• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • موقف حسن حنفي من القرآن الكريم

      موقف حسن حنفي من القرآن الكريم

      الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد:
      فبادئ ذي بدء يطيب لي أن أشكر كل من علق على ما كتابته تعليقًا على حسن حنفي وغيره من المفكرين، وأخص منهم د. الصالح الذي كتب تعليقًا أشبه بالرد على تعليقي، وحقيقة فإني لم أفهم أكثر ما ورد فيه.
      وعمومًا فإني أجزم يقينًا بأن من يدعو لقراءة كتب (محمد الجابري- محمد أركون- نصر حامد أبو زيد- حسن حنفي- عبدالمجيد الشُرفي- ومحمد شحرور- ونحو هؤلاء المفكرين المنحرفين) لا يخلو من رجلين:
      الأول: رجل جاهل بحقيقة ما عند هؤلاء القوم وما يريدون الوصول له وحقيقة منهجهم ومنطلقاتهم. وهذا الصنف مثله كمثل رجل خاصم زوجته، ولكي يعاندها ويغيضها ويكيدها ذهب فخصا نفسه!. وكان الأولى به أن يطلع أولًا على كتبهم ويعرف حقيقة ما يدعون إليه قبل أن يتبرع بالدعوة إلى قراءة تراثهم فيضل ويضل.
      الثاني: رجل يعرف حقيقة منهجهم ومع ذلك يتأثر ببعض الجوانب المضيئة عندهم- وهي قليلة جدًا- فينبهر بها وتذوب شخصيته في شخصيتهم فيدعو إلى قراءة تراثهم وهو يقصد ما علق في ذهنه من جوانب مضيئة- هذا مع حسن ظننا فيه، وإلا فهناك منحرف مثلهم يدعو إلى قراءة تراثهم وتبني أفكارهم-. وهذا مثله كمثل رجل: أخذ يتحدث عن كرم أبي جهل وشجاعته وحميته ونحو ذلك من الجوانب المضيئة عنده، ويسكت عن كفره وعداوته للنبي r...إلخ الجوانب المظلمة في حياته.
      بعد ذلك أعود لأُنجز ما وعدت به، وهو بيان موقف حسن حنفي من القرآن الكريم، لأن شرارة الحديث عن حسن حنفي التي أطلقها الدكتور: عبدالرحمن الشهري كانت متعلقة بكتابه: من النقل إلى العقل.
      وللعلم- فقط- فأنا عندما أكتب عن حسن حنفي فإني أكتب عنه كتابة ناقد وفاحص ومتخصص فيما كتب حيث إني أمضيت في قراءة تراثه ما يرقب من خمس سنوات- إنا لله وإنا إليه راجعون وأسأله أن يعوضنا عنها خيرًا- لكي أقطع الطريق عن مثل د. الصالح عندما يتهم بعض المحذرين لأولئك المفكرين بأنهم لم يقرءوا كتبهم.
      ذكرت في تعليقي السابق بأن حسن حنفي مفكر مادي لا يؤمن إلا بالمحسوس، أما الغيب فلا مجال عنده للإيمان به، وقد نص على أن الإنسان يمكنه أن يكفر بالغيب كله ويكون مسلمًا حقًا!!!.
      وقد سار حسن حنفي في الإيمان بالغيب كله على طريقة واحدة وهي إنكار كل ما لا يخضع للحس أو التجربة، لكنه لما جاء للقرآن الكريم ووجده كتابًا في متناول الإنسان يمسكه بيده ويقرؤه بلغته، فهو من هذه الجهة يتوافق مع ماديته حيث يقول: " إذا كان الإيمان بالله يدخل في العقليات في أصل التوحيد، والقضاء والقدر في أصل العدل، واليوم الآخر في المعاد، والرسل في النبوة، لم يبق إلا الكتب وهي الموضوع الحسي الوحيد المنقول من جيل إلى جيل... الإيمان بالكتب إذن هو أقرب الموضوعات إلى الحس وأبعدها عن الغيب، كتب الوحي أو كتب التاريخ والآثار... والكتاب في متناول الإنسان. يمسكه بيده، ويقرؤه بلغته، ويفهمه بعقله، ويحققه بفعله. الكتاب إذن هو مضمون النبوة الحسي العملي. وهو مجرد وسيلة وليس غاية، مجرد أداة وليس هدفًا"([1]).
      ويقول: " وهكذا دخل الله بصفاته وأفعاله طرفًا في كل المشاكل الإنسانية والطبيعية. ووُضعت المسائل كلها وضعًا لاهوتيًّا. فمسألة خلق القرآن مثلًا وُضعت وضعًا خاطئًا بجعل الله طرفًا فيها. في حين أن الوحي كلام موجود، مقروء ومسموع، متلو ومحفوظ، يحتوي على تصور للعالم بعد فهمه، وعلى باعث على السلوك بعد ممارسته. فهو موضوع مادي وليس صفة مطلقة لذات مشخصة"([2]).
      ويقول: " والوحي من حيث هو كلام مكتوب بلغة البشر. ولا يهمنا الكاتب لأن الشخص خارج نطاق السؤال. لا يوجد أمامنا إلا الكلام. والكلام مكتوب بلغة معينة تُطبق عليها قواعد هذه اللغة لفهمه. بل يتم التعبير عن الكلام أحيانًا بالصورة الفنية أي بتشبيه إنساني خالص"([3]).
      وبالتالي فهو يتعامل معه كما يتعامل مع أي وثيقة تاريخية بين يديه يلمسها ويحسها ويقرؤها، ولا يهمه من الذي تكلم به، ولا يلزم من وجودها وجود متكلمٍ بها، المهم أن الكلام موجود محسوس ومقروء، فالذي يطرق الأذن ليس الشخص الذي تكلم بل الكلمة([4]) وإنما الكلمة، يقول: " والكلام هو الصفة الوحيدة من الصفات السبع التي لها تحقق ملموس، مرئي ومسموع، هو القرآن. ومن هنا أتت أهميته كدليل حسي مادي على وجود الباري"([5]).
      والكلام الذي مسكه بيده وقرأه بلغته وفهمه بعقله وحققه بفعله، ليس هو كلام الله- تعالى- الذي أوحاه إلى أنبيائه ورسله، بل هو كلام الطبيعة في صورتها المثلى، متطابقًا معها حال نزوله([6])، حيث يقول: " والحقيقة أن الكلام هو الوحي الذي بين أيدينا... الكلام قصد من الله إلى الإنسان... فهو ليس صفة للذات المشخصة أي قصدًا من الإنسان إلى الله تعظيمًا وإجلالًا وتأليهًا. الوحي إذن كلام الله بلغة الإنسان، وبهذا المعنى يكون مخلوقًا أي أنه أرسل إلى الإنسان. هذا هو الخلق الطبيعي أو الإنساني عندما يتحول كلام الله إلى الإنسان وإلى الطبيعة مصله مثل حكمة البشر التي تخلد الجماعات والشعوب من خلالها في مأثوراتها وحكمها وأمثالها وقصصها وسيرة أبطالها"([7]).

      فحسن حنفي يستعمل لفظ الوحي كشيء مادي لا على أنه من الله I([8]) يقول: " نستعمل هنا لفظ "الوحي" كشيء مادي صرف أي المدون في كتاب معين وهو القرآن، ومن ثم فهو موجود. ليس في حاجة إلى إثبات وهو بخلاف نظرية النبوة"([9]). ويقول: " فالله لم يعد شخصه بل كلامه، وكلامه لا يرى بل يسمع ويطبق كنظام للعالم"([10]).
      وبما أن الوحي موضوع مادي فإنه قد يتغير من كونه مادة لاهوتية إلى مادة اجتماعية، ومن علاقات غيبية إلى علاقات مرئية، والخلاصة أن" الوحي مجموعة مواقف إنسانية نموذجية تتكرر في كل زمان ومكان"([11]).
      فبعد أن أنسن الكلام وجعله في الإنسان الكامل حقيقة وفي الله مجازًا وأن الكلام من الطبيعة، فلا مانع من إخضاع هذا الكلام لقواعد اللغة العربية، حيث يقول: " صيغ الكلام. مضمون الوحي توجيهات للإنسان في صيغ الكلام... وهو تناول لموضوع الكلام تناولًا إنسانيًّا علميًّا واقعيًّا عمليًّا، هذا الكلام الحسي المقروء المكتوب المفهوم المحفوظ المحرك لسلوك الأفراد والجماعات تنطبق عليه قواعد اللغة العربية وصيغ الكلام فيها"([12]).
