• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • تلخيص (3) : تلخيص كتاب/ العلمانيون والقرآن الكريم لأحمد الطعان

      * حصري لملتقى الانتصار للقرآن الكريم

      ----
      بيانات الكتاب
      اسم الكتاب / العلمانيون والقرآن الكريم، تاريخية النص
      المؤلف / د. أحمد إدريس الطعان
      نشر / دار ابن حزم 1428هـ 2007م

      التلخيص :
      (1)
      الباب الأول: العلمانية من الغرب إلى الشرق
      الفصل الأول: الجذور الفلسفية للعلمانية في العالم الغربي.
      المبحث الأول: أزمة الفكر الكنسي مع الفلسفة والعلم


      المطلب الأول: الفكر الرشدي وبوادر العلمنة.
      إذا رجعنا إلى القرن الثالث عشر سنجد أن بدايات الصراع بين الفكر والكنيسة يمكن أن يعد من آثار ترجمة الفكر الرشدي إلى اللغة اللاتينية، ويمكن القول: إن الفكر الرشدي العلماني –بالاعتبار الغربي- هو الذي أنتج الاضطهاد الكنسي، الذي أسهم في شيوع الفكر الرشدي وانتشاره في الغرب.


      المطلب الثاني: الحقيقة المزدوجة
      المقصود بالحقيقة المزدوجة: أنه يمكن أن يكون الشيء صادقا فلسفيا خاطئا لاهوتيا أو العكس، وبذلك يصبح الفيلسوف حرا في المجاهرة بآرائه ونتائجه في مجال الفلسفة بحجة أنه فيلسوف، وإن لم تكن مطابقة للاهوت.
      فهي فكرة يراد منها استرضاء الكنيسة دون خسائر علمية أو فلسفية.


      المطلب الثالث: ثورة العقل الأوربي:
      لقد بدأ ثقة الناس تتزعزع في الكنيسة بعد ما افتضح أمر رجالها الذين يحيون حياة الرذيلة والشهوات، ويحتكرون المتع الدنيوية داخل أسوارها في حين يدعون الناس إلى حياة الزهد والتقشف، ومن هنا بدأ الناس يحصرون الدين في زوايا ضيقة ويمارسون حياتهم الطبيعية وبعدوا عن حياة التقشف، حتى أن بعضهم كان لا يمارس الدين إلا يوم الأحد.


      المطلب الرابع: المحرقة الكنسية
      بعد تحرر العقل الغربي شيئا ما، بدأ التفكير يختلف فكان من هؤلاء برونو الذي أنكر التثليث والأقانيم والتجسد والتحول، واعتبر المسيح دجالا مخادعا ساحرا، فقبض عليه وسلم للسلطة المدنية لتتولى إنزال العقاب عليه وهو إعدامه حرقا.
      ولم يكن برونو أول من يُعدم حرقا، فقد أُعدم قبله الكثير بتهم الإلحاد كما أعدم بعده في فرنسا واسكتلندا وغيرها من البلاد الغربية، وبدأ التيار المضاد للكنيسة يقوى ويتسع ولم يعد بإمكان الكنيسة أن تحرق كل المهرطقين، وبدأ زمام الأمور يفلت من يدها.


      المطلب الخامس: الإرادة الإلهية والحتمية الفلكية الميكانيكية:
      في النصف الثاني من القرن السادس عشر بدأت تتغير نظرة الإنسان الغربي إلى الكون فقد ظهر عدد من الفلكيين مثل نيوتن وغيره، أدى هذا إلى تغير نظرة الإنسان إلى الكون وسيطرت النظرة الآلية الميكانيكية، وقد وصل العلماء في السنين الحديثة إلى مرحلة من أهم مراحل تطور التفكير العلمي، حين عدلوا عدولا تاما عن تفسير الكون ميكانيكيا، وبدأ تفسير الكون وفق آراء جديدة، وسقطت نظرية نيوتن وغيره.


      المطلب السادس: الدين أمام الفلسفة التجريبية
      لم يكن الفلكيون وحدهم في المعركة ضد الكنيسة، وضد أرسطو والثقافة المدرسية، بل كان إلى جانبهم عدد من الفلاسفة التجريبيين والعقلانيين يسهمون في تحديث العقل الأوربي، مثل فرنسيس بيكون، وتوماس هويز وغيرهم.


      المطلب السابع: الدين والعقلانية:
      إلى جانب هؤلاء التجريبيين كان هناك عدد من الفلاسفة العقلانيين يطرحون تصوراتهم الجديدة حول الله والكون والإنسان، ويحاولون بناء صرح جديد للعقل الأوربي على أنقاض الصرح القروسطي الذي بدأ يتهاوى، ومن هؤلاء ديكارت، وسبينوزا وغيرهم.


      المطلب الثامن: ولادة الدين الجديد "دين العقل":
      استخدم المثقفين الغربيين ابن رشد كسلاح في مواجهة الكنيسة، نتج عن ذلك ثورة شاملة في العقل الغربي ضد الفكر الكنسي والأسطوري، ويعتبر اللورد هربرت أول من دعا مذهب تتلخص مبادئه في الإيمان بالله وعبادته والجزاء في الآخرة دون حاجة إلى الوحي، وتلاه غيره. ولكن يمكن القول بأن ديانة العقل ترجع إلى أبعد من ذلك إلى الرشديين، حيث كانوا يسخرون من الأديان والكتب المقدسة.


      المبحث الثاني: حصاد العلمانية ودين العقل
      المطلب الأول: إله ناقص وإله ميت:
      لم يتوقف تطور الفكر الأوربي المتمرد على الوحي عند إنكاره النبوة والوحي، بل تفاقم إلى الانتقاص من الذات الإلهية، وتفويض العقل في تحديد الصفات الإلهية، وانتقصوا الصفات الواجبة لله ، حتى أدى بهم الأمر أن أعلنوا موت الله (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا)، وموت الإله عندهم هو موت معنوي بمعنى سقوط نظام المعايير والقيم والسلوك القائم على التسليم بتلك الفكرة.


      المطلب الثاني: آلهة جديدة "الإنسان والمادة والعالم".
      بَنَتِ الفلسفةُ الماركسية إلحادها على النظرة العلمية، حيث تعتبر أن العالَـمَ بطبيعته ماديٌ، وأن مختلف ظواهر الكون إنما هي جوانب مختلفة للمادة في حركتها، وأن العلاقات والشروط بين الظواهر التي يكشف عنها المنهج الجدلي هي القوانين الضرورية لنمو المادة المتحركة، وأن العالم ينمو حسب قوانين حركة المادة.


      المطلب الثالث: تهاوي المقدس:
      وضعت العلمانية إذن رحيلها في القرن التاسع عشر بشيئين:
      الأولى: إعلان نيتشه لموت الإله .
      الثانية: إعلان ماركس لماديته المطلقة.

      يضاف إلى ذلك الدراسات النقدية الهائلة، وتاريخ الفساد الكنسي الذي اتصف به في الغالب رجال الكنيسة.


      المطلب الرابع: انهيار الأخلاق:
      أدى انتقاد الكتاب المقدس بعد كشف ما به من حكايات تنسب إلى الأنبياء إلى انهيار المرجعية التي يلوذ بها الإنسان الغربي، وبدأ يمارس حياته وكأن الكون بغير خالق حتى وإن لم يكن ملحدا فقد تزعزعت عقيدته وأصبحت الحياة عنده نوعا من العبث، والإنسان هائم على وجهه فيها. فظهرت في منتصف القرن السابع عشر فرقة تسمى بـ"الهادمين"، وأخرى"الذين يجعلون عاليها واطيها"، وأخرى "الحفارين". وذهبت هذه الجماعات إلى أنه لا جناح على الإنسان من ارتكاب الموبقات.


      المطلب الخامس: العبثية الفرويدية:
      هذه الطوائف التي تحدثنا عنها تُحيطُ الجنسَ بالإجلال والتقديس، ويجعلونه المدخلَ الذي يهدمون الأخلاق والقيم الإنسانية من خلاله. وجاء فرويد فشَرَّع بالتأسيس لهذه العبثية والانحلالية، فاعتبر الدافع الجنسي هو الموجه للسلوك البشري، بل اعتبر فرويد أن التدين مظهر من مظاهر الأمراض العصبية.


      المطلب السادس: ارتكاس القدوة:
      مما لا شك فيه أن القدوة لها أثر كبير في سلوك الناس وتوجهاتهم، وهذا الانهيار الأخلاقي والقيمي لم ينحدر مباشرة إلى القاعدة الشعبية العريضة والجماهير الواسعة إلى أنْ مَرَّ بقادة المجتمع ونجومه، فالباحث عن تاريخ نجوم هذا المجتمع وقادته الكبار لا يجده إلا ملطخا بالعار.

      المبحث الثالث: مجازفة العقل الأولى
      لقد جازف العقل الغربي عندما اكتشف الخدعة الكنسية، فحكم على كل الأديان بالنفي والإقصاء، وأخذ يبحث عن إجابة للمعضلات الكبرى بعقله المجرد مستبعدا أي إمكانية لوجود وحي صادق، أو دين حق. فذهب فلاسفة اليونان إلى أن أصل الكون الماء، وجاء أنكسمنيس واعتبر أن أصل الكون هو الهواء، وجاء فيثاغورث واعتبر أن أصل الكون هو العدد. وهكذا جازف العقل اليوناني والأوروبي وقد أثبتت التجارب خطأ هؤلاء وعجزهم.


      يتبع ..

    • #2
      الحلقة الثانية

      (2)
      الفصل الثاني: العلمانية في العالم العربي
      المبحث الأول: تعريف العلمانية في المصادر الغربية

      المطلب الأول: في المعاجم الأوربية
      - معجم اللغة البريطاني مادة علمانية:

      1- علمانية secularism ما يهتم بالدنيوي، أو العالمي كمعارض للأمور الروحية.
      2- العلماني secularist هو ذلك الشخص الذي يؤسس الجنس البشري في هذا العالم دون اعتبار للنظم الدينية.
      3- علمانية secularism أو secularity أي محبة هذا العالم، أو ممارسة أو مصلحة تختص على الإطلاق بالحياة الحاضرة.
      - وفي معجم أكسفورد بيان معنى secular هي:دنيوي أو مادي، ليس دينيا ولا روحيا، مثل التربية اللادينية، والحكومة المنتهضة للكنيسة.
      - ويطرح معجم ويبستر:علماني: دنيوي، ومن معانيه الشيء الذي يتحدث مرة واحدة في عصر أو جيل.

      المطلب الثاني: العلمانية في دوائر المعارف الغربية
      - في دائـرة المعارف البريطانية نجد بخصوص كلمة secularism أنها: "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها..".
      - وفي دائرة المعارف الأمريكية:
      " العلمانية نظام أخلاقي مستقل مؤسس على مبادئ من الخلق الطبيعي، مستقل عن المظهر الديني أو الفوق طبيعي..".

      - ونختم برؤية دائرة معارف الدين والأخلاق التي تقول:
      " العلمانية توصف بأنها حركة ذات قصد أخلاقي منكر للدين، مع المقدمات السياسية والفلسفية، فهي مؤسسة بقصد إعطاء نظرية معينة للسلوك والحياة..".


      المطلب الثالث: تعقيب:
      نسجل في هذا التعقيب الملاحظات التالية:
      الأولى: أن هناك اتفاقاً بين المعاجم ودوائر المعارف المشار إليها على أن العلمانية هي توجه دنيوي محض، وتسعى لصرف الناس عن الاهتمام بالآخرة.

      الثانية: هناك اتفاق صراحة أو ضمناً على أن العلمانية مناهضة للأديان..
      الثالثة: العلمانية قائمة في أساسهـا على رفض المبادئ الدينية، وعدم الاعتراف بها كأسس للالتزام الأخلاقي.
      الرابعة: نلاحظ أن العلمانية التي تقوم على محاربة احتكار الحقيقة.
      الخامسة: إن ما قرأناه من تعريفات وتفسيرات في المعاجم ودوائر المعارف يمكن اعتباره خلاصات مضغوطة للتمهيد الذي عرضناه لبيان الجذور التاريخية والفكرية للعلمانية، ونتائج استقرت عليها الرؤية في الغرب بشأن العلمانية.

      المطلب الرابع: تاريخ المصطلح وارتباطه بالمادية والإلحاد:
      استخدم مصطلح " سكيولار " لأول مرة مع نهاية حرب الثلاثين عاماً سنة 1648 م عند توقيع صلح " وستفاليا " وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة، وهو التاريخ الذي يعتمده كثير من المؤرخين بداية لمولد ظاهرة العلمانية في الغرب. إذ تمت الإشارة إلى علمنة ممتلكات الكنيسة وحسب، بمعنى نقلها إلى سلطات غير دينية، أي إلى سلطة الدولة أو الدول التي لا تخضع لسلطة الكنيسة.
      ولكن المجال الدلالي للكلمة اتسع وبدأت الكلمة تتجه نحو مزيد من التركيب والإبهام على يد هوليوك حيث ذكر في مقال له: أن المسيحية لم تعد مقبولة لدى أكثر فئات المجتمع، وقد مست الحاجة إلى استبدالها بمبدأ حديث فكان هو " العلمانية".

      المطلب الخامس: خلاصة الرؤية الغربية العلمانية:
      رأى بعض القسيسين أن العلمنة في الأصل تحوُّل المعتقدات المسيحية إلى مفاهيم دنيوية عن البشر والعالم ولا سيما من منظور بروتستانتي.
      ولكن عالم اللاهوت الهولندي " كورنليس فان بيرسن " يوضح ذلك بشكل أكثر صراحة فيقول: " إنها تعني تحرر العالم من الفهم الديني، وشبه الديني، إنها نبذ لجميع الرؤى الكونية المغلقة، وتحطيم لكل الأساطير الخارقة، وللرموز المقدسة … إنها تخليص للتاريخ من الحتميات والقدريات، وهي اكتشاف الإنسان أنه قد تُرك والعالَم بين يديه..".


      أخيراً يمكن أن نختم بما يلي: العلمانية في المنظور الغربي هي: التحرر من الأديان عبر" السيرورة " التاريخية، واعتبار الأديان مرحلة بدائية لأنها تشتمل على عناصر خرافية كالماورائيات والغيبيات، ولا يتم الخلاص من هذه الأعباء إلا عن طريق تحقيق النضج العقلي الذي تحققه العلمنة عبر آلياتها الثقافية والفكرية والفلسفية. وهذا ما يعبر عنه د.ج.ويل بقوله: "الفكرة العلمانية تنطوي على مفهوم فلسفي يتعلق باستقلال العقل في قدرته".

      المبحث الثاني: الترويج العلماني في البلاد العربية

      المطلب الأول: في لبنان:
      تسربت العلمانية إلى بلادنا العربية عبر نافذتين هما: لبنان ومصر، وتأتي تونس في المرحلة الثانية بعدهما.
      - كانت العلاقة بين الأمير فخر الدين الثاني حاكم لبنان والبابا غريغواريوس الثالث عشر متينة، وقد فتح هذا الأمير أمام الطلبة اللبنانيين باب الذهاب إلى روما للدراسة فيها، ومنحهم أرضا وسكنا.
      - لم يمض وقت طويل حتى انتشرت المطابع، ونقلت البعثة التبشيرية الأمريكية مطبعتها من مالطا إلى بيروت.
      - كانت الجامعة الأمريكية في بيروت أحد المراكز الرئيسية في الشرق والتي كان هدفها الأساسي هو بعث الأفكار التنصيرية، وإشاعة الثقافة الغربية في الوسط المسيحي والإسلامي.

      المطلب الثاني: في مصر
      - كانت حملة نابليون بونابرت بداية الغزو الصليبي الحديث، فقد جند معه العقول وكل ما وصلت إليه الحضارة الغربية من منجزات مادية وفكرية وثقافية..
      - البعثات التي أرسلها محمد علي إلى فرنسا.

      المبحث الثالث: الشغف بالغرب والعمه الحضاري

      المطلب الأول: سلامة موسى والانسلاخ من الذات
      استشرى التغرب على كافة المستويات والحقول الفكرية من أدب وفن وفلسفة وتاريخ وحضارة، واستولى على كثير من عقول النخبة، وظهر ذلك عبر شكلين:
      - الدعوة إلى تبني النموذج الغربي في كل شيء.
      - الدعوة إلى القطيعة المعرفية الكاملة مع التراث العربي والحضارة الإسلامية.
      ولقد كان سلامة موسى يمثل ذلك إلى أبعد الحدود وتزامنت دعوته إلى التغرب مع إلغاء الخلافة في تركيا، والقضاء على كل مظاهر الإسلام فيها.
      فمثلا سلامة موسى لا يحمد الله [ ] وإنما " يحمد الأقدار لأن الشعب المصري لا يزال في سُحنته ونزعته أوربياً، فهو أقرب في هيئة الوجه ونزعة الفكر إلى الإنجليزي والإيطالي.
      ويسخر من الرابطة الشرقية والدينية فيقول: " وإذا كانت الرابطة الشرقية سخافة فإن الرابطة الدينية وقاحة ".
      ويتابع الرجل!!: " إنه ليس علينا للعرب أي ولاء، وإدمان الدرس لثقافتهم مضيعة للشباب وبعثرة لقواهم"..


      ومع أنه كان يكفي سلامة موسى كنموذج يمثل العمه الحضاري فإن هناك عاشقاً آخر من المسلمين هذه المرة وليس من المسيحيين، إنه طه حسين الذي توغل في نفس التيار التغريبي فأعلن أن السبيل " واضحة بينة، مستقيمة ليس فيها عوج ولا التواء، وهي واحدة فذة، ليس لها تعدد، وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم، لنكون لهم أنداداً، ولنكون لهم شركاء في الحضارة خيرها وشرها، حلوها ومرها".
      ويدعو طه حسين أمته إلى الاستسلام والإذعان ما دامت قد كُبلت بالمعاهدات، وقٌيدت بالامتيازات، لأنه ليس أمامنا خيار آخر فقد " التزمنا أمام أوربا أن نذهب مذهباً في الحكم، ونسير سيرتها في الإدارة ونسلك طريقها في التشريع...

      المطلب الثاني: التغرب في العالم العربي والإسلامي
      لقد عبر سارتر عن هذه الصناعة بصراحة مدهشة عندما قال: " كنا نُحضر أبناء رؤساء القبائل وأبناء الأشراف والأثرياء والسادة من أفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في لندن وباريس وأمستردام، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويرتدون السترات والسراويل، ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا.... ثم نرسلهم إلى بلادهم حيث يرددون ما نقوله بالحرف تماماً مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض".


      لقد كان في تركيا ضياء كوك ألب يردد نفس ما يردده سلامة موسى وطه حسين فدعا إلى سلخ تركيا من ماضيها القريب.


      أما في الهند فقد ظهر سيد أحمد خان وكان متعاوناً مع الإنجليز وسعى في إخماد ثورة 1857م وكافأته الحكومة الإنجليزية براتب شهري، وهو مثله مثل طه حسين وسلامة موسى وضياء كوك ألب يردد نفس الكلام.


      وفي تونس عبر عبد العزيز الثعالبي – قبل اعتداله – عن استسلامه للحضارة الغازية واستلابها لعقله ورشده...الخ.

      المبحث الرابع: الأزمة النفسية للمثقف العربي والمسلم: نقد وتحليل

      المطلب الأول: هدم الجدران الواقية
      لقد عبر سلامة موسى عن رغبته في شفاء أمته المصرية من مرض التشرق – أي محبة الشرق والعرب والانضواء تحت رايته – واعتبر ذلك مرضاً مزمناً يحتاج إلى علاج، ونسي أن الاعتزاز بالذات عصامية وعافية وقوة..
      واعتبـر سلامة موسى التعصب للعرب هو الداء الذي علينا أن نحاربه لكي نتمكن من التغرب، وهو بالفعل مخلص لسادته في تبني هذه الرؤية، لأن الغرب أدرك ولقن تلاميذه أن التعصب هو الجدار الواقي، الذي يجب أن يهدم.
      وطالب كل من سلامة موسى وطه حسين أن يُصبَغ التعليم بالصبغة الغربية، ويُسلك به الطريقة الأوربية، فالتعليم الغربي هو طريق التغريب كما يشير المستشرق جب " هذا هو السبيل الوحيد الذي لا سبيل غيره".

      وهنا سؤال: لماذا يسعى الغربي لأن يُشعر الشرقي بالدونية حتى كاد سلامة موسى أن ينسلخ من جلده ويستبدله ببشرة أوربية !؟


      لأنه عندما يفهم الشرقي أنه من جنس أدنى وفي الدرجة الثانية، ويعتقد أن الغربي من جنس أعلى وفي الدرجة الأولى وصانع للثقافة، فإن علاقته به سوف تشبه علاقة الطفل بأمه.
      إن هؤلاء الناس أصابتهم هستريا التفرنج، بل إن الغرب أقنعهم بأنهم مجروبون فأخذوا يحكُّون جلـودهم حكاً شديداً كأنهم يريدون أن ينسلخوا منها.
      يتبع ...

      تعليق


      • #3
        الحلقة الثالثة

        (3)
        الفصل الثالث: العلمانية والمفاهيم المتشابكة معها
        المبحث الأول: العَلمانية والعِلمانية


        المطلب الأول: العلمانية من العلم أم من العالم؟
        العِلمانية – بالكسر - مشتقة من العِلم وتدعو إلى الاحتكام إلى العلم، وهي ظاهرة حديثة وظفتها العَلمانية – بالفتح - توظيفاً خاطئاً وخطيراً على البشرية والإنسانية جمعاء.
        وكما يبدو فنحن كمسلمين لسنا ضد العِلمانية – بالكسر - لأن ديننا وقرآننا ولا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه يدعوانا إلى الاحتكام لمنطق العلم، ويمجد العلماء قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

        ولكن الخلاف بيننا وبين العِلمانيين في تحديد مفهوم العلم؛ فالعلم عند الغربيين الطبيعيين لا يتناول إلا المحسوسات والمشاهدات، فهو العلم الطبيعي والرياضي فقط ولا صلة له بالميتافيزيقا أو بالأسئلة الكبرى المتعلقة بمصير الإنسان، وإن العالِم بنظرهم ما إن يسأل نفسه هذه الأسئلة ويحاول الإجابة عنها حتى يتحول عن سلوكه كعالم ويتخلى عن وظيفته العلمية.
        أما عندنا فالعلم يشمل كل ما يتصل بالكون والإنسان والحياة.


        والخلاصة: أن لفظتي عَلمانية - بالفتح – وعِلمانية – بالكسر - تصلحان تعبيراً عن الظاهرة المادية التي تستولي اليوم على مجتمعاتنا الإسلامية، وذلك لأن الكلمتين متكاملتان متفاعلتان من حيث المفهوم، فالعَلمانية هي تكريس للدنيوية، والعِلمانية أساس هذا التكريس؛ لأن العلم بمفهومها هو العـلم المادي والتجـريبي والطبيعي – أي الدنيوي فقط – ولا تعـترف بعلوم غيبية ميتـافيزيقية أخرى.
        فالعَلمانية وإن لم ترتبط بالعلم من حيث الاشتقاق ولكنها لا تنفك عنه إذ هي ارتبطت تاريخياً بتعلم العلوم العقلية والطبيعية والتجريبية.

        المبحث الثاني: العلمانية واللائكية
        هناك من يعتبر اللائكية مصطلحًا رديفًا أو ترجمة للعلمانية، ولا يرى مانعًا من استخدامه بديلاً لها. وهناك من يراها تمثل الجانب السياسي للعلمانية المتطرفة، التي استفحل أمرها في فرنسا على وجه الخصوص.
        ويعرف اللائكية بعض الحداثيين بأنها: أن يكون كل إنسان سيد نفسه.
        والخلاصة أن اللائكية تمثل الجانب العملي التطبيقي للعلمانية.

        وأبرز مظهر لذلك أليكة التعليم بمراحله المختلفة والقوانين بكل فروعها ومجالاتها، والحياة السياسية والاجتماعية بكل نشاطاتها، ويتم ذلك عبر مؤسسات الدولة التي حدثت من سلطات الكنيسة إلى أقصى ما يمكن.
        وعليه فالعلمانية بمثابة السلطة التشريعية، واللائكية بمثابة السلطة التنفيذية.

        المبحث الثالث: العلمانية والعلمانيون
        المطلب الأول: المصطلح المغرض
        نتناول في هذا المطلب طريقة واحدة شائعة في كتبهم ومصنفاتهم هي هذه "وية" التي تضاف إلى كثير من المصطلحات الدارجة والشائعة؛ لإعطائها مدلولات جديدة وغريبة لا يعرفها أحد..
        ويبدو أن طيب تيزيني ومحمد أركون هما أكثر من يمارس هذه الـ"وية" فالسلفية عند تيزيني سلفوية، والسلفي سلفوي، وهذه أعدت لغرضها المراد لدى الغرب وعممتها وسائل إعلامه على أنها تعبر عن التطرف والعنف.
        وعند أركون التاريخ والتاريخي يتحول إلى تاريخوي، والإسلامي إلى إسلاموية لكي يصنف عدد من المفكرين على أنهم إسلاميون.

        المطلب الثاني: تعقيب: التكرار دون ملل:
        الفرق بين العلمانية والعلمانوية عند أركون أصبح واضحًا فهي الجانب المتطرف من الفكر العلماني الذي يرفض كل ما سوى المادة، ويفسر كل الأشياء تفسيرًا ماديًا.
        وهناك عاملين يدفعان أمثال تيزيني وأركون إلى اختيار هذه الصياغة:
        1- هو المحاكاة المبدئية للمصطلح الذي أشاعته وسائل الإعلام الغربية.
        2- أن كلمة أصولية عرِّيت كثيرًا من قبل علماء الإسلام، وأدرك المسلمون ما تعنيه هذه الكلمة في وسائل الإعلام الغربية، مما دفع تلاميذ الغرب والاستشراق إلى محاولة تجديد الكلمة بإضافة "وية".

        المبحث الرابع: العلمانية والعلمنة
        العلمنة تعني مسارًا لا نهاية له ولا حدود، تخضع فيه القيم والرؤى الكلية للوجود للمراجعة الدائمة، حسبما يقتضيه التغير في المسيرة التطورية للتاريخ.
        بينما تعكس العلمانية رؤية مغلقة ومجموعة من القيم المطلقة المتوافقة مع غاية نهائية للتاريخ تنطوي على أهمية كبرى للإنسان، وهذا يعني أن العلمانية بالنسبة للغربيين تمثل منظومة فكرانية أي ثابتة وجامدة.

        المبحث الخامس: العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية
        العلمانية الجزئية – عند عبد الوهاب المسيري- هي رؤية معرفية للواقع لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية، ومن ثم لا تتسم بالشمول، فهي تذهب إلى فصل الدين عن الدولة.

        أما العلمانية الشاملة: هي رؤية شاملة للعالم ذات بعد معرفي كلي ونهائي، وتحاول بكل صراحة تحديد علاقة الدين والمطلقات والماورائيات بكل مجالات الحياة، وهي رؤية عقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الواحدية المادية.
        والعلمانية الشاملة بهذا المعنى ليست مجرد فصل الدين عن الدولة أو عن الحياة وإنما فصل لكل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية عن العالم.

        المبحث السادس: العلمانية والسلام
        في الوقت الذي كان فيه الإنكليز يحتلون البلاد العربية والإسلامية، ويرتكبون الفظائع من قتل وتدمير وإبادة وتجويع وتجهيل في العراق، والهند، ومصر، كان سلامة موسى يتغزل بالإنجليز فهم "النظاف الأذكياء ". وهم " أرقى أمة موجودة في العالم. ثم دعا إلى التعاون معهم وهم يحتلون البلاد، ويقتلون العباد فقال: " فنحن إذا أخلصنا النية مع الإنجليز فقد نتفق معهم إذا ضمنا لهم مصالحهم، وهم في الوقت نفسه إذا أخلصوا النية لنا، فإننا نقضي على مراكز الرجعية في مصر، وننتهي منها، فلنول وجوهنا شطر أوربا".

        واليوم يدعونا طارق حجي إلى الإيمان بحتمية الوصول إلى السلام مع إسرائيل، وعلينا أن نكافح لترسيخ ثقافة السلام بدلاً من ثقافة العدوان وأن نسير على خطا السادات لكي تتجنب المنطقة السقوط في العنف والماضوية والتخلف والفقر، وعلينا أن نقبل قيام دولة ديمقراطية لا دينية على كامل تراب فلسطين يتساوى فيها اليهود والمسلمون والمسيحيون. ويعني هذا أن يتنازل الفلسطينيون عن مقدساتهم، وعن حق العودة للمشردين من أبنائهم ويرضخوا لما يفرضه منطق القوة الإسرائيلي والأمريكي. إنها دعوة للاستسلام تحت عنوان:" الإيمان بحتمية السلام ".

        أما مراد وهبة فالعلمانية بنظره هي الحل لمشكلة الشرق الأوسط في فلسطين.

        المبحث السابع: العلمانية الصلبة والعلمانية اللينة
        تقدم بهذه القسمة عادل ضاهر في كتابه "الأسس الفلسفية للعلمانية"، ويعني بالعلمانية الصلبة هي: تلك التي تتخذ من الاعتبارات الفلسفية أساساً لها، وبذلك تكون علمانية راسخة لا تتزعزع؛ لأن الاعتبارات الفلسفية لا تخضع للظروف والوقائع ولا ترتبط بها.
        والخلاصة التي يريد أن يقررها عادل ضاهر هي: أن العلمانية الصلبة لا تقوم على اعتبارات جائزة أو ممكنة، بل على اعتبارات ضرورية، فلا الوحدة الاجتماعية، ولا الشروط التاريخية أو الاجتماعية أو الثقافية، ولا النصوص الدينية هي التي تملي على العلماني الصلب موقفه.

        والعلمانية اللينة عند عادل ضاهر هي: التي لا تقوم على أسس فلسفية، وإنما تبحث عن مبرراتها في التاريخ والثقافة وعلم الاجتماع والنصوص الدينية، وهذه المبررات بنظره جائزة وممكنة وليست ضرورية كالأسس الفلسفية الحاسمة، ولذلك فإن علمانية هؤلاء
        تظل علمانية لينة، أي هشة لأن النصوص الدينية ليست حاسمة.


        يتبع ..

        تعليق


        • #4
          الحلقة الرابعة

          (4)
          الفصل الرابع: العلمانية وجدلية العقل والنقل


          المبحث الأول: الأساس الفلسفي للعلمانية "نقد وتحليل":


          المطلب الأول: معضلة العقل
          لقد تجنب عادل ضاهر كممثل للفكر العلماني أن يجيب على أهم سؤال يعترضه في أطروحته التي يسعى لتأسيسها، وهو: ما هو العقل؟ وما هي أسسه الفلسفية التي اعتبرها ضرورية وحتمية؟
          لقد تحدث كثيرا عن أن العقل هو أساس الوحي، وأن الاعتبارات العقلية هي المرجع والمآل، وظل يكرر ذلك في كل صفحات كتابه، ولكنه تجاهل أنْ يُعرِّف لنا العقل.
          وفي مفهوم العقل ذكر الزركشي أنه قيل فيه ألف قول، وذهب الغزالي إلى عدم إمكانية حده بحد واحد يحيط به، ولا يتفق عليه أحد لا قديمًا ولا حديثًا.
          وعند الحارث بن أسد المحاسبي: غريزة جعلها الله في الممتحنين من عباده، أقام به على البالغين للحلم الحجة.
          وعرفه أبو الحسن الأشعري بأنه العلم. وعرفه ابن رشد بأنه إدراك الموجودات بأسبابها، وبه يفترق عن سائر القوى المدركة.


          المطلب الثاني: معضلة الدور
          الدور هو توقف تعريف كل من الشيئين على الآخر، فلا يمكن إثبات أحدهما إلا بإثبات الآخر، ويعرفه الجرجاني بأنه: "توقف الشيء على ما يتوقف عليه". وعرفه الإيجي: "أن يكون شيئان كل منهما علة للآخر بواسطة أو دونها".
          وقد اتفقت كلمة المناطقة والمتكلمين وسائر العقلاء على الحكم بفساد الدور وامتناعه واعتبر ابن تيمية العلم ببطلانه ضروريًا.


          المطلب الثالث: تعقيب: نقد وتحليل:
          لقد تبنى المعتزلة والأشاعرة وغيرهم القول بأسبقية العقل على النقل حذرًا من الوقوع في الدور، واستحالة الدور قضية بديهية، ولابد من ذكر النتائج التالية:
          أولا: من التسليم بأن العقل أسبق من النقل من حيث الوجود بالنسبة للإنسان لارتباط التكليف أصلًا بالعقل.
          ثانيًا: أن هناك طريق آخر يثبت صدق النبوة، وهو المعجزة وبالتالي صدق كل ما يخبر به النبي من التوحيد والإلهيات والغيبيات.
          ثالثًا: هناك فرق بين الرؤية الكلامية للعقل وبين الرؤية العلمانية، وهو أن الكلامي يقول بأسبقية العقل على النص حتى يثبت الوحي والنبوة، أما العلماني يرى أسبقية العقل على النقل بشكل مستمر.


