• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • ملاحظات سريعة على مثال من قرآن المؤرخين (سورة "الطارق") _ المقال السابق مزيدا ومنفحا

      ملاحظات سريعة على مثال من قرآن المؤرخين
      (سورة "الطارق")
      د. إبراهيم عوض
      قرأت، كما طلبت سيادتك منى، ما كتبه المستشرق جيوم دى عن سورة "الطارق" ضمن مشروع "قرآن المؤرخين"، وخرجت منه بالملاحظات التالية:
      الملاحظة الأولى: بالنسبة للعنوان نرى المستشرق يتعامل مع ترجمة اسم السورة: "الطارق" على أنه صفة فقط وليس اسما يدل على موصوف وصفته معا. أى أنه قد أخطأ فى ترجمة "الطارق" بـ"الليلى" دون "النجم"، أى بالصفة دون الموصوف. ذلك أن القرآن استخدمة هنا اسما، والدليل على هذا أنه فسره فى الآية الثانية بـ"النجم الثاقب" ولم يترجمه بصفة فقط بل باسم وصفة معا، أى أن "الطارق" إنما تعنى اسما وصِفَتَه المتعلقةَ به: "النجم الثاقب"
      فهذه أول ملاحظة على أول غلطة. والثانية هى أن القرآن يفسر "الطارق" بـ"النجم الثاقب"، فيفسره جيوم دى بـ"(النجم) الليلى" ( NOCTURNE[L’ASTRE]). لقد تجاهل تفسير القرآن للكلمة وأتى بتفسير لها من عنده اعتمادا على المعاجم اللغوية، فكأنه يبدأ من الصفر. وهذا يذكّرنا بالمثل الشعبى عندنا الذى يقول: "نقول له: ثور. فيقول: احلبوه".
      الملاحظة الثالثة أن فواصل السورة (القوافى) عنده، كما جاء فى الأصل الفرنسى، هى على النحو التالى: من 1- 7 ما عدا الرابعة: "إيقْل، إيبْ"، وهذا خطأ بل هى "إِق، إب" بدون مد قبل الحرف الأخير وبدون لام مع القاف.
      الملاحظة الرابعة: يقول إن الآيات 1-10 تقيم توازيا بين قدرة الله على الخلق وقدرته على بعث الموتى. وهذا غير صحيح. فالآيات الأربع الأولى من هذه الآيات العشر إنما هى قسم بأن على كل نفس حافظا. ثم إن الآيات الست الباقية لا تقيم مثل هذا التوازن، بل تتحدث الآيات الثلاث منها عن ماء الرجل والمرأة الذى خلق منه الإنسان وعن قدرة الله على البعث. أى أن الآيات إذا كانت تتكلم عن قدرة الله على البعث فإنها لم تتكلم عن قدرة الله على الخلق ولكن تتكلم عن المادة التى خلق منها الإنسان دون تطرق إلى القدرة الإلهية فى ذلك. كما أن الآيتين 9- 10 لا علاقة لها بتلك القدرة الإلهية على البعث بل تتناول استخراج ما فى السرائر وافتقار الإنسان حينئذ إلى القوة وانعدام الناصر. ومعنى هذا أن كلام المستشرق عن الآيات 1-10 معظمه كلام فارغ. أى مملوء بالأخطاء والتسرع مع أن السورة قصيرة وموجودة أمامه ويستطيع أن يرجع إليها ما يشاء من المرات دون أية صعوبة.
      الملاحظة الخامسة قوله إن الآيات 11- 14 تؤكد "الوحى" (confirmer)، ومعنى هذا أن هذه الآيات تعيد كلام الوحى مرة أخرى كما نفعل عندما نسجل فى موقع ألكترونى ونكتب كلمة السر فيُطْلَب منا أن نؤكد كلمة السر، أى نعيد كتابتها كما كتبناها أول مرة حتى يتأكد أصحاب الموقع أننا تقصد هذه الكلمة السرية فعلا لا كلمة أخرى. أما ما تقوله الآيات المذكورة فليس "تأكيدا للوحى" وإنما هو قَسَمٌ على صحة وقوع اليوم الآخر وما فيه من حساب وأن القول بذلك هو القول الفصل الذى لا يشوبه هزل. وهذا غير ذاك كما هو واضح.
      الملاحظة السادسة هى أن القسم الذى تبدأ به السورة ليس قسما غامضا، فالقسم كاملا هو "والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق؟ * النجم الثاقب * إنْ كلُّ نفس لمّا عليها حافظ"، وفى هذا النص يقسم الله سبحانه بالسماء والنجم الثاقب على أنه ما من نفس إلا وعليها حافظ. فأين الغموض هنا؟ إذا كان المستشرق يقصد أن كلمة "الطارق" غامضة فإن القسم لا يقف عند "والطارق" بل يستمر إلى "عليها حافظ"، وفى خلال ذلك وضَّحَتِ الآياتُ معنى "الطارق"، أى خلال القَسَم وليس خارج القسم. ومن ثم فليس فى القسم غموض بل ولا حتى فى أداة القسم، التى هى "والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق؟ * النجم الثاقب". وهو نفسه قد ذكر صراحة أن كلمة "الطارق" الملغزة على حد تعبيره قد تم تفسيرها فى الآيتين التاليتين لها.
      الملاحظة السابعة أن المستشرق ضيع وقته ووقتنا معه فى اللف والدوران حول معنى "النجم الثاقب" مشيرا إلى أن بعض الروايات تقول إنها الزهرة، وبعضها إنها أول نجم يظهر فى السماء ليلا، ولكن دون أن يورد شيئا من هذه الروايات ولا أين يجدها من يريدها بخلاف ما صنع مع مترجمى القرآن الذين أورد تفسيراتهم، إذ ذكر أسماءهم والمواضع التى نجد تلك التفسيرات فيها من ترجماتهم للقرآن المجيد.
      أما ترجمة خوام لـ"الطارق" بأنه الزائر الليلى فهى ترجمة مضحكة لأنها تتجاهل تفسير القرآن للكلمة بأنها "النجم الثاقب"، أى أنها لا تعنى أبدا الزائر الليلى ولا النهارى ولا الزائر فى أى وقت. ومثل ذلك ترجمة بيرك للكلمة بـ"الوافد فى المساء". وأغرق من ذلك فى الإضحاك ترجمة بِلْ بأنها "المذنَّب"، أى الشهاب الراصد. إن الشهاب غير النجم فى القرآن المجيد. فالشهاب السماوى هو ما يُقْذَف به الشياطين من شعل النار، أما النجم الثاقب فهو يثقب ظلمات الليل. لقد حدد القرآن الكريم معنى الكلمة، وقُضِى الأمر، فلا مجال إذن لأية ترجمة تقول شيئا آخر.
      وأما "النجم الثاقب" عندى فهو استخدام للمفرد للدلالة على النجوم كلها، أى أن الألف واللام فى "النجم" هى لاستغراق جنس النجوم، فكأن الكلام: "والسماء والنجوم الثاقبة (على صفحتها ليلا)...". وذلك كما نقول: "على الطالب أن يستذكر دروسه أولا بأول ولا يؤجل الاستذكار إلى آخر لحظة قبيل الامتحانات". والمراد "على الطلاب جميعا واحدا واحدا...". ومغزى هذا القَسَم فى رأيى هو الإشارة إلى ظلام الشرك والوثنية والتردى الخلقى والنفسى والاجتماعى والحضارى فى بلاد العرب وبزوغ نجم الإسلام الذى شرع ينير تلك الظلمات، وسوف ينتهى الأمر بانتصاره على كل الأعداء والمعوقات وعلى الدين كله.
      ثم ما هذا الكلام السخيف المتنطع الذى يحاول الربطَ بين ليلة القدر وبين ليلة المجوس أو ليلة الميلاد كما يقول المستشرق؟ الواقع أنه لا توجد أية صلة بين الليلتين: ففى ليلة القدر نزل القرآن، وفى ليلة المجوس ولد المسيح. ولا توجد أدنى علاقة بين القرآن والمسيح فى هذا السياق. بل إن الآيات القرآنية التى تتحدث عن ميلاد المسيح كما فى "مريم" و"آل عمران" مثلا لا تتطرق بأى شكل من الأشكال إلى "نجم المجوس" البتة. لا بل إن الحديث عن نجم المجوس يدخل فى باب الأساطير التى لا ينبغى أخذها مأخذ الجِدّ كما سنبين بعد قليل.
      إن لدينا حديثا عن ولادة النبى محمد، وهو موجود فى "البداية والنهاية" لابن كثير، ونصه: "عن أصحابِ رسولِ اللهِ أنهم قالوا له: أَخبِرْنا عن نفسِك. قال: نعم أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى ُ. ورأَتْ أمى حين حملتْ بى أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام"، ومع هذا فأنا لا أتصور صحته، إذ كيف أمكن آمنةَ أن ترى بصرى بالشام وهى بمكة، وبينهما البيوت والجدران والجبال وآلاف الكِيلَات؟ وكيف عرفتْ أن هذه بصرى، وهى لم تترك مكة إلا إلى المدينة المنورة مرة مع وحيدها وحاضنته أم أيمن؟ ومن يا ترى حكى لمحمد الصغير القصة؟ سيقال: أمه. لكن لم يا ترى لم تَحْكِ هذا لجده وأعمامه وأخواله أيضا؟ فإن قيل إنها حكت ذلك فلماذا لم يذكره أحد بعد هذا بتاتا، وبخاصة بعدما صار محمد نبيا، وصارت هذه الحكاية مما يمكن الاستعانة به فى الدعاية له بالصدق والإخلاص فى إعلانه أنه رسول من رب العالمين؟ وهل يمكن أن يسطع مثل ذلك النور الذى ليس له مثيل فى تاريخ البشرية ولا يراه أحد سوى آمنة من مكة حتى بلاد فارس؟ فإذا كنا نرفض هذا الحديث عن ميلاد نبينا، ومعنا كل الحق، فأَحْرِ بنا أن نرفض أسطورة نجم الميلاد أو نجم المجوس، وهو ما سنبينه الآن
      ويستلزم الأمر أن نقرأ أولا ما كتبه متى فى إنجيله، فحين ولد عيسى بن مريم حكى لنا متّى (ف 2) حكاية فى منتهى الطرافة تخالف العقل من أية ناحية نظرت إليها وبأى معنى حاولت أن تفهمها. ولنسمع أولا الحكاية ثم نفصل القول فيها بعض التفصيل حتى يتضح وجه طرافتها ومجانبتها للمنطق: "1وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ 2قَائِلِينَ:«أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». 3فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. 4فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟» 5فَقَالُوا لَهُ:«فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: 6وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ».7حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. 8ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ:«اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ». 9فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. 10فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. 11وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا. 12ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيق أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ".
      وبعدما أوردنا الحكاية ننتقل إلى تحليلها: وأول كل شىء أن المجوس يتحدثون عن مَلِك لليهود. فأين ذلك المَلِك؟ لقد وُلِد المسيح فى مِذْوَد لا فى قصر ملكى، وكان ولى أمره نجارا لا قيصرًا ولا كسرًى ولا فرعونًا من الفراعين. كما أنه لم يصر ملكا فى يوم من الأيام بأى معنى من المعانى. الشىء الثانى أن هؤلاء المجوس الآتين من المشرق قد أخذوا يسألون عن ملك اليهود، وهو ما يدل على أنهم كانوا بحاجة إلى من يسألونه عن مكان هذا المَلِك المزعوم لا أنهم كانوا يعرفونه. لكننا بعد قليل سوف نسمع الراوى يقول إن النجم المذكور سوف يظهر لهم ويسير أمامهم، ثم يجىء ويقف فوق بيت الملك المزعوم. فأى الروايتين نصدق بالله عليكم؟ وثالثا فإن الراوى يتحدث عن تحرك النجم أمام هؤلاء المجوس وكأنه كان يمشى بنفس إيقاع حركتهم، فهل هذا معقول؟ وهل كان يتوقف نهارا حتى يستطيعوا استئناف رؤيتهم له ليلا فلا يضلوا عنه بعد أن يكون قد سبقهم فى سماء الله الواسعة؟ وهذا النجم هل يمكن أن نصدق أنه قد توقف فى مداره ولم يسقط فى الفضاء السحيق مثل أى نجم يتوقف عن الدوران؟ ثم ما معنى قول الراوى عن النجم إنه "جاء ووقف فوق"، أى فوق البيت الذى كان فيه الملك الرضيع المزعوم؟ والسؤال هو: جاء من أين؟ من السماء طبعا؟ وإلى أين؟ إلى تحت طبعا بحيث يكون قريبا من المذود الذى كان فيه الطفل الرضيع. أليس هذا هو ما نفهمه من النص بدون أى تكلف؟ فهل هذا ممكن، ونحن نعرف أن النجم أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة؟ أما ما يقال من أن هؤلاء المجوس كانوا يحملون بعض الآلات الهندسية التى يمكنهم أن يحددوا عن طريقها مكان المذود مع الاستعانة بالنجم، كبيرة كانت هذه الآلات أم صغيرة، كما اعترض بعض النصارى علىَّ، فأمر يبعث على الضحك لأن النص لم يقل ولا يمكن أن يقول شيئا من هذا، ذلك أنهم لم يكونوا فلكيين، وإلا ما فاتت هذه متّى ولشنّف آذاننا بها. وقد رأينا المجوس فى البداية لا يعرفون كيف يستدلون على المكان، فكانوا يسألون الناس. ولو كانت معهم آلات فلكية ما كانوا بحاجة إلى مثل هذا السؤال أصلا! ثم كيف يا ترى استطاعوا التفاهم مع مريم ويوسف، وهم من غير أهل البلاد، أى لم يكونوا يتكلمون لغة الأم وخطيبها؟ ثم من أى كتابٍ أو فمٍ عَلِمَ أولئك المجوسُ بأمر ذلك النجم؟ بل لماذا اهتم أولئك المجوس بذلك الأمر أساسا، وهم ليسوا من اليهود؟ ولماذا ينبغى أن يشعروا أنهم لا بد لهم من السجود لملك بنى إسرائيل؟ وبعد أن رَأَوْا ملك اليهود لماذا لم يَبْقَوْا إلى جانبه ما داموا قد تكلفوا مشاق ذلك السفر الطويل الذى يهدّ القُوَى؟ أو على الأقل لماذا لم يظهروا ثانية فى حياة السيد المسيح حين كبر وأعلن دعوته وشرع يبشر بملكوت السماوات؟ وهو نفس السؤال الذى يصدق على جماعة الرعاة فى حكاية لوقا المقبلة بعد قليل.
      وثمة أسئلة كثيرة أخرى لا أريد أن أرهق القارئ بها فأكتفى بهذه، وأنبه إلى أن هذه الحكاية هى من اختراع متّى وإحدى بُنَيّات خياله، ولهذا لا نجدها فى أقاصيص الأناجيل الثلاثة الباقية، بل نجد بدلا منها قصة مخترعة أخرى عند لوقا، الذى أورد حكاية مختلفة عن جماعة من الرعاة ظهرت لهم الملائكة وهى تترنم مبشرة بولادة عيسى ... إلى آخر ما قاله فى الفصل الثانى من إنجيله عن أولئك الرعاة المساكين الذين لا لهم فى الثور ولا فى الطحين، لكن لوقا أكرههم على الظهور فى حكايته إكراها. ولهذا لا نراهم، بل لا نسمع بهم أو عنهم مجرد سماع بعد ذلك أبدا بما يدل على أن مؤلف القصة يفتقر إلى القدرة على إحكام الحبكة الفنية وأنه إنما أراد ألا يتأخر عن متّى فى التأليف والاختراع. ثم لماذا تظهر الملائكة لجماعة من الرعاة ليس لهم فى حياة السيد المسيح أى دور يؤدونه على الإطلاق؟
      وهذه هى الحكاية الشائقة: "1وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. 2وَهذَا الاكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ. 3فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ. 4فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، 5لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. 6وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. 7فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ. 8وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، 9وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. 10فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ:«لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: 11أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. 12وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ». 13وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: 14«الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ».15وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الرجال الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:«لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ». 16فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ. 17فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ. 18وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ. 19وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا. 20ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ".
      ونعود مرة أخرى إلى سورة "الطارق" فنقول إنها من أولها إلى آخرها تخلو خلوا تاما من الكلام عن ليلة القدر. فكيف يا ترى أقحم المستشرق ليلة القدر هنا؟ ثم إن حكاية نجم الميلاد، كما رأينا، هى كلام خرافى لا يدخل العقل ولم يحدث، فلماذا صدع المستشرق أدمغتنا بالربط بينه وبين "النجم الثاقب" فى سورتنا؟
      الملاحظة الثامنة أن المستشرق قد أخطأ فى وصف الآية الرابعة بأنها خارجة عن السياق ولا صلة بينها وبين الآيات الأخرى (déconnecté et ne rime pas avec le reste). وهو لا يعرف أننا لو حذفنا الآية الرابعة لكنا أمام أداة قَسَمٍ دون مُقْسَمٍ عليه، كأن يقول أحدنا: "والله وتالله وبالله" ثم يسكت ولا يكمل كلامه. فهل هكذا يفهم العقلاء الآية؟ إن الآية الرابعة هى "إنْ كُلُّ نفس لَمَّا عليها حافظ". ومعنى الكلام أنه سبحانه يقسم أنه ما من نفس إلا عليها حافظ. فما المشكلة التى أرَّقَتِ المستشرقَ فى هذا؟ هل ثم شىء غريب فى إشارة القرآن إلى أن كل إنسان عليه حافظ يكتب كل ما يقول ويفعل حتى إذا قام من قبره عائدا إلى الحياة يوم القيامة حُوسِبَ بناء على أقواله وأفعاله المكتوبة المحفوظة؟ فما وجه غرابته؟ وهو نفسه قد أومأ إلى قوله تعالى من سورة "الانفطار": "وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون". ومرة ثانية ما المشكلة هنا؟ إن القرآن فى هذا القسم يؤكد على أسماع المشركين أنه ما من كلمة تصدر عنهم أو عمل يعملونه إلا وهو مقيد فى صفائحهم من كتاب الأعمال، ولن يهربوا من تبعة ما يفعلون مع النبى والمؤمنين، بل سوف يحاسبون على كل صغيرة وكبيرة.
      الملاحظة التاسعة هى فهمه لقوله تعالى: "فما له من قوة ولا ناصر" على أنه ينفى الشفاعة (intercession) وإمكان الهروب من الحساب. والكلام فى الآية إنما ينفى أن تكون هناك قوة فى العالم يمكن أن تنصر الإنسان يوم القيامة على الله سبحانه. وإذن فالإشارة إلى الشفاعة فى هذا السياق لا موضع لها. وفوق ذلك فإن القرآن لم يشر إلى الشفاعة فى أية سورة قصيرة كسورتنا هذه سواء فى ذلك السور المدنية أو السور المكية، وأصغر السور التى ورد فيها ذكر الشفاعة هى "المدثر"، وهى أكبر من "الطارق" بكل وضوح. أى أنه لا يوجد بتاتا أى سبب للحديث عن الشفاعة لدن تناول السورة التى بين أيدينا.
      الملاحظة العاشرة أن المستشرق يربط آليا بين قوله تعالى فى سورتنا الحالية: "يوم تبلى السرائر" وبين قول بولس فى رسالته إلى أهل رومية: "2/ 14لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، 15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، 16فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". فماذا يريد أن يقول؟ واضح أنه يلمز النبى بأنه أخذ عبارة "سرائر النفوس" من رسالة بولس إلى الرومانيين مع أنها عبارة عادية ليست لها أية خصوصية حتى يقال إن محمد أخذها من العهد الجديد. وهذا إن كان القرآن قد قال: "سرائر النفوس"، إذ الواقع أنه لم يقل سوى "السرائر" ليس إلا. كما أن الإنجيل الذى يرد ذكره فى القرآن والأحاديث لا علاقة له بهذا العهد الجديد بل هو الإنجيل الذى نزل على عيسى من عند ربه لا الأناجيل التى كتبت بعد انتهاء حياة عيسى بعقود، فضلا عن رسائل الرسل التى لا صلة بينها وبين تلك الأناجيل، بل هى شىء منفصل مستقل أضيف إلى تلك الأناجيل فيما بعد وغيرها وسمى الجميع بـ"العهد الجديد". فلو افترضنا أن محمدا كان يعرف الإنجيل ويقرؤه وينقل منه فهذا شىء مختلف عن رسالة بولس إلى الرومانيين وأمثالها مما يقع خارج الأناجيل الأربعة، وبالأحرى تقع خارج الإنجيل الذى تكرر ذكره فى القرآن الكريم. ثم إن القرآن يخبرنا أن السرائر سوف تُبْلَى أى يُطَّلَع عليها فى حين يقول بولس إن الله سوف يدين السرائر. والاطلاع غير الإدانة، إذ هو خطوة سابقة قد يترتب عليها الخلاص، وقد يترتب عليها الإدانة. كذلك فإن الإدانة فى رسالة بولس إنما تقع على المدان حسب تبشيره بيسوع المسيح، وهو ما لا وجود له فى القرآن، إذ المسيح فى القرآن وفى الإسلام مجرد عبد لله ورسول له سوف يحاسَب يوم القيامة مثله مثل سائر البشر. ثم إن القرآن يقول: "السرائر" فقط بخلاف بولس، الذى يقول: "سرائر النفوس" كما وضحنا قبل قليل. فهل التشابه فى كلمة يستأهل ما صنعه المستشرق. ترى هل يصح أن يقال إن فلانا أخذ من علان كلمة، وبخاصة إذا تكن تلك الكلمة تتميز بخصوصية تامة بحيث ترتبط بعلان هذا لأن أحدا غيره لم يستعملها من قبل مثلا، وجاء فلان ذاك فكان أول من أخذها عنه؟ وهذا إن كانت "رسائل الرسل" مترجمة آنذاك أصلا، فضلا عن أن تكون الترجمة العربية قد أدت الكلمة الأصلية بـ"السرائر". وهذا كله لا وجود له، فهو إذن زوبعة فى كستبان.
      ثم إن العبارة موجودة فى الشعر الجاهلى. أى أنها معروفة للعرب من قبل الإسلام. وهذا أمر طبيعى، فما من رسول إلا أتى بلسان قومه. قال الأسفع الأرحبى:
      فَمَن مُبلِغٌ عَنّي عَدِيّاً رِسالَةً = وَيُخبِرهُ عَنّي وَلَستُ بِحاضِرِ
      بِأَنَّكُمو أَمكَنتُمُو مِن نُفوسِكُم = وَفي عَقِبِ الأَيّامِ بَلْوَى السَرائِرِ
      وقال بلعاء بن قيس الكنانى:
      وكم كان في آل المُلَوَّح من فتى = منادًى مفدًّى حين تُبْلَى سرائرُه
      بل إن مفردها موجود فى شعر قبل الإسلام. قال سمّاك اليهودى مثلا:
      تدلى نحو محمودٍ أخيهِ = ومحمودٌ سريرتُهُ الفُجُورُ
      أما البحث عنها فى رسائل بولس وأمثاله فتساخفٌ كبيرٌ لا معنى له ولا فائدة منه ولا علم فيه.
      كذلك فرسالة بولس تتسم بالركاكة الشديدة، ويصعب على صاحب القرآن، الذى يتسم بالبلاغة العالية والبهاء الجليل، حتى لو قلنا مع القائلين إنه محمد بن عبد الله، أن يتنزل إلى الأخذ من هذه الرسالة الركيكة التى تبدو فى الترجمة العربية وكأنها بقلم أعجمى لا يعرف كيف يصوغ سطرا سلسا باللغة التى كتب بها. وهذه هى الفقرة التى يريد المستشرق جيوم دى أن يقول إن محمدا أخذ منها عبارة "سرائر النفوس". وهى، حسبما نلمس بأيدينا لمسا، فقرة معسلطة لا أدرى كيف كتبها بولس، الذى يبدو وكأن حبر ريشته وحركة يده وأصابعه كانت تعانى تَيَبُّسًا مثلما يعانى الشخص منا مغصا فى الحمام فلا يستطيع أن يتخلص مما فى بطنه. قال بولس: "12لأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. 13لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. 14لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، 15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، 16فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". ثم ما معنى قوله: "حسب إنجيلى بيسوع المسيح"؟ الواقع أننى لم أفهمه، ولكن انفتح لى باب فهمه بعض الانفتاح حين رجعت إلى ترجمة أحمد فارس الشيدياق فوجدته يقول: "فى اليوم الذى يدين فيه الله سرائر الناس بيسوع المسيح حسب بشارتى". وأتصور أن الشدياق تصرف فى الترجمة بما يذهب عن الأصل عسلطته وركاكته والتواء تراكيبه. ومع هذا فلا يزال فى المعنى قدر غير قليل من الغموض والعتمة.
      إن الباحثين الغربيين بوجه عام يزعمون أن محمدا أخذ قرآنه من الكتاب المقدس. وهى شِنْشِنَة معروفة عنهم رغم تهافت زعمهم وسخافته. إنهم يصرون على أن محمدا كان يقرأ ويكتب واطلع على كتب اليهود والنصارى ونسخ منها نصوصا كثيرة فى القرآن، وأن كل قصص الأنبياء الإسرائيليين الموجودة فيه منقولة نقلا عن كتابهم المقدس. أما الأمية التى وصف الله بها محمدا وقومه فتفسيرها عندهم أنهم لم يكونوا أهل كتاب، أى ليس عندهم كتاب سماوى، لا أنهم لا يقرأون ولا يكتبون. ومثالا على ذلك أحيل القراء الكرام إلى مادة "محمد" فى "دائرة المعارف الإسلامية" حيث يقول كاتبها حسب الترجمة العربية: "وبإمكان هذا السياق أن يقودنا إلى فهم أفضل لكلمة كثيرا ما دار النقاش حَوْلها، وهى كلمة "أُمِّىّ". فحين تشير الآية 157 من سورة "الأعراف" إلى محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) على أنه النبى الأمى فالظاهر أنها تعنى "الشخص الذى لم يبلَّغ من قبل بكتاب اللَّه"، أى عكس أهل الكتاب الذين سبق أن تَلَقَّوْا كتاب اللَّه بلسانهم. وقد كان محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) أميا قبل تلقيه الوحى لا بعده. ولا يؤثر هذا التفسير فى نتيجة التساؤل عما إذا كان بمقدور محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) أن يقرأ وأن يكتب، اللهم إلا إن كانت كلمة "أمى" تحمل فى طياتها معنى عجزه عن قراءة الكتب المقدسة لليهود والنصارى. ولابد أن اشتغاله بالتجارة كان يستلزم قدرا من الإحاطة بقراءة العربية وكتابتها. وتشير الآيات 4- 6 من سورة الفرقان إلى اتهام الكفار له بالافتراء: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِى تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا". ولم تكتسب كلمه "أمى" معناها الشائع الآن، وهو الجهل بالقراءة والكتابة، إلا فيما بعد، وفى الدوائر الدينية، كتدليل على معجزة تلقى محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) الوحى من اللَّه عن طريق جبريل ()".
      وهذا زعم متهافت، فمن ناحية القراءة والكتابة نرى أن القرآن، كما مر بنا آنفا، قد وصفه بـ"النبى الأمى" (الأعراف/ 157). كما أكد فى موضع آخر أنه لم يكن يتلو قبل نزول القرآن عليه من كتاب أو يخطه بيمينه (العنكبوت/ 48). ولو كان كلام القرآن غير صحيح لما سكت الكفار، ولسجل القرآن نفسه كالعادة رده عليهم. إن ألفريد جيوم مثلًا فى كتابه: ""Islam (Pelican Books, Lonoon, 1964, P. 56- 57) يشكك فى أمِّيَّة النبى عليه الصلاة والسلام، وحجته أنه من غير المعقول أن يطمئن إلى أحد غيره فى قراءة الفواتير أيام اشتغاله بالتجارة، أو فى قراءة ما يرد إليه من رسائل بعد ذلك عندما أصبح نبيًّا. كما أن إحدى الروايات المبكرة تعزو إليه الكتابة يوم صلح الحديبية. وهو يفسر آية "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ" بأن المقصود بذلك هو كتب اليهود والنصارى، وأن أميته (إن صح ما تقوله الآية) إنما استمرت إلى بداية رسالته فقط. والحقيقة أن الآية المذكورة تنفى أنه كان يقرأ أى كتاب، فلا معنى لقصر ذلك على كتب اليهود والنصارى. أما فَهْمُه لقوله تعالى: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ" بمعنى أنك، وإن كنت قبل ذلك تجهل القراءة والكتابة، فإنك الآن تستطيع ذلك فهو فهم غريب، إذ إن حجة القرآن بذلك تتهافت وتصبح غير ذات معنى، لأن رد الكفار حينئذ سيكون كالتالى: "ما دمت تعرف الآن القراءة والكتابة فهذا معناه أنك تستطيع أن تنظر فى كتب السابقين وتنقل منها". ولكنهم لمَّا لم يحيروا جوابًا كان ذلك دليلًا على أن فهم جيوم للآية غير سليم، وأن المقصود منها هو أنه عليه الصلاة والسلام كان قبل ذلك وظل بعده أمِّيًّا، وإلا فالواحد يستطيع، على طريقة هذا المستشرق، أن يقول إن القرآن ينفى أن يكون محمد قادرًا على أن يخط شيئًا بيمينه، ولكنه لم ينف قدرته على ذلك بيده الشمال، فمحمد إذن كان يكتب ولكن بيسراه. وهو كما ترى فهم مضحك.
      إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد فسر الأُمِّية عَرَضًا أثناء حديثه عن الشهور القمرية إذ قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا. يعنى مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. أما تفسيرها بأنها عدم امتلاك العرب لكتاب سماوى فلا يلزمنا لأنه لا يعقل أن نترك تفسير الرسول ونأخذ بتفسير غيره، فضلا عن أن المعاجم العربية تفسر "الأمية" بما نفسرها به هنا وليس فيها أبدا هذا المعنى. وسأنقل هنا ما يقوله "لسان العرب" فى هذا الموضوع: "الأُمِّى: الذى لا يَكْتُبُ. قال الزجاج: "الأُمِّى" الذى على خِلْقَة الأُمَّةِ لم يَتَعَلَّم الكِتاب، فهو على جِبِلَّتِه. وفى التنزيل العزيز: "ومنهم أُمِّيُّون لا يَعلَمون الكتابَ إلاّ أَمَانِى”. قال أَبو إسحق: معنى "الأُمِّى” المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أى لا يَكتُبُ، فهو فى أَنه لا يَكتُب "أُمِّى” لأن الكِتابة هى مُكْتسَبَةٌ، فكأَنه نُسِب إلى ما يُولد عليه، أى على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه. وكانت الكُتَّاب فى العرب من أَهل الطائف تَعَلَّموها من رجل من أهل الحِيرة، وأَخذها أهل الحيرة عن أهل الأَنْبار. وفى الحديث: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُب ولا نَحْسُب. أَراد أَنهم على أَصل ولادة أُمِّهم لم يَتَعَلَّموا الكِتابة والحِساب، فهم على جِبِلَّتِهم الأُولى. وفى الحديث: بُعِثتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيَّة. قيل للعرب: "الأُمِّيُّون" لأن الكِتابة كانت فيهم عَزِيزة أَو عَدِيمة. ومنه قوله: "بَعَثَ فى الأُمِّيِّين رسولًا منهم"... وقيل لسيدنا محمدٍ رسول الله : "الأُمِّى" لأَن أُمَّة العرب لم تكن تَكْتُب ولا تَقْرَأ المَكْتُوبَ، وبَعَثَه الله رسولًا وهو لا يَكْتُب ولا يَقْرأُ من كِتاب... ففى ذلك أَنْزَل الله تعالى: "وما كنتَ تَتْلُو من قَبْلِه من كِتابٍ ولا تَخُطُّه بِيَمِينِك إذن لارْتابَ المُبْطِلون" الذين كفروا ولَقالوا: إنه وَجَدَ هذه الأَقاصِيصَ مَكْتوبةً فَحَفِظَها من الكُتُب".
      كما أن وصف الرسول فى سورة "الأعراف" بـ"النبى الأمى" لا يستقيم مع ما يقوله أعداء الإسلام، إذ لا يمكن أن يقول القرآن إنه "أمى" بمعنى أنه ليس فى يده كتاب سماوى فى الوقت الذى فى يده القرآن الكريم. بل إن القرآن وصف بعض اليهود فى سورة "البقرة" بأنهم "أميون" فقال: "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانىَّ وإنْ هم إلا يظنون". فهل نلغى عقولنا ومعرفتنا باللغة ونقول إنها تعنى أن من اليهود، الذى معهم التوراة، يهودا ليست لهم توراة ولا غير توراة؟ إن كان هذا يستقيم فى العقل فلا كان عقل ولا منطق ولا فهم ولا تفكير. وهل يمكن أن يقول الله لليهود: آمِنُوا يا أهل الكتاب بهذا النبى الذى ليس معه كتاب؟ كيف ذلك؟ بل لقد وُصِف القرآن المجيد فى عدد من نصوصه بأنه "الكتاب": هكذا مجردا دون وصف. ثم كيف يقال إن العرب أمةُ أميين بهذا المعنى، وقد نزل عليهم القرآن الكريم، فهم أيضا أصحاب كتاب؟
      أما قول جيوم إن إحدى الروايات قد ذكرت أن الرسول كتب بيده فى صلح الحديبية فالرد عليه هو أن الرواية المتلقاة بالقبول هى أنه أَمَرَ بكتابة ما طلب المشركون من تعديل فى بعض ألفاظ الصلح كما فى "سيرة ابن هشام" مثلا. أما الرواية التى يشير إليها فهى إن صحت يكن المقصود منها هو المعنى المجازى كما هو الحال فى قولنا: "حارب السادات إسرائيل" و"بنى عبد الناصر السد العالى" وما إليه. ومثله ما ورد فى البخارى من أن الرسول قد اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه "محمد رسول الله"، إذ لا يعقل أن الرسول هو الذى نقش ذلك بنفسه، فهو لم يكن نَقَّاش خواتم، بل المقصود أنه أمر بذلك. وإن كانت الرواية التى أشار إليها جيوم قد نصت على أن الرسول كتب فعلًا بيده اسمه فلا يدل هذا بالضرورة على معرفة بالقراءة والكتابة، فربما كان يستطيع كتابة اسمه وقراءته فقط كما هو الحال بين كثير من الأُمِّيِّين الذين نعرفهم.
      على أية حال ليس من الحكمة فى شيء أن نتمسك برواية واحدة غير مشهورة ذكرت أنه كتب فى هذه المناسبة فقط على مدار حياته كلها ولم ترد فى المصادر الأصلية لسيرة الرسول ونترك كل الروايات الأصلية المتضافرة على أنه كان أمِّيًا. أما استبعاده أن يطمئن النبى عليه الصلاة والسلام إلى أحد غيره يكتب له الفواتير ويقرأ له الرسائل التى ترد فليس له أساس إلا مجرى الهوى، وإلا فإن كثيرًا من التجار والمقاولين فى القاهرة المعاصرة، التى لا شك أن مستواها الحضارى والثقافى أرقى مليون مرة من مستوى مكة فى ذلك الزمان، لا يستطيعون القراءة والكتابة ولا يمنعهم ذلك من النجاح فى تجارتهم إلى درجة أن بعضهم يصبح مع مر الأيام مليونيرًا. وعلى أية حال فإن السيرة النبوية تذكر أن ميسرةَ غلامَ خديجة كان يصاحب الرسول فى رحلاته التجارية عندما كان يعمل فى أموالها، فمن الممكن جدا أن الرسول كان يشتغل بالتجارة بينما يقوم ميسرة بالكتابة. لا ليس من المعقول أن يعيش النبى ثلاثًا وستين سنة فلا نسمع بواقعة محددة كتب فيها رسالة أو قرأ فيها كتابًا أو حتى ورقة سوى هذه الإشارة المقتضبة إلى أنه كتب فى صلح الحديبية كلمة لم يرض الكاتب المسلم أن يكتبها بنفسه، فنسارع إلى تصديق هذه الإشارة المقتضبة المغموزة ونهمل كل تلك الوقائع القاطعة.
      ولو كان الرسول يقرأ ويكتب وينظر فى الكتب السابقة فمن يا ترى رآه يصنع ذلك؟ ومن شاهد فى يده كتابا أو قلما؟ ومن أى شخص كان يحصل على تلك الكتب والورق والأقلام؟ ولماذا لم ينبر واحد ممن يعرفونه يشهد بأنه رآه يقرأ أو يكتب؟ أم تراه إذا أراد القراءة والكتابة نزل فى سرداب تحت الأرض فقرأ وكتب ما يريد ثم ترك الأوراق والأقلام تحت الأرض وخرج ينفض ثيابه من الغبار وخيوط العنكبوت دون أن يستطيع أحد إثبات التهمة عليه؟ أيعقل أن يكون النبى عارفا بالقراءة والكتابة ثم لا يراه أحد متلبسا بشىء من ذلك طوال عمره؟ وهل نحن فى مدينة مترامية الأطراف يجهل كل فرد فيها كل شىء عن جيرانه؟ لقد كان يعيش فى مكة، وهى أشبه بقرية من قرانا الآن، فلو كان يعرف القراءة والكتابة لعرف كل شخص من أهل القرية هذا الأمر بمنتهى الوضوح واليقين. وأخيرا فلو كانت "الأمية" هى أن الأمة لا تملك كتابا سماويا فلم يا ترى لم يسمِّ العهد القديم أو موسى أو أى شخص من بنى إسرائيل أمة المصريين والأمم التى اصطدموا بها فى فلسطين بـ"الأمميين"؟ فليجبنى أحد على هذا السؤال.
      هذا عن الأمية، أما بالنسبة لدعوى نقله عن كتب أهل الكتاب قصص الأنبياء الإسرائيليين فالرد سهل، فقد تلقاها من الوحى، فضلا عن أن القرآن يخالف أهل الكتاب فى معظم النقاط الرئيسية والجوهرية التى تدور عليها عقائدهم وسِيَر أنبيائهم: فمثلا عقيدة الألوهية عندنا غيرها فى الكتاب المقدس، إذ إن بنى إسرائيل يصورون الله فى مواضع كثيرة من كتابهم كأنه واحد من البشر، والبشر العاجزين. وهو عندهم إلهٌ قَبَلِىٌّ خاص بهم من دون البشر جميعا، بينما هو فى القرآن رب العالمين كلهم أجمعين. والنصارى يعتقدون أن المسيح هو الإله أو ابن الإله فى حين هو عندنا مجرد عبد من عباد الله ورسول من رسله ليس إلا. وسوف يحاسَب يوم القيامة كما يحاسَب سائر البشر ولن يجلس على يمين الله يحاسِب معه البشر ويعطيهم درجات على أساسها يدخلون ملكوت السماوات أو يُطْرَدون خارجه. ونحن نؤمن بالجنة والنار فى حين يخلو العهد القديم من الحديث فى هذا الموضوع، ويقول العهد الجديد بملكوت السماء، والكلام فيه شحيح وعارض وعام ولا صلة بينه وبين عقائدنا فى اليوم الآخر. كما أبرأ قرآننا نوحا وإبراهيم ولوطا وموسى وهارون وداود وسليمان... مما بهتهم به اليهود من الإجرام ومواقعة الفواحش والتصرفات المنحطة وقساوة القلب وزنا المحارم والقتل العمد الخسيس وغير ذلك، ونفى بنوة عُزَيْر لله، وأنكر صلب عيسى وألوهيته وهاجم الثالوث بكل عنفوان وكفَّر من يقول به وتوعدهم بنار الجحيم.
      ثم مَنْ مِنْ أهل الكتاب يا ترى أو من غير أهل الكتاب كان يمدّ محمدا بكتبهم؟ ولماذا لم يظهر ويواجه محمدا بهذا ويضع حدا لادعائه النبوة ما دام محمد لم يتلق شيئا من السماء، ويقول له: كيف تنسى أننى أنا الذى كنت أوافيك بكتبنا ولم يدر بخَلَدى أنك ستغدر بى وتزعم أنك نبى ثم تزيد فتهاجم دينى وكتابى وعقيدتى، وبهذا يضع حدا لمشروع محمد التلفيقى، أستغفر الله؟ وهل كانت تلك الكتب مترجمة فى ذلك الحين إلى العربية، وبالذات رسائل الرسل؟ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
      ولقد كان عمه أبو لهب مثلا كافرا ويؤذيه أشد الإيذاء هو وزوجته وينفّر الناس منه ومن دينه، والمعروف أن أفراد كل أسرة يعلم بعضهم عن بعض كل أمورهم، فلم يا ترى لم يتقدم أبو لهب ويشهد على ابن أخيه بذلك؟ وأبو طالب لماذا هو أيضا يا ترى لم يأت بابن أخيه ويقرّعه لأنه قد أحدث فتنة فى مكة وزعم أنه نبى يوحى إليه بينما هو يقرأ ما عند أهل الكتاب من صحف وينقل عنها ويكذب مدعيا النبوة ويحرجه كل قليل مع قومه حين يأتونه ويشتكونه إليه؟
      ثم كيف يفسر مستشرقونا دخول تلك الملايين المملينة من اليهود والنصارى من كل الأمم بما فيها الأمم الغربية فى أوربا وأمريكا وأستراليا منذ سطوع نور الإسلام حتى الآن وإلى ما شاء الله فى دين محمد، وفيهم العلماء ورجال الدين والحكام والسياسيون والأدباء وغير أولئك من خاصة الأمم، بل وتقوم دول مسلمة فى الغرب، إذا كان محمد، كما يزعم المستشِرقون، يستقى من كتبهم؟ ألم يكونوا ليقولوا حينئذ لأنفسهم: كيف نؤمن برجل أخذ من كتبنا ولفق قرآنه منها ثم ادعى النبوة وأرادنا على التخلى عن ديننا وكتابنا والدخول فى دينه والإيمان بكتابه؟ ذلك لن يكون أبدا. لكن مئات الملايين على مدار تلك القرون التى مضت منذ بزوغ نور الإسلام اعتنقت الإسلام ضاربة بكل اتهامات المستشرقين عرض الحائط. بل إن من المؤمنين بمحمد ودين محمد كثيرين جدا من المستشرقين والمبشرين ورجال الدين من يهود ونصارى من كل مكان وفى كل زمان.
      كما أن فى القرآن قصص أنبياء آخرين غير أنبياء بنى إسرائيل هم شُعَيْب وهود وصالح. وبالمثل لا يقتصر القرآن على سرد قصص الأنبياء، بل هناك قصة الخلق، وتختلف كثيرا عما عند أهل الكتاب على ما هو معروف، وتشريعات الأسرة من زواج وطلاق ولعان وظِهَار وإِيلاء وحيض ونِفَاس ومواريث وحضانة وما إلى ذلك، وفيها تشريعات للبيع والشراء والقرض والوصية والزنا والربا والقِمَار والخمر والقتل والجروح والشهادة، وتشريعات أخرى للحرب والغنائم والأنفال والجزية... وهذا كله متميز لا تربطه بما عند أهل الكتاب أو غيرهم رابطة إلا فى النادر الشاذ. فتشريعاتنا مختلفة اختلافا بعيدا. حتى عباداتنا تختلف عن عبادات اليهود والنصارى اختلافا جذريا. فما قول متهِمى محمد بأنه كان يستقى قرآنه ودينه من الكتب السابقة؟ وبالمناسبة لم يحدث أن قال اليهود لمحمد إنك تعتمد على ما فى كتبنا فى تأليف قرآنك. كل ما قالوه أنهم عندما طلب الله من المؤمنين أن يقرضوه قرضا حسنا عقَّبوا بكل وقاحة بأن "الله فقير ونحن أغنياء".كما ذهبوا إلى الوثنيين فى مكة وأكدوا لهم أن وثنيتهم خير من توحيد محمد. وهو تصرف لا غرابة فيه، فقد كان بنو إسرائيل فى كل منعطف فى تاريخهم ولأقل ملابسة يخلعون التوحيد (المغشوش رغم ذلك) ويطيرون إلى عبادة الأوثان طيرانا. وبالمثل لم يتهم النصارى المعاصرون لمحمد أنه أخذ شيئا من كتبهم.
      ولا نَنْسَ ما فى القرآن من نبوءات وبشارات بانتصار الروم على الفرس ودخول المسلمين مكة وتأديتهم العمرة بكل أمان واطمئنان وانتصار الإسلام فى آخر المطاف على كل أعدائه...، وهو ما حصل بحذافيره. وليس لشىء من ذلك وجود فى الكتب السابقة. وعلى الناحية الأخرى ليس فى القرآن شىء من "نشيد الأناشيد" الداعر الفاجر ولا يشتمل على شتائم موجهة للمسلمين على عكس الكتاب المقدس، الذى يحتوى على شتائم مقذعة يرجم بها الله اليهود رجما. كما أن القرآن ليس تأريخا لأمة العرب مثلما أن العهد القديم هو تاريخ لبنى إسرائيل. وليس قرآننا سيرة نبوية كالأناجيل، بل السيرة النبوية لدينا شىء، والقرآن شىء آخر كما يعرف كل إنسان. وليس فى القرآن سورة كبيرة خاصة بالتشريعات كما هو الحال فى الكتاب المقدس، الذى يضم بين جنباته سفر "التثنية"، وكله تشريعات من أوله إلى آخره. وعلى نفس المنوال لا يتضمن القرآن سورا كاملة كلها أدعية وابتهالات كـ"مزامير داود" مثلا. وعلى نفس الشاكلة يخلو القرآن تماما من الرسائل ما عدا رسالة سليمان لبلقيس، وهى رسالة جد قصيرة إذ تتكون من سطر واحد، ولا تخص المسلمين بل بنى إسرائيل، بخلاف العهد الجديد، فإن فيه بالقرب من نهايته عددا من الرسائل التى كتبها المسمَّون: "رسل المسيح" لهذا الشخص أو ذاك أو لهذه الجماعة أو تلك. وهى رسائل طويلة، وبعضها مكون من عدة صفحات.
      كذلك فتأليف القرآن يختلف تماما عن تأليف الكتاب المقدس، فالقرآن لا يدخل فى تفصيلات التاريخ ولا يهتم بإيراد الأسماء التاريخية إلا فى حالة الرسل وبعض الأشخاص القليلين جدا لا غير على عكس الكتاب المقدس الذى يفيض بتلك التفاصيل وتفاصيل التفاصيل والأرقام والأعداد مما لا تجده فى كتابنا المجيد. وفى القرآن كثيرا ما نقرأ العبارة التالية: "ويسألونك عن كذا فقل لهم كذا" (مع بعض التنويعات الصغيرة فيها)، مما لا يقابلنا فى الكتاب المقدس. وهناك الفواصل القرآنية، ولا يعرفها الكتاب المقدس، وإن كان بعض مترجمى الأناجيل بِأُخَرَة قد عمدوا إلى تقليد القرآن فأَجْرَوْا آياتها على طريقة القرآن بإنهائها بفواصل كما لدينا. ثم إن قرآننا لا يعرف النصوص التى تُنْسَب إلى بعض أنبيائهم أو دعاتهم كـ"مزامير داود" و"نشيد الأناشيد" المعزوّ لسليمان و"رسائل الرسل" فى العهد الجديد مثلا، بل الكلام كله لدينا هو كلام الله. وليس عندنا إصحاحات كما عندهم ولا عندنا حذف وإضافة لبعض السور مثلما لديهم حذف وإضافة لبعض الأسفار. وفى القرآن تبدأ كل سورة، وهى تقابل السفر لديهم، بالبسملة، أما لديهم فلا بسملة ولا أى شىء آخر بل يبدأ الكلام مباشرة. وفى الوقت الذى نجد فيه سورا جد قصيرة حتى لتتكون بعض السور من سطر واحد أو سطرين أو ثلاثة أو عدة سطور أو بضعة عشر سطرا وما إلى ذلك نجد أن كل سفر عندهم لا بد أن يحتوى على عدد من الإصحاحات، ولا يبلغ أى إصحاح مثل تلك السور فى قصرها الشديد البتة. كذلك لا تـعرف إصحاحات الكتاب المقدس تعدد الموضوعات وتنوعها على خلاف سور القرآن المجيد، التى قلما تقتصر الواحدة منها على موضوع واحد، ولا يكون ذلك عادة إلا فى بعض السور القصيرة جدا. وبالمثل نجد عددا من السور القرآنية تبدأ بحروف مقطعة، وهو ما لا نجده فى الكتاب المقدس. ويشبه هذا أن عددا من سور القرآن يبدأ بقَسَمٍ بينما لا يعرف ذلك الكتابُ المقدسُ.
      وفى الكتاب المقدس عدد من الأسفار تتضمن رُؤًى طويلة مفصلة ومعقدة ومتشابكة وغامضة بحيث تحتمل تفسيرات كثيرة دون الوصول إلى حسم بشأن التفسير الصحيح. وفى مادة "رُؤًى" بـ"دائرة المعارف الكتابية" نقرأ أن "هناك سلسلة من المؤلفات تحمل أسماء مستعارة، وهى فى غالبيتها من أصل يهودى، ظهرت خلال الفترة بين 210ق.م، 200م. وهذه الكتابات لها سمات مشتركة أبرزها أن هناك تشابها بين هذه المؤلفات جميعها وسفر "دانيال" حيث تستخدم معظم هذه المؤلفات أسلوب الرؤى كأسلوب أدبى لتقدم من خلاله مفاهيمها أو تصوراتها عن المستقبل البعيد... وتختلف كتابات الرؤى عن الكتابات النبوية السابقة لها فى الموضوع وفى الشكل. وكما ذكرنا من قبل أنه بينما نجد أن عنصر التنبؤ موجود فى كل كتابات الرؤى والنبوات إلا أنه يبرز بأكثر وضوح فى كتابات الرؤى، كما أنه يغطى فترات أطول. كما أن كتابات الرؤى تسهب فى وصف حالة العالم كله. ولم تكن هناك فرصة لظهور كتابات الرؤى إلا تحت حكم الإمبراطوريات الكبرى... ومن ناحية الشكل الأدبى هناك اختلافات واضحة بين هذين النوعين من الكتابة، فمع أن كليهما يستخدمان الرؤى إلا أن هذا الاستخدام كان محدودًا فى الكتابات النبوية بمعناها الأضيق. وكانت الرؤى تُذْكَر ضمنًا وليس بصورة أساسية... وتتميز الكتابات النبوية بأنها كانت تكتب فى قالَبٍ نثرىٍّ رفيعٍ سامٍ يكاد يكون شعرًا منثورًا، بل كثيرًا ما أخذ قالبًا شعريًّا كما فى الإصحاح السادس والعشرين من "إِشَعْيَاء". أما أصحاب كتابات الرؤى فكانوا يكتبون نثرًا عاديًّا دون أى محاولة لإتقانه أو زخرفته، فنجدهم يقدمون أفكارهم فى لغة ركيكة، كما أن الرؤى تسرف فى سرد التفاصيل الخيالية الغربية".
      ومثالا على ذلك نسوق نص الإصحاح الرابع من سفر "رؤيا يوحنا اللاهوتى": "1بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِى السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِى سَمِعْتُهُ كَبُوق يَتَكَلَّمُ مَعِى قَائِلًا: «اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا». 2وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِى الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِى السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. 3وَكَانَ الْجَالِسُ فِى الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِى الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ. 4وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ. 5وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِى سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ. 6وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِى وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ: 7وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ، وَالْحَيَوَانُ الثَّانِى شِبْهُ عِجْل، وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ، وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ. 8وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ حَوْلَهَا، وَمِنْ دَاخِل مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا، وَلاَ تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلًا قَائِلَةً:«قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِى كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِى يَأْتِي». 9وَحِينَمَا تُعْطِى الْحَيَوَانَاتُ مَجْدًا وَكَرَامَةً وَشُكْرًا لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، الْحَى إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، 10يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَى إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: 11«أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِى بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ»". وهو ما يحتار مفسرو الكتاب المقدس إزاءه ويقفون عاجزين يضربون أخماسا لأسداس.
      هذا فى الكتاب المقدس، أما فى القرآن فلا توجد إلا "إشارة" إلى رؤيا واحدة قصيرة لا تزيد عن سطر تقريبا: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون"، وكذلك كلمة "رؤيا" فى قوله تعالى: "وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس" دون أن يقال لنا: أية رؤيا هذه؟
      ومما يفترق به القرآن عن الكتاب المقدس اشتماله على أوصاف الجنة والنار وألوان النعيم والعذاب فى العالم الآخر مما لا يقابلنا شىء منه فى العهد القديم، أما فى العهد الجديد فإشارات متهتهة ليس إلا. وعلى الناحية الأخرى نجد أن القرآن يخلو من نسبة أية معجزات غير القرآن إلى النبى على عكس الكتاب المقدس الممتلئ بالآيات الكثيرة المنسوبة إلى عدد من أنبيائه. ومما ينبغى ذكره فى هذا السياق أن أسفار الكتاب المقدس مرتبة تاريخيا، أما سور القرآن فلا. وفى هذه الأيام يقترح بعض المفسدين إعادة ترتيب سوره على أساس تاريخى، وهو ما يرفضه علماء القرآن كلهم، ويعدونه عبثا وإساءة إلى النص الكريم. وثم فروق أخرى بين الكتابين، لكننا نكتفى بهذه التى ذكرناها، ففيها غُنْيَةٌ عن الاتساع فى الكلام فى ذلك الموضوع. وهذا يدل على أن مزاعم اطلاع محمد على الكتب الدينية السابقة وتأثره بها هو كلام لا رأس له ولا ذيل. أما أن فى القرآن الكريم والكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى اشتراكا فى إيراد القصص الخاصة بأنبياء بنى إسرائيل فإن محمدا استقاها من الوحى الإلهى كما قلنا. ولهذا نجد فى نسختها القرآنية اختلافات واضحة وحاسمة أهمها أن فيها تصحيحات لما تتضمنه نسختها الكتابية من أخطاء وانحرافات حسبما وضحنا.
      الملاحظة الثانية عشرة: قد أرى أن "السماء ذات الرجع" هى السماء حين ترجع إلى ما كانت عليه من قبل فيطويها الله مثل طىّ السجلّ للكتب كما جاء فى سورة "الأنبياء" وتُكْشَط كما جاء فى سورة "التكوير" فكأنها لم تكن بعد أن تمور مورا كما فى سورة "الطور"، وكما بدأ الله أول خلق فإنه يعيده، وأن "الأرض ذات الصدع" هى الأرض حين تتشقق عن الموتى سراعا وتُخْرِج أثقالها كما جاء فى سورتى "ق" و"الزلزلة" تباعا. وقد يعنى "الرجع" أيضا ترجيع الصوت، والمقصود ترجيع الصوت فى الآفاق، وهو صوت الصاخَّة والنفخ فى الصور. والذى دفعنى إلى هذا ما تؤكده الآيتان التاليتان من سورتنا من أن الكلام عن البعث قول فصل وليس بالهزل، ثم ما تبع ذلك من تهديد للمشركين وتأكيد بأن كيدهم منته إلى الفشل وأنهم راجعون إلى ربهم، وأن المسألة مسألة وقت لا أكثر، فمقاييس الله غير مقاييسنا، والبعث آتٍ آتٍ بلا أدنى جدال، ولكن الأمر يأخذ وقتا، فلذلك طلب القرآن من رسول الله تمهيل الكافرين وعدم التعجل. وأما إن كنت مخطئا فى هذا التفسير الذى لم أر أحدا من المفسرين ولا المترجمين يقوله فإنى أضرع إليه سبحانه أن يغفر لى هذا الاجتهاد الذى أرى رغم ذلك أنه أكثر إقناعا لعقلى وأشد طمأنة لقلبى. ومرة ثانية قد يكون هذا التفسير خطأ. لكن الاجتهاد فى الإسلام مأجور حتى لو كان خطأ ما دام رائده الإخلاص والرغبة فى الوصول إلى الحق وما دام صاحبه يقدم الدليل على صحة ما انتهى إليه اجتهاده.
      ثم إن قول المستشرق عن الآيات التى نحن بصددها إنها من كلام الرسول هو قول خاطئ، فإن الرسول لا يمكن أن يقول هذا ابتداء من عند نفسه بل لا بد أن يأمره الله بإعلانه للناس مستخدما كالعادة فعل الأمر: "قل". فهذا أسلوب القرآن فى مثل هذه المواضيع، أما توجيه الآيات على ما وجهها إليه المستشرق فهو توجيه خاطئ يدل على أن صاحبه يفتقر إلى الحس الأسلوبى القرآنى ومنهجه فى عرض هذه المسائل.
      هذا، وقد سمى أصحاب هذا المشروع مشروعهم بـ"Le Coran des Historiens: قرآن المؤرخين"، وهذه تسمية خاطئة تماما حسبما هو واضح من المثال الذى أُرْسِل إلىَّ، وهو سورة "الطارق"، فالقرآن واحد هو هذا الذى بين أيدينا فى المصاحف المطبوعة والموجودة فى كل مكان، وهو الذى نسمعه طوال عمرنا وورثناه عن أسلافنا منذ أتى به النبى ، فلا وجود لشىء اسمه "قرآن المؤرخين أو الجغرافيين أو الفيزيائيين أو الأطباء أو الرحالة أو العرب أو المستشرقين" بل هو قرآن واحد لا غير ولا سوى. وعلى كل حال فإن أصحاب هذا المشروع لم يقدموا لنا قرآنا غير هذا القرآن، بل قدموا تفسيرا للقرآن جمعوه من هنا وهناك على غير نظام واضح، إذ يشيرون أحيانا إلى ما قاله المفسرون المسلمون القدماء، لكن دون ذكر اسم أى منهم ودون عرض ما قالوه بوضوح وتفصيل، مكتفين بإشارات موجزة وعامة ثم يُتْبِعون هذا بما ترجم به هذه الآيةَ أو تلك الكلمةَ مترجمو القرآن، متَّبِعين أسلوب التكديس لهذه الترجمات دون محاولة لإعمال العقل النقدى أو الذوق اللغوى والأدبى فى تفهم النص القرآنى منتهزين كل فرصة لتوجيه الاتهامات إلى النص الكريم بأنه أخذ هذه الكلمة أو تلك العبارة من كتب اليهود والنصارى دون تقديم أى دليل أو إثبات، ودون اعتبار لمنطق أو عقل، وهو ما وضحتُه وفضحتُه فى دراستى الحالية وبينت كيف يلجأون إلى التعسف والاتهام بالباطل واللمز السخيف.
      وهذا يقودنا إلى ما صرنا نسمعه من المستشرقين ومن يتبعون خُطَاهم من أبناء جِلْدتنا المفترض أنهم مسلمون من أن الاستشراق قد تغير وصار مستقلا عن المؤسستين: الدينية والسياسية فى الغرب، بينما الاستشراق فى الحقيقة والواقع هو كما هو فى عمومه غارق فى أوحال هاتين المؤسستين ينفذ أهدافهما، وإن حاول التجمُّل على غرار بطل رواية إحسان عبد القدوس: "أنا لا أكذب، ولكنى أتجمل" بينما هو يكذب طوال الوقت على نحو فِجٍّ ومضحك ولا يمكن أن يقتنع بصدقه إلا كذاب مثله أو ساذج لا عقل لديه ولا فهم ولا قدرة على رؤية ما تحت عينيه مباشرة.
      ويذكرنى على نحوٍ من الأنحاء ما فعله المستشرقون فى هذا الذى يسمونه بـ"Le Coran des Historiens: قرآن المؤرخين" بما زعم محمد أركون ذات يوم أنه سوف يقوم به وسماه: "بروتوكول القراءة الألسنى النقدى"، الذى يفرق بينه وبين الطريقة التى يتبعها المفسرون المسلمون والتى يُطْلِق عليها: "البروتوكول التفسيرى" بادئا بتعداد المبادئ التى تقوم عليها تلك الطريقة الإسلامية فى تفسير القرآن والتى ينظر إليها بترفع بوصفها أثرا من مخلفات الماضى التى ينبغى أن تُزَال، ذاكرا من بينها الاعتقاد بأن الحقيقة التى يتضمنها القرآن، والتى هى الحقيقة الوحيدة حسب الرؤية التقليدية للمسلمين، لا يمكن أحدا أن يحددها أو يعرفها إلا "عن طريق الاستعانة بأقوال الجيل الشاهد عليها، أقصد جيل المؤمنين الأوائل الذين تَلَقَّوُا الوحى من فم النبى مباشرة، والذين طبقوه عمليا فيما بعد (القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى/ ترجمة وتعليق هاشم صالح/ دار الطليعة/ بيروت/ 2001م/ 122). ومن الواضح الذى لا يحتاج إلى فضل بيان أن ذلك يتناقض تناقضا أبلق مع ما سماه بـ"الوضعية العامة أو الظرف العام للخطاب". وهو، بنص كلامه، "مجمل الظروف التى جرى فى داخلها فعلٌ كلامىٌّ، سواء أكان مكتوبا أم شفهيا. ويخص ذلك فى آن معا المحيط الفيزيائى- المادى والاجتماعى الذى نُطِق فيه الكلام، كَمَا ويخصّ الصورة التى شكلها المستمعون عن الناطق لحظة تفوهه بالخطاب، ويخص هوية هؤلاء، والفكرة التى يشكّلها كل واحد منهم عن رأى الآخر فيه. كما ويخصّ الأحداث التى سبقت مباشرةً عملية التلفظ بالقول، وبخاصة العلاقات التى كان المخاطبون يتعاطَوْنها فيما بينهم، ثم بشكل أخصّ التبادلات التى اندرج فيها الخطاب المعنِىّ" (السابق/ 114).
      وهذا كلام يسبب الدوار لقارئه ومحاول فهمه. وبالله متى يمكننا أن ننتهى من فَهْمِ بَلْهَ شَرْحَ أىّ شىء فى القرآن إذا كان علينا أن نحيط بذلك كله قبل البدء فى عملية الفهم؟ وبناء على هذا يشترط قراءة كل ما كُتِب من تفاسير منذ بداية التفسير القرآنى حتى اليوم فى تفسير سورة "الفاتحة"، التى يعلن أنه سوف يطبق عليها بروتوكوله المذكور، ثم التقفية بما يحتاجه ذلك من جرد وفرز. إلا أنه سرعان ما يحيص قائلا إن هذا العمل "لا يمكن أن يقوم به شخص واحد، وإنما فريق كامل من فرق البحوث". وبالمناسبة فما "الفاتحة" إلا مجرد مثال لأية سورة أخرى نريد تحليلها طبقًا لبروتوكوله الألسنى النقدى. إننا لو رُمْنا ذلك فلن ننتهى أبدا من تحليل القرآن كما هو واضح! ثم فلنفترض أننا قد استطعناه، فمن ذا الذى يا ترى يمكنه الزعم بأنه سيكون التحليلَ المثالى الذى يخلو من الأخطاء؟ إن هذا أيضا بدوره مستحيل! خلاصة الكلام أن د. أركون قد انتهى إلى أنْ طامَنَ من غُلَوائه المتنطعة وقنع من الغنيمة بالإياب فأخبرنا أنه سيكتفى بتفسير الرازى، الذى زعم أنه "قد جمع فى تفسيره أهم ما أنتجه الجهد التفسيرى خلال القرون الهجرية الستة الأولى السابقة له". لكنه عزَّ عليه أن ينهزم هكذا على الملإ أمام أول تجربة، فأخذ يؤكد لنا أنه يزمع أن يقدم لتفسير الرازى طبعة محققة مصحوبة بقراءة تهدف للإجابة عما لا أدرى ماذا (السابق/ 135- 137)، ثم إنه بعد ذلك كله لم يرجع إلى الرازى إلا مرتين اثنتين لا غير نَقَلَ فى الأولى منهما ثلاثة أسطر ونصفا (ص 127)، وفى الثانية فقرةً لا تزيد على ثلاثة عشر سطرا (ص 139- 140). ولشديد الأسى والأسف لم يحسن الاستفادة من أىٍّ من النصين.
      كذلك فإن تفسير الرازى، الذى تغلب عليه الصبغة الفلسفية، هو مجرد لون واحد من التفاسير لا يغنى عن غيره ولا يغنى غيره عنه، فهناك التفسير بالمأثور والتفسير الاعتزالى والتفسير الصوفى والتفسير الخارجى والتفسير الشيعى والتفسير اللغوى والتفسير الفقهى والتفسير العلمى... وهلم جرا. وحتى لو وافقْنا المؤلفَ على ما يقوله عن قيمة تفسير الرازى وأنه يغنى عن التفاسير السابقة عليه، فماذا نحن فاعلون فى التفاسير التى جاءت بعده؟ وعلى أية حال فلو تحوَّلنا بعد ذلك كله لنرى ماذا أنجز د. أركون فى التحليل الفعلى لسورة "الفاتحة من هذا كله راعَنا كثرة العناوين وتعمد انتقاء الكلمات الضخمة التى تسبب الدوار للرأس دون أن يكون وراءها شىء ذو قيمة أو يستحق كل هذه الطنطنات. كيف ذلك؟
      ولنأخذ أولا العناوين، وسوف أوردها بالترتيب التى أتت به فى التحليل المذكور: "اللحظة الألسنية أو اللغوية: عملية القول أو عملية النطق، المحدِّدات أو المعرِّفات، الضمائر فى سورة "الفاتحة"، الأفعال فى سورة "الفاتحة"، الأسماء أو التحويل إلى اسم فى سورة "الفاتحة"، البِنْيات النحوية فى سورة "الفاتحة"، النظم والإيقاع. العلاقة النقدية- الفاتحة كمنطوقة أو عبارة: اللحظة التاريخية، النسق اللغوى أو الشيفرة اللغوية، النسق الدينى أو الشيفرة الدينية، النسق الثقافى أو الشيفرة الثقافية، النسق التأويلى أو الباطنى، اللحظة الأنثربولوجية". وهى، كما ترى، عناوين مخيفة تجعل قلب الواحد منا يسقط فى قدميه. إلا أن المسألة لا تخلو مع هذا من الجانب الفكاهى، فهذه العناوين التى تخلع القلوب من أماكنها لا تساوى ثمن الحبر الذى كُتِبت به، إذ لا شىء وراءها، أو إذا كان وراءها شىء فإنه لا يستحق كل هذه الضجة المزعجة. أى لحظات تاريخية؟ وأى بروتوكولات؟ وأى شفرات؟ أنحن داخلون حربا عالمية؟ لننظر مثلا تحت عنوان "النظم والإيقاع". فماذا نجد تحته؟ لقد كتب المؤلف تحت هذا العنوان أربعة عشر سطرا فى فقرتين: فأما فى الفقرة الأولى فقد أشار مجرد إشارة عابرة إلى أهمية الدور الذى يلعبه التشديد والإيقاع والنغم والمدة وارتفاع الصوت والكثافة فى عملية القول والعلاقة بين علم النحو والنبرة، وأننا فى اللغة العربية، والنص القرآنى بالذات، نمتلك أدبياتٍ غنيةً وغزيرةً خاصةً بالنظم والإيقاع، ولا تزال تنتظر من يدرسها طبقا للمناهج الحديثة فى التحليل العلمى، وأنه "من غير الممكن (فى الحالة الراهنة) المخاطرة بتفسيرٍ مُرْضٍ لنصٍّ قصيٍر كـ"الفاتحة".
      صحيح أن بروتوكول القراءة الشعائرية (والمقصود الطريقة القديمة فى تفسير القرآن، وإن كان كلامه يوحى بأن المقصود هو قراءة القرآن على المقابر وفى المآتم) وتقنين التجويد يقدمان لنا بعض التعليمات التى لم يُدْرَس تأويلها الصوتى والفونيمى والنظمى- الإيقاعى بشكل جاد حتى الآن". لكنه حين جد الجِدّ ولَّى هاربا ولم يعقّب. وإليك كل ما قاله البروفيسير بعد هذه الطبول والزُّمُور التى أصمَّت لنا الآذان وخلعتْ منا القلوب. قال: "ولهذا السبب فإننا سنكتفى فقط بالتنبيه إلى الملاحظة البسيطة التالية، وهى وجود قافية "إيم" متناوبة مع قافية "إين" فى سورة "الفاتحة". أما فيما يخص الوحدات الصوتية الصغرى (الفونيمات) فإننا نلاحظ هيمنة الوحدات التالية: "ميم" 15 مرة، و"لام" 12 مرة، و"نون" 12 مرة، و"هاء" 5 مرات. نحن نعلم أن التفسير التقليدى يضفى قيمة رمزية على كل وحدة صوتية وعلى عدد التكرارات، وبالتالى فإن الدراسة النظمية أو الإيقاعية للعلامات أو الكلمات ينبغى أن تتلوها الدراسة الرمزية، أو ينبغى أن تستطيل عن طريق الدراسة الرمزية" (ص 134). أرأيت؟ إن الرجل لم يقدم شيئا رغم كل الوعود الجبارة.
      وعَوْدًا إلى ما قاله د. أركون عن مبادئ البروتوكول التقليدى فى تفسير القرآن وما توجبه من الاستعانة بالنحو وعلم اللغة التاريخى والبلاغة والمنطق للوصول إلى معنى النص القرآنى، والفرق بينها وبين مبادئ بروتوكوله هو التى لا تعرف هذه الاستعانة ولا تبالى بها، نلفت نظر القارئ إلى أنه أمضى الصفحات التى خصصها لسورة "الفاتحة" فى الكلام عما تشتمل عليه السورة الكريمة من ضمائر وأسماء وأفعال وبنيات نحوية، محاولا الوصول إلى شىء من المعنى من وراء هذه الإحصاءات عبثا، ومتخبطا فى أثناء ذلك تخبطا لا يليق بمن يتصدى لتفسير كتاب الله العظيم! فمثلا يرى سيادته أن السورة تحتوى على فعلين مضارعين (هما: "نعبد، ونستعين") أُسْنِدا إلى البشر (جماعة المؤمنين)، وفعلٍ واحدٍ ماضٍ مسند إلى الله (هو: "أنعمتَ")، وأن السبب فى هذا أن الفعل المضارع يدل على استمرار المحاولة وديمومة التوتر، فهو يناسب البشر، بخلاف الماضى الذى يدل على أن الأمر قد تم وانتهى الأمر ولا مرجوع عنه، وهو ما يناسب القدرة الإلهية (القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى/ 130- 131). وهذا كلامٌ خَدِيجٌ لا نضج فيه، إذ كثيرا ما تُسْنَد الأفعال المضارعة إلى الله، والماضية إلى البشر، والعبرة بالسياق والمعنى لا بصيغة الفعل كما فى الشواهد التالية، وكلها من القرآن الكريم ذاته: "الله يستهزئ بهم ويَمُدّهم فى طغيانهم يعمهون"، "قال إنه يقول إنها بقرةٌ لا فارض ولا بِكْر"، "قد نرى تقلُّبَ وجهِك فى السماء"، "والله يرزق من يشاء بغير حساب"، "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم"، "الله وَلِىُّ الذين آمنوا يُخْرِجُهم من الظلمات إلى النور"، "قل: إن الفضلَ بيد الله يؤتيه من يشاء"، "ولله ما فى السماوات وما فى الأرض، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء"، "يُوصِيكم الله فى أولادكم: للذَّكَر مثل حظ الأُنْثَيَيْن"، "فأولئك يتوب الله عليهم"، "يريد الله أن يخفف عنكم"، "أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم"، "ويستفتونك فى النساء. قل: الله يفتيكم فيهن"، "لكنِ اللهُ يشهد بما أنزل إليك"، "يَهْدِى به الله من اتَّبع رضوانه سُبُل السلام"، "قد نعلم إنه لَيَحْزُنك الذى يقولون"- "لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم"، "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه"، "وقالت اليهود: يد الله مغلولة"، "فقد كذَّبوا بالحق لما جاءهم"، "انظر كيف كذَبوا على أنفسهم"، "وَذَرِ الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهم الحياة الدنيا"، "وما قَدَروا الله حَقَّ قَدْره"، "وجعلوا لله شركاءَ الجِنَّ"...إلخ إن كان لذلك من آخر.
      ومما قاله أركون أيضا فى تحليله للسورة إن أداة التعريف: "أل" التى تكررت فى قوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" تدل على أن "هذه التراكيب هى عبارة عن مفاهيم أو أصناف أشخاص محدَّدين بدقة من قِبَل المتكلم وقابلين للتحديد من قِبَل المخاطب عندما يصبح بدوره قائلا أو متكلما" (ص 127). وهكذا نرى أن الرجل الذى يقلل من شأن النحو واللغة فى عملية التفسير القرآنى كما رأينا، لم يستطع أن يتجاهل، فيما يسميه: "تحليل الخطاب القرآنى"، لا اللغة ولا النحو، لكن دون أن يستطيع الاستفادة منهما للأسف. ليس هذا فحسب، بل ثمة ارتباك واضطراب فى استعمال المصطلحات النحوية واضحان، وهو ما يؤكد ما قلناه مرارا عن قلة بضاعته من العلم بالموضوع الذى تصدى له رغم أنه هو الميدان الذى تخصص فيه وأصبح أستاذا. وهذا كل ما يقدمه لنا الدكتور أركون من خلال ما يسميه: "تحليل الخطاب الدينى"، وهو لا يشفى غليلا ولا يزيد القارئ علما بشىء فى السورة، فلا رجوع لأسباب النزول ولا تعمق فى تحليل دلالات الاختيارات المعجمية أو الصيغ الصرفية أو التراكيب النحوية التى رُوعِيَتْ فى كلمات السورة وبناء جملها وما فيها من تقديم وتأخير وحذف وذكر وتكرير وما إلى ذلك، ولا التفات لما تريد السورة أن تغرسه فى عقل المسلم وقلبه من عقائد ومشاعر ومفاهيم مما تعج به كتب التفسير، التى لا تعرف هذه البهلوانيات الألسنية الضحلة، ويعمل الأستاذ الدكتور عبثا على التقليل من شأنها.
      وهذا المتنطس الذى لا يعجبه المنهج الذى يتبعه المفسرون المسلمون والذى يستعينون فيه، ضمن ما يستعينون، بالنحو والصرف والبلاغة، يغرق فى شبر ماء أمام كلمة "أَمْ" الواردة فى الآية التاسعة من السورة الثانية التى يريد تحليلها على منهجه (أو "بروتوكوله" حسب تعبيره)، وهى سورة "الكهف" فلا يجد إلا ما يقوله ريجى بلاشير، فيردده فرحا به كأنه وقع على كنزٍ شماتةً منه بالقرآن، وكان الأحرى به بدلا من هذا أن يشعر بالخجل لأنه دائم التنفج فى كتاباته بأن منهجه الجديد يختلف عن منهج المستشرقين السابقين البالى. فماذا قال بلاشير وردده وراءه أركون دون أن يتمعن فيه؟ قال بلاشير إن "أَمْ" هذه لا تستعمل إلا للتناوب أو المفاضلة بين شيئين، لكن الملاحَظ أنها فى آيتنا هذه لا يسبقها شىء يمكن أن يشكّل الطرف الآخر فى عملية التناوب، ومن ثم فإن الآيات قد تعرضت لعملية تلاعب، وهذا التلاعب يدل عليه غياب الطرف الآخر للتناوب (ص 148). يقصد أن "أم" فى قولنا مثلا: "أتأكل تفاحا أم كمثرى؟" هى للمناوبة بين هاتين الفاكهتين اللتين ينبغى أن تختار واحدة منهما فقط. لكن فات بلاشير ومقلده أن "أم" لا تنحصر فى هذه الوظيفة، بل لها عدة وظائف: ففى قوله تعالى: "سواء عليهم أأنذرتَهم أم لم تُنْذِرهم: لا يؤمنون" نراها تدل على أنه لا فائدة فى هذا أو ذاك، فالنتيجة واحدة فى الحالتين. أما فى قولنا: "أزيد عندك أم عمرو؟" فتدل على الرغبة فى تحديد الموجود من الشخصين. وتسمى "أم" فى هذين التركيبين: "أم المتصلة"، لأنها متصلة بما قبلها، وهذا ما ظن بلاشير ومقلده أنه كل مهمتها. لكن فات بلاشير أن هناك "أم" أخرى هى "أم المنقطعة" التى ليس للاسم الذى بعدها مناوبٌ قبلها، بل تنشئ كلاما جديدا كما هو الحال فى الآية محور الكلام، ونصها: "أم حَسِبْتَ أن أصحاب الكهف والرَّقِيم كانوا من آياتنا عَجَبا؟"، والتى يقول المفسرون إن معناها هنا "بل أ...؟"، وإن كانت تأتى أحيانا بمعنى "بل" فقط دون همزة استفهام كما فى قوله تعالى: "فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا؟" (النساء/ 109). وأنا أضيف حالتين أُخْرَيَيْن: أولاهما تأتى فيها "أم" للمناوبة بين طرفين، لكن الطرف الأول لا يُذْكَر، بل يُفْهَم ضمنيا من الكلام السابق، كما فى قول أحدنا مثلا: "رأيى أن تأخذ فلانا باللين والهوادة وأن تصبر عليه طويلا، ولسوف يَصْلُح حاله بهذا الأسلوب إن شاء الله. أم لك رأى آخر؟". والمعنى: "أتوافقنى على رأيى هذا أم إن لك رأيا آخر؟"، إلا أن عبارة "أتوافقنى على رأيى هذا" ليست مذكورة فى الكلام كما هو واضح، بل تُفْهَم فهمًا من السياق. والأخرى بمعنى: "أَتُراك...؟"، وهذا المعنى الأخير لا يكون إلا فى بعض حالاتِ مجيئها منقطعة، وأنا أفهم الآية على هذا المعنى. ومع ذلك كله لقد كان ينبغى على بلاشير ومقلده ألاّ يُطَنْطِنا بهذا الذى طَنْطَنَا به، فالنبى الذى جاء بالقرآن (أو "اخترعه" كما يقول من لا يؤمنون بنبوته ) عربى، ومن ثم فإن ما يقوله هو الصواب لا ما يُرْجِف به هؤلاء الأعاجم. وحتى لو قلنا إن المسلمين قد غيَّروا فى القرآن من بعده ، فالذين غيروا فيه هم أيضا عرب، ومن ثم فما يقولونه هو الصواب. أليس هذا ما يمليه المنطق؟ لكن القوم، حين يتعلق الأمر بالإسلام والقرآن، لا يهتمون بمنطق ولا عقل، بل تشغلهم أحقادهم وتُذْهِلهم عن كل شىء! وهذا الاستعمال قد تكرر فى القرآن كثيرا جدا بحيث لا يمكن، مهما تسامحنا إلى أبعد مدى، أن نظن أنه خطأ فى كل هذه المواضع! اللهم إلا أن يكون العرب والمسلمون من الجهل والبلادة فى لغتهم بدرجة ليس لها نظير فى التاريخ!
      وقد رجعتُ إلى كتاب النحو الذى وضعه بلاشير بمشاركة جودفروا ديمومبين لطلاب الاستشراق فوجدتهما لا يذكران من "أم" إلا المتصلة، وهى التى سبقتْها همزة، سواء كاتت همزة استفهام أو همزة تسوية كما فى المثالين اللذين ضربتهما قبل قليل (Grammaire de L Arabe Classique, Maisonneuve et Larose, Paris, 1966, PP. 218, 469)، فهذه كل بضاعة النحو عند هذا المستشرق، وذلك هو السر فى الخبط الذى تناول به الآية وزعم أنه قد سقط قبلها كلامٌ جرّاءَ العَبَث الذى وقع فى القرآن بعد وفاة النبى . وعلى أية حال هأنذا أورد العينة التالية من الشواهد القرآنبة على ذلك الاستعمال لمن يريد أن يطمئن على هذا الذى نقول: "أم حسِبْتم أن تدخلوا الجنة ولـَمّا يأتكم مَثَلُ الذين خَلَوْا مِنْ قبلكم؟" (البقرة/ 214. ومثلها كل الآيات التى تبتدئ بعبارة "أم حسبـ(ـتَ/ تم")، "أم يقولون: افتراه؟" (يونس/ 38، وهود/ 35 مرتين، والسجدة/ 3، والأحقاف/ 8)، "أم اتخذ مما يخلق بناتٍ وأَصْفاكم بالبنين؟" (الزخرف/ 16)، "ما لكم؟ كيف تحكمون؟ * أم لكم كتاب فيه تَدْرُسون؟" (القلم/ 37). ومن يُرِدْ شواهد أخرى من القرآن فبمكنته أن يراجع المواضع التالية: البقرة/ 133، والنساء/ 53، والرعد/ 33، والأنبياء/ 21، 24، 43، والنمل/ 20، وفاطر/ 40، والصافات/ 156، وص/ 9، والزمر/ 43، والشورى/ 9، 21، 24، والأحقاف/ 4، ومحمد/ 29، والطور/ 30، والملك/ 20، والقلم/37. ومثلُ "لم" فى هذا استخدامُ القرآن للظرف "إذ" فى أول الكثير من قصصه دون أن يسبقه كلام، وهو ما لا أذكر أنى رأيته خارج القرآن شعرًا أو نثرا. وهذه الـ"إذ" يقابلها قولنا حين نريد أن نحكى لأحدٍ حكاية: "كان يا ما كان" أو "يحكى أن" أو "حدث ذات مرة" أو ما إلى ذلك. ويقول المفسرون بأن معناها: "اذكر"، وهو معنى لا يذهب بعيدا عما قلناه. فهل يصح أن يأتى أعجمى كبلاشير قائلا إن هذا استعمال خاطئ، وإنه يدل على أنه كان ههنا كلام، ثم حُذِف؟
      وسر تذكير "قرآن المؤرخين" لى بمشروع أركون هو أن كليهما أعلن عن طموح كبير، وهو جمع كل ما قيل فى تفسير كل كلمة وكل عبارة وكل آية وكل سورة فى القرآن المجيد، لكنه قصر فى إنجاز هذا الطموح: فأما أركون فقصر تقصيرا تاما ولم ينجز شيئا مما وعدنا وطنطن به، وأما "قرآن المؤرخين" فتشوبه أخطاء كثيرة ويعانى من وجوه نقص شديدة وضحتُ بعضها خلال هذه الدراسة. والقائمون عليه، كما لاحظنا، ينقصهم العقل النقدى والذوق اللغوى والأدبى الذى كان من شأنه لو توافر لهم أن يساعدهم على تفهم النص القرآنى وتذوق ما فيه من جمال وروعة وإبداع سامق، فأتى كلامهم متخشبا جافا، وصار همهم القفز فى كل فرصة إلى لمز القرآن المجيد والإيماء إلى أنه مأخوذ من هنا ومن هناك من كتب أهل الكتاب، وهو ما لم يقله اليهود أو النصارى أنفسهم فى عهده . ولو كان صحيحا ما يلمز به مستشرقونا القرآن لَمَا فَوَّتَ يهودُ المبعث ونصاراه هذه الفرصةَ ولَسَدَّدوا هدفا عزيزا غاليا فى مرمى الإسلام دون مقابل وخرجوا فائزين بالمباراة.

      أستاذ بجامعة عين شمس - القاهرة

    • #2
      حاولت المرة الماضية إرفاق الأصل الفرنسى لكلام أهل "قرآن المؤرخين" فى سورة "الطارق" فرفض الموقع، فاكتفيت بالترجمة العربية للأستاذة الإيرانية... مع تحياتى ومودتى وشكرى لأهل هذا الموقع
      أستاذ بجامعة عين شمس - القاهرة

      تعليق


      • #3
        بين د. زهراء إخوان صراف وبينى


        إبراهيم عوض


        ibrahim awad @ibrahim_awad · 10h · edited: 3h
        د. إبراهيم عوض
        جامعة عين شمس - كلية الآداب- قسم اللغة العربية وآدابها

        هذه صورة من المراسلات التى دارت بينى وبين د. زهرة صراف، وما إن بعثت إليها بتعليقى على ما كتبه مستشرقو "قرآن المؤرخين" حسب طلبها حتى صمتت تماما وانقطعت المراسلات من جانبها فجأة كما بدأت فجأة، ولا أعرف السبب
        ==================
        طلب التعلیق علی کتاب "قرآن المؤرخین" 10
        Yahoo/Inbox

        Z Akhavan <[email protected]>
        To:[email protected]
        Thu, Jun 17 at 1:03 PM
        السيد الدكتور إبراهيم عوض المحترم
        السلام علیکم، أتمنی أن تکونوا بخیر.

        تکتب لکم الدکتورة زهراء اخوان صراف
        - الحاصلة علی درجة الدکتوراة في علوم القرآن و الحدیث
        - و أستاذة بجامعة الأدیان و المذاهب الإسلامیة
        - و المؤسسة و المدیرة لمنظمة « معهد التفقه للبحوث الإسلامية»
        - و‌ رئیسة اللجنة العلمیة لجمعیة المباحثات القرآنیة في قم – ایران.

        ربما تعرفون أن هناك موسوعة مسماة ب"قرآن المؤرخين" التی صدرت عن دار النشر الفرنسية Cerf عام 2019 في أربعة مجلدات بإشراف د. محمد علي أميرمعزّي - الأستاذ فی جامعة باریس- ود. جيوم داي -الأستاذ في جامعة بروكسل الحرة- و قد صرّحا فی مقدمة الموسوعة عن الهدف من نشر هذا المؤلف: «إخراج نتائج بحوث قرنين من الزمان من الدوائر الأكاديمية العلمية، وتقديمها لجمهور غير متخصص» و ادعیا بأنهم اعتمدوا في التعليق والتحليل على المنهج التاريخي النقدي والفلسفي، بالإضافة إلى طرق بحثية جديدة و ما توصلوا إلیه عن طریق الدراسة الکودیکولوجیة ثم علم الآثار و النقوش و اعتماد المقاربة التاریخیة و الفیلولوجیة.
        المدعا المستفادة من هذا الأثر –سیما فی المجلد الأول – أنّ القرآن الکریم حسب هذه التحقیقات یکون مؤلّفا من ثلاثه أقسام: قسم یکشف عن طبقات نصیة خفیة یهودیة مسیحیة تبدو کأنها ترجمات عربیة لنصوص سابقة سریانیة و عبریة؛ قسم یحکي عن التجربة الدینیة – [لایقولون التجربة الوحیانیة]- لمحمد [صلی‌الله‌علیه‌وآله‌وسلم] و قسم آخر حدثت فی وقت لاحق مع الفتوحات و نشوء الإمبراطوریة العربیة و لأسباب تاریخیة و سیاسیة محضة.
        ثم من نتاجها أنّ النصّ القرآنيّ معقّدٌ ومركّبٌ حيث إنّه ليس بعملٍ لرجلٍ واحد ولا بكتابٍ مغلق بل مجموعةٌ مفتوحة من النصوص تمّ بناؤها تدريجيًّا بالحوار مع السياق التاريخيّ الخاصّ بنهاية العصر القديم. (بخلاف الرؤية الإسلاميّة الشائعة والّتي تعطي الخليفة عثمان بن عفّان دورًا في تحرير الشكل النهائيّ للرسم، يحدّد الباحث جيوم دي عهد الخليفة الأمويّ عبد الملك بن مروان على أنّه السياق السياسيّ والثقافيّ الّذي أثّر بشكلٍ أكبر على النصّ.)
        بما أن المشرف أمیرمعزّي یدعی بأن علماء الإسلام - لا سیما الندوات العلمیة العربیة - سکتوا و کأنهم قد وقفوا حائرین عن هذا المؤلُف، ینبغی لعلماء القرآن أن ینقدوا هذا الأثر و لو نقداً بسیطاً علی منهج الموسوعة أو نقد إحدی المقالات التی عن القرآن أو عن تفسیر أی سورة منها لیصدوا عن سبیل تأثیر هذه المدعيات علی أذهان الجمهور ثم فتح باب تبادل الأفکار بین محققی المسلمین و مؤلفی هذه الموسوعة الذین لم یخل فیهم من أصل عربي أو اسلامي.
        فلذا أنا قمت بإرسال اجزءًا من الكتاب إلى علماء القرآن في أنحاء العالم الإسلامي وسأقوم بإتاحته تدريجياً للباحثين حتى يتم جمع تلاواتهم وتعليقاتهم.
        مرفق بهذا الإیمیل صورة لقائمة قرآن المؤرخين مع اهم مقالة من مقالاته بالفرنسیة و بعض السور.

        أود أن أسألكم عن رأيكم أو نقدكم على:
        - کتاب «قرآن المؤرخين» بشکل عام؛
        - أو علی اي مقالة من مقالاتها المدونة في الجزء الأول من الکتاب؛
        - أو علی تفسیر أی سورة من السور
        -لو تحتاجون أي جزء آخر سأرسله لکم-

        سیکون تعلیقکم منشور بإسمکم لو تحبون
        و یا لیت ترشدونی بالعلماء الآخرین یعلقون علی الکتاب ممن تعرفهم

        أنتظر ردکم بالشعف
        مع خالص تحیاتی
        د.زهرا أخوان صراف

        Zahra Akhavan Sarraf
        Professor of Islamic Theology, Quranic Sciences and Hadith
        Head of Tafaqoh Institute, Qom, Iran
        P.O.Box: 3718-615579
        Download all attachments as a zip file

        مراسله_رقم_1_حول_قرآن_المؤرخین_ترجمة_تفسیر_سورة_ال قمر_من_کتا.pdf
        811.1kB
        Le corpus coranique Questions autour de sa canonisation.pdf
        18MB
        علق 16-Jun-2021 13-06-51-compressed.pdf
        3MB

        قمر 11-May-2021 19-29-19(1)-compressed.pdf
        2.9MB

        +7 from me, Z, me
        ibrahim awad
        أرجو أن تتكرمى بإرسال ترجمتك للبحث الخاص بسورة "القمر" حتى آخذ فكرة أخرى عن طبيعة هذا المشروع تطبيقيا. ولك منى كل شكر ومودة وتقدير
        Mon, Jun 21 at 12:44 AM
        ibrahim awad <[email protected]>
        To:Z Akhavan
        Mon, Jun 21 at 10:50 AM
        آسف. لقد وصلنى فعلا البحث الخاص بسورة "القمر" وترجمتك له. ووصلنى كذلك البحث الفرنسى الخاص بسورة "العلق" لكن لم تصلنى ترجمتك له. واضح أنه قد حدث سوء فهم من جانبى، فأنا آسف. لم أر هذا الملف إلا الآن الساعة العاشرة صباح الاثنين21/ 6. لكن لم يصلنى فيه ترجمتك لسورة "العلق". أكون شاكرا لو تفضلت وأرسلت لى ترجمتك لبحث سورة "العلق". ولك تحياتى وتقديرى

        ===============================

        هذا هو البحث الذى أرسلته للأستاذة الدكتورة، وبعدها صار الصمت والانقطاع هما سيد الموقف

        ملاحظات سريعة على مثال من قرآن المؤرخين (سورة "الطارق")
        21/06/2021, 02:30 pm
        ملاحظات سريعة على مثال من قرآن المؤرخين
        (سورة "الطارق")
        د. إبراهيم عوض
        (مرفق مع هذه الدراسة ملف خاص بترجمة بحث المستشرق جيوم دى عن سورة "الطارق" فى"موسوعة قرآن المستشرقين"، وهو البحث الذى تدور حوله دراستى هذه. والبحث من ترجمة الأستاذة الجامعية الإيرانية د. زهرا أخوان صراف)
        قرأت، كما طلبت سيادتكِ منى، ما كتبه المستشرق جيوم دى عن سورة "الطارق" ضمن مشروع "قرآن المؤرخين"، وخرجت منه بالملاحظات التالية:
        الملاحظة الأولى: بالنسبة للعنوان نرى المستشرق يتعامل مع ترجمة اسم السورة: "الطارق" على أنه صفة فقط وليس اسما يدل على موصوف وصفته معا. أى أنه قد أخطأ فى ترجمة "الطارق" بـ"الليلى" دون "النجم"، أى بالصفة دون الموصوف. ذلك أن القرآن استخدمة هنا اسما، والدليل على هذا أنه فسره فى الآية الثانية بـ"النجم الثاقب" ولم يترجمه بصفة فقط بل باسم وصفة معا، أى أن "الطارق" إنما تعنى اسما وصِفَتَه المتعلقةَ به: "النجم الثاقب"
        فهذه أول ملاحظة على أول غلطة. والثانية هى أن القرآن يفسر "الطارق" بـ"النجم الثاقب"، فيفسره جيوم دى بـ"(النجم) الليلى" ([ NOCTURNE[L’ASTRE). لقد تجاهل تفسير القرآن للكلمة وأتى بتفسير لها من عنده اعتمادا على المعاجم اللغوية، فكأنه يبدأ من الصفر. وهذا يذكّرنا بالمثل الشعبى عندنا الذى يقول: "نقول له: ثور. فيقول: احلبوه".
        الملاحظة الثالثة أن فواصل السورة (القوافى) عنده، كما جاء فى الأصل الفرنسى، هى على النحو التالى: من 1- 7 ما عدا الرابعة: "إيقْل، إيبْ"، وهذا خطأ بل هى "إِق، إب" بدون مد قبل الحرف الأخير وبدون لام مع القاف.
        الملاحظة الرابعة: يقول إن الآيات 1-10 تقيم توازيا بين قدرة الله على الخلق وقدرته على بعث الموتى. وهذا غير صحيح. فالآيات الأربع الأولى من هذه الآيات العشر إنما هى قسم بأن على كل نفس حافظا. ثم إن الآيات الست الباقية لا تقيم مثل هذا التوازن، بل تتحدث الآيات الثلاث منها عن ماء الرجل والمرأة الذى خلق منه الإنسان وعن قدرة الله على البعث. أى أن الآيات إذا كانت تتكلم عن قدرة الله على البعث فإنها لم تتكلم عن قدرة الله على الخلق ولكن تتكلم عن المادة التى خلق منها الإنسان دون تطرق إلى القدرة الإلهية فى ذلك. كما أن الآيتين 9- 10 لا علاقة لها بتلك القدرة الإلهية على البعث بل تتناول استخراج ما فى السرائر وافتقار الإنسان حينئذ إلى القوة وانعدام الناصر. ومعنى هذا أن كلام المستشرق عن الآيات 1-10 معظمه كلام فارغ. أى مملوء بالأخطاء والتسرع مع أن السورة قصيرة وموجودة أمامه ويستطيع أن يرجع إليها ما يشاء من المرات دون أية صعوبة.
        الملاحظة الخامسة قوله إن الآيات 11- 14 تؤكد "الوحى" (confirmer)، ومعنى هذا أن هذه الآيات تعيد كلام الوحى مرة أخرى كما نفعل عندما نسجل فى موقع ألكترونى ونكتب كلمة السر فيُطْلَب منا أن نؤكد كلمة السر، أى نعيد كتابتها كما كتبناها أول مرة حتى يتأكد أصحاب الموقع أننا تقصد هذه الكلمة السرية فعلا لا كلمة أخرى. أما ما تقوله الآيات المذكورة فليس "تأكيدا للوحى" وإنما هو قَسَمٌ على صحة وقوع اليوم الآخر وما فيه من حساب وأن القول بذلك هو القول الفصل الذى لا يشوبه هزل. وهذا غير ذاك كما هو واضح.
        الملاحظة السادسة هى أن القسم الذى تبدأ به السورة ليس قسما غامضا، فالقسم كاملا هو "والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق؟ * النجم الثاقب * إنْ كلُّ نفس لمّا عليها حافظ"، وفى هذا النص يقسم الله سبحانه بالسماء والنجم الثاقب على أنه ما من نفس إلا وعليها حافظ. فأين الغموض هنا؟ إذا كان المستشرق يقصد أن كلمة "الطارق" غامضة فإن القسم لا يقف عند "والطارق" بل يستمر إلى "عليها حافظ"، وفى خلال ذلك وضَّحَتِ الآياتُ معنى "الطارق"، أى خلال القَسَم وليس خارج القسم. ومن ثم فليس فى القسم غموض بل ولا حتى فى أداة القسم، التى هى "والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق؟ * النجم الثاقب". وهو نفسه قد ذكر صراحة أن كلمة "الطارق" الملغزة على حد تعبيره قد تم تفسيرها فى الآيتين التاليتين لها.
        الملاحظة السابعة أن المستشرق ضيع وقته ووقتنا معه فى اللف والدوران حول معنى "النجم الثاقب" مشيرا إلى أن بعض الروايات تقول إنها الزهرة، وبعضها إنها أول نجم يظهر فى السماء ليلا، ولكن دون أن يورد شيئا من هذه الروايات ولا أين يجدها من يريدها بخلاف ما صنع مع مترجمى القرآن الذين أورد تفسيراتهم، إذ ذكر أسماءهم والمواضع التى نجد تلك التفسيرات فيها من ترجماتهم للقرآن المجيد.
        أما ترجمة خوام لـ"الطارق" بأنه الزائر الليلى فهى ترجمة مضحكة لأنها تتجاهل تفسير القرآن للكلمة بأنها "النجم الثاقب"، أى أنها لا تعنى أبدا الزائر الليلى ولا النهارى ولا الزائر فى أى وقت. ومثل ذلك ترجمة بيرك للكلمة بـ"الوافد فى المساء". وأغرق من ذلك فى الإضحاك ترجمة بِلْ بأنها "المذنَّب"، أى الشهاب الراصد. إن الشهاب غير النجم فى القرآن المجيد. فالشهاب السماوى هو ما يُقْذَف به الشياطين من شعل النار، أما النجم الثاقب فهو يثقب ظلمات الليل. لقد حدد القرآن الكريم معنى الكلمة، وقُضِى الأمر، فلا مجال إذن لأية ترجمة تقول شيئا آخر.
        وأما "النجم الثاقب" عندى فهو استخدام للمفرد للدلالة على النجوم كلها، أى أن الألف واللام فى "النجم" هى لاستغراق جنس النجوم، فكأن الكلام: "والسماء والنجوم الثاقبة (على صفحتها ليلا)...". وذلك كما نقول: "على الطالب أن يستذكر دروسه أولا بأول ولا يؤجل الاستذكار إلى آخر لحظة قبيل الامتحانات". والمراد "على الطلاب جميعا واحدا واحدا...". ومغزى هذا القَسَم فى رأيى هو الإشارة إلى ظلام الشرك والوثنية والتردى الخلقى والنفسى والاجتماعى والحضارى فى بلاد العرب وبزوغ نجم الإسلام الذى شرع ينير تلك الظلمات، وسوف ينتهى الأمر بانتصاره على كل الأعداء والمعوقات وعلى الدين كله.
        ثم ما هذا الكلام السخيف المتنطع الذى يحاول الربطَ بين ليلة القدر وبين ليلة المجوس أو ليلة الميلاد كما يقول المستشرق؟ الواقع أنه لا توجد أية صلة بين الليلتين: ففى ليلة القدر نزل القرآن، وفى ليلة المجوس ولد المسيح. ولا توجد أدنى علاقة بين القرآن والمسيح فى هذا السياق. بل إن الآيات القرآنية التى تتحدث عن ميلاد المسيح كما فى "مريم" و"آل عمران" مثلا لا تتطرق بأى شكل من الأشكال إلى "نجم المجوس" البتة. لا بل إن الحديث عن نجم المجوس يدخل فى باب الأساطير التى لا ينبغى أخذها مأخذ الجِدّ كما سنبين بعد قليل.
        إن لدينا حديثا عن ولادة النبى محمد، وهو موجود فى "البداية والنهاية" لابن كثير، ونصه: "عن أصحابِ رسولِ اللهِ أنهم قالوا له: أَخبِرْنا عن نفسِك. قال: نعم أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى ُ. ورأَتْ أمى حين حملتْ بى أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام"، ومع هذا فأنا لا أتصور صحته، إذ كيف أمكن آمنةَ أن ترى بصرى بالشام وهى بمكة، وبينهما البيوت والجدران والجبال وآلاف الكِيلَات؟ وكيف عرفتْ أن هذه بصرى، وهى لم تترك مكة إلا إلى المدينة المنورة مرة مع وحيدها وحاضنته أم أيمن؟ ومن يا ترى حكى لمحمد الصغير القصة؟ سيقال: أمه. لكن لم يا ترى لم تَحْكِ هذا لجده وأعمامه وأخواله أيضا؟ فإن قيل إنها حكت ذلك فلماذا لم يذكره أحد بعد هذا بتاتا، وبخاصة بعدما صار محمد نبيا، وصارت هذه الحكاية مما يمكن الاستعانة به فى الدعاية له بالصدق والإخلاص فى إعلانه أنه رسول من رب العالمين؟ وهل يمكن أن يسطع مثل ذلك النور الذى ليس له مثيل فى تاريخ البشرية ولا يراه أحد سوى آمنة من مكة حتى بلاد فارس؟ فإذا كنا نرفض هذا الحديث عن ميلاد نبينا، ومعنا كل الحق، فأَحْرِ بنا أن نرفض أسطورة نجم الميلاد أو نجم المجوس، وهو ما سنبينه الآن
        ويستلزم الأمر أن نقرأ أولا ما كتبه متى فى إنجيله، فحين ولد عيسى بن مريم حكى لنا متّى (ف 2) حكاية فى منتهى الطرافة تخالف العقل من أية ناحية نظرت إليها وبأى معنى حاولت أن تفهمها. ولنسمع أولا الحكاية ثم نفصل القول فيها بعض التفصيل حتى يتضح وجه طرافتها ومجانبتها للمنطق: "1وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ 2قَائِلِينَ:«أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ». 3فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. 4فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ:«أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟» 5فَقَالُوا لَهُ:«فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: 6وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ».7حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ الْمَجُوسَ سِرًّا، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ النَّجْمِ الَّذِي ظَهَرَ. 8ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ، وَقَالَ:«اذْهَبُوا وَافْحَصُوا بِالتَّدْقِيقِ عَنِ الصَّبِيِّ. وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضًا وَأَسْجُدَ لَهُ». 9فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ الْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. 10فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. 11وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا. 12ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيق أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ".
        وبعدما أوردنا الحكاية ننتقل إلى تحليلها: وأول كل شىء أن المجوس يتحدثون عن مَلِك لليهود. فأين ذلك المَلِك؟ لقد وُلِد المسيح فى مِذْوَد لا فى قصر ملكى، وكان ولى أمره نجارا لا قيصرًا ولا كسرًى ولا فرعونًا من الفراعين. كما أنه لم يصر ملكا فى يوم من الأيام بأى معنى من المعانى. الشىء الثانى أن هؤلاء المجوس الآتين من المشرق قد أخذوا يسألون عن ملك اليهود، وهو ما يدل على أنهم كانوا بحاجة إلى من يسألونه عن مكان هذا المَلِك المزعوم لا أنهم كانوا يعرفونه. لكننا بعد قليل سوف نسمع الراوى يقول إن النجم المذكور سوف يظهر لهم ويسير أمامهم، ثم يجىء ويقف فوق بيت الملك المزعوم. فأى الروايتين نصدق بالله عليكم؟ وثالثا فإن الراوى يتحدث عن تحرك النجم أمام هؤلاء المجوس وكأنه كان يمشى بنفس إيقاع حركتهم، فهل هذا معقول؟ وهل كان يتوقف نهارا حتى يستطيعوا استئناف رؤيتهم له ليلا فلا يضلوا عنه بعد أن يكون قد سبقهم فى سماء الله الواسعة؟ وهذا النجم هل يمكن أن نصدق أنه قد توقف فى مداره ولم يسقط فى الفضاء السحيق مثل أى نجم يتوقف عن الدوران؟ ثم ما معنى قول الراوى عن النجم إنه "جاء ووقف فوق"، أى فوق البيت الذى كان فيه الملك الرضيع المزعوم؟ والسؤال هو: جاء من أين؟ من السماء طبعا؟ وإلى أين؟ إلى تحت طبعا بحيث يكون قريبا من المذود الذى كان فيه الطفل الرضيع. أليس هذا هو ما نفهمه من النص بدون أى تكلف؟ فهل هذا ممكن، ونحن نعرف أن النجم أكبر من الأرض أضعافًا مضاعفة؟ أما ما يقال من أن هؤلاء المجوس كانوا يحملون بعض الآلات الهندسية التى يمكنهم أن يحددوا عن طريقها مكان المذود مع الاستعانة بالنجم، كبيرة كانت هذه الآلات أم صغيرة، كما اعترض بعض النصارى علىَّ، فأمر يبعث على الضحك لأن النص لم يقل ولا يمكن أن يقول شيئا من هذا، ذلك أنهم لم يكونوا فلكيين، وإلا ما فاتت هذه متّى ولشنّف آذاننا بها. وقد رأينا المجوس فى البداية لا يعرفون كيف يستدلون على المكان، فكانوا يسألون الناس. ولو كانت معهم آلات فلكية ما كانوا بحاجة إلى مثل هذا السؤال أصلا! ثم كيف يا ترى استطاعوا التفاهم مع مريم ويوسف، وهم من غير أهل البلاد، أى لم يكونوا يتكلمون لغة الأم وخطيبها؟ ثم من أى كتابٍ أو فمٍ عَلِمَ أولئك المجوسُ بأمر ذلك النجم؟ بل لماذا اهتم أولئك المجوس بذلك الأمر أساسا، وهم ليسوا من اليهود؟ ولماذا ينبغى أن يشعروا أنهم لا بد لهم من السجود لملك بنى إسرائيل؟ وبعد أن رَأَوْا ملك اليهود لماذا لم يَبْقَوْا إلى جانبه ما داموا قد تكلفوا مشاق ذلك السفر الطويل الذى يهدّ القُوَى؟ أو على الأقل لماذا لم يظهروا ثانية فى حياة السيد المسيح حين كبر وأعلن دعوته وشرع يبشر بملكوت السماوات؟ وهو نفس السؤال الذى يصدق على جماعة الرعاة فى حكاية لوقا المقبلة بعد قليل.
        وثمة أسئلة كثيرة أخرى لا أريد أن أرهق القارئ بها فأكتفى بهذه، وأنبه إلى أن هذه الحكاية هى من اختراع متّى وإحدى بُنَيّات خياله، ولهذا لا نجدها فى أقاصيص الأناجيل الثلاثة الباقية، بل نجد بدلا منها قصة مخترعة أخرى عند لوقا، الذى أورد حكاية مختلفة عن جماعة من الرعاة ظهرت لهم الملائكة وهى تترنم مبشرة بولادة عيسى ... إلى آخر ما قاله فى الفصل الثانى من إنجيله عن أولئك الرعاة المساكين الذين لا لهم فى الثور ولا فى الطحين، لكن لوقا أكرههم على الظهور فى حكايته إكراها. ولهذا لا نراهم، بل لا نسمع بهم أو عنهم مجرد سماع بعد ذلك أبدا بما يدل على أن مؤلف القصة يفتقر إلى القدرة على إحكام الحبكة الفنية وأنه إنما أراد ألا يتأخر عن متّى فى التأليف والاختراع. ثم لماذا تظهر الملائكة لجماعة من الرعاة ليس لهم فى حياة السيد المسيح أى دور يؤدونه على الإطلاق؟
        وهذه هى الحكاية الشائقة: "1وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ. 2وَهذَا الاكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ. 3فَذَهَبَ الْجَمِيعُ لِيُكْتَتَبُوا، كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَدِينَتِهِ. 4فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ، 5لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. 6وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. 7فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ. 8وَكَانَ فِي تِلْكَ الْكُورَةِ رُعَاةٌ مُتَبَدِّينَ يَحْرُسُونَ حِرَاسَاتِ اللَّيْلِ عَلَى رَعِيَّتِهِمْ، 9وَإِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ وَقَفَ بِهِمْ، وَمَجْدُ الرَّبِّ أَضَاءَ حَوْلَهُمْ، فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا. 10فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ:«لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: 11أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ. 12وَهذِهِ لَكُمُ الْعَلاَمَةُ: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا مُضْجَعًا فِي مِذْوَدٍ». 13وَظَهَرَ بَغْتَةً مَعَ الْمَلاَكِ جُمْهُورٌ مِنَ الْجُنْدِ السَّمَاوِيِّ مُسَبِّحِينَ اللهَ وَقَائِلِينَ: 14«الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ».15وَلَمَّا مَضَتْ عَنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الرجال الرُّعَاةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:«لِنَذْهَبِ الآنَ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَنَنْظُرْ هذَا الأَمْرَ الْوَاقِعَ الَّذِي أَعْلَمَنَا بِهِ الرَّبُّ». 16فَجَاءُوا مُسْرِعِينَ، وَوَجَدُوا مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالطِّفْلَ مُضْجَعًا فِي الْمِذْوَدِ. 17فَلَمَّا رَأَوْهُ أَخْبَرُوا بِالْكَلاَمِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ عَنْ هذَا الصَّبِيِّ. 18وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوا تَعَجَّبُوا مِمَّا قِيلَ لَهُمْ مِنَ الرُّعَاةِ. 19وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا. 20ثُمَّ رَجَعَ الرُّعَاةُ وَهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ وَيُسَبِّحُونَهُ عَلَى كُلِّ مَا سَمِعُوهُ وَرَأَوْهُ كَمَا قِيلَ لَهُمْ".
        ونعود مرة أخرى إلى سورة "الطارق" فنقول إنها من أولها إلى آخرها تخلو خلوا تاما من الكلام عن ليلة القدر. فكيف يا ترى أقحم المستشرق ليلة القدر هنا؟ ثم إن حكاية نجم الميلاد، كما رأينا، هى كلام خرافى لا يدخل العقل ولم يحدث، فلماذا صدع المستشرق أدمغتنا بالربط بينه وبين "النجم الثاقب" فى سورتنا؟
        الملاحظة الثامنة أن المستشرق قد أخطأ فى وصف الآية الرابعة بأنها خارجة عن السياق ولا صلة بينها وبين الآيات الأخرى (déconnecté et ne rime pas avec le reste). وهو لا يعرف أننا لو حذفنا الآية الرابعة لكنا أمام أداة قَسَمٍ دون مُقْسَمٍ عليه، كأن يقول أحدنا: "والله وتالله وبالله" ثم يسكت ولا يكمل كلامه. فهل هكذا يفهم العقلاء الآية؟ إن الآية الرابعة هى "إنْ كُلُّ نفس لَمَّا عليها حافظ". ومعنى الكلام أنه سبحانه يقسم أنه ما من نفس إلا عليها حافظ. فما المشكلة التى أرَّقَتِ المستشرقَ فى هذا؟ هل ثم شىء غريب فى إشارة القرآن إلى أن كل إنسان عليه حافظ يكتب كل ما يقول ويفعل حتى إذا قام من قبره عائدا إلى الحياة يوم القيامة حُوسِبَ بناء على أقواله وأفعاله المكتوبة المحفوظة؟ فما وجه غرابته؟ وهو نفسه قد أومأ إلى قوله تعالى من سورة "الانفطار": "وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون". ومرة ثانية ما المشكلة هنا؟ إن القرآن فى هذا القسم يؤكد على أسماع المشركين أنه ما من كلمة تصدر عنهم أو عمل يعملونه إلا وهو مقيد فى صفائحهم من كتاب الأعمال، ولن يهربوا من تبعة ما يفعلون مع النبى والمؤمنين، بل سوف يحاسبون على كل صغيرة وكبيرة.
        الملاحظة التاسعة هى فهمه لقوله تعالى: "فما له من قوة ولا ناصر" على أنه ينفى الشفاعة (intercession) وإمكان الهروب من الحساب. والكلام فى الآية إنما ينفى أن تكون هناك قوة فى العالم يمكن أن تنصر الإنسان يوم القيامة على الله سبحانه. وإذن فالإشارة إلى الشفاعة فى هذا السياق لا موضع لها. وفوق ذلك فإن القرآن لم يشر إلى الشفاعة فى أية سورة قصيرة كسورتنا هذه سواء فى ذلك السور المدنية أو السور المكية، وأصغر السور التى ورد فيها ذكر الشفاعة هى "المدثر"، وهى أكبر من "الطارق" بكل وضوح. أى أنه لا يوجد بتاتا أى سبب للحديث عن الشفاعة لدن تناول السورة التى بين أيدينا.
        الملاحظة العاشرة أن المستشرق يربط آليا بين قوله تعالى فى سورتنا الحالية: "يوم تبلى ا لسرائر" وبين قول بولس فى رسالته إلى أهل رومية: "2/ 14لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، 15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، 16فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". فماذا يريد أن يقول؟ واضح أنه يلمز النبى بأنه أخذ عبارة "سرائر النفوس" من رسالة بولس إلى الرومانيين مع أنها عبارة عادية ليست لها أية خصوصية حتى يقال إن محمد أخذها من العهد الجديد. وهذا إن كان القرآن قد قال: "سرائر النفوس"، إذ الواقع أنه لم يقل سوى "السرائر" ليس إلا. كما أن الإنجيل الذى يرد ذكره فى القرآن والأحاديث لا علاقة له بهذا العهد الجديد بل هو الإنجيل الذى نزل على عيسى من عند ربه لا الأناجيل التى كتبت بعد انتهاء حياة عيسى بعقود، فضلا عن رسائل الرسل التى لا صلة بينها وبين تلك الأناجيل، بل هى شىء منفصل مستقل أضيف إلى تلك الأناجيل فيما بعد وغيرها وسمى الجميع بـ"العهد الجديد". فلو افترضنا أن محمدا كان يعرف الإنجيل ويقرؤه وينقل منه فهذا شىء مختلف عن رسالة بولس إلى الرومانيين وأمثالها مما يقع خارج الأناجيل الأربعة، وبالأحرى تقع خارج الإنجيل الذى تكرر ذكره فى القرآن الكريم. ثم إن القرآن يخبرنا أن السرائر سوف تُبْلَى أى يُطَّلَع عليها فى حين يقول بولس إن الله سوف يدين السرائر. والاطلاع غير الإدانة، إذ هو خطوة سابقة قد يترتب عليها الخلاص، وقد يترتب عليها الإدانة. كذلك فإن الإدانة فى رسالة بولس إنما تقع على المدان حسب تبشيره بيسوع المسيح، وهو ما لا وجود له فى القرآن، إذ المسيح فى القرآن وفى الإسلام مجرد عبد لله ورسول له سوف يحاسَب يوم القيامة مثله مثل سائر البشر. ثم إن القرآن يقول: "السرائر" فقط بخلاف بولس، الذى يقول: "سرائر النفوس" كما وضحنا قبل قليل. فهل التشابه فى كلمة يستأهل ما صنعه المستشرق. ترى هل يصح أن يقال إن فلانا أخذ من علان كلمة، وبخاصة إذا تكن تلك الكلمة تتميز بخصوصية تامة بحيث ترتبط بعلان هذا لأن أحدا غيره لم يستعملها من قبل مثلا، وجاء فلان ذاك فكان أول من أخذها عنه؟ وهذا إن كانت "رسائل الرسل" مترجمة آنذاك أصلا، فضلا عن أن تكون الترجمة العربية قد أدت الكلمة الأصلية بـ"السرائر". وهذا كله لا وجود له، فهو إذن زوبعة فى كستبان.
        كذلك فرسالة بولس تتسم بالركاكة الشديدة، ويصعب على صاحب القرآن، الذى يتسم بالبلاغة العالية والبهاء الجليل، حتى لو قلنا مع القائلين إنه محمد بن عبد الله، أن يتنزل إلى الأخذ من هذه الرسالة الركيكة التى تبدو فى الترجمة العربية وكأنها بقلم أعجمى لا يعرف كيف يصوغ سطرا سلسا باللغة التى كتب بها. وهذه هى الفقرة التى يريد المستشرق جيوم دى أن يقول إن محمدا أخذ منها عبارة "سرائر النفوس". وهى، حسبما نلمس بأيدينا لمسا، فقرة معسلطة لا أدرى كيف كتبها بولس، الذى يبدو وكأن حبر ريشته كان يعانى تجمدا مثلما يعانى الشخص منا مغصا فى الحمام فلا يستطيع أن يتخلص مما فى بطنه. قال بولس: "12لأَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْطَأَ بِدُونِ النَّامُوسِ فَبِدُونِ النَّامُوسِ يَهْلِكُ. وَكُلُّ مَنْ أَخْطَأَ فِي النَّامُوسِ فَبِالنَّامُوسِ يُدَانُ. 13لأَنْ لَيْسَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النَّامُوسَ هُمْ أَبْرَارٌ عِنْدَ اللهِ، بَلِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالنَّامُوسِ هُمْ يُبَرَّرُونَ. 14لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، 15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، 16فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ". ثم ما معنى قوله: "حسب إنجيلى بيسوع المسيح"؟ الواقع أننى لم أفهمه، ولكن انفتح لى باب فهمه بعض الانفتاح حين رجعت إلى ترجمة أحمد فارس الشيدياق فوجدته يقول: "فى اليوم الذى يدين فيه الله سرائر الناس بيسوع المسيح حسب بشارتى". وأتصور أن الشدياق تصرف فى الترجمة بما يذهب عن الأصل عسلطته وركاكته والتواء تراكيبه. ومع هذا فلا يزال فى المعنى قدر غير قليل من الغموض والعتمة.
        إن الباحثين الغربيين بوجه عام يزعمون أن محمدا أخذ قرآنه من الكتاب المقدس. وهى شِنْشِنَة معروفة عنهم رغم تهافت زعمهم وسخافته. إنهم يصرون على أن محمدا كان يقرأ ويكتب واطلع على كتب اليهود والنصارى ونسخ منها نصوصا كثيرة فى القرآن، وأن كل قصص الأنبياء الإسرائيليين الموجودة فيه منقولة نقلا عن كتابهم المقدس. أما الأمية التى وصف الله بها محمدا وقومه فتفسيرها عندهم أنهم لم يكونوا أهل كتاب، أى ليس عندهم كتاب سماوى، لا أنهم لا يقرأون ولا يكتبون. ومثالا على ذلك أحيل القراء الكرام إلى مادة "محمد" فى "دائرة المعارف الإسلامية" حيث يقول كاتبها حسب الترجمة العربية: "وبإمكان هذا السياق أن يقودنا إلى فهم أفضل لكلمة كثيرا ما دار النقاش حَوْلها، وهى كلمة "أُمِّىّ". فحين تشير الآية 157 من سورة "الأعراف" إلى محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) على أنه النبى الأمى فالظاهر أنها تعنى "الشخص الذى لم يبلَّغ من قبل بكتاب اللَّه"، أى عكس أهل الكتاب الذين سبق أن تَلَقَّوْا كتاب اللَّه بلسانهم. وقد كان محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) أميا قبل تلقيه الوحى لا بعده. ولا يؤثر هذا التفسير فى نتيجة التساؤل عما إذا كان بمقدور محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) أن يقرأ وأن يكتب، اللهم إلا إن كانت كلمة "أمى" تحمل فى طياتها معنى عجزه عن قراءة الكتب المقدسة لليهود والنصارى. ولابد أن اشتغاله بالتجارة كان يستلزم قدرا من الإحاطة بقراءة العربية وكتابتها. وتشير الآيات 4- 6 من سورة الفرقان إلى اتهام الكفار له بالافتراء: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِى تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا". ولم تكتسب كلمه "أمى" معناها الشائع الآن، وهو الجهل بالقراءة والكتابة، إلا فيما بعد، وفى الدوائر الدينية، كتدليل على معجزة تلقى محمد (صلى اللَّه عليه وسلم) الوحى من اللَّه عن طريق جبريل ()".
        وهذا زعم متهافت، فمن ناحية القراءة والكتابة نرى أن القرآن، كما مر بنا آنفا، قد وصفه بـ"النبى الأمى" (الأعراف/ 157). كما أكد فى موضع آخر أنه لم يكن يتلو قبل نزول القرآن عليه من كتاب أو يخطه بيمينه (العنكبوت/ 48). ولو كان كلام القرآن غير صحيح لما سكت الكفار، ولسجل القرآن نفسه كالعادة رده عليهم. إن ألفريد جيوم مثلًا فى كتابه: ""Islam (Pelican Books, Lonoon, 1964, P. 56- 57) يشكك فى أمِّيَّة النبى عليه الصلاة والسلام، وحجته أنه من غير المعقول أن يطمئن إلى أحد غيره فى قراءة الفواتير أيام اشتغاله بالتجارة، أو فى قراءة ما يرد إليه من رسائل بعد ذلك عندما أصبح نبيًّا. كما أن إحدى الروايات المبكرة تعزو إليه الكتابة يوم صلح الحديبية. وهو يفسر آية "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ" بأن المقصود بذلك هو كتب اليهود والنصارى، وأن أميته (إن صح ما تقوله الآية) إنما استمرت إلى بداية رسالته فقط. والحقيقة أن الآية المذكورة تنفى أنه كان يقرأ أى كتاب، فلا معنى لقصر ذلك على كتب اليهود والنصارى. أما فَهْمُه لقوله تعالى: "وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ" بمعنى أنك، وإن كنت قبل ذلك تجهل القراءة والكتابة، فإنك الآن تستطيع ذلك فهو فهم غريب، إذ إن حجة القرآن بذلك تتهافت وتصبح غير ذات معنى، لأن رد الكفار حينئذ سيكون كالتالى: "ما دمت تعرف الآن القراءة والكتابة فهذا معناه أنك تستطيع أن تنظر فى كتب السابقين وتنقل منها". ولكنهم لمَّا لم يحيروا جوابًا كان ذلك دليلًا على أن فهم جيوم للآية غير سليم، وأن المقصود منها هو أنه عليه الصلاة والسلام كان قبل ذلك وظل بعده أمِّيًّا، وإلا فالواحد يستطيع، على طريقة هذا المستشرق، أن يقول إن القرآن ينفى أن يكون محمد قادرًا على أن يخط شيئًا بيمينه، ولكنه لم ينف قدرته على ذلك بيده الشمال، فمحمد إذن كان يكتب ولكن بيسراه. وهو كما ترى فهم مضحك.
        إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد فسر الأُمِّية عَرَضًا أثناء حديثه عن الشهور القمرية إذ قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. الشهر هكذا وهكذا. يعنى مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. أما تفسيرها بأنها عدم امتلاك العرب لكتاب سماوى فلا يلزمنا لأنه لا يعقل أن نترك تفسير الرسول ونأخذ بتفسير غيره، فضلا عن أن المعاجم العربية تفسر "الأمية" بما نفسرها به هنا وليس فيها أبدا هذا المعنى. وسأنقل هنا ما يقوله "لسان العرب" فى هذا الموضوع: "الأُمِّى: الذى لا يَكْتُبُ. قال الزجاج: "الأُمِّى" الذى على خِلْقَة الأُمَّةِ لم يَتَعَلَّم الكِتاب، فهو على جِبِلَّتِه. وفى التنزيل العزيز: "ومنهم أُمِّيُّون لا يَعلَمون الكتابَ إلاّ أَمَانِى”. قال أَبو إسحق: معنى "الأُمِّى” المَنْسُوب إلى ما عليه جَبَلَتْه أُمُّه أى لا يَكتُبُ، فهو فى أَنه لا يَكتُب "أُمِّى” لأن الكِتابة هى مُكْتسَبَةٌ، فكأَنه نُسِب إلى ما يُولد عليه، أى على ما وَلَدَته أُمُّهُ عليه. وكانت الكُتَّاب فى العرب من أَهل الطائف تَعَلَّموها من رجل من أهل الحِيرة، وأَخذها أهل الحيرة عن أهل الأَنْبار. وفى الحديث: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُب ولا نَحْسُب. أَراد أَنهم على أَصل ولادة أُمِّهم لم يَتَعَلَّموا الكِتابة والحِساب، فهم على جِبِلَّتِهم الأُولى. وفى الحديث: بُعِثتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيَّة. قيل للعرب: "الأُمِّيُّون" لأن الكِتابة كانت فيهم عَزِيزة أَو عَدِيمة. ومنه قوله: "بَعَثَ فى الأُمِّيِّين رسولًا منهم"... وقيل لسيدنا محمدٍ رسول الله : "الأُمِّى" لأَن أُمَّة العرب لم تكن تَكْتُب ولا تَقْرَأ المَكْتُوبَ، وبَعَثَه الله رسولًا وهو لا يَكْتُب ولا يَقْرأُ من كِتاب... ففى ذلك أَنْزَل الله تعالى: "وما كنتَ تَتْلُو من قَبْلِه من كِتابٍ ولا تَخُطُّه بِيَمِينِك إذن لارْتابَ المُبْطِلون" الذين كفروا ولَقالوا: إنه وَجَدَ هذه الأَقاصِيصَ مَكْتوبةً فَحَفِظَها من الكُتُب".
        كما أن وصف الرسول فى سورة "الأعراف" بـ"النبى الأمى" لا يستقيم مع ما يقوله أعداء الإسلام، إذ لا يمكن أن يقول القرآن إنه "أمى" بمعنى أنه ليس فى يده كتاب سماوى فى الوقت الذى فى يده القرآن الكريم. بل إن القرآن وصف بعض اليهود فى سورة "البقرة" بأنهم "أميون" فقال: "ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانىَّ وإنْ هم إلا يظنون". فهل نلغى عقولنا ومعرفتنا باللغة ونقول إنها تعنى أن من اليهود، الذى معهم التوراة، يهودا ليست لهم توراة ولا غير توراة؟ إن كان هذا يستقيم فى العقل فلا كان عقل ولا منطق ولا فهم ولا تفكير. وهل يمكن أن يقول الله لليهود: آمِنُوا يا أهل الكتاب بهذا النبى الذى ليس معه كتاب؟ كيف ذلك؟ بل لقد وُصِف القرآن المجيد فى عدد من نصوصه بأنه "الكتاب": هكذا مجردا دون وصف. ثم كيف يقال إن العرب أمةُ أميين بهذا المعنى، وقد نزل عليهم القرآن الكريم، فهم أيضا أصحاب كتاب؟
        أما قول جيوم إن إحدى الروايات قد ذكرت أن الرسول كتب بيده فى صلح الحديبية فالرد عليه هو أن الرواية المتلقاة بالقبول هى أنه أَمَرَ بكتابة ما طلب المشركون من تعديل فى بعض ألفاظ الصلح كما فى "سيرة ابن هشام" مثلا. أما الرواية التى يشير إليها فهى إن صحت يكن المقصود منها هو المعنى المجازى كما هو الحال فى قولنا: "حارب السادات إسرائيل" و"بنى عبد الناصر السد العالى" وما إليه. ومثله ما ورد فى البخارى من أن الرسول قد اتخذ خاتمًا من فضة ونقش فيه "محمد رسول الله"، إذ لا يعقل أن الرسول هو الذى نقش ذلك بنفسه، فهو لم يكن نَقَّاش خواتم، بل المقصود أنه أمر بذلك. وإن كانت الرواية التى أشار إليها جيوم قد نصت على أن الرسول كتب فعلًا بيده اسمه فلا يدل هذا بالضرورة على معرفة بالقراءة والكتابة، فربما كان يستطيع كتابة اسمه وقراءته فقط كما هو الحال بين كثير من الأُمِّيِّين الذين نعرفهم.
        على أية حال ليس من الحكمة فى شيء أن نتمسك برواية واحدة غير مشهورة ذكرت أنه كتب فى هذه المناسبة فقط على مدار حياته كلها ولم ترد فى المصادر الأصلية لسيرة الرسول ونترك كل الروايات الأصلية المتضافرة على أنه كان أمِّيًا. أما استبعاده أن يطمئن النبى عليه الصلاة والسلام إلى أحد غيره يكتب له الفواتير ويقرأ له الرسائل التى ترد فليس له أساس إلا مجرى الهوى، وإلا فإن كثيرًا من التجار والمقاولين فى القاهرة المعاصرة، التى لا شك أن مستواها الحضارى والثقافى أرقى مليون مرة من مستوى مكة فى ذلك الزمان، لا يستطيعون القراءة والكتابة ولا يمنعهم ذلك من النجاح فى تجارتهم إلى درجة أن بعضهم يصبح مع مر الأيام مليونيرًا. وعلى أية حال فإن السيرة النبوية تذكر أن ميسرةَ غلامَ خديجة كان يصاحب الرسول فى رحلاته التجارية عندما كان يعمل فى أموالها، فمن الممكن جدا أن الرسول كان يشتغل بالتجارة بينما يقوم ميسرة بالكتابة. لا ليس من المعقول أن يعيش النبى ثلاثًا وستين سنة فلا نسمع بواقعة محددة كتب فيها رسالة أو قرأ فيها كتابًا أو حتى ورقة سوى هذه الإشارة المقتضبة إلى أنه كتب فى صلح الحديبية كلمة لم يرض الكاتب المسلم أن يكتبها بنفسه، فنسارع إلى تصديق هذه الإشارة المقتضبة المغموزة ونهمل كل تلك الوقائع القاطعة.
        ولو كان الرسول يقرأ ويكتب وينظر فى الكتب السابقة فمن يا ترى رآه يصنع ذلك؟ ومن شاهد فى يده كتابا أو قلما؟ ومن أى شخص كان يحصل على تلك الكتب والورق والأقلام؟ ولماذا لم ينبر واحد ممن يعرفونه يشهد بأنه رآه يقرأ أو يكتب؟ أم تراه إذا أراد القراءة والكتابة نزل فى سرداب تحت الأرض فقرأ وكتب ما يريد ثم ترك الأوراق والأقلام تحت الأرض وخرج ينفض ثيابه من الغبار وخيوط العنكبوت دون أن يستطيع أحد إثبات التهمة عليه؟ أيعقل أن يكون النبى عارفا بالقراءة والكتابة ثم لا يراه أحد متلبسا بشىء من ذلك طوال عمره؟ وهل نحن فى مدينة مترامية الأطراف يجهل كل فرد فيها كل شىء عن جيرانه؟ لقد كان يعيش فى مكة، وهى أشبه بقرية من قرانا الآن، فلو كان يعرف القراءة والكتابة لعرف كل شخص من أهل القرية هذا الأمر بمنتهى الوضوح واليقين. وأخيرا فلو كانت "الأمية" هى أن الأمة لا تملك كