• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • هل ذُكِرَ اسم «محمد» - صلى الله عليه وسلم - في أسفار أهل الكتاب؟




      يزعم علماء أهل الكتاب أن أسفارهم «المقدسة» لا تحوي أثراً لاسم محمد - - البتـة، وأن قـول الله - -: يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ [الأعراف: 751] هو محاولة إضفاء الشرعية والقداسة على الرسالة الخاتمة، رسالةِ الإسلام التي هي عندهم دين مقتبَس عن اليهودية والنصرانية. وبغضِّ النظـر عن هـذه المزاعـم الباطلة إلا أن الحديث عمَّا يسمى بـ «الكتاب المقدس» (Holy Bible) ليس في الحقيقة حديثاً عن التوراة والإنجيل اللذين هما كتابان منـزلان من عند الله. وبناءً عليه فلو لم يرِد اسم محمد - - في كتابهم «المقدس» الذي بين أيديهم ما كان ذلك قدحاً في تقرير القرآن الكريم.
      فـ «الكتاب المقدس» ينقسم إلى قسمين رئيسين:
      العهد القديم: ويشترك في الإيمان به اليهود والنصارى، ويحوي هذا القسم أحكاماً وقصصاً تمتد من بدء الخليقة إلى القرن الخامس ق. م تقريباً، كتبها عدد من المجاهيل الذين لا يُعلم حالهم.
      أما العهد الجديد: فلا يَقْبَلُه سوى النصارى، ويشتمل على سيرة المسيح - - كما لفَّقها كُتَّابها: متَّى ومرقُص ولوقا ويوحنا، بالإضافة إلى رسائل يُنسَب بعضها إلى بولس اليهودي وبعضها إلى غيره.
      ولكن لتطمئن قلوب المؤمنين وتزداد قلوب الجاحدين حسرة، ولا يُتَّهمَ المسلمون بالحيدة عن الجواب على أي حال، أُورِد هنا فِقْرات من العهد القديم الذي يتفق اليهود والنصارى على قَبُولها، بقي فيها اسم «محمد» - - صريحاً رغم عبث العابثين. وبغضِّ النظر عن صحة نسبة النص إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أو بطلانه، فإنها تبقى شهادةً تاريخية سابقة لبعثة المصطفى - - ودليلاً على ورود اسمه الكريم منذ ذلك الزمن في وحيٍ أصيلٍ أخفاه الأحبار والرهبان، كما أخفوا غيره من الكتاب. وسأكتفي في هذا الجزء من المقال ببيان التحريف الذي نال النص دون بيان معناه الأصلي الذي سأُفرِد له الجزء الثاني إن شاء الله.
      ترِد هذه الفِقْرات في سفر «هوشــع» – وهــو أحد أسفار العهد القديم المعتمَدة – في سياق توبيخ بني إسرائيل على ما اقترفوه من الخطايا والآثام؛ إذ خاطبهم «الرب» قائلاً:
      «1 لاَ تَبْتَهِجْ يَا إِسْرَائِيلُ وَلاَ تَطْرَبْ كَبَقِيَّةِ الشُّعُوبِ، لأَنَّكَ قَدْ خُنْتَ إِلَهَكَ وَهَجَرْتَهُ، وَأَحْبَبْتَ أُجْرَةَ الزِّنَى عَلَى كُلِّ بَيَادِرِ الْحِنْطَةِ. 2 لِهَذَا فَإِنَّ الْبَيْدَرَ وَالْمِعْصَرَةَ لاَ يُطْعِمَانكُمْ، وَالْخَمْرَةَ الْجَدِيدَةَ لاَ تُلَبِّي حَاجَتَكُمْ. 3 لَنْ تَظَلُّوا مُقِيمِينَ فِي أَرْضِ الرَّبِّ بَلْ يَرْجِعَ أَفْرَايِمُ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَيَأْكُلُوا لَحْماً نَجِساً فِي أَشُّورَ. 4 لاَ تَسْكُبُوا لِلرَّبِّ خَمْراً وَلَنْ تَسُرَّهُ ذَبَائِحُكُمْ، بَلْ تَكُونُ لَكُمْ كَخُبْزِ النَّائِحِينَ. كُلُّ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ يَتَنَجَّسُ؛ إِذْ يَكُونُ خُبْزُكُمْ لِسَدِّ جُوعِكُمْ فَقَطْ، وَلاَ يَدْخُلُ أَبَداً إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ». [هوشع 9: 1 - 4]
      وبعد فِقْرات من التوبيخ يسألهم الرب قائلاً:
      «ما تعسو ليوم موعِيد وليوم حج يهوه؟ كي هيني هالخو مشُّود. مصرايم تقبصم، موف تقبرم، مَحْمَد لخسبام، قيموش ييراشم، حوح بأُهُليهم. باؤو يَمي هبّجوداه، باؤو يمي هشِّلُّوم. يِدعو يسرَئيل إفيل هنَّفي، مِشُجَّع إيش هروح؛ عل روف عفونخا، فِرَبَّاه مسطماه».
      وتفسيره وِفْقَاً لأغلب التراجم العربية والأعجمية – مع فروق يسيرة –:
