الصحيحة:
    ثم راح الشيخ - - يرد ما جاء من الروايات فى سحر الرسول فقال: "وقد رووا هنا أحاديث فى أن النبى سحره لبيد بين الأعصم، وأثَّرَ سحره فيه، حتى كان يُخيل له أنه يفعل الشىء وهو لا يفعله، أو يأتى شيئاً وهو لا يأتيه، وأن الله أنبأه بذلك، وأُخْرِجت مواد السحر من بئر، وعُوفِىَ - - مما كان نزل به من ذلك، ونزلت هذه السورة، ولا يخفى أن تأثير السحر فى نفسه حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أن يفعل شيئاً وهو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض فى الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان فى بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يُصَدِّق قول المشركين فيه: إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً، وليس المسحور عندهم إلا مَن خولطَ فى عَقله، وخُيِّل له أن شيئاً يقع وهو لا يقع، فيُخيَّل إليه أنه يُوحَى إليه، ولا يُوحَى إليه، وقد قال كثير من المقلِّدين الذين لا يعقلون ما هى النبوة ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر فى النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به، وعدم التصديق به من بِدَع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر، وقد جاء القرآن بصحة السحر، فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح فى نظر المقلِّد بدعة - ونعوذ بالله - يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن فى نفيه السحر عنه - صلى الله ليه وسلم -، وعَدَّةُ من افتراء المشركين عليه، ويُؤوِّل فى هذه ولا يُؤوِّل فى تلك، مع أن الذى قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه عليه الصلاة والسلام، وملابسة الشيطان تُعرف بالسحر عندهم، وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحرالذى نُسب إلى لبيد، فإنه خولط فى عقله وإدراكه فى زعمهم.
    "والذى يجب اعتقاده أن القرآن مقطوع به، وأنه كتاب الله بالتواتر عن المعصوم - -، فهو الذى يجب الاعتقاد بما يُثبته، وعدم الاعتقاد بما يُنفيه، وقد جاء بنفى السحر عنه ، حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، ووبخهم على زعمهم هذا، فإذن هو ليس بمسحور قطعاً. وأما الحديث - فعلى فرض صحته - هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها فى باب العقائد، وعصمة النبى من تأثير السحر فى عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ فى نفيها عنه إلا باليقين، ولا يجوز أن يؤخذ فيها الظن والمظنون، عل أن الحديث الذى يصل إلينا من طريق الآحاد، إنما يحصل الظن عند مَن صح عنده، أما مَن قامت له الأدلة على أنه غير صحيح، فلا تقوم به عليه حُجَّة، وعلى أى حال، فلنا - بل علينا - أن نُفوِّض الأمر فى الحديث. ولا نُحَكِّمه فى عقيدتنا، ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل، فإنه إذا خولط النبى فى عقله - كما زعموا - جاز عليه أن يظن أنه بَلَّغ شيئاً وهو لم يُبَلِّغه، أو أن شيئاً نزل عليه وهو لم ينزل عليه، والأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان.." إلخ.
    وهذا الحديث الذى يرده الأستاذ الإمام رواه البخارى وغيره من أصحاب الكتب الصحيحة، وليس من وراء صحته ما يخل بمقام النبوة، فإن السحر الذى أُصيب به عليه الصلاة والسلام كان من قبيل الأمراض التى تعرض للبدن بدون أن تؤثر على شئ من العقل، وقد قالوا إن ما فعله لبيد بن الأعصم بالنبى من السحر لا يعدو أن يكون نوعاً من أنواع العقد عن النساء، وهو الذى يسمونه "رباطاً" فكان يخيل إليه أن عنده قدرة على إتيان إحدى نسائه، فإذا ما هَمَّ بحاجته عجز عن ذلك. أما السحر الذى نُفِىَ عنه - - فمراد به الجنون، وهو مخل ولا شك بمقام النبوة، وقد قالوا: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ.
    ثم إن الحديث رواية البخارى وغيره من كتب الصحيح، ولكن الأستاذ الإمام ومَن على طريقته لا يُفَرِّقون بين رواية البخارى وغيره، فلا مانع عندهم من عدم صحة ما يرويه البخارى، كما أنه - لو صح فى نظرهم - فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد لا يثبت به إلا الظن، وهذا فى نظرنا هدم للجانب الأكبر من السُّنَّة التى هى بالنسبة للكتاب فى منزلة المبيِّن من المبيَّن، وقد قالوا: إن البيان يلتحق بالمبيّن، وليس هذا الحديث وحده هو الذى يُضَعِّفه الشيخ، أو يتخلص منه بأنه رواية آحاد، بل هناك كثرة من الأحاديث نالها هذا الحكم القاسى، فمن ذلك أيضاً حديث الشيخين: "كل بنى آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أُمه إلا مريم وابنها" .. فإنه قال فيه: "إذا صح الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة".
    فهو لا يثق بصحة الحديث رغم رواية الشيخين له، ثم يتخلص من إرادة الحقيقة - على فرض الصحة، بجعل الحديث من باب التمثيل، وهو ركون إلى مذهب المعتزلة. الذين يرون أن الشيطان لا تَسَلُّط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط.
    وبعد .. فهذا هو إنتاج الأستاذ الإمام فى التفسير، وهذا هو مسلكه ومنهجه فيه، ولعلِّى أكون قد أرضيت الحقيقة، ولم أتجن على الشيخ، أو أتهمه بما هو منه برئ.
    * * *

