• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • النظم القرآني , وفائدته للمفسرين والبلاغيين .

      بسم الله الرحمن الرحيم

      السلام على أهل هذا الملتقى المبارك , ورحمته وبركاته , وبعد :

      منذ أن قدر الله تعالى نزول القرآن الكريم , ليكون مصدر تشريع المسلمين , في زمن اشتهر بالبلاغة والفصاحة , فأصبح معجزة لهم , وسبباً لهدايتهم , منذ ذلك الحين , وأفهام أبناء العربية وغيرهم تتناقل الحديث عن فضلة , وقوة تأثيره في النفس , ولهذا السبب بدأت العقول تبحث عن سر إعجازه للعرب قاطبة , حتى ظهرت لنا اجتهادات في بعضها قبول , وفي جلّها رد ؛ فمنهم من رد إعجاز القرآن لبلاغته , ومنهم من رده لإخباره بالأمور المستقبلة , ومنهم من رده للصرفة - وهذا بعيد أشد البعد - إذ يقال بأن القرآن معجز بالصرفة , وأن الله تعالى صرف أذهان العباد عن الإتيان بمثله , ولولا الصرفة لاستطاع أبناء الفصاحة أن يماثلوه !

      ولقد استمرت الأذهان في هذا التخبط إلى أن وصلت إلينا اجتهادات الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه ( دلائل الإعجاز ) , والتي من شأنها أن أنشأت البوابة الأولى للإعجاز القرآني , وقد بحث في كتابه بحثاً عميقاً وجديراً بالاهتمام , اعتنى فيه بالرد على المعتزلة , ومن وجهوا في إعجاز القرآن وِجهة بعيدة , ناهيك عن اكتشافه لنظرية ( النظم ) التي أتى من خلالها هذا الإعجاز المبهر .

      و النظم في اللغة : " التأليف , نظمه , ينظمه , نظماً ونظاماً ونظمه فانتظم وتنظم " " ونظمت اللؤلؤ , أي جمعته في السلك , والتنظيم مثله , وفيه نظمت الشعر وتنظمته " " وكل شئ قرنته بآخر أو ضممت بعضه إلى بعض فقد نظمته "
      كما ورد : " من معاني نظم : نظم الأشياء ألفها وضم بعضها إلى بعض " , " وانتظم الشئ تألق واتسق " (1)

      ونرى بأن عبدالقاهر يحاول بشتى الطرق أن يبرز ويوضح موقفه وقصده بالنظم , وقد وفق في ذلك أشد التوفيق , وقد أخذت هذه القضية الشهرة بكتابه ( الدلائل ) وتناقلها الشراح بتوضيح مرامه في كتابه , فاقتبس المتأخرون منه في مصنافاتهم قواعد خصصت بعلم المعاني فيما بعد , لأن قضية النظم عند عبد القاهر عرفت فيما بعد بعلم المعاني على غرار السائرين على مدرسة السكاكي .

      ومن إشاراته لتوضيح معنى النظم عامة , وفي القرآن الكريم خاصة , بأنه ينفي كون النظم راجع للألفاظ نفسها , بدليل هو أقرب إلى الفلسفة العقلية , فهو يرى بأن الأمر لو كان كذلك -أي لو كان القصد بالنظم إلى اللفظ نفسه - لما اختلف حال اثنين في العلم بحسن النظم أو غير الحسن فيه لأنهما يحسان بتوالي الألفاظ في النطق إحساساً واحداً , ولا يعرف أحدهما في ذلك شيئاً يجهله الآخر (2)

      فكون السياق يأتي بلفظ دون الآخر, وكون اللفظة تأتي مفردة دون جمع أو مذكرة دون تعريف , أو ماضية دون الحاضر .... الخ , كل هذه الأشياء لابد أن تحدث في الإنسان نوعاً من التأني والتصوب الفكري وإعمال العقل شيئاً فشيئاً , ولا يكون ذلك للجاهل بل للعالم بأصول العربية وضوابطها , ولصاحب الذكاء والفطنة , والعالم بمعاني الألفاظ وأسرارها .

      ومفردات القرآن تجري كما تجري أي مفردات على الألسن , لكن القرآن يأتي بتلك المفردات بشكل معجز, بينما لو أخذت تلك المفردة ووضعت في غير نظم القرآن لها لما أتت بلاغتها وإعجازها كما هي في القرآن . (3)

      وقد مثل عبدالقاهر لناظم الكلام مثل من يأخذ قطعاً من الذهب والفضة فيذيبهما في بعض حتى يصيران قطعة واحدة , ومثال ذلك قول أحدهم : " ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضرباً شديداً تأديباً له " فينتج لك من مجموع هذه الكلمات معنى واحد لا عدة معاني كما يتوهمه الناس , وذلك لأنه لم يأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها , وإنما جاء بها لتفيده وجوه التعلق التي بين الفعل الذي هو ( ضرب ) , وبين ما عمل فيه , والأحكام التي هي محصول التعلق .(4)

      والبحث في منهج عبد القاهر يحتاج لوقت وجهد كبيرين , ولكن حسبي ههنا الإشارة إلى مفهوم النظم القرآني , وكيفية التعامل معه , لإخراج نكت القرآن الكريم , سواء بالنسبة للمفسرين عامة , أو البلاغيين منهم بخاصة .

      أسأل الله تعالى أن ينفع بما قلت , وأن يسخرنا لخدمة كتابه العزيز الذي لاتنقضي عجائبة - كما ثبت في الأثر - إنه خير معين ,,

      والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ,,,,
      أختكم / يراع العربية .

