إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • علم المناسبات في القرآن الكريم

    بسم الله الرحمن الرحيم
    - المناسبة:هي في اللغة المقاربة والمشاكلة. يقال : فلان يناسب فلاناً ، أي يقاربه ويشاكله. ومنه النسيب الذي هو القريب المتصل بغيره ، كالأخ وابن العم.
    - واصطلاحاً : هي علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن. [نظم الدرر للبقاعي 1/6]
    وقد عبر عنه الإمام عبدالحميد الفراهي بـ(نظام القرآن) ، وبعضهم يبحثه تحت ما يسمى بـ(الوحدة الموضوعية).
    ** ** **
    أهميته :
    علم المناسبات علم جليل القدر وقد نبه إلى أهميته عدد من العلماء من أبرزهم الفخر الرازي حيث قال:«أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط». وقال السيوطي في معترك الأقران:«علم المناسبة علم شريف قل اعتناء المفسرين به لدقته».
    وقال البقاعي في نظم الدرر:«وهو سر البلاغة ؛ لأدائه إلى تحقيق مطابقة المعاني لما اقتضاه من الحال ، وتتوقف الإجازة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها ، ويفيد ذلك في معرفة المقصود من جميع جملها ، فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة ، وكانت نسبته من علم التفسير كنسبة علم البيان من النحو». وقال العز بن عبدالسلام فيه :«المناسبة علم حسن ، لكن يشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره».

    * من أبرز من اعتنى بعلم المناسبة من العلماء:
    1- أبو بكر النيسابوري ، حيث كان كثير العلم في الشريعة والأدب ، وكان يقول على الكرسي في بغداد إذا قرئت عليه الآية:لمَ جعلت الآية جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة في جنب هذه السورة؟
    وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة. وقد نسب السيوطي إليه أنه أول من سبق إلى هذا العلم. والصحيح أن أن أولية علم المناسبة القرآنية غير واضحة تمام الوضوح إلى الآن ، ولا سيما مع بقاء كثير من مصادر التفسير وعلوم القرآن مخطوطة بعيدة عن أيدي الباحثين. وقد كتب الدكتور الفاضل عبدالحكيم الأنيس في مسألة نشأة علم المناسبات بحثاً ضافياً في مجلة (الأحمدية) التي تصدر عن دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث في دبي بالإمارات العربية المتحدة في العدد الحادي عشر - جمادى الأولى 1423هـ بعنوان :(أضواء على ظهور علم المناسبة القرآنية) بين فيه أقول العلماء في نشأة هذا العلم ، وخلص إلى عدم وضوح الرؤية في هذه المسألة ، وبين صواب ما ذكره السيوطي وأكثر الباحثين من بعده. فليراجعه من أراد الاستزادة في هذه المسألة.
    2- فخرالدين الرازي ، حيث تميز بالإكثار من التماس المناسبات في تفسيره ، وقال:«إني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل:
    والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
    3- أبو الحسن الحرالي المغربي (637هـ.) ويتهم البقاعي بأنه قد أخذ كل ما في كتابه (نظم الدرر) من كتابه. يقول المناوي في الكواكب الدرية 2/465 في ترجمة الحرالي:(وصنف تفسيراً ملأه بحقائقه ، ودقائق فكره ، ونتائج قريحته ، وأبدى فيه من مناسبات الآيات والسور ما يبهر العقول ، وتحار فيه الفحول ، وهو رأس مال البقاعي ، ولولاه ما راح ولا جاء ، ولكنه لم يتم ، ومن حيث وقف وقف حال البقاعي في مناسباته).
    4- أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي وله في ذلك كتاب البرهان في ترتيب سور القرآن ، وهو كتاب ثمين.
    5- البقاعي في كتابه نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ، وكتابه مؤلف مستقل لتلمس المناسبات بين الآيات والسور وهو كتاب نفيس في بابه.
    6- ابن النقيب الحنفي ، حيث تصدى في تفسيره لذكر المناسبات.
    7- السيوطي فقد ألف كتابه تناسق الدرر في تناسب السور ، وكتاب أسرار التنزيل.
    8- الشيخ محمد عبده في تفسير المنار الذي جمعه وأتمه رشيد رضا ، حيث كان له عناية بعلم المناسبة.
    9 - من المعاصرين الأستاذ سيد قطب في كتابه «في ظلال القرآن» ، وفي كتابه الآخر«التصوير الفني في القرآن» وقد أبدع في إبراز ألوان من التناسق الفني في التصوير القرآني.
    10- الشيخ مصطفى المراغي في تفسيره.
    11- الشيخ عبدالله بن الصديق الغماري في كتابه «جواهر البيان في تناسب سور القرآن».
    12- الشيخ طاهر الجزائري حيث تكلم عنه وعن أهميته وفوائده في كتابه التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن.
    13- الفراهي في تفسيره نظام الفرقان.

    * أراء بعض العلماء في علم المناسبة:
    عارض عدد من العلماء البحث عن المناسبات ، وقالوا بأنه علم متكلف ، ولا يطلب للآية الكريمة مناسبة لكونها نزلت متفرقة على حسب الوقائع والأحداث. ومنهم :
    1- ولي الدين الملوي ، ذكره السيوطي في معترك الأقران.
    2- العز بن عبدالسلام حيث شرط للقول بالمناسبة أن يقع الكلام في أمر متحد مرتبط أوله بآخره ، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يقع فيه ارتباط ، ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لايقدر عليه إلا بربط ركيك يصان عن مثله حسن الحديث فضلاً عن أحسنه ، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة شرعت لأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض.
    وقد ذكر المقري في كتابه (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) في ترجمة الحرالي المغربي 2/399 أنه :(وقع بينه وبين الشيخ عز الدين بن عبدالسلام شيء ، طلب عز الدين أن يقف على (تفسيره) - أي تفسير الحرالي - فلما وقف عليه ، قال:
    أين قول مجاهد ؟
    أين قول فلان وفلان ؟
    وكثر القول في هذا المعنى ، ثم قال : يخرج من بلادنا إلى وطنه - يعني الشام .
    فلما بلغ كلامه الشيخ ، قال : هو يخرج وأقيم أنا ، فكان كذلك.). وأظن ذلك عندما أخرج الإمام العز بن عبدالسلام إلى مصر في قصته المشهورة. ففي هذه الحادثة نرى إنكار العز لما رآه من تكلف الحرالي في علم المناسبات وخلو تفسيره من أقوال مفسري السلف .
    3- الإمام الشوكاني حيث قال في تفسيره فتح القدير عند تفسيره للآية رقم 42 من سورة البقرة:«اعلم أن كثيراً من المفسرين جاءوا بعلم متكلف ، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته ، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة ، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه ، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف ، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلاً عن كلام الرب سبحانه ، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف ، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف ، كما فعله البقاعي في تفسيره». والكلام طويل فليراجع.

    * قاعدة في طريقة معرفة المناسبة :
    الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن ، هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة ، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات ، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما تستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له ، التي تقتضي البلاغةُ شفاءَ الغليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها.
    فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن ، فإذا فعلته تبين لك إن شاء الله تعالى وجه النظم مفصلاً بين كل آية وآية ، في كل سورة سورة. والله الهادي.
    عبدالرحمن بن معاضة الشهري
    أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
    amshehri@gmail.com

  • #2
    شكر الله لك ابا عبد الله
    عندي تعقيب يسير ارجو قبوله
    الشوكاني لم يعارض علم المناسبة ولم ينكره ,وإنما ينكر التكلف والتزام المناسبة في كل موضع ؛ والدليل على ذلك وجوده في تفسيره , فالناظر فيه يجد ذكره لكثير من المناسبات .
    وكذا العز بن عبد السلام فإنه لم ينكر ذلك وإنما انكر التزام ذلك في كل موضع وبتأمل كلامه يتضح ذلك .
    وهذا هو الحق لإن التزام ذلك مدعاة للتكلف ولهذا يذكر بعض المفسرين مناسبات , يتضح لك ضعفها عند ادنى تأمل .والله اعلم
    الدكتور أحمد بن محمد البريدي
    الأستاذ المشارك بجامعة القصيم