      «5 ماذا تصنعون في يوم الموسم وفي يوم عيد الرب. 6 إنهم قد ذهبوا من الخراب؛ تجمعهم مصر، تدفنهم موف، يرث القريص نفائس فضتهم، يكون العوسج في منازلهم. 7 جاءت أيام العِقاب، جاءت أيام الجزاء سيعرف إسرائيل، النبي أحمق، إنسان الروح مجنون، من كثرة إثمك وكثرة الحقد».
      إن جُلَّ الترجمات العربية والأعجمية فسرت هذا النص تفسيراً عجباً لا يكاد يُعرِب عن معنى ذي فائدة، بل لا يعدو أن يكون رصّاً لجُمَل متنافرة لا يربطها رابط؛ فما هو «يوم الموسم»؟ وما هو «يوم عيد الرب»؟ وما معنى «سيعرف إسرائيل، النبي أحمق، إنسان الروح مجنون، من كثرة إثمك وكثرة الحقد»؟
      وهاك نماذج من هذه الترجمات وأغلاطها:
      - النسخة السبعونية اليونانية (Septuagint): «لأنهم أُولاءِ يخرجون من بلاء مصر»[1].
      - النسخة الدولية الجديدة (NIV): «وإن فروا من الخراب، مصرُ تجمعهم»[2].
      - النسخة القياسية المنقَّحة (RSV): «لأنهم أولاء يخرجون إلى أَشُّور، مصرُ تجمعهم»[3].
      إن العجب من هذا التباين سُرعان ما يتلاشى إذا ما رجع الباحث إلى النص العبراني لسفر هوشع ليرى أن الترجمات المختلفة أبعد ما تكون عن الدقة، وإنما أُوكِلَت في كثير من الأحيان إلى من ليس من أهل اللغات «السامية»[4] وإن كان من المختصين بها؛ فتراه يقلِّب معاجم العبرية ويهرع إلى أي معنى يحتمله السياق، وهو لا يمتلك سليقة تدلُّه على المعنى المراد من بين عشرات المعاني أحياناً. وجُلُّ الترجمات إنما قام بها هؤلاء الأعاجم.
      فالنسخة السبعونية اليونانية أضافت كلمة (talaiporias) التي تعني الشدة والبلاء (أو الخراب أحياناً) إلى كلمة (Aiguptou) (أي: «مصر») لتصبح العبارة «بلاء مصر». ومع أن هـذا المعنـى مقبـول في نفسه إلا أنه لا ينسجم أبداً مع السجع المقصود في النص كما سيأتي بيانه بعد قليل.
      كما نلحظ أن ما اعتبرته النسخة «السبعونية» اليونانية إضافة اعتبرته «النسخة الدولية الجديدة» (NIV) كلمتين منفصلتين؛ فـ «من بلاءِ مصرَ» تصبح «من الخراب، مصرُ...».
      أما «النسخة القياسية المنقَّحة» (RSV) فقد أغربت كثيراً حتى إن المرء ليتساءل: أي يد خرقاء قامت بذلك؟ فقد ترجمت حرف الجر «مِ» (ومعناه «مِن») بـ «إلى»، وهو عكس المقصود تماماً! ثم فسرت كلمة «شود» بـ «أشُّور»، فصارت «يذهبون إلى أشور». وأي تشابه ثمة بين (ش - د) و (ء - ش - و - ر) في العبرانية حتى يُلْتَمَس العذر للمترجم؟ إنه مثال بيِّن على تحريف المترجمين، لا يمكن تفسيره إلا أنه اتباع للهوى أو جهل مُطْبِق. ولعل قارئاً نبَّه دار النشر إلى هذا الخطأ الفادح فغُيِّر في «النسخة القياسية المنقَّحة الجديدة» (NRS) إلى «وإن فرُّوا من الخراب» على غرار «النسخة الدولية الجديدة».
      لقد كانت اللغة العبرانية لهجة من اللهجات العربية القديمة كالسبئية والثمودية، تَحدَّث بها الكنعانيون العرب الذين قطنوا فلسطين. ثم اتخذها اليهود لساناً لهم، وأسمَوها «سِفَّت كنَعَن»؛ أي «لسان كنعان» كما يشهد لذلك سفر إشعياء (19: 18). لكنها لما فقدت علاماتها الإعرابية – كحال كثير من اللهجات العربية القديمة – أصبح من الصعوبة تحديد المعاني بدقة كما في النص الوارد أعلاه؛ فلو كانت كلمة «مصرايم» تحمل علامة رفعٍ لعُلِم أنْ ليست متعلقةً بـ «شود» (أي: «بلاء»)، بل هي جملة مُستأنَفَة. وفي هذا تقول الموسوعة البريطانية «كان للغة السامية [العربية الأُم] في الأصل ثلاث حالات: (الرفع، والنصب، والجر). لكن العلامات الإعرابية التي ميزت تلك الحالات لم تُحفظ حفظاً كاملاً إلا في بعض اللهجات الأكَّادية وفي العربية الفصحى»[5].
      أعود فأقول: إن القارئ للفِقْرتَين (5 و 6) في أصلهما العبراني لا يغيب عنه ما فيهما من تناظر وسجع تنتظم به الجمل تلقائياً دون تكلُّف أو تعسُّف. يقول النص:
      مِصرايم تِقبِّصِم[6] (مصر تحشرهم)
      موف تِقَبِّرِم (موف تقبرهم)
      مَحْمَد لِخَسْبَام (نفيس فضتهم [؟])
      قِمُوش يِيراشِم (القريص[7] يرثهم)
      حُوَح بأُهُليهم (العوسج في منازلهم)