          المبحث الثاني: العلمانية في الخطاب العربي


          المطلب الأول: المنظور العلماني:
          أولا: محاصرة الدين، فالدين عند أركون مثلا مسألة شخصية لا تتجاوز الذات.
          ثانيًا: النسبية، فالعلمانية عند مراد وهبة هي التفكير النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق. والعقلانية العلمانية تعني إنكار الغيب وكل ما سوى المادة.
          ثالثًا: السيرورة، فيعني عبد المجيد الشرفي بالعلمانية: السيرورة التي بها تخرج قطاعات تابعة للمجتمع والثقافة عن سلطات المؤسسات والرموز الدينية.


          المطلب الثاني: القراءة العلمانية للواقع:
          أولا: العلمانية الحتمية، فهي عند ثلة من المفكرين واقع تاريخي موضوعي، فهي ظاهرة حتمية لا مرد لها؛ وهذه الوثوقية لأن الدراسات الأوروبية المتطورة اعتبرت العلمانية واقعًا مسلما به، وهناك أمارات تدل على ذلك مثل: تولي المحاكم المدنية لزمام القضاء وإزاحة المحاكم الشرعية عن مركز الصدارة، واستخدام التقويم الشمسي بدلا من التقويم القمري، واستناد المعرفة إلى الطبيعة والتاريخ بدلا من الكتب المقدسة.


          ثانيًا: مناقشة ونقد:
          إن ما أشير إليه من مظاهر للعلمنة ليست اختيارا ديمقراطيًا للأمة، ولم تقبله الأمة في أي يوم من الأيام، وهذه المظاهر مرفوضة لدى الغالبية من أبناء الأمة. ومما يدل على ذلك هو رسوخ العقيدة الدينية وعمقها لم يتغير.


          والخلاصة: أن العلمانية في البلاد الإسلامية ظاهرة موجودة لا يمكن إنكارها، ولكنها لم تشكل في الإسلام إلأ قشرة رقيقة جدا لا تلبث طويلا حتى تيبس ثم تتساقط.


          المطلب الثالث: مزاوجة شغارية
          أولًا: أسلمة العلمانية، فهناك ثلة تسعى إلى أسلمة العلمانية من أجل الحصول على مشروعية لاستيرادها أو جواز عبور لمرورها، فهي عند نصر أبو زيد، ليست كفرا أو إلحادًا وإنما التأويل الحقيقي والفهم العلمي للدين.


          ثانيا: مناقشة ونقد:
          يسعى العلمانيون للتوصل إلى أن القول بأن الإسلام دين علماني، ويقبل العلمنة تتركز حول المحاور التالية:
          1- أن الإسلام اهتم بالحياة الدنيا.
          2- جعل الإنسان مركزيًا في هذا الكون.
          3- تخلص من المقدس.
          4- تخلص من المعجزات.
          5- ترك مساحة واسعة للتأويل.
          6- الاستدلال بالتاريخ.


          المطلب الرابع: المنظور الإسلامي:
          أولاً: عناصر مشتركة:
          1- التعريف، يعرف الدكتور القرضاوي العلمانية بأنها: عزل الدين عن حياة الإنسان فردًا كان أو مجتمعًا..
          ويعرفها دكتور عمارة بأنها: جعل المرجعية في تدبير العالم إنسانية خالصة. وهذان الرؤيتان لا تختلفان عن الرؤية العلمانية، فهم أيضا يرون أن العلمانية هي محاصرة الدين إلى الحيز الشخصي.
          2- تؤكد التعريفات الإسلامية للعلمانية على عنصر المادة، وهو ما لا ينكره الخطاب العلماني.
          3- يرى محمد إبراهيم مبروك أن العلمانية هي: الاقتصار على العقل الإنساني في إدراك الحقيقة وتصريف شؤون الحياة. وهو ما يؤكد عليه الخطاب العلماني إذ أنه لا سلطان على العقل إلا للعقل.
          4- العلمانية عند هبة رؤوف عزت، وكذلك عند رفيق حبيب هي نزع القداسة عن الدين.


          ثانيًا: تعقيب وخلاصة:
          يتفق أغلب العلمانيين والإسلاميين على أن الأسس التي تقوم عليها العلمانية هي:
          1- الرؤية المادية، وإنكار كل ما وراء المادة.
          2- تنحية الغيب.
          3- نزع القداسة عن المقدس.
          4- العقلانية المطلقة.
          5- النسبية المطلقة، أي: أن كل شيء يجوز.
          6- فصل الدين عن الدولة أو عن السياسة أو عن الحياة.


          المبحث الثالث: التعريف المختار


          المطلب الأول: خصائص عامة للعلمانية:
          1- العلمانية فصل الدين عن الدولة، أو عن الحياة.
          2- العلمانية أقرب إلى جحود ونكران للأديان وقيمها.
          3- العلمانية هي إلغاء المقدس.
          4- العلمانية هي النسبية المطلقة، وقيل هي الغنوصية.
          5- أنها تنحية الأسئلة الكبرى.


          المطلب الثاني: أبرز الخصائص:
          أن العلمانية هي: "أنسنة الإلهي، وتأليه الإنساني".
          فالشطر الأول، يحتوي على مقولة العلمانية في رفض المصدر الإلهي للأديان أو الوحي، كما يحتوي على إلغاء أو تمييع كل المقدسات والمعجزات. ويحتوي أيضًا على أنسنة الطبيعة والكون.
          وأما الشطر الثاني: "تأليه الإنساني": فيغطي كثيرًا من خصائص العلمانية، منها فلسفة الإنسان الأعلى، والبقاء للأقوى. ويتضمن أيضًا التركيز العلماني الدائم على مركزية الإنسان واستقلالية العقل. كما يتضمن أيضًا الإشارة إلى تأليه القيم الجديدة للعلمانية المتمثلة في حقوق الإنسان. ويتضمن الإشارة إلى الجانب العبثي في العلمانية.


          المطلب الثالث: العلمانية هي الدنيوية المحضة
          رأى سيد محمد نقيب أن أقرب كلمة تعبر عن العلمانية في المفهوم القرآني هي ما يعبر عنه القرآن بلفظ "الحياة الدنيا"، حيث تتجلى الدنيوية واضحة في الممارسات التأويلية التي تشتغل عن النص القرآني فتحاول دائمًا أن تحد من سلطانه الإلهي، وتبرز ما يؤكد على الاعتبارات الدنيوية في مسائل الميراث والمرأة والحجاب، والدولة والأخلاق.


          يتبع في الحلقة القادمة ... (الباب الثاني التاريخية ومداخلها المعلنة)

          تعليق


          • #5
            تعليق لا بد منه

            كتاب د الطعان ما شاء الله مجلد كبير أفاد كثيرا من الباحثين
            لكن تعليقي على المادة المحررة للملتقى فقط لا غير ( نصيحة لله تعالى).
            الذي لاحظته بحسرة أن الكتابة هنا عن موضوع العلمانية فيها خلط وتعميم
            عندما نقول بأننا " نجد اتفاقا بين المعاجم" هل رجعنا اليها بالفعل؟؟
            أعطني معجما فرنسيا واحدا وهي كثيرة تضمن مصطلح secularism أو على الأقل ذكر فيه؟؟
            عندما نقول باتفاق"دوائر المعارف الغربية" على معنى معين للعلمانية ...
            أقول: أشهر هذه الدوائر(دائرة المعارف الشاملة UNIVERSALIS ) وهي متداولة بالانجليزية والفرنسية خاصة،ويمكن العثور عليها على النيت، فرجاء حدد لي أين يوجد مصطلح secularism في الاصدار الفرنسي منها بمجلداتها التي تربو على الأربعين؟؟؟
            ان كتابتنا عن الموضوع أصفها بالقصور لما يلي:
            قبل عقود ترجمت في العالم العربي بعض الأدبيات الغربية غير المحررة عن العلمانية ومن يومها أصبحنا لانعرف هذه العلمانية الا من خلال هذه الترجمات الأولى.
            أن الكتابات الغربية في العلمانية وغيرها تتجدد على مدار السنة والشهر لكننا لا نطل عليها عندما نبحث ولو بطرف العين.
            وللعلم فان نفس المادة التي كتبها أول باحث في العلمانية وهو د سفر الحوالي في رسالته للماجستير في جامعة أم القرى عام1394ه تقريبا تظلت تكرر عند من جاء بعده...
            وحتى لا أطيل:
            - "العلمانية" باعتبارها مصطلحا فلسفيا ثم مذهبا سياسيا خضعت وتخضع دائما للتطور حتى أننا اليوم أمام تيارات فيها.
            - أن فرنسا والدول الملاصقة لها والمتأثرة بها لا تعرف شيئا اسمه "العلمانية secularism" بل يقابله عندهم شيء مختلف تماما اسمه "اللائكية laicite" وهو مذهب له فلسفته النظرية الخاصة يمكن الاطلاع عليها باختصار في دوائر المعرفة الغربية التي أتي ذكرها في الموضوع الأصلي لكن باللغات الغربية وليس بالعربية ودستور هذه الدولة منذ 1904م فرض اللائكية مذهبا رسميا ...
            - أن القارىء المسلم ليس مفروضا عليه معرفة لغة أجنبية للاطلاع على ذلك، ففي أعداد محددة من سلسلة عالم المعرفة الكويتية ما يفيده وهي تطبع بحمد الله أربعين الف نسخة على الأقل من كل عدد.
            والحمد لله على ما أنعم به على عباده المسلمين.
            والله الموفق للصواب والمعين

            تعليق


            • #6
              "العلمانية" باعتبارها مصطلحا فلسفيا ثم مذهبا سياسيا خضعت وتخضع دائما للتطور حتى أننا اليوم أمام تيارات فيها.
              هل يمكن-للإستفادة العلمية- سيدي الشيخ عبد الرزاق هرماس ان تضع لنا تفصيلا لهذه النقطة، اي تطور المصطلح او المذهب السياسي ل(العلمانية) بحيث نفهم الفرق بين التصور الشائع وبين الجديد عنها او منها؟
              والسؤال المرتبط بهذا هو هل تحولت العلمانية من موقفها الناقد للدين كمقدس باطل -في زعمها- في العموم، إلى موقف مختلف؟وهل تنازلت العلمانية عن سلطتها العليا في الغرب بإعتبارها رؤية مادية دنيوية (كما كانت) (وهو التفسير الواقعي للعلمانية)، مسيطرة على مناحي الحياة كلها اللهم إلا حدود الكنائس.او المعابد....مع أنها تحاول التأثير عليها بالتأويلات الجديدة لها للدين، وهي تأويلات على كل حال تنزع عنه حقيقة الغيب وحقيقة الوحي وحقيقة الصلة الحقيقية للرب بالعالم البشري؟(التأثير على الكنائس وصل لمراحل مقبولة علمانيا ويتم اليوم تهيئة طلبة مسلمون لقبول التأويل العلماني للإسلام، ليخطبوا في المساجد(يتم التهيئة إعلاميا واكاديميا)
              مع العلم أن الرؤية المادية العلمانية الأحدث لاتمنع من تحليق الروح الإنساني في الآفاق ولكن على أن ترجع إلى القفص المادي لاتتجاوز لا نطاقه الكوني ولا الانساني(بحسب نظرتهم لطبيعته!) او الإجتماعي الأرضي
              إن الذي تغير فيما أرى وأقرأ وأشاهد هو أن موقف العلمانية تغير من العنف ضد الدين إلى اللين معه، من القطيعة والطرد إلى منحه مساحة مسكينة في المجتمع الخاص به!، وعدم الهجوم عليه كما كان في الماضي، أي الإعتراف به كخيال بشري فطري مغروس في الإنسان بعد أن كانت النظرة أنه اغتراب أو مرحلة مقضية..إلخ
              لكن إحذر نحن من نجدد مسار الأشياء وتأويلاتها حتى مسارك وتأويلك.. او نحاول هذه الأخيرة!
              تبقي العلمانية في فلسفتها هي الفكرة المادية السابغة والمسيطرة على زمام الأمور في الغرب، حتى ولو لم يعرف الناس شيء عن المصطلح، اللائكية كان أم العلمانية ام الحداثة ام العلمنة..إلخ(فكرتي عن العلمانية من الداخل الغربي ومن الإطلاعات المستمرة)
              مع العلم ان الأستاذ عبد الوهاب المسيري تكلم عن اختلاف تعريف العلمانية في الغرب.. وعرض هذا كله..في كتاب له .

              تعليق


              • #7
                ما شاء الله. تعليق الدكتور هرماس في محله. لغويا يجب أن نعود إلى اللاتينية إذ أن سّايكولآري (saecularis) لا تعنى إلا "الدنيوية" وما جاورها من "الدونيّة" و "الزمنيّة" يعني "الدهرية". واللائكية (لآيكوسز) إستخدمتها الكنيسية قديما تقريبا بنفس المعنى الذي إستخدم به المعسكر الشيوعي لفظ "إِنْسيليغْيَنْسى" (intelligentsia) أي: النخبة المثقفة. والكنيسة إستخدمت المصطلح لفصل عوام الناس عن رجال الكنيسة الذين يحتكرون المعرفة، فجاء التنويريون الأصولويون مسلّحين بالأرسطاطوليسية والرشدية اللاتينية لقلب هذه المعادلة ثم تحولوا إلى تيار سياسي ناضل من أجل مركزية الإنسان بدل الكنيسة، أما ما جاء بعد ذلك هو تحول من منهج تفكير في دور الإنسان وعلاقة الكنيسة بالمشترك الإنسي إلى مضمون وبالتالي إلى مذهب وإيديولوجية للدولة تفعل نفس ما كانت تفعله الكنيسة بالمقلوب، ولذلك لم يكن الصراع بين الدين والدنيا ولا بين الإنسان والإلتزام بتعاليم ما، لكن صراع إيديولوجي. وهذا الصراع لم يقف يوما ما رغم أن العلمانية في الغرب سارية بأشكال متنوعة، واللائكية في فرنسا من المقدسات، إلا أن الصراع هذا أخذ يتشكّل وبدأت مظاهر أخرى تطفو فوق السطح وأسئلة أخرى بدأت تفرض نفسها فيما له علاقة بالقيم والهوية إضافة إلى عودة مظاهر التديّن وإتجاه اللادينية إلى التبشير إحياء للتنوير التبشيري، وتكتل النخب العلمانية من أجل حفظ الدنيوية في السياسة مثل (The European Parliament Platform for Secularism in Politics) التي تنتمي إليها هيئات وجمعيات أوروبية مختلفة، وكل هذا أدى ومازال يؤدي إلى إعادة النظر في كثير من الأشياء التي تتعلق بالعلمانية واللائكية.
                مؤخرا إنتقدت اللجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية بعض التصرفات العلمانية واللائكية في أوربا الغربية. هذا يدل على وجود تحولات ميدانية تتبعها ولابد تحولات في التنظير في فلسفة السياسة، ولعل أبرز المنقاشات المطروحة الآن هي ما علاقة الديموقراطية بالعلمانية وهل هناك حقا تعددية في العلمانية أم أن العلمانية شمولية بحكم التعريف الخـ..

                لكن هل هذا يعني أن الباحث المسلم العربي عليه أن يتقلّب مع تقلّبات تحدث خارج الديار العربية؟ أظن: لا. التعريفات تكون من باب الإستئناس فقط لتقريب ما هو نظري لا لتصويره تصوير جامع مانع من جميع الجهات، ولابد من الإتجاه نحو ما هو ميداني. ماذا تعني العلمانية في الميدان؟ ماذا يريد العلمانيون؟ ماذا لا يريدون؟ هذا هو الأهم سواء في السياسة أو في الإجتماع والثقافة. بالتالي هذا البحث "العلمانيون والقرآن الكريم" مستقل عن أي تغييرات تحدث. ولعل الكاتب حفظه الله تنبّه إلى عبقرية الغزالي الذي ألّف تهافت الفلاسفة وليس تهافت الفلسفة.

                تعليق


                • #8
                  تعليقك د. عبد الرزاق هو غنيمة نسعد به في الملتقى، وهو إتمام للفكرة وتدوين وجهة نظر مهمة ، بارك الله فيك.
                  إلا أني أشير هنا إلى أن تلخيص الكتاب هو في ذاته مجرد تلخيص ولا يتضمن قراءة نقدية لمضمون الكتاب، فنحن نقدم الكتاب للقارئ الكريم ملخصاً _ لنقربه للقراء _ ولا نتدخل في مضمون أي كتاب سواء بالتصويب أو التخطيئة ... إلخ؛ لأن غُنْم ذلك ومَغْرمه على مؤلف الكتاب .
                  ولإتمام الفائدة نفتح المجال للتعليق والنقد _ كتعليقك حفظك الله _ لتسديد النقص والحوار فيما يحتاج إليه .
                  وأكرر لك شكري وأدعوك إلى كتابة المزيد بارك الله في علمك وعمرك .
                  د. حاتم بن عابد القرشي
                  كلية الشريعة _ جامعة الطائف
                  [email protected]

                  تعليق


                  • #9
                    جواب

                    الى الأخ المكرم طارق حفظه الله
                    الكلام عن العلمانية باعتبارها مصطلحا فلسفيا أكثر من واسع،لأن منظريه بالمئات خلال القرون الثلاثة الأخيرة بأوربا خاصة.
                    أما باعتبارها مذهبا سياسيا فالعمل السياسي بالغرب يتأسس على الأحزاب،وقد أظهرت هذه الأخيرة أن العلمانية باعتبارها مذهبا سياسيا تختلف - أولا -باختلاف هذه الأحزاب العلمانية ، و- ثانيا - نجد داخل الحزب العلماني الواحد تيارات علمانية متباينة في تصوراتها لمفهومها، ولهذا لا نجد من استطاع أن يعطيها مفهوما محددا.
                    وأشهر مثال يحضرني له دلالة:
                    الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة (علماني)،لكنه في كل مرة يغلب عليه لون معين،فمابين 2000-2008 في رئاسة بوش الابن غلب عليه تيار سمي بالولايات المتحدة "اليمين المسيحي الجديد " او"اليمين الميسحي المحافظ"؛لكن هذا الحزب نفسه مابين1980-1988 في رئاسة ريغان كان الغالب عليه لون آخر بعيد عن التدين...وان كان هذا الحزب سواء أكان في قمته تيار يمين مسيحي أو غير مسيحي لا يؤله الا الغطرسة...،لكن الذي يهمني في موضوع العلمانية هو الذريعة الى الغطرسة : أحيانا مجد أمريكا أيام ريغان، وأحيانا رسالتها الى العالم وهنا يظهر نفوذ التيار المسيحي وانظر أثر ذلك حين تتدخل أمريكا في العالم الاسلامي بدعوى حماية الأرمن أو حماية الرافضة حتى في البحرين التي لم يكونوا فيها سوى حفنة مهاجرين عام 1978م...
                    وما دمنا نتكلم عن علاقة العلمانية بالدين عامة فهناك كتاب ظهر بالانجليزية عام 1999م وترجمته ادارة الثقافة بوزارة الخارجية الآمريكية 1423هـ (توزعه دار أمريكا) عنوانه"الدين والسياسة في الولايات المتحدة" تأليف مايكل وجوليا كوربيت في 1/2 .
                    وهنا أختم بمسألة تبين الفرق بين العلمانية واللائكية:
                    في ألمانيا توجد على رأس الدولة منذ2005م الى الآن المستشارة أنجيليكا ميركل وهي رئيسة حزب "الاتحاد الديموقراطي المسيحي"، فألمانيا دولة علمانية فيها أحزاب أقواها الآن الاتحاد الديموقراطي المسيحي الحاكم، و كما هو واضح العلمانية لا تمنع تأسيس أحزاب تتبنى الخلفية المسيحية، والأمر نفسه نجده في ايطاليا مع "الحزب الديموقراطي المسيحي"...
                    أما في فرنسا اللائكية فالأمر مختلف نجد فيها مثلا حزب" الاتحاد من أجل الجمهورية" ويستحيل أن يسمح فيها لحزب مسيحي ولو بالاسم فقط كـ" الحزب الجمهوري المسيحي"،ولفهم ذلك يجب الرجوع الى التطور التاريخي للعلمانية خلال القرن 19 للميلاد الذي قاد منظري هذا المذهب في فرنسا تحت تأثير اضطرابات الحكم التي عاشتها الدولة : من نظام ملكي الى امبراطوري الى ملكي الى جمهوري...فانتهي منظرو العلمانية هناك الى ابتداع "اللائكية" التي ستصبح مذهبا سياسيا تم اقراره لأول مرة في تاريخ أوربا مع اعلان دستور الجمهورية الثالثة بفرنسا عام 1904م وذلك بعد استئصالهم للأسر الحاكمة أيام الملكية .
                    ولفهم اللائكية أشير الى ما يلي:
                    اعتقد منظرو هذا المذهب في القرن 19 بأن ولاء المواطن يجب أن يكون للدولة فحسب،وتبعا لذلك يجب استئصال أي شيء يمكن أن يزاحم الدولة في هذا الولاء سواء أكان هو الملك أو الامبراطور أو حتى الدين، ولأن اجتثات الدين من حياة الجميع مستحيل،عمدت الدولة الفرنسية 1904م الى فصل ما تبقى من الكنيسة الكاثوليكية الفرنسية عن دولة الفاتيكان (البابا)وأخضعت هذه الكنيسة للمذهب اللائكي واقتضى ذلك فرض قيود كثيرة عليها، يكفي أن أمثل هنا بأن الكنائس في العالم لها حق التملك، الا في فرنسا ومن الغرائب أن الكنائس التي أنشأت أيام الاستعمار الفرنسي في المغرب والجزائر وتونس سجلت ملكية ما تبقى منها الى اليوم في اسم السفارات الفرنسية في هذه الدول...وهذه القيود أكدت عليها دساتير الجمهورية الفرنسية الرابع1944 والخامس1958م، وللاستزادة يمكن الرجوع الى مادة جد مختصرة لكن مفيدة عن اللائكية في الاصدار الفرنسي لدائرة المعارف الشاملة المجلد 13ص 415 وما بعدها(ثلاثة عشر عمودا).
                    والخلاصة: أن العلمانية تسمح للمواطن بهامش التدين يزيد أو ينقص بحسب المجتمع والطبقة السياسية فيه،أما اللائكية فتضع نفسها من الأصل خصما للتدين ثم لا تكتفي بذلك بل تدعو لاستخدام الدولة أداة لمنع أية مظاهر للتدين استعصت على الاخضاع وأفلتت من مختلف آليات القهر والاكراه اللائكية التي هي: الاعلام ثم المدرسة ثم القانون.
                    واعتقد أن القارىء بهذا سيفهم كيف تضيق فرنسا اللائكية بالحجاب أو اللحية المرسلة أو جموع المصلين... في حين نجد في انجلترا العلمانية رؤساء بلديات يمارسون مهامهم بلباس أفغاني أو باكستاني...بل في كندا نائب رئيس الوزراء الأسبق يلج مجلس الحكومة أمام كاميرات التلفزيون وعلى رأسه عمامه خضراء لأنه من السيخ الذين أصبح لهم دور في الدولة هناك فنقلوا العمامة الخضراء من الهند الى القطب المتجمد الشمالي؟؟
                    أرجو ألا أكون قد أطلت والله الهادي الى سبيل الرشاد.

                    تعليق


                    • #10
                      المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرزاق بن اسماعيل هرماس مشاهدة المشاركة
                      ....
                      والخلاصة: أن العلمانية تسمح للمواطن بهامش التدين يزيد أو ينقص بحسب المجتمع والطبقة السياسية فيه،أما اللائكية فتضع نفسها من الأصل خصما للتدين ثم لا تكتفي بذلك بل تدعو لاستخدام الدولة أداة لمنع أية مظاهر للتدين استعصت على الاخضاع وأفلتت من مختلف آليات القهر والاكراه اللائكية التي هي: الاعلام ثم المدرسة ثم القانون.
                      واعتقد أن القارىء بهذا سيفهم كيف تضيق فرنسا اللائكية بالحجاب أو اللحية المرسلة أو جموع المصلين... في حين نجد في انجلترا العلمانية رؤساء بلديات يمارسون مهامهم بلباس أفغاني أو باكستاني...بل في كندا نائب رئيس الوزراء الأسبق يلج مجلس الحكومة أمام كاميرات التلفزيون وعلى رأسه عمامه خضراء لأنه من السيخ الذين أصبح لهم دور في الدولة هناك فنقلوا العمامة الخضراء من الهند الى القطب المتجمد الشمالي؟؟
                      أرجو ألا أكون قد أطلت والله الهادي الى سبيل الرشاد.
                      خلاصة نافعة إن شاء الله لمن أراد أن ينتفع بالعلم، فبارك الله فيكم استاذنا عبد الرزاق هرماس ، وجزاكم الله خيرا ونتمنى من ذكر الكثير من هذا العلم كما أتمنى أن تعرض في ملتقانا الطيب هذا بحوثكم المنشورة ، فكم نحن بحاجة إلى العلم والتفهيم(سمى المودودي تفسيره ب:تفهيم القرآن)
                      والكلام كما نلاحظ هو عن (التدين) وهذه فائدة عظيمة ولها توابع فرقانية.

                      تعليق


                      • #11
                        شرح موجز وبليغ بارك الله فيك د. عبد الرزاق .
                        وعندي استفسار، ذكرت حفظك الله :
                        المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرزاق بن اسماعيل هرماس مشاهدة المشاركة
                        أن العلمانية تسمح للمواطن بهامش التدين يزيد أو ينقص بحسب المجتمع والطبقة السياسية فيه،أما اللائكية فتضع نفسها من الأصل خصما للتدين ثم لا تكتفي بذلك بل تدعو لاستخدام الدولة أداة لمنع أية مظاهر للتدين استعصت على الاخضاع وأفلتت من مختلف آليات القهر والاكراه اللائكية
                        فهل يمكن الفهم أن اللائكية هي الوجه الاستبدادي في العلمانية ؟ وهل بهذا يكون الفرق بينها وبين العلمانية هي من حيث التطبيق فحسب ؟ أم ينسحب ذلك على المفهوم فنتج عنه تباين التطبيق ؟
                        د. حاتم بن عابد القرشي
                        كلية الشريعة _ جامعة الطائف
                        [email protected]

                        تعليق


                        • #12
                          رد

                          الأخ الأعز د حاتم حفظه الله
                          عطفا على ما سبق
                          "اللائكية ظهرت في فرنسا باعتبارها سيرورة تاريخية ارتبطت بالقرن19"
                          يعني أن منظريها انتهوا الى أن العلمانية لا تصلح :
                          - سواء باعتبارها مصطلحا فلسفيا مرتبطا بما يسميه الأوربيون عصور الأنوار (أو نسميه ان أردتم الحقيقة عصور المادة والالحاد).
                          - أو باعتبارها مذهبا سياسيا يمكن الاحتكام اليه في تدبير التداول على الحكم.
                          وتقدم أن فرنسا عاشت خلال القرن19اضطرابات سياسية:كان نظامها ملكيا ثم قضي على الملكية لتصبح امبراطورية (نابليون) ثم قام أنصار الملكية بالانقلاب واستردوا الملكية ثانية ثم وقع الانقلاب على الملكية من جديد وتأسست الجمهورية (الأولى) ،وليت الأمر اقتصر على الانقلابات المتتالية بل رافقت ذلك أنهار غزيرة من دماء الفرنسيين، كلما قلب الحكم سيق الى " المقصلـة" la Guillotine -وهي آلة حديدية كبيرة لقطع رؤوس البشر مشهورة حتى في الروايات الفرنسية الحديثة - المئات من كل من عرف عنه ولاء للنظام الذي سقط وذلك في كل مرة يغير فيها نظام الحكم.
                          وخلال عهد الجمهورية الأولى كان الاتجاه الى التفكير في مذهب سياسي بديل عن علمانية القرن 19 التي لم تحم الفرنسيين من هذه المآسي،فانتهى الفرنسيون الى ما أسلفت من أن هذا المذهب السياسي البديل يجب أن يقوم على أساس أن ولاء المواطن الفرنسي يجب أن يكون فقط لفرنسا (الدولة) فيمنع على المواطن "الاشراك " في ولائه للدولة،سواء تعلق هذا الشرك في الولاء بالملكية أو الامبراطورية ...أو العرق أو الدين حتى يقطع الطريق على اضطراب نظام الحكم مستقبلا.
                          وهذا يعني ان صح التعبير" أن يكون المواطن موحدا في ولائه للجمهورية " مما يكشف أن اللائكية هي مصطلح فلسفي ومذهب سياسي اضافة الى كونها عقيدة (وضعية) تلغي أي أثر للتدين عند أصحابها ولا تسمح حتى بذلك الهامش الذي تتركه العلمانية لمن أراده، وصل الأمر أن فرضت اللائكية مذهبا رسميا للجمهورية الفرنسية في الدستور المعتمد عام 1904م(دستور الجمهورية الثالثة).
                          أما عن كونها الوجه الاستبدادي للعلمانية، فأعتقد تبعا لما سلف أن العلمانية هي غير اللائكية ، والفرق بينهما كالفرق بين الأزرق والأسود سواء نظرنا اليهما من جهة المفهوم الفلسفي أو من جهة التطبيق العملي في مجال الاجتماع والحكم، فاللائكية هي مرحلة تطورت عن العلمانية الأوربية لكنها كانت جد متطرفة.
                          مثالا للعلاقة المنقطعة بينهما:
                          اذا أخذنا المعاجم اللغوية الفرنسية الجامعة وأشهرها "معجم روبير الكبير" فاننا لا نجد فيه أثرا للفظ العلمانية كما ذكرت سالفا، أي أنه تم استئصالها ليس من العمل السياسي بل حتى من اللغة الفرنسية المستعملة،بل اقتلع اللفظ من الموسوعات الفرنسية المعتمدة ...وعوض ذلك بلفظ اللائكية فتجده في المعاجم اللغوية والتاريخية والفلسفية والموسوعات الفرنسية ...ومن أفضل ماكتبه الفرنسيون في الموضوع:
                          كتاب" غزو اللائكية التاريخ المعاصر للائكية الفرنسية" للويس كابران في مجلدين ،وقد أرخ لها الى حدود1935م.
                          L.Caperan; l invasion laique;histoire contempporaine de la laicite Francaise;2t
                          واختلاط المصطلحين ليس بغريب في العالم العربي اذا استحضرنا أن أكثر أعمال التعريب قام بها الاخوة المصريون من الانجليزية في الغالب، وازداد الأمر سوءا أن مصطلح العلمانية ركب عليه الكثيرون ممن خاصموا تدين الناس بالاسلام، الغريب أن ما وقع في أوربا أيام سطوة الكنيسة على الحكم وأيام الثورات الفرنسية لم يشهد العالم الاسلامي شيء منه،ولو أن دعاة وسدنة العلمانية من أهل الاسلام خوصموا بالعلمانية أو اللائكية الأوربية لغلبوا بسبب جهلهم، فقد كانت أسوتهم في نموذج أتاتورك الذي كان أجهل من حمار جحا بالموضوع، وانما اتخذ الرجل - وقد آل الى ما قدم - العلمانية سلما لهدم الاسلام وانشاء مجتمع يسير على وفق شهواته المريضة ولله الأمر من قبل ومن بعد.

                          تعليق


                          • #13
                            حوار جميل، ما شاء الله.
                            أعتذر لكم أساتذتي بارك الله فيكم لكن أنا أظن وبمعزل عن التاريخ أن لا فرق "جوهري" بين العلمانية واللائكية بدون دولة. لذلك يقال دولة علمانية ودولة علمانية متطرفة. الدولة العلمانية المتطرفة دولة مذهبية إيديولوجية تفرض المذهب على الجميع بإسم الحيادية. والدولة العلمانية المتطرفة وسط بين الدولة العلمانية والدولة العلمانية الشمولية. بينما، خلافا للدولة العلمانية، لا تسمح الدولة العلمانية المتطرفة لممارسة سياسية على خلفية إعترافية نجد الدولة العلمانية الشمولية لا تسمح بقيم الدين في كل المجالات العامة سياسة كانت أو غير سياسة وهذا تقريبا حال كل الدول التي ورثت بقايا العلمانية السوفييتية مع فوارق بينها: كازخستان مثلا رغم أنها لا تسمح بحزب سياسي إسلامي و لا غير إسلامي بكونها دولة سلطوية ذات حزب واحد إلا أن هذا الحزب خليط ينتمي إليه سياسيون من مختلف التوجهات السياسية بما في ذلك المحافظين، وأزربيدجان أكثر تطرفا منها في التضييق على الحريات الدينية في المجالات العامة، في حين أن طاجكيستان رخصت لحزب سياسي إسلامي وهذا ما لا نجده حتى في تركيا رغم الخطأ الذي يكرره كثير من المحللين الأوروبيين في مقارنتهم حزب العدالة التركي بالأحزاب المسيحية في أوروبا (ألمانيا، إيطاليا، النرويج، هولندا وبلجكيا) ورغم خطأ السياسيين المتطرفين الذين يعتبرون حزب العدالة حزب ديني. الواقع هو أن العدالة حزب علماني بالدستور والقانون و عرفي بالعمل الميداني في تمرير القيم الإسلامية في السياسة والمجتمع من خلال خطاب مقاصدي وقانوني وليس بخطاب مرجعي.