    تعليق


    • #3
      إضافة إلى تعقيب الأخ احمد البريدي أقول :
      إن الشيخ ولي الدين الملّوي لم يعارض علم المناسبة ولم ينكره بل على العكس من ذلك ولعل سبب نسبة هذا القول إليه هو بتر كلامه فهو يقول كما نقله عنه السيوطي في الاتقان 3/323 وقال الشيخ ولي الدين الملوي : قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المفرقة .... والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شي عن كونها مكملة لما قبلها أو متقلة ثم المتقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففي ذلك علم جم وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له .
      وأضيف أيضا أن كتاب السيوطي أسرار التنزيل يسمى أيضا قطف الأزهار في كشف الأسرار ذكره السيوطي في فهرست مؤلفاته وقال عنه كتب منه إلى سورة براءة مجلد ضخم . وتكلم عن محتواه في مقدمة تناسق الدرر وقد حققه د. أحمد الحمادي لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الإمام بالرياض وصدر ضمن مطبوعات إدار الشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف في قطر في مجلدين عام 1414

      تعليق


      • #4
        شكر الله لكما وبارك فيكما. وأتفق معكما فيما ذكرتما جزاكما الله خيراً.
        وقد وقعت أخطاء في ما كتبته في المشاركة رقم (1) بسبب العجلة والجهل بجوانب الموضوع كما ينبغي حين كتابته قبل مدة ، وعدم مراجعته قبل نشره ، والصحيح أن المذموم والمعارض هو التكلف والتعسف في تطلب المناسبات بين السور والآيات ، حيث إن هناك فريقاً من القائلين بعلم المناسبات يرون أنه يوجد بين كل آيتين متجاورتين مناسبة ولا بد ، وأن عدم ظهورها بسبب قلة علم الناظر فيها ، وليس لتباعد الحوادث وتغير الأغراض علاقة بذلك بل المناسبة لابد منها. وهذا هو الذي أنكره الشوكاني والعز بن عبدالسلام وغيرهم ، مع قولهم بالمناسبة بين بعض الآيات التي ظهرت لهم المناسبة بينها. والشوكاني قد اعترض على التكلف في تطلب المناسبات ، واستغرب صنيع البقاعي في (نظم الدرر) ، ثم هو نفسه يذكر المناسبات في مواضع متفرقة من تفسيره ، ويثني على البقاعي وعلى تفسيره في ترجمته له في البدر الطالع ، فيقول :(ومن أمعن النظر في كتابه المترجم له في التفسير الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علم المعقول والمنقول ، وكثير ما يشكل على شيء في الكتاب فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي وأرجع إلى هذا الكتاب – نظم الدرر - فأجد فيه ما يفيد في الغالب ).
        ولا شك أن القائلين بالتوسط في علم المناسبات كثيرون وهم الأغلب ، وهم يشيرون إلى تلك المناسبة كلما ظهرت لهم أماراتها.وأن القائلين بعدمها مطلقاً أو منعها مطلقاً قلة ، والحمد لله رب العالمين ، وجزاكم الله خيراً على تصويبكم وتصحيحكم ، نفعنا الله جميعاً بالعلم ، ورزقنا حسن العمل .
        عبدالرحمن بن معاضة الشهري
        أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
        amshehri@gmail.com

        تعليق


        • #5
          جزاكم الله خيرا

          جزاكم الله خيراً يا شيخ عبد الرحمن علي ردك علي موضوع الامام الرازي.
          وأنا أظن أن علم المناسبة يكون فتحا من الله للمفسر ليس أكثر ، و الله أعلم.
          عندي عدة أسئلة :
          1-بالنسبة لكتاب السيوطى هل طبع في مصر و نشر أم لا؟
          2-هل سمعتم عن كتاب نهاية التأميل في أسرار التنزيل للزملكاني ؟
          3-تفهيم القرآن للمودودي هل طبع و نشر في مصر و أين ؟
          و جزاكم الله خيراً.

          تعليق


          • #6
            3-تفهيم القرآن للمودودي هل طبع و نشر في مصر و أين ؟

            المشاركة الأصلية بواسطة عبد الحكيم
            جزاكم الله خيراً يا شيخ عبد الرحمن علي ردك علي موضوع الامام الرازي.
            وأنا أظن أن علم المناسبة يكون فتحا من الله للمفسر ليس أكثر ، و الله أعلم.
            عندي عدة أسئلة :
            1-بالنسبة لكتاب السيوطى هل طبع في مصر و نشر أم لا؟
            2-هل سمعتم عن كتاب نهاية التأميل في أسرار التنزيل للزملكاني ؟
            3-تفهيم القرآن للمودودي هل طبع و نشر في مصر و أين ؟
            و جزاكم الله خيراً.
            السلام عليكم
            معلوماتي عن ترجمات تفهيم القرآن
            ترجم خليل الحامدي المقدمة باسم مبادئ أساسية لفهم القرآن ط. الدار السعودية، وكذلك سورة الأحزاب غير مطبوع على شكل حلقات لمجله دار العروبة للجماعة الإسلامية
            ترجم أحمد إدريس من الجزء الأول : المقدمة وسورة البقرة من اللغة الإنكليزية وآل عمران من الأردو في مجلد واحد ط. دار القلم الكويت، والأحزاب على حدة ط. المختار الإسلامي القاهرة وعلى حد علمي بدون إجازة المؤلف
            ترجم محمد عاصم حداد سوره النور بأمر المؤلف ط. الدار السعودية
            وسمعت عن برنامج للجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد بشأن ترجمة تفاسير علماء شبه القارة الهندية
            أنتظر التفاعل

            تعليق


            • #7
              التناسب في أسلوب القرآن الكريم

              [align=center]د.حكمت الحريري
              رئيس قسم القرآن وعلومه، كلية التربية-جامعة إب، اليمن[/align]

              القرآن الكريم يستحوذ على السمع ويؤثر في النفوس سلباً أو إيجاباً، وذلك حسب طبيعتها فاجرةً أو تقيةً وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس:7-10]، فإن كانت فاجرةً فهي تنفر من القرآن وتشمئز منه، وإن كانت تقيةً فهي خاشعةٌ ووجلةٌ لذكر الله.
              فإن قيل: ما سر توجهك للحديث عن تأثير القرآن في النفوس واستحواذه على السمع قبل غيره من وجوه الإعجاز؟
              فأقول: لتدرك الحكمة في الخطاب الإلهي الذي يبدأ بذكر السمع قبل غيره من الحواس فقال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] ، وقال: وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78].
              فلتكن أيها العاقل ممن قال الله تعالى فيهم: رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آلعمران:193]، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ [الأنفال:21].
              ولا كالذي يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا [الجاثية:8] فأقبل ولا تخف، و قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [المائدة: 15-16].
              فدعنا نتأمل هذا البناء الإلهي المعجز تأملاً صادقاً، وننظر فيه بإمعانٍ فلا توغل في الدخول إليه دفعةً واحدة، بل خطوةً إثر خطوةٍ لتعقل ما تقف عليه وما تشاهده من أمور تثير إعجابك وتملك عليك سمعك وبصرك، تدبر في حدود سور هذا الكتاب العظيم، على الإطار العام فيها، ارتباط السورة بما قبلها وما بعدها، فهذا أحد أمور الإعجاز للقرآن الكريم.
              إذ أن القرآن نزل منجماً في أجزاءٍ طويلةٍ و أخرى قصيرةٍ خلال ثلاثٍ وعشرين سنةً، إلا أن هذه الأجزاء رتبت ترتيباً لا مثيل له على الإطلاق في أي كتابٍ من كتب الأدب أو العلوم التي هي من تصنيف البشر.
              فسور القرآن الكريم لم ترتب حسب موضوعاتـها، ولا حسب زمن نزولها، إنما للقرآن طريقته المستقلة المخالفة لما هو مألوفٌ عند البشر في الكتب والمصنفات.
              عندما كان ينـزل الوحي على الرسول بالآيات كان الرسول عليه الصلاة والسلام يأمر بعض من يكتب الوحي بوضعها في مواضع محددة من السور التي لم تكن قد اكتملت بعد، وبمجرد وضع الآية أو الآيات في موضعٍ ما فإنـها تبقى ثابتةً في موضعها الذي أمر عليه الصلاة والسلام بوضعها فيه من السورة دون أن يطرأ على ذلك الوضع تصحيحٌ أو تعديل، وهذا أكبر دليلٍ وأسطع برهانٍ على ربانية هذا الكتاب وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ [الشعراء:192-193]، وقال تعالى: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً.
              عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت عند رسول الله جالساً إذ شخص ببصره ثم صوّبه حتى كاد أن يلزقه بالأرض قال: ثم شخص ببصره فقال: "أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بـهذا الموضع من هذه السورة إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [1].
              قال الزركشي: فأما الآيات في كل سورةٍ ووضع البسملة أوائلها فترتيبها توقيفيٌ بلا شكٍ ولا خلاف فيه[2].