      فيلحظ أن الجمل الثلاث الأُولَى تبدأ بالميم، كما أن كل جملة تنتهي بميم الجمع التي تقابل «هم» في العربية، وهو نظم يذكرنا بجرس الموَشَّحات الأندلسية.
      فتبين عند اتباع النظم الصحيح للنص أن «مصرايم» في محل رفع مبتدأ وليست مضافاً إليه كما اقترحت النسخة السبعونية. فلما أخطأت النسخة السبعونية في اعتبارها «[مِـ] شُّود مصرايم» مضافاً ومضافاً إليه، ترتب على ذلك أن أعادت صياغةَ الفِقْرتَين بعدها على النحو التالي:
      تقبصم موف (تحشرهم موف)
      تقبرم محماس (تقبرهم محماس [؟])[8]
      لخسبام قيموش ييراشيم (أما فضتهم فيرثها الخراب)
      حوح بأُهُليهم (ويكون العوسج في خيامهم)
      وبهذا أفقدت النسخة السبعونية النص نَظْمَه وإيقاعه، بل أخلَّت – كغيرِها من النسخ – بقواعد الإعراب في الجملة الثالثة كما سأبيِّنه في الجزء الثاني من المقال، إن شاء الله.


      ـ الحواشي ـــ
      [1] «dia touto idou poreusontai ek talaiporias Aiguptou».
      [2] “Even if they escape from destruction, Egypt will gather them.”
      [3] «For behold, they are going to Assyria; Egypt shall gather them…».
      [4] درج وصف «السامية» على الألسن رغم خطئه، والصواب أن يقال: «اللغات العربية القديمة» أو نحوه.
      [5] Encyclopedia Britannica. “Semitic Languages”.
      [6] من «قبص» العبرانية (ويقابلها في العربية «قبض») بمعنى «جمع» أو «حاز».
      [7] أو القُرَّاص، وهو نبات.
      [8] وهو تحريف للكلمة الأصلية «م - ح - م - د» كما سأبينه في الجزء الثاني إن شاء الله.
      فيصل بن علي الكاملي
      باحث سعودي بمركز البحوث والدراسات بمجلة البيان

    • #2
      كنتُ أوردتُ في الجزء الأول من هذا المقال نصاً من العهد القديم للدلالة على ذكر اسم «محمد» - - صراحة في أسفار أهل الكتاب، لكنني اكتفيت هناك بإثبات التحريف في ترجمة النص من العبرانية وعَرضـتُ لذلك بعض النماذج، وأهمُّ ما عُنيت به إثبات أن الفِقرة المقتبسة تُقرَأ وَفْقَ الترتيب الآتي مع مراعاة الفواصل:
      ما تعسو ليوم موعِيد وليوم حج يهوه؟ كي هيني هالخو مشُّود: مِصرايم تِقبِّصِم، موف تِقَبِّرِم، مَحْمَد لِخَسْبَام، قِمُوش يِيراشِم، حُوَح بأُهُليهم. [هوشع 9: 5 - 7]
      وبيَّنت أن هذه القراءة هي الوحيدة التي تحافظ على تَنَاظُر الجمل وجَرْسِها. لكنني في هذا الجزء سأركِّز الحديث على معنى النص ليرى القارئ كيف أن تلاعُب المترجمين حوَّل نصاً صريحاً في نبوة المصطفى - - إلى جُملٍ شديدة الركاكة باهتة المعاني أشبه ما تكون بسجع الكهان.

      تفسير النص:
      أما قوله: (ما تَعسُو ليوم موعِيد وليوم حج يهوه؟) فليست له علاقة بالمواسم والأعياد، وهذا ظاهر من السياق؛ إنما هو تخويف وتذكير لبني إسرائيل الذين ابتعدوا عن منهج الله وعصوا رُسُله. فمَن ترجمهُ بقوله: «ماذا تصنعون في يوم الموسم وفي يوم عيد الرب؟» فقد أبعد النجعة وأحال الوعيد عيداً. فالنص العبراني يقول: (ل - يوم) ومعناها «لِـيَومِ» وليس (ب - يوم) «في يوم». وعليه فالصحيح أن تترجَم هكذا: «ما أنتم عاملون ليوم الميعاد[1] ويوم يحشركم الرب؟» فكلمة «حَج» في العبرانية هي كل اجتماع حاشد، وإنما استُعيرت للعيد لاجتماع الناس فيه. ومعنى الجملة يُذكِّر بقول الله - تعالى - مخاطباً بني إسرائيل: وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة: 321].
      وأما قوله (كي هيني هالخو مِشُّود: مصرايم تقبصم، موف تقبرم) فتفسيره «فهاهم أولاء نجوا من البلاء: مصر تأسرهم ومنف[2] تقبرهم [أو تدفنهم]». وهو تذكير لبني إسرائيل بما تعرضوا له من ابتلاءٍ على يد فرعون وقومه، فالنص يشير إلى النجاة من البلاء، والاستعباد، والقتل؛ وهو معنى قريب جداً من قول الله - تعالى - في كتابه الكريم: وَإذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة: 94].
      لكن اضطهاد المصريين ليس كلَّ ما تُعدِّده الفِقرة من ابتلاء لبني إسرائيل، فهي تستمر قائلة: (مَحْمَد لـخسبام)، وهنا بيت القصيد. فقد تُرجِمَت هذه العبارة بـ «نفائس فضتهم» وهو من التحريف الظاهر لأمرين رئيسين:
      أولهما: أن إضافة «مَحْمَد» (بمعنى «نفيس») إلى «خسبام» (أي «فضتهم» أو «مالِهم») من الركاكة بمكان، لوقوع حرف الجر «ل» بينهما؛ حتى إن «فيلهِلم جِسنيوس» في كتابه «نحو اللغة العبرانية» Gesenius> Hebrew Grammar أورد احتمال أن تكون العبارة في أصلها (مَحمدي خَسْبام)، وهي صيغة الإضافةِ السَويةُ في العبرية.
      وثانيهما: إن سلَّمنا جدلاً بصحة الإضافة في (مَحْمَد لخسبام) «نفيسُ فضتِهم [أو «مالِهم»]» فهي برغم ذلك ليست جملة مفيدة فهي تحوي مبتدأً يفتقر إلى خبر، أو خبراً لمبتدأ محذوف لا نعلمه، وهو ما اضطر المترجمين إلى أن يربطوها بـ(قيموش ييراشم) التي تليها، فقالوا: «يرث القريص نفائس فضتهم». وهي محاولة بائسة للهروب من المأزق، لكن الجملة لا تستقيم برغم ترقيعهم هذا؛ لأننا لو ترجمنا النص العبري حرفياً لصار «نفيسُ فضتهم القريصُ يرثهم»؛ بمعنى أن ضميـر الجمـع «هم» سيعود على المفرد «نفيس» وهو ما لا يستقيم في اللغة العبرانية، وإنما يقال: «نفيس فضتهم القريص يرثه»، ولو افترضنا أن الضمير يعود على «فضة» – وهو بعيد جداً – فالاعتراض قائمٌ؛ لأنها مفرد وليست جمعاً حتى في أصلها العبري (لـ - كسف - ـم). فدل ذلك على أنهما جملتان وليستا جملة واحدة.
      فما معنى الجملة إذن؟ إن (مَحْمَد لخسبام) عبارة وجيزة مستأنَفة معناها الحرفي «مُحمَّدٌ لِمالِهم»، فـ «محمد» اسم عَلَم يشير إلى النبي - - وليس صفة بمعنى «نفيس»، يشهد لهذا أمران على الأقل:
      أولاً: أن الجملـة بغير هذا الشـكل لا تسـتقيم لا معنىً ولا مبنىً كما سبق بيانه.
      ثانياً: لمَّا تعرَّض مترجمو النسخة السبعونية لهذه الفِقرة كانوا يدركون أن «محمد» اسم علم، فكأنهم حاروا ما يفعلون، فلجؤوا إلى تغيير الاسم إلى «مَحْمَس» (مدينة «مخماش»). ولعل قائلاً يقول: ألا يمكن أن يُعتذر لهم باحتمال أن حرف الدال لم يكن بيِّناً في الأصل العبري فأشكل على المترجمين؟ أقول:
      أولاً: إن حرفي السين (سامخ) والدال (دالِت) في العبرانية لا يتشابهان ألبتة والخلط بينهما بعيد؛ فالأول يشبه في شكله الرقم (5) والآخر يشبه الرقم (6).
      وثانياً: لو افترضنا ذلك جدلاً فإن مدينة «مخماش» التي يريدها المترجمون هنا لا تكتب في العبرية «محمس»، وإنما «مكمش» بكاف وشين، فالتحريف لم يقع في حرفٍ واحد فحسب، بل في حرفين اثنين.
      وقد يعترض معترض فيقول: لِمَ بَدَّلتَ «مَحْمَد» فجعلتها «مُحَمَّد»؟ والجواب: أن النص العبري ظل أكثر من ألف عام مجرداً عن الحركات إلى أن أضافها «المَسُوريُّون» من علماء اليهود بين القرن السادس والتاسع بعد الميلاد وَفْقَ اجتهادهم فأصابوا بعضاً وأخطؤوا بعضاً. فالكلمة قبل تحريف المسوريين كانت «محمد» دون حركات، ولم تكن «مَحْمَد»، وهذا مما يُجمع عليه علماء العهد القديم. فلم يبقَ إلا الإذعان بأن «محمد» عَلَم على النبي - -.
      والمراد من الفِقْرة أن محمداً - - سيتولى تأديبهم في أموالهم، وحصل ذلك عندما أجلى بني النَّضير إلى أذرعات من أعالي الشام وإلى خيبر حتى إن أحدهم كان ينزع باب داره وسقفها لئلا يخلِّفها وراءه، كما جاء في سورة الحشر: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْـحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْـمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ [الحشر: 2] إلى قوله - تعالى -: وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحشر: 6].
      أما قوله: (قيموش ييراشم، حوح بأُهُليهم) فسأعتمد فيها ترجمة النسخ العربية: «القريص يرثهم، والعوسج في منازلهم» – تنزُّلاً لا قبولاً – حتى لا أطيل على القارئ.
      ثم يعود الرب إلى تحذير بني إسرائيل من مغبة كفرهم وأن أيام المُساءلة قد أزفت فيقول: (باؤو يمي هبجوداه، باؤو يمي هشِّلُّوم) أي «أزفت أيام العقاب وحلـت أيام الجزاء». واسـتعمال الزمن الماضي هنا دلالـة علـى التحقـق والوقـوع لا محالة، كقوله - تعالى -: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: 1].
      ثم بيَّن السبب في هذا التهديد والوعيد، فقال: (يِدعو يسرائيل إفيل هنَّفي، مِشُجَّع إيش هروح). وترجمتُها كما في ترجمة «فاندايك»: «سيَعرِف إسرائيل، النبي أحمق، إنسان الروح مجنون.» وهي كما ترى غاية في الركاكة والإبهام، والسبب في هذا أن جُلَّ الترجمات العربية والأجنبية اعتبرت الفعل العبري «يدعو» مشتقاً من «ي - د - ع» بمعنى «عَرَف»، والصحيح أنه مشتق من «د - ع - هـ» بمعنى «دعا». وهذا الفعل ثابت في العبرانية كما فصَّل ذلك «جيمس بار» في كتابه «فقه اللغة المقارن ونص العهد القديم»[3]. فالجملة (يِدعو يسرائيل إفيل هنَّفي، مِشُجَّع إيش هروح) تتألف من فعل متعدٍّ إلى مفعولين، وفاعلٍ، ومفعول به ثانٍ مقدَّم، ومفعول به أوَّل مؤخر، ثم مفعول به ثانٍ مقدَّم مضاف، ومفعول به أوَّل مؤخر. وعليه فالترجمة الحرفية للفقرة هي: «تدعُو إسرائيل النبيَّ أحمقَ، ورجلَ الروح مجنوناً»، والمراد بـ «إسرائيل» هنا بنو إسرائيل. قال - تعالى -: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات: 25 - 35].
      ثم بيَّن النصُّ ما دفع اليهود إلى هذا السباب والجحود، فقال: (عل روف عفونخا، فرباه مسطماه) «لكثرة آثامك وفرط عدائك»[4]. فسبب تكذيب اليهود للنبي - - وشتمهم إياه - بشهادة أسفارهم – هو فرط عدائهم، وهو كما قال - تعالى -: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [المائدة: 28].
      وفي قصة صفية بنت حيي بن أخطب - - أنها قالت: كنتُ أَحَب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر؛ لم أَلقَهُما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلمَّا قدم رسول الله - - المدينة، ونزل قباءَ في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أَبي حييُّ ابن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلِّسين. قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس. قالت: فأتيا كالَّين كسلانَين ساقطَين يمشيان الهُوَينى. قالت: فهششت إليهمـا كما كنت أصنع، فو الله ما التفت إليَّ واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم! قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته واللهِ ما بقيتُ»[5].
      وهنا أختم بعرض ترجمة «فاندايك» العربية للنص أعلاه وأُتبعها بترجمتِي التي اعتمدت فيها الأصل العبري وأترك للقارئ الحكم.
      ترجمة فاندايك: «ماذا تصنعون في يوم الموسم وفي يوم عيد الرب؟ إنهم قد ذهبوا من الخراب، تجمعهم مصر، تدفنهم موف، يرث القريص نفائس فضتهم، يكون العوسج في منازلهم. جاءت أيام العقاب. جاءت أيام الجزاء. سيعرف إسرائيل، النبي أحمق، إنسان الروح[6] مجنون، من كثرة إثمك وكثرة الحقد.
      ترجمة الباحث: «ما أنتم عاملون ليوم الميعاد، ويوم يحشركم الرب؟ فها هم أولاء نَجَوا من البلاء: مصر تأسرهم، ومنف تدفنهم، ومُحمَّد يغنمهم، والقريص يرثهم، والعوسج في ديارهم. أزفت أيام العقاب وحلت أيام الجزاء، فبنو إسرائيل يدعون النبي سفيهاً وذا الوحيِ مجنوناً، من عِظَم الإثم وفرط العداء».
      الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْـحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْـحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْـمُمْتَرِينَ [البقرة: 641 - 741].


