إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تسييس قضية جمع القرآن ومنهجية تفسيره



    إضفاء الصبغة السياسية على جمع القرآن ومنهجية تفسيره

    الحمد لله وحده .. يقول الشيخ سلطان العميري - وفقه الله - في كتابه (التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي) :
    " اجتهد أصحاب الاتجاه العلماني في تقويض أصول الاستدلال التي قام عليها فكر أهل السنة والجماعة، وحاصل تلك الأصول أربعة، وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، فقد أثاروا حولها إشكالات وتساؤلات بغية البحث عن جواب عنها بدعوى التحليل والتفكيك المنهجي العلمي! وسنذكر محاولتهم في تسييس تلك الأصول وإبعاد الموضوعية عنها، كل أصل بمفرده " . ثم تكلم عن الأصل الأول (مصدرية القرآن) ؛ فقال :
    " يعد القرآن أصل الأصول في الفكر السلفي، بله الإسلامي كله، وهو محل للقداسة والتعظيم والاحترام بين كل أطياف الفكر الإسلامي، كلاميا كان أو صوفيا أو سلفيا، فإنك لا ترى أحدا من هؤلاء ينازع في ثبوت القرآن أو يتشكك في مصداقيته، فالمعتزلة الذين يقولون بخلق القرآن كانت لهم جهود كبيرة في الدفاع عن القرآن وإقامة الأدلة على حفظه من النقص والزيادة، وكان أكثر نزاع الطوائف الإسلامية إنما هو في تأويله وتفسيره فقط لا في ثبوته إذ هو محل اتفاق بينهم.
    وقد حاول أصحاب الاتجاه العلماني زعزعة ثبوت القرآن ومنهجية تفسيره أيضا، وسلكوا سبلا شتى، ومن سبلهم إضفاء الصبغة السياسية على جمعه ومنهجية تفسيره عند السلف، وبذلك يرفعون عنه الموضوعية والعلمية.
    أما الجانب الأول، وهو: جمع القرآن وحفظه، فجمع القرآن في -زعمهم- وضبط ألفاظه في المصحف لم يكن منزها من الأغراض السياسية والتوجهات الإيديولوجية، بل كان خاضعا لها، وقد أثرت فيه تأثيرا يجعل الوثوق بكون القرآن الذي أنزل على النبي موجودا كله في المصحف الشريف محل شك وتردد، وفي بيان هذا يقول طيب تيزيني: (القرآن وفق جمع من الإسلاميين خضع أثناء جمعه - وبتأثير من المصالح السياسية والمتصارعة خصوصا للتكونات السياسية والإيديولوجية الإسلامية المناهضة - لعمليات أدت إلى اختراق متنه زيادة ونقصا، ويكفي أن نشير إلى أن ذلك قاد إلى حالة من القلق والاضطراب في هذه التكونات) [1]، ويقول أركون في معرض تشكيكه في حفظ القرآن : (جمع القرآن قد تم في مناخ سياسي شديد الهيجان) [2] ؛ ولهذا يكرر أركون بأنه يفرق بين الخطاب الشفهي من الرسول وبين المصحف الذي أطلق على المدونة الرسمية المغلقة ، ويقصد بالرسمية أي: أنها جاءت نتيجة قراءات المجموعة المسيطرة، التي لم تنقل إلا ما يوافق غرضها وهدفها [3]، ويقول: إن ذلك المصحف الرسمي، وأُلغيت جميع نسخ القرآن الأخرى إلى الأبد [4].
    وهذه الدعوى سبق إليها بعض المستشرقين حين زعم بلاشير أن عثمان إنما جمع القرآن لأغراض أرستقراطية، ولمصلحة الطبقة الملكية الحاكمة التي يمثلها حتى يكرس سلطانه [5]. وقد حاول بعضهم أن يشغب بما رُوي من اعتراض ابن مسعود على جمع عثمان، وأنه إنما خالفه لأنه كان معارضا له في السياسة.
    ونحن إذا نظرنا إلى هذه الدعوى نجد أنها وقعت في إشكاليات معرفية كبرى تؤكد الحكم عليها بالبطلان والفساد، وتجعلها أقرب إلى السطحية الفكرية.