                            ولا أنكر وجود خلط كبير بين اللائكية، فصل الكنيسة عن الدولة (= العلمانية) والحيادية. هذا ما أشار إليه البروفيسور جوزيف ويلر (Joseph Weiler) في كلمة تدخل بها خلال إجتماع للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عقب الجدل الذي أفرزه منع "الرموز" الدينية، الصليب خاصة، في المدارس العمومية بإيطاليا. (يونيو 2010). حيث تكلم عن الأنواع المختلفة للعلمانية في أوروبا في التنظير و في التطبيق، وإعتبر اللائكية نوع من العلمانية، متميزة عن "العلمانيات" الأخريات بتطرف خاص نتيجته إعتماد فرنسا العلمانية مكون من مكونات تحديد مفهوم "الدولة". بعد هذه الكلمة عن تنوع العلمانيات، تكلم عن التعددية التي هي من لوازم حق التدين والفكر فإذا أقحمت العلمانية نفسها في أمور لا علاقة لها بالسياسة فإنها ستكون متناقضة مع إدعاء الحيادية لأن أي محاولة في تقزيم أو تضييق حق التدين فيما هو غير سياسي سيؤدي إلى نتيجة معاكسة للحيادية. وأخيرا تكلم عن الموقف الأحادي والجانبي في رسم حدود العلمانية كأن اللائكيين هم وحدهم من يحق لهم المشاركة في هذا الترسيم دون غيرهم في المجتمع. والخلاصة: لا تعددية وتسامح وتنوع دون ضبط مفهوم وتطبيقات العلمانية بسياق سياسي، تاريخي، ديموغرافي وثقافي. مثال: الصليب ليس رمز ديني وحسب بل جزء من الهوية الوطنية لكثير من الدول في أوروبا.

                            تعليق


                            • #14
                              موضوع شيق وحساس وحيوي وابن وقته ولكن في مقاربته نتمنى أن توضع النقاط على الحروف بكل جرأة وشفافية، ومن استقرائنا [القاصر ضرورة] لما يكتبه الشيوخ والمتدينون عن الموضوع ومقارنته بقراءتنا لسيرورة الحياة السياسية والمجتمع المدني في الغرب ثم في الشعوب التي قلدته [يمكن الاكتفاء بكتاب لمؤرخ عالمي في القضية كتوينبي في "البشرية والأرض الأم" الذي ترجمه مشكورا الراحل نيقولا زيادة بعنوان "تاريخ البشرية" ، أو كتاب "معالم تاريخ الإنسانية" جـ4 لهـ جـ ويلز، أو كتاب "تاريخ الفلسفة الغربية" لراسل ج،3].بمقارنة ما ربّانا عليه الشيوخ الذين خلطوا بين الأنظمة الجاهلة بعد الحرب العالمية الثانية [التي يسميها بعضهم بعد "الاستقلال"] وبين "العلمانية". فشيوخ الدين الذين تصدروا الساحة ثقافيا بعد الانفجار السكاني منذ السبعينيات عدّوا تلك الأنظمة التي حكمتنا "علمانية" لأنها ربما استخدمت الكلمة في توصيف نفسها ولأن الشيوخ في مجملهم باستثناء بعضهم القليل كالشيخ محمد الغزالي لم يكونوا من الوعي التاريخي والثقافي بإدراك لتاريخية المصطلح ومعناه.
                              ظلت كلمة علمانية تُشوه في الوسط المتدين وصار المسلمون يقارنون بين واقع مزرٍ سياسيا يدب فيه الفساد الإداري والسلطوي وبين طموح إلى العدالة أسموه "تطبيق الشريعة" التي يفصلهم عن الوعي بها قرون وقرون.
                              من أهم ما قرأته في أسباب تشوه مصطلح علمانية قول المفكر المغربي د.عبدالله العروي إن المصطلح تشوه في وعي المسلمين بسبب الترجمة الخطأ له حيث ترجمه نصارى لبنان بـ"ـفصل الدين عن الدولة" ولو تُرجم إلى "المعاملاتية" من "فقه المعاملات" في مقابل "فقه العبادات" أو إلى "الأحكام السلطانية" لما ولّد كل هذا النفور وإساءة الفهم.

                              علميا لأ أجد في المكتبة العربية كمقاربة الدكتور عبدالوهاب المسيري للموضوع في كتابه عن العلمانية بجزئيه.
                              أما طلاب كلية الشريعة وشيوخ الدين وتندرج في مجموعتهم كتاب الشيخ سفر وأطروحة الدكتور الطعان دون غض من قدرهما لأنهما خاضعان لوعي عام نتحدث عنه سببه شيئان من ضمن مجموعة أشياء وهذان الشيئان هما:
                              ـ ما ذكره الدكتور العروي من سوء ترجمة مصطلح علمانية
                              ـ والشيء الآخر الذي لا يقل أهمية وإن كان لا يشار إليه مجسدا كالسبب الأول، وهو انحراف الأمة عن رسالتها العالمية وسموها الأخلاقي إلى نكوص إلى مواقع خلفية متعصبة للدفاع عن ذات تتراكم عليها مخاوفها وحاجاتها وآلامها وآمالها، ونعني به باختصار أن أكبر خطأ يرتكبه المسلمون هو غفلتهم عن قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا فاستبقوا الخيرات فالمعيار كوني لا محلي ولا إقليمي ولا قومي (ليس داخل أمة الإسلام وحدها) بل كوني إنساني أخلاقي، فمحاربة الإسلاميين المستميتة للعلمانية مندرجة إذا ما قسناها بمعيار كوني - مندرجة - في إسقاط كل عيوب واقعنا وأخطائنا وقصورنا عن إدارة أمورنا على مصطلح مشوه، ومن يقرأ أي كتاب يكتبه إسلامي عن "العلمانية" يجد أنها "قرينة الشيطان" في حين أن التجربة التاريخية للشعوب الغربية في بناء نظام سياسي هو بالقطع واليقين أقرب إلى روح عدالة الإسلام من كل أنظمة المسلمين المعاصرين وحكوماتهم. فالتجربة الغربية في الوصول إلى أنظمة حكم راقية خلقيا بحيث توفر للإنسان فرصة تحقيق ذاته وتحميه من عدوان الآخرين هي مكسب لكل البشرية وحين نواجه "كل ما أنجزه غير المسلمين" بعين الريبة وتضخيم السلبيات، ونغفل عن كل الإيجابيات ننأى عن المعيار القرآني الكوني الذي قال لنا (فاستبقوا الخيرات ) وقال لنا (ليس بأمانيكم [يا مسلمون] ولا بأمانيّ أهل الكتاب من يعمل سوءً يُجزَ به [كل سوء ولو كان اغتصاب السلطة وأموال الناس وظلمهم وتعليمهم تعليما ينأى بهم عن التصدّر الأخلاقي للعالم ، فأحوالنا أسوأ بكثير من أحوال غيرنا باستثناء محافظتنا على مؤسسة الأسرة ومفهوم الشرف ]).

                              نتمنى أن يتوقف الإسلاميون عن الذم في الهواء لمصطلح ليس لديهم منه إلا سوء ترجمته وأن ينشغلوا بالأولى فالأولى من أوامر الله تعالى وأن يعودوا إلى (معيار القرآن العظيم الكوني) في الحكم على أفعال البشر في أنها (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) وأن يستبقوا الخيرات مع غيرهم من شعوب الأرض بدلا من قضاء الوقت في ذمهم ولله در الشاعر المتهكم:
                              [poem=]
                              *نغشى بلادَ الناسِ في طلب العلا = وبلادنا متروكة للناس
                              ونكادُ نفترِشُ الثرى ومنَ ارضنا = للأجنبيِّ موائدٌ وكراسي
                              ونلومُ هاجِرَها على نسيانه = واللائمُ الناسينَ أولُ ناسي
                              ونبيتُ نفخرُ بالصوارم والقنا= ورقابُنا ممدودةٌ للفاسِ
                              ونقيسُ ما بين الثريا والثرى= وأمورُنا تجري بغيرِ قياسِ*[/poem]

                              تحياتي للزملاء الفضلاء وشكري لهم متصل على ما أفادونا به من حوار قيّم والله من وراء القصد
                              العلماء مصدّقون فيما ينقلون ، لأنه موكول لأمانتهم ، مبحوث معهم فيما يقولون ، لأنه نتيجة عقولهم -الإمام زرّوق رحمه الله

                              تعليق


                              • #15
                                لايخفى عليك د عبد الرحمن الصالح ان من تستدل به علينا -عبد الله العروي-في كلامه عن مصطلح العلمانية هو علماني من نوع ديكتاتوري خاص، وافكاره تنتمي لمعسكر فاشي.، فأي علمانية ينصرها، وأي تفسير يمكن لمثل هذا ان يقدمه لنا وهو ذاته التفسيرالواقعي لما يعبر عنه!، أو التأويل الفاشي للعلمانية نفسها.
                                ثم نحن لانتكلم عن المصطلح او انا على الأقل فالمصطلح حمال له حمولة وواقع ، وإنما عن ماهو تحت المصطلح من معنى ومغزى، وشيخ العلمانية الأركوني(محمد أركون) تكلم عن العلمانية المتطرفة ،وعن العلمانية الناعمة،وأراد لنا الأخيرة مع شيء من الأولى!، فأما الناعمة التي ينصرها أركون فهي فتحت حدودها الناعمة للمثليين والجنس مع الحيوانات، وهي نفسها التي يشتكي منها المسلمون في فرنسا(في الأحياء) يشتكون ايضا من(إعلام العلمانية الصلبة والناعمة في آن) فمرة تلبس الدولة الفلانية الحرير العلماني ومرة تلبس الخشن من لباس الحرب على الإسلام والمسلمين!
                                أما السلطة العلمانية ناعمة او خشنة ،صلبة متطرفة ام ناعمة فالسيادة فيها للإنسان،(وعلى رأسه إنسان السلطة المهيمنة بصلابة قوانينها الثانية، ومنها المتغير!!) والإله ليس له موضع في تشريعاتهم وأوامرهم، قوانينهم ودساتيرهم، أما الحزب المسيحي الذي سمحت له العلمانية الناعمة أن يدخل دائره الديمقراطية فهو مشروط بشروطها اي يتحاكم إلى فلسفتها ونظرتها للكون وتشريعاتها المثلية وفي الحريات المطلقة وغيرها وحتى إذا أراد أن ينجر شيئا خاصا في هذا المجال التشريعي مثلا فلايستطيع بغير القانون والأحزاب والشعب عموما، (وكل ذلك واقع في حبائل الفلسفة المادية العلمانية المهيمنة بسلطاتها الكاملة) فهو من الصعوبة بمكان كما لايخفى عليك
                                فماذا تغير من الصلب إلى الناعم إلا أن سمحت العلمانية الجديدة اي في ثوبها الجديد للدين في بلادها المعينة أن يستخدم الحريات نفسها الموجودة من عقد المؤتمرات وإخراج المظاهرات والإعتراض على القوانين ولكن كصوت فاتر في وسط أمواج العلمانية العاتية في ظل وظلال ومخيال احتلال الأسطول العلماني لطول البحر وعرضه، ونشر الفكرة دياله(كلمة مغربية) في كل المؤسسات، بل خضوع المؤسسات كلها لقوانينه، فالدين في عالم العلمانية الناعمة مكانه في الكنيسة لايخرج عنها اللهم الا بالمشاركة في البرلمان بأتباعه، ومنهم مثليون شواذ!(نتيجة التأويلات العلمانية المستمرة داخل الكنائس،والمتأثرة بالخارج(العلماني) وإضطرار تلك الأحزاب لقبول الشواذ وإلا خرجوا من اللعبة ولم يبق لهم إلا الدير والمعبد، والكنيسة ومكان العبادة.
                                نعم تشارك الكنائس في امور انسانية كما تشارك العلمانية تماما، لكننا ننسى أهم شيء وهو السؤال الجوهري: أين الدين بالمفهوم الإسلامي، وشريعته (خليها الشريعة التي بيننا وبين معرفتها قرون وقرون كما أشرت انت!)؟ أين السيادة العليا لقوانين وثوابت هذا الدين؟، ومعلوم أن الإسلام لايقبل دور كومبارس في مسرحية هزلية بل هو جاء ليكون الدين كله لله، ومنه تتوزع الأدوار وتندرج الجماعات والفرق والأديان في عالمه وتحت ظل شريعته، كما تفعل العلمانية بسيادتها، لكن ليس الأمر(تماما) وإنما بصورة مختلفة في التأسيس والمقومات، والأصول والمفاهيم، والمبادئ والقيم..
                                وفي النهاية فمهما تغير التعريف بمصطلح العلمانية فإن السيادة مازالت لها، وعزل الدين عن السيادة أصل أصيل فيها مهما تغيرت الأسماء، فالمسكر واحد، والسكير شغال ليل نهار لتأسيس خمارته الكبرى التي يسكر فيها الإنسان وقد يموت من تجرع زجاجة فينتحر من الخيبة، أو من تجرع الخمر الكثير فيقتل الناس في الشوارع والمدارس بل يقتل أولاده بدم بارد.(قال ميشيل فوكو (داعية الناعمة!:العلماني الحداثي مفلسف المثلية!!)في نهاية كتاب له معبرا عن موت الإنسان العام في الغرب ب:إن الإنسان قد مات!)
                                نحن لاننفي أن الإنسان إذا أخذ بالأسباب والخبرة حتى من ليس عنده دين، أنه قد ينجح وقد يصيب في أمور ومسائل ، وترتيب بيته الداخلي، وإقامة نظام فيه من العدل مايمكن أن يفتتن به الناس، لكنه لايمكن أن يسعد الإنسان أو يوفر له ككيان مكرم مايلبي أشواقه ومطالبه الإنسانية الكبيرة، وماذا ينفع تقديم الطعام والشراب وتوفير المسكن والمنكح(وهي أمور وفرتها حواضر وبلاد الإسلام للناس جميعا) إذا نزعت منه روحه وخنقت أشواقه الفطرية.. ومنعت عنه بسيادتك وهيمنتك كل مايجعله موصولا بخالقه وبعلومه التي أنزلها وماينتج عن ذلك من حياة كريمة مطمئنة وتسامح وعلم منبضط بقيم وحياة منضبطة بقيم ومبادئ تُبقيه إنسانا له قلب الإنسان!
                                ثم المسيري هاجم العلمانية واحاديتها وسلطتها فماذا بعد؟

                                تعليق


                                • #16
                                  أظن أن هذا الخلط في الترجمة منتهاه مزيد من الفتنة المفهومية. إن جاز لنا القول بأن العلمانية ما هي إلا معاملاتية أو العلم بأمور الدنيا أو تسييس أمور الدنيا فما حاجتنا إذن بعد ذلك لهذا المصطلح "العلمانية"؟ ليس لدي جواب إلا "التزيينيّة" أفكّر فيه الآن.
                                  بالنسبة للنظرة الفلسفية إلى مفهوم العلمانية في الوقت المعاصر يمكن لنا الحديث عن ثلاث رؤى مختلفة: رؤية فردانية (لايبراليّة) على رأسها هابرماس وشيعته. رؤية جماعاتية على رأسها تايلور وراولس وشيعتهما، ثم رؤية فوكو وشيعته وهي رؤية تاريخية حفرية تحلل المفاهيم والقيم والآراء وفق منظور تاريخي يتمثل في دور تطبيقات القوى المركزية. حسب الرؤية الأخيرة هناك إشكالية في الرؤية الفردانية والجماعاتية في التنظير لصيرورة وتشكل الأفراد، الجماعات و الأمم بسبب غياب التصور الحقيقي لدور (السلطان). على عكس هبرماس لا يفترض فوكو تصورات كونية لعقلانية إجرائية وتواصلية لاكن يرى أن هذه العقلانية نتيجة تطورات تاريخية حسب تطور الممارسة السلطوية. وعلى عكس تايلور لا يفترض فوكو مبادئ عامة للعدالة السياسية بل يتحدّث عن عدالة متعددة وتتغير تاريخيا. بهذه الرؤية لم يعد هناك حديث عن "فصل" بين الكنيسة والدولة لأن الكنيسة تنقرض كإسم وشكل فقط لا كحقيقة يعني كقوة وممارسة سلطوية، ولذلك فوكو لم يهمه سؤال علاقة الخاص بالعام ولا علاقة الدولة بالفرد، وإنما فكر في سؤال آخر وهو "شرعانية" كل جزئية في هذه العلاقة على حدة. إذا أجابه الفردانيون أن الديموقراطية الفردانية هي الأساس والمنطلق تجاوز هذه الألاعيب بالألفاظ إلى السؤال عن الممارسة السلطوية التي تستند إليها هذه التي تسمى بالديموقراطية الفردانية. وهكذا. كيف يجيب فوكو على هذه "الشرعانية"؟ يرى أن "الممارسة السلطوية" بأي إسم وتحت أي شعار في ذاتها لا تقيّد (الحرية) لأن هذه الممارسة هي التي تؤثر في الفرد.
                                  عليه أفهم أنه لا فرق بين (الكنيسة) و (الجمهورية). ماحدث للكنيسة الفرنسية يمكن أن يحدث أيضا للجمهورية اللائكية. الشرط: تدافع الممارسات السلطوية أو تحول أفعال الممارسة السلطوية من أفعال حققت إجماع وبالتالي تراضي إلى أفعال أخرى لم تعدد تحقق العهد. ولعل الإجماع والتراضي هو مقصود شيخ الإسلام إبن تيمية بالعدل في قوله ((إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.)).

                                  مما لاشك فيه أن هناك علمانيات، أي دول علمانية، عادلة، خاصة في الإنتظام الداخلي وإدارته، وهذا عدل نحمده ونشجعه ولا ينبغي أن يأخذ المسلمون في العالم الإسلامي العلمانية من هذه الدول لأن العدل ليس كل شيء، فالله يأمر بالعدل نعم، لكن بالإحسان أيضا، وكثير من العلمانيات تحسن لرعاياها في الداخل، بينما تظلم في الخارج، في دولة من مستعمراتها اللامباشرة والتي وضعت فيها حكاما مخلصين (لصوص الأمخاخ يستخفون قومهم) وموجة الإنتقادات الفرنسية على رأس ساركوزي عقب زلزال هيتي مازال صداها ينتشر ولعله هو وشيراك سيقدمان للمحاكمة يوما ما. والله يأمر بإيتاء ذي القربي والعلمانية في أوربا الغربية خاصة، في أميريكا بشكل أقل، قامت بتفتيت الأسرة عن بكرة أبيها إلا من رحم الله، وقليل ما هم. والله ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، هذه الأشياء في العلمانيات حدّث عنها ولا حرج. ومنظمة الصحة العالمية تترقب أمواج بؤسية كآبية في العلمانيات الصناعية بحلول عام 2030 ما لا نظير لها في باقي العالم والتاريخ. وكما أن من العلمانيين من يأخذ بقيم الدين سواء شعروا أم لم يشعروا وسواء إعترفوا أو لم يعترفوا فكذلك من المتدينين من ينكب في مواطن بوجهه على الدنيا ويركن إليها. والظلم والعدل عند المعسكرين ولاشك بينما الإسلام دين ودنيا لا رهبانية ولا علمانية.

                                  تعليق


                                  • #17
                                    لايمكن أن يقيم الإنسان وحده، فردانيا أو جماعيا، فوكويا أو هبرماسيا، ومن قبلهما روسو-ويا، أو فولتير-اويا، نظاما عادلا من كل وجه،بل الشر فيه غالب ، مهما بلغ الخير فيه المبلغ الفاتن،لأنه ينزع عن الإنسان خصائصه ومقوماته مهما منح في ظل تلك الشعارات والتطبيقات المختلفة من حماية كحماية الإنسان، المتحيون(من الحيوان) او حريته في غابة وحشية منظمة تنظيما دقيقا/ غابة لاوجود فيها لإنسان يمكن الإشارة إليه بأنه إنسان مكرم حقيقي...نعم يوجد إنسان يعاني أزمة طاحنة مهما علاها النور الذي يجذب الفراشات!
                                    وكلمة شيخ الإسلام عن عدل الدولة الكافرة التي يقيمها الله لاتعني شرعيتها في الإسلام ولكن تعني إقرار عدلها المعين إقراره قدريا ،إقرار وجودي، من هذه الناحية لا موافقة أمرية شرعية...لأنها تفقد الكلية والشمولية والخيرية والربانية بل والإنسانية المكرمة.... والنتائج -ايضا-مكلفة للإنسانية، ذلك أن كليتها ، أي الدولة الكافرة(العادلة بين قوسين) شر غالب، وذلك من ناحية نظرتنا الكلية إلى مقوماتها وخصائصها ونهاية ونتيجة تخليقها لإنسانية الإنسان ،روحا وجسدا، فنحن كقوم كما جعلنا الله وسطا بين الإمم جعلنا الله ايضا حكما عدلا على الدول والفرق والأديان والجماعات، فلم يقل الله عن النصرانية مثلا ان أصل دينهم باطل(مع أن مجمل دينهم باطل وكفر وخروج عن الأصل) لم يقل ان كل ماهم عليه محض باطل او باطل محض بل عدَل في الحكم ، وأخبرنا أن أصل دينهم حق (الإيمان بالالهيات والنبوات والشريعة إلا أنهم قاموا بتحريفه ،كفروا فحرفوا في(أصول) الإلهيات والنبوات والشرائع) كما أخبرنا أن في رهبانيتهم حق وفي رهبانييهم رقة من الزهد على الرغم من أنه ذكر أنها رهبانية مبتدعة ،إبتدعوها ماكتبها الله عليهم، ولذلك أضرت الرهبانية وماأصلحت، مع أنها قد تكون من ناحية صنعت من أفراد زهادا وكفت شرورهم عن الخلق ، وأفردتهم في صوامع (العزلة الطوعية) لكن أين الخير السابغ من وراء الرهبانية؟
                                    وماذا أدت إليه في النهاية؟
                                    فكذلك العلمانيات كلها.... مهما بلغت من تنظيم الحريات وعمليات الإنتاج والإبداع. فشرها النهائي أكبر من خيرها البادي، ويمكن سماع ضجيج مستوى الشر الذي آلت إليه من كلمات نقاد عملياتها اليومية ووقائعها المخزية وصورها المتردية من روادها أنفسهم ،في الماضي القريب، والحاضر، كما يمكن رؤية ضحاياها في جولة ميدانية وإطلاعة سريعة على إحصائيات الموت والدمار الإجتماعي الذي عبر عنه كثير من فلاسفتها وعلماء الإجتماع فيها بتعبيرات مخوفة.
                                    مامعنى فقدان الروح وموت الإنسان وغير ذلك من كلمات؟، هل هو شعور الإنسان بأنه في حاجة إلى رهبانية يتشوق فيها إلى المطلق(!) أو هندوسية ترطب له حياته المادية التي كلها عدل ونظام ؟ أم لحظة خرساء في جماعة تعبدية علمانية تتفنن في طرق لتسكين النفس كما يُرى في كثير من الجماعات التي تقيم سرادقات الفناء الجماعي للحظات تفرغ فيها صنوف الإضطراب النفسي والقلق العميق المتخفي في سراديب النفس الضعيفة.. للحظات..ثم تعود النفس منتكسة مرة أخرى.. تزداد ألما كلما رجعت إلى الحياة الواقعية من لحظات هيام مع صور جميلة(خيالية أثناء الفناء اللحظي!!) تحاول الإسترسال معها في غطة مغناطيسية جميلة الألوان والأفكار السارحة؟.
                                    إن فقدان الروح ليس هو ذلك فقط أو هو ذلك لكن أسبابه (عظيمة وخطيرة وغائرة)في النظام العلماني(العادل!!) نفسه؟
                                    لأنه يعطي المسكن والملبس ويحمي الإنسان من ظلم الإنسان في أمور تخص ماله او بعضا من حريته ،من نواح(ومن نواح أُخرى هناك ظلم في توزيع المال والثروات وهناك استغلال بشع)، لكنه يشرع له حياة فيها المسكرات ، الرخيصة، والجنس المطلق الرخيص، والمخدر الحشيش والمارجوانا وغيره من الأقراص والمخدرات، حياة تغيرت فيها صور الأسر والعلاقات، فقد فيها الإنسان النموذج الإنساني للأسرة الواحدة المعرفة في تاريخ الإنسان، والتي أخبرنا رواد الحداثة ومابعدها أنها أسرة ضيقة الحدود لاتناسب الحياة المعاصرة، لأننا تطورنا، وتغيرت أخلاقنا وقيمنا وصرنا إنسانيين أفضل ، عقلاء أفضل، شاعريين أعظم وأنقى شعرا ووجدانا وشعورا ولغة!
                                    طاشت الأسرة بسبب العدل والحرية العلمانيين، وطاشت الإنسانية بإسم الإنسانية (مازلنا -في أحكامنا-في كلمات رومانسية) لكن طاشت الأحلام بإسم الأحلام والأماني بإسم الأماني.. وماذا حدث من جراء ذلك أو تبعا له، في الواقع المادي؟
                                    كلمنا -يابن منينة-عن الواقع لاتحلق لنا في سماء مخيالك الديني الرومانسي؟
                                    لقد زادات معاناة الإنسان وحرم النوم والراحة، وحرم العلاقات الأسرية بل والإنسانية، اللهم إلا حفلة يكون الإنسان فيها فردا،في عزلة شعورية مهما كان الصخب والضجيج حوله ومهما بلغت اللحظة الجميلة فيما حوله، ويرجع إلى بيته فردا، يتجرع فيها خمر وحدته، أو حشيشة علمانيته وفردانيته، وتمتليء من جراء ذلك ومن وراء ضجيح الحفلات، العيادات النفسية ومصحاتها التي إمتلئت بها المدن والقرى، كما تزداد عمليات الإنتحار وسط الشباب المستمتع بموسيقى الحداثة وحفلاتها الصاخبة،إنه حر لكنه فقد حريته وحقه في أسرة وأم وأب وزوجة وأصدقاء ، وقد أصبح كل شيء مادي فرداني متشيئ، يرى اخته تبيع جسدها مع ملايين غيرها، في الغرب، في تجارة الرقيق الأبيض(الجنس بأنواعه،وهو جنس قانوني لاغبار عليه في مختلف العلمانيات)!
                                    ويرى أخوه يمتهن نفس المهنة، ويرى عيادات الموت يتردد عليها أصحاب الأمراض الجنسية المختلفة، كما يرى حتى بيوت المسنين تفتح أقسامها لمرضى الإيدز(شاهدت هذا بنفسي وعشت معهم أخدمهم وأعايش أزمتهم وأسمع قصصهم، وأواسي جراحهم...ولاحول ولاقوة إلا بالله، مساكين والله).
                                    نعم يأكل طعاما متعدد الألوان والطعوم، ويشرب المشروبات المتنوعة الرطبة واللذيذة، فيزداد شوقا إلى مزيد منها، وعلى الرغم من وفرة المال في حال عدم الأزمات الكبرى، (الآن يعاني الغرب من أزمة مالية ضخمة جدا تنهار على إثرها مؤسسات وأسر وإجتماعيات وإنسانيات ،اجساد وأرواح) إلا أنه يعاني في عمله أشد المعاناة، والأسباب كثيرة ومتعددة، بداية من نظام سلطوي مهيمن لايعرف الرحمة مع العمال بمختلف وظائفهم، كما أن نفس هذا النظام يسلبه حريته الخاصة، التي أعطاها له النظام (الأكبر) نفسه، ( وفيه او انه السر في تحطيم الأسرة والعلاقات الكبرى في العائلة) لتكون ضمانا وأمانا نفسيا له، فترى أوقات العمل غير مناسبة لحالته المعيشية الحديثة،فالمرأة مثلا لها صديق يعمل، وعندها منه أولاد، والأولاد لابد لهم من حضانة ومدرسة،(ومصاريف مكلفة جدا جدا) والمدرسة تطلب "بالقانون،وإلا العقاب!) أن يأتي الأولاد في المواعيد المحددة ،ولا أسرة يمكنها أن تفعل ذلك بأمان نفسي وحرية ومساحة من الوقت متاحة في ظل نظام العلاقات الجديدة ومايرتبط بها من صورة مجتمع جديد عن الماضي المسيحي مثلا (المدهش أن النساء اللائي لايعملن هن المحافظات على الأولاد ولايعانين في هذه الجزئية!) فصاحب العمل لايأبه لهذا الوضع، فيبدأ التلويح بالتهديد، (ومنها إذا لاتقدري على الإستمرار في هذا العمل عليك بالبحث عن عمل آخر!1) فترى الأم تصرخ من أنها لاتستطيع أن تقيم هذه الحياة بصورة كريمة، فتوقيت الذهاب الى العمل هو توقيت رعاية الأولاد صباحا لتوصيلهم إلى المدرسة، وصديقها أو زوجها أو زوجتها(!) تذهب في نفس التوقيت إلى المدرسة( لا "جيران" للمساعدة، ولا"اصدقاء" إلا نادرا، وبطلوع الروح!، والحق يقال!!، وغالبا لا أُم تساعد هذه الزوجة اليتيمة، في الصراع بين الإنسان والمسؤولية (والمجتمع فرداني في غالب حركته وفعاليته) حتى إن الأم قد تساعد إبنتها(بالمال!) والمال تقتطعه الدولة من الأم مرة أخرى، لكن الأم تعمل-عند إبنتها بمعرفة الدولة!- في نفس الوقت(العمل الإجباري، لكن هذه المرة عند إبنتها!!) وغالبا لاتجد الإبنة، لا"أم" تساعد في رعاية أولاد إبنتها لأنها مشغولة بحياتها المزدحمة علمانياأو دنيويا فردانيا أو جماعيا (فللأم جماعتها وعلاقاتها) ، وهنا تجد الإبنة نفسها في مأزق بين تلبية مطالب العمل ، وتلبية مسؤليتها تجاه الأبناء وتجاه جبروت الدولة العادلة(!) التي تضعها بين خيارات صعبة، بين العمل صباحا في نفس توقيت ذهاب الأولاد إلى المدرسة، فمن يذهب بالأولاد إلى المدرسة وهي ستذهب قبلهم إلى العمل، ولا حل غالبا في هذا، إلا أن تقعد من العمل وهذا ليس بإختيارها لأنها مجبرة على العمل وإلا لا قوت ولامال... وهذا مااراه في كل المؤسسات التي انخرطت فيها، وأسمع الشكوى من زميلات العمل، والشكوى بحرقة، وغالبيتهن لايجدن جوابا ولاحلا، فالأوضاع مأزومة، والسر في النظام الإجتماعي الجديد، وهيمنة الدولة على كل شيء، وتشيئ الإنسان فيها ، وعدم الإلتفات حتى لحريته في إقامة أسرة مستقرة، ومن هنا، ومن غيره، يحدث غالبا الطلاق، غير أن هذا الطلاق لايعدل الحالة بل يؤزمها ، لأن المرأة تصير وحيدة بعد أن كان لها زوج أو خدن أو صديق أو خدنة!، وفي ظل هذه الأزمة تزداد الأزمات النفسية والأمراض النفسية، وتمتلى العيادات ويقبل الناس على المسكنات(الأقراص، والمخدرات، والخمر، والبقاء للأقوى!)
                                    وأنت كقارئ يمكنك أن تجيبني بالله عليك أو بالعلمانية عليك!، إن كنت علماني، كيف يمكن للإنسان أن يهنأ في هذا الجو الموبوء بالحرية(!!) وقد إنتزعت منه حريته الأصلية في نظام يراعي إنسانيته وحاجاته الفطرية وغير ذلك مما يخطر ببال الحقوقي او الداعية!,,إنها العلمانيات جميعها مهما حاولنا التلاعب او وصف المصطلحات.(أو حتى الوصف للمعرفة العلمية وتمييز الأمور لإستخلاص نتائج)
                                    ومن خلف هذا النظام فلسفة تهيمن وتبقع وتقع وتختبيء او تظهر فلسفة إستقلال الإنسان،(عن الله) وهي الفلسفة العلمانية التي هي مقوم رئيس من مقومات تلك العلمانيات التي نتشدق بمصطلحاتها ونتفنن في عرضها وشرحا وكأنها لاتدل من وراء ذلك، على كل مشترك، هو استقلال الإنسان، استقلال العقل، استقلال التشريع.. بعيدا عن الدين ومقوماته في الحياة.. وتشريعاته التي تحمي الحريات والإنسانيات، وتنظم من خلال ذلك بثبات مبادئها وتغير الإجتهادات في خلق تنوع آمن وحر وعادل.
                                    إن العلمانية هي عزل للشريعة الربانية وأصولها وأساساتها والصلة بينها وبين المشرع الأصلي والحقيقي الرحيم والخبير العادل..
                                    مهما اختلفت صور العلمانيات وتصورنا ماهو العدل فيها ورأينا آثارها في التنظيم المادي إلا أنه بتصور نافذ في حركتها العميقة بل والسطحية سنجد المعاناة الإنسانية وفقدان الإنسان لحرية ضميره وتأزم حالته الداخلية التي تتعكر فيها سماء الحرية الممنوحة بسخاء، وعندما ينظر الإنسان في سقفها لايرى إلا سحابا داكنا وركاما من الأوهام وسقط الأحلام.. ومع ذلك إذا نظر حوله تراه لايرى إلا سيارة معينة ومأكل طيب ومشرب لذيذ (فيه من السموم الناتجة عن الرأسمالية الوقحة) ومسكن مريح واثات جميل، لكن ماذا يفيد ذلك كله وهو لايستطيع التحرك في حياته اليومية إلا متعثرا أو لاهثا أو مستعجلا ومتعجلا، او صارخا حانفا، زائغ العينين، طريد النفس والروح ، وحيدا في الجماعة العلمانية المنعزل بعضها عن بعض إلا في العمل او الحفلة السريعة الإنقضاء.. وبعدها الوحدة الخانقة.. ولاوجود للأسرة التي رميت في مزبلة علماء الإجتماعيات وعلماء النفس الغربيين لأنها من زمن البدائية القديمة وإنسانها الحجري.

                                    إن الشر في الدولة أو الجماعة الكافرة غالب في نواح أخطر من الخير الذي نراه احيانا فيها وقد يكون هذا الخير الأخير أفضل مما تقدمه دولة مسلمة ما، ظالمة لرعاياها، في الأموال والأمان.
                                    لماذا قال فوكو إن الإنسان قد مات في الغرب مع معرفته أن حداثته فيها مما فيها من العدل والحريات التي كتب هو نفسه فيها ، وفيها مابلغته من تعامل أفضل مع المساجين والمجانين والقتلة وأشباههم، وله كتب في تحليل تاريخ الجنون وتاريخ العقاب في الغرب وقد كان عقابا يندى له جبين الإنسان في وقت كانت حضارة الإسلام تعدل بين الناس؟
                                    ولماذا اعترض هابرماس وجماعة مدرسة فرانكفورت-وهي أجيال ومن الجيل الثالث اريك فروم،أليس كذلك؟- اعتراضها على الظلم الغربي للإنسان وهو مانرى آثاره في الغرب نفسه مع عدم إغفال ماهو موجود (داخليا) من العدل في أمور الجسد(من نواح أيضاّ) وإطعامه، والحرية وحمايتها، حتى حرية ممارسة الجنس مع أخس الحيوانات، وحريات يشعر الإنسان منها بالغثيان والقرف.
                                    إن العلمانيات نفي للإلهيات، ووأد للإنسانيات، ونفي للشرائع الربانية ومصدرها ونعمتها على الخلق، ورحمتها بهم، وحمايتها لأمانهم وحرياتهم وعقولهم وأسرهم....وذلك مهما تشدق رواد تلك الديمقراطية العلمانية(الأخيرة) بأنها نهاية التاريخ، يقول هاشم صالح إن الديمقراطية الحديثة هي نهاية التاريخ... وهو من أنصار العلمانية الناعمة!!، ودعاتها.

                                    تعليق


                                    • #18
                                      بارك الله فيك أستاذنا طارق. أظن أن مقولة الإنسان مات أو إتهام تحليل فوكو الحفري التاريخي باللاإنسانية يعود إلى رؤيته وتصوره للإنسان. هذا الإنسان الحر، المستقل والمسؤول لاوجود له عنده فالإنسان ليس نقطة بداية في التحليل أو نقطة نهاية في التاريخ، لاكن نتيجة صدفة تاريخية من الممارسات السلطوية المتغيّرة. وهو لا يفترض ذات علوية، حرة ومستقلة كأساس للمعاملات بل يبحث كيف يمكن لعقلانيات سياسية مختلفة تشكيل ذوات مختلفة. هنا، هو لا يعترف بالعقلانية - مفردة - ويتكلم عن عقلانيات و لذلك لا يعترف أصلا بمعادلة العقلانية مقابل اللاعقلانية إذ لا عقلانية وراء التاريخ، ويرفض الآراء التي تتهم العصور الوسطى المسيحية بالظلامية لأن جذور العقلانية الحداثية تعود إلى تلك العقلانية التي توصف بالظلامية، وكل ما حدث تبادل للأدوار وإنتقال من طور لآخر، فالفردانية في الممارسة الشعائرية، توصيل "بركات الخلاص" إلى الناس فرادى، في الكنيسة إنتقلت إلى الممارسة السياسية الفردانية، والممارسة الكنائسية الجماعاتية إنتقلت إلى جماعة من السلط الاقتصاد، التعليم، الرعاية الصحية إلى آخره.

                                      فوكو على الأقل صادق مع نفسه ولا يترك مجالا للتخبط في العلمانية بين المنهج الدنيوي والعقيدة الدهرية. هذا الإطار الذي يصيغه بمنظار "الممارسة السلطوية" أقرب للتاريخانية والمادية والداروينية والتطورية وبالتالي للعلمانية كما هي من نفاق مدعي العقلانية الذين يتكلمون عن "عقلانية" و مبادئ وقيم بل وأدهى من ذلك يتكلمون عن عالمية وكونية العقل والقيم، فمن أين لهم بهذا دون دين ومرجع علوي!

                                      ومشكلتنا ليست مع العلمانيين الأقحاح لأنهم واضحين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، لاكن مع العلمانيين المنافقين أمثال الفردانيين الذين يدعون إمتلاك نظام للحياة أما العقيدة فكل وعقيدته، وهذا مستحيل إذ لا منهج للحياة دون تصور لها.

                                      أما العدل فموجود في بعض العلمانيات إلا أن الإحسان والتقوى أشياء أخرى، ولابد من فصل العدل عند المؤسسات والسلطات عن تصرفات الناس في مجال من الحرية الفردانية. وهذا واقع مشاهد، والله يقول وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا، وهناك أهل فترة، من لم تصلهم رسالة أو وصلت محرفة ومشوهة الخـ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. والله تعالى أعلى وأعلم.

                                      تعليق


                                      • #19
                                        الحلقة الخامسة

                                        (5)
                                        الباب الثاني: التاريخية ومداخلها المعلنة

                                        الفصل الأول: التاريخية الشاملة والتاريخية الجزئية
                                        المبحث الأول: مفهوم التاريخية في الفكر الحديث


                                        - المطلب الأول: التأريخ لغة واصطلاحًا:

                                        جاء في لسان العرب: التأريخ تعريف الوقت، وأرخ الكتاب وأرخه ليوم كذا: وقَّته والواو فيه لغة.
                                        وعند ابن خلدون التاريخ هو: "خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال".

                                        - المطلب الثاني: مفهوم التاريخية عند الغربيين
                                        برزت فكرة التاريخية في المنظور الأوربي لتأخذ أبعادًا جديدة، فهي: "منهج ونظرية شاملة في الحياة".
                                        أو هي: "القول بأن الحقيقة تاريخية بمعنى أنها تتصف بالنسبية التاريخية، أي تتطور بتطور التاريخ".

                                        - المطلب الثالث: مفهوم التاريخية في الفكر العربي:
                                        أقدم من استخدم مصطلح التاريخانية من المثقفين العرب هو عبد الله العروي في كتابه "العرب والفكر التاريخي"، وتتحدد التاريخانية عند العروي بـ: ثبوت قوانين التطور التاريخي أي حتمية المراحل التاريخية".
                                        ويوضح هاشم صالح المراد بالتاريخية في كتابات أركون دائمًا فيقول: "المقصود بالتاريخية الأصل التاريخي للتصرفات والمعطيات والحوادث التي تقدم وكأنها تتجاوز كل زمان ومكان وتستعصى على التاريخ".
                                        ويعرف أركون التاريخية فيقول: "تعني التحول والتغير، أي تحول القيم وتغيرها بتغير العصور والأزمان".

                                        - المطلب الرابع: التاريخية والتاريخانية أو التاريخوية:
                                        يفرق أركون بين التاريخية والتاريخانية أو التاريخوية، فالتاريخية لديه ذات معنى إيجابي تتوجه إلى دراسة التغير والتطور الذي يصيب البنى والمؤسسات والمفاهيم من خلال مرور الأزمان وتعاقب السنوات.
                                        تختلف هذه التاريخية عن التاريخانية أو التاريخوية وأحيانا يسميها التاريخوية الوضعية، وهو التعبير عن النزعة المتطرفة في دراسة التاريخ.
                                        وفي حالة التاريخانية أو التاريخوية الوضعية تكون الأحداث والوقائع والأشخاص الذين وجدوا حقيقة ودلت على وجودهم وثائق صحيحة هم فقط الذين يمكن أن يقبلوا كمادة للتاريخ الحقيقي الفعلي.
                                        ويرفض أركون هذه التاريخانية المادية الوضعية التي تبناها عبد الله العروي، ودافع عنها في إطار حماسه للماركسية التاريخانية فقال: "وما زلت مقتنعا أن الأمة العربية الآن في حاجة إلى أن تتلمذ على الماركسية التاريخانية".
                                        والفرق بين تاريخية أركون والتاريخانية أو التاريخوية الوضعية هو مدى اعتبار الأساطير والأخيلة في تسيير حركة التاريخ، ففي حين يعتبرها أركون ذات أهمية قصوى، فإن التاريخانية تهمل ذلك تماما".

                                        - المطلب الخامس: التاريخانية الجديدة new historicism:
                                        التاريخية والتاريخانية على ما بينهما من فارق عند أركون هما قضية واحدة ذات صلة بالعلوم الإنسانية عمومًا من تاريخ وفلسفة وأديان وعلوم اجتماعية أو نفسية أو أثرية أو غير ذلك.

                                        - المطلب السادس: خلاصة تحليلية:
                                        هناك عناصر تحدق بفكرة التاريخية إما كأسس لها، أو كمظاهرات وتجليات، أو كمرامي وغايات، وهي:
                                        أولاً: يمكن أن نعتبر المفهوم الغربي للتاريخ القائم على الذاتية المطلقة، وانعدام المنهج التاريخي القائم على أهمية النقل وصحة الخبر.
                                        ثانيًا: الأنسنة، حيث برزت نزعة إنسية مغرورة تجعل الإنسان سيدًا للكون بدلاً من كونه سيدًا في الكون، وهذه النزعة الإنسية لا تهتم إلا بالإنسان وما يتصل به من محسوسات وماديات.
                                        ثالثًا: النسبية، وهي مسألة ذات صلة خطيرة بفكرة التاريخية إلى درجة يمكن أن يقال إن النسبية هي التاريخية، كما أشارت بعض وجهات النظر.
                                        رابعاً: الماركسية، حيث ترتبط بفكرة التاريخية من جهتين: المادية التاريخية القائمة على فكرة الحتمية التاريخية، والتفسير المادي للتاريخ.
                                        خامسًا: السببية، وتتصل بالتاريخية من زاويتين: المفهوم الاعتزالي لقضية السببية. والمفهوم الرشدي لنفس القضية.
                                        سادسًا: التطورية، وهو أساسي جدا في التاريخية.
                                        سابعًا: الهرمنيوطيقا، حيث ركزت اهتمامها على قراءة النصوص قراءة هرمينوطيقية بحتة.


                                        المبحث الثاني: تاريخية الأديان


                                        - المطلب الأول: تمهيد: أشكال التاريخية:
                                        أولاً: التاريخية الشاملة، فيقصد أن الأديان والوحي والكتب المقدسة ليست إلا تجليات لتطور العقل البشري، ومظاهر لنمو هذا العقل عبر التاريخ والتجارب والحياة.
                                        ثانيًا: التاريخية الجزئية، ونعني بها القول بتاريخية الأحكام الشرعية، وكونها لم تعد صالحة للعصر، ولم تعد تناسب التطور الذي يشهده العقل البشري.

                                        - المطلب الثاني: تاريخية الأديان في الفكر الغربي:
                                        لقد اتجه الفكر الغربي إلى تفسير الأديان تفسيرًا ماديًا تطوريًا، أو تاريخيًا بعيدًا عن أي غيب، ووضع الفلاسفة نظريات وضعية حول نشوء الأديان وتكونها، فقد رأى توماس هوبز: أن الدين ظاهرة طبيعية أصلها الشعور بالضعف، وجوهر الدين لا يقوم على الحقائق وإنما على خوف الفرد من القوة المجهولة.
                                        ويقول أوجست: على الدين أن يعترف بأن لاهوته خرافة لتبرير إيمان يتنافى مع العقل.
                                        أما فرويد فيصف الأديان باعتبارها وهمًا من أوهام الجماهير، نشأت نتيجة لضرورة حماية الإنسان لنفسه من قوة الطبيعة الساحقة المتفوقة.

                                        - المطلب الثالث: تاريخية الأديان في الفكر العربي:
                                        1- تطور الأديان: كانت البداية أخطاء وقع فيها بعض العلماء نتيجة للانبهار الحضاري عندما قال البعض بتطور العقيدة الدينية من الوثنية إلى التوحيد، لذلك يرى محمد عبده أنهم عبدوا الثور والثعبان والجمل أولا، ثم ترقوا فعبدوا السحاب والكواكب، حتى استعدت عقولهم لفهم الحقيقة فبعث الله فيهم مبشرين ومنذرين.
                                        ويقرر العقاد أيضًا ما قاله محمد عبده فيقول: التوحيد أشرف العقائد الإلهية وأجدرها بالإنسان في أرفع حالاته العقلية والخلقية، لكن الإنسان لم يصل إلى التوحيد دفعة واحدة....
                                        2 – تشابه الأديان: فيعتبر أركون اكتشاف الباحثين لوجود علاقة تشابه بين الأديان السماوية والأرضية اكتشافا صاعقًا..
                                        ويحاول كثير من الباحثين في دراسات مستقلة إثبات التشابه بين المعتقدات الدينية لدى الشعوب والأمم لخلصوا إلى نتائج مرتبطة بالتأثير أبرزها أن الأديان من صنع البشر، وأن العامل الأساسي في وجود هذا التشابه هو اتحاد المشاعر الإنسانية.

                                        - المطلب الرابع: تعقيب: مناقشة ونقد:
                                        يوظف الماديون نتائج دراستهم للأديان عن طريق اكتشاف العناصر المتشابهة بين هذه الأديان، والبحث في جذورها وتطورها وأشكالها ومظاهرها، لكن المؤمنون يعتبرون هذا التشابه دليلًا إضافيًا من الأدلة القوية التي يبنون عليها إيمانهم، فيتفق المؤمنون والماديون في المقدمات ويختلفون في النتائج.
                                        يزيد المؤمنون إيمانا؛ لأن القرآن الكريم يعلمنا أن كل رسول يرسل، وكل كتاب ينزل قد جاء مصدقًا ومؤكدًا لما قبله. كذلك أن الله أرسل رسلا إلى كل البشر بعقيدة واحدة لأنه كلف كل البشر بالإيمان.


                                        المبحث الثالث: تاريخية القرآن


                                        - المطلب الأول: تحرير المعنى الدقيق
                                        يمكن أن يعرف ذلك بـ: "إخضاع النص لأثر الزمان والمكان والمخاطب مطلقًا"، وهو المعنى الذي تدور حوله كل تنظيرات العلمانيين ومقاصدهم في تناولهم للنص القرآني.
                                        فأصبح شائعًا لدى العلمانيين أن التاريخية المتعلقة بالنص تعني ارتباطه باللحظة التاريخية التي صدر فيها.

                                        - المطلب الثاني: بوادر القول بالتاريخية:
                                        وهذا المحور الذي نتحدث فيه هو في الإجابة على السؤال التالي: هل القرآن في الخطاب العلماني صالح لكل زمان ومكان؟
                                        ويعد أركون من أقدم الذين تحدثوا عن تاريخية القرآن بشكل واضح وصريح ومباشر.
                                        أما الطاهر الحداد فقد أعلن عن تاريخية الشريعة مطلقًا، ولم يستثن إلا عقيدة التوحيد، ومكارم الأخلاق، والعدل بين الناس. وفي نفس الاتجاه تكلم معاصر له في تونس هو عبد العزيز الثعالبي الذي قصر الآيات التي تتحدث عن الحجاب على نساء النبي ، واعتبر ستر الوجه عادة فارسية تسربت إلى المجتمع الإسلامي.

                                        - المطلب الثالث: التاريخية المراوغة "القرآن شاهد تاريخي".
                                        بالرغم من تواتر النصوص للتأكيد على تاريخية النصوص الدينية قرآنا وسنة، وتواتر الإيضاحات على المعنى الصحيح للتاريخية، إلأا أن هناك من يصر على أن قضية التاريخية فهمت فهما ملتبسا، وأن عوام الأمة ومثقفيها يعيشون في أزمة عقلية لأنها لم تفهم قضية التاريخية كما فهمها نصر حامد أبو زيد.
                                        فَهِم هؤلاء أن التاريخية تهدم مبدأ عموم الدلالة، الأمر الذي يفضي في زعمهم إلى اعتبار القرآن الكريم من الحفريات التي لا يمارسها إلا المتخصصون.
                                        ولكن يقال للباحث: إن القضية في النصوص الإلهية ليست قضية متعة يشعر بها، وإنما قضية عقيدة وشريعة وقانون والتزام وتكليف وعبادة.
                                        ونشير إلى أن الدخول إلى "تورخة" القرآن الكريم تدخل عبر حيلة سهلة تنطلي على كثير من الدارسين، وهي القول بأن النص القرآني ثابت المنطوق متحرك المحتوى، وأن التاريخي فيه هو تفسيره وفهمه، وليس منطوقه ولفظه.

                                        - المطلب الرابع: التاريخية الفاشية المطلقة
                                        دفع الخطاب العلماني بالأفكار السابقة إلى مرحلة أكثر تطرفا، وذلك عندما تجرأ على القول بأن المقولة القائلة بأن: القرآن صالح لكل زمان ومكان، هو هوس ووهم كبير، وجمود. وبالغ جدا حين قال: إن النقل وحده لا يثبت شيئًا، وقال الله وقال الرسول لا يعتبر حجة.
                                        فالقرآن في نظرهم مصدر دائم لليقينيات التي لا تستند إلى برهان، لأنه ينهي عن المساءلة والتفكير العقلاني. كما أن القرآن جامد ثابت المعنى والدلالة..

                                        - المطلب الخامس: فرمان علماني: التاريخية هي الحل
                                        يرى الخطاب العلماني أن القرآن وتكون الأمة الإسلامية قد نما على خلفية الوضع التاريخي الاجتماعي، وما القرآن سوى الرد على هذه الوضعية، وهو في الجزء الأكبر منه يتألف من تعاليم أخلاقية دينية اجتماعية.... والنص القرآني أتى ليجيب عن مشكلات بشرية تنتمي إلى زمن تاريخي معين، وحقل جغرافي محدد.
                                        ويرى أن الرسالة القرآنية موجهة إلى أناس بأعينهم في القرن السابع، وتتضمن ظواهر تتناسب مع ثقافة ذلك العصر مثل الجنة وإبليس والملائكة..
                                        ويضيف أركون: بالتاريخية سنتخلص من العنف المسمى بالجهاد الأصغر، المذكور في سورة التوبة: قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ويرون أن هذه الآية متناقضة مع حقوق الإنسان، ويرون أن سورة التوبة لا يمكن بعد ذلك أن تكون مرجعية أو تأسيسية؛ بحجة أنها تأرخنت. هكذا تكلم العلمانيون!


                                        يتبع ...

                                        تعليق


                                        • #20
                                          الحلقة السادسة

                                          (6)
                                          الفصل الثاني: المدخل الأصولي.


                                          المبحث الأول: المدخل اللغوي:
                                          المطلب الأول: الصوت المغاربي المتطرف:


                                          لقد اعتبر سلامة موسى اللغة العربية لغة ميتة حتى في زمن ظهور القرآن، لغة القرون المظلمة، لغة بدوية لا تكاد تكفل الأداء إذا تعرضت لحالة مدنية راقية.
                                          وخرج صوت مغربي متطرف يصف اللغة العربية بأنها أحد العوائق التي تقف في طريق تقدم الفكر العربي، لأنها تحفظ وتحافظ على الفكر السلفي وتقوي موقفه.
                                          ويصل الخطاب العلماني إلى نتيجة مفادها أن اللغة العربية هي سبب العجز الذي نعاني منه؛ لأنها لغة تكرس النظرة السكونية والفلسفية، وسيظل تخلفنا مسألة بديهية ما بقينا متعلقين بها.
                                          ولكن نقول: أن هذه اللغة التي تعتبر سببا للتخلف والتي لم يجد فيها سلامة موسى ما يعبر عن أثاث غرفته كانت لغة الحضارة والعلم لبضعة قرون، ودونت بها علوم الفلسفة والتاريخ والفلك والرياضيات والأديان والأدب وغيرها، ولم يجد أهلها حرجا في التعبير عن كل ما يريدون، بل كانت لغة مرنة تستجيب لكل متطلبات الحياة وأغراض البشر.


                                          المطلب الثاني: الصدى المشارقي:
                                          يتجاوب مع الصوت المغاربي صوت مشارقي ليشكل معه صوتا عربيا قوميا علمانيا...
                                          يربط هذا الصوت التجديد بالخلاص من عقبة اللغة، واللغة المقصودة هنا بكل صراحة هي اللغة الدينية لغة القرآن..


                                          المطلب الثالث: الأساسي المعرفي للرفض:
                                          1- نظام العقل كبديل لنظام الخطاب "صوت مغاربي".
                                          فيرى الجابري أن جمع اللغة من العراب دون غيرهم، معناه جعل عالم هذه اللغة محدودًا بحدود عالم أولئك الأعراب.
                                          ومما زاد المسألة خطورة أن اللغة العربية بنظر الجابري أصبحت في عصر التدوين قوالب جامدة ونهائية، لغة محصورة الكلمات، مضبوطة التحولات، لغة لا تاريخية؛ لأنها لا تتجدد بتجدد الأحوال، ولا بتطور العصور.
                                          والقرآن بنظر الجابري لا يقرر طريقة معينة في الاستدلال، وإنما يدعو إلى الاعتبار، ويضرب الأمثال للناس ليحرك خيالهم وعقولهم، وينبهها إلى مسألة معينة.
                                          2- المنهج كبديل لنظام الخطاب "صوت مشارقي".
                                          والصوت المشارقي الذي يتجاوب مع الصوت المغاربي هو أبو القاسم حاج حمد، من السودان، وقد قرر حاج حمد أن اللغة مرتبطة بالثقافة والواقع التي نشأت فيه، وهو مايعني أن معرفة اللغة وحدها لا تكفي في الفهم الدقيق لبعض خفايا الكتاب، وهو يريد من ذلك أن للقرآن لغته الاصطلاحية الدقيقة لم يعن بها التراثيون، فهم قد دونوا لسان العرب ولكنهم لم يدونوا لسان القرآن.
                                          وعلمانية حاج حمد تستند على منهجية القرآن المعرفية بعيدًا عن المبنى اللفظي للقرآن، وبعيدا عن القدوة السحنة، ولكنها تسنتد إلى المعنى القرآني + المنهج + الخصائص العالمية، أما السلف بما فيهم النبي فلم يتمكنوا من النفاذ إلى أعماق المنهج القرآني؛ لأنه ليس من خصائصهم التكوينية.


                                          المطلب الرابع: تعقيب: نقد وتحليل:
                                          لقد طعن حاج حمد في العصر السلفي وهو موصوف من قبل الباري ومن قبل النبي بالخيرية، واعتبر عقليتهم أنيمية إحيائية، وعصرهم هو عصر الثنائية التقابلية.
                                          والخلاصة أن مقدمات حاج حمد تؤدي إلى ما يلي:
                                          1- إقصاء القدوة النبوية واعتبارها تجربة مرحلية تناسب العقلية الأنيمية العربية.
                                          2- إقصاء اللغة العربية التراثية المدونة كمرجعية أساسية ضابطة لفهم القرآن.

                                          المبحث الثاني: المدخل المقاصدي:
                                          المطلب الأول: القضية المقاصدية كما يتداولها الخطاب العلماني


                                          أولاً - كلمات حق يراد بها باطل:
                                          يتداول العلمانيون في خطابهم مفاهيم متعددة مثل: المقاصد (2) والمصالح (3) والمغزى والجوهر والروح(4) والضمير الحديث(5) والضمير الإسلامي والوجدانالحديث(6) والمنهج(7) والرحمة(8).
                                          وهي كلمات حق يراد بها باطل لأن بينها مفاهيم إسلامية يراد بها استئناس الضمير الإسلامي.


                                          ثانياً - إبراز الشاطبي وتصفية الشافعي:
                                          لقد أخذ الجابري على الأصوليين اهتمامهم الشديد بالمباحث اللغوية والمسائلالنحوية، واعتبرهم غفلوا عن المقاصد الشرعية، وصنع من ذلك إشكالية جعلهامحور دراسته وهي إشكالية اللفظ والمعنى، وحَكَم الجابري على علم الأصول منذ الشافعي إلى الغزالي بأنه كان يطلب المعاني من الألفاظ فقال: جعلوا من الاجتهاد اجتهاداً في اللغة التي نزل بها القرآن، فكانت النتيجة أن شغلتهم المسائل اللغوية عن المقاصد الشرعية".
                                          والبديل لديه هو مقاصد الشريعة كما مهد لها ابن حزم ثم ابن رشد ثم ابنخلدون ثم الشاطبي الذي دشن نقلة إبيستمولوجية " معرفية " في علمالمقاصد. بل وصل الأمر إلى حد القول بان مقاصد الشريعة الشاطبية تقدم المصلحة على النص.
                                          ولأن الشافعي رفض الاستحسان اعتُبر بأنه كان يناضل " للقضاء على التعدديةالفكرية والفقهية وهو نضال لا يخلو من مغزى اجتماعي فكري سياسي واضح.


                                          ثالثاً - الطوفي ومصلحته:
                                          كما أبرز العلمانيون الشاطبي ومقاصده إبرازاً فكرانياً كذلك يبرز الطوفيومصلحته ويتم التأكيد على أن الطوفي من القائلين بتقديم المصلحة على النصفي حال تعارضهما، وأنه يتصور إمكانية التعارض بين النص والمصلحة فيقترحالتوفيق بينهما ولكن على وجه لا يخل بالمصلحة ولا يفضي إلى التلاعببالأدلة أو بعضها ".


                                          رابعاً – توظيف المنهج كبديل للفهم السلفي للقرآن:
                                          بدلاً من مفهوم المقاصد والمصالح تُطرح قضية المنهج وهي الرؤية التي صاغها أبو القاسم حاج حمد وتتمثل بولادة جديدة للإنسان العربي، فيقول: ومن هنا فإن " التبصر بالمنهج القرآني الكلي يدفع بنا عميقاً إلىالمكنونات، ويكشف لنا عن أن الكيفية التي فُهم بها القرآن في مرحلةتاريخية معينة لا تعني أن الفهم كان خاطئاً بالقياس إلى تلك المرحلة، فذلكحظهم من القرآن ضمن خصائص واقعهم وأبعاده التاريخية، ولكن الخطأ في تطبيقمفهومية التجربة السلفية على خصائص واقع مغاير بأبعاد تاريخية مغايرة.


                                          خامساً- توظيف أفعال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب :

                                          في مثلالسياق الذي تحدثنا فيه " المقاصد – المصلحة – المنهج " يوظف العلمانيوناجتهادات سيدنا عمر للقول بأن المقاصد أو المصالح هي الحاكمةعلى النص القرآني، وأن النص يدور معها وجوداً وعدماً، أو يُوقف أو يُعطّلإذا حصل تعارض بينهما، وأن الاجتهادات الجريئة التي صدرت من عمر فيالقضايا المستجدة أبلغ دليل على ذلك، مثل إيقافه لحد السرقة عام الرمادة،وإيقافه لسهم المؤلفة قلوبهم، وإمضائه الطلاق الثلاث في مجلس واحد ثلاثاً.


                                          المطلب الثاني: تعقيب ونقد:
                                          أولاً - المقاصد:
                                          1- الشاطبي والأصوليون قبله:
                                          هل كان الشاطبي مُبدعاً في قضية المقاصد؟ وهل كان متفرداً في ذلك؟
                                          إن قول الجابري بأن ما جاء به الشاطبي كان جديداً كل الجدة – كما سبقورأينا – نوع من المجازفة والارتجال، لأن الشاطبي –لاشك – كان له إضافاتمهمة في علم المقاصد ولكنه كان يبني على أسس وقواعد أسّسها وقعّدها السلفوالأصوليون والعلماء قبله، وهو ما يعتز به الشاطبي نفسه لأن هذا يعنيبنظره أنه متبع وليس مبتدعاً، ولذلك فإنه يرى أن ما جاء به " أمر قررتهالآيات والأخبار، وشد معاقله السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماءالأحبار، وشيّد أركانه أنظار النظار.


                                          2- الشاطبي والشافعي:
                                          ولكن السؤال: هل أحدث الشاطبي كما يزعم العلمانيون " قطيعة إبيستمولوجيةحقيقية مع طريقة الشافعي والأصوليين الذين جاؤو من بعده؟.
                                          في الواقع إن " الشاطبي لا يقوم ولا يقعد ولا يقدم ولا يؤخر إلا بأمثالالجويني والغزالي وابن العربي وابن عبد السلام والقرافي "، وكلالعلماء الأصوليين والسلف الصالح كما ذكر الشاطبي نفسه، فإذا كانالشافعي قال: "ليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب اللهالدليل على سبيل الهدى فيها ". وقال بأن استنباط الأدلة يكون إما بنصقرآني أو سنة نبوية أو ما فرض الله على خلقه من الاجتهـاد وفي طلبه،فإن الشاطبي يقـول: إن القـرآن فيه بيان كل شيء من أمور الدين " والعالمبه على التحقيق عالم بجملة الشريعة، ولا يعوزه منها شيء " " وعلىهذا لا بد في كل مسألة يراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه أن يُلتفت إلىأصلها في القرآن

                                          "
                                          3- الشاطبي والأزمة البيانية:
                                          هل كان الشاطبي يشعر بأزمة بيانية أصولية تتمثل في الإشكالية التي صاغها الجابري بين اللفظ والمعنى؟
                                          يجيب الشاطبي نفسه فيقول:
                                          "إن هذه الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن العجمية... والمقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة فطلب فهمه إنما يكون منإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًاهذا الطريق خاصة لأن الله تعالىيقولعَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ... فمن أراد تفهمه فمن قالبلسان عربي مبينجهة لسان العرب يُفهمولا سبيل إلى تطلبفهمه من غير هذه الجهة ". إن مقارنة هذا النص مع أطروحة الجابريتبين أنه ينقضها تماماً!!.
                                          ثم ينقل – الشاطبي - الأصول التي قررها شيخه الشافعي في الرسالة فيقول: فإنالعرب " فيما فُطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يُراد به ظاهره،وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص،والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يُعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره.وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتتكلم بالشيءيعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة،والأشياء الكثيرة باسم واحد، وكل ذلك معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي،ولا من تعلق بعلم كلامها، فإذا كان ذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه علىهذا الترتيب، فكما أن لسان بعض الأعاجم لا يمكن أن يفهم من جهة لسان العربكذلك لا يمكن أن يفهم لسان العرب من جهة لسان العجم لاختلاف الأوضاعوالأساليب. والذي نبه على هذا المأخذ في المسألة هو الشافعي الإمام.


