إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • المجموعة الثانية من مواعظ المفسرين

    مواعظ المفسرين ـ المجموعة الثانية[1/4](*)

    الحمد لله القائل : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)[يونس/57، 58] ،والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد الوعاظ ،نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله ،وعلى آله وصحبه أجمعين ،أما بعد :
    "فإن مواعظ القرآن أعظم المواعظ على الإطلاق، وأوامره ونواهيه محتوية على الحكم والمصالح المقرونة بها، وهي من أسهل شيء على النفوس، وأيسرها على الأبدان، خالية من التكلف لا تناقض فيها ولا اختلاف، ولا صعوبة فيها ولا اعتساف، تصلح لكل زمان ومكان، وتليق لكل أحد" (1).
    ومن هنا جاءت هذه المجموعة الثانية من مواعظ المفسرين ؛ لتضاف إلى أخواتها الخمس عشرة ـ وهي تمثل المجموعة الأولى من هذه المواعظ ـ جمعتها من كلام بعض المفسرين ـ ـ حينما يسيل قلم أحدهم بكلمات تتصل بالجانب الوعظي في الآية ،والذي يثمر ـ كما ينبغي أن يكون الأمر ـ حثاً على طاعة أو زجراً عن معصية ،أو زيادة إيمان في قلب العبد ،حينما يعيش في سَبْحٍ من التأملات لكلام الله العظيم.
    وإن من المحزن أن البعض يهوّن من شأن الوعظ لأسباب كثيرة ـ ليس هذا محل ذكرها ـ ولكن الذي أود أن أنوه به ،هو التذكير بأن من أعظم مقاصد تنزيل الكتاب هو تدبره ،والاتعاظ به ، والامتثال لما دل عليه ، ولذا قال ابن جرير الطبري ـ في تفسير قوله تعالى : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ )[الأنفال/21-23] ـ :
    " يقول تعالى ذكره ـ للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبي الله ـ : لا تكونوا ـ أيها المؤمنون ـ في مخالفة رسول الله ، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب الله يتلى عليهم قالوا: "قد سمعنا"، بآذاننا= "وهم لا يسمعون"، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآذانهم ولا ينتفعون به، لإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه.
    فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا بمواعظ القرآن ـ وإن كانوا قد سمعوها بأذانهم ـ بمنزلة من لم يسمعها، يقول جل ثناؤه لأصحاب رسول الله : لا تكونوا أنتم في الإعراض عن أمر رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآذانكم، كهؤلاء المشركين الذين يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: "قد سمعنا"، وهم عن الاستماع لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها ...
    ولو علم الله في هؤلاء القائلين خيرًا، لأسمعهم مواعظ القرآن وعِبَره، حتى يعقلوا عن الله حججه منه، ولكنه قد علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب لهم الشقاء فهم لا يؤمنون ، ولو أفهمهم ذلك حتى يعلموا ويفهموا، لتولوا عن الله وعن رسوله،وهم معرضون عن الإيمان بما دلَّهم على صحته مواعظُ الله ،وعبره وحججه، معاندون للحق بعد العلم به" (2).
    وقال في تفسير قوله تعالى : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) [محمد/24] :
    "يقول تعالى ذكره : أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون مواعظ الله التي يعظهم بها في آي القرآن الذي أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام ، ويتفكَّرون في حُججه التي بيَّنها لهم في تنزيله فيعلموا بها خطأ ما هم عليه مقيمون؟! ( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ؟!) يقول : أم أقفل الله على قلوبهم فلا يعقلون ما أنزل الله في كتابه من المواعظ والعِبَر" (3)
    ثم ساق بسنده عن قتادة في تفسير هذه الآية أنه قال : "إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله، لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك" (4).
    ومن جميل ما يذكر في تفسير هذه الآية ـ أيضاً ـ ما رواه ابن جرير ـ أيضاً ـ عن خالد بن معدان أنه قال : "ما من آدميّ إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله من الغيب، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طَمسَ عليهما، فذلك قوله( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (5).
    والمقصود من هذا ،التنبه إلى أهمية الوعظ بالقرآن ،والاتعاظ به ،وخطورة الاقتصار على مجرد التلاوة من غير عمل ،فإن ذلك قصورٌ وتقصير ،ينبغي للمؤمن أن يترفع عنه ، نذكر بهذا أنفسنا ،وإخواننا المسلمين ،في كل وقت وخصوصاً مع إقبال هذا الشهر الكريم .
    ولعل في هذه المجموعة ـ بالإضافة إلى المجموعة السابقة ـ ما يحرك هذا المعنى في نفوسنا إذا قرأنا كلام ربنا ،نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يتعظ بكتابه ،ويتلوه حق تلاوته ،والحمد لله رب العالمين .