    أما الإشكالية الأولى: فهي: القفز الحكمي، وذلك أنه من المعلوم لدى كل المفكرين والمثقفين فضلا عن العلماء في الشريعة أن قضية حفظ القرآن، وكون القرآن الموجود في المصحف الآن هو القرآن الذي نزل على النبي لا زيادة فيه ولا نقصان، ليست قضية تسليمية مجردة عن الأدلة، بل أقاموا عليها الأدلة النقلية والعقلية والواقعية التي تثبت صدقها، وتعمق عدم تطرق الشك إليها، وقد اجتهد المسلمون في ذلك على تنوع مشاربهم وتعدد مناهجهم، فقد اشترك في إقامتها المعتزلة والأشاعرة والماتريدية وأهل السنة والجماعة، وكرروا ذلك في كتبهم، وتعاقبوا على تأكيدها جيلا بعد جيل ورعيلا يعقبه رعيل [6]، ولسنا الآن في حاجة إلى ذكر أفراد الأدلة التي أقاموها؛ لأننا في مقام بيان الخلل المنهجي في كيفية القدح في حفظ القرآن.
    فقضية كهذه القضية لا يصح عقلا ولا فكرا ولا ذوقا أن يُقدم على القدح فيها من غير تقديم مبررات مقنعة تسمح بالقفز على تلك الأدلة المقامة، فلا يصح أن يأتي أحد ويقدح في حفظ القرآن ثم لا يقدم من الأدلة ما يبرر قدحه، فإنه إن فعل ذلك فقد وقع في خلل منهجي كبير يأباه الفكر العلمي الأصيل، وأضحك العقلاء على نفسه؛ إذ أنه لم يراع حجم المسألة التي يبحث فيها.
    ونحن إذا ألقينا نظرة على الدعوى بأن جمع القرآن خضع لتأثيرات سياسية نجد أن مدعيها لم يجب على الأدلة اليقينية التي تخالف مدعاه، وإنما صادرها وقفز عليها! وهذا الحال مخالف للمنهجية العلمية البناءة، وهي لا تزيد الفكر إلا خلخلة وتفككا وتراجعا إلى الوراء.
    وكذلك لو نظرنا في شبهتهم الأخرى التي يدندنون حولها، وهي التفريق بين الخطاب الشفهي والخطاب المكتوب، وأن الخطاب الشفهي إذا انتقل إلى الخطاب المكتوب لابد أن يقع فيه تغيير بالزيادة أو النقصان [7]، فنحن لو نظرنا فيها نجد أنهم في اعتماد هذه الفكرة مارسوا قفزا رهيبا على جهود المسلمين في تثبيت ألفاظ القرآن، فهم لم يقدموا لنا دليلا على صحتها إلا أن الفكر الغربي ذكرها وأخذ بها، فلابد أن نأخذ نحن بها، وكذلك لم يسأل أحد منهم نفسه: هل تنطبق هذه النظرية على القرآن أم لا؟، وهل القرآن مر بمرحلتين منفصلتين الأولى شفهية ثم انتقل إلى الكتابية كما زعموا، أم أن القرآن منذ لحظة نزوله كان معتمدا على التلقي بالأصالة، وما زال المسلمون يعتمدون على التلقي في نقل القرآن إلى عصرنا الحاضر؟ [8]
    وأما الإشكالية الثانية: فهي: المصادرة الحكمية، وذلك أن من ادعى تدخل التأثيرات السياسية في جمع القرآن - القضية المحورية في الفكر الإسلامي - لم يتعب نفسه في إقامة الأدلة التي تثبت صدق قوله، ولم يجب عن الإيرادات التي ترد عليها، ولم يقارن بين أدلته - إن ذكرها - وبين الأدلة التي أقامها المسلمون على حفظ القرآن، وهل ترقى لمستواها العلمي والواقعي أم أنها أقل منها بكثير، ثم يأتي بعد هذا كله، ويدعي لقوله العلمية والتجديد، ويطلب من الآخرين تقبل قوله واحترامه، أليست هذه مصادرة حكمية تقذف بالقول في غياهب التخلف وظلمات التشتت الفكري. ونحن المسلمين لسنا ضد البحث في جمع القرآن وحفظه من الزيادة والنقصان، ولكننا ضد مخالفة الأسس المنهجية أو عدم الالتزام بالقوانين العلمية.
    إن الذي يريد أن يمارس النقد أو التشكك في قضية القرآن عليه أن يلتزم إذا أراد أن يُضفي على قوله العلمية والمصداقية بأمرين: الأول منهما: أن يجتهد كل الاجتهاد في الاستدلال على قوله، والثاني: أن يجتهد في الجواب عن الأدلة المعارضة لقوله، فإن لم يفعل ذلك فلا عبرة بقوله أبدا.
    وأما ما حاولوا أن يشغبوا به من اعتراض ابن مسعود فلا يخدمهم في شيء؛ وذلك لأن ابن مسعود بيّن السبب الذي كان وراء اعتراضه، وهو أنه كيف يقدّم عليه زيد بن ثابت، وهو أصغر منه سنا؟ فعن شقيق بن سلمة قال: لما أمر عثمان في المصاحف بما أمر به، قام عبد الله بن مسعود خطيبا، فقال: (أتأمروني أن أقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت، فوالذي نفسي بيده، لقد أخذت من في رسول الله بضعا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت عند ذلك يعلب مع الغلمان، ثم استحيى مما قال، فقال: وما أنا بخيرهم، ثم نزل، قال شقيق: فقعدت في الحلق فيها أصحاب رسول الله وغيرهم، فما سمعتُ أحدا رد ما قال) [9]، فهذا الخبر واضح في سبب موقف ابن مسعود من جمع عثمان.
    وقد وافق الصحابة عثمان على هذا الجمع وعلى ما فعله بالمصاحف من التحريق، فعن (مصعب بن سعد قال: أدركت أصحاب رسول الله حين شقق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك - أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد) [10]، وقال علي : (لا تقولوا في عثمان إلا خيرا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا) [11].
    وأما الجانب الثاني، وهي: تسييس منهجية تفسير القرآن، فقد ذهب بعض أصحاب الفكر العلماني إلى أن علماء السلف إنما دعوا إلى الاستئثار بتفسير القرآن، وذم التأويل؛ خدمة لبني أمية لا لقصد شرعي، وفي بيان هذا المعنى يقول أدونيس: (استأثر السلفيون بحق التفسير، وجعلوه وقفا عليهم، وكفروا جميع الفرق أو الأشخاص الذين حاولوا أن يفسروا الدين تفسيرا مغايرا؛ لأنه يؤدي إلى التشكيك في الأسس التي تقوم عليها الخلافة الأموية، وكان هؤلاء السلفيون يزعمون أنهم يرثون عصمة النبي، وأنهم يحكمون على الآخرين باسم هذه العصمة، والفرق بين التفسير السلفي والتفسير التأويلي الذي قامت به الفرق المناوئة، هو أن الأول يتمسك إلى جنب القرآن بالسنة والصحابة وبخاصة الخلفاء الثلاثة الأُول، بينما الثاني يتخذ من القرآن منطلقه الوحيد) [12].
    وممن حاول أن يقدح في مصداقية منهج أهل السنة في تفسير القرآن: عبد المجيد الشرفي، فإنه يلوح على أن تفسير ابن عباس إنما كان معتمَدا لأنه لم يكن أحد يجرؤ على أن يخطئ جد الخلفاء في زمن بني العباس [13]، مع أن ما ذكره ليس هو حقيقة موقف أهل السنة من تفسير ابن عباس .
    وهذا التوصيف الذي قام به أصحاب التفسير السياسي لمنهجية التفسير التي يقررها أهل السنة والجماعة غير صحيح:
    أما أولا: فلأن أهل السنة (علماء السلف) بنوا منهجيتهم في التفسير على أسس علمية عقلية واضحة جدا، وأقاموا الأدلة المقنعة المفصلة على ذلك، فقصر التفسير على القرآن ثم على السنة ثم على أقوال الصحابة لم يكن اعتباطا، وإنما لأن العقل والنقل يقتضيان ذلك، فتفسير القرآن بالقرآن أولى من غيره بدلالة العقل؛ لأن كل قائل أعلم بقوله من غيره، وهذه قضية بدهية، وكذلك الرجوع إلى السنة بعد القرآن؛ لأن النبي أعلم من غيره بمعاني القرآن، بل إن مهمته الأصلية هي تبليغه للناس، قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم) (النحل: 44)، والرجوع إلى تفسير الصحابة بعد السنة معقول أيضا؛ لأنهم قامت بهم أوصاف تؤهلهم لذلك، فقد شاهدوا التنزيل، وعايشوا الرسول ، وعاصروا أسباب نزول القرآن، وهم مع هذا أهل لغة فصيحة، فهذه أسباب معقولة جدا في تأييد منهجية أهل السنة في التفسير، وحري أن يحتذى بها.