      ـ الحواشي ــــــــــ
      [1] «موعيد» في النص العبري.
      [2] منف: مدينة مصرية قديمة.
      [3]  Barr, James. Comparative Philology and the Text of the Old Testament (Winona Lake, Indiana: Eisenbrauns, 1987), p. 23.
      [4] هنا التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ أي انتقال من صيغة الغائب «يدعو إسرائيلُ» إلى صيغة المخاطب «آثامكَ» و «عدائكَ»، وفائدته البلاغية لفت المستمع أو القارئ إلى أمر ذي شأن. وقد سبق ورود التفات آخر عند قوله «ما أنتم عاملون ... فهاهم أولاء نجوا من البلاء» والأصل «فها أنتم أولاء نجوتم من البلاء». وهذا لا يعنينا كثيراً هنا وإنما أردت به بيان مُراوحة الضمائر وأن ذلك لا يغيِّر من أصل معنى النص شيئاً.
      [5] سيرة ابن هشام: 1/519.
      [6] «إيش هروح» التي تترجم بـ «إنسان الروح» معناها: «ذو الوحي» وهو وصف لمحمد - -؛ إذ سُمي القرآن الذي أنزل عليه «روحاً» في قوله - تعالى -: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشـَـاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى: 25].




      تم نشر المقال بجزأيه في مجلة البيان ، العددين 276 ، 277 شعبان ورمضان 1431هـ
      فيصل بن علي الكاملي
      باحث سعودي بمركز البحوث والدراسات بمجلة البيان

      تعليق


      • #3
        حياك الله وبياك أخي الكريم الأستاذ فيصل الكاملي، وأشكر لك كتاباتك المتميزة، وننتظر منك الكثير في هذا الملتقى .
        د. حاتم بن عابد القرشي
        كلية الشريعة _ جامعة الطائف
        [email protected]

        تعليق


        • #4
          http://http://www.youtube.com/watch?v=cFs_mE48hes
          بكالوريوس دعوة وإعلام تخصص صحافة ونشر

          تعليق


          • #5
            الأستاذ فيصل الكاملي شكرا جزيلا

            تعليق


            • #6
              للفائدة ..
              د. حاتم بن عابد القرشي
              كلية الشريعة _ جامعة الطائف
              [email protected]

              تعليق


              • #7
                يرفع للفائدة .
                * من عامة المسلمين *

                تعليق


                • #8
                  بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                  جزاك الله خيرا أخي كذلك أحب أن أضيف أن اسمه ورد صريحا في سفر نشيد الأناشيد الإصحاح (5) العدد (16) (حكو ممتكيم فكلو "محمديم" زيه دودي فزيه ريعي بنوت يورشالام" والذي قد ترجموه إلى "كله مشتهيات" لأنهم حرفوا التحريك فجعلوه "مِحْمَديم" وبالعودة إلى الحاخامات اليهودية وقرآءتهم لهذا النص تجد أنهم يلفظونه "مُحَمَّديم" و"يم" في العبرية تضاف للتعظيم
                  وهذا الفديو https://www.youtube.com/watch?v=WqMfrqvMhHM
                  بارك الله فيكم ودمتم سالمين

                  تعليق


                  • #9
                    ماشاء الله كلام علمى رصين متقن بلغة اكاديميه وعلميه ترقى للترجمه لاظهار الحق لمن يريده ، ومع التزام الجدال بالتى هى احسن ، فجوهر الخلاف مع اليهود والنصارى ، اعراضهم عن التوحيد ـ وانكارهم لنبوة محمد وبالتالى عدم الدخول فى شريعة الاسلام . اما امور التحريف الاخرى وامتلاء كتبهم بالفاظ لا تليق فهذا السكوت عنه فى نظرى افضل من باب سد ذريعة قيامهم بالرد السفيه باتهامات للقرءان او السنه

                    تعليق


                    • #10
                      أسعدك الله يا أستاذ فيصل.
                      بالأمس لاحظت الاسم في سفر هوشع، فدخلت اليوم أبحث في الإنترنت عمن سبقني للملاحظة، فوجدتك سبقتني بعشر سنوات!
                      بارك الله لك في علمك.

                      تعليق

                      20,037
                      الاعــضـــاء
                      238,114
                      الـمــواضـيــع
                      42,816
                      الــمــشـــاركـــات
                      يعمل...
                      X