                                          4-ضوابط المقاصد تحول دون العبث العلماني:
                                          ولكن هل المقاصد هي بهذا الشكل العبثي الذي يطرحه الخطاب العلماني؟ هل هيمرنة بغير حدود وبغير ضوابط؟ وما هي المعايير التي تحدد المقاصد؟ وكيفيمكن الوصول إليها؟ وما المرجعية في ذلك؟
                                          إن الفارق الأساسي بين العلماء المسلمين وأقطاب الخطاب العلماني في البحثعن المقاصد أن الأولين يبحثون عن مقاصد الشارع ومراده منالنص، أما الآخرون فيبحثون – فيما يبدو - عن مقاصد أنفسهم، ومراداتعقولهم، ومطالب أيديولوجياتهم، هذا فارق أساسي له صلة بالتأويل تناولناهفي دراسات أخرى.
                                          إن المقاصد ليست كلمة تقال أو شعاراً يرفع وإنما هي مبدأ أصولي له ضوابطهومعاييره التي تحكمه حتى لا تصبح ذريعة يُتوسَّل بها إلى " تورخة النص، وإلغائه وتمييعه، فإن تحديد مقاصد الشارع لا ينبني على ظنونوتخمينات غير مطردة. إن الشاطبي الذي اعتبره العلمانيون مؤسس علمالمقاصد وأشادوا به هو نفسه الذي يحدد هذه الضوابط فهل يلتزم العلمانيونبذلك؟.
                                          ومن أبرز هذه الضوابط أن:
                                          1-الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في أحكام العادات الالتفات إلى المعاني.
                                          2-المقاصد العامة للتعبد هي: الانقياد لأوامر الله وإفراده بالخضوع والتعظيم لجلاله والتوجه إليه.
                                          3-المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو: إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً.


                                          ثانياً - المصالح:
                                          إذا كانت المقاصد التي يُنظر فيها أصلاً إلى مراد الشارع، ويُتحرى فيهارضاه أراد العلمانيون أن يجدوا من خلالها مدخلاً للتنصل منالمرجعية القرآنية، فإن المصالح التي يُنظر فيها أصلاً إلى حال الإنسانوما يلائمه وما يصلحه أدعى لأن يبحث فيها هؤلاء الناس عن ذلك المدخل.
                                          ثم المصالح منها ما هو ضروري ومنها ما هو تحسيني ومنها ما هو حاجي، وقدتتعارض أو تتداخل وقد يدق الفرق فتختلف التقديرات، فلا بد من وضع هذهالاعتبارات جميعاً في مراعاة المصلحة، حتى يمكن أن نحقق هذه المصلحة.


                                          ثالثاً – الضمير:
                                          يرى عبد المجيد الشرفي أنه كلما كان التناغم بين ضمير المسلم وواقعه قائماًأدى الدين دوراً إيجابياً وكلما انفصل أحدهما عن الآخر كان الدين مجردتعبير عن الأمل والحنين. ذلك لأن ضمير المسلم هو الحكم الأول في مدىالاستجابة للتوجيه الإلهي وعلى ذلك " فلا يضير المسلم أن لا يرى فيما فرضمن تفاصيل العبادات والمعاملات متى وجدت وهي قليلة جداً سوى أثراً لمقتضياتالاجتماع في عصر الرسول وفي البيئة الحجازية.
                                          إن الارتياح النفسي المتمثل في القبول بما هو سائد في المجتمع من أعراف وهوما يسميه التناغم أو التلاؤم مع العصر لا يدل على الصدق إلا على المستوىالنفسي السطحي من السلوك المباشر الخالي من امتحان الضمير الذي هو شرط كلالتزام خلقي، فلا بد من التناسق العقلي بين المبادئ والالتزام والاستعمالالعملي للعقل الذي يقتضي التحرر من الدوافع النفسية والاستناد إلى القواعدالشكلية في نقد العقل العملي كما أشار" كانط " والتي تشترط لقبول قواعدالسلوك التحرر من الدوافع النفسية.


                                          رابعا: المنهج:
                                          لقد عرضنا الرؤية الحاج حمدية للمنهج من واقع نصوصه وهيلا تحتاج إلى تعقيب في ضوء الهدف الذي يرمي إليه هذا البحث. ومثله المنهجالعشماوي فكلاهما ينطوي في معنى المقاصد والمصالح وينسحب عليهما ما قلناهفيهما.



                                          خامساً - أفعال سيدنا عمر:
                                          لقد عرضت بإيجاز بعض كلمات العلمانيين فيما يخص اجتهادات الفاروق رضي اللهعنه لأن هناك دراسات كثيرة تعالج هذا الموضوع نكتفي بالإحالة إليها،كما أن مناقشتها تنطوي في كثير من صورها تحت معنى المقاصد، وتحقيق المناط.


                                          الخاتمة:
                                          لقد رأينا كيف أن الكلمات التمجيدية التي تُقال في حق القرآن الكريم من قبلأقطاب الخطاب العلماني لا تعدو كونها رشوة للضمير الإسلامي لكي يستعدلتقبل الحد من دائرة الحاكمية القرآنية للنشاط الإنساني والحياة الإنسانية،والسبيل الذي سلكه إلى هذه الغاية هو إبراز المفهوم الشائع في ترثناالأصولي وهو المقاصد أو المصالح أو بعض المرادفات الأخرى والتشبث به كنظاممنهجي للتفكير والاستنباط بدلاً من نظام اللغة المحنط حسبما يرى هذاالخطاب.
                                          ولكن المشكل أن الخطاب العلماني يتجاهل أن قضية المقاصد قضية جوهرية فيالفكر الأصولي منذ لحظاته الأولى، وأن الاتفاق قائم بين الخطابين الأصوليقديماً وحديثاً من جهة، والعلماني من جهة ثانية حول مركزية المقاصدوأهميتها، ولكن هذا الاتفاق حول هذه النقطة بالذات لم يثمر على الصعيدالفكري والعملي، لأن الإجابة على الأسئلة المهمة في هذه القضية محور خلافشديد بين الخطابين الإسلامي والعلماني، لأن كل خطاب تنبع إجاباته من همومهوإشكالياته.


                                          المبحث الثالث: المدخل التأويلي
                                          المطلب الأول: التعويل على التأويل


                                          يعول الخطاب العلماني كثيرا على التأويل في قراءته للقرآن الكريم، لأن التأويل مفهوم قرآني يمكن الولوج منه بسهولة إلى الغايات التي يبحث عنها هذا الخطاب، وتحت هذه المظلة يمارس هذا الخطاب آلياته في القراءة والتي لا صلة لها بالمفهوم القرآني مطلقا.
                                          ولذلك يقرر الخطاب العلماني أن التأويل هو الطريق الملكي الذي انتهجه العقل العربي في طلب الحق، بل إنه في النهاية طريق كل عقل في تعامله مع النص؛ وذلك لأن التأويل بنظر الخطاب العلماني هو الصخرة العاتية التي تكسرت عليها وحدة الفكر الإسلامي. وهم يريدون من التأويل أن يصل إلى التفكيك الذي يقطع الصلة بين النص وقائله وبين المعنى واحتمالاته.


                                          المطلب الثاني: أسس التأويل في الخطاب العلماني العربي "التأويل المنفلت".


                                          1-الأصل في الكلام التأويل:
                                          كل كلام يُتأول لأننا نتعامل مع لغة بشرية نسبية، فالتأويل لازم من لوازماللغة، وهو صفة ملازمة لكل خطاب دون تفريق بين النص الواضح، النص " النص " في المصطلح الأصولي، وبين المجمل أو المبهم أو المتشابه. ودون تفريقأيضاً بين العقائد والأمور المعلومة من الدين بالضرورة والمجمع عليها،وبين غيرها مما هو خاضع للاجتهاد والرأي.
                                          ومن ثم فالتأويل ضرورة للنص، ولا يوجد نص إلا ويمكن تأويله من أجل إيجاد الواقع الخاص به.
                                          والقرآن على ذلك كله متشابه وفيه دلالات محتملة لا تحصى، وتتيح للكل أنينطقوا باسمه. وعلى ذلك لا يوجد نص مُحكم أو بالتعبير الأصولي " نصٌّنص " يدل بمنطوقه على مفهومه دلالة مباشرة ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً،وإن وُجد فهو نادر جداً.


                                          2-لا توجد قراءة بريئة:
                                          هذا منطلق الخطاب العلماني لأن أي تأويل بنظره لابد من أن يستر وراءهبواعث أو غايات " أيديولوجية " فالقراءة لا يمكن أن تكون حيادية على ذلكلأنها تستند إلى ثقافة القارئ ومكوناته الفكرية والعلمية.


                                          3-ليس للنصوص معاني ثابتة أو دلالات ذاتية:
                                          فلا توجد عناصر جوهرية ثابتة للنصوص، بل لكل قراءة بالمعنى التاريخي،الاجتماعي جوهرها الذي تكشفه في النص، وليس للألفاظ أي دلالة ذاتية، فالنص لا يحمل في ذاته دلالة جاهزة ونهائية، بل هو فضاء دلالي، وإمكانتأويلي.


                                          4- تأنسن النص القرآني:
                                          إن القرآن الكريم في منظور الخطاب العلماني كما أسلفنا لا يفلت من هذه القراءة النسبية المفتوحة، فمنذ أن نزل القرآن إلى البشر أصبح نصاً تاريخياً لأنه تحول من كتاب تنزيلإلى كتاب تأويل فأصبح كتاباً بشرياً " تاريخياً واجتماعياً وتراثياً".


                                          5- النسبية:
                                          ما دام القرآن تأنسن فليس من حق أحد من البشر في منظور الخطاب العلماني أنيُقرر معنىً نهائياً للقرآن، لأنه عندئذ سيضع نفسه وصياً على الناسبوصاية إلهية، حتى على مستوى العقائد لا يمكن لأحد من الناس أن يتكلم باسم الله لأنه سيجعل من نفسه نائباً عن الإله.
                                          ومن هنا فإن القرآن بنظر الخطاب العلماني ليس له ثوابت، بل هو مجموعة منالمتغيرات يَقرأ كل عصر فيه نفسه، وهو قابل لكل ما يُراد منه، وهكذاوُظِّف في التاريخ، ولا توجد قراءات صحيحة وأخرى خاطئة، فالقراءات كلهاصحيحة، والخطأ هو قراءة المعاصرين للقرآن بمنظور غير عصري.


                                          6- لا نهائية المعنى:
                                          فما دام القرآن كما رأينا لا ينص على الحقيقة، ولا يقول شيئاً ويقول كل شيءٍ فإن المعاني فيه لا نهائية ولا تقف عند حد، ولذلك فلا يحق لأي تفسير أن يُغلق القرآن، لأن النصوص تُنتِج دائماً دلالاتجديدة مفتوحة مطردة،والركون إلى التفسير الحرفي موت للنص. ولذلك يجبأن يكون التأويل بلا حدود حيث تصل الكلمة إلى مرحلة التحرير.


                                          7-الفراغات أو ما بين السطور:
                                          لا يثق الخطاب العلماني بالنص القرآني، لماذا؟ بسبب قوته وممارسته للحجبوالاستبعاد " نحن لا نثق بالنصوص كل الثقة، ليس لأنها تتصف بالضعفوالركاكة، بل بالعكس بسبب من قوتها بالذات... ذلك أن الكلام القوي يمارسسلطته في الحجب والمنع والاستبعاد … يصدق هذا على كل النصوص التي تحتملالتأويل وبنوع خاص على النصوص الشعرية والنبوية والفلسفية ".


                                          8- التأويل إنتاج للنص:
                                          التفسير والشرح للنص في منظور الخطاب العلماني خُدعة، لأن الشرح يحل محلالنص، ويعيد إنتاج النص، فهو نص جديد، لأنه لا ترادف في اللغة ولا اشتراك، فالقراءة للنص هي عملية إكمال من خلال التراكم المعرفي.


                                          9- الرمزية:
                                          الإنسان في الخطاب العلماني " يحيا بالرمز وفي الرمز وللرمز ". ومنهنا يلح هذا الخطاب على جعل القرآن الكريم مجموعة رموز أو مجازات لكييستطيع أن يرمز بها لما يريد، ويضمنها بما يرغب، فالرمزية تُتيح للقارئحرية أوسع في تقويل النص.


                                          10- التناص:
                                          ويعنون بذلك أن القرآن الكريم أسهمت في تشكيله نصوص سابقة عليهكالتوراة والإنجيل والشعر الجاهلي والسجع وغير ذلك. وهو ما حاول أن يؤسسله من خلفية ماركسية نصر حامد أبو زيد.


                                          هذه هي الأسس التأويلية التي تتم قراءة القرآن الكريم من خلالهاوهي أسس هرمينوطيقية لا صلة لها بمفهوم التأويل في الإسلامولكن لابد من الإشارة إلى أن هذهالتأويلية العلمانية المفتوحة تستند في قراءتها للنص القرآني على بعضالمفاهيم الأصولية والصوفية وذلك لتقويل القرآن بكل ما يرغب به قراؤه ومنثم تكريس تاريخيته ونسبيته.


                                          يتبع...

                                          تعليق


                                          • #21
                                            الحلقة السابعة

                                            (7)
                                            الفصل الثالث: المدخل الكلامي "خلق القرآن"

                                            المبحث الأول: المدخل الكلامي "الاعتزالي"
                                            المطلب الأول: من خلق القرآن إلى أنسنة النص:


                                            يعتبر موقف المعتزلة من الكلام الإلهي بشكل عام ومن القرآن الكريم خصوصاً ذو أهمية في الخطاب العلماني لتحقيق مآرب " فكرانية " تتصل بإزاحة أو زحزحة البعد "الميتافيزيقي" أو الغيبي المتعالي عن النص القرآني.
                                            هكذا تبدو الاستنارة مرتبطة بالاعتزال، والقول بخلق القرآن، أما من يرى عكس ذلك فهو ظلامي رجعي، ولأن هذه الظلامية الرجعية قد طَمست أطروحة المعتزلة تحت ركام التاريخ وطبقاته السلفية " فينبــغي أن نحفر عليها أركيـولوجياً، أن ننـبشها من تحت الأرض، أن نُذكِّر الناس بها ".
                                            لماذا كل هذا الحرص على المنظور الاعتزالي في القرآن؟ يجيبك الخطاب العلماني: " من أجل أن نفتح ثغرة في الجدار المسدود للتاريخ … [ لأن هذه الأطروحة الاعتزالية] تعني بكل بساطة أن القرآن بحاجة إلى وساطة بشرية، أن نقول بأن القرآن مخلوق فهذا يعني أنه متجسد في لغة بشرية هي هنا اللغة العربية ".
                                            ولا بد من الإشارة هنا إلى أن المعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن لم يغير ذلك من نظرتهم إلى القرآن الكريم على أنه نص يتربع على عرش القداسة وقمة العظمة، ولم يكن قولهم بخلق القرآن إلا مبالغة في تقديس الباري وتنزيهه، ومن ثم تقديس كلامه وأمره، ولم تكن لديهم علاقة بين القول بخلق القرآن وانخفاض نسبة القداسة المحفوظة للقرآن الكريم.
                                            ولكن مراد الخطاب العلماني من إحياء المذهب الاعتزالي في هذه القضية التمهيد لإقرار مبدأ التاريخية الذي يمثل جوهر الفكر عنده، وتحرير التأويل من سلطة المنهج السلفي، ذلك المنهج الذي يصر - حسب رأيه - على التمسك بالأصل الميتافيزيقي للنص، ومن ثم امتناع تأويله إلا للراسخين في العلم من الناس، وهو في منظور هذا الخطاب " وهمٌ يبثه أصحاب المنهج السلفي حتى يحافظوا على مناصبهم وسلطاتهم، وتكريساً لمصالحهم، وتقديساً لأنفسهم ".
                                            لكننا في المقابل يمكن أيضا أن نقول هنا بأن تكريس المفهوم الاعتزالي يريد منه الخطاب العلماني منافسة الخطاب الديني على المناصب والمصالح والتقديس، والتأسيس للاهوت علماني نقيض للاهوت الديني يتربع على عرشه شيوخ جدد يمثلون الحداثة.


                                            المطلب الثاني: القرآن والمسيح "الأثر التبشيري في الخطاب العلماني":
                                            يزعم النصارى أن القرآن الكريم أشار إلى ألوهية المسيح وذلك لأنه سماه كلمة الله، وروح من الله، ومعلوم أن كلمة الله قديمة، فلذلك كان المسيح قديماً، ولا يكون قديماً إلا إذا كان إلهاً. ويروي الألوسي في تفسيره أن طبيباً نصرانياً حاذقاً للرشيد ناظر علي بن الحسين الوافدي المروزي ذات يوم فقال له: " إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله تعالى وتلا قـوله تعالى:إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ. فقـرأ الـوافـدي قوله تعـالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ. ثم قال: إذن يلزم أن تكون جميع الأشياء جزء منه عن ذلك علـواً كبيـراً، فانقطـع النصراني وأسلم، ففرح الرشيـد، ووصل الوافـديَّ بصلـة فـاخرة.
                                            ويروى عن يوحنـا الدمشقي أنه كان يعلـم أهـل ملته مجادلة المسلمين فيقول: إذا سألك العربي ما تقـول في المسيح؟ فقل: إنه كلمة الله؟ ثم ليسأل النصراني المسلم، بمَ سُمِّى المسيح في القرآن؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه المسلم، فإنه سيضطر إلى أن يقول:إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ. فليسأل عن كلمة الله وروحه أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ فإن قال مخلوقة، فليرد عليه بأن الله كان، ولم تكن له كلمة ولا روح، فإن قلت ذلك فسيفحم العربي، لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين".

                                            لكن الغريب أن الخطاب العلماني استُلب تماماً لهذا الجدل التنصيري المسيحي، والسبب كما يبدو هو أن هذه الفكرة تبرر لهم - كما يظنون وكما ظن المعتزلة من قبلهم - القول بخلق القرآن تخلصاً من هذا المأزق اللاهوتي الذي يفضي إليه القول بأزلية الكلام الإلهي، هذا هو الهدف المعلن عنه بالدرجة الأولى، لكن الهدف الحقيقي الذي لا يُعلن عنه إلا متوارياً في عبارات مبهمة هو إلغاء النص وزحزحة قداسته المركوزة في الشعور الإسلامي تحت مسميات التاريخية والأنسنة والأسطرة وغير ذلك.
                                            ومن هنا يرى الخطاب العلماني أنه " لئن كانت الواقعة الأساسية في المسيحية هي تجسد الله في المسيح، فإن الواقعة الأساسية المعادلة في الإسلام هي تَكلُّم الله في القرآن ".
                                            يضيف الخطاب العلماني: " ولعلنا لا نكون مغالين إذا قلنا إنهما ليستا بنيتين بل بنية واحدة رغم اختلاف العناصر المكونة لكل منهما، فالقرآن كلام الله، وكذلك عيسى بن مريم (رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ). وقد كانت البشارة لمريم ( إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ).
                                            وإذا كان القرآن قولاً أُلقي إلى محمد ، فإن عيسى بالمثل كلمة الله ) وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ
                                            ).

                                            المطلب الثالث: الكتاب الأرضي والكتاب السماوي والتأسيس للتاريخية:
                                            هكذا يقرر الخطاب العلماني أنه في المسيحية صارت كلمة الله إنساناً كي يصير الإنسان إلهاً، وفي الإسلام صارت كلمة الله قرآناً يوحى، وهو آية محمد الوحيدة والفريدة التي تحدى بها العرب فكانت الكلمة آيته الوحيدة. وذلك من أجل أن يضع الوحي المتعالي في سياق التاريخ، ويصل الإلهي بالبشري لا بشخصه بل بالنص الذي انتظم هو في سياقه.

                                            ومن هنا يميز الخطاب العلماني بين مستويين للكلام الإلهي: الكتاب السماوي " النموذج المثالي الذي يحتوي كلية كلام الله المحوطة بالأسرار، والتي لا سبيل إلى بلوغها: الكتاب، القرآن، الذكر، الفرقان، وبين الكتاب المعلَن التاريخي، الكلام المبلَّغ للناس، المرتبط منذئذ بتاريخ الخليقة الأرضي، الكلام المنسوخ بأيدي البشر على رق، أو ورق، مجموع في كتاب مجلد، في مصحف أقلبه وأنقله وأقرؤه وأترجمه … التمييز نفسه يمكن أن يجري مع المسيح كلمة الله المتجسدة ومع الأناجيل ".

                                            ويحاول الخطاب العلماني أن يمارس عملية مناورة خطيرة يمكن أن تُحقق له قبولاً لدى بعض الأوساط الإسلامية، لأنه لا يرفض القداسة رفضاً مباشراً وإنما يقوم بتحويلها من القرآن إلى اللوح المحفوظ الذي لا نعلم عنه شيئاً، ولا يضير الخطاب العلماني في شيء فاللوح المحفوظ هو الكل والمطلق والثابت، بينما القرآن هو الجزء والمتحرك والمتغير، اللوح المحفوظ هو اللاتاريخي بينما القرآن هو التاريخي." القرآن ليس إلا كتاباً وُجِّه في حينه عصره العصر السابع، بينما اللوح المحفوظ هو الكتاب الذي يحتوي على كل الأعمال بما فيها كتاب القرآن نفسه".

                                            المطلب الرابع: القرآن والمصحف أو الشفهي والكتابي أو الخطاب والنص "ركيزة أخرى للتاريخية ":
                                            يرى الخطاب العلماني أن من الأفضل أن نتحدث عن خطاب قرآني في المرحلة الأولية من تبليغ النبي له وليس عن نص قرآني، أما تدوين مجموع هذا الخطاب المنزل فقد جرى فيما بعد حيث أصبح نصاً قرآنياً. وهذا التفريق يتخذ أهمية عظيمة على ضوء الألسنية الحديثة، فالخطاب هو البلاغ الشفهي وليس من الضروري أن يحتوي النص المكتوب على كل هذا البلاغ.

                                            وهكذا - بنظر الخطاب العلماني - لقد ضاع البلاغ الشفهي الأول وإلى الأبد. ومن الضروري الآن التفريق بين المرحلة الشفهية والمرحلة الكتابية باستخدام وسائل التحليل الأنتروبولوجي الذي يحلل التنافس القائم بين العقل الشفهي والعقل الكتابي. وسنكتشف أن عملية الانتقال من مرحلة الخطاب الشفهي إلى مرحلة النص المكتوب والناجز تطرح مشاكل عديدة لا أحد يفكر فيها.
                                            بناء على ذلك فإن الخطاب العلماني وكما فرق بين اللوح المحفوظ والقرآن، فإنه يفرق بين القرآن والمصحف، فالقرآن هو ما يدل على التلاوة المطابقة للخطاب المسموع وليس المقروء أو المكتوب، أما المصحف فهو ما يدل على النص المكتوب المدوَّن في عهد الخليفة الثالث عثمان قال أركون: " قلت المصحف ولم أقل القرآن لأنه يدل على الشيء المادي الذي نمسكه بأيدينا يومياً، ولأنه يقابل التوراة والإنجيل بالضبط، فهو كتاب مؤلف من صفحات سُجِّل فيها الخطاب القرآني بالخط المعروف "، فتحول إلى كتاب مادي متداول بين الناس، ينتج بواسطة تقنيات الحضارة المعروفة.

                                            وهكذا يُصدر الخطاب العلماني " فرمانات " استبدادية يحتكر فيها المنهج الصحيح للتعامل مع كتاب الله فكل منهج يجب أن يظل - حتى لا يوصم بالأسطورية والخرافة – في داخل الدائرة اللغوية التي يرتضيها الخطاب المذكور، لأنها دائرة محايثة للمادة والإنسان، وكل حديث عن الغيب لا يمت لنا نحن البشر بصلة، مع أن وجودنا وكينونتنا وكل معتقداتنا الأساسية لا يمكن فصمها عن الغيب. ولكن الحقيقة أن ماركس هو الذي يتحدث.

                                            المبحث الثاني: تعقيب ونقد:
                                            المطلب الأول: الفرق بين الرؤية الاعتزالية والرؤية العلمانية "البعد الإلهي":

                                            لم يكن المعتزلة متسقين مع أنفسهم عندما أثبتوا لله الصفات المعنوية جميعها وهي كونه عليماً، حياً، سميعاً، بصيراً، ولم يثبتوا معها الصفة السابقة وهي كونه متكلماً وإنما قالوا إن معنى كونـه متكلمـاً داخـل في العلـم إذا كان إخبـاراً، وفي الإرادة إذا كـان أمراً أو نهياً.
                                            ولكن الخطاب العلماني يطيب له أن يلعب بالعقول ويزور الحقائق، ولا يشعر أدنى شعور بأنه يخون العلم والأمانة، ولعل ذلك عائد إلى طول ملازمته للباطل واسئناسه إليه مما ولد بينهما ألفة تعود نتائجها السلبية على الفكر بكثير من التشويش والاضطراب.
                                            والقرآن عند المعتزلة هو كتاب معجز بنظمه وتأليفه وأخباره عند جمهورهم.
                                            فلم يتأنسن القرآن الكريم كما يزعم العلمانيون نتيجة للأطروحة الاعتزالية وإنما هو لديهم مرتبط بمصدره الإلهي، ومشدود إلى كيانه المطلق " العلم، الإرادة ".
                                            فالمعتزلة من أشد الناس إيماناً بالقرآن والإسلام وقد كان لهم البلاء الحسن في مواجهة الزنادقة والملحدين بالحجة والبرهان، أما العلمانيون فلا يحظى أغلبهم بهذا الشرف، ولا يُعبرون عن مطامح الأمة، ولا عن آمالها ولا يشعرون بآلامها، بل هم مع كل المناوئين لها، والهادمين لثوابتها، والحريصين على إذلالها.

                                            المطلب الثاني: المماثلة بين القرآن والمسيح في التجسد لون من المغالطة:
                                            وأما عن المماثلة بين القرآن والمسيح في التجسد فهو ليس غريباً أن يصدر من مبشر أو مستشرق كل همه أن ينثر الشكوك والشبهات بين المسلمين دون مبالاة بالحقيقة التي تعترض طريقه، وإنما الغرابة في أن يتبنى ذلك رهط من المفكرين " التنويريين " وهم على علم يقيني بأن ما بين القضيتين كما بين المشرقين.
                                            إن ما يزعمه النصارى والعلمانيون – كما رأينا - من أن اعتقاد المسلمين في القرآن كاعتقاد النصارى في المسيح، من كون الحروف والجسد مخلوقات، والكلمة والكلام ليسوا بمخلوقين، فالإجابة: لا تحتاج إلى كثير تدبر، لأننا نحن نعتقد أن الكلام صفة لله وبالتالي فإنها لا يمكن أن تكون مخلوقة، لأن الله قديم بذاته وصفاته، أما عن حقيقـة هذه الصفـات ، وما هو كنههـا؟ فلا يمكن لأحد أن يتجرأ على ذلك، لأنه لا يمكن لأحـد أن يدرك كنه الذات الإلهيـة أو كنه صفاتها، ولكن يمكن لنا أن نستدل بالعقل على أنه موصوف بكل صفات الكمال، ومنزه عن كل صفات النقصان.

                                            المطلب الثالث: لم تنفصل في القرآن المشافهة عن الكتابة وتلازم دائما الحفظ بالصدور والحفظ بالسطور:
                                            أما عن تفريقهم بين القرآن والمصحف، أو بين كونه خطاباً شفهياً وبين كونه نصاً مكتوباً فهو تفريق إن كان يصح ويُقبل في كل النصوص الأخرى سواء كانت بشرية أو سماوية، فإنه لا يصح في القرآن الكريم بالذات، لأن التلازم بين القراءة والكتابة ميزة اختص الله بها كتابه الكريم، والعلمانيون في هذا الصدد يتجاهلون أن المعتمد في حفظ القرآن الكريم بالدرجة الأولى هو المشافهة، والكتابة تأتي مرحلة ثانية وثانوية وما يتلوه المسلمون اليوم، وما يتلوه ملايين الأطفال في كتاتبيهم هو نفسه الذي تلاه جبريل على قلب محمد .
                                            لقد كان النبي يُتعب نفسه في التلفظ بالقرآن بين يدي جبريل خوفاً عليه من الضياع والنسيان فطمأنه البيان الإلهي بقوله: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ).
                                            وكان النبي عندما تتنزل عليه الآيات يبادر إلى أمرين:

                                            الأمر الأول: تلاوة الآيات مباشرة على صحابته فيتلقفونهما من فمه الشريف بنفس الحركات والسكنات والنغمات والإيقاع والمدود، وهو وارد كثيراً في نصوص السنة.

                                            الأمر الثاني: كان النبي يستدعي كتاب الوحي ليكتبوا له الآيات في مواضعها التي أرشد إليها جبريل .

                                            يتبع ..

                                            تعليق


                                            • #22
                                              الحلقة الثامنة

                                              (8)
                                              الفصل الرابع: مدخل علوم القرآن.
                                              علوم القرآن أساس محوري للتاريخية في الخطاب العلماني:

                                              يريد الخطاب العلماني أن ينحى بالعلوم القرآنية منحنى مختلف عن منحناها الحقيقي، ويوظفها توظيفًا مختلفًا، وذلك تحت شعار خدمة النص القرآني، ولكن المضمر بين سطوره هو فكرانيات مختلفة، فيقول نصر حامد أبو زيد: ومن خلال علوم القرآن أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيرها من علوم القرآن نكتشف أن النص القرآني نص لغوي تزل على مدى أكثر من عشرين عامًا، على حسب الوقائع.

                                              المبحث الأول: أسباب النزول:
                                              المطلب الأول: الموقف العلماني "أسباب النزول تكريس للتاريخية".

                                              تكمن أهمية أسباب النزول في المنظور العلماني في أنها تؤدي إلى واقعية آيات القرآن وتنتهي إلى تاريخيتها، وتفرض ربطها بالأحداث، ومن ثم ينبغي تفسير القرآن بأسباب تنزيله لا بعموم ألفاظه.
                                              ويضيف الخطاب العلماني أن الحقائق الإمبيريقية المعطاة عن النص تؤكد أنه نزل منجمًا على بضع وعشرين سنة، وتؤكد أيضًا أن كل آية أو مجموعة من الآيات نزلت عند سبب خاص استوجب نزولها، وأن الآيات التي نزلت دون علة قليلة جدا.

                                              المطلب الثاني: تعقيب ونقد:
                                              يدعي الخطاب العلماني أن كل آيات القرآن لها أسباب نزول، وأن الآيات التي نزلت بدون سبب قليلة جدا، وهذا غير صحيح؛ لأن ما نزل لسبب لا يشكل إلا نسبة 7.5% من آيات القرآن.

                                              ومن هنا فإن الخطاب العلماني لم يكن صادقا في دعواه كما أنه لا يحترم عقول قرائه، ولا يبالي بالصدق والأمانة العلمية.
                                              وغير ذلك أيضا فإن الزركشي يقول: وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد أنها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان سبب نزولها.
                                              ويقول ابن تيمية: قولهم نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب.

                                              المطلب الثالث: هل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟
                                              أولا: الموقف العلماني:
                                              يعتبر الخطاب العلماني قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" قاعدة خطيرة نشأت في فترات الظلام الحضاري، والانحطاط العقلي وعصور التخلف، وأدت إلى الخلط في فهم القرآن وتفسيره.
                                              لذلك يرون: أن التمسك بعموم اللفظ وإهدار خصوص السبب في كل نصوص القرآن من شأنه أن يؤدي إلى نتائج يصعب أن يسلم بها الفكر الديني، بالإضافة إلى أنه يهدد الأحكام ذاتيًا.

                                              ثانيًا: تعقيب ونقد:
                                              1- تمهيد: مشكلة الخطاب العلماني أنه عندما يعرض المباحث الفقهية أو الأصولية يمارس عملية تلفيق أو اجتزاء أو بتر، تحقق له غرض التشويه للفكر الأصولي، ومن ذلك أنه يستخدم التعميم في أحكامه دون أن يهتم بتحرير محل النزاع.

                                              2- تحرير محل النزاع: الخلاف بين العلماء حول القاعدة يتناول صورة واحدة من صور العلاقة بين النص وسبب نزوله وليس كل الصور، وهي ما إذا كان النص عاما وسبب نزوله خاصًا، أما إذا كان النص عاما وسبب النزول عاما فإن الأخذ بعموم اللفظ قائم بالإجماع مثل قوله تعالى: ولا تحسب الذين قتلوا في سبيل الله أموات بل أحياء عند ربهم يرزقون، فالآية تتحدث عمن قتل في سبيل الله، واللفظ الوارد في ذلك عام "الذين".
                                              وكذلك الإجماع قائم على التخصيص إذا كان اللفظ خاصًا وسبب نزوله خاصًا، وقامت القرائن والأدلة على التخصيص.
                                              فمحل النزاع إذن هو: أن يكون النص عاماً وسبب نزوله خاصًا، وذلك كأن يكون النص أعم من السؤال، أو تقع واقعة خاصة فيتعلق البيان الإلهي عليها بلفظ عام مثل آيات الظهار واللعان..