    تعليق


    • #3
      جزاك الله خيرا اخي الفاضل ...فقد أفدت من هذا النقل

      تعليق


      • #4
        لم اقرا حول موضوع محمد عبده في التفسير احسن مما كتب شيخنا العلامة فضل عباس في كتابه مناهج المفسرين وهو الان قيد الطبع عجل الله تعالى فرجه
        الدكتور جمال محمود أبو حسان
        أستاذ مشارك في التفسير وعلوم القرآن
        جامعة العلوم الإسلامية العالمية/ الأردن

        تعليق


        • #5
          تفسير المنار في 12 مجلدا من عمل رشيد رضا أدخل فيه تفسير محمد عبده الذي وصل الى تفسير سورة النساء , الآية 125 في درسه المتواصلة في رحاب الأزهر حيث وصل رشيد رضا الى تفسير يورة يوسف و الآية 107 .

          تعليق


          • #6
            بسم الله الرحمن الرحيم
            قول مهم قيل في محمد عبده ، وأذكره هنا على سبيل البحث فيه ولم أحقق الأمر بعد أو بحثت فيه منذ سنة تقريبًا وإليكم قول الشيخ محمود شاكر فيه ، وكذا قول غيره ، وأفضل للباحث أن يدخل جوجل ويكتب محمد عبده ماسوني
            وينتظر نتيجة البحث
            مشروع محمد عبده ( الإصلاحي ) وزرع الشوك
            http://saaid.net/Doat/alkassas/1.htm

            من هو الشيخ محمد عبده وجمال الدين الافغاني ؟
            http://saaid.net/Doat/Zugail/291.htm

            وقال محمود شاكر

            ((محمد عمارة هذا تبلغ به الصفاقة والإدعاء والجهل مبلغاً

            يجعله يصف كتاب محمد عبده ( رسالة التوحيد )بأنه أهم ماكتب في التراث الإسلامي في علم الكلام !! لاياشيخ ؟!!

            هل قرأت ياسيد عمارة كل ماكتب في التراث الإسلامي في علم الكلام

            ثم وصلت إلى اقتناع بأن هذا الكتاب الهزيل الحقير الغث لمؤلفه ضحل الثقافة من أهم الكتب في هذا الموضوع ؟! ماهذا العبث وهذا الاستغلال لجهل الناس ؟؟ لا.. الأمر أخطر من ذلك ..

            إنها مؤامرة !

            -مؤامرة ؟؟

            -مؤامرة تستهدف تمجيد رجلين من أخطر عملاء الاستعمار في تاريخ أمة الإسلام

            جمال الدين الأفغاني الماسوني ومحمد عبده الصديق الصدوق لكرومر .))
            http://www.al-barq.net/showpost.php?...3&postcount=13
            فنرجو التأمل والتحقيق من الكل
            اللهم ارحم زوجتي واجعل قبرها روضة من رياض الجنة

            تعليق


            • #7
              مصطفى على المحترم
              أحترم رأيكم ورأي غيركم غير أنني أتساءل :

              عندما دخلنا الأزهر من باب الحلاقين , وذلك قبل زمان , كان هناك على اليسار مدخل أدى لى المكتبة واسمها قاعة محمد عبده ....وكيف ذلك وما ذكرتم أعلاه ؟

              تعليق


              • #8
                أقول وبالله التوفيق :
                تعلمنا أن كل علم" يؤخذ عن أهله " ومع احترامنا وتقديرنا للشيخ محمود شاكر ،فمثله -أديب أو مؤرخ - لايقبل قوله في مثل محمد عبده وغيره ،فأين علماء الأزهر والمسلمين غيرهم الذين عاصروا الرجل 0
                الحكم على الرجال له منهجه وضوابطه ولا دخل للعاطفة ألبتة فيه 0
                ولا تنس يا أخي أنه (عند الله تجتمع الخصوم )
                أقول هذا وبيني وبين الله أني لا أعتقد العصمة إلا في رسول الله 0
                أ.د. السالم الجكني
                أستاذ القراءات بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

                تعليق


                • #9
                  أنا أضيف غلى الموضوع تساؤلاً عن منهجية طغت على بعض المجتمعات العلمية - إن صح التعبير-وهو:هل طلاب العلم أولى بهم أن يشتغلوا بالفوائد والفرائد في زمن طلبهم أم يتفانوا في جمع المَلاحظ والمآخذ على من سبق؟؟
                  أم أن هذا التتبع الهادف لإحقاق الحق(أما غير ذلك فهو تتبع للعورات) هو من عمل العلماء الراسخين الذين عرفوا المقاصد واطلعوا على وجهة كل متجه بدليله حتى تحصلت لديهم ملكة يَميَزونبها الخبيث من الطيب؟؟
                  وأنا في الحقيقة أنزِّه طارح الموضوع الأخ/أبو عاتكة عن أي قصد غير التعلم وزيادة الاطلاع في طرحه لهذ التساؤل , كما أفيد كل قارئ لما زبرتُه أني لا أدافع عن خطإ من أخطأ وضلال من ضلَّ كائنا من كان بقدر ما أرجو من المنتسبين للعلم الشرعي أن لا يحملهم اتساع الأوقات وزيادتها وقلة مشاغل الدين والدنيا لديهم أن يتوجهوا للأموات من المسلمين والبحث عن إخراجهم من ملة الإسلام , ولقد قرأت في بعض المنتديات الإسلامية - وللأسف - قبل يومين موضوعا أو محاكمةً بمعنى أدق حول العتب على من لم يجرأ على القول بتكفير محمد عبده, وإلقاء اللائمة على من لم يفعل ذلك من المتخصصين في التفسر ممن تناولوا تفسيره بالبحث,بل إن الكاتب أخذ يحجِّر رحمة الله التي قال الله عنها(وسعت كل شيء)ويقول بأسف(بل كلهم يقول: وغفر له)ولست أدري ما هو الدافع للبحث عن صحة إسلام من لقي ربه من المسلمين وما الفائدة المرجوة من تكفيره,فالتفريق بينه وبين زوجه حصل بقدر الله مذ توفاه الله إليه , وتركته لا شك أن وُرَّاثها قد تقاسموها منذ وفاته , وقد فات الأوان على أولئك - الذين ينوبون عن القضاة في إصدار أحكام الفسق والتكفير بالمجان - في منع ورثته من الميراث بعد حكمهم عليه بالكفر..
                  وأعجبُ من ذلك قول أحدهم (هيا نبين العوار والضلال والكفريات في كتبه
                  ثم ننظر جميعا فيما تبقى من هل يكفر الذي مات على ذلك أو لا أو واجب تكفيره أو لا أو..
                  المهم أولا هو تبيين الضلال والكفريات فلا يتفرع الموضوع
                  )
                  وختاماً أذكر نفسي وإخواني بقول الله لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه قال القرطبي: أي يشغله عن غيره.
                  وقال البيضاوي: أي يكفيه في الاهتمام به.
                  د. محمـودُ بنُ كـابِر
                  الأستاذ المساعد بقسمِ الدِّراساتِ القُـرآنيةِ - جامعة المَلكِ سُعُـود

                  تعليق


                  • #10
                    أستاذنا الكبير الدكتور الجكني ، الأستاذ موراني
                    لم أقر رأيًا وإنما أحلت إلى بحث عن ما هية الرجل
                    إذ في أوساط يوصف باحترام شديد وفي أوساط يوصف بأنه ماسوني خبيث
                    والذي أضعه هو أقوال توضع في الميزان ثم يحكم من انتهى إلى حكم معين
                    ورب باحث وقف على ما هو اليقين
                    واقرأوا هذا الرابط
                    http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...109#post462109
                    وقد خرج الأخوة المناقشين فيه إلى تفرع الأمر وكبت هناك ما ستجده باسم مصطفى جعفر ومختصر هيا نبين العوار والضلال والكفريات .
                    فالباحث سيذكر أشياء ثم المحقق يرى هل فاسق بنأٍ أتى أم غيور على الإسلام كشف خبث رجل .
                    وكل هذه الموضوع بأهل الحديث ليس في في نظري ماينظر فيه إلا :
                    1- قول الشيخ علي حشيش ....
                    2- مشاركة محب آل مندة
                    3- وقول في أثناء المشاركة فيه : ( يقول الشيخ فهد الرومي في ص149: (الشيخ محمد عبده هو الذي صاغ برنامج الحزب الوطني المصري وجاء فيه في المادة الخامسة منه "الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب..")، وعزاها الشيخ إلى (الأعمال الكاملة لمحمد عبده: تحقيق محمد عمارة، ج1 ص107).
                    )
                    4- وقو في أثناء مشاركة يقول : ( وإليكم نقلا جديداً من كتاب منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير.

                    "وهذا الشيخ محمد عبده يكتب رسالة إلى القس إسحاق طيلر يقول فيها (كتابي إلى الملهم بالحق الناطق بالصدق حضرة القس المحترم إسحاق طيلر أيده الله في مقصده ووفاه المذخور من موعده)

                    إلى أن قال (...ونستيشر بقرب الوقت الذي يسطع فيه نور العرفان الكامل فتهزم له ظلمات الغفلة فتصبح الملتان العظيمتان المسيحية والإسلام وقد تعرفت كل منهما إلى الأخرى وتصافحتا مصافحة الوداد وتعانقتا معانقة الألفة، فتغمد عند ذلك سيوف الحرب التي طالما انزعجت لها أرواح الملتين)

                    ويقول (وانا نرى التوراة والإنجيل والقرآن ستصبح كتبا متوافقة، وصحفا متصادفة يدرسها أبناء الملتين ويوقرها أرباب الدينين فيتم نور الله في أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله)؟!!"

                    انتهى كلام الشيخ فهد، بعلامات التعجب في ج2 ص138، وقد عزاها إلى الأعمال الكاملة لمحمد عبده، تحقيق محمد عمارة، ص363-364.
                    ) .
                    5- وقول في أثناء المشاركة ( وانتقل إلى ثناء الكفار عليه.

                    "قال كرومر في تقريره السنوي لعام 1905 عن محمد عبده (كان لمعرفته العميقة بالشريعة الإسلامية ولآرائه المتحررة المستنيرة أثرها في جعل مشورته والتعاون معه عظيم الجدوى)" من كتاب منهج المدرسة، ص804، وقد عزاها إلى الإسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسين، ص78

                    وقال كرومر: "إن الشيخ محمد عبده يظل مفتيا في مصر ما ظلت بريطانيا العظمى محتلة لها"، منهج المدرسة، ص 805، وقد نقلها من الأعمال الكاملة لمحمد عمارة، ج1ص117 ) .
                    6- قول الأستاذ أبي مالك العوضي : سواء قلنا بكفره أو لم نقل بكفره، فكتبه مليئة بالضلال والفكر المنحرف.

                    ويلاحظ عليه أيضا دس السموم في العسل على طريقة كثير من أهل الأهواء.
                    7- قول أثناء مشاركة يقول : أما الآن فسأضيف لكم نتائج جهالات محمد عبده من كتاب الشيخ فهد الرومي (منهج المدرسة العقلية في التفسير).
                    (في عام 1947م قدم الطالب محمد أحمد خلف الله في كلية الآداب بجامعة فؤاد رسالة للحصول على الدكتوراه عن (الفن القصصي في القرآن)، قال فيها بأن ورود الخبر في القرآن الكريم لا يقتضي وقوعه وأنه يذكر أشياء وهي لم تقع ويخشى على القرآن من مقارنة أخباره بحقائق التاريخ...ويقرر أي الطالب أن التاريخ ليس من مقاصد القرآن، وأن التمسك به خطر على النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة...ثم يقول: إنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير لأنا في ذلك لا نقول قولا يعارض نصاً من نصوص القرآن) انتهى النقل بتصرف يسير من ص445-446..وهذا الكلام الغريب طويل جدا وقد اختصرته.

                    المشرف على الرسالة أمين الخولي، يقول عن الرسالة التي رفضت جامعة فؤاد مناقشتها (إنها ترفض اليوم ما قرره الشيخ محمد عبده بين جدران الأزهر منذ اثنين وأربعين عاما) (منهج المدرسة: ص448) .
                    يقول الشيخ فهد: "
                    وهم حين يلقون هذا القول [أي تنسيب الأقوال إلى محمد عبده] يعتقدون أنهم يلقونه على رجل لا تصعد غليه المسؤولية، بل تتلاشى قبل أن تصل إلى مقامه البعيد .
                    يقول الشيخ مصطفى صبري تعالى عن الرسالة تلك (وإني لأرى الرسالة المستنكرة وما سبقها من مصر من الأحداث والفتن المماثلة الماسة بدين الإسلام وعقائده المحفوظة إلى عصر الشيخ محمد عبده...كلها ناشئة من الأسس التي ابتدعها هذا الشيخ الملقب بالأستاذ الإمام...فلا مناص إذن للقضاء على تيار الفتنة من مصدرها أن تفصل الدعوى مع الإمام دون المؤتمين)"
                    أهـ النقل من ص449.
                    8- سئل مُحدِّث الديار اليمينة العلاَّمة مقبل الوادعي - غفر الله له وأعلى درجته- ما نصه:
                    هل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده المصري من العلماء المعتبرين ؟ وما حالهما ؟ وما وجه انحرافهما ؟
                    فأجاب - -:
                    هما ماسونيان؛ أفسدا الشباب بمصر في زمنهما، وبعد زمنهما، وأفسدوا كثيراً من الكتاب؛ ومنهم محمد رشيد رضا، ولنا رسالة - بحمد الله- بعنوان (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر، وبيان بُعد محمد رشيد رضا عن السلفية).
                    ولا يتسع الكلام فأحيل كتاب (منهج المدرسة العقلية في التفسير)، وكتاب (جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام)، فهما من أئمة الضلال، وهما إلى الكفر أقرب.
                    [تحفة المجيب على أسئلة الحاضر والغريب ص211].
                    اللهم ارحم زوجتي واجعل قبرها روضة من رياض الجنة

                    تعليق


                    • #11
                      الدكتور الكريم محمود الشنقيطي

                      أستاذنا الكريم الدكتور محمود الشنفيطي
                      السلام عليكم
                      عفواً ماذا أغضبك مني إذ قلت لما وجدت الأخوة بأهل الحديث تفرعوا عن موضوع خطير في المشاركة ( وهو هل هذا الرجل على ضلال أو كفر أو ... إلى هل يكفر أو لا يجوز تكفيره ) .
                      أن أدعوهم إلى من يعرف العوار فليبينه . ثم بعد ذلك نعود إلى الموضوع الآخر )
                      أما قول حضرتك :
                      ولست أدري ما هو الدافع للبحث عن صحة إسلام من لقي ربه من المسلمين وما الفائدة المرجوة من تكفيره ............
                      يا شيخنا ليست هذه الذي صببت عليها اهتمامي ولا هذه التي شاركت بها هنا .
                      وإنما القضية عندي هل هو معظم حقًا أم هو ماسوني .
                      عفوًا أستاذنا الكريم الدكتور محمود الشنفيطي : لو ثبت قوله : "إن قصة آدم في القرآن تمثيل"
                      وقول القائل : ولقد وقف شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود في قاعة الإمام محمد عبده في المحاضرة التي ألقاها في 27 مارس 1962 .....: ولكن حين نقرأ له قصة تفسير آدم فنجده يقول: بأنها تمثيل. نتساءل: لماذا اتجه الشيخ محمد عبده هذا الاتجاه؟ لماذا اتجه في قصة آدم إلى أنها تمثيل؟ حينما نتسائل حقيقة عن السر العميق في الشعور واللا شعور نجد أن الشيخ محمد عبده رأى أن فكرة التطور منتشرة في جميع أوربا، بل والعالم وهي- فيما يرى- تتعارض مع التعاليم التي تنبئ أن آدم هو أول البشر، وهو الذي خلقه وسواه وخاطب الملائكة في شأنه وأمرهم أن يسجدوا له رأى الشيخ محمد عبده أن كل ذلك لا يتلاءم كثيرا مع فكرة التطور المزعومة فماذا صنع؟

                      فقرر بأنها قصة، وأنها تمثيل...وأصبحت فكرة التطور مسيطرة على الكثيرين فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدوا كثيرا من القضايا

                      شيخنا الكريم أقول بصيغة أخرى : لو كان ماسونيًا حقًا هل يجب عليك تبين عواره أم تستره ميتًا فيظل معظمًا في أمة كبيرة وبذلك تكون الماسونية فازت بذلك .
                      وحدنا أقوالاً تقول بذلك هل نتحقق منعا ويقوم علماء التحقيق منا بانهاء أمره بأن دعوى الماسونية تصورات والرجل جليل . أو نرى فعلاً أنه ماسوني ويجب تحذير الأمة منه ومن اتباعه .
                      ونحن نستلهم فيك العقل والعلم ونحملك أمانة أن تفرغ القليل من وقتك للنظر في هذا وتريح من تداخل مع أخيه في عذا الموضوع .
                      علمًًًًا شسخما الكريم أن فتح الموضوع في أهل التغسير مهم إذ به من الأساتذة الكرام ومحمد عبده مفسر فالموضوع بين علماء وطلبة
                      فليرح العلماء الطلبة .
                      أما عن تضييع الأوقات ، فلعل جزى الله خيرًا من صرف جزءًا من همته من أعمال الارتزاق إلى مناقشة مواضيع ..........
                      فهل من عُدل كمن رُمي .....
                      وهل من رُمي منهم فيهم من أصابه الرمي . فيكون مجرحًا .

                      أرجو ألا أكون ضايقت أستاذي وأنا طويلب العلم الذليل
                      اللهم ارحم زوجتي واجعل قبرها روضة من رياض الجنة

                      تعليق


                      • #12
                        أخي الكريم/ مصطفى علي
                        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,
                        وبعد فأنا لست دكتوراً,ولا أستطيع أن أكون أستاذاً لك حفظك الله , مع رجائي لربي ان يجعلني خيراً مما تظن إنه سميع قريب..
                        ثمَّ إنكم لو تأملتم في بداية كلامي لعلمتم أن الغضب لم يجد في نفسي محلاًّ,فانا لا أنتقد بيان الخطإ والتحذير منه وعدم المتابعة عليه, فهذه أمانةعلمية يجب على من رأى في نفسه القدرة ألا يتساهل أو يتصامم عنها..
                        ولكن؛؛
                        هل تبيان الخطإ أو (العور) كما قلتم يلزم منه التعرض لذوات المخطئين وعلاقتهم بالله وتحجير رحمة الله عليهم؟؟
                        أم يكفي الرد على أخطائهم وبيانها للناس مع الكف عن الوقيعة في أعراضهم, سيما من كان مثل(محمد عبده) ممن افضى إلى ما قدم , فلُحمة الإسلام التي تربطنا به تفرض علينا ان يحب كلّ منا لأخيه ما يحب لنفسه,ولا شك أن من كان منا بين طبائق الأرض لا يحب من إخوانه الأحياء إلا أن يعينوه على نفسه بالدعاء له والاستغفار , خصوصا ممن يظن أنه كان - - ذاضلال وخطإ وعوار .
                        أما عن قصة آدم وخطإ محمد عبده - - في وصفها بالتمثيل ,فكما بينتُ سابقا وأبينه الان أنه لا أحد يبلغ من الكرامة مبلغا يحملنا على أن يُـقَرَّ الباطل أو يُترَكَ الحق لأجله..
                        ولكن؛؛
                        ألا ترى أن حكمك على سبب اتجاهه إلى هذا الاتجاه يحتاج إلى مزيد من التثبت والتحقيق لأنه صادر عن اجتهاد شخصي, فقط لا غير.
                        فيحتمل أن يكون ما ذكرته هو السبب , ويحتمل أن يكون غيره , ويحتمل أن يكون رجع عن ذلك وتاب منه, ويحتمل انه مات عليه...الخ.
                        وختاماً فإني أتفق معكم تماماً في قولكم بجدارة طرح هذا الموضوع في ملتقى اهل لتفسير الزاخر بالعديد من العلماءالباحثين والأساتذة المحققين, الذين لهم القدم الراسخ في التجرد للحق في بيان الأخطاء مع الورع التام عن إهداءالحسنات للمخطئين - كما نحسبهم -بالوقيعة فيهم بتفسيق او تكفير والله تعالى أعلم
                        والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أحكم وأسلم..
                        د. محمـودُ بنُ كـابِر
                        الأستاذ المساعد بقسمِ الدِّراساتِ القُـرآنيةِ - جامعة المَلكِ سُعُـود

                        تعليق


                        • #13
                          هل يمكن العودة الى الأسئلة الأصلية التي طرحها أبو عاتكة في البداية؟ وذلك نظرا الى أنّ جميع التفاصيل لما تجري المناقشة حولها قد تم توضيحها في مجلة المنار نفسها , واقترح على المشاركين الكرام مراجعة الأمر في موضعه .

                          تعليق


                          • #14
                            موراني..
                            المداخلة الثانية بقلم الفاضل /نضال دويكات فيها أجوبة جميع ما طرحه الأخ السائل ,وما نحن بصدده هذا محله كما أن مجلة المنار أيضا محل له..
                            وشكراً..
                            د. محمـودُ بنُ كـابِر
                            الأستاذ المساعد بقسمِ الدِّراساتِ القُـرآنيةِ - جامعة المَلكِ سُعُـود

                            تعليق


                            • #15
                              محمود الشنقيطي المحترم
                              المداخلة الثانية المشار اليها بمثابة رأي صاحبها
                              وهل هي المعوّل عليها في جميع ما جاء (ويأتي مستقبلا ان شاء الله) في أمر الشيخ محمد عبده ؟ كلا !

                              قراءة المنار, أي قراءة الأصل: هي ما ستستفيد منها أكثر مما تستفيد من غيره . انني ألاحظ منذ مدة أن الناس لا يعتمدون على قراءة الأصول بل يتمتعون بما كتب غيرهم وينضمون اليه ويقولون:
                              قال فلان .... قال فلان .. وهلم جرا.
                              وهنا أسال سيادتكم : وماذا تقولون أنتم ؟
                              أتمنى لكم التوفيق في جميع أموركم التي فيها خير للجميع

                              تعليق

                              19,955
                              الاعــضـــاء
                              231,876
                              الـمــواضـيــع
                              42,541
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X