    المصدر

    --------------------------------------------------------------------------------
    (*) تنبيه:
    في كل حلقة من حلقات هذه المجموعة سيجد القارئ موعظتين من مواعظ المفسرين وستميز بداية الموعظة بتلوين اسم المفسر.
    (1) من تفسير العلامة السعدي للآية رقم (21) من سورة الحشر ، ص : (1015) .
    (2) تفسير الطبري 11/98-130 باختصار .
    (3) تفسير الطبري 21/215.
    (4) تفسير الطبري 21/216.
    (5) تفسير الطبري 21/216.
    عمر بن عبدالله المقبل
    أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

  • #2

    الحلقة الأولى من المجموعة الثانية :

    قال الإمام العلامة أبو عبدالله القرطبي في مقدمة تفسيره :
    "فما أحق من عَلِمَ كتاب الله أن يزدجر بنواهيه، ويتذكر ما شرح له فيه، ويخشى الله ويتقيه، ويراقبه ويستحييه ،فإنه حُمِّلَ أعباءَ الرسل، وصار شهيداً في القيامة على من خالف من أهل الملل، قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [البقرة/143].
    ألَا وإن الحجة على من علمه فأغفله، أوكدُ منها على من قصر عنه وجهله ،ومن أوتي علم القرآن فلم ينتفع، وزجرته نواهيه فلم يرتدع ، وارتكب من المآثم قبيحاً ، ومن الجرائم فضوحاً، كان القرآن حجة عليه، وخصماً لديه،قال رسول الله : "القرآن حجة لك أو عليك" خرجه مسلم.
    فالواجب على من خصه الله بحفظ كتابه ، أن يتلوه حق تلاوته، ويتدبر حقائق عبارته، ويتفهم عجائبه، ويتبين غرائبه، قال الله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)[ص/29].
    وقال الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا )[محمد/24].
    جعلنا الله ممن يرعاه حق رعايته، ويتدبره حق تدبره، ويقوم بقسطه، ويفي بشرطه، ولا يلتمس الهدى في غيره، وهدانا لأعلامه الظاهرة، وأحكامه القاطعة الباهرة، وجمع لنا به خير الدنيا والآخرة، فانه أهل التقوى وأهل المغفرة ... ثم تحدث ـ ـ عما يعين على تدبره وفهمه ،فقال :
    فأول ذلك أن يستشعر المؤمن من فضل القرآن أنه كلام رب العالمين ،... فهو من نور ذاته جل وعز ،ولولا أنه - سبحانه - جعل في قلوب عباده من القوة على حمله ما جعله، ليتدبروه وليعتبروا به، وليتذكروا ما فيه من طاعته وعبادته، يقول - تعالى جده - وقوله الحق : (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ )[الحشر/21].
    فأين قوت القلوب من قوة الجبال ؟! ولكن الله تعالى رزق عباده من القوة على حمله ما شاء أن يرزقهم، فضلا منه ورحمة ؟!"(6).


    الموعظة الثانية :

    قال العلامة الشنقيطي ـ تعالى ـ في تفسيره لقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [المائدة/105] :

    اعلم أن كلا من الآمر والمأمور يجب عليه اتباع الحق المأمور به ، وقد دلت السنة الصحيحة على « أن من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها » .
    وقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار ـ أيضاً ـ.
    أما السنة المذكورة فقوله « يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتابه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون : أي فلان ما أصابك ، ألم تكن تامرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ، فيقول : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وأنهاكم عن المنكر وآتيه » ، أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد .
    ومعنى تندلق أقتابه : تتدلى أمعاؤه ، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء ، وعن أنس قال : قال رسول الله « رأيت ليلة أسرى بي رجالا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمِ بِمَقَارِيضَ مِن نار كلما قُرِضَتْ رجعت فقلت لجبريل : من هؤلاء؟ قال : هؤلاء خُطَبَاء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون » أخرجه الإمام أحمد ، وغيره .
    واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد ـ الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار ،وقرض الشفاه بمقاريض النار ، ليس على الأمر بالمعروف ، وإنما هو على ارتكابه المنكر عالماً بذلك ، ينصح الناس عنه ، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح ، ولا طالح ، والوعيد على المعصية ، لا على الأمر بالمعروف ، لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير ...
    وأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضاً ، فهي قوله تعالى فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ [ المدثر : 49-51 ] والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ، فيجب على المذكر - بالكسر - والمذكر - بالفتح - أن يعملا بمقتضى التذكرة ، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها ، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم.


    ــــــــــــــــــــــــ
    (6) تفسير القرطبي 1/6-9 ، ط.الرسالة ، بتصرف واختصار.
    عمر بن عبدالله المقبل
    أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

    تعليق


    • #3

      مواعظ المفسرين [المجموعة الثانية] 2/4(*)

      الموعظة الثالثة :

      قال العلامة السعدي ـ ـ في تفسيره لقوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (*) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات 54-55] :
      "والتذكير نوعان :
      تذكير بما لم يعرف تفصيله، مما عرف مجمله بالفطر والعقول، فإن الله فطر العقول على محبة الخير وإيثاره، وكراهة الشر والزهد فيه، وشرعه موافق لذلك، فكل أمر ونهي من الشرع، فإنه من التذكير، وتمام التذكير، أن يذكر ما في المأمور به، من الخير والحسن والمصالح، وما في المنهي عنه، من المضار.
      والنوع الثاني من التذكير : تذكير بما هو معلوم للمؤمنين، ولكن انسحبت عليه الغفلة والذهول، فيذكرون بذلك، ويكرر عليهم ليرسخ في أذهانهم، وينتبهوا ويعملوا بما تذكروه، من ذلك، وليحدث لهم نشاطًا وهمة، توجب لهم الانتفاع والارتفاع.
      وأخبر الله أن الذكرى تنفع المؤمنين، لأن ما معهم من الإيمان والخشية والإنابة، واتباع رضوان الله، يوجب لهم أن تنفع فيهم الذكرى، وتقع الموعظة منهم موقعها كما قال تعالى: "فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى" [ص 813]
      وأما من ليس له معه إيمان ولا استعداد لقبول التذكير، فهذا لا ينفع تذكيره، بمنزلة الأرض السبخة، التي لا يفيدها المطر شيئًا، وهؤلاء الصنف، لو جاءتهم كل آية، لم يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم" (1).


      ============

      الموعظة الرابعة :

      قال العلامة الطاهر ابن عاشور في تفسيره لقوله تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً ... ) :
      ومقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين :
      أحدهما : نفساني وهو تربية نفوس الأمة على الاعتراف بالجميل لصانعه، وهو الشكر، تخلقاً بأخلاق الباري تعالى في اسمه الشكور، فكما أمر بشكر الله على نعمة الخلق والرزق أمر بشكر الوالدين على نعمة الإيجاد الصوري ونعمة التربية والرحمة .
      وفي الأمر بشكر الفضائل تنويه بها وتنبيه على المنافسة في إسدائها .
      والمقصد الثاني عمراني، وهو أن تكون أواصر العائلة قوية العُرى مشدودة الوثوق فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة، وهو حسن المعاشرة ليربي في نفوسهم من التحاب والتواد ما يقوم مقام عاطفة الأمومة الغريزية في الأم، ثم عاطفة الأبوة المنبعثة عن إحساسسٍ بعضه غريزي ضعيف وبعضه عقلي قوي حتى أن أثر ذلك الإحساس ليساوي بمجموعه أثر عاطفة الأم الغريزية أو يفوقها في حالة كبر الابن . ثم وزع الإسلام ما دعا إليه من ذلك بين بقية مراتب القرابة على حسب الدنو في القرب النسبي بما شرعه من صلة الرحم، وقد عزز الله قابلية الانسياق إلى تلك الشرعة في النفوس ...
      وفي هذا التكوين لأواصر القرابة صلاح عظيم للأمة تظهر آثاره في مواساة بعضهم بعضاً، وفي اتحاد بعضهم مع بعض، قال تعالى : "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" [الحجرات: 13].
      وزاده الإسلام توثيقاً بما في تضاعيف الشريعة من تأكيد شد أواصر القرابة أكثر مما حاوله كل دين سلف (2).
      ــــــــــ
      (1) تفسير السعدي : (966).
      (2) التحرير والتنوير 14/59-60 بتصرف يسير.

      عمر بن عبدالله المقبل
      أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

      تعليق


      • #4
        قال العلامة السعدي ـ ـ في تفسيره لقوله تعالى : (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) [سبأ/46-48]:
        أي (قُلْ) يا أيها الرسول، لهؤلاء المكذبين المعاندين، المتصدين لرد الحق وتكذيبه، والقدح بمن جاء به: "إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ" أي: بخصلة واحدة، أشير عليكم بها، وأنصح لكم في سلوكها، وهي طريق نصف، لست أدعوكم بها إلى اتباع قولي، ولا إلى ترك قولكم، من دون موجب لذلك، وهي: "أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى" أي: تنهضوا بهمة، ونشاط، وقصد لاتباع الصواب، وإخلاص للّه، مجتمعين، ومتباحثين في ذلك، ومتناظرين، وفرادى، كل واحد يخاطب نفسه بذلك.
        فإذا قمتم للّه، مثنى وفرادى، استعملتم فكركم، وأجلتموه، وتدبرتم أحوال رسولكم، هل هو مجنون، فيه صفات المجانين من كلامه، وهيئته، وصفته؟ أم هو نبي صادق، منذر لكم ما يضركم، مما أمامكم من العذاب الشديد؟
        فلو قبلوا هذه الموعظة، واستعملوها، لتبين لهم أكثر من غيرهم، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ليس بمجنون، لأن هيئاته ليست كهيئات المجانين، في خنقهم، واختلاجهم، ونظرهم، بل هيئته أحسن الهيئات، وحركاته أجل الحركات، وهو أكمل الخلق، أدبا، وسكينة، وتواضعا، ووقارا، لا يكون إلا لأرزن الرجال عقلا.
        ثم إذا تأملوا كلامه الفصيح، ولفظه المليح، وكلماته التي تملأ القلوب، أمنا، وإيمانا، وتزكى النفوس، وتطهر القلوب، وتبعث على مكارم الأخلاق، وتحث على محاسن الشيم، وترهب عن مساوئ الأخلاق ورذائلها، إذا تكلم رمقته العيون، هيبة وإجلالا وتعظيما.
        فهل هذا يشبه هذيان المجانين، وعربدتهم، وكلامهم الذي يشبه أحوالهم؟!
        فكل من تدبر أحواله ومقصده استعلام هل هو رسول اللّه أم لا؟ سواء تفكر وحده، أو مع غيره، جزم بأنه رسول اللّه حقا، ونبيه صدقا، خصوصا المخاطبين، الذي هو صاحبهم يعرفون أول أمره وآخره.
        وثَمَّ مانع للنفوس آخر عن اتباع الداعي إلى الحق، وهو أنه يأخذ أموال من يستجيب له، ويأخذ أجرة على دعوته. فبين اللّه تعالى نزاهة رسوله عن هذا الأمر فقال: "قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ" أي: على اتباعكم للحق "فَهُوَ لَكُمْ" أي: فأشهدكم أن ذلك الأجر - على التقدير - أنه لكم، "إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" أي: محيط علمه بما أدعو إليه، فلو كنت كاذبا، لأخذني بعقوبته، وشهيد أيضا على أعمالكم، سيحفظها عليكم، ثم يجازيكم بها.
        ولما بين البراهين الدالة على صحة الحق، وبطلان الباطل، أخبر تعالى أن هذه سنته وعادته أن "يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" لأنه بين من الحق في هذا الموضع، ورد به أقوال المكذبين، ما كان عبرة للمعتبرين، وآية للمتأملين. فإنك كما ترى، كيف اضمحلت أقوال المكذبين، وتبين كذبهم وعنادهم، وظهر الحق وسطع، وبطل الباطل وانقمع، وذلك بسبب بيان "عَلامُ الْغُيُوبِ" الذي يعلم ما تنطوي عليه القلوب، من الوساوس والشبه، ويعلم ما يقابل ذلك، ويدفعه من الحجج"(1).

        ــــــــــــــــــــــــــــ

        قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين ـ تعالى ـ في معرض ذكره للفوائد التي تستفاد من قوله تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (*) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة/65، 66] :
        " ومنها ـ أي من فوائد هاتين الآيتين ـ :
        أن الذين ينتفعون بمثل هذه المواعظ هم المتقون.
        ومنها: أن المواعظ قسمان :
        كونية، وشرعية ؛ فالموعظة هنا كونية قدرية ؛ لأن الله أحل بهم العقوبة التي تكون نكالاً لما بين يديها، وما خلفها، وموعظة للمتقين.
        وأما الشرعية فمثل قوله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور" [يونس: 57] .
        والمواعظ الكونية أشد تأثيراً لأصحاب القلوب القاسية ؛ أما المواعظ الشرعية فهي أعظم تأثيراً في قلوب العارفين بالله اللينة قلوبهم؛ لأن انتفاع المؤمن بالشرائع أعظم من انتفاعه بالمقدورات.
        ومن فوائد الآيتين :
        أن الذين ينتفعون بالمواعظ هم المتقون؛ وأما غير المتقي فإنه لا ينتفع لا بالمواعظ الكونية، ولا بالمواعظ الشرعية؛ قد ينتفع بالمواعظ الكونية اضطراراً، وإكراهاً؛ وقد لا ينتفع؛ وقد يقول: هذه الأشياء ظواهر كونية طبيعية عادية، كما قال تعالى: "وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم" [الطور: 44] ؛ وقد ينتفع، ويرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى: "فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر إذا هم يشركون" [العنكبوت: 65] ، وقال تعالى: "وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجَّاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختَّار كفور" [لقمان: 32] .
        ومن فوائد الآيتين: أن من فوائد التقوى ـ وما أكثر فوائدها ـ أن المتقي يتعظ بآيات الله الكونية، والشرعية" (2).
        عمر بن عبدالله المقبل
        أستاذ الحديث بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة القصيم

        تعليق

        19,961
        الاعــضـــاء
        231,879
        الـمــواضـيــع
        42,543
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X