                                              3- أدلة القائلين بخصوص السبب:
                                              أ – إن الإجماع قد انعقد على عدم جواز إخراج السبب من حكم العام الوراد على سبب خاص إذا ورد مخصص، ويستلزم ذلك أن العام مقصور على أفراد السبب لا يتناول غيرها..
                                              الجواب: أن الإجماع المذكور لا يستلزم قصر العام على أفراد الخاص، بل هو واقف عند حدود معناه من أن أفراد السبب لا تخرج بالمخصص، لكنه لا يمنع دخول غير أفراد السبب في حكم العام إذا تناوله.
                                              أو بعبارة أخرى: أن ما قالوه مبني على تعميم فاسد إذ يعمل بالإجماع في محله وهو منع إخراج صورة السبب من صور اللفظ العام، وهذا لا يمنع أن تخرج صور أخرى إن قام موجب التخصيص وذلك لا يعارض الأخذ بعموم اللفظ.
                                              ب- لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لما كان لذكر السبب فائدة.
                                              والإجابة: أن لأسباب النزول فوائد كثيرة غير التأكيد على خصوصية السبب.
                                              ج- لو كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكان اللفظ الذي هو بمنزلة الجواب غير مطابق للسبب، الذي هو بمنزلة السؤال، لكن عدم المطابقة باطل، لأنه ينافي كون ألفاظ الشرع في أعلى درجات البلاغة.
                                              والإجابة: أن تشبيه سبب النزول بالسؤال قصور في فهم أسباب النزول؛ لأن كثيرا منها ليس كذلك. كما أن الادعاء بعدم التطابق بين النص وسبب نزوله إذا قلنا بالعموم غير صحيح؛ لأن النص العام أجاب عن سؤال النزول وزيادة، والزيادة ى تنافي التطابق.

                                              4- أدلة الجمهور القائلين بعموم اللفظ:
                                              أولا: احتجاج سلف الأمة في وقائع كثيرة بعموم الآيات، من ذلك ما ورد عن سعيد المقبري أنه قال لمحمد بن كعب القرظي "إن في بعض كتب الله" إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر لبسوا مسوط الضأن من اللين، يجترون الدنيا بالدين، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت؟ فقال محمد: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد.
                                              - قوله تعالى: الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، نزل في رجل عزم أن يطلق امرأته، حتى إذا اقتربت نهاية عدتها راجعها، ثم عاود الطلاق والمراجعة، فهل هذه الآية ظلت حكما خاصا بذلك الرجل أم أنها أصبحت تشريعا عاما لكل المسلمين؟!
                                              ثانيًا: لو كان مراد الشارع من النصوص العامة التي تنزل على أسباب خاصة أن تقتصر على الأسباب التي نزلت من أجلها لأشار إلى ذلك ونبه إلى الخصوصية، أما وقد جاءت النصوص عامة وخالية عن القرينة المخصصة فإن المنهج السليم يقتضي أن لا نصرف النصوص عن العموم.
                                              ثالثًا: إن لفظ الشارع وحده هو الحجة والدليل دون ما احتف به من سؤال أو سبب، فلا وجه إذن لأن نخصص اللفظ بالسبب.

                                              المبحث الثاني: ما نزل على ألسنة الناس:
                                              المطلب الأول: الأنسنة خطوة إلى التورخة:

                                              عقد علماء القرآن فصلاً للحديث عما أنزل من القرآن على ألسنة بعض الصحابة، كقول عمر : لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فالخطاب العلماني يعتبر هذه المسألة خطيرة وجديرة بالبحث والتساؤل إذ كيف ينزل القرآن على نحو ما يقول الناس؟ ويستغرب كيف يسجل المسلمون مثل هذه الروايات، وهم الحريصون على إثبات المصدر الإلهي للقرآن.
                                              ولكن هذه العبارات من الصحابة مقارنة لنزول الآيات وليست منشئة لها، ولم يكن عمر ولا غيره منشئًا للنص القرآني كما يحلو للخطاب العلماني أن يزعم.
                                              وما يريده الخطاب العلماني من ذلك هو تكريس بشرية الوحي، وإبراز البعد الإنساني فيه وطمس الجانب الإلهي الغيبي.

                                              المطلب الثاني: الأنسنة والمركسة أو الإنسان والواقع: "أساسان للتاريخية".

                                              يحاول الخطاب العلماني توظيف مسألة تنجيم القرآن لخدمة التاريخ، وبغض النظر عن الحِكم التي ذكرها الله لتنجيم القرآن كما قال: كذلك لنثبت به فؤادك ورتلنه ترتيلا، وقال: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ورتلنه ترتيلا)، ومن أقوالهم: نواجه سياقا تاريخيا تنجيميا للنص حيث دخل حيز البشر وخضع لتموضعهم الاجتماعي والتاريخي والتراثي.

                                              المبحث الثالث: النسخ
                                              المطلب الأول: النسخ والواقع "تبرير لتحكيم الإنساني بالإلهي".

                                              - ماذا يريد الخطاب العلماني من النسخ؟
                                              إنه يريد أن يكرس التفسير الماركسي للمادة والفكر، فالفكر، فمن خلال النسخ فإن النص القرآني نزل بناء على نداء الواقع، واكتمل بناء على تطوره، وأعيدت صياغته طبقا لقدرته وأهليته على ما هو معروف في الناسخ والمنسوخ، هي عملية جدلية بين الفكر والواقع، الواقع ينادي على الفكر ويطالبه والفكر يأتي مطورا للواقع ثم يعود الواقع فينادي فكرا أدق وأحكم..

                                              ويغمض الخطاب العلماني عينيه عن مصدر النسخ وعمن يملك حق النسخ، ليفتح المجال لأمرين:
                                              1- أن يتهم الأمة بممارسة النسخ تشهيا دون أي ضوابط.
                                              2- أن يفصل النسخ عن مصدره ليصبح النص خاضعا لسلطة البشر.

                                              المطلب الثاني: النسخ قضية مزاجية "لمزيد من تحكم الإنسان بالوحي":

                                              لا ينكر أحد علاقة النص بالواقع ولكن ما ينكر هو تغييب الإرادة الإلهية، وذلك حين يعتبر النسخ قضية مزاجية خاضعة لأحكام السياسة والمصالح ومنطق الضعف والقوة.
                                              لقد كان خطاب القرآن للمسلمين وهم في موقف الضعف إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم..، وبعد غزوة بدر تأتي الآيات: إن الدين عند الله الإسلام، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه.

                                              المطلب الثالث: النسخ وإشكالية الأزلية "لإبراز التاريخية":

                                              يقرر الخطاب العلماني أن ظاهرة النسخ تثير إشكاليتين في وجه الفكر الديني السائد والمستقر:
                                              الأولى: كيف يمكن التوفيق بين هذه الظاهرة بما يترتب عليها، وبين الإيمان الذي شاع واستقر بوجود أزلي للنص في اللوح المحفوظ؟
                                              الثانية: إشكالية جمع القرآن حيث يرتبط النسخ بمشكلة الجمع عندما يورد علماء القرآن أمثلة توهم بأن بعض أجزاء النص قد نسيت من الذاكرة.

                                              المطلب الرابع: تعقيب ومناقشة:
                                              1- النسخ في الإسلام خاضع لإرادة المشرع بينما في الخطاب العلماني فلإرادة للواقع والعقل، كما قال تعالى: وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل.
                                              2- آليات الاجتهاد والتيسير وعوامل المرونة في الشريعة تغني عن النسخ العقلي، فالأحكام الشرعية تأخذ بعين الاعتبار الظروف والأحوال التي تتنزل بها، وتطبق فيها، كما أنها تحكل في داخلها عوامل المرونة والتحرك طبق ما يقتضيه سلم الأولويات، كفرض الصلاة ثم أحكام التخفيف على المسافر والمحارب وغيرهما.
                                              3- العلم الإلهي المطلق يبدد إشكالية التعارض بين النسخ والأزلية:
                                              أما قولهم: بأن النسخ يتنافى مع الاعتقاد بأزلية القرآن الكريم، فالجواب عليه: أن النسخ لا يتناول الكلام القديم؛ إذ الباري متكلم أبدًا وأزلا كما أنه عالم كذلك، ولكن النسخ يتناول الخطاب الإلهي من جهة تعلقه بنا، وتعبقه بنا حادث وليس قديم.

                                              المبحث الرابع: المكي والمدني
                                              المطلب الأول: إخضاع القرآن لأثر البيئة والواقع "لتكريس التاريخية".

                                              المقصد الأساسي الذي يراد أن يصل إليه العلمانيون عن طريق المكي والمدني هو إثبات أن القرآن الكريم منتج ثقافي، يخضع لأثر البيئة ويتطور بتطورها، وتنعكس فيه المصالح الاجتماعية والتوجهات السياسية.

                                              المطلب الثاني: تجزئ الإسلام وتقطيع القرآن "خطوة مهمة على طريق التورخة":

                                              وتولى هذه القضية السوداني محمود محمد طه، وتقوم فكرته على أن القرآن المكي هو الرسالة العالمية التي جاءت لكل الناس، وهذه المرحلة هي التي تسمى الإسلام، ولكن لأن الناس لم يطبقوا الإسلام آنذاك تدنى مستواهم العقلي فقد نسخ الإسلام حتى يكتمل العقل البشري، واستبدل الإسلام ’نذاك بالمرحلة المدنية، وهي مرحلة إيمان وليست مرحلة إسلام.
                                              ويدعي محمد طه نسخ القرآن المدني وسماه رسالة أولى من الإسلام، واخترع رسالة ثانية ذهب من خلالها يحرم ويحلل طبقا لمقولات ماركس.. والرد عليه يحتاج فقط إلى أن نذكره بقوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا.

                                              المطلب الثالث: تعقيب ومناقشة:
                                              إن القرآن المكي كان يعالج موضوعات معينة، هدفها تثبيت عقيدة الألوهية وما يتبعها، من شئون اليوم الآخر، أما في المدينة فكان المجتمع المسلم بحاجة إلى نظام شامل يحميه من الانحراف والانحلال، واختلاف الموضوعات المعالجة.
                                              والقرآن الكريم بمكيه ومدنيه غير خاضع لأثر البيئة أو الظروف، إنه فوق ذلك كله؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد.
                                              يتبع...

                                              تعليق


                                              • #23
                                                خاص بموضوع اللائكيـة وأثرها في الفهم الغربي للوحي

                                                وأنا أتابع مستجدات بعض المؤسسات الرسمية التابعة لرئاسة مجلس الوزراء الفرنسي أثارتني "عملية" نفخ الروح من جديد في (المرصد الفرنسي للائكية l observatoire de la laïcité ) فمنذ ميلاد هذه المؤسسة 2007 لم يتم تعيين أعضائها 22 الا مؤخرا بسبب تطور الأحداث السياسية في دول شمال افريقيا وخشية سدنة اللائكية في باريس من مطالب المسلمين الفرنسيين بحقوقهم الدينية، ولأن هذا "المرصد" حدد لنفسه طريقة فهم (المتدين الفرنسي) لأمور دينه - المراد المتدين المسلم - وفق نسق معين،فأنا أنتظر أن ترتفع بالعالم العربي خاصة أصوات تنقل نفس الصدى بدعوى تجديد فهم الوحي كتابا وسنة... الطريقة الجديدة/القديمة لفهم هذا المرصد للدين تقوم بالأساس على اعتباره مجرد "علاقة روحية" لا ترتبط بأحكام أو تكاليف أو حتى عبادات موسمية ...ولا أرى هذه الفهم الا وليدا من ولائد l humanisme بفرنسا الذي تم الكلام عنه في هذا الملتقى. ولعلم قراء الملتقى فأعضاء هذا المرصد 22 الذين يقدمون الاستشارة - في كل ما يتعلق بالدين - لرئيس مجلس الوزراء الفرنسي كلهم فرنسيون بينهم فرنسيان - فقط - من أصول مغاربية( ينتمون عرقيا للعالم الاسلامي) هما: - ثريا عمراني مكي (عمراني اسم زوجها) - عبدالنور بيدار. أما الأولى فهي فتخصصها في قانون المسطرة المدنية (الاجراءات/المرافعات) أما الثاني فهو أستاذ فلسفة بالتعليم الثانوي، واسندت له وزارة التربية الوطنية الفرنسية من قبل مهمة التنظير لـ "التربية على اللائكية" التي تستهدف أبناء المسلمين بالمدرسة الفرنسية. وبتتبع منشورات هذا الأخير خلال ثلاث سنوات الأخيرة حيث سلطت عليه الأضواء من قبل الصحافة الفرنسية نجده نسخة "مهجنة"من الهالك أركون (بلديه) وقد شهرت به الصحف اللائكية والمواقع الاليكترونية في أعقاب صدور كتيبه COMMENT SORTIR DE LA RELIGION أي ( كيف نخرج /أو نرتد عن الدين)الصادر أواخر 2012م وحتى لا أطيل أرجع الى موضوع نفخ الروح في هذا المرصد لأشير الى السبب المباشر لبعث "رميم" هذه المؤسسة التابعة لرئاسة الوزراء في هذه الدولة اللائكية المتعصبة، فأرجع قليلا الى الوراء الى عام 2007 حين منع الحجاب في المدارس الابتدائية والثانوية الفرنسية،فقد كان ذلك بدعوى أن التلميذات قاصرات يفرض عليهن الحجاب من آبائهن الذكور،لكن المنع لم يصل الى الجامعات لأن الطالبات يتجاوزن 18 سنة التي هي سن الرشد في القانون الفرنسي...،والآن نفخت الروح في هذا المرصد ليتولى ادارة الحملة على الزي الاسلامي بالكليات في مواجهة المحجبات الراشدات اللواتي لا يمكن أن يدعى أن الآباء يجبرونهن على الحجاب الشرعي. وحتى لا يظهر أن الحملة موجهة ضد المسلمين تم توجيه المجلة اليمينية الفرنسية (المراقب الجديد NOUVEL OBSERVATEUR ) خلال الأسبوع الأول من غشت الحالي لعمل استطلاع للرأي وسط قرائها لتخلص فيه الى أن غالبية الفرنسيين يرفضون الحجاب في الجامعة(وأغلب قراء المجلة معروف توجههم)،ومن تم يحمل الملف الى طاولة مداولات هذا المرصد اللائكي الذي لم يوجد سوى لمحاربة مظاهر الالتزام بأحكام الاسلام. ومن خلال " النتف" الاخبارية التي عربتها عن الموضوع بعض الجرائد والمجلات العربية مثل "الدستور" المصرية أتوقع أن تنتقل هذه "الصيحة الحداثية الجديدة" ليلوكها التائهون في العالم العربي الذين لا يدرون أين يصنفون أنفسهم: هل مع سدنة اللائكية أم في صفوف دعاة العلمانية؟؟

                                                تعليق


                                                • #24
                                                  الحلقة التاسعة

                                                  (9)
                                                  الفصل الخامس: المدخل الحداثي
                                                  المبحث الأول: المدخل التاريخي "الأسطوري":
                                                  المطلب الأول: الموقف العلماني:


                                                  يسعى فريق من العلمانيين لتحجيم دور القرآن الكريم وفاعليته في الحياة، ويتوجهون إلى إبعاد النص وآفاقه التاريخية عن الأمم والشعوب.
                                                  والهدف من سلك هو إثبات الخلف في أخبار القرآن، والطعن في صحتها.
                                                  1- طه حسين والموثوقية القرآنية، حيث طعن في خبر القرآن الكريم عن سيدنا إبراهيم وإسماعيل ، حيث قال: للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي إثبات وجودهما التاريخي.. لكنه تاب ورجع عن مثل هذه الأقوال.
                                                  2- محمد أحمد خلف الله، حيث نفى عن القرآن قصصه الحقيقية التاريخية، لكي لا يتناقض بنظره مع حقائق التاريخ، فيقول: إن التمسك بالتاريخ خطر على النبي وعلى القرآن، بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة.
                                                  3- الحداثة والأساطير: وتكلم الرويبضات: جاء بعده أركون الذي وصف القرآن بأنه أسطورة أو مجموعة من الأساطير، ومن ثم من وجهة نظر أركون أن قصة الخلق الإسلامية وقصص الأنبياء جميعها أحداث أسطورية تحاط بهالة من القداسة من أجل زحزحة الحدث التاريخي لصالح الأسطوري.
                                                  4- أساس "الأسطورة" وأوهام العلم:
                                                  إن التاريخ كعلم بنظر الخطاب العلماني لم يثبت شيئا من هذه الأساطير فليس هناك أي آثار تدل على وجود شخصية إبراهيم ، لذلك يرونه أسطورة كنعانية أو فارسية. وكذلك أنكروا وجود موسى وغير ذلك من أوهامهم.


                                                  ثانيًا: تعقيب ونقد:
                                                  1- مفهوم الأسطورة في القرآن، حيث جمع خلف الله الآيات التي تتحدث عن الأسطورة وزعم أن القرآن لم ينفي عن نفسه الأساطير، ولكن هذا خطأ فقد قال الله : وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين.
                                                  2- الأسطورة في المعهود العربي: الأسطورة عند المعاصرين للوحي هي الأكاذيب والأباطيل، أما عند خلف الله فهي الظواهر الخرافية.
                                                  ووصف المشركين للقرآن بأنه أساطير لا يختلف عن وصفهم له بأنه سحر أو شعر، أو أضغاث أحلام، فهو نوع من التشغيب واللغو الذي يعارضون به القرآن.
                                                  3- المفهوم الحداثي المراوغ للأسطورة: حيث قال خلف الله: أن القرآن في إعجازه كان يجري على أساس ما كانت العرب تعتقد وتتخيل لا على أساس الحقيقة والواقع العملي. وفي هذا النص وغيره من النصوص لأركون ونصر أبو زيد إشارة إلى خلفيتهم الماركسية التي يتعاملون على أساسها مع نصوص القرآن الكريم.
                                                  4- ظنية الأدلة الحفرية وخضوعها لتأويلات وخلفيات الباحثين:
                                                  الآن نسأل ما هي مستندات منقبي الأساطير التي يتبجحون بها، ويعتبرونها هي العلم، وخبر القرآن الكريم لا يرقى إلى مستوى هذا العلم، وإنما يصبح محلا لسخريتهم؟!
                                                  وهنا لابد من الإشارة إلى أن الحضارات والأمم مرت عبر تاريخها المديد بكثير من الكوارث والاندثارات التي من المحتمل جدًا أن تكون قد طمست كثيرا من هذه الأدلة التي يبحث عنها العلمانيون.
                                                  5- المقاربات اللفظية "هل يمكن التعويل عليها"؟
                                                  المستند الآخر الذي يعتمده منقبو الأساطير هو المقاربات اللغوية، وسنذكر مثال لذلك:
                                                  - مكة المكرمة أو الكعبة بالذات، ورد أن قبائل اليمن كانت تعبد إلها للقمر باسم "مقة" ولما انهار سد مأرب رحلت هذه القبائل إلى الجزيرة العربية ومعها معتقدها الوثني. ولكن البيت الحرام لا يسمى مكة وإنما الكعبة فأين الصلة بين الكعبة و"مقة".
                                                  هذا مثال للمقاربات اللفظية التي تقوم عليها بشكل أساسي أبحاث منقبي الأساطير.
                                                  6- إغفال البعد الزمني "لون من المخاتلة العلمانية".


                                                  المبحث الثاني: المدخل الأدبي:
                                                  المطلب الأول: الدعوة الخولية "لون من الاحتكار المنهجي".



                                                  عندما ركز الخولي على الجانب الأدبي واللغوي في القرآن، واعتبر المدخل الأساسي لفهم القرآن الكريم وفهم مقاصده لابد أن يتم عبر النظر إلى القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر وأثرها الأدبي العظيم قرر أنه لا يمكن أن نصل إلى مراد القرآن إلا حين تعتمد الدراسة الأدبية لكتاب العربية الأوحد دراسة صحيحة كاملة.
                                                  إلا أن الخولي لم يجعل هناك فرق بين النص القرآني والنص البشري، وأنزل كل العناصر التي ينظر من خلالها إلى النصوص الأدبية البشرية على النص القرآني بحجة أنه نص مكتوب باللغة العربية، فأصبح إنساني العبارة بشري الأسلوب جاء على سنن العرب في بلاغتها وبيانها.

                                                  المطلب الثاني: المنهج الأوحد "إقصاء واستبداد":
                                                  يرى أبو زيد أن الدراسة الأدبية للقرآن الكريم هي الكفيلة بتحقيق وعي علمي نتجاوز به موقف التوجيه الأيديولوجي السائد في ثقافتنا وفكرنا، ويرى أنه لابد من تطبيق منهج التحليل اللغوي للقرآن.
                                                  ويضيف أنه لابد من النظر للقرآن على أنه فضاء لغوي تعمل فيه عدة نماذج من الخطابات النبوية والتشريعية والقصصية وغيرها.

                                                  المطلب الثالث: تعقيب "لماذا الإقصاء للمناهج الأخرى؟".
                                                  إنه من المستهجن أن تقتصر دراسة النص القرآني على المنهج اللغوي دون غيره، خاصة وأن القرآن نص واسع يفيض عن كونه نصًا أدبيًا ليشكل فضاءًا تأويليًا وحدثا ثقافيا هائلًا.
                                                  فالتشبث بمنهج واحد والامتناع عن قبول فاعلية المناهج الأخرى يفضي إلى قصور منهجي ومعرفي.
                                                  ومن جوانب النص القرآني غير اللغوية:
                                                  - أن النص القرآني له فعله وامتداده في الزمن والتاريخ.
                                                  - أن له قوة السيطرة ونقض الأفكار المناوئة له.
                                                  - أن فيه مظهر لجلال الربوبية.

                                                  الباب الثالث: الأصول الحقيقية للتاريخية وانعكاساتها

                                                  الفصل الأول: النزعة الإنسية:
                                                  المبحث الأول: النزعة الإنسية في العالم الغربي:
                                                  المطلب الأول: بوادر الأنسنة:

                                                  كان بروتاغوراس قد اعتبر الإنسان مقياساً لجميع الأشياء، فتصدى له سقراط ثم تلاميذه من بعده حتى أُجهضت السفسطة البروتاغوراسية، وفي عهد شيشرون عرف اليونان فكرة التعليم المتوازن الذي يتناول مختلف المعارف الإنسانية.
                                                  وكانت الدراسات الإنسانية في القرن الخامس عشر تشير إلى دراسة القواعد اللغوية والبلاغة والتاريخ والآداب، والفلسفة الأخلاقية، إلا أن اسم الإنسانيين أو أصحاب النزعة الإنسانية قد كان يطلق على المفكرين الذين اهتموا بالإنسان في عصر النهضة وهم الذين " آمنوا بأن الإنسان معيار كل شيء، وأن كل إنسان معيار ذاته ".
                                                  واتجهت الأنظار لمركزة الإنسان بدلاً من الله وتمثل ذلك في:
                                                  - الاهتمام بالحياة الدنيوية.
                                                  - دفع المجتمع باتجاه التنافس والإبداع والمجد في هذا العالم.
                                                  - تبني معيار جديد للقيم علماني الطابع بحيث ينظر إلى العالم عن أنه نتاج لفعاليات الإنسان.
                                                  - التأكيد على ضرورة التعليم ومركزيته، والتعليم المقصود هو التعليم الدنيوي.
                                                  - التأكيد على قدرة الإنسان في مواجهة القدر.



                                                  المطلب الثاني: الفلسفات الإنسية:
                                                  يمكن إذا أردنا أن نشير إلى أبرز الفلسفات الإنسية أن نعتبر فلسفة سبينوزا تكريساً لهذا الاتجاه، وذلك عندما أنزل الإله من عليائه وأدمجه في الطبيعة وجعله مساوياً لها.
                                                  وتُصنَّف فلسفة فختة أو فشتة الألماني في هذا الاتجاه الإنسي الذي لا يقبل من الوحي إلا ما يتطابق مع العقل، وماهية الدين عنده أن يؤمن الإنسان بالنظام الخلقي.
                                                  وأما نيتشة فقد أعلن عن موت " الله [] من أجل أن يفسح المجال للإنسان.
                                                  أما في القرن العشرين فإن أبرز الفلسفات التي تمجد الإنسان هي الوجودية وقد عرضها سارتر في محاضراته على أنها مذهب إنساني مغلق أي أن الإنسان هو الخالق الوحيد للقيم في العالم، والإنسان متروك لذاته لكي يحقق ما يستطيع من القيم.


                                                  المبحث الثاني: الأنسنة في العالم العربي:
                                                  المطلب الأول: النسخ العربية:
                                                  النسخة الأولى:
                                                  القصيمية " النيتشوية " يمكننا أن نعتبر عبد الله القصيمي نيتشة العربي وإذا كانت الإنسية تعني تمجيد الإنسان على حساب الخالق فإن القصيمي قد بلغ الذروة في ذلك، وتفنن في التعبير عن جبروته وطغيانه، فيَعتبر القصيمي فكرة ألوهية المسيح دعوة لكل الناس إلى التأله، والارتفاع إلى مستوى الألوهية، وما انتصار الإنسان في الحضارة الحديثة على الأمراض المستعصية إلا خطوة في طريق ألوهية الإنسان.
                                                  النسخة الثانية:
                                                  د. عبد الرحمن بدوي " الوجودية " وهو أول وأبرز - فيما أعلم - من أدخل الوجودية كمذهب إنسي إلى الفكر العربي، وتابع أستاذه سارتر في التأكيد على محورية الإنسان، فالأنسنة عنده هي العود المحوري إلى الوجود الروحي الأصيل.
                                                  النسخة الثالثة:
                                                  الحسنفية " الفيورباخية و " السبينوزية ": يُعتبر المشروع الحسنفي [ نسبة إلى حسن حنفي ] نسخة ملفقة من مجموعة فلسفات غربية والجانب البارز فيه من هذه الفلسفات هو النزعة الإنسية، والتركيز على الإنسان.


                                                  المطلب الثاني: الأنسنة على الثوابت العقدية:
                                                  ليس من المهم أن نكتشف مدى الاجترار العلماني وخطورته، وإنما المهم أن نلاحظ أن مصادمة الثوابت هي السمة البارزة لهذا الاجترار.
                                                  نجد أن أبرز من يمثل النزعة الإنسية في تاريخنا عند دعاتها المعاصرين هم ثلة من الزنادقة والمُجَّان الذين ظهروا ثم اندثروا في الحضارة الإسلامية من أمثال بشار بن برد، وابن الراوندي، والرازي، وأبي نواس، ويُقدَّم هؤلاء على أنهم قادة الفكر والحرية والممثلين الحقيقيين للنزعة الإنسية في الفكر العربي، لأنهم جعلوا الإنسان مركز الوجود، وأعلوا من شأن العقل وفاعليته.
                                                  وكانوا – بنظر الخطاب العلماني - ثواراً إنسانيين في مواجهة الإسلام الذي يعتبرونه ضد الثورة، ولا يسمح بها، تلك الثورة التي تعني تغييراً في نظرة الإنسان إلى الكون والحياة.

                                                  من الواضح أن أهم ملمح تؤكد عليه النزعة الإنسية هو إنكار أي معرفة خارج الإنسان " كالوحي أو الدين " وتحقيق الإنسان لقواه وقدراته الخلاقة واعتبار السعادة الإنسانية غاية في ذاتها لا تتطلب أي تبريرات خارج الإنسان".


                                                  المطلب الثالث: خلاصة وتحليل:
                                                  إن المداخل التي يستند عليها الخطاب العلماني لقراءة النص القرآني قراءة " تاريخية " هي بالفعل مداخل أو أسس وهمية، وأن الأساس الحقيقي هو النزعة الإنسية التي بالغت في تمجيد العقل الإنساني، وإحلاله محل الوحي والإله .
                                                  وهكذا يبدو لنا بوضوح أن الأنسنة تعتبر ركيزة أساسية أولى في تحقيق القراءة التاريخية التي يتوخاها الخطاب العلماني للنص القرآني.

                                                  المبحث الثالث: الأنسنة والوحي:
                                                  المطلب الأول: الجذور الفلسفية والاستشراقية:
                                                  إن الهاجس الأساسي الذي يسيطر على الخطاب العلماني الوضعي هو استبعاد أي تفسير مفارق للوحي، وإقصاء أي مفهوم غيبي أو سماوي، وهو ما يعني قبول كل مفهوم يكرس بشرية الوحي.
                                                  الوحي عند علماء المسلمين هو إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي أو هو كلام الله تعالى المنزل على نبي من أنبيائه.
                                                  وأما عند الفلاسفة فالوحي: " إلقاء خفي من الأمر العقلي بإذن الله تعالى في النفوس البشرية المستعدة لقبول مثل هذا الإلقاء ".
                                                  وإذا كان عدد من المستشرقين قديماً وحديثاً قد اعتبر الوحي الذي يتنزل على النبي ـ ـ حالة مرضية بعضهم وصفها بالهستريا، وبعضهم وصفها بالصرع ثم بدأوا يتخلون عن ذلك منذ بداية القرن العشرين أمام الانتقادات التي وُجِّهت إليهم من داخل مدرستهم فإن بعض الباحثين العرب لا بد وأن يُعبروا عن استلابهم للآخر حتى وإن كانت أفكاره تعتبر من نفايات الفكر وحثالاته.
                                                  ومن هؤلاء هشام جعيط الذي يحلو له أن يردد مقولات فرويد وماكس فيبر حول النبوة فيعتبر حالة النبي ـ ـ التي يعيشها أثناء الوحي من النمط الاستلابي أو الاستحواذي أو الامتلاكي. وهي حالة مرضية تُصنَّف في الأمراض النفسية.

                                                  ثم يجعل - جعيط - الجنون أصلاً للوحي، والجنون في القرآن – بنظره - لا يعني الاختلاط العقلي وذهاب العقل والتمييز، وإنما يعني أن محمداً ـ ـ مسكون من الجن !!.


                                                  المطلب الثاني: الأنسنة والوحي الشعوري:
                                                  قال بعض المستشرقين إن الوحي المحمدي يمكن أن يكون شعوراً داخلياً، أو حالة نفسية وصلت إلى شعور محمد ـ ـ من لا شعوره وإلى وعيه من لا وعيه.
                                                  " ونصوص الوحي ذاتها نشأت في الشعور، إما الشعور العام الشامل، وهو ذات الله [] أو في الشعور المرسَل إليه وهو شعور الرسول ـ ـ أو شعور المتلقي للرسالة وهو شعور الإنسان العادي الذي يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقاً لما طلب ".
                                                  هذا هو مفهوم الوحي عند د.حسن حنفي لا يتجاوز كونه رد فعل انفعالي يشعر به أي إنسان حينما تواجهه مشكلة في حياته فيبحث لها عن حل. وعلى ذلك فلا يمكن أن ينقطع الوحي لأنه تعبير عن الطبيعة الإنسانية

                                                  هذه الرؤية الحسنفية للوحي القائمة على المنهج الشعوري " الوحي تجربة في شعور الرسول الذي يشعر بأزمة " والذي يحكم نظرتها إلى التراث ككل وليس إلى الوحي فقط هو بغض النظر عن كونه منهجاً مستعاراً من هوسرل كما يشير بعض الباحثين فإنه يؤدي إلى تفريغ الوحي من مضمونه.


                                                  المطلب الثالث: الوحي بين "الأشكلة" والزحزحة:
                                                  هذه الرؤية الحسنفية - السابقة - لا تختلف عن الرؤية الأركونية للوحي وخصوصاً إذا علمنا أن الوحي المستقر في المفهوم الإسلامي بنظر أركون مفهوم أسطوري ثُبِّت نتيجة البلورة التاريخية الطويلة والتعليم والتلقين المتواصلين، مع أن ذلك رُفِض من معاصري محمد ـ ـ المشركين.
                                                  وهو ما يجعل هاشم صالح - مترجم أركون - يعبر عن أسفه لأن العقل العلمي والفلسفي الحديث لم يحُلّ محل الوحي أو العقـل اللاهوتي في بلادنا الإسلامية في حين حصل هذا في الغرب، وهُجر مفهوم الوحي التقليدي من قِبل العقل العلمي.

                                                  ما هي الزحزحة التي ينجزها أركون وهل تختلف عما رآه حسن حنفي؟
                                                  ليس فيما يطرحه أركون إضافة على ما رأيناه عند حسن حنفي إلا في طريقة العرض والأداء والتي تسهم الترجمة أيضاً بدور في إبراز الإطار الذي تدور في فلكه، إنها الزحزحة من المفهوم الإسلامي للوحي، إلى المفهوم الوضعي الغربي المادي أو " الإنسي ".
                                                  فـ " الوحي ليس كلاماً معيارياً نازلاً من السماء من أجل إكراه البشر على تكرار نفس طقوس الطاعة والممارسة إلى ما لا نهاية، وإذا تأملنا في النص السابق نلاحظ أن:
                                                  - الوحي هنا بكل صراحة ليس معيارياً، أي ليس له حق الحاكمية والإلزام.