              ترتيب السور في القرآن الكريم:
              قد مرّ معنا أن ترتيب القرآن لا مثيل له على الإطلاق في الكتب والمصنفات، فلم يرتب حسب الترتيب الزماني ولا حسب الموضوعات إنما له طريقته الخاصة.
              لكن بعض العلماء غفر الله لهم يذكر أن ترتيب السور اجتهاديٌ بخلاف ترتيب الآيات، وبعضهم يذكر أن ترتيب السور بعضه توفيقي اجتهادي وبعضه توقيفي وعمدتـهم في ذلك الاستدلال بحديثٍ يرويه يزيد الفارسي عن ابن عباس و سنأتي للكلام على هذا الحديث.
              وبناءً على ما تقدم من قول بعضهم أن الترتيب توفيقي، فقد قالوا لا فائدة من البحث عن التناسب والارتباط بين الآيات والسور لأن القرآن نزل منجماً في مدة ثلاثٍ وعشرين سنةً وفي مناسباتٍ مختلفة.
              ولكن هذا الكلام لا يسلم من الاعتراض عليه بل يجنح عن الصواب إذا قلنا أن القرآن من أهم المعجزات الشاهدة على رسالة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام بل هي أبقى المعجزات وأبينها، ومعلوم بالبداهة أن حسن الترتيب من أكبر محاسن الكلام البليغ، ونحن نعتقد بأن القرآن معجزٌ فهل نرضى بأن يكون عارياً عن حسن الترتيب والتناسق ؟!!
              وكيف نترك النظر في فهم ارتباط معانيه وتناسق آياته وسوره وإتقان ترتيبها؟ والله أمرنا بتدبر هذا الكتاب الكريم فقال: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [ النساء 82 ]
              وقد وصف الله تعالى هذا الكتاب بكونه محكماً قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الزمر: 28]، وقال تعالى: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً [ الإسراء 106 ]
              فكونه أنزل على مدى سنين متطاولةٍ وبمناسباتٍ مختلفةٍ متفاوتة، فهذا دليل بين على إعجازه لأنه كلام عالم الغيب والشهادة: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء 88 ]
              وربما يحط عندك قدر خطيب مصقع أتى بفنون من البلاغة وأثر في النفوس بخلابة بيانه لمحض أنه ذهل عن ربط الكلام فهام من وادٍ إلى وادٍ، مع أنه معذور لأنه ألقى خطبته ارتجالاً ولم يعمل فيها النظر والروية، وما مؤاخذاتك لذلك الخطيب إلا لأن الكلام البليغ لا يحتمل سوء الترتيب، فإذا كان الأمر كذلك، أليس من الموقن بإعجاز القرآن أن يثبت حسن نظمه وإحكام ترتيبه وتناسق آياته وسوره؟![3]

              ماذا قال العلماء في موضوع التناسب والترتيب ؟
              - قال الفخر الرازي:
              "علم المناسبات علمٌ عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول".
              - وقال الزركشي:
              "وقال بعض مشايخنا المحققين: وقد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبةٌ لأنـها على حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنـها على حسب الوقائع تنـزيلاً وعلى حسب الحكمة ترتيباً، فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبةً سوره كلها و آياته بالتوقيف"[4].
              - وفي معترك الأقران للسيوطي:
              إذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها، ثم هو يخفى تارةً ويظهر أخرى. [1/52].
              - وقال السيوطي: علم المناسبة علم شريف قلّ اعتناء المفسرين به لدقته[5].
              - وقال الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني:
              إن القرآن تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذٌ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه، كأنه سبيكةٌ واحدةٌ ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك ولا تخاذل، كأنه حلقةٌ مفرغة، أو كأنه سمطٌ وحيد وعقدٌ فريد يأخذ بالأبصار، نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقاً لأوله، وبدا أوله مواتياً لآخره[6].
              - وقال الشيخ محمد عبد الله دراز:
              (أجل إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني حشيت حشواً وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي لو تدبرت بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسسٍ و أصول،ٍ وأقيم على كل أصلٍ منها شعب وفصول، و امتد من كل شعبةٍ منها فروعٌ تقصر أو تطول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيانٍ واحدٍ قد وضع رسمه مرةً واحدةً، لا تحس بشيءٍ من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيءٍ من الانفصال في الخروج من طريقٍ إلى طريقٍ، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نـهاية التضام، والالتحام، كل ذلك بغير تكلفٍ ولا استعانةٍ بأمرٍ من خارج المعاني أنفسها، إنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرضٍ ومقطعه وأثنائه يريك المنفصل متصلاً والمختلف مؤتلفاً[7].
              وغير هؤلاء من العلماء كثيرٌ من المتقدمين و المتأخرين الذين يهتمون بعلم التناسب والربط بين السور و الآيات.

              الأدلة من الكتاب والسنة على أن ترتيب السور توقيفي :
              والأدلة التي استند إليها العلماء القائلون بأن ترتيب السور توقيفي وليس اجتهادي، كثيرةٌ منها:
              قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ الحجر 9 ].
              وقوله: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود 1 ].
              وقوله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [ النساء 82 ].
              وقوله: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [القيامة:17]
              والجمع كما قال المفسرون على معنيين : جمعه في صدر النبي ، وجمعه بمعنى تأليفه.
              وفي الحديث عن عبد الله بن عباس قال : كان النبي أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلةٍ من شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة[8].
              وعن أبي هريرة قال: كان يعرض على النبي القرآن كل عامٍ مرةً فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف في كل عامٍ عشراً فاعتكف في العام الذي قبض فيه عشرين[9].
              وعن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملةً واحدةً إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً الإسراء 106 [10].
              وقال أوس بن حذيفة الثقفي: سألت أصحاب رسول الله كيف تحزّبون القرآن ؟ قالوا: ثلاثٌ وخمسٌ وسبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل وحده[11].
              وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: (يا رسول الله في كم أقرأ القرآن ؟ قال في شهر، قال: إني أقوى من ذلك. ردد الكلام أبو موسى وتناقصه حتى قال: اقرأه في سبع، قال: إني أقوى من ذلك. قال: لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث) [12].

              ردّ أدلة القائلين بأن ترتيب السور اجتهادي
              اعتمد القائلون بأن ترتيب السور مسألةٌ توفيقيةٌ اجتهادية على حديثٍ رواه يزيد الفارسي عن ابن عباس وهذا نصه:
              عن يزيد الفارسي قال: سمعت ابن عباس قال: قلت لعثمان بن عفان ما حملكم أن عمدتم إلى براءة وهي من المئين و إلى الأنفال وهي من المثاني فجعلتموها في السبع الطوال ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ؟
              قال عثمان: كان النبي مما تنـزل عليه الآيات فيدعو بعض من كان يكتب له ويقول له: ضع هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنـزل عليه الآية و الآيتان فيقول مثل ذلك وكانت الأنفال من أول ما نزل عليه بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنـها منها، فمن هناك وضعتهما في السبع الطوال ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم .
              هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وأحمد .
              قال الشيخ أحمد شاكر في تخريجه وتعليقه عليه في المسند رقم [399]: في إسناده نظرٌ كثيرٌ، بل هو عندي ضعيفٌ جداً، بل هو حديثٌ لا أصل له يدور إسناده في كل رواياته على (يزيد الفارسي) الذي رواه عن ابن عباس، تفرد به عنه عوف بن أبي جميلة الأعرابي . وهو ثقة.
              ثم قال الشيخ أحمد شاكر: فهذا يزيد الفارسي الذي انفرد برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولاً حتى شبّه على مثل ابن مهدي وأحمد والبخاري أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره البخاري في الضعفاء فلا يقبل منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيكٌ في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعي قراءةً وسماعاً وكتابةً في المصاحف وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه وحاشاه من ذلك فلا علينا إذا قلنا أنه حديثٌ لا أصل له تطبيقاً للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث .
              ثم قال الشيخ محمد أمين المصري بعد أن نقل كلام الشيخ أحمد شاكر وغيره من العلماء المحققين كالعلامة محمد رشيد رضا .
              قال: "وبعد هذا البحث الذي لا ندعي له الكمال و الاستيفاء نريد أن نخلص إلى أن الذي نؤمن به من غير ريبٍ أن الذي بين دفتيّ المصحف كتاب الله جل شأنه أنزله على نبيه لا مدخل للبشر في صفةٍ من أوصافه ولا في حرفٍ من حروفه ولا مجال للاجتهاد في ترتيب آياته ولا في ترتيب سوره بحيث أثبتت البسملة فإنما أثبتت بأمر الله، وحيث حذفت فإنما وقع ذلك بأمر الله".
              وإنما الريب في مثل هذه الرواية التي سبق ذكرها التي تحيط بـها الشكوك وتحفها الأوهام، ومن عجبٍ أن ينطلي أمر مثل هذه الرواية على بعض العلماء، كما مرّ لدى البيهقي والسيوطي ولعلهما أخذا بتحسين من حسنها وتصحيح من صححها والعصمة من الخطأ لله وحده[13]. أ.هـ .