    وأما ثانيا: فإن أهل السنة ممن اشتغل بالتفسير على فرض ميلهم إلى بني أمية، فإنهم ليسوا كلهم كذلك، بل كان بعضهم معارضا لبني أمية كسعيد بن المسيب، وبعضهم قتله بنو أمية كسعيد بن جبير، ومع هذا فهؤلاء كانوا ملتزمين بمنهجية واحدة في التفسير، بل كانوا من أئمة المفسرين، فسعيد بن جبير كان من أخص طلاب ابن عباس في التفسير، فلماذا لم يخالف المنهجية التي ذكرها أهل السنة لو كانت جارية على مقتضى أهواء بني أمية، وهو معاد لهم؟!!
    وأما ثالثا: فإن أهل التأويل لم يجعلوا القرآن منطلقهم الوحيد في التفسير كما زعم أدونيس، بل كانوا ينطلقون من أصول أخرى غير القرآن، ويحاكمون القرآن إليها، فالمتكلمون ينطلقون من العقل وحده، وكل ما خالف العقل فإنه يرد أو يؤول، وهذه قضية منهجية مشهورة في الفكر الإسلامي، وليس البحث هنا في مناقشة صحة هذا القول أو عدمه، وإنما في بيان خطأ القول بأن أهل التأويل ينطلقون من القرآن وحده كما زعم أدونيس.
    وأما رابعا: فلأن أهل السنة (علماء السلف) حين ذموا التأويل، كان ذمهم مبنيا على نظرة عميقة في حال التأويل، وذلك أن التأويل عند المتكلمين فضلا عن مخالفته لحال النبي وأصحابه في تعاملهم مع القرآن؛ فإنه مشتمل على أخطاء منهجية ومعرفية توجب بطلانه وعدم قبوله، فإرجاع ذمهم له إلى مجرد مخالفته لسياسة بني أمية فيه تسطيح لفكرهم وظلم لمنهجهم، وهذا لا يقبل في المناهج العلمية الصارمة " .

    [1] النص القرآني، طيب تيزيني (65).
    [2] الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، محمد أركون (85)، وانظر: الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية، نصر حامد (15).
    [3] انظر: نافذة على الإسلام، محمد أركون (57)، بواسطة: الحداثيون العرب، الجيلاني (63).
    [4] انظر: تاريخية الفكر العربي الإسلامي، محمد أركون (60، 85، 288)، وقضايا في نقد العقل الديني (187).
    [5] انظر: القرآن، بلاشير (31-34)، بواسطة: العلمانيون والقرآن، للطعان (787).
    [6] انظر في المؤلفات التي ذكرت الأدلة على حفظ القرآن: معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي، عبد الله الحبشي (2/969).
    [7] انظر: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد، محمد أركون (81)، والإسلام بين الرسالة والتاريخ، عبد المجيد الشرفي (47)، والنص القرآني، طيب تيزيني (52، 64)، والإسلام السني، بسام الجمل (85).
    [8] انظر في نقد هذه الشبهة: القراءة الجديدة للنص الديني، عبد المجيد النجار (119).
    [9] أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (5595)، وإسناده صحيح، انظر: المقدمات الأساسية في علوم القرآن، الجديع (104).
    [10] أخرجه: ابن شبة في تاريخ المدينة (3/1004)، وإسناده صحيح.
    [11] أخرجه: ابن أبي داود في كتاب المصاحف (1/213)، وصحح إسناده ابن حجر في فتح الباري (13/343).
    [12] الثابت والمتحول، أدونيس (1/120)، وانظر: لبنات، عبد المجيد الشرفي (39، 43، 73، 74).
    [13] انظر: لبنات، الشرفي (176).
    انتهى نقلا عن: سلطان بن عبد الرحمن العميري: (التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي)، ص76-83، ط1، مركز التأصيل للدراسات والبحوث، 1431/2010
    ...

  • #2
    من اجود المواضيع التي كتبت في هذا السياق فالحمد لله ان من على الامة بمثل مؤلف المقال -من كتابه-والنقد بارك الله فيه وهو الاستاذ الشيخ سلطان العميري ولم أقرأ له من قبل فشكرا لك اخي الحبيب حسين ابن محمد وزدنا من هذا الله يكرمك
    نشرته على حسابي على التويتر كثير من العلمانيين يتترس هناك
    https://twitter.com/ibnalschatek

    تعليق

    19,962
    الاعــضـــاء
    232,034
    الـمــواضـيــع
    42,591
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X