                                                  - الخطاب العلماني يريد أن يعيد المفاوضات من جديد بينه وبين الخالق ليقرر الإنسان بناء على نموه المعرفي ماذا يقبل وماذا يرفض من الوحي.


                                                  المطلب الرابع: خلاصة الموقف العلماني من الوحي:
                                                  يمكننا الآن أن نوجز الموقف العلماني من الوحي بالعناصر التالية:
                                                  - الوحي هجوم مباغت داخل الضمير، والجنون يمكن أن يعتبر أصلاً للوحي، والنبوة مطبوعة بشيء من العصاب.
                                                  - الهلس والهلوسة تفسيرات صحيحة للوحي ستسود ذات يوم في الفكر الإسلامي.
                                                  - الوحي يبدأ من اللاشعور، ثم يتحول إلى واقعة شعورية.
                                                  - الوحي حدوث معنى في الفضاء الداخلي للإنسان.
                                                  ومن الواضح أن هذه العناصر جميعاً ترد الوحي إلى الحيِّز الإنساني الوضعي، وتسعى جاهدة لجعل الوحي نابعاً من ذات الإنسان.



                                                  المطلب الخامس: تعقيب ونقد:
                                                  في البداية: من حقنا أن نسأل هنا: هل حقق العلمانيون الزحزحة المرادة أم أنهم يجترُّون كل ما ردده فلاسفة الغرب ومستشرقوهم حول الوحي؟
                                                  في الواقع لم يختلف الموقف العلماني عن الموقف الاستشراقي في هذا الصدد فلقد اتفق جل المستشرقين قديماً وحديثاً على أن الوحي لا يمكن أن يكون واقعة مستقلة عن كيان الرسول ـ ـ ونفسيته أو شعوره، وإن كانت اختلفت تعبيراتهم وصياغاتهم في ذلك فهو لدى بعضهم نوع من أنواع الصرع، ولدى آخرين نوع من أنواع الهوس.
                                                  ويمكننا القول بأن الرؤى العلمانية والاستشراقية التي عرضناها حول الوحي لم تأت بجديد حول مفهوم الوحي أو الاعتراض عليه، وإنما هو تكرار لمواقف المشركين المُحتارة والمضطربة في معارضة النبي ـ ـ، وإن كان ثمة جديد فهو الصياغات التي تُعرَض بها التفسيرات الحديثة.

                                                  الفصل الثاني: الماركسية:
                                                  المبحث الأول: الترويج الماركسي العربي
                                                  المطلب الأول: الماركسية والأنسنة:


                                                  إن الماركسية جزء جوهري في الأنسنة، إلا أن الماركسية أدخلت عناصر أخرى في فلسفتها جعلت الإنسان يصبح جزءًا من كل ما هو المادة.
                                                  وكانت محاربة الدين هي الخطوة الأساسية في الماركسية لتحقيق النجاح فتقد الدين هو الشرط الممهد لكل نقد.


                                                  المطلب الثاني: الماركسية المطلقة:
                                                  انخرط كثير من المثقفين والمفكرين العرب في التيار الماركسي، فإن 90% من العلمانيين العرب ربما يصنفون تحت الاتجاه الماركسي، ويرددون مقالاته.
                                                  ولكن الخطاب العلماني العربي لا تغريه إلا الحلول المستوردة من الشرق أو الغرب، فلذلك يعلن أحد الماركسيين المبكرين: وما زلت مقتنعا أن الأمة العربية الآن في حاجة إلى أن تتلمذ على الماركسية التاريخانية.
                                                  وتعد الماركسية هي السلاح الوحيد لمواجهة الماضي وفهم التاريخ بكيفية شاملة ومقنعة.


                                                  المطلب الثالث: مركسة الإسلام:
                                                  إن بعض الماركسيين رأى أنه لا جدوى من إظهار مجابهة صريحة مع الإسلام تؤدي إلى استفزاز ردود فعل مقاومِة، فهناك طريقة أكثر إجداءً يمكن استثمارها دون استثارة مباشرة وهي تفريغ الإسلام من مضمونه وإعادة حشوه بمضامين ماركسية.
                                                  وعلى هذا الأساس اعتُبر كارل ماركس لدى بعض العلمانيين ممثلاً للإسلام أصدق تمثيل في دعوته إلى إلغاء المؤسسة الدينية.

                                                  وكل أئمة العلم المادي والطبيعي يعتبرون أنفسهم من المتقين الموصوفين في القرآن بأنهم عباد الرحمن، هؤلاء هم ماركس وإنجلر وداروين لأن" أئمة المتقين في فرقان محمد ـ ـ هم أئمة العلم المادي وأئمة الناس الذين يؤمنون بالبينات المادية، وذوي التفكير العلمي البعيد من الخرافة ".
                                                  هذه هي الرؤية الماركسية الجدلية التي يراد لها أن تحكم الوجود بكل ذراته، وتفسر كل أسراره فـ " الطبيعة بحذافيرها من الجزئيات الدقيقة إلى الأجسام الضخمة، ومن حبة الرمل إلى الشمس أو من الخلية الأولى إلى الإنسان، كلها رهينة بدوام الظهور والاختفاء، هي في جريان لا ينقطع، وفي حركة وتبدل دائمين ". وهكذا يتم تفسير الوحي.


                                                  المبحث الثاني: المركسة والوحي:
                                                  المطلب الأول: الوحي الطبيعي والوحي الإنساني:


                                                  قلنا بأن المركسة جزء من الأنسنة إلا أنه في حين تؤكد الأنسنة على الإنسان والتفسير الإنسي أو الشعوري أو غير ذلك للوحي، فإن الماركسية تؤكد على الواقع. إنها الرؤية المادية التي تجعل المادة كل شيء، ومن ثم فالواقع من نتاج المادة.
                                                  فالماركسية تؤكد على أن أفكار الذهن انعكاس للأشياء بدلا من أن تكون الأشياء انعكاسا للفكر المطلق، يقول ماركس: أما أنا فأعتقد على العكس أن حركة الفكر ليست سوى انعكاس لحركة الواقع وقد انتقلت إلى ذهن الناس.
                                                  ومن هذا المنطلق اتجه الخطاب العلماني يؤسس رؤيته للوحي.
                                                  ومفهوم الوحي عندهم لا يتجاوز الفعل الانفعالي الذي يشعر به الإنسان حينما تواجهه مشكلة في حياته، وهي خاصية تسري على الإنسان العادي كما تسري على صاحب الرسالة. ومن هذا المنظور الوضعي للوحي تصبح الرسالة الإلهية ذات صبغة تاريخية، ويصبح بذلك الوحي تعبيرا عن الطبيعة الإنسانية.


                                                  المطلب الثاني: التنوير يعني المركسة:
                                                  إذا تأملنا لأوجه النجاح لسحن حنفي بنظر أبي زيد، وجدنا أنها:
                                                  1- تأويل عقيدة الألوهية على أساس أنها محاولات من الإنسان لتجاوز اغترابه في العالم.
                                                  2- تأكيد تاريخية الوحي وتحويله إلى خبرة بشرية وعلم إنساني.
                                                  إذا تأملنا هذه الأوجه وجدناها تنضح بالمركسية التي تحرك الخطابين البوزيدي والحسنفي.


                                                  المطلب الثالث: الوحي والقرآن منتجان ثقافيان:
                                                  يبحث حامد أبو زيد في الواقع عن مبررات لمركسة الوحي، وجعله إنتاجًا بشريا صدر من الواقع بصورة أفضل، نتيجة لقوانين الجدل والنفي الماركسية. ويستند أبو زيد أولا على مفهوم الخيال كما فعل الفلاسفة لجعل النبوة قريبة وفي متناول الإنسان. وبهذا الشكل تصبح النبوة مندمجة في الواقع، فهي إحدى التجليات المشتركة بين البشر، والتي يمكن عن طريقها التواصل بشكل أكثر عمقا مع العالم الخارجي.
                                                  وهكذا ينقب أبو زيد ويبحث عن جذور ثقافية في البيئة العربية ليفسر من خلالها ظاهرة الوحي، وقد عثر على ظاهرتي الشعر والكهانة واستند إليهما في أنهما يتفقان مع مسألة الوحي على القدرة على التخيل. وهذا المنهج هو نفس المنهج الذي يتبناه ماركس لمناهضة المنهج الهيجلي.
                                                  ويستعير أبو زيد الماركسية ليسقطها على النص القرآني حين يقول: إن النص في حقيقته وجوهوه منتج ثقافي، والمقصود بذلك أنه تشكل في الواقع والثقافة.

                                                  الفصل الثالث: الأصل الثالث: الهرمينوطيقا / الغنوصية
                                                  المبحث الأول: الهرمينوطيقا وإفرازاتها اللغوية الحديثة
                                                  المطلب الأول: تعريف الهرمينوطيقا:


                                                  " الهرمينوطيقا هي فن كشف الخطاب في الأثر الأدبي ". كما " تعني تقليدياً فن تأويل النصوص المقدسة الإلهية أو النصوص الدنيوية البشرية، وهي كذلك مساوية للتفسير أو للفلولوجيا بما هي تفسير حرفي أو نحوي وصرفي لغوي لبيان معاني الألفاظ والجمل والنصوص، وهذا ما يعرف بالتفسير اللفظي ".
                                                  وهـو مصطلح مستخدم في دوائر الدراسات اللاهـوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني.

                                                  لكن مع تطور نظرية النسبية أصبحت الهرمينوطيقا تُعنى بفن الفهم.
                                                  وتنتهي القراءة في الهرمينوطيقا إلى أن تصبح مفهوماً يمثل تصوراً أو فهماً معيناً للعالم والإنسان والتراث، ويعكس فكر القارئ ومنهج تعامله مع النص كوجود تاريخي، وممارسة للوجود والكون في شروط إمكان زمكانية، وتغدو القراءة بذلك عملية تأويلية وتفسيرية للوجود والكون.


                                                  المطلب الثاني: تاريخ الهرمونطيقا:
                                                  من أهم الشخصيات التي أسهمت في توسيع حقل الهرمينوطيقا والبحوث فيها هو شلاير ماخر الذي يعد أبا للتأويلات الحديثة والذي يعتمد على المنهج النفسي الذاتي في عملية الفهم.
                                                  ويليه في هذا الحق الهرمينوطيقي ديلتاي الذي يضيف إلى البعدين اللغوي والنفسي بعدا ثالثا هو التجربة التي يعيشها متلقي النص.
                                                  والشخصية الهرمينوطيقية الثالثة هو مارتن هيدغر الذي رأى في إطار تحليله لعلاقة الإنسان باللغة أن الأشياء تكشف نفسها من خلال اللغة.
                                                  أما غادامير فيعتبر العمل الفني أو النص كاللعبة يبدأ من المبدع أو اللاعب، وينتهي إلى المتلقي أو المتفرج من خلال وسيط محايد إلى حد كبير هو الشكل، ويرفض غادمير الوظيفة الدلالية للغة مثله مثل هيدغر ويؤكد على أن اللغة لا تشير إلى الأشياء، بل الأشياء تفصح عن نفسها من خلال اللغة.


                                                  المطلب الثالث: الهرمينوطيقا الخاصة:
                                                  في مقابل الهرمينوطيقا العامة التي اهتمت بتفسير الوجود تقوم هرمينوطيقا خاصة تركز بالذات على تفسير النصوص، ومن أبرز ممثليها بول ريكور الذي يُعوِّل كثيراً على التفسير الرمزي، وهو ما سيُعتَبر أساساً تقوم عليه الهرمينوطيقا، إذ يَعتبر ريكور الرمز وسيطاً شفافاً ينم عما وراءه من معنى.
                                                  وهناك طريقة أخرى يمثلها كل من فرويد وماركس ونيتشة كما يبين ريكورنفسه، وهي التعامل مع الرمز باعتباره حقيقة زائفة لا يجب الوثوق به، بل يجب إزالتها وصولاً إلى المعنى المختبئ وراءها.
                                                  ونصل الآن إلى هيرش الفيلسوف الأمريكي الذي حاول أن يُعيد الاعتبار للنص والمؤلف بعكس ما سبق أن قرر أسلافه الهرمينوطيقييين، ولكنه اتجه إلى التفرقة في النص بين المعنى والمغزى، فالنص الأدبي قد يختلف ولكن معناه ثابت، المغزى فقط هو المتغير من عصر إلى عصر، ولا يهمنـا في النص الأدبي ما يعنيه المؤلف أو ما كان يقصده، أو ما أراد أن يعبر عنه، إنما الذي يعنينا بحق هو المعنى كما يعبر عنه النص.
                                                  ونحن إذا تأملنا في الفكرة الأساسية لدى أغلب الفلاسفة الذين عرضنا لهم آنفاً نتبين بوضوح أن الفكرة الأساسية الشائعة لديهم والمتفق عليها أن النص خاضع لأفق القارئ، ومدى قدرته على استنطاقه، ومدى قدرته على الاستدعاء من خلاله.


                                                  المطلب الرابع: اللسانيات:
                                                  اللسانيات فرع من علوم اللغة الحديثة أرسى قواعدها العالم السويسري فرديناند دي سوسير وذلك في محاضراته التي أملاها على طلابه بين عامي 1907 – 1913م.
                                                  غير أن ولادة هذا العلم لدى كثير من الباحثين الغربيين ترجع إلى مائة سنة قبل سوسير وذلك لدى الألماني فرانز بوب سنة 1791، 1867 م. وتطورت على أيدي عدد من الباحثين فيما بعد.
                                                  تقوم اللسانيات على اعتبار اللغة مجموعة مصطلحات أو علامات ارتضاها المجتمع حتى يتيح للأفراد أن يمارسوا قدرتهم على التخاطب يقول دي سوسير " اللغة نتاج اجتماعي لملكة الكلام ومجموعة المواضعات التي يتبناها الكيان الاجتماعي ليمكن الأفراد من ممارسة هذه الملكة ".
                                                  إن ما نريـد أن نصل إليه هنا هو أن اللسانيات علم من علوم اللغة يقوم على النحو ويستند إليه. ويمكن لهذا العلم أن يكون حيادياً ويقوم بدوره في خدمة البحث اللغوي، وإثراء عمليات الاستدلال.
                                                  إن مفهوم العلامة في اللسانيات أتاح أو استُغل لكي يصبح أساساً تُبنى عليه النظريات اللغوية اللاحقة كالبنيوية والتفكيكية التي تقرأ في النص كل شيء وهو ما سيقرأ العلمانيون من خلاله النص القرآني.


                                                  المطلب الخامس: البنيوية:
                                                  جاء لفظ البنيوية من البنية، وهي كلمة تعني الكيفية التي شُيِّد عليها بناء ما، وبناء على ذلك أصبحت الكلمة تعني الكيفية التي تنتظم بها عناصر مجموعة ما، أي أنها تعني مجموعة العناصر المتماسكة فيما بينها بحيث يتوقف كل عنصر على باقي العناصر الأخرى.
                                                  و" تُعنى البنيـوية في معناها الواسع بدراسة ظواهر مختلفة كالمجتمعات والعقول واللغات والاداب والأساطير، فتنظر إلى كل ظاهرة من هذه الظواهر بوصفها نظاماً تاماً، أو كلا مترابطاً، أي بوصفها بنية، فتدرسها من حيث نسق ترابطها الداخلي.
                                                  أما في معناها الضيق والمألوف فالبنيوية محاولة لإيجاد نموذج لكلٍّ من بنية هذه الظواهر ووظيفتها، على غرار النموذج البنيوي للغة.
                                                  وقد انعكست الفلسفة الماركسية على المفهوم البنيوي وذلك عبر مقولتها في البنية الفوقية والبنية التحتية، فالبنية الفوقية هي " الأيديولوجيا " والدين والسياسة والثقافة والقانون، أما البنية التحتية أو القاعدة فهي القوى الاقتصادية والاجتماعية والعلاقات المتغيرة.


                                                  المطلب السادس: التفكيكية:
                                                  لم تعمِّر البنيوية كثيراً فقد دُفنت في سنة 1966م بعد محاضرة جاك دريدا المشهورة في مؤتمر جونزهوبكنز والتي تعتبر أساس ما يعرف الآن بالتفكيك.
                                                  لقد استطاع التفكيك أن يسهم في زعزعة المسلمات التقليدية الميتافيزيقية الغربية إلا أنه وصل إلى دوامة محيِّرة، إذ إن دريدا لم يطرح بديلاً عن هذه المسلمات بعد أن قوّضها، بل إن البديل نفسه كما يرى دريدا لا بد يتسم بسمات الميتافيزيقا لا محالة.
                                                  لقد انبثق التفكيك على يد دريدا بعد قراءة لفلسفات أفلاطون وكانط وهيجل وروسو ونيتشة وهوسرل وهايدغر.
                                                  من هنا يمكننا أن نؤكـد أيضاً أن التفكيك في الواقع لا ينفصل عن محيطه الفلسفي الذي نشأ فيه، ولا يمكن فصله عن الشك السائد في الفلسفة الغربية.


                                                  المبحث الثاني: أسس القراءة الهرمينوطيقية
                                                  أهم هذه الأسس:
                                                  أولاً – انعدام البراءة في القراءة " وكل قراءة هي إساءة قراءة: إن من أخطر الأفكار التي شاعت بعد سيطرة الحداثة وما بعدها هو أن القراءة لا يمكن أن تكون بريئة، بهذا الشكل تصبح القراءة عملية تغيير للحقيقة، وليست نقلاً أو تفسيراً لها، إن خلق القراءة وهو فعل تنبؤي وبلاغي ينتج عن خطأ، إنه حالة الحافة، ولذلك فكل القراءات خطأ قراءات بالضرورة لأن النصوص غير قابلة للقراءة.

                                                  وهكذا فالقراءة بالمفهوم البنيوي والتفكيكي لا يمكن أن تكون بريئة، وهو ما أكده ممثلو البنيوية بشكل دائم. وعدم وجود قراءة بريئة لا يعني أن القراءة خاطئة، فلا توجد قراءة خاطئة لأنه لا وجود لقراءة صحيحة أصلاً.
                                                  ثانياً - موت المؤلف:
                                                  يمكن القول إن الفلسفة الغربية أماتت الله [] من أجل أن تحيي الإنسان وترفع من قدره وتتيح له الحرية الكاملة في تفسير الكون وإنكار غائيته، ولكن الإنسان فشل بعد ذلك فقتلته البنيوية وأزاحته عن المركز، وكذلك قتلت الفلسفات اللغوية المؤلف من أجل أن تُتيح للقارئ أكبر قدر ممكن من الحرية والإبداع ولكن ذلك أدى في النهاية إلى موت المؤلف في البنيوية ثم موته مع نصه في التفكيكية.

                                                  ثالثاً - خرافة القصدية: شاع مصطلح " خرافة القصدية " منـذ استخدمها كلينث بروكس لأول مرة سنة 1954م " وكان الهدف من ذلك تحقيق درجة من الموضوعية العلمية القائمة على التجرد من الذات.
                                                  ولكن نقاد الحداثة والتفكيكيين على وجه الخصوص طوروا مبدأ انتفاء القصدية إلى درجة من فوضى التفسير، فقصد المؤلف غير موجود في النص، والنص نفسه لا وجـود له، وفي وجود ذلك الفراغ الجديد الذي جاء مع موت المؤلف وغياب النص تصبح قـراءة القـارئ هي الحضـور الوحيد ويصبح القراء أحراراً في قراءة النص لهم أن يفعلوا به ما يشاؤون، ولهم أن يتجاهلوا قصد المؤلف، وأن يقوِّلوا النص ما يريدون.
                                                  رابعاً - لا نهائية المعنى:
                                                  إذا كان المؤلف قد مات، والبحث عن مقاصده وهم، ولا توجد قراءة بريئة، واللغة نظام من الرموز والإشارات، فإن النهاية لابد أن تكون " لا نهائية المعنى "، وهي عبارة تساوي في حقيقتها رغم التناقض الظاهري "نهائية المعنى ".

                                                  ولم يعد المقصود من قراءة النص هو الوصول إلى معنى أو البحث عن العمق لأنه " ليس ثمة عمق لذلك، فالمطلوب هو أن نجوب فضاء الكتابة لا أن نخترقه والكتابة تضع المعنى باستمرار، ولكن قصدها من ذلك هو تبخيره.
                                                  إن هذا هو جوهر التفكيك حيث يغيب المركز الثابت للنص، وهكذا فالمبدأ الأساسي الذي يسيطر على عملية الفهم المعاصرة هو الإعراض عن قوانين التأويل ونظام الخطاب.
                                                  و يلخص هارتمان بكلمة مختصرة علاقة القارئ بالنص في الفكر الحداثي حين يقول: " إن من حق القارئ العنيد أن يجد في النص ما يصبو إليه " وهكذا يريد العلمانيون من القرآن الكريم.
                                                  خامساً - التناص:
                                                  ويقال أحياناً "البين نصية " وهما بنفس المعنى ترجمة لكلمة واحدة هي intertexfuality التناص أو البين نصية كلمة مناقضة لـ " النصية ".

                                                  أما التناص فهو نقيض ذلك تماماً فالنص ليس تشكيلاً مغلقاً أو نهائياً، ولكنه يحمل آثار نصوص سابقة تسهم في تشكيله.
                                                  و النص على ذلك ليس ذاتاً مستقلة أو مادة موحدة، ولكنه سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى، ومقتطفات أخرى، يحتوي على كم هائل من الأفكار والمعتقدات والإرجاعات التي لا تتآلف، تشكلت من نصوص سابقة، وتسهم في تشكيل نصوص لاحقة.
                                                  سادساً - الفراغات:
                                                  ميشال فوكو الذي يعتبره البعض مخترع نظرية الفراغ يحدد معنى هذه المقولة بقوله: " إن وراء كل بداية مظهرية يكمن دائماً وباستمرار أصل خفي، بلغ من الخفاء والعمق حداً يصعب معه علينا تملكه وإحكام القبضة عليه، حتى أننا لننساق رغما عنا عبر وهم سذاجة التسلسل التاريخي والزماني للأحداث نحو نقطة تتباعد بشكل محدود نحو نقطة لم يعرف لها التاريخ مكاناً ولا زمناً، أي نقطة لن تكون سوى فراغ.

                                                  سابعاً - الرمزية:
                                                  إن كل ما سبق يستند في أساسه على اعتبار اللغة نظاماً من العلامات والرموز والإشارات الاعتباطية.

                                                  المبحث الثالث: العلاقة بين التأويل العلماني العربي والهرمينوطيقا الغربية
                                                  المطلب الأول: الهرمينوطيقا المطعمة بالماركسية:


                                                  من خلال منظور هرمينوطيقي يبدأ ويقرر الخطاب العلماني أن يقرأ النص القرآني بناءً على مقررات فوكو وباختين وبارت وريكور ودريدا، محيِّداً بذلك الشافعي ومالك وأبو حنيفة والغزالي والرازي وغيرهم.
                                                  فالهرمينوطيقا بنظر هذا الخطاب ليست ضرورية لفهم النصوص الأدبية فقط بل لفهم القرآن الكريم يقول د. أبو زيد: " وتعد الهرمينوطيقا الجدلية عند غادامر بعد تعديلها من خلال منظور جدلي مادي نقطة بدء أصيلة للنظر إلى علاقة المفسر بالنص لا في النصوص الأدبية ونظرية الأدب فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الديني حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره حتى الآن ".

                                                  إن تيزيني أيضاً يفضل منهج باختين في دراسة النص القرآني لأن هرمينوطيقيته مطعَّمة بالمنهج الجدلي التاريخي المادي بعكس فوكو الذي يميل منهجه إلى الميتافيزيقا التجزيئية وبالتالي لا نستفيد كثيراً من طبقاته الرسوبية.
                                                  وهكذا يظل الخطاب العلماني ممثلاً بأبي زيد والتيزيني وفياً " لأيديولوجيته " الماركسية ومخلصاً لها.



                                                  المطلب الثاني: الهرمينوطيقا لتقويض قداسة القرآن الكريم:
                                                  إن الهرمينوطيقا اختُرعت في الأصل لقراءة النصوص الأدبية والشعرية، ولكن القـرآن الكريم يُقرأ لكي يُفهم وتقوم عليه عقيدة وشريعة وسلوك في المقام الأول، أما ما يتحصل بعد ذلك من فوائد أخرى رمزية أو تخييلية أو إشارية فهي تابعة للمقاصد الأولى والأساسية والجوهرية، ويجب أن لا تتناقض معها أو تُصادمها.
                                                  إن قداسة القرآن هي بعد بدهي لا يمكن لأي مسلم أن يتجاوزه أو يَغضَّ الطرف عنه، ولا بد لكل مسلم حتى يكون مسلماً أن ينطوي في قلبه على تبجيل شديد لكتاب الله ، وتمجيد وتعظيم لكلماته .

                                                  لكن الخطاب العلماني لا يعجبه ذلك، فقداسة القرآن حاجز بينه وبين العبث، وسد عظيم يحول بينه وبين اللعب، وليس أي لعب بل اللعب الحر، ولذلك فهو يبحث بين المناهج الحديثة عن أكثر المناهج إجداء في تحطيم هذه القداسة وتهشيمها فوجد ذلك بحسب تصوره في اللسانيات فهي أولاً - بحسب ظنه – " ساهمت في تقويض أُحادية المعنى للنص الديني، وجعلته يخضع لفهم القارئ وظروفه وقدرته على توليد المعنى ".


                                                  المطلب الثالث: لتنطع والتفيهق الكاذب:
                                                  لا تختلف لسانيات أركون عن أدبيات أبي زيد فالغاية لديهما جميعاً واحدة وهي زحزحة قداسة النص وطمس البعد الإلهي فيه، ودمجه في مجموعة النصوص المعاصرة له ليكون منتَجاً ثقافياً ولكنه " يعيد إنتاج الثقافة ".
                                                  ولذلك فليس في لسانيات أركون من إضافة أو جديد، لأنه يمكن لأي منهج أن يحقق الغاية التي يريدها أركون أو أبو زيد إذا انطوت خلفية الباحث على إيمان مزعزع، أو اعتقاد متذبذب متشكك، ولكن لابد من الإشارة إلى أن التبجح المستمر لأركون باللسانيات والسيميائيات وغيرها من المناهج إذا ما اطلع عليه الباحث في كل دراساته وبحوثه وأراد أن يجمعه فإنه لا يجد إلا نُتَـفاً مبعثرة منقولة عن بعض الباحثين الغربيين.

                                                  المبحث الرابع: العلمانية والغنوصية الهرمسية:
                                                  المطلب الأول – العلاقة بين الهرمينوطيقا والغنوصية:


                                                  كما رأينا في الهرمينوطيقا أن العلامات والرموز هي الأساس الذي تتكون منه اللغة، ولا عبرة بأي قواعد أو أنظمة يتعارف عليها الناس للخطاب، فهي إذن تتمرد على النظام الاجتماعي والمعرفي السائد بين الناس والذي يشكل أساس التواصل بين الناس.
                                                  كذلك فإن الهرمسية التي ظهرت في القرن الثاني الميلادي فإنها تمردت على القوانين العقليـة التي كانت سائدة لدى اليونان مثل مبدأ الهوية، ومبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع فكان هرمس كائناً متقلباً وغامضاً فهو أبٌ لكل الفنون، ورب لكل اللصوص، وكان شاباً وشيخاً في نفس الوقت.
                                                  فالهرمسية على مبدأ المماثلة والتناظر وإذا كانت المماثلة في القياس الأصولي تستند على العلة أو القرينة فإنها في المماثلة الغنوصية والهرمسية تتحرر من هذا القيد فالجواز من اللفظ إلى المعنى أو من الظاهر إلى الباطن في التأويل الغنوصي يتم بدون جسر، وبدون واسطة، فهو قياس ولكنه عشوائي وبدون جامع أو ضابط.

                                                  المطلب الثاني - العلاقة بين العلمانية العربية والغنوصية:
                                                  1- التواصل المنهجي التنظيري:
                                                  برغم أن الغنوصية تقوم على العرفان والكشف بزعم أهلها، وأن العلمانية تقوم على العقل بزعم أهلها أيضاً إلا أن اللقاء بين الطائفتين يكاد يكون تاماً على مستوى الوسائل والغايات والمسالك والنهايات.
                                                  وإذا كان العلمانيون يعوِّلون على التأويل ويفضلونه على التفسير، كذلك الباطنيون يعتبرون التفسير يؤدي إلى الاختلاف، أما التأويل الباطني فهو نظام ثابت عقلي عملي يوافق المجتمع.
                                                  لقد أول الباطنيون كل " دعائم الإسلام " وأركانه وشعائره عن طريق فكرة الظاهر والباطن وذلك عندما اعتبروا أن الظاهر بمنزلة القشر والباطن بمنزلة اللب، وأنه لا يستقيم الباطن إلا بالظاهر الذي هو جثته الهامدة - كما يؤكد العلمانيون دائماً - ولكنه دليل عليه، لأنه لا يصلح جسم إلا بروح ولا روح إلا بجسم.
                                                  لا يختلف الظاهر والباطن في مفهوم الباطنية عن المعنى والمغزى في المفهوم العلماني، فكلاهما يقفز إلى التأويل الذي يرتضيه منهجه متجاوزاً القرينة والدليل والسياق وبالإضافة إلى تجاوزه للإجماع وما هو معلوم من الدين بالضرورة.
                                                  إن هذا الذي يتحدث عنه الخطاب العلماني ويسميه ما بين السطور، وما يخفيه النص هو الباطن الذي يتحدث عنه الباطنية " إنه لا بد لكل محسوس من ظاهر وباطن، فظاهره ما تقع عليه الحواس، وباطنه ما يحويه، ويحيط العلـم به، فالجسد هو الظاهر والروح هو الباطن ".
                                                  2- التواصل العملي التطبيقي:
                                                  وهكذا فقط أسقط الباطنيون كل عقائد الإسلام فوجود الله عندهم أقرب إلى العدم إن لم يكن هو العدم، فهو - - عندهم لا يوصف بأي صفة من الصفات حتى بالوجود، لأنه بائن عن خلقه في كل ذلك.
                                                  إن الخطاب العلماني يسير على خطا أسلافه الباطنية في هذه المسألة فالله مفهوم بلا ما صدق. ولا يمكن لأحد أن يتحدث عن الله، ولا يحق لأحد أن يتحدث باسمه، فإذا كان الله عند الباطنية هو العقـل الكلي فهو عند العلمانيين المطلق " الذي يتعذر على المنال.
                                                  وهكذا يمكن أن نؤكد الآن أن الغنوصية والعلمانية العربية بالإضافة إلى الهرمينوطيقا الغربية تتحالف جميعاً لكسر معنى الخطاب وتمييعه عن طريق فكرة الرمزية والعلامة.
                                                  3- التواصل الشعوري التضامني:
                                                  إن هذا التواصل بين الغنوصية والعلمانية قائم على أشده على مستوى الشعور والتضامن، فنجد أن الخطاب العلماني يتبنى الاتجاهات الغنوصية في التاريخ الإسلامي ويرتمي في أحضانها، فالحلاج وابن عربيوالسهروردي وابن سبعين والشيرازي والتوحيدي كل واحد من هؤلاء نجد له متيَّماً في الخطاب العلماني يتبناه، ويتخذه مثلاً يحتذي به ويشيد بالاتجاه الغنوصي في فلسفته.
                                                  هذه الثلة الباطنية الغنوصية – بنظر ورثتهم العلمانيين- كانت تمثل الثورة الثقافية في الإسلام لأنها تقوم على أن العقل قبل النقل، والحقيقة قبل الشريعة، والإبداع قبل الاتباع.
                                                  وبذلك تلتقي الغنوصية والعلمانية أخيراً عند محطة العقل، ولكنه العقل الغريزي.
                                                  المبحث الخامس: تعقيب "نقد وتحليل".
                                                  المطلب الأول – أزمة المصطلح العلماني:

                                                  إن المصطلح النقدي الحداثي في الغرب يستمد القدر الأعظم من دلالته من الخلفية الفلسفية الفكرية الغربية، إن هذه صورة حقيقية لواقع العلمانيين العرب فتجدهم في مؤتمراتهم وندواتهم يتحدثون عن كل شيء، وتجد الواحد منهم وكأنه متخصص في كل شيء، فهو يجب أن يعقب على كل شيء، وليس من المهم أن يقول شيئاً، إنما المهم أن يقف ويتكلم ويلفت الأنظار إلى نفسه، أما ما يقوله فليس من الضروري أن يكون له معنى يلتزم به، فالمعنى مُرجَأ يتحدد بحسب ردود الفعل، واللغة لا تعني شيئاً محدداً.