              وهل من أدلةٍ أخرى للقائلين بعدم كون الترتيب توقيفياً ؟
              نعم، مما استدلوا به أيضاً اختلاف مصاحف الصحابة فمنهم من رتبها على حسب زمن النـزول كمصحف علي ، ومصحف عبد الله بن مسعود كان أوله سورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران.
              والجواب: أن تلك المصاحف مصاحف علمٍ وتأويل قصدوا بـها ضبط وقائعٍ معينةٍ، وكان فيها المنسوخ تلاوةً، فلم تكن تلك المصاحف مصاحف تلاوة .
              ولو كان ترتيب سور القرآن الذي جمع عثمان الناس على أساسه قائماً على الاجتهاد لما قبل هؤلاء الصحابة بتسليم مصاحفهم وعرضها للتحريق والتنازل عنها ولو كانت المسألة مسألة اجتهاد لتمسكوا باجتهادهم، إذ لا يلزم المجتهد أن يقلد مجتهداً آخر[14].

              أنواع التناسب في القرآن :
              مناسبة السورة للسورة التي تليها .
              التناسب بين مطلع السورة وختامها .
              المناسبة بين الآيات .
              الوحدة الموضوعية لكل سورة .
              التنسيق في تأليف العبارات بتخير الألفاظ ثم نظمها في نسقٍ خاصٍ يبلغ من خلالها أرقى درجات الفصاحة .
              ما الفائدة المرجوة من اعتبار ترتيب السور توقيفياً؟ وما الثمرة التي نجنيها من خلال التناسب والربط بين الآيات والسور ؟
              في إثبات توقيفية ترتيب سور القرآن إثباتٌ وتأكيدٌ لمعنى قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ فلم يكن حفظ القرآن وصونه موكول لأحدٍ من البشر .
              وفيه أيضاً ردٌّ للشبه التي يثيرها الروافض والمستشرقون حول جمع القرآن، والزيادة فيه والنقص منه كما يزعمون !! قبحهم الله .
              ومن ثمرات هذا العلم الالتفات إلى الحكمة من هذا الترتيب والاهتمام باستخراج المعاني و الحكم و لطائف النكات التي لا يتوصل إليها إلا بالتماس المناسبة والربط .

              كيفية التعرف على التناسب والربط بين السور والآيات، وبيان أسبابه :
              معرفة المناسبة و ارتباط السور والآيات بعضها ببعضٍ يتم من خلال الاعتبارات التالية:
              1- قد يكون الارتباط ظاهراً:
              2- قد لا يكون الارتباط ظاهراً، بل يبدو لأول وهلةٍ أن كل آية أو جملة مستقلةٍ عن الأخرى، وهاهنا : - إما أن تكون معطوفةٌ على الأولى بحرفٍ من حروف العطف المشتركة في الحكم، ويندرج في هذا ما يسمى ربط التضاد أو المقابلة، كأن يذكر نوعين متضادين، كذكر المؤمنين والكافرين، والخير والشر، والعلم والجهل، والظلمات والنور، وطريق الهداية وطريق الغواية، ومصير الكافرين ومصير الأتقياء المؤمنين، والظلم والعدل، والبخل و الإنفاق، والطيب والخبيث، وهذا كثير جداً في القرآن الكريم .
              - وإما أن لا تكون معطوفة، فلا بد من قرينةٍ معنويةٍ تؤذن بالربط ومن ذلك إلحاق النظير بالنظير، كما في قوله تعالى: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق في سورة الأنفال، فكراهيتهم لما فعله عليه الصلاة والسلام في قسمة الغنائم، ككراهيتهم للخروج للقتال .
              ومنه أيضاً : الاستطراد، وهذا يلاحظ في كثير من سور القرآن فإذا تحدث عن قصة آدم يستطرد لما يتبع ذلك من أمور[15] وكذلك في الحديث عن عصيان إبليس لربه، أو ذكر قصص الأنبياء وهكذا .

              وبعد هذا العرض النظري المسهب لموضوع التناسب وترتيب سور القرآن، فهذا أوان الشروع في بيان الأدلة لإثبات المناسبة[16].
              التناسب بين السور[17]:
              - وجه المناسبة بين سورة الفاتحة وأول سورة البقرة :
              أرشد الله تعالى عباده في سورة الفاتحة إلى أن يسألوه الهداية، بقوله: اهدنا الصراط المستقيم فاستجاب لهم سبحانه فقال: ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ، فهذا القرآن هو طريقة الهداية الكبرى .
              - وجه المناسبة بين آخر سورة البقرة وأول سورة آل عمران :
              ختمت السورة المتقدمة على سؤال النصر : وانصرنا على القوم الكافرين، وفي مفتتح هذه السورة بيّن نصرتـهم على الكفار باللسان والسنان .
              ووجه آخر للربط بين السور الثلاث ( الفاتحة – البقرة – آل عمران )، قال تعالى: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فالذين أنعم الله عليهم هم المؤمنون، والذين غضب الله عليهم هم اليهود ولذلك فقد كان الحديث عنهم وخطابـهم أكثر في سورة البقرة، والضالون هم النصارى فكثر خطابـهم في سورة آل عمران.
              - وجه الترابط بين آخر سورة آل عمران و أول سورة النساء :
              أن كليهما مشترك في الأمر بالتقوى، إذ انتهت سورة آل عمران على قوله تعالى: واتقوا الله لعلكم تفلحون وابتدأت سورة النساء بقوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم.
              ولما كثر ذكر الجهاد في السورتين السابقتين، ذكر في هذه السورة مسألةً هامةً لا يتحقق الجهاد بدونـها، هذه المسألة تتعلق بالعدالة الاجتماعية وهي إنصاف المرأة وإعطاؤها حقها ورعاية حقوق اليتامى و الأرامل والمساكين والرأفة بـهم والعطف عليهم وعدم ظلمهم، إذ الجهاد المشروع والنتيجة المرجوة منه لا يتحقق ما لم يكن المسلمون يداً واحدةً على العدو .
              - وجه التناسب بين آخر سورة الأعراف وأول سورة الأنفال :
              ختمت السورة المتقدمة بذكر الله في كل حال : واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين ، وبدأت سورة الأنفال بترك الانشغال بحطام الدنيا والسؤال عن الغنائم: إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.
              - وجه الارتباط بين آخر سورة الحجر وأول سورة النحل :
              قال تعالى في آخر سورة الحجر: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. وقال في أول سورة النحل: أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه أي ما دام أن أمر الله تعالى آتٍ فلا يضيق صدرك بما يقولون، فالذي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان من نطفةٍ ينـزل الملائكة بالروح على من يشاء من عباده فهو الذي يصطفى الرسل .
              - وجه التناسب بين آخر سورة الواقعة وأول سورة الحديد :
              قال تعالى في آخر سورة الواقعة: فسبح باسم ربك العظيم ، وقال في أول سورة الحديد: سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم فالمناسبة والارتباط ظاهر .
              - وجه التناسب بين آخر سورة التحريم و أول سورة تبارك :
              لما ثبت في السورة المتقدمة (التحريم) أن نوحاً ولوطاً مع كونـهما من الأنبياء لم يستطيعا أن ينقذا أزواجهما من النار، ولم يباركا فيهما.
              وأن فرعون رغم جبروته وسعة ملكه وقوة سطوته لم يستطع أن يخضع زوجته ويجعلها تابعةً لكفره وشركه فقد باركها الله، و أن مريم بنت عمران باركها الله واصطفاها على نساء العالمين، فثبت أن البركة كلها إنما هي بيد الله لا يشاركه فيها أحد، فـ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير.
              التناسب بين السور من القارعة إلى الناس :
              ذكر في سورة القارعة أحوال الساعة وشدائدها، وبعد ذكر هذه الشدائد الآتية في الساعة كان لكم أن تعتبروا وتتعظوا وتعملوا الصالحات ولكن ( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ) .
              وبعد بذل الجهد في التكاثر، فإن حصل لأحد مال كثير يزعم أنه فاز كلا والعصر ، إن الإنسان لفي خسر، فالفائزون هم المؤمنون الذين وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
              أما المكتنـزون مالاً فـ ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده فلو كان المال يغني عن أحد لأغنى عن أصحاب الفيل ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل وبعد ذكر ما أحله الله بأصحاب الفيل، فهذه نعمةٌ من الله على أهل قريش لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف.
              ومن أنعم الله عليه إذ أطعمهم من جوعٍ وآمنهم من خوف، عليه أن ينفق في سبيل الله ويرعى اليتيم ويحض على طعام المسكين ولكنهم كذبوا بالدين، أرأيت الذي يكذب بالدين وهذا شأن كفار قريش و أما النبي r فقد كان يصل الرحم وينصر المظلوم ويعين على نوائب الحق فـ إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر.
              فاقطع موالاتـهم و قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون.
              وهذا أوان تمام دينك وكماله وقد جاء الحق وزهق الباطل إذا جاء نصر الله والفتح فقد حان وقت ارتحالك من الدنيا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا.
              وإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فقد ثبت أن تبت يدا أبي لهب وتب، ما أغنى عنه ماله وما كسب. فأعلن ما جئت به قل هو الله أحد، الله الصمد.
              و قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس.
              وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


