إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • من أسرار آية من كتاب الله تعالى

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي أنزل القرآن والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام الذي بينه للناس بأعلى طبقات البيان وعلى آله وصحبه ذوي الهداية والعرفان وبعد :

    فإن من معجزة هذا الكتاب العظيم أنه مع قلة الحجم متضمن للمعنى الجم الذي تقصر الألباب البشرية عن إحصائه والآلآت الدنيوية عن استيفائه مصداقا لقوله تعالى (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ) لقمان / 27

    ومن معجزة هذا الكتاب العظيم كذلك أنه لو نزعت منه لفظة واحدة ثم أدير على لسان العرب في أن يوجد خير منها لم يوجد . ونحن قد تبين لنا البراعة في بعض آياته ولكن الذي يخفى علينا أكثر بكثير ، وذلك لقصور علمنا وكثرة ذنوبنا وجهلنا ، نسأل الله تعالى العفو والعافية ..

    والأمثلة التي تبين هذا الكلام لا تعد ولا تحصى ومنها ما نجده في أسرار قوله تعالى (ويرزق من يشاء بغير حساب ) البقرة / 212

    فإن هذه الآية الكريمة تحمتل أن يكون المراد بها رزق الدنيا ورزق الآخرة أيضا .

    فإذا حملنا معناها على رزق الآخرة احتمل وجوها منها :

    أحدها أنه يرزق عباده المؤمنين في الآخرة رزقا رغدا واسعا لا فناء له ولا انقطاع ، فهو كقوله تعالى (فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) غافر/ 40 أي بدون تقدير ولا عدّ لأن كل ما دخل تحت التقدير والعدّ والحساب متناه . وما لا يكون متناهيا كان لا محالة خارجا عن الحساب .
    وثانيها : قيل في تفسيره : يعطيه عطاء كثيرا لا يمكن للبشر احصاؤه ، لأن ما دخل تحت الحساب كان قليلا .
    وثالثها : يعطيه أكثر مما يستحق أو يحسبه ، كقوله تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ) أي بغير احتساب من المرزوقين ، ويرزقه من حيث لا يتوقع الرزق .
    ورابعها : يعطيه ولا يحاسبه عليه .
    وخامسها : يعطيه ولا يأخذه منه .
    وسادسها : يعطيه بحسب ما يعرفه من مصلحته لا حسب حسابهم وتقديرهم .
    وسابعها : أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها بفضل من الله كما في قوله ( فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) النساء /173 فالفضل منه بلا حساب .
    وثامنها : أنه لا يخاف نفادها من عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه ، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم مقدار ما يخرج وما يبقى فلا يتجاوز في عطاياه حتى لا ينقص عليه شيء ، والله لا يحتاج إلى الحساب لأنه غني حميد ولا نهاية لغناوه أو لمقدوراته .
    تاسعها : أن ثواب أهل الجنة ليس بمقدار أعمالهم لأنه لو كان بمقدار أعمالهم لكان بحساب .
    عاشرها : بغير استحقاق ، يقال : لفلان على فلان حساب أي حق أو دين ، وهذا يدل على أن ثواب أهل الجنة فضل من الله تعالى وليس لأحد معه حساب .
    والصحيح أن هذه الوجوه العشرة كلها صحيحة ومحتملة فيجوز أن يكون المراد كلها .

    وإذا كان المراد بالآية حساب الدنيا فتحتمل وجوها أخرى أيضا ومنها :

    الأول : أن الكفار كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على حق فأبطل الله تعالى هذا الاعتقاد بقوله ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) يعني أنه تعالى يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئا عن كون المعطي محقا أو محسنا أو غير ذلك ، وإنما ذلك متعلق بمحض مشيئتة سبحانه فقد يوسع على العاصي أو الفاجر كما وسع على قارون ويضيق على المؤمنين والصالحين زيادة في الابتلاء والامتحان ولهذا قال ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سُقفا من فضة ) الزخرف/33
    والثاني : جائز أن يكون المعنى أنه يرزق في الدنيا عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبون .
    فإن قيل : قد قال الله تعالى في وصف المتقين وما يصل إليهم ( جزاء من ربك عطاء حسابا ) النبأ/ 36 أليس ذلك مناقض لما في هذه الآية ؟ والجواب : أنه لا . والمقصود بقوله ( عطاء حسابا ) أقوال ومنها :