      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
      المصادر , والمراجع :
      (1) انظر ( لسان العرب ) , لابن منظور , المجلد 12 ,ص578 , 579 , و ( المعجم الوسيط ) ج2 , 941 .
      (2) ( دلائل الإعجاز ) 51 .
      (3) ( النظم القرآني في آيات الجهاد) د/ ناصر الخنين , ط الأولى , مكتبة التوبة ,الرياض 1416هـ , 9 .
      (4) ( دلائل الإعجاز ) 413 .

    • #2
      وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
      حياكم الله أختي الكريمة يراع العربية ونسأل الله لك التوفيق والسداد فيما تكتبين .
      وفي الحق إن الكتابة في موضوعات بلاغة القرآن تحتاج إلى نظر دقيق ، وتأمل عميق من الكاتب أولاً ثم من القارئ ثانياً ، ونرجو أن نرى بعد هذه التقدمة حلقات تطبيقية متسلسلة على استخراج بلاغة النظم ودقائقه في آيات القرآن الكريم وسوره ، ابتداء من السور القصار . فإنه يكاد يكتفي الباحثون بما ذكره المتقدمون كعبدالقاهر وأمثاله في بعض آيات القرآن ، دون إضافة حقيقة تدل على تدبر عميق لمعاني القرآن ، ومعرفة متمكنة بأسرار النظم تضع يد القارئ على مواطن الجمال والإعجاز في كلام الله .
      ولذلك فإنني أدعو الأخت الكريمة يراع العربية وإخالها متخصصة في بلاغة الكلام ، وغيرها من الزملاء المتخصصين في دراسة البلاغة إلى المشاركة في إضاءة هذا الجانب العلمي على صفحات هذا الملتقى بمشروعات علمية ينتفعون بها أولاً ، وننتفع بها ثانياً في جوانب بلاغة القرآن ، وإتاحة دقائق هذا العلم الشريف لقراء الملتقى وهم من الصفوة إن شاء الله ، والله لا يضيع أجر المحسنين .

      تعليق : على قول الأستاذة الكريمة
      إذ يقال بأن القرآن معجز بالصرفة , وأن الله تعالى صرف أذهان العباد عن الإتيان بمثله , ولولا الصرفة لاستطاع أبناء الفصاحة أن يماثلوه !
      قد سبق لي أن درستُ نظرية الصرفة في بحثٍ ، وتبين لي أن القائلين بهذا القول لا يقصدون به معنى واحداً مذموماً وهو ما تفضلتِِ به أعلاه ، وإنما لهم مذاهب في هذا القول الذي اشتهر أحد معانيه ، وغابت بقية المعاني ، مما جعل الباحثين الذين تناولوا هذه النظرية لا يذكرونها إلا على سبيل الذم والرد ، ويجعلون القائلين بها فريقاً واحداً ، ويردون عليهم رداً واحداً ، والأمر في حقيقته ليس كذلك ، وبيان هذا له موضع آخر غير هذا إن شاء الله .
      عبدالرحمن بن معاضة الشهري
      أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود

      تعليق


      • #3
        فضيلة الدكتور عبد الرحمن الشهري ، هل بحثكم حول الصرفة موجود على النت ؟؟ الرجاء ذكر الرابط ....
        زكرياء توناني
        دكتوراه في اللغة والدراسات القرآنية (جامعة الجزائر 1)
        أستاذ محاضر بكلية الآداب والحضارة الإسلامية بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية (قسنطينة)

        تعليق


        • #4
          بورك في تعليقكم الثمين , وأسال الله تعالى أن ينفع به كل مستنفع , وأن يهدي به من ضل طريق الحق , إنه على

          ذلك قدير .

          ونرجو أن نرى بعد هذه التقدمة حلقات تطبيقية متسلسلة على استخراج بلاغة النظم ودقائقه في آيات القرآن الكريم وسوره ، ابتداء من السور القصار . فإنه يكاد يكتفي الباحثون بما ذكره المتقدمون كعبدالقاهر وأمثاله في بعض آيات القرآن ، دون إضافة حقيقة تدل على تدبر عميق لمعاني القرآن ، ومعرفة متمكنة بأسرار النظم تضع يد القارئ على مواطن الجمال والإعجاز في كلام الله .
          هذا صحيح , وخاصة حينما غاب المنهج التكاملي الذي يدرس نظم الآيات مجتمعة , وكيف أثر ذلك في معنى الآية

          ومقصود السورة , وليس الاقتصار على استخراج الألوان البلاغية في الآيات دون التركيز على مهمتها في أداء المعاني

          المقصودة كما وجدناه - وللأسف - في كثير من الدراسات البلاغية الحديثة .

          ولذلك فإنني أدعو الأخت الكريمة يراع العربية وإخالها متخصصة في بلاغة الكلام ، وغيرها من الزملاء المتخصصين في دراسة البلاغة إلى المشاركة في إضاءة هذا الجانب العلمي على صفحات هذا الملتقى بمشروعات علمية ينتفعون بها أولاً ، وننتفع بها ثانياً في جوانب بلاغة القرآن ، وإتاحة دقائق هذا العلم الشريف لقراء الملتقى وهم من الصفوة إن شاء الله ، والله لا يضيع أجر المحسنين .
          سيكون في القادم خير , بإذن الله تعالى , وسأحاول في ذلك اقتباس بعض الجهود المعاصرة التي أبلت في ذلك بلاء

          حسناً لتكون انموذجاً واضحاً للدارسين في البلاغة , وثماراً ناضجة للراغبين في استنارة أذهانهم , وأرجو أن يكون

          قريباً .


          بورك فيكم , وزادكم الله ديناً وعلماً .

          وفقكم الله ,,,

          تعليق

          20,125
          الاعــضـــاء
          230,565
          الـمــواضـيــع
          42,258
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X