      لما كان الكتاب محسوسًا ومقروءًا صعب على حسن حنفي أن يُنكره، فاضطر للتعامل معه بطريقة أخرى منطلقًا في ذلك التعامل من أربعة منطلقات هي كالآتي:-
      (1) المنطلق الماركسي المبني على الرؤية المادية للأشياء، التي لا تؤمن إلا بالمحسوس، ولا تؤمن بشيء يأتي لها من الخارج، ولما كان القرآن الكريم كتابًا ملموسًا مقروءًا، فقد تعامل معه على أنه وثيقة تاريخية كأي وثيقة بشرية، يجب أن يُتحقق من صحتها في التاريخ. وإذا تم له هذا الأمر أخذ في تأويلها كي يتوافق مع متطلبات الواقع وحاجات العصر.
      (2) المنطلق الاسبينوزي، حيث طبق على القرآن الكريم المحفوظ من كل زيادة أو نقصان منهج النقد التاريخي للكتاب المقدس!، حيث يقول: " يُعتبر علم النقد التاريخي للكتب المقدسة أحد المناهج العلمية التي وضعتها الفلسفة الحديثة، كما يُعتبر من أهم مكاسب الحضارة الأوربية بالنسبة لدراسة التوراة والإنجيل نتيجة عن تأليه العقل في القرن السابع عشر، قرن سبينوزا، وإخضاع الطبيعة له... ولا فرق بين الظاهرة الطبيعية والنص الديني كلاهما يخضع للعقل وقواعده"([13])، وهذا المنهج يقوم على ثلاث شعب:
      (أ) إثبات الصحة التاريخية للنقل منعًا للتحريف والتبديل. ولاحظ أنه يتكلم عن القرآن الكريم الذي تكفل الله تعالى بحفظه، يقول مُبشرًا بنقل خبرة سبينوزا إلى تراثنا الإسلامي، وإسقاط المادة التي عمل عليها وإحلال التراث الإسلامي بدلًا عنها، يقول- وهو يتحدث عن تطوير محاولة سبينوزا-: " والثالثة: هي إسقاط المادة التي عمل عليها سبينوزا، وإحلال مادة أخرى محلها، مع الإبقاء على نفس المنهج- منهج النقد للكتاب المقدس- أعني: إسقاط التراث اليهودي وإحلال تراث ديني آخر، وليكن التراث الإسلامي، حتى تتضح جِدة سبينوزا وأصالته فيما يتعلق بتفسير الكتب المقدسة... وكان سبينوزا نفسه يودّ تعميم تحليلاته على الديانات الأخرى... ومع ذلك فقد عمم سبينوزا تحليلاته على قدر ما استطاع على التراث المسيحي واليوناني والروماني والإسلامي"([14]).
      فحسن حنفي لا يؤمن أصلًا بأن الله- تعالى- قد تكفل بحفظ كتابه من الزيادة أو النقصان، وقد اعتبر هذا القول نوعًا من الغلو والتشدد وهروبًا من النقد، حيث يقول: " يُغالي البعض وأكثرهم من اللاهوتيين المحافظين ويدعون أن الله قد حفظ كتابه من التغيير والتبديل وأن العناية الإلهية هي الحافظة للنصوص، ومن ثم فلا داعي هناك لتطبيق قواعد المنهج التاريخي على النصوص الدينية، وإقامة نقد تاريخي للكتب المقدسة ()(الحجر: 9). وهي نظرية لاهوتية صرفة، تهرب من النقد، وتلجأ للسلطة الإلهية"([15]).
      (ب) الفهم الصحيح منعًا لسوء الفهم والتأويل.
      (ت) تطبيق الشريعة منعًا للإيمان الميت؛ لأن الكلام النظري غير ممكن الوقوع([16]).ولعله يريد تطبيق الشريعة تطبيقًا ماركسيًّا عمليًّا وتحويل الوحي إلى أيديولوجية يعني نظام فكري لا علاقة له بالواقع، حيث يقول: " يتضمن المضمون العملي للرسالة إثبات صحتها وفهم نصوصها وتطبيق أوامرها. وهنا يتحول([17]) علم أصول الدين إلى علم أصول الفقه ويصب فيه، وتعود إلى علم الأصول وحدته المفقودة بين النظر والعمل. وعلى هذا النحو لا يصبح موضوع النبوة من الموضوعات المتعالية بل يكون مسار الرسالة في التاريخ"([18]).
      المهم عند حسن حنفي تطبيق المنهج الاسبينوزي على القرآن الكريم بأي طريقة كانت، وأن يسير على خطى سبينوزا([19])؛ لأنه يعتبر رسالة سبينوزا دراسة لمصير الوحي في التاريخ([20]).
      فاسبينوزا يرى أن النقد التاريخي للكتاب المقدس سابق على الإيمان بالمصدر الإلهي للكتاب، وهو الضامن لصحته من حيث هو وثيقة تاريخية تحتوي على الوحي الإلهي، وتحتاج إلى تحقيق تاريخي مضبوط، وبالتالي يعارض سبينوزا وجهة النظر التقليدية المحافظة التي تؤمن بألوهية الكتاب قبل تطبيق قواعد المنهج التاريخي عليه([21]).
      والعجيب أن هذا الكتاب الذي أُولع به- حسن حنفي- وبمؤلِفه الذي عبَّر فيه عن رأيه في الدين، اعتبره بعض أصدقاء سبينوزا مخالفًا لعقائدهم اليهودية، لما فيه من إلحاد!، ونصحوه بعدم نشره، فنشره غفلًا من اسمه عام (1080هـ)، الموافق (1670م)([22]) فجاء حسن حنفي وتبرع بترجمته ونقله إلى العربية!.
      (3) المنطلق الفويرباخي، حيث طبق حسن حنفي فكرة الاغتراب على الدين كله بما في ذلك وجود الله وصفاته والنبوة واليوم الآخر، حيث يقول: " ومن ثم يجعل علم الكلام موقف الإنسان في العالم موقفًا مغتربًا؛ لأنه يتصور أن أمور الدنيا إنما تتحدد بأفعال ذات مشخصة من خارج العالم وليس بأوضاع العالم الفعلية"([23]).
      والقرآن الكريم ليس بدعًا من هذه المنظومة العقدية التي طبق عليها حسن حنفي فكرة الاغتراب، حيث اعتبر إيمان الشخص بالقرآن الكريم على أنه كلام رب العالمين نوع من الاغتراب، ولكي يخرج من حال الاغتراب والاستلاب فلابد له من إنكاره والكفر به، كما اعتبر أن الكلام في الإنسان حقيقة وفي الله مجازًا، حيث يقول: " الإنسان عالم قادر حي سميع بصير متكلم مريد بالحقيقة، و"الله" كذلك بالمجاز حرصًا على التنزيه، وحفاظًا على التعالي"([24]).
      وبالتالي لم تعد القضية عنده قضية إثبات صفة الكلام أو نفيها، وإنما أصبحت المشكلة عنده في إثبات مَنْ المتكلم؟ أهو الله أم الإنسان؟ حيث يقول: " والحقيقة أن الكلام ليس في حاجة إلى إثبات إنما الإشكال في إثبات كلام من؟ إن الكلام الإنساني يفرض نفسه، والوحي ذاته كلام بلغة الإنسان، وصيغه صيغ الكلام الإنساني، أمر ونهي وخبر"([25]).
      وخلص إلى نتيجة مفادها: أن إثبات صفة الكلام نوع من الاغتراب، ويوقع في التشبيه، ويعطي الألوية للذات المشخصة على الصفة ثم للصفة على الكلام، كما أنه يؤدي إلى الانفعال، والانفعال نقص في التنزيه، ولكي يقضي على الاغتراب ويحافظ على التنزيه، نفى صفة الكلام؛ لأن الكلام لا صلة له بالذات المشخصة، بل هو من فعل الطباع، يقول: " فنفي الكلام إذن قضاء على الاغتراب وعود إلى الكلام الإنساني، ورد الوعي إلى ذاته مدركًا ومتكلمًا، وإعمال للعقل بدل الوهم ورؤية للواقع للخيال"([26]).
      (4) المنطلق الهوسرلي، حيث اعتبر القرآن الكريم ينشأ في الشعور، سواء كان في شعور الملَك u أو شعور النبي r.