    أولا : أن يكون بمعنى كافيا من قولهم حسبي كذا ، أي يكفيني . والمعنى : أن الله تعالى يكرمه ويعطيه حتى يقول حسبي حسبي ...
    ثانيا : قوله ( حسابا ) مأخوذ من حسبت الشيء إذا أعددته وقدرته ، أي بقدر ما وجب له فيما وعده الله تعالى به من الأضعاف المضاعفة ، للحسنة عشرا أو سبعمائة أو بدون مقدار كقوله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) الزمر / 10
    ثالثا : أنه كثيرا ، فيقال أحسبت فلانا أي أكثرت له العطاء .
    والرابع : أنه حسب أعمالهم .
    والخامس : أنه تعالى لما ذكر في وعيد أهل النار ( جزاء وفاقا ) قال في وعد أهل الجنة ( عطاء حسابا ) كأنه يقول : راعيت في ثواب أعمالكم الحساب لثلا يقع في ثواب أعمالكم بخس أو نقصان .
    والله تعالى أعلم

    فانظر يا رعاك الله إلى عظمة هذا الكتاب وكثرة معانيه :

    كالبدر من حيث التفت رأيته

    يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا

    كالشمس في كبد السماء وضوئها

    يغشى البلاد مشارقا ومغاربا

    ولكن محاسن أنوار هذا الكتاب العظيم لا يمكن أن تثقفها إلا البصائر الجلية وأطايب ثمرة لا تقطفها إلا الأيادي الزكية ومنافع شفائه لا تنالها إلا النفوس الزكية النقية كما صرح في وصفه ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) الواقعة / 77-79 وقوله ( قل هو للذين أمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذنهم وقر وهو عليهم عمى ..) فصلت /44

    نسأل الله تعالى أن يهب لنا من بركات هذا الكتاب العزيز إنه ولي ذلك والقادر عليه .

    كتبه : أحمد عطا عمر
    دكتوراه تفسير وعلوم قرآن
    دكتوراه تفسير وعلوم قرآن
    جامعة اليرموك/ الأردن
    أستاذ مساعد- جامعة أم القرى مكة المكرمة

  • #2
    [align=center]الأخ الفاضل

    بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً وجعله في موازين حسناتكم
    .[/align]

    تعليق


    • #3
      أكرمكم الله حضرة الدكتور الفاضل...
      سبحان الله! كل هذه المعاني في آية واحدة، فكيف الأمر في آيات القرآن الكريم كله؟!!
      أستاذنا الفاضل هلا تكرمتم ببيان المصادر التي ساعدتكم في تجلية هذه المعاني الطيبة؟
      و دمتم على الخير، و رضى الرحمن أعوانا!
      تفضلوا بزيارة

      تعليق


      • #4
        سبحان الله .. القرآن عربي ، وعدد المهتدين به من الأعجمين أكثر من العرب
        المشاركة الأصلية بواسطة أحمد عطا عمر مشاهدة المشاركة
        (( قل هو للذين ءامنوا هدى وشفاء ، والذين لا يؤمنون في آذانهم وقرٌ وهو عليهم عمى ..))

        تعليق


        • #5
          جزاكم الله خيرا
          دكتوراه تفسير وعلوم قرآن
          جامعة اليرموك/ الأردن
          أستاذ مساعد- جامعة أم القرى مكة المكرمة

          تعليق

          19,840
          الاعــضـــاء
          231,357
          الـمــواضـيــع
          42,327
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X