              ---الحواشي -------
              [1] - مسند أحمد: رقم الحديث [17842].
              [2] - البرهان [1/256].
              [3] - انظر دلائل النظام ص39 لعبد الحميد الفراهي.
              [4] - البرهان [1/37].
              [5] - معترك الأقران في إعجاز القرآن [1/43].
              [6] - مناهل العرفان [1/53].
              [7] - النبأ العظيم [195].
              [8] - صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن. باب كان جبريل يعرض القـرآن على النبي . رقم الحديث [4997].
              [9] - صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن. باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي . رقم الحديث [4998].
              [10] - رواه بن كثير في فضل القرآن وصحح إسناده.
              [11] - رواه أبو داود.كتاب شهر رمضان. حديث رقم [1390] وفي المسند برقم [16111].
              [12] - رواه أبو داود. كتاب شهر رمضان.حديث رقم [1387].
              [13] - من هدي سورة الأنفال ص21، 22 .
              [14] - انظر الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن وسوره . د/ محمد أحمد يوسف القاسم .
              [15] - انظر معترك الأقران في إعجاز القرآن [1/45،46] .
              [16] - المراجع التي اعتمدت عليها في استخراج المناسبات ( تفسير الرازي وسبق الغايات في نسق الآيات لأشرف علي التهانوي: وأنوار التبيان في إسرار القرآن للقاضي شمس الدين بن شير محمد .
              [17] - اقتصرت على ذكر بعض الأدلة للتناسب من مواضع مختلفة في القرآن، من أوله ووسطه وآخره، وسأفرد هذا الموضوع برسالة مستقلة تشمل جميع السور إن شاء الله تعالى .

              المصدر .
              عبدالرحمن بن معاضة الشهري
              أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
              amshehri@gmail.com

              تعليق


              • #8
                عِلْمُ المُنَاسَبَات في القرآن

                [align=center]د. محمد بن عبد العزيز الخضيري[/align]
                [align=center]الأستاذ المساعد بكلية المعلمين بالرياض[/align]

                من المألوف لدى كل قارئ لكتب التفسير أن يجد المفسِّر يكاد ألاَّ يغفل عن ذكر المناسبة بين الآية والتي بعدها، أو السورة والتي تليها، أو الحكم وما قارنه من أسماء الله وصـفـاتـــه، ونحــو ذلـك، ولـم يـدُرْ بخلـد كثير من القراء أن هذا العلم علم عظيم حظي بعناية العلماء واهتمامهم وأفردوا له المؤلفات تحقيقاً أو تطبيقاً.
                وفيما يلي ـ أخي القارئ ـ إطلالة عابرة تبين لك جوانب هذا العلم، وتعرفك بمقاصده، وتكشف لك أنواعه وتاريخه وأهم المؤلفات فيه .

                تعريفه:
                المناسبة في اللغة: المقاربة والمشاكلة(1).
                ويعــرف اصطلاحاً بأنه: علم تعرف به وجوه ارتباط أجزاء القرآن بعضها ببعض، وقولُنا: (أجزاء القرآن) شامل للآية مع الآية، والحكم مع الحكم، والسورة مع السورة، والقصة مع القصة، وكل جزء من القرآن مع ما قارنه.
                أهميته وأقوال العلماء فيه:
                لقد أبان العلماء فيما سطروه بجلاءٍ عــــن أهمية هذ العلم وعظيم الفائدة بمعرفته حتى قال الفخر الرازي: "أكثر لطائف القرآن مودَعة في الترتيبات والروابط"(2).
                وقال الزركشي: "واعلم أن المناسبة علم شـريــف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول"(3).
                أمــــا القاضي أبو بكر بن العربي فقد كشف عن منزلة هذا العلم بقوله: "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكون كالكلمة الواحدة متسعة المعاني، منتظمة المباني... علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله ـ ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلَةً ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه"(4).
                وقال الرازي: "علم المناسبات علم عظيم أودعت فيه أكثر لطائف القرآن وروائعه، وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول"(5).
                وقال في تفسير سورة البقرة: "ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن الـقــــرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضاً بسبب ترتيبه ونظم آياته"(6).
                وقال البقاعي مبيناً فائدة جليلة من فوائد معرفة هذا العلم: "وبهذا العلم: يرسخ الإيمان في القلب ويتمكن من اللب؛ وذلك أنه يكشف أن للإعجاز طريقتين:
                إحداهما: نظم كل جملة على حيالها بحسب التركيب.
                والثانية: نظمها مع تاليتها بالنظر إلى الترتيب. والأول أقرب تناولاً وأسهل ذوقاً؛ فإن كل من سمع القرآن مـن ذكـي وغـبـي يـهـتــز لمعانيه وتحصل له عند سماعه روعة بنشاط مع انبساط لا تحصل عند سماع غيره، ثم إذا عـبـر الفطن من ذلك إلى تأمُّل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متنائية المقاصد، فظن أنها متنافرة، فحصل له من القبض والكـــرب أضعاف ما حصل له بالسماع من الهزّ والبسط، ربما شككه ذلك وزلزل إيمانه؛ فإذا استعان بالله وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز والوقوف بأنه في الذروة من إحكام الربط كما كان في الأوج من حسن المعنى، فانفتح له ذلك الباب، ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار رقص الفكر منه طرباً وشاط لعظمة ذلك جنانه، ورسخ من غير مرية إيمانه"(7).

                أول من أظهره، وأهم المؤلفات فيه:
                يعد العلـمـاء أبا بكر النيسابوري (ت 324هـ) أول من أظهر علم المناسبات في بغداد، وكان يزري على عـلـماء بغداد لجهلهم وجوه المناسبة بين الآيات، وكان إذا قرئت عليه آية أو سورة يقول: لِمَ جُعلت هذه الآية إلى هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة(8).
                وهذه الأولية إنما هي باعتبار شدة العناية والتعليم؛ وإلا فالمتتبع لتفاسير السلف حتى من الصحابة يجدهم يتحدثون أحياناً عن المناسبات في بعض المواطن وإن كانت قليلة.
                وقد ذكرنا آنفاً كلمة ابن العربي حين تكلم في هذا العلم وشكواه من بطالة النقلة.

                أما المؤلفات فيه فهي على ثلاثة أقسام:
                القسم الأول: من أفرده بالتصنيف ، ومن أشهرهم:
                1 - أبو جعفر بن الزبير الأندلسي ( ت 807 هـ) في كتابه: "البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن".
                2 - السيوطي (ت 911 هـ) في كتابه: "تناسق الدرر في تناسب السور".
                3 - عبد الله الغُمَاري في كتابه: "جواهر البيان في تناسب سور القرآن".
                وأعظم من كتب في هذا العلم وأشفى على الغاية القصوى فيه، وغدا مرجعاً لا يستغنى عنه فـيـه هـــــــو برهان الدين البقاعي (ت 885 هـ) في كتابه: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور" حـيــــث ذكر المناسبات بين آيات القرآن وسوره كلها وبلغ كتابه اثنين وعشرين مجلداً.

                الـقـســم الثاني: الذين جعلوه نوعاً من علوم القرآن الكريم وتحدثوا عنه في باب من كتبهم، ومن أشهرهم:
                1 - الزركشي في كتابه: "البرهان في علوم القرآن" فقد جعله النوع الثاني من كتابه الكبير.
                2 - السيوطي في كتابه: "الإتقان" وقد جعله في النوع الثاني والستين.

                القسم الثالث: الـمـفـسـرون الـذين عُنُوا بذكر المناسبات في تفاسيرهم، ومن أشهرهم:
                1- الفخر الرازي في تفسيره الكبير: "مفاتيح الغيب".
                2- أبو السعود في تفسيره: "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم".
                3- سيد قطب في كتابه: "في ظلال القرآن" حيث كان يفتتح تفسير السورة بذكر موضوعها العام، ثم يربط بين مقاطع السورة على ضوء ما ذكره من موضوعها وجوّها العام.

                فوائد هذا العلم: لهذا العلم فوائد، ومن أهمها:
                1- أنه يزيل الشك الحاصل في القلب بسبب عدم التأمل في دقة النظم وإحكام الترتيب، وقد تقدم كلام البقاعي في هذه القضية(9).
                2 - أنـــه يـفـيــد في معرفة أسرار التشـريع وحِكَم الأحكام وإدراك مدى التلازم التام بين أحكام الشريعة؛ فـإذا قرأت قوله ـ تعـالـى ـ: ((قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم)) [النور: 30] وتعرفت على المناسبة بين الأمر بغض البصر وحفظ الفرج علمت ما بينهما من التلازم والتلاؤم؛ فحفظ الفرج لا يتم إلا بغض البصر، ومن أطلق بصره في الحرام فحري أن تزلَّ قدمه في الآثام.
                3- أنه يعين على فهم معنى الآيات وتحديد المــراد منهــا، ومــن ذلك: خلاف المفسرين في معنى قوله ـ تعالى ـ : ((والصافات صفا)) [الصافات: 1]، فقال قوم: هي الملائكة، وهذا قول الجمهور، وقـال آخــــرون: هي الطير، والصـحـيــح الأول؛ وذلك لأنا لو بحثنا عن المناسبة بين أول السورة وخاتمتها لوجدناه ذكر في الخاتمـة في معرض حديث الملائكة عن أنفسهم: ((وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون)) [الصافات: 165، 166].
                4- وبه يتبين لك سر التكرار في قصص القرآن، وأن كل قصة أعيدت في موطن فلمناسبتها ذلـك الـمـوطــن، ولذلك ترى اختلافاً في ترتيب القصة ونظمها بحسب المناسبة وإن كانت متحدة في أصل المعنى(10).

                قواعد في علم المناسبات:
                عـلم المناسبات كغيره من العلوم له قواعد وضوابط ينطلق منها المتحدثون فيه، ومنها:
                الأولى: في كيفية التعرف على المناسبات في السورة جملة:
                قــال المشرالي المغربي: "الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تـنـظـر الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتـنـظــــر عـنـد انـجـرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابـعـــة له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها؛ فهذا هـــــو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، وإذا فعلته تبين لك ـ إن شاء الله ـ وجه النظم مفصلاً بين كل آية وآية في كل سورة"(11).
                وقد لخص البقاعي تجربته فـي الـتـعــرف على المناسبة فقال: "تتوقف الإجادة فيه على معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فـيـهـــا، ويفيد ذلك معرفة المقصود من جميع جملها؛ فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير نسبة علم البيان من النحو"(12).
                والـمـتأمل لما كتبه سيد قطب في ـ ظلاله ـ يجده سار على هذا المنوال في بيان أوجه الربط بين مقاطع السورة.
                الثانية: قال الزركـشي: "وعادة القرآن العظيم إذا ذكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً ووعيداً؛ ليكون ذلـك باعثاً على العمل بما سبق، ثم يذكر آيات التوحيد والتنزيه؛ ليُعلم عظم الآمر والناهي، وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها تجده كذلك"(13).
                الثالثة: المزاوجة بين الوعد والوعيد، والبشارة والنذارة، والترغيب والترهيب؛ وفي ذلك من الحكمة والمناسبة ما هو بيِّن لكل متأمل.
                الرابعة: قال السيوطي: إن عـــادة القرآن إذا ذكر الكتاب المشتمل على عمل العبد؛ حيث يعرض يوم القيامة أردفه بذكر الـكـتـاب المشتمل على الأحكام الدينية في الدنيا التي تنشأ عنها المحاسبة عملاً وتركاً، كما قال فـي سورة الكهف: ((ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه...)) [الكهف: 49] إلى أن قال:((ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل... )) [الكهف: 54].
                والقواعد في هذا الباب كثيرة ومثيرة، وليس هذا موطن استقصائها.

                أنواع المناسبات:(14)
                للمناسبات في القرآن ثلاثة أنواع:
                الأول: المناسبات في السورة الواحدة.
                الثاني: المناسبات بين السورتين.
                الثالث: مناسبات عامة.
                ولـكــل نــــوع من هذه الأنواع أقسام كثيرة وسنقتصر في هذه العجالة على بعضٍ منها، مما يتضح به المقصود وينفتح به الباب للطالب الراغب.
                النوع الأول: المناسبات في السورة الواحدة، ويتضمن أقساماً، ومنها:
                أولاً: المناسبة بين أول السورة وخاتمتها:
                مثاله: قوله ـ تعالى ـ: في أول ســـورة البقرة: ((الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون)) [البقرة: 3]، ثم قال في آخر السورة: ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله... ))[البقرة: 285] فهو في أول السورة يذكر صفات المتقين التي يتميزون بها وفـي آخــــر السورة يبين أن الرسول والذين آمنوا معه قد امتثلوا تلك الصفات وتحلوا بها.
                مـثـال آخــــــر: في سورة (المؤمنون) افتتح السورة بذكر فلاح المؤمنين ((قد أفلح المؤمنون)) [المؤمنون: 1]، واختتمها بنفي فلاح الكافرين ((ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون)) [المؤمنون: 117].

                ثانياً: المناسبة بين الآية والتي تليها:
                مـثـالـــه: قوله ـ تعالى ـ: إياك نعبد وإياك نستعين الفاتحة: 5 فإنه لما ذكر في أول السورة استحقـاق الله ـ تـعــالى ـ لكل المحامد، وكونه رباً للعالمين، وهو الرحمن الرحيم، وهو مع كل هذا الملك المتصـرف في اليوم الذي لا ملك فيه لأحد إلا لله.. كان من شأن كل عاقل أن يُقبِل على مَنْ هذه صـفـاتــه وتلك عظمته معترفاً بالعبودية له والذل الكامل لجنابه العظيم ملتجئاً إليه طالباً منه العون والمدد، ثم إنه لما حمد وأثنى ومجّد واعترف بالعبودية ناسب أن يستشرف للطلب من ذلك الرب المستعان، فيقول: ((اهدنا الصراط المستقيم)) [الفاتحة: 6].

                ثالثاً: المناسبة بين حكمين في الآيات أو الآية:
                وذلك كما في آيــات الاستئذان حين أعقبها بالأمـر بغض البصر؛ فإن الاستئذان إنما جعـل مــن أجــل أن لا يقع بصر المستأذن على عورة، ولو صادف أن وقع فإن على المستأذن أن يـغـــض البصر، ثم إن العلاقة بين الحكمين بيِّنة؛ إذ فيهما ذكر ما تكون به العفة وحفظ العورات في المجتمع المسلم.
                والمناسبة بين الأمر بحفظ الفرج والأمر بغض البصر تقدمت ـ فيما سبق ـ، وهما حكمان في آية واحدة.

                رابعاً: المناسبة بين اسم السورة ومضمونها:
                مثاله: المناسبة بين مضمون سورة الكهف واسمها؛ فإن السورة قد ذكرت أنواع الفتن التي تمر بالمرء؛ إذ ذكرت فيها الفتنة في الدين في قصة الفتية، وفتنة الجلساء في قوله:((واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي...)) [الكهف: 28]، وفـتـنــــة المال في قصة صاحب الجنتين، وفتنة العلم فـي قــصـة مـوسـى والخـضـــر، وفتنة السلطان في قصة ذي القرنين، وفتنة القوة والكثرة في خبر يأجوج ومأجوج، وذكرت هذه السورة المخرج من كل واحدة من هذه الفتن؛ فكأنها كهف لمن اعتصم بها من الفتن، وقد قال رسول الله : "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال"(15).

                النوع الثاني: المناسبات بين السورتين: ويتضمن أقساماً منها:

                أولاً: المناسبة بين فاتحة السورة وخاتمة التي قبلها:
                مثاله: في آخر سـورة الإســــراء قـال تـعـالـى: ((وقــل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا...)) [الإسراء: 111]، وفي أول سورة الكهف التي تليها قال: ((الـحـمـد لله الـذي أنـزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا... )) [الكهف: 1].
                مثال آخر: في آخر سورة الطور قال: ((ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم)) [الطور: 49]، وفي أول سورة النجم قال: ((والنجم إذا هوى)) [النجم: 1].

                ثانياً: المناسبة بين مضمون السورة والتي تليها:
                مثاله: في سورة الضحى ذكرٌ للـنـعـم الحـسـيـة على رسول الله ، وفي سورة الشرح ذكر للنعم المعنوية عليه.
                مثال آخر: في ســورة الـبـقــــرة ذكـــر للطوائـف الثلاث: المنعم عليهم ويمثلهم المسلمون، والمغضوب عليهم ويمثلهم اليهود، والـضــالـون ويمثلهم النصارى. وقد ذكر في سورة البقرة الطائفتين الأوليين بما هو ظاهر، وفي سورة آل عمــران ذكر الطائفة الثالثة فيما يزيد على "120" آية من أولها.

                النوع الثالث: مـنـاسبات عامة:
                وهي المناسبات التي يذكرها العلماء مطلقة في القرآن وهي كثيرة جداً أذكر منها نموذجاً للبيان.
                - افتُتحت سورتان بقوله: يا أيها الناس وهما: سورتا النساء، والحج، وذكر في الأولى بدء الخلق والحياة للإنسان: ((يا أيـهـــا الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء)) [النساء: 1]، وفـي سـورة الحج ذكر لنهاية هذه الحياة وبداية حياة أخرى: ((يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)) [الحج: 1].

                شبهة وجوابها:
                قد يـقـــول قـائـــل: كيف تطلب المناسبات بين الآيات والسور علماً بأنها نزلت مفرقة كل واحدة منها في زمن يخالف زمن الأخرى، وفي قضية مغايرة لمضمون ما جاورها؟ وقد أجاب عن هذا التساؤل الزركشي فيما نقله عن بعض مشايخه المحققين فقال: "قد وهم من قال: لا يطلب للآية الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة؛ وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلاً وعلى حسب الحكمة ترتيباً؛ فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف"(16).
                ويزيد هذا الجـــــواب إيضاحاً الشيخ محمد عبد الله دراز فيقول: "إن كانت بعد تنزيلها جمعت عن تفريق فـلـقـــــد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع، كمثل بنيان كان قائماً على قواعده فلما أريد نقله بصـــورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته ثم فُرِّق أنقاضاً، فلم تلبث كل لبنة أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصاً يشد بعضه بعضاً كهيئته أول مرة"(17).
                وبعدُ ـ أخي القارئ ـ فهذه كلمات وجيزة أردت بها تعريفك بعلم تفيدك معرفته والاطلاع على حقيقته، واللهَ أسأل أن أكون موفقاً في بلوغ الهدف وتحقيق المقصود.
                الهوامش:
                (1)الإتقان للسيوطي ،2/139.
                (2)انظره في: البرهان، للزركشي، 36، والإتقان 2/138.
                (3)البرهان: 35.
                (4)البرهان:36، وانظر الإتقان: 2/136.
                (5)انظر البرهان: 35.
                (6)نظم الدرر: 1/9، والإتقان:2/138.
                (7)نظم الدرر: 1/10ـ12.
                (8)أنظر: البرهان، للزركشي: 36.
                (9)انظر أيضا: البرهان:36.
                (10)انظر: نظم الدرر: 1/14.
                (11)نقله السيوطي في الإتقان 2/141 عن بعض المتأخرين.
                (12)نظم الدرر:1/6.
                (13)البرهان:40.
                (14)انظر: مباحث في التفسيرالموضوعي: 68وما بعدها.
                (15)رواه مسلم،ح/809.
                (16)البرهان:37.
                (17)مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم، 57.

                المصدر Cd مجلة البيان
                عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
                amshehri@gmail.com

                تعليق


                • #9
                  بحوث ذات صلة ..

                  - نظرية الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم في كتاب الأساس في التفسير للدكتور أحمد الشرقاوي .

                  - موقف الإمام الشوكاني من المناسبات للدكتور أحمد الشرقاوي .
                  عبدالرحمن بن معاضة الشهري
                  أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود
                  amshehri@gmail.com

                  تعليق


                  • #10
                    بارك الله فيكم
                    قناة روح الكتب على التيليجرام فوائد متجددة


                    https://telegram.me/Qra2t

                    تعليق


                    • #11
                      [align=justify]ذكر بعض أهل العلم عن أبي علي الفارسي أنه قال: ((القرآن كله كالسورة الواحدة))[/align]
                      د. يوسف بن عبد الله العليوي
                      قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
                      جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

                      تعليق


                      • #12
                        لكي نفهم قول من رفض المناسبات فهما سليما لابد أن نعرف أنواع هذا العلم عندهم وعلى ماذا يغلب إطلاق "علم المناسبات" من هذه الأنواع ؟
                        فهذا العلم كما يبدو لي كان يطلق غالبا على الآتي :
                        - مناسبة أوائل السور لأواخرها
                        - مناسبة آخر السور وتناسقها مع التي تليها
                        - تناسق أجزاء السورة الواحدة
                        ونحو ذلك
                        وللسيوطي ثلاثة عشر وجها هي :
                        الوجه الأول : بيان مناسبات ترتيب سوره وحكمة وضع كل سورة منها
                        الوجه الثاني : إن كل سورة شارحة لما أجمل في السورة التي قبلها .
                        الوجه الثالث : وجه اعتلاق فاتحة السورة وخاتمة التي قبلها .
                        الوجه الرابع : مناسبات مطلع السورة للمقصد الذي سيقت له ؛ وتلك براعة الاستهلال .
                        الوجه الخامس : مناسبات أوائل السور لخواتيمها .
                        الوجه السادس : مناسبات ترتيب آياته واعتلاق بعضها ببعض وارتباطها وتلاحمها وتناسقها .
                        الوجه السابع : بيان أساليبه في البلاغة وتنوع خطاباته وسياقاته .
                        الوجه الثامن : بيان ما اشتمل عليه من المحسنات البديعية على كثرتها ؛ كالاستعارة والكناية والتعريض والالتفات والتورية والاستخدام واللفّ والنشر والطباق والمقابلة والمجاز بأنواعه والإيجاز والإطناب وغيرها
                        الوجه التاسع : بيان فواصل الآي ومناسبتها للآي التي ضمنت بها .
                        الوجه العاشر : مناسبة أسماء السور .
                        الوجه الحادي عشر : بيان أوجه اختيار مرادفاته دون سائرها .
                        الوجه الثاني عشر : بيان القراءات المختلفة مشهورها وشاذها وما تضمنته من المعاني والعلوم ، فإن ذلك من جملة وجوه إعجازه .
                        الوجه الثالث عشر : بيان وجه تفاوت أوجه الآيات المتشابهة من القصص وغيرها بالزيادة والنقص والتقديم والتأخير وإبدال لفظة مكان أخرى ونحو ذلك .
                        ولعل القارئ لا يخفى عليه - في تقسيم الإمام السيوطي هذا - كثير من أنواع الخلل المنهجي التي منها :
                        1- عدم وجود رابط منهجي جامع بين هذه الوجوه على اختلافها .
                        2- إقحام كثير من الأنواع التي لا معنى لدخولها في هذا المضمار ؛ نحو براعة الاستهلال وتنوع خطابات القرآن وسياقاته والمحسنات البديعية والفواصل وأسماء السور والقراءات ونحوها .
                        3- إغفال كثير من الوجوه التي ذكرتها كتب البلاغيين ودارسي الإعجاز والمتكلمين والمفسرين وغيرهم .
                        ولكن الأشكال الثلاثة الأولى – كما يبدو - كانت هي الغالبة في هذا العلم ، ولذلك أدلة منها الآتي:
                        1- ذكر العلماء أن أول من أفرد هذا العلم بالتصنيف أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الأندلسي المتوفي سنة 708 هـ وهو صاحب كتاب "البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن" والحق أن ابن الزبير - هذا العالم المتأخر - لم يكن هو أول من صنف في التناسب، ولا شك أن الذين زعموا ذلك لم يراعوا كافة أشكال التناسب ؛ بل حصروا هذا العلم في أشكال معينة وضربوا صفحاً عن التناسب بين المفردات والتناسب بين الجمل والآيات وغيرها ، وإلا فإن النظم - الذي هو إيجاد المناسبة وإقامة الروابط بين المفردات في التركيب بصورة معينة - يعدّ أهم أنواع التناسب التي اهتم بها العلماء وأقدمها .
                        2- ذكر الشوكاني أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف ، أي: اخترعوا هذا العلم ولم يكن موجودا من قبل ، ومثّل لهولاء المفسرين بالشيخ الإمام برهان الدين البقاعي صاحب كتاب "نظم الدرر في تناسب الآي والسور " الذي مات سنة 885 هـ وركز في هجومه على مناسبة السور لأوائل التي تليها ومناسبة أجزاء السورة الواحدة
                        والشوكاني عندما رفض هذا العلم كان يتعرض لأقوى نوع من تلك الأنواع الثلاثة وهو المناسبة بين أجزاء السورة الواحدة ؛ فرفض الربط بين قصة بني إسرائيل وبين قصة آدم في سورة البقرة ، وهذا الموضع هو الذي دعاه لصب جام غضبه على هذا العلم الجليل ، ولم يكن رد الإمام الشوكاني في هذا الموضع قويا بحال ، وبعد ذلك رفض الشوكاني الربط بين السور حسب الترتيب المصحفي لأن ترتيب النزول ليس كذلك
                        وحتي يتضح الأمر إليك قول الشوكاني بتمامه:
                        (اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أن قبضه الله عز و جل إليه وكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا وتحليل أمر كان حراما وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله وتارة يكون الكلام مع المسلمين وتارة مع الكافرين وتارة مع من مضى وتارة مع من حضر وحينا في عبادة وحينا في معاملة ووقتا في ترغيب ووقتا في ترهيب وآونة في بشارة وآونة في نذارة وطورا في أمر دنيا وطورا في أمر آخرة ومرة في تكاليف آتية ومرة في أقاصيص ماضية وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الإختلاف ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون والماء والنار والملاح والحادي وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة وتبين الأمر الموجب للارتباط فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبا على هذا الترتيب الكائن في المصحف فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب وأيسر حظ من معرفته يعلم علما يقينا أنه لم يكن كذلك ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول المطلعين على حوادث النبوة فإنه ينثلج صدره ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلا عن المطولة لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل اقرأ باسم ربك الذي خلق وبعده يا أيها المدثر يا أيها المزمل وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف ؟ وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزل الله متأخرا وتأخر ما أنزله الله متقدما فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته وأحقر فائدته بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ولا على من يقف عليه من الناس وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا وأخرى هجاءا وحينا نسيبا وحينا رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد والخطبة التي في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله متلاعبا بأوقاته عابثا بعمره الذي هو رأس ماله وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي وأنزله بلغة العرب وسلك فيه مسالكهم في الكلام وجرى به مجاريهم في الخطاب وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متخالفة وطرائق متباينة فضلا عن المقامين فضلا عن المقامات فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا وكذلك شاعرهم ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم فإذا قال متكلف : كيف ناسب هذا ما قبله ؟ قلنا : لا كيف :
                        ( فدع عنك نهبا صيح في حجراته ... وهات حديثا ما حديث الرواحل )
                        وكلام الشوكاني هذا تهدمه أمور كثيرة منها :
                        - إن الترتيب الذي على المصحف هو ترتيب إلهي نزل به القرآن إلى بيت العزة كما هو معلوم ، وهذا النزول بخلاف النزول التنجيمي الذي به نزل القرآن إلى الأرض ؛ يقول الإمام القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر على ما بيّناه جملة واحدة ؛ فوضع في بيت العزة في سماه الدنيا ؛ ثم كان جبريل (r) ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي والأسباب ؛ وذلك في ثلاث وعشرين سنة " ولو لم يكن هذا الترتيب مقصوداً لصحّ نفي التناسب ؛ ولهذا يقول الشيخ ولي الدين الملوي (قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المفرقة ، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا ؛ فالمصحف على وفق ما في اللوح المحفوظ مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف كما أنزل جملة إلى بيت العزة .... وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها)
                        - إن هذا الترتيب ترتيب توقيفي لا يمكن الاجتهاد في تغييره ، والقارئ للقرآن إنما يقرأه بحسب هذا الترتيب لا بغيره ، ومعلوم أن العلماء قد أنكروا تقديم السورة المؤخرة وتأخير السورة المقدّمة وسموا ذلك تنكيسا ، ولو لم يكن الترتيب مقصودا لما كان لهذا الإنكار من معنى
                        - كان حمزة القارئ يعدّ القرآن بمنزلة السورة الواحدة ، وكان كثير من القراء يرون وصل السور بسكت وبلا سكت ولهم في ذلك مذاهب، ولأجل ذلك فإن هذا الترتيب إنما قصد لأجل التناسب والارتباط .
                        - يقول الإمام القرطبي : "قال قوم من أهل العلم : إن تأليف سور القرآن على ما هو عليه في مصحفنا كان توقيفا من النبي (r) فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف ؛ فكله عن محمد خاتم النبيين عن رب العالمين ، فمن أخّر سورة مقدّمة أو قدّم أخرى مؤخّرة كمن أفسد الآيات وغيّر الحروف والكلمات"
                        - ذكر الشوكاني أن القرآن قد نزل على طريقة العرب ، وهذا أمر معلوم لا ينكره أحد، ولكن نزوله على لغة العرب لا يلزم عنه أن يكون تناسبه ونظمه ومعانيه كتناسب الأشعار أو الخطب وكنظمها ومعانيها ؛ فإذا كانت خطب العرب مع بعضها غير متناسبة - فليس بالضرورة أن يكون القرآن كذلك ، ومعلوم يقينا أن القرآن - وإن كان جارياً على طريقة العرب - إلا أنه فائق لكل أشكال الكلام العربي ، وإلا لم يكن لادعاء الإعجاز من معنى .
                        وما ذكره بعض العلماء كالشرقاوي في كتابه القيم " موقف الإمام الشوكاني من المناسبات" من أن الإمام الشوكاني قد (كان يستعين في فهم المعنى أو الترجيح بين الآراء أو استجلاء الحكم بالسياق العام للآيات وفي هذا ما يدل على تسليمه بوجود ترابط وتناسب بين الآيات على ضوئه يسترشد ) فيه نظر إذ إن الشوكاني وغيره لم يكونوا يعدون السياق والنظم وارتباط الجمل القريبة – الذي لا يستطيع أحد إنكاره- من وجوه هذا العلم
                        ولكن يبدو لي أن الشوكاني قد عرف خطأه وأدرك قيمة جهد البقاعي فتراه يمدحه فيقول" ومن أمعن النظر في كتابه المترجم له في التفسير الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علم المعقول والمنقول ، وكثير ما يشكل على شيء في الكتاب فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي وأرجع إلى هذا الكتاب - نظم الدرر - فأجد فيه ما يفيد في الغالب "
                        وفي ذلك الموضع الذي هاجم فيه الشوكاني البقاعي تراه يقول (كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته) وهذا السياق يشير إلى أن الشوكاني عندما هاجم هذا العلم لم يكن يعرف أهله إلا من خلال كتاب البقاعي .
                        ثم ترى الشوكاني قد عاد وربط بين سورة الحج والأنبياء ثم بين الفيل وقريش وربط بين قصة وأخرى ، وهذه الأشكال هي الأشكال التي رفضها بعينها ووصفها بالمتكلفة
                        فهل فعل ذلك لأنه اكتشف قيمة علم المناسبة أم كان رفضه لأجل التكلف ؟ والإجابة عندي هو الأولى ، وكثيرا ما كان علماؤنا يرجعون عن أقوالهم إذا تبين لهم أن الحق في غيرها.
                        ولمزيد من المعلومات حول علم المناسبة انظر ما كتبته داخل هذا الملتقى على هذا الرابط
                        http://www.tafsir.org/vb/showthread.php?t=14836

                        تعليق


                        • #13
                          جزاكم الله خيراً وبارك ربي في نقولكم الطيبة وإضافتكم المفيدة !

                          تساؤل بسيط
                          هل من رسائل علمية جديدة مطبوعة حول هذا العلم ؟

                          أفيدوني أفادكم الله من واسع فضله .

                          تعليق


                          • #14
                            مارأيكم في كتاب البرهان في تناسب سور القرآن للثقفي ؟

                            تعليق


                            • #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن الشهري مشاهدة المشاركة
                              ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده فلو كان المال يغني عن أحد لأغنى عن أصحاب الفيل ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل وبعد ذكر ما أحله الله بأصحاب الفيل، فهذه نعمةٌ من الله على أهل قريش لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف.
                              لعل من المناسبات بين سورتَي الهمزة والفيل على عَدِّ أبي بن كعب -إذْ جعل الفيل وقريش سورة واحدة- :
                              هو ما ورد في الحديث النبوي الشريف ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : (اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ : يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا ! فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ) .
                              وتشير إليه الآيات الكريمة التالية :((الحطمة)) ((إنها عليهم مؤصدة)) ، ((إيلافهم رحلة الشتاء والصيف)) .--> فكما أن الله سبحانه يرحّل عن قريش الشتاءَ والصيف فلا يستمران ، فمن باب أَوْلى يتفضّل عليهم سبحانه بفعله بأصحاب الفيل ما فعل حمايةً للكعبة ولقريش الذين يحميهم سبحانه مما هو أدنى من أصحاب الفيل (استمرار الشتاء والصيف) . فقال سبحانه : ((لإيلاف قريش)) .

                              تعليق

                              19,939
                              الاعــضـــاء
                              231,693
                              الـمــواضـيــع
                              42,458
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X