                                                  المطلب الثاني – المتاهة الغنوصية/ العلمانية اللانهائية "صورة حقيقية للقراءة العلمانية":
                                                  إن التفكيكية التي ينطلق منها الخطاب الغربي ترفض الاعتراف بأي حقيقة للكون " فكل حقيقة حاضرة "، وتكرس مبدأ النسبية المطلقة في الفكر أولاً، معتمدة في ذلك على التلاعبات البلاغية النيتشوية بالألفاظ.
                                                  هـذه النسبية التي يحاول الخطاب العلماني دائماً أن يتذرع بضرورتها بسبب احتمالية اللغة، وبشريتها وتنوع المخاطبين، واختلاف عقولهم واتجاهاتهم وأفكارهم وميولهم، ليست في الحقيقة نابعة من اللغة، لأن اللغة في الغالب تحدد مرادها من خلال القرائن والسياق.
                                                  إن الغاية من قراءتنا لكتاب الله هي الفهم أولاً، والعمل ثانياً، والتعبد ثالثاً. أما في الأدب والفن فليس الفهم هو المهم، وإنما النقد والاكتشاف، أصبح المنهج والطريقة هما الغاية أما الفهم والتفسير بحد ذاته فليس مطلباً. إن الغاية هي إظهار القارئ لقدرته وبراعته في التعامل مع النص والعبث به.
                                                  و الواقع الثقافي العربي والإسلامي يرفض هذا الترف بل العبث الفكري.

                                                  المطلب الثالث – التناظر والعلامة والمواضعة الاجتماعية:
                                                  تستند العلمانية العربية في قراءتها للقرآن الكريم على أصلين هما: الغنوصية، والهرمينوطيقا، وكلتاهما - كما رأينا - تقومان على العلامات والرموز، وتعتبران الرمز أو العلامة دلالة إيحائية يمكن أن تثير فيمن يتعامل معها علامات ودلالات أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية.
                                                  إن الاعتماد على قدرة العلامات والرموز على الإيحاء، والانتقال من حد إلى حد، وانتشار الإيحاءات بشكل توالدي أو سرطاني لا يمكن أن يخضع لأية معايير تضبطه، وبالتالي فلا قيمة له، لأن ذلك خاص بكل شخص وما يكتنزه في ذاكرته أو خياله من مشابهات، وما يعقده في نفسه من تناظرات.
                                                  إن هذا لا ينتج معنى أكثر ثراء كما يحلو للمدافعين عن هذا الموقف أن يعتقدوا، بل لا معنى على الإطلاق. إن علامة لا يمكن تحديدها بشيء معين لا تدل على شيء على الإطلاق. إن الغموض في العلامات يولِّد اختزالاً للمعنى وليس زيادته، والغموض الكامل واللاتحديد الكامل للتدليل هو النقطة التي نصل عندها إلى صفر الدلالة.

                                                  المطلب الرابع – التناظر والانتقال المزيف:
                                                  لقد أعدنا مراراً الحديث عن مفهوم العلامة والرمز والتناظر لأنه مدخل أساسي يعتمد عليه الخطاب العلماني في قراءة النصوص والتراثات البشرية عموماً، وهو الجسر الذي يتواصل من خلاله العلمانيون والغنوصيون وقد تجلى ذلك بشكل خاص في البحوث التأويلية والأسطورية التي اشتغل عليها الخطاب العلماني.
                                                  إن هذا التناظر الذي يتحدث عنه القمني وغيره من الأسطوريين يستند إلى مبدأ هرمسي يسميه إمبرتو إيكو " مبدأ الانتقال المزيف ".
                                                  هذا الانتقال الغنوصي المزيَّف هو الذي يمارسه القمني وثلة الأسطوريين في كل دراساتهم.


                                                  يتبع ..


                                                  تعليق


                                                  • #25
                                                    الحلقة العاشرة والأخيرة

                                                    (10)
                                                    الفصل الرابع: انعكاسات التاريخية على الرسالة القرآنية:
                                                    المبحث الأول: زحزحة الثوابت ونفي المقدس:
                                                    المطلب الأول: زحزحة الثوابت:


                                                    لا مجال في الخطاب العلماني للحديث عن الثوابت واليقينيات، فلا بد - بنظره - لتحقيق التقدم والنهضة من خلخلة القناعات وزحزحة المعتقدات، واختراق الممنوعات السائدة، وانتهاك المحرمات والتمرد على الرقابة الاجتماعية، وإعادة النظـر في كل المسلمـات التراثية والعقائد الدينية التي يتلقاها المسلم منذ الطفولة.
                                                    ولذلك لا مانع من انتهاك القيم السائدة والخروج عليها من أجل تقدم المعرفة، وذلك بهدم الأسوار والحصون التي شيدها الفكر المستقيل والمنغلق على ذاته بسياج دوغمائي مجمَّد وذلك كما فعل المفكرون الأحرار الذين رفضوا الدين جملة وتفصيلاً، ومع ذلك فهم لم يخرجوا عن الإسلام وإنما عن فهم ضيق قسري شكلاني سطحي للإسلام.
                                                    ولن يتم ذلك إلا بتطبيق منهجية النقد التاريخي على التراث العربي والإسلامي، لا بد أن تسـير في نفس الطريق الذي سـارت فيه أوربا، ولا بد أن تَهـزَّ المسلمين، ولا بد أن يدفعـوا الثمن، والسبيـل إلى هـذا الأمل هو التخلص من سلطة النصوص المغلقة، والتحرر من قال الله وقال الرسول، والتحرر من سلطة السلف، والإجماع، والقياس..
                                                    وهكذا تلتقي العلمانية مع الغنوصية والباطنية في بداية الطريق ونهايته.


                                                    المطلب الثاني: نفي المقدس:
                                                    الخطاب العلماني - كما رأينا - يرفض أن تكون هناك محرمات أو مقدسات لأن المقدس أو المحرم أولاً يحاصر العقل ويحول بينه وبين الانطلاق، ويسبب له عملية كبت.
                                                    ولذلك يمكن اعتبار التنوير أعظم ثورة في تاريخ البشرية لأنها تربي البشرية على اجتثاث هذه الجريمة. إن التربية التنويرية هي التي يجب أن تعم بيوتنا ومدارسنا وعقولنا لكي تُنتِج الشعب الشجاع القادر على تجاوز الحدود التي يفرضها المقدس ونبذ الخوف منه.
                                                    و يحلم الخطاب العلماني بانزياح هذه الأنظمة الكبرى المتمثلة في الأديان من دائرة التقديس والغيب باتجاه الركائز والدعامات التي لا زال العلم الحديث يواصل اكتشافها.


                                                    المبحث الثاني: انتهاك قداسة القرآن:
                                                    المطلب الأول: الأنسنة ونزع القداسة:


                                                    إن القرآن – بنظر الخطاب العلماني لأنه متعالي لا تاريخي – فهو يسيطر على عواطف الناس وعقـولهم، ويزيح الموضوعية مقدماً، ويطالب بالتسليم المطلق، ويختار قراءه منذ البداية، ويستولي على مشاعر القارئ والسامع بحيث يحاصره في سلفوية ماضوية، فيفصل الواقع عن الإنسان، ويصبح المثال بدل الواقع، ويتغلب التأثر بالعاطفة على الفهم والعقل.
                                                    و يريد الخطاب العلماني نزع هالة القداسة عن الوحي بتعرية آليات الأسطرة والتعالي والتقديس التي يمارسها الخطاب القرآني، وذلك بأن ننظر إلى القرآن ليس على أنه كلامٌ آتٍ من فوق، وإنما على أنه حدث واقعي تماماً كوقائع الفيزياء والبيولوجيا، أو أن ندرسه بوصفه نصاً فقط ونصاً لغوياً دون أي اعتبار لبعده الإلهي لأن الإيمان بوجود ميتافيزيقي سابق على النص يعكِّر كون النص منتَجاً ثقافياً، ويعكر الفهم العلمي له.
                                                    ومن هنا يمتدح الخطاب العلماني أركون لأنه " حررنا من الهيبة الساحقة للنص...هذه الهيبة التي تحجب عنا حقيقة ماديته اللغوية "، وهو ما يعلنه أركون حين يقول: " عملي يقوم على إخضاع القرآن لمحك النقد التاريخي المقارن ".
                                                    هكذا تكلم العلمانيون..وهذا هو رأيهم في القرآن بشكل عام وهم يوظفون لإزاحة قداسة القرآن الكريم مناهج مختلفة ماركسية وإنسية وهرمينوطيقية دون اعتبار لقداسته ودون اعتبار لكونه كلام الله .


                                                    المطلب الثاني: نقد القرآن:
                                                    الخطاب العلماني يكرر كثيراً الدعوة إلى نقد القرآن وإخضاعه للتحليل والتفكيك ، ويرى أن نقد القرآن من المناطق المحرمة في فكرنا، مع أن هذا النقد ضروري ولا بد منه لكي يحافظ الإنسان على تماسكه المنهجي أو العقلي.
                                                    و النقد في المفهوم العلماني حتى يكون نقداً يجب أن يخرج بنتائج مناقضة للقرآن ومضادة لتعاليمه، فكل نقد يرسخ المعاني القرآنية ويؤكدها هو نقد تقليدي أيديولوجي تبجيلي، أما النقد الذي يرفض بعض العقائد القرآنية أو يسخر منها أو يستهزئ بالقرآن الكريم فهو الذي يسمى نقداً تنويرياً.
                                                    ومن هنا فإن النقد في الخطاب العلماني يجب أن يقوم على الهدم والتشكيك والنقض والتفكيك لأن خلفيته الفلسفية تقوم على هذه الأسس.
                                                    وهكذا يحسم الخطاب العلماني موقفه مستخدماً كل أشكال المصادرة والنفي والإقصاء والفاشية هذه الأوصاف التي لا يكف عن وصم الآخرين بها.


                                                    المطلب الثالث: القرآن الكريم تحت مطرقة النقد العبثي العلماني:

                                                    ينطلق الخطاب العلماني في تعامله مع القرآن الكريم من خلال عدة أسس هي:
                                                    1- الأنسنة: فالنص القرآني بنظر هذا الخطاب قد تأنسن منذ أن تلفظ به النبي وتحول منذ تلك اللحظة من كتاب تنزيل إلى كتاب تأويل.
                                                    2- المركسة: فالنص " منتَج ثقافي " و "يعيد إنتاج الثقافة ".
                                                    3- النسبية: حيث يصبح النص قابلاً لكل الأفهام، وليس له معنى محدداً.
                                                    من خلال هذه الخلفية الفلسفية ينطلق الخطاب العلماني يقرأ القرآن الكريم ويطمئننا بأننا يجب أن لا نخشى تطبيق العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة وخصوصاً علم الأديان المقارن على النص القرآني.
                                                    وإذا تعاملنا مع كتاب الله بهذا المنهج – منهج التحليل اللغوي المعاصر – فإننا قد نستخلص ما يتنافى وعقيدتنا فهل نتجاهل ذلك وندفن رؤوسنا في الرمال؟! وهل نخشى على كتاب الله؟!
                                                    بالطبع نحن لا نخشى على كتاب الله ، ولا نخشى من العبث به لأنه محفوظ من العبث وإنما نخشى من العبث بالعقول، وتزوير الحقائق، وترويج الأكاذيب.
                                                    من خلال الأسس السابقة يفسح الخطاب العلماني المجال لنفسه لكي يصف القرآن الكريم بكل الأوصاف المنحطة، ويتجلى ذلك في:
                                                    أولا: أدلجة القرآن:

                                                    كما رأينا طرفاً من ذلك في الفقرة السابقة فالقرآن له دوافع خفية دنيوية أهمها تكريس السلطـة النبوية، وإضفاء المشروعية على أفعال النبي، وإكراه الناس على الخضوع والطاعة.
                                                    أما المؤمنون فيرون أن القرآن في نزوله عند الأحداث " أسباب النزول " ومتابعته لحركة المجتمع يقصد التثبيت لفؤاد النبي كما يقرر القرآن بصراحة.
                                                    ثانياً – تمييع التفرد القرآني:
                                                    1- دمجه في إطار النصوص المحرفة والمزورة.
                                                    2- دمجه في إطار النصوص الإنسية البشرية.
                                                    3- تمييع مفهوم الإعجاز.


                                                    المبحث الثالث: العلمانيون والتحريف
                                                    المطلب الأول: المتن القرآني والتزوير العلماني:

                                                    1- صورة المسألة عند محمد أركون: يعرف أركون القرآن بأنه مجموعة محدودة ومفتوحة من النصوص باللغة العربية يمكن أن نصل إليها ماثلة في النص المثبت إملائيا.
                                                    فإن القرآن الذي لدينا – بنظر أركون – هو الصورة التقليدية لتشكل المصحف وشخصيات الصحابة، ويجب علينا أن نبحث عن الصورة التاريخية أي الحقيقية أي العقلانية.
                                                    ويرى أركون أن النص القرآني ليس مكتمل وأن المصحف لا يشتمل على كل ما نزل من الوحي، ويعبر عن موقفه هذا فيقول: على الرغم من أن المدونة القرآنية أصبحت مغلقة نهائيًا، فإننا نستطيع تاريخيا أن نقبل بأنها تظل مفتوحة على التحسينات النصية التي قد يقدمها النقد اللغوي أو التاريخي.
                                                    فالمطلوب منا بنظر أركون أن نعيد تحقيق القرآن الكريم، وكتابته من جديد، وقراءته قراءة ألسنية كباقي الكتب.
                                                    2- الرأي عند بقية الثلة العلمانية:
                                                    يندر أن نجد علمانيا يعترف بالحفظ الإلهي للقرآن، ويسلم بسلامته من التحريف، ويقر بإجماع الأمة على ذلك..
                                                    فهذا طيب تنزاني يدعي أن القرآن جمع تحت صعوبات كثيرة وفي ظروف سياسية صعبة، مما أدى إلى اختراق المتن القرآني اختراقات هائلة زيادة ونقصا.
                                                    لقد أصبح الحديث عن جمع القرآن من هذا المنظور الاستشراقي هواية للعلمانيين لأنها تحقق لهم بعض المكاسب من الشهرة والمجد، وبالإضافة إلى ما ذكر هناك أيضا نصر حامد أبو زيد، وسيد القمني، ومحمد سعيد العشماوي، والصادق النيهوم، وعبد المجيد الشرفي، ومحمد شحرور، وحسن حنفي وغيرهم ممن نهج نفس منهجهم.


                                                    المطلب الثاني: الاستلال العلماني:
                                                    الخطاب العلماني في الغالب لا يستدل على ما يذكر وإنما هو بارع في طريقة العرض والتزوير والتغليف، ولكنه في هذه القضية يحاول أن يستدل ويسرد الروايات الكثيرة، والسبب في ذلك:
                                                    - أنه وجد المسلمون يعرضون لهذه الروايات دون خوف على قرآنهم.
                                                    - كما أنه لم يتعب نفسه في البحث عن أدلة بل وجد المسلمون أنفسهم يتكلمون بها، من هذه الروايات أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة، وأن بعض الصحابة ذكر أجزاء من آيات لا نجدها اليوم في المصحف.


                                                    المطلب الثالث: تنوير أم تدمير؟
                                                    هذه أبرز الأخبار التي يتداولها العلمانيون في كتاباتهم فرحين وهم يظنون أنهم عثروا على كنز يمكنهم من زحزحة المعتقد الإسلامي الراسخ، فيقول عبد المجيد الشرفي: إن فقدان الوثائق الأصلية للمصحف أمر مؤسف، لأن المصحف الموجود لدينا دوِّن بقرار سياسي من عثمان.

                                                    المطلب الرابع: تعقيب ونقد:
                                                    1- متى كان الجهل دليلا؟ إذا كان هؤلاء العمانيون يعدون المسلمين إلى عصر ابن النديم تنويريين لأنهم لم يترددون ولم يتأثموا من الحديث عن جمع القرآن وكتابته والإشكالات التي ترد في ذلك، فإننا ندعو هؤلاء إلى قراءة التراث الإسلامي الحديثي والتفسيري وعلوم القرآن، فالمسلمون لم يكن لديهم شيء داخلا فيما يسميه أركون اللامفكر فيه، أو المسكوت عنه، بل لم يترك المسلمون اعتراضا لزنديق أو شبهة إلا وطرحوه للبحث والنظر ولم يتخوفوا من ذلك وأجابوا عن كل هذه الإشكاليات.
                                                    2- من لا يكون معنا يكون دوغمائيًا! فالمسلمون منتقدون في نظر الخطاب العلماني لأنهم رفضوا هذه الروايات ولم يقبلوها، لذلك يعتبرون دومغائيون، وإلا فسيظفروا بالثناء العلماني.
                                                    3- الحضور السبينوزي: حيث فرق سبينوزا بين الوحي المطبوع والوحي المكتوب فالأول في القلب والعقل، وهو المعنى، أما الثاني فهو المكتوب في المصحف والقراطيس، والتحريف يقع في الثاني، أما الأول فليس فيه تحريف.
                                                    ويريد الخطاب العلماني أن يطبق نظرية سبينوزا على النص القرآني كما طبقت من قبل على التوراة. وهم بذلك يرفضون ما أجمعت عليه الأمة وهو قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.


                                                    المطلب الخامس: المنهجية المتوازنة:
                                                    يتعامل الخطاب العلماني مع القرآن الكريم على أنه ليس من المهم حفظ ألفاظه، وإنما المهم هو حفظ معانيه، وفي هذا تناقض صريح.
                                                    إن الأخبار التي عرضها العلمانيون قد تناولها علماء المسلمين بالنقد والتمحيص ولم يسكتوا عليها، فهذه الأخبار هي أخبار آحاد بعضها صريح مؤول وأغلبها ضعيف أو موضوع، وهذه الأخبار تتعارض مع القرآن الكريم ككل وهو المنقول بالتواتر وبإجماع الصحابة، وتتعارض ثانيا مع قوله تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون.

                                                    المبحث الرابع: مآل الإسلام في القراءات العلمانية:
                                                    المطلب الأول: الإسلام وأيديولوجات التورخة:

                                                    1- التورخة من منظور حداثوي:
                                                    إن الموقف العلماني من الإسلام عموماً ليس مستغرباً إلا لكونه يصدر من أناس يقولون: إنهم مسلمون، ولكن إسلامهم ليس استثناءً بين الأديان، فهو ليس إلا مجموعة أساطير مخلوطة من أساطير الشعوب القديمة البابلية، والسومرية، والآشورية، والفرعونية.
                                                    إن الإسلام الشائع اليوم – بنظر أركون – هو الإسلام السني الأرثوذكسي وهو ليس إلا تنظيراً دوغمائياً جاء نتيجة سلسلة من الأعمال المنجزة تاريخياً، ونفس الشيء يقال عن الإسلام الشيعي، فلا يوجد إذن إسلام حقيقي "لقد خُرِّب تاريخ الإسلام وأفسد إلى الأبد"، وما قُدّم إلينا ما هو إلا الإسلام الرسمي السلطوي.
                                                    و"تغيرت معالم الإسلام الأساسية، وملامحه المحددة، وسماته الذاتية، وصفاته الخاصة، وحلت بدلاً منها معالم أخرى مخالفة تماماً، ومناقضة كلية، ومضادة على الإطلاق، واستُبدلت بالمعالم الأساسية للإسلام معالم أخرى خاطئة وفاسدة ودخيلة"، وانزلق الإسلام على مهوى خطير، وانحدرت الشريعة إلى مسقط عسير.
                                                    التورخة من منظور ماركسي:
                                                    أما بنظر الاتجاه الماركسي العربي فقد كان الإسلام "ثورة تعمل على تغيير المجتمع وتطويره اقتصادياً وطبقياً وسياسياً ودينياً، طبقاً لأنظمة وعلاقات ومبادئ وعقائد جاءت بها حلاً للتناقضات الحادة التي كانت تعتمل في كيان المجتمع العربي بخاصة والإنسانية بعامة". والقرآن كتاب الثورة الإسلامية الكبرى والمعبر عنها، ومصدر المعرفة الأول لنظرية هذه الثورة.
                                                    وهكذا وطبقاً للتحليل الماركسي يوصف الإسلام بأنه حركة محمدية، أو ثورة يقارن بينها وبين الثورة البلشفية والثورة الفرنسية. وهكذا يبدو الإسلام – في المنظور العلماني – ليس إلا حلماً سياسياً راود عبد المطلب ثم حققه الحفيد محمد "أي جدّي ها أنذا أحقق حلمك"، وقد حققه.
                                                    وحتى القرآن – في نظرهم - ما هو إلا مجرد تراكيب لغوية، اقتبسها النبي من شعر أمية بن أبي الصلت، وخصوصاً ما يتعلق بوصف القيامة والبعث والجنة والنار.
                                                    3- التورخة التشطيرية:


                                                    الخلاصة الأركونية أن "الإسلام فرض نفسه كدين مدعوماً بواسطة نجاح سياسي، إذن فهو حدث تاريخي بشكل كامل"، وتشكل منه إسلام مثالي متعال، وفوق تاريخي، هو الدين الصحيح [بنظر أصحابه طبعاً] يبطل ويلغي كل الإسلامات الأخرى، ولا يمكن هو نفسه أن يلغي أو يبطل، ولذا فإن "إدخال البعد التاريخي في التحليل سوف يضطرنا إلى التفريق بين الإسلام المثالي هذا، وبين الإسلام التاريخي".
                                                    وهكذا فإن أركون يعد الإسلام الذي فهمته الأمة عبر تاريخها وتقبله الناس، وآمن به السواد الأعظم من البشر إسلاماً مثالياً خيالياً يختلف عن الإسلام الحقيقي [وليس هناك إسلام حقيقي في المنظور العلماني عموماً]، ولذا فإن أركون يأخذ على عاتقه أن يكشف عن الإسلام بمفهوميه: الإسلام المعاش، وهو غير مطابق وغير صحيح، والإسلام غير المعاش وغير المفهوم وهو الخاضع للتحليل.
                                                    4- التورخة النسبية:
                                                    إذا كان الإسلام بنظر أحد الباحثين فكرة مجردة، وإذا كان الإسلام جاء وذهب بنظر باحث آخر، ولا يمكن إعادته في بكارته النبوية الأولى عقيدة وتشريعاً وفقهاً. وكان في أساسه قاصراً على الأخلاق والقيم، ولم يكن فيه أي نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، وكان رخواً مرناً جداً في التعامل مع الشعوب المفتوحة، فلم يطلب أكثر من إعلان الشهادة فقط، وليمارسوا عاداتهم ومعتقداتهم كما يريدون..
                                                    فإن هذا يتيح لنا – أقصد للخطاب العلماني – أن نبحث عن إسلام عصري مستنير، مساير لروح العصر، فالإسلام لا يكون صحيحاً إلا إذا طرح بالمفهوم البرغسوني وذلك يجعله ديناً منفتحاً، والتخلص من الفهم الحرفي للدين، ولن يتم ذلك إلا إذا تمت إعادة النظر في الإسلام كلية من منظور تاريخي بحيث يصبح من الضروري أن نوفق بين الإسلام والفكر اللاديني، وبحيث يمكن أن يصبح الإلحاد إيماناً، والإيمان إلحاداً، "فالإلحاد هو التجديد، وهو المعنى الأصلي للإيمان".
                                                    5- التورخة الهدمية الاجتثاثية:
                                                    النقد الإيديولوجي هو وسيلتهم للتخلص من فكر العصور الوسطى.. وتكريس القطيعة مع الماضي – كما فعل الغربيون – هو الحل وليس الإصلاح "لا أحد يتكلم أبداً عن التجديد بمعنى القطيعة والاستئناف، بل الجميع يدعو إلى الإصلاح والإحياء والعودة إلى حالة ماضية"، في حين المطلوب هو "اجتثاث الفكر السلفي من محيطنا الثقافي".
                                                    وإذا كان التغير يفترض هدماً للبنية التقليدية القديمة، فإن هذا الهدم لا يجوز أن يكون بآلة من خارج التراث العربي، وإنما يجب أن يكون بآلة من داخله، وإن هدم الأصل يجب أن يمارس بالأصل ذاته. هذه الآلة ما هي إلا التأويل الباطني الغنوصي الذي ينفي النبوة الإسلامية، ويقيم على أنقاضها دين العقل.

                                                    المطلب الثاني: الإسلام العلماني الجديد:
                                                    لا أعتقد أننا بحاجة إلى التذكير بأن ما يتحكم بالموقف العلماني – الذي عرضناه آنفاً بشكل مكثف – هو معيار مادي فلسفي غربي – اعترف العلمانيون بذلك أم لم يعترفوا – وأن الخلفية الإلحادية أو الشكية أو اللاأدرية هي التي يستبطنها أغلب العلمانيين في تناولهم للإسلام، وأنه حتى الذين لم يصرحوا برفض الإسلام، ولم يجاهروا بإلحادهم وتحدثوا عن إمكانية وجود ما للإسلام.
                                                    فالشهادتان في الدين العلماني الجديد ليس لهما مدلول إيماني؛ لأنه "في حقيقة الأمر وطبقاً لمقتضيات العصر لا تعني الشهادة التلفظ بهما أو كتابتهما، إنما تعني الشهادة على العصر.
                                                    والزكاة – أيضاً – ليست واجبة، وإنما هي اختيارية..
                                                    والصوم – كذلك – ليس فرضاً، وإنما هو للتخيي..
                                                    أما الحج فهو – كذلك – من الطقوس الوثنية الميثية العربية القديمة التي أقرها الإسلام مراعاة لحال العرب...
                                                    هكذا تُميَّع كل الشعائر الإسلامية وتعد طقوساً وثنية تحدرت إلى القرآن من البيئات والأمم السابقة والجاهلية.
                                                    وهكذا يطمس الإسلام الرباني الذي أرسل به محمد ، ويبرز الإسلام العلماني المخترع بأركانه الجديدة العصرية المفتوحة، والقابلة لكل الأفهام والتأويلات، والتي لم تتوقف عند هذا الحد؛ لأنه لا حدود يمكن الوقوف عندها في الخطاب العلماني.


                                                    الخاتمة:
                                                    يمكننا بعد تلك الجولة في المصادر المختلفة أن نشير إلى النتائج التالية:
                                                    1- لقد خلق الله العقل وزوده بأدوات تمكنه من سلوك الطريق الذي يفضي به إلى الحق إذا تجرد عن الأهواء والنوازع والأغراض، ولكنه أيضاً جعل لهذا العقل حدوداً كما جعل للبصر حدوداً، وحدوده لا يمكن أن تتجاوز عالم الشهادة والحس.
                                                    2- عندما ينتهي العقل إلى الشك والعدمية واللأدرية مع تمكن النوازع الغريزية والأرضية منه فإنه يصبح وحشاً جامحاً لا يمكن أن يقف في طريق رعوناته وشهواته وأهوائه شيء.
                                                    3- هذه التجربة الغربية كان يفترض أن تكون درساً وعبرة لنا نحن المسلمين بالذات؛ لأن ديننا الحنيف في الوقت الذي مجد فيه العقل وأكد دائماً على دوره في عالم الشهادة وعالم المحسوسات، بين لنا ما لا يمكن للعقل أن يخوض فيه أو يقتحمه من عوالم الغيبيات كالآخرة وكنه الذات الإلهية وكنه صفاتها.
                                                    4- هذه التاريخية سلك إليها الخطاب العلماني مسالك يستأنس بها المسلمين، فاستخدم لهذا الغرض مفاهيم إسلامية مفرغة من مضامينها الحقيقية، ومجردة من ضوابطها وكوابحها الأساسية.
                                                    5- ثم تبين أن المضامين الحقيقية التي ألبست ثياباً إسلامية هي في الحقيقة فلسفات علمانية غربية.
                                                    6- انعكس ذلك على المرجعية التي يجب أن تحكم الحياة فأصبح المرجع والحاكم هو الإنسان والواقع، أما القرآن فهو مجرد غطاء للتبرير، عليه أن يبارك الواقع.
                                                    7- ولذلك لم يعد للقرآن معنى في الفكرانية العلمانية لأنه أصبح يقول كل شيء دون أن يقول شيئاً.
                                                    8- ولمزيد من الوفاء العلماني لجذوره الغربية الدنيوية اجتر كل ما قاله المبشرون من أمثال فندر في كتابه ميزان الحق والمستشرقون من أمثال نولدكه وبلاشير بخصوص تاريخ القرآن وجمعه وكتابته، فردد كل ما قاله هؤلاء من طعن في سلامة القرآن عن التحريف.
                                                    - أما واجبنا نحن المسلمين فعلينا أن نقارع الخصم بنفس أسلحته، وعلينا أن لا نكتفي بالإدانة والرفض والتسفيه، لأن ذلك إذا لم يقترن بالحجة والبرهان يكون ضرره أكثر من نفعه، ولابد من قراءة مصادر العلمانيين ومراجعهم والإطلاع على أحدث ما يتبجحون به، مع العلم بأن أحدث ما يتبجحون به مرفوض في بيئته، ومهجور في عقر داره.
                                                    - أما الوصية الثانية: فهي أنني أرى أن البحوث الأكاديمية الفلسفية في أقسام الدراسات الإسلامية تولي اهتماماً لدراسة التراث أكثر من اهتمامها بدراسة الواقع المعاصر، وقد ترتب على ذلك أن تركت الساحة للخطاب العلماني يسد الثغرة، ويملأ الفراغ، وكان لذلك انعكاسات خطيرة على الفكر والعلم والواقع، وخصوصاً في استقطاب أعداد كبيرة من أنصاف المثقفين الذين تغريهم المناهج بسبب عدم استنادهم على قاعدة أصولية متينة. ولا يعني ذلك أنني أدعو إلى التقصير في دراسة التراث، وإنما أدعو القائمين على توجيه الدراسات الأكاديمية إلى إقامة توازن بين الواقع والماضي، ونسج وشائج تواصل بين دراسة التراث والواقع المعاصر بما فيه من أطروحات جديدة، ومناهج حديثة.
                                                    إن الخطاب العلماني يريد أن يدمر هذا السياج – الدوغمائي بنظره – ليقتحم الغيب، ويزحزح هذه الحدود والثوابت لأنه يطمح إلى معرفة ما وراء هذا السياج، ولا يكتفي بالخبر الموثوق، ويأبى إلا أن يقتحم هذا السياج ويرتع في الحمى، ويتجاهل التجارب الإنسانية الطويلة الفاشلة في هذا المجال، ومهمتنا نحن المسلمين ليس في دفعه إلى الهاوية، وإنما في انتشاله منها كما علمنا نبينا المصطفى الرحمة المهداة للعالمين . والله أعلم.

                                                    انتهى تلخيص الكتاب والحمد لله رب العالمين .

                                                    تعليق


                                                    • #26
                                                      في الملف المرفق تلخيص كتاب د. الطعان كاملاً .

                                                      تعليق


                                                      • #27
                                                        حقيقة نقاش ممتع وجذاب وأنا أحن لمشاركتكم ولكن شغلت بما هو أهم وأولى في هذه المرحلة وإن كتب لنا عمر فسنعود إن شاء الله إلى موائد النخبة التي لا تعرف العامة عنها شيئا
                                                        الأمة اليوم مشغولة بانتزاع حريتها وكرامتها من الجلادين وبظني كل العلوم والمشاريع تبقى حبرا على ورق أو مجرد ثرثرة أو دردشة لا فائدة منها في حياة الأمة إن لم تبن على قاعدة من الحرية والكرامة والإنسانية .
                                                        لكن أحب أن أقول للدكتور عبد الرحمن الصالح ما قاله طرفة :
                                                        خَلا لَكِ الجَوَّ فَبيضي وَاِصفِري**وَنَقِّري ما شِئتِ أَن تُنَقَّري
                                                        قَد ذَهَبَ الصَيّادُ عَنكِ فَاِبشِري**لا بُدَّ يَوماً أَن تُصادي فَاِصبِري
                                                        أكاديمية الدعوة والبحث العلمي http://acscia.totalh.com/vb/

                                                        تعليق


                                                        • #28
                                                          للفائدة,,
                                                          ولعل أوضاع د. أحمد الطعان تسمح له بالمشاركة معنا في هذا الفناء العامر بمسائله العلمية ونقاشاته الهادفة نصرة للقرآن الكريم ..
                                                          د. حاتم بن عابد القرشي
                                                          كلية الشريعة _ جامعة الطائف
                                                          [email protected]

                                                          تعليق


                                                          • #29
                                                            جزاك الله خيراً

                                                            تعليق

                                                            19,984
                                                            الاعــضـــاء
                                                            237,739
                                                            الـمــواضـيــع
                                                            42,692
                                                            الــمــشـــاركـــات
                                                            يعمل...
                                                            X