      جاء حسن حنفي للقرآن الكريم بتلك المنطلقات، فحاول جاهدًا مركسته وفصله عن الله I وقد بدأ ذلك بأمرين:-
      الأول: أنه أخرج صفة الكلام من أن تكون صفة لله مندرجة تحت باب التوحيد، وأدخلها تحت باب العدل، الأصل الثاني عند المعتزلة([27])، وهذا الأصل مرتبط بالقدر، وخاصة مسألة خلق أفعال العباد والإيجاب والمنع في حق الله، ولا علاقة له بالصفات ألبتة، ومعلوم أن صفة الكلام من الصفات المندرجة تحت توحيد الأسماء والصفات، المندرج تحت باب التوحيد، يقول مبررًا صنيعه: " وقد يظهر الكلام كأحد أبواب العدل ويخرج عن كونه صفة للذات في أبواب التوحيد. ووجه اتصاله بالعدل هو أن القرآن فعل من أفعال الله يصح أن يقع على وجه فيقبح وعلى وجه فيحسن"([28]).
      ثم أخذ يردد كلام المعتزلة من القول بخلق القرآن، حيث يقول: " الكلام أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي"([29]). وهذا الكلام الذي يقوله ويردده ويتمسح بالمعتزلة فيه، هو من باب التلبيس، ومحاولة صبغ رأيه في القرآن بصبغة إسلامية، والدليل على ذلك أن الخلْق الذي ذهبت إليه المعتزلة- وقد ضلوا في هذا الباب- غير الخلق الذي يقصده حسن حنفي وذهب إليه، فبينهما فرق كبير، فمعنى الخلق عنده هو الخيال، وهو نفس ما قاله سبينوزا ولسنج، يقول حسن حنفي: " الخلق هنا بمثابة عملية يقوم بها الخيال من أجل توجيه السلوك والتأثير على الناس. وهذا هو الخلق الفني"([30]). و" والخلْق في نهاية الأمر صفة إنسانية لفعل إنساني كما هو واضح عند الفنان"([31]).
      والثاني: أنه عرَّف الوحي بتعريفات مادية تفصله عن الله I ومن هذه التعاريف أنه" علم مستقل بذاته يستنبطه الإنسان ويضع قواعده وأصوله لا هو بعلوم الدين ولا هو بعلوم الدنيا. هو علم المبادئ الأولى التي تقوم عليها العلوم جميعًا، وهي مبادئ مقلية وطبيعية شعورية ووجودية في آن واحد"([32]).
      وكعادته في إلقاء الكلام على عواهنه إذ إنه لم يبين لنا كيف يمكن للإنسان أن يستنبطه؟ ومَنْ هو هذا الإنسان الذي يستطيع استنباطه؟.
      وعرَّفه أيضًا بأنه" مجموعة من الصور الإنسانية الخالصة، خاصة بأسلوب التعبير والمخاطبة دون وصف لواقع بل للإيحاء به وتوجيهه"([33]).
      وقال معرِّفًا له أيضًا بأنه: " المبادئ العامة في المعرفة الإنسانية"([34]).
      وعرَّفه أيضًا بأنه" مجموعة من البواعث التي تبعث على النشاط وتدفع إلى الحركة وليست مجموعة من العقائد الجاهزة للإيمان والتسليم بها"([35]).
      وبناء على هذه التعريفات التي ألغى فيها أن يكون الوحي من عند الله- تعالى- فإن الوحي يتكيف حسب خيال الأنبياء وقدراتهم، حيث يقول: " ويتكيف الوحي حسب خيال الأنبياء وقدراتهم كما تكيف بعد ذلك حسب معتقدات الحواريين والدعاة وأساليبهم في نشر الدعوة"([36]).
      ونتيجة لهذا التكيف وهذه القدرات فقد جاء الوحي مختلفًا من نبي لآخر، فالنبي الفرح يُوحى إليه بحوادث سعيدة، والحزين تؤيده آيات حزينة، حيث يقول: " يختلف الأنبياء فيما بينهم حسب خيالهم وطبعهم ومعتقداتهم وآرائهم، فالنبي الفرح تُوحى إليه الحقائق بحوادث سعيدة، والنبي الحزين تؤيده آيات حزينة. والنبي ذو الخيال المرهف تُوحى إليه الأشياء بصور ناعمة رقيقة، والنبي الريفي يُوحى إليه بصور ريفية، والنبي الجندي يُوحى إليه بصور عسكرية، والنبي رجل البلاط يُوحى إليه بصور ملكية. ويختلف الأنبياء فيما بينهم حسب معتقداتهم في السحر والتنجيم، فتوحى إليهم الموضوعات السحرية كما أوحيت للمجوس ولادة المسيح، ومن يؤمنون بالكهانة والعرافة يُوحى إليهم في أمعاء الضحايا، ومن يؤمنون بحرية الاختيار يُوحى إليهم بأن الله لا يتدخل في أفعال البشر"([37]).
      وما دام الأمر كله قائم على قوة التخييل والقدرات فإن الأنبياء قد جهلوا كثيرًا من الحقائق، كلًا حسب قدراته وقوة تخيله، يقول: " الأنبياء جهلوا كثيرًا من الحقائق، واستعملوا أسلوب التخييل، للتأثير على النفوس... لم يكن للأنبياء فكر أكمل، بل خيال أخصب"([38]). وهذا نفس ما قاله سبينوزا ([39]).
      إن مهمة الوحي عند حسن حنفي ليست هي تعبيد الناس لرب الناس وهدايتهم وتعريفهم بالله- تعالى- وإنما مهمته تربوية محضة الغاية منها تربية الإنسانية حيث يقول: " مهمة الوحي تربوية محضة. والغاية منه تربية الإنسانية وليس إعطاء عقائد أو إقامة شعائر أو تشييد مؤسسات. فالوحي وسيلة لا غاية. إذا تحققت الغاية أدّت الوسيلة المطلوب منها"([40]).
      أما مهمة النبي r أي نبي فهي التبليغ والتعبير وصياغة الوحي بأسلوبه وحسب بيئته المكتسبة، يقول: " مهمة النبي هي صياغة الوحي أي المعاني الصرفه، بأسلوبه وبطريقته وباستدلالاته الفطرية أو البيئية المكتسبة حسب مستوى فهم العامة. لم يرسل الله وحيًا بالمعنى واللفظ، ولكنه أعطى المعنى فقط يقذفه في قلب النبي الذي يقوم بصياغته في ألفاظ من عنده"([41]).
      وبناء على تعريفات الوحي فقد خرج بعدة نتائج هي كالتالي:-
      (1) إن الوحي ظاهرة شعورية خالصة يكتشف بها الإنسان المعاني في نفسه، يقول: " الكلام تجربة شعورية خالصة يكتشف بها الإنسان المعاني في نفسه بناء على أفعال الشعور من شك وظن واعتقاد ويقين واستفهام وتفكير وتدبر"([42]).
      (2) إن الوحي ظاهرة تاريخية أو اجتماعية كأي ظاهرة أخرى، نشأ في ظروف اجتماعية خاصة، يقول: " النصوص الدينية ذاتها نصوص تاريخية، نشأت في ظروف اجتماعية خاصة عُرفت باسم "أسباب النزول" وتطورت طبقًا للزمان وتجدد حاجات المجتمع! وتنوع قدرات البشرية! من حيث هي مصادر للشرع عُرفت باسم "الناسخ والمنسوخ""([43]).
      (3) إن الوحي فكرٌ ينبت في الشعور يقول: " ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور، إما في الشعور العام الشامل وهو ذات الله أو في الشعور المرسل إليه والمعلن فيه، وهو شعور الرسول أو شعور المتلقي للرسالة، وهو شعور الإنسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقًا لما طلب"([44]).
      والنتيجة المنطقية التي يقود إليها القول بأن الوحي ظاهرة شعورية هي أن معرفة الوحي معرفة صحيحة بالأدوات العلمية أمر مستحيل، ولا يمكن ذلك إلا عن طريق أداة واحدة هي حدس حسن حنفي الشعوري الذاتي([45]).
      (4) إن الوحي علم إنساني، وليس وحيًا ربانيًّا، يقول: "... وذلك لأن الوحي بمجرد نزوله يصبح علمًا إنسانيًّا، ويتحول بمجرد قراءته وفهمه إلى علوم إنسانية"([46]).
      وههنا سؤال مفاده: لماذا يصبح القرآن الكريم (فقط من بين كل الكلام) منذ لحظة نزوله وبمجرد قراءته نصًا إنسانيًّا بدلًا من أن يكون نصًا إلهيًّا دون غيره من النصوص؟! وهل يقول حسن حنفي أن القصيدة التي نظمها وقالها أحمد شوقي- مثلًا- وأنشدناها قد انقطعت صلتها ونسبتها له الذي نظمها وقالها؟ وكذلك ما يتكلم به هو ويكتبه فهل تنقطع صلته به ولا يُنسب إليه؟ أم أن هذا تحكم منه في النص القرآني فقط ولا يُقاس عليه غيره؟! إنه المنهج المادي، الذي لا يؤمن بإله خالقٍ أصلًا فضلًا عن أن يُؤمن بكلامه([47]).
      (5) إن الوحي مجموعة من القصص التاريخي والأساطير، وأن ما ظنه الناس قرونًا طويلة وحيًا ربانيًا هو في الحقيقة ليس كذلك، يقول: " وثبت! أن ما ظنه الناس قرونًا طويلة وحيًا أنه ليس كذلك بل مجموعة من كتب التاريخ القصصي والأساطير. تحللت النصوص ورجعت كل فقرة إلى مصادرها في بابل أو آسيا الصغرى أو مصر، وظهرت بواعث التأليف سياسية واقتصادية واجتماعية"([48]).وهذا يشبه ما قاله المشركون عن القرآن الكريم قديمًا، قال الله تعالى: (ﯦﯧ ﯨ ﯩ ﯰﯱﯸﯹ ﯼ ﯽ ﯿ) (الأنعام: 25)، وقال تعالى: (ﯕﯖ) (النحل: 24)، وقال تعالى:(ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ) (الفرقان: 5)، وقال تعالى:() (الأحقاف: 17)، وقال تعالى: ( ﯼ ﯽ) (القلم: 15)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
      (6)إن الوحي علماني في جوهره يقول: " العَلْمانية([49]) إذن هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره، والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ، تظهر في لحظات تخلف المجتمعات وتوقفها عن التطور"([50]).
      والحقيقة أن وصف الوحي بهذا يدل على قمة الإفلاس الذي يعاني منه حسن حنفي، فهو لما عجز عن إثبات أن الوحي محايث للشعور- كما سبق- عمد إلى القول الفج بأنه علماني. مع أنه لم يبين لنا- كعادته- في أي لحظة تاريخية أو مرحلة وقع هذا التنوير للوحي وتحول من العَلْمانية إلى الدينية الطارئة عليه؟ ومَنْ الذين قاموا بعملية التنوير تلك؟ ([51]).
      (7) إن الوحي الذي هو كلام الله تداخل مع كلام البشر!، يقول: " يظن الكثيرون أن كلام الله وكلام البشر نقيضان... والحقيقة غير ذلك. فقد تداخل كلام الله وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن... الوحي هنا يقوم بعملية التطوير والتجديد والتغيير، أحكامًا لكلام البشر واستجابة له.وهو استجابة لما يتحدث به البشر، فالبشر يتكلمون ويتحدثون والله تعالى يستجيب لهم بعد ذلك بالوحي، وبناءً عليه فإن الواقع هو الأصل والأساس وله الأولوية على النص، حيث يقول: " لأن البشر يتكلمون والله يسمع ويستجيب، الناس يتحدثون والله يرد... كلام الله إذن استجابة لكلام البشر... فالوحي والواقع صنوان على مستوى الصياغة اللغوية، وعلى مستوى الاهتمامات الفعلية"([52]).
      وهذا يشبه ما قاله الوليد بن المغيرة المشرك في القرآن الكريم لـما سمع شيئًا منه من النبي r فقال: " ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول البشر، يقول: ما هو إلا كلام ابن آدم، وما هو بكلام الله"([53]). فأنزل الله تعالى في شأنه قوله تعالى: () إلى قوله: ( ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ) (المدثر الآيات: 11-30).
      يقول الطحاوي في عقيدته: " وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس مخلوقًا ككلام البرية. فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده سقر... علمنا وأيقنا أنه قولُ خالق البشر، ولا يشبه قول البشر"([54]).
      وبالتالي فليس هناك فرق بين الوحي وبين كلام البشر- عنده- يقول: " كلام البشر هي الشرارة والوحي هو النار... وقد يأتي كلام البشر تمامًا مثل كلام الله إبداعًا فنيًا أصيلًا من الإنسان وكأن الوحي قد تحول فيه إلى إبداع خالص"([55]).
      ويؤكد هذا المعنى بقوله: " لا يوجد فرق بين كلام الله وكلام البشر بعد أن تجسَّد فيهم"([56]). بل إن الإنسان عنده يستطيع أن يقول مثل كلام الله، يقول: " قل أنت: قال الله في كتابه الكريم: يا شباب الحجارة ويا أطفال الحجارة استمروا... ويكون كلامك صحيحًا... أي أنك عبرت عن الواقع بصياغة لو كان الوحي هنا لعبر عن الواقع نفسه ربما بصياغة بلاغية أجمل"([57]).
      ويؤكد هذا بقوله: " والقرآن الذي بين دفتي المصحف فإنه مقدور عليه. أقل سورة منه ليست كذلك بل مقدور على مثله"([58]).
      وقد سبقه إلى هذا المعنى المشركون كما قال الله تعالى: (ﮮﮯ ) (الأنفال: 31).
      (8) إن الوحي مخلوق إما خلْقًا فنيًّا وهو ما يقوم به الخيال([59])، وإما خلْقًا فعليًّا وهو ما يؤول إليه الكلام([60]). والقول بأن القرآن مخلوق كفر، يقول أبو عثمان الصابوني: "ويشهد أهل الحديث ويعتقدون أن القرآن كلام الله، وكتابه، ووحيه، وتنزيله غير مخلوق؛ ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم"([61]). وهذا محل إجماع عندهم([62]).
      (9) إن الوحي من كلام جبريل u وليس من كلام الله تعالى، يقول: "المنزِّل هو الله، والمنزَّل عليه قلب النبي، والنزول هو اللغة العربية، والنازل على الحقيقة هو قول جبريل"([63]).
      يقول أبو عثمان الصابوني: " والقرآن- الذي هو كلام الله ووحيه- هو الذي نزل به جبريل على الرسول r قرآنًا عربيًا لقوم يعلمون بشيرًا ونذيرًا، كما قال U: (ﮓ ﮔ ﮕ ) (الشعراء الآيات: 192-195).
      وهو الذي بلَّغه الرسول r أمته، كما أُمر به في قوله تعالى: ( ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭿ) (المائدة: من الآية67)، فكان الذي بلغهم- بأمر الله تعالى- كلامه U... وهو الذي تحفظه الصدور، وتتلوه الألسن، ويُكتب في المصاحف، كيفما تصرف بقراءة قارئ، ولفظ لافظ، وحفظ حافظ، وحيث تُلي وفي أي موضع قُرئ وكتب في مصاحف أهل الإسلام، وألواح صبيانهم، وغيرها، كله كلام الله Y غير مخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو كافر بالله العظيم"([64]).
      (10) إن الوحي منتج ثقافي تشكل في الواقع خلال فترة نزوله([65])، وصعد منه، ولم ينزل إليه، وهذا بناءً على المنهج الصاعد للوحي الذي يستعمله ويؤمن به.
      (11) إن الوحي هو الطبيعة، يقول: " الكلام هو الطبيعة في صورتها المثلى متطابقًا مع الطبيعة بفعل النزول، وتطورًا للطبيعة بفعل النسخ، واكتمالًا للطبيعة بفعل اكتمال الوحي"([66]).
      (12) إن الوحي خطاب سلطوي([67]) وخطاب يطالب بالإيمان بالغيب والعقائد، حيث يقول: " الخطاب الديني: سواء كان مقدسًا أو دنيويًّا، إلهيًّا أم إنسانيًّا([68])، وحيًّا أم إلهامًا، نقلًا أم عقلًا، وهو أكثر الخطابات عمومية؛ لأنه سلطوي، أمري، تسليمي، إذعاني، يُطالب بالإيمان بالغيب وبالعقائد، ويعتمد على التصوير الفني وإثارة الخيال، والحياة المستقبلية وما بها من وعود وخلاص من آلام البشر. قد يكون خطابًا عقائديًّا كما هو الحال في علم الكلام، أو باطنيًّا كما هو الحال في التصوف، أو تشريعيًّا كما هو الحال في الفقه وأصوله، يقدّسه الناس حتى ليصبح بديلًا عن المقدس ذاته، له أصول وفروع، وله قلب وأطراف، وبه حق وباطل، فرقة ناجية وفرق هالكة، يعتمد على سلطة النص أكثر من اعتماده على سلطة العقل. يعتبر نفسه حكمًا ومقياسًا لأنواع الخطابات الأخرى. يتوحد به الحكم بحيث يصبح الخطاب الديني والخطاب السياسي خطابًا واحدًا. تكثر المذابح والحروب، ويتم تكفير المخالفين باسمه. يدل على مرحلة تاريخية قديمة قاربت على الانتهاء، لأنه أقدم على أنواع الخطاب. يؤدي أحيانًا إلى الغرور والتعالي والتعصب ولا يقبل الحوار؛ لأنه خطاب أخلاقي يعتمد على سلطة القائل وإرادته. لا يحتاج إلى مقاييس للصدق إلا من صدق القائل"([69]).
      (13) إن الوحي فارغ لا يُعطي شيئًا وليس له معنى، حيث يقول: " إن النقل لا يُعطي إلا افتراضات يمكن التحقق من صدقها في العقل ومن صحتها في الواقع، كما يعطي حدوسًا يمكن البرهنة على صدقها بالعقل وعلى صحتها في التجارب اليومية ويكون المحك في النهاية العقل والواقع، العقل وحده وسيلة التخاطب، والواقع وحده هو القدر المشترك الذي يراه جميع الناس، فالاستدلال العقلي والإحصاء الاستقرائي دعامتا اليقين"([70]).
      لاحظ أن هذا النص يتعارض مع ما قاله قبل من أن الوحي" يعطي العقل بداية يقينية مطلقة حتى يتجنب الإنسان محاولات الخطأ والصواب إلى ما لا نهاية، ويبقى احتمال الخطأ في الفهم والتطبيق أقل"([71]).
      ويقول: " هل الخطاب الديني له معنى من داخله أم من خارجه؟ ليس للخطاب الديني معنى في داخله، فالقرآن نموذج للخطاب، كتاب مسطور لا ينطق، إنما ينطق به الرجال، الخطاب المدون حروف، كلمات وأفعال وأدوات ربط، مرئية بالعين، مدونة باليد، ومسطورة على صحف، يعطيها القارئ معناها بما لديه من قدرات لغوية ومعرفية..."([72]).
      (14) إن الوحي لن يأت بجديد لا يستطيع العقل الوصول إليه؛ لأنه فكر ينبت في الشعور، وإذا ما رجع إليه فالرجوع إليه بالنسبة لحسن حنفي رجوع للبركة ولكونه يقصر الطريق، ويقلل الجهد، ويعطي دفعة للعقل، يقول- وهو يتحدث عن الوحي الذي اعتبره خيالًا وهذا من تناقضه-: "... صحيح أن العقل قادر على الوصول إلى هذه البدايات اليقينية ولكن الوحي يقصر الوقت ويقلل الجهد، ويعطي دفعة للعقل بالأوليات الأولى... يمكن للوحي توفير الجهد وتقصير المسافة واختصار الشوط. فلو أراد الإنسان بجهده الخاص أراد الحصول على النظريات ثم استنبط منها التشريعات لكان في حاجة إلى عدة أعمار..."([73]).
      (15) إن الوحي مجرد افتراض في البحث العلمي فقط، والأخذ به لا ينبغي أن يخرج عن ذلك، ثم يُتحقق من صحة هذا الافتراض، حيث يقول: " أما الوحي بالنسبة لي، فإنني آخذه على سبيل الافتراض. أنا في رأيي؛ الوحي هو افتراض في البحث العلمي، يقوم بدور الافتراض في البحث العلمي. فهل يتحقق؟ والتحقق من الصدق. أقصد التحقق تجريبيًا صِرفًا وليس صوريًا، لا اتفاق نتائج مع مقدمات، ولكن التحقق من صحة هذا الفرض في الواقع الاجتماعي. ومن ثم فأهلًا وسهلًا، أنا أتقبل كل النبوات وكل الوحي وكل الآراء. وعليّ أن امتحنها على محك الواقع"([74]).
      ويؤكد هذا المعنى بقوله: " نصوص الوحي ليست كتابًا أُنزل مرة واحدة مفروضًا من عقل إلهي! ليتقبله جميع البشر. بل مجموعة من الحلول لبعض المشكلات اليومية التي تزخر بها حياة الفرد والجماعة"([75]). فهو يقلل الجهد النظري في البحث عن المبادئ العامة من أجل التركيز على التفصيلات والتطبيقات العملية([76]).
      (16) إن الوحي لا يُثبت شيئًا، بل هو في حاجة إلى إثبات، في حين لا يقف شيء غامض أمام العقل، يقول: " إن النص لا يثبت شيئًا بل هو في حاجة إلى إثبات، في حين لا يقف شيء غامض أمام العقل، فالعقل قادر على إثبات كل شيء أمامه أو نفيه"([77]).
      بل إن نصوص الوحي كلها عنده ظنية ولا تفيد اليقين([78]) حتى لو تضافرت وأجمعت على شيء ما أنه حق لم يثبت أنه كذلك إلا بالعقل وقرائن الحس والمشاهدة، وفي هذا يقول: " فإن الحجج النقلية كلها ظنية حتى لو تضافرت وأجمعت على شيء أنه حق لم يثبت أنه كذلك إلا بالعقل، ولو بحجة عقلية واحدة وذلك لاعتمادها على اللغة والرواية والأقيسة ولاحتمال وجود المعارض العقلي([79]). ولا تتحول إلى يقين إلا بقرائن من الحس والمشاهدة. والقرائن الحسية ليست فقط تدعيمًا للحجة النقلية بل للحجة العقلية كذلك. فالواقع أساس النقل والعقل على السواء"([80])، وبالتالي يصبح النص عنده" مجرد صورة عامة تحتاج إلى مضمون يملؤها. وهذا المضمون بطبيعته قالب فارغ يمكن ملؤه من حاجات العصر ومقتضياته"([81]).
      وبناء على هذه النتائج فقد توصل إلى ضرورة ماركسية، هي: أن الأولوية للواقع على كل نص، حيث يقول: " وأن الواقع له الألوية على كل نص"([82]). فالوحي والواقع كلاهما بمعنى واحد عنده، يقول: " الوحي نظر مؤسس في الواقع، والواقع وحي مؤسس في النظر"([83])، ولا يكون الوحي عنده نهائيًا إلا إذا تطابق مع الواقع، يقول: "الوحي تجريبي بمعنى أنه لا يكون وحيًا نهائيًا إلا إذا تطابق مع الواقع"([84])([85]).
      كما خلص إلى أن الإنسان ليس محتاجًا للوحي أصلًا، حيث يقول: " الإنسان لا يحتاج إلى وحي"([86]). وتماشيًا مع ماركسيته فقد اعتبر الواقع وحيًا، حيث يقول: " الوحي واقع متحقق، والواقع وحي متحقق. ويكون العيب كل العيب في جعل الوحي مطلقًا خارج الزمان والمكان أو حرفًا في نص مدون"([87]).
      ولكي ينفي الغيب عن الوحي، فكل ما لم يمكن التدليل عليه بالعقل والتجربة فليس وحيًا عنده، والسبب في جعله الواقع والتجربة معيارين للتحقق من صدق الوحي، ما زعمه من أنه" لا يكاد يتفق اثنان على معنى واحد للنص في حين أن استعمال العقل أو اللجوء إلى الواقع يمكن أن يؤدي إلى اتفاق"([88]). وهذه الدعوى تكذبها الإجماعات الكثيرة المذكورة والمبثوثة في كتب الفقه وغيره، كاتفاق المسلمين على أركان الإيمان وأركان الإسلام، والمحرمات كالربا والزنا والكذب وغير ذلك كثير.
      وإمعانًا في مركسة الوحي وقطع صلته بالله فقد استعمل المنهج الصاعد في الوحي بدلًا من المنهج النازل، تناغمًا مع ماركسيته التي ترى الفكر ما هو إلا انعكاس للمادة([89])، فالوحي عنده" موضوع طبقًا لأسباب النزول. فهو ليس مفروضًا على الواقع بل ظهر بناء على نداء الواقع واكتمل بناؤه على تطوره وأعيدت صياغاته طبقًا لقدراته وأهليته على ما هو معروف في الناسخ والمنسوخ. هي عملية جدلية بين الفكر والواقع، الواقع ينادي على الفكر ويطلبه والفكر يأتي مطورًا للواقع ويوجهه نحو كماله الطبيعي. ثم يعود الواقع فينادي فكرًا أدق وأحكم حتى يتحقق الفكر ذاته ويصبح واقعًا مثاليًا يجد فيه الواقع الطبيعي كماله"([90]).
      فلا يعدو كون الوحي عنده توجيهات للإنسان، يقول: " مضمون الوحي توجيهات للإنسان في صيغ الكلام... وهو تناول لموضوع الكلام تناولًا إنسانيًّا علميًّا واقعيًّا عمليًّا، هذا الكلام الحسي المقروء المكتوب المفهوم المحفوظ المحرك لسلوك الأفراد والجماعات تنطبق عليه قواعد اللغة العربية وصيغ الكلام فيها"([91]).
      وليس الوحي ثابتًا لا يتغير ولا يتبدل بل يتطور بتطور الزمان والمكان؛ لأنه ليس خارجًا عنهما، من اليهودية إلى النصرانية ثم إلى الإسلام، حيث يقول: " والحقيقة أن النسخ في القرآن يدل على وجود الوحي في الزمان وتغيره طبقًا للأهلية والقدرة وتبعيته لمدى الرقي الفردي والاجتماعي في التاريخ. الوحي ليس خارج الزمان، ثابتًا لا يتغير بل داخل الزمان يتطور بتطوره"([92]).
      وبالتالي يكون العقل عنده حاكمًا على النقل ومهيمنًا عليه، يقول: " ومن هنا يكون العقل أساس النقل ليس فقط من حيث قصد الوحي بل أيضًا من حيث مضمون الوحي والتصديق به وصدقه في الواقع"([93]).
      فمهمة مشروع "التراث والتجديد" تحويل اللاهوت إلى أنثروبولوجيا، والإلهيات إلى إنسانيات، فالإلهيات عنده إنسانية، وهي وصف للإنسان الكامل ذاتًا وصفات وأفعال، فالإنسان إذن قابع في الإلهيات([94]).
      وقصده من هذه الأنثروبولوجيا، كما يقول: " دراسة ثقافات الشعوب في عصورها التاريخية المختلفة من أجل العثور على عناصر ثابتة فيها ثم قياس نسبة الثوابت من المتغيرات"([95]).
      كما أنه استطاع التأكيد على تاريخية الوحي وتحويله إلى أيديولوجية وخبرة بشرية وعلم إنساني وأنه مخلوق وهو من كلام جبريل u كما أكد على علاقة الوحي بالواقع([96]).
      ومن أسباب تخلفنا في نظره أننا حَولنا الوحي إلى عقائد وشعائر نُكفر من لم يؤمن بها، وفي هذا يقول: " وفي فترة تخلفنا حولناه- الوحي- إلى مجرد عقائد وشعائر، نُكفّر من لم يؤمن بها أو يمارسها"([97]).
      وها هو ذا يعتبر أن حضارتنا" حضارة نص([98]) وليست عقل، حضارة كتاب وليست طبيعة، فمصدرنا الأول في المعرفة هو القرآن أو الكتاب أو المصحف. تتلوه السنة..."([99]).
      ولما كان الوحي في نظره يتطور مرحلة بعد مرحلة، فإنه يمكن الاستغناء عنه بالكلية، وذلك حينما تبلغ البشرية مرحلة النضج العقلي، عندها كما يقول: " يستقل الوعي البشري عقلًا وإرادة، ويصبح الدين تعبيرًا عن الفطرة، والوحي مطابقًا للواقع"([100]). فلا يحتاج إلى إله يتدخل في إرادته، ولا إلى وحي يوجهه، ولا إلى نبي يعلمه.
      والمنهج لدراسة تلك النصوص لا بد أن يتم وفق تحليل التراث القديم، كما يقول: " في تاريخيته الأولى، كيف نشأ وعن أية قوة اجتماعية وسياسية كانت تعبر تياراته واتجاهاته ومذاهبه وفرقه المختلفة. فالتراث تاريخ في النهاية"([101]).
      ومن خلال هذه الطريقة التي ذكرها لدراسة التراث، يصل إلى نتيجة مفادها أن الدين كله من صنع السياسة([102])، وإذا كان كذلك فالباب مفتوح على مصراعيه لكي يأتي كل واحد برؤيته السياسة وكل هذه الرؤى توضع على قدم المساواة، ولذا فقد اعتبر مشروعه مشروعًا سياسيًّا.
      والخلاصة التي يريد الوصول إليها هي كما يقول: " إن الوحي ليس دينًا بل هو البناء المثالي للعالم"([103])، وأنه مجرد مشروع عمل لا علاقة له بالسماء،" الوحي مشروع عمل، والعمل وحي متحقق. الوحي إمكانية تحولت إلى الواقع، والواقع هو تحقيق فعلي لإمكانية الوحي"([104])، ومعنى كونه مشروع عمل يعني أنه أصبح مجرد اقتراحات قابلة للصواب والخطأ، والأخذ والرد، فالوحي كله" مجموعة من الحلول لبعض المشكلات اليومية التي تزخر بها حياة الفرد والجماعة، وكثير من هذه الحلول قد تغيرت وتبدلت حسب التجربة على مقدار الإنسان وقدرته على التحمل. وكثير من هذه الحلول لم تكن كذلك في بادئ الأمر مُعطاة من الوحي بل كانت مقترحات من الفرد أو الجماعة ثم أيدها الوحي وفرضها... فهو ليس عطاء من الوحي بقدر ما هو فرض! من الواقع وتأييد الوحي له"([105]).
      وما دام أن الوحي كله عبارة عن حلول واقتراحات وفرض من الواقع فهو عرضة للخطأ والصواب، ولذا لا مانع من مراجعته وتصويبه وتصحيحه ونقضه([106])([107]).
      وخاتمة المطاف أن الإنسان ليس في حاجة إلى الوحي، يقول: " يقوم الوحي إذن على العقل... وكل ما حسنه العقل حسنه الشرع بل إن العقل ما كان في حاجة إلى الشرع لأن الإنسان لا يحتاج إلى وحي"([108]).




      ([1]) من العقيدة إلى الثورة (4/279).
      ([2]) المرجع نفسه (1/86).
      ([3]) من العقيدة إلى الثورة (2/561).
      ([4]) انظر: المرجع نفسه (2/434).
      ([5]) المرجع نفسه (2/435).
      ([6]) انظر: المرجع نفسه (2/462).
      ([7]) المرجع نفسه (2/465،464).
      ([8]) يقول جورج طرابيشي: " لنشر عابرين إلى أن كلام حسن حنفي عن "الوحي باعتباره علمًا محكمًا" هو استعارة مباشرة، لا مواربة فيها، من هوسرل، ولكن بعد إنابة "الوحي" مناب "الفلسفة" (راجع مقالة هوسرل المشهورة عام 1911م: " الفلسفة باعتبارها علمًا محكمًا"". ازدواجية العقل (ص13).
      ([9]) من العقيدة إلى الثورة (1/539) حاشية رقم (311).
      ([10]) المرجع نفسه (1/249).
      ([11]) المرجع نفسه (1/86،87).
      ([12]) المرجع نفسه (2/477).
      ([13]) رسالة في اللاهوت والسياسة (ص18).
      ([14]) انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة (ص7).
      ([15]) انظر: المرجع نفسه (ص21،22) حاشية رقم (2).
      ([16]) انظر: من العقيدة إلى الثورة (4/279).
      ([17]) لم يبين لنا كيف يتم هذا التحول، ولا كيف تتم الوحدة بين الأصول، وهذا الكلام لا يقوله إلا مَنْ جهل الفرق الكبير بين العلمين علم أصول الدين المبني على الوحي، وعلم أصول الفقه المبني على الاستنباط والاستقراء في ضوء النصوص الشرعية.
      ([18]) من العقيدة إلى الثورة (4/279).
      ([19]) انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة (ص17).
      ([20]) انظر: المرجع نفسه (ص12).
      ([21]) انظر: المرجع نفسه (ص21).
      ([22]) انظر: موسوعة الفلسفة والفلاسفة (2/722) للحفني.
      ([23]) من العقيدة إلى الثورة (1/86).
      ([24]) من العقيدة إلى الثورة (2/67).
      ([25]) المرجع نفسه (2/433).
      ([26]) المرجع نفسه (2/433).
      ([27]) السبب الذي جعله يفعل ذلك هو ما ذهب إليه من القول بخلق القرآن، وبالتالي فالصلة بينه وبين خلق الأفعال ظاهرة. انظر: من العقيدة إلى الثورة (2/452).
      ([28]) من العقيدة إلى الثورة (2/428).
      ([29]) المرجع نفسه (2/428).
      ([30]) المرجع نفسه (2/466).
      ([31]) المرجع نفسه (1/86).
      ([32]) من العقيدة إلى الثورة (4/36).
      ([33]) المرجع نفسه (2/464-466).
      ([34]) المرجع نفسه (4/22).
      ([35]) تربية الجنس البشري (ص121).
      ([36]) رسالة في اللاهوت والسياسة (ص48).
      ([37]) رسالة في اللاهوت والسياسة (ص48).
      ([38]) المرجع نفسه (ص43-48). وانظر: (ص51،50).
      ([39]) انظر: المرجع نفسه (ص168).
      ([40]) تربية الجنس البشري (ص121).
      ([41]) رسالة في اللاهوت والسياسة (ص45).
      ([42]) من العقيدة إلى الثورة (2/473).
      ([43]) انظر: هموم الفكر والوطن (1/73)، ومن النقل إلى العقل (1/63).
      ([44]) التراث والتجديد (135).
      ([45]) انظر: الفكر الفلسفي العربي المعاصر (ص271).
      ([46]) من العقيدة إلى الثورة (1/262).
      ([47]) انظر: التفسير الماركسي للإسلام (ص66).
      ([48]) التراث والتجديد (87).
      ([49]) مصطلح العَلْمانية مصطلح أوربي النشأة، صيغ حديثًا في الفكر الغربي في منتصف القرن التاسع عشر، على يد ثوري بريطاني يدعى"جورج جاكوب هوليوك" في حدود سنة 1851م، ويعتبر"جورج" هو أول من صاغ هذا المصطلح كنظرية فلسفية، ومع كون هذا المصطلح قد صيغ حديثًا كنظرية فلسفية فلا مانع من أن تكون جذوره قد أخذت في الظهور في الحياة الأوربية والفكر الغربي وذلك عندما بدأ الإنسان الأوربي يستقل بنفسه عن الكنيسة وهيمنتها.
      إنَّ المعنى اللغوي لهذا المصطلح يدور حول"غير الديني " أو "غير الكهنوتي" أو "الدنيوي" في مقابل "الأخروي" أو "الديني". جاء في معجم" اللغة البريطانية العالمية" عن مادة هذه الكلمة "عَلْمانية" ما يلي:
      1- عَلْمانية: ما يهتم بالدنيوي أو العالمي كمعارض للأمور الروحية وبالتحديد هي الاعتقاد بالدنيويات.
      2- الرجل الـمُعَلْمن هو ذلك الشخص الذي يؤسس سعادة الجنس البشري في هذا العالم دون اعتبار للنظم الدينية أو أشكال العبادة، مع اعتقاده أن الدين يجب ألا يُقحم في التعليم العام أو في سياسة الأمور العامة.
      وعليه فإن مصطلح" العَلْمانية" في الاستعمال الأجنبي تعني محبة هذا العاَلم أو الاعتقاد بالفوائد الدنيوية. فهي نسبة إلى هذا العاَلم. والعلمنة تعني: الانتقال والتحول من محبة الحياة الآخرة والأمور الدينية إلى محبة هذا العاَلم والأمور الدنيوية.
      وبناء على ما سبق فإن النطق الصحيح لهذا المصطلح "العَلْمانية" بفتح العين المهملة وسكون اللام، نسبة إلى هذا العاَلم الحاضر. ويخطي من ينطقها بكسر العين؛ لأنها توهم حينئذ بأنها نسبة إلى العِلْم، بمعنى: العلم المادي التجريبي. ونظرًا لحداثة هذا المصطلح في اللغة العربية، فإن كل المعاجم التي تعرضت له بالتعريف فقد اتفقت مع الاستعمال الغربي له، وبما يتفق مع المعنى الحرفي لهذا المصطلح، جاء في المعجم الوسيط: العَلْمانيُّ: نسبة إلى العَلْم، بمعنى العاَلم، وهو خلاف الدينيّ أو الكهنوتيّ. ولم يحصل تزييفها ونسبتها إلى العِلْم إلا عندما ترجمها بنو جلدتنا الذين يدينون بها، وهم بهذا يخالفون أساتذتهم في المصطلح. ومهما يكن من أمر هذا المصطلح "العَلْمانية" سواء كان منسوبًا إلى العلم أم إلى العالم إنما يعني نمطًا فكريًا معينًا، وهو العمل على تحويل "الديني" إلى "لا ديني"، وتحويل "المقدس" إلى "استعمال دنيوي" بعيدًا عن القداسة، كما يعني صبغ الفكر بالصبغة المادية الدنيوية، إنها الدعوة إلى الاستغناء عن الدين كله في التوجيه السياسي والاجتماعي. وهي تعني: فصل الدين عن الحياة، سواء بالنسبة للأمة أو للفرد. لا كما هو شائع في كثير من المؤلفات من أنها: فصل الدين عن الدولة. فهي في نظر "كامبيل" تعني:
      1- انتهاء دور الدين تمامًا في توجيه كافة مناشط الحياة.
      2- الامتثال لحقائق العالم والتطابق معها مع عدم وضع اعتبار للدين.
      3- رفض كل ما يمكن أن يكون مقدسًا في العالم.
      4- خلو المجتمع من أي شكل من أشكال الدين.
      5- الفصل التام بين سلطة الكنيسة والدولة. وجاء في دائرة المعارف البريطانية تعريف "العلمانية" بأنها"حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها".
      والعلمانيون يُحكّمون العقل بوجه عام، ويرعون المصلحة العامة- في زعمهم- دون التقيد بنصوص الوحي، وكانوا في الغالب مبعث التطور والتجديد في المجتمعات الغربية وكانوا في صراع دائم مع الكنيسة. وهنا يمكن القول بأن العَلْمانية لها مفهومين:
      الأول: مفهوم يرى الاعتراف بالأديان لكن يجب تنحيتها عن مجال الحياة العامة أو عدم الاكتراث بالدين، وهذا حال كثير من العلمانية في بعض البلدان الإسلامية.
      والثاني: مفهوم يرى محاربة الأديان كلها وإنكار وجود الله والحياة الآخرة.
      ونتيجة لهذه العلمانية التي نبتت في الفكر الأوربي" ظهرت صورة جديدة للعقلانية، ليست سوى مظهر من مظاهر تطور الوعي الدهري الإنساني والفردي. وتكونت العقلانية الجديدة في معارضتها للعقلانية القديمة، التي تبدأ من فرضية الوجود الماورائي أو الميتافيزيقي، وتتمحور حول مفهوم "الله"، الأول والآخر والظاهر والباطن، وبنت نفسها على إعطاء قيمة أكبر للفكرة الوضعية والتجريبية التي تفترض إمكانية وضرورة البحث عن الأسباب والعلل داخل الظواهر الطبيعية والاجتماعية ذاتها لا خارجها. وكان من نتيجة هذا الانعطاف المعرفي ظهور طريقة جديدة للبحث وإنتاج المعارف، وبالتالي ظهور مفهوم جديد للعلم، وصياغة إشكاليات ومسائل لم يكن عالم المعرفة التقليدي يعرفها أو يطرحها على نفسه. وارتبطت العقلانية الجديدة بأيديولوجيات مادية ووضعيّة تعكس تطور مفهوم الاجتماع الإنساني نفسه وتحوله إلى ثمرة لمواضعة إنسانية ولعقد اجتماعي، وأعلنت بذلك استقلال المجتمع المدني عن المجتمع الديني، (وعن الإنتاج الطبيعي) أي عن السماء". اغتيال العقل محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية (ص148) بُرهان غليُون، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط خامسة 2009م. وانظر: see: Csmpbehh.towar s Sociogy of Irreligion pp. 5-6 نقلًا عن: فلسفة المشروع الحضاري بين الإحياء الإسلامي والتحديث الغربي (2/708)، والمعجم الوسيط (2/624) قام بإخراجه: إبراهيم مصطفى وآخرين، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر، استانبول، ط ثانية، والمعجم الفلسفي (ص432) مراد وهبه، والعلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإسلاميةته (ص24،23) سفر الحوالي، والعلمانية وموقف الإسلام منها (ص3-19) عزت عبدالحميد أبو بركة، رسالة ماجستير في جامعة الأزهر- كلية أصول الدين بالقاهرة.
      ([50]) التراث والتجديد (63).
      ([51]) انظر: الغارة على التراث الإسلامي (ص78) جمال سلطان، مكتبة السنة، القاهرة، ط أولى 1410هـ.
      ([52]) هموم الفكر والوطن (1/23).
      ([53]) جامع البيان عن تأويل آي القرآن (29/30).
      ([54]) شرح العقيدة الطحاوية (ص168).
      ([55]) هموم الفكر والوطن (1/24،23). وانظر: "الوحي والواقع- دراسة في أسباب النزول" بحث منشور في" الإسلام والحداثة" (ص138).
      ([56]) الإسلام والحداثة (ص220).
      ([57]) الإسلام والحداثة (ص236). وانظر: (ص222).
      ([58]) من العقيدة إلى الثورة (5/542).
      ([59]) المرجع نفسه (2/466).
      ([60]) المرجع نفسه (2/466).
      ([61]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث أو الرسالة في اعتقاد أهل السنة وأصحاب الحديث والأئمة (ص165) أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن الصابوني، دراسة وتحقيق: ناصر بن عبدالرحمن الجديع،دار العاصمة، الرياض، ط أولى 1415هـ.
      ([62]) انظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع جمعًا ودراسة (ص706) خالد الجعيد وآخرين، دار الفضيلة، الرياض، ط أولى 1428هـ.
      ([63]) من العقيدة إلى الثورة (2/473). يقول شيخ الإسلام: " لو كان جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ لكان اليهود أكرم على الله من أمة محمد r؛ لأنه قد ثبت بالنقل الصحيح أن الله كتب لموسى التوراة بيده وأنزلها مكتوبة". الفتاوى الكبرى (5/41).
      ([64]) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص165).
      ([65]) انظر: حوار الأجيال (ص413) تأليف: حسن حنفي، الناشر: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، تاريخ النشر 1198م. والدين والثورة في مصر (6/82).
      ([66]) من العقيدة إلى الثورة (2/462).
      ([67]) هذا نفس ما يقوله سبينوزا. انظر: رسالة في اللاهوت والسياسة (ص50).
      ([68]) هذا مثال من أمثلة كثيرة على تلاعبه بالألفاظ التي يقولها إمعانًا في التشويش والتلبيس، إذ كيف يكون الخطاب الديني مقدسًا أو دنيويًا، إليهًا أم إنسانيًا. فالخطاب الديني الذي يعني الوحي كله خطاب مقدس وإلهي.
      ([69]) تحليل الخطاب (ص222) مقال لحسن حنفي نُشر في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد (التاسع عشر).
      ([70]) من العقيدة إلى الثورة (1/373).
      ([71]) المرجع نفسه (4/63،62).
      ([72]) معنى الخطاب الديني مقال في جريدة الجريدة، في عدده (273) الاثنين 14 إبريل 2008م.
      ([73]) من العقيدة إلى الثورة (4/63،62).
      ([74]) الإسلام والحداثة (ص220،219).
      ([75]) التراث والتجديد (135).
      ([76]) انظر: من العقيدة إلى الثورة (4/63،62)، ومقال "ما الذي يمنع من حرية التفكير"، لحسن حنفي منشور في جريدة الزمان، عدد 1882 في 9/8/2004م.
      ([77]) من العقيدة إلى الثورة (1/373).
      ([78]) القول بظنية النصوص وأنها لا تفيد اليقين لم يأتي حسن حنفي فيه بجديد، فقد سبقه إلى ذلك المعتزلة، ومتأخروا الأشاعرة، يقول الرازي: " الدلائل اللفظية لا تكون قطعية ألبتة؛ لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو... فثبت أن شيئًا من الدلائل لا يكون قاطعًا". التفسير الكبير (7/147). وانظر: أساس التقديس (ص137) له، والمغني (7/94،93) للقاضي عبدالجبار. ولكن الذي أضافه حسن حنفي هو: أن تلك النصوص لا تتحول إلى يقين إلا بقرائن من الحس، وهذا بناء على ماركسيته التي لا تؤمن إلا بالمحسوس. وقد عدّ العلامة ابن القيم القول بأن نصوص الوحي ظنية لا تفيد اليقين طاغوتًا، وكسره من نحو ثلاث وسبعين وجهًا. انظر: الصواعق المرسلة (2/633-794).
      ([79]) ذكر شيخ الإسلام أن الاعتماد في تفسير القرآن الكريم على المدلولات اللغوية والعقلية فقط، قول مخالف لما عليه أهل الحق، فالقرآن الكريم لا يُفسر في ضوء المدلولات اللغوية فحسب، فضلًا عن تفسيره بالمدلولات العقلية فقط، وإنما يُفسر بما صح من أحاديث الرسول r وبما نُقل إلينا من أقوال الصحابة y والتابعين لهم بإحسان، فهم أعلم الناس بمقاصد الرسول r ومراده بما لا يمكنهم دفعه عن قلوبهم. انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/194 وما بعدها).
      ([80]) من العقيدة إلى الثورة (1/372). وانظر: دراسات إسلامية (ص13).
      ([81]) من العقيدة إلى الثورة (1/375،374).
      ([82]) التراث والتجديد (104).
      ([83]) هموم الفكر والوطن (1/46).
      ([84]) من العقيدة إلى الثورة (4/132).
      ([85]) العجيب أنه اعتبر الناسخ والمنسوخ من صنع البشر وليس من الله- الإسلام والحداثة (ص147)- والله تعالى يقول: (ﭑ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭜﭝ) (البقرة: 106). فالله تعالى نسب فعل النسخ إلى نفسه المقدسة لا إلى البشر كما يقوله حسن حنفي.
      ([86]) قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر (1/92).
      ([87]) هموم الفكر والوطن (1/23).
      ([88]) من العقيدة إلى الثورة (1/375).
      ([89]) انظر: حول الدين (ص112).
      ([90]) من العقيدة إلى الثورة (2/465).
      ([91]) المرجع نفسه (2/477).
      ([92]) دراسات إسلامية (ص71).
      ([93]) من العقيدة إلى الثورة (1/368).
      ([94]) انظر: دراسات إسلامية (ص397).
      ([95]) الدين والثورة في مصر (1/26).
      ([96]) انظر: نقد الخطاب الدين (ص188،187).
      ([97]) هموم الفكر والوطن (1/57).
      ([98]) هؤلاء المفكرون المنحرفون يصفون كل من يتمسك بالنص بأنهم "عبدة النصوص" يقول نصر حامد أبو زيد متحدثًا عن منهج أستاذه حسن حنفي: " إن المشروع اليساري الذي يستشهد في كتاباته دائمًا بالقول: احتمينا بالنصوص فدخل اللصوص"، والذي يدافع بحرارة عن منهج العقل، ويهاجم بضراوة عبدة النصوص...إلخ". نقد الخطاب الديني (ص191).
      ([99]) ما الذي يمنع من حرية التفكير، مقال لحسن حنفي، نُشر في جريدة (الزمان) عدد 1882 في 9/8/2004م. وانظر: من العقيدة إلى الثورة (1/372).
      ([100]) الإسلام والحداثة (ص145). وانظر: قضايا معاصر في فكرنا المعاصر (1/91).
      ([101]) هموم الفكر والوطن (1/456).
      ([102]) انظر: حوار الأجيال (ص434).
      ([103]) التراث والتجديد (ص101).
      ([104]) هموم الفكر والوطن (1/50).
      ([105]) التراث والتجديد (ص136،135).
      ([106]) القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني (ص85) محمد أركون، ترجمة وتعليق: هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط ثانية 2005م.
      ([107]) هناك تشابه كبير بين حسن حنفي ومحمد أركون في تعاطيهم مع التراث وتفسيرهم له، فكلاهما يسعى لفصله عن السماء وعقلنته وأنسنته، وللتوسع في هذا يُراجع: القراءة الجديدة للقرآن الكريم في ضوء ضوابط التفسير عرض وتحليل، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، إعداد: عبدالرزاق بن إسماعيل هوماس، جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، مرقومة بالآلة الكاتبة.
      ([108]) قضايا معاصرة في فكرنا المعاصر (1/92).
      محاضر بقسم العقيدة بجامعة أم القرى

    • #2
      جزاكم الله خيراً يا شيخ فهد على هذا الموضوع القيم النفيس
      والحقيقة أنكم اتيتم على أبرز أمر متصل بالقرآن، وهو مسائل الوحي وتقريرها، فبينتم منهج حسن حنفي فيها، وإذا بطل منهجه في باب الوحي فإن بقية أبواب العلم المتصلة بالقرآن الكريم كأبواب النسخ، وأسباب النزول، والمحكم والمتشابه من باب أولى.
      وفقكم الله ونفع بكم وندعوكم لمزيد من العطاء في هذا الباب الهام.

      تعليق


      • #3
        هذا مقال الشيخ فهد في ملف وورد لمن أراد تحميله.
        د. حاتم بن عابد القرشي
        كلية الشريعة _ جامعة الطائف
        [email protected]

        تعليق

        20,451
        الاعــضـــاء
        234,237
        الـمــواضـيــع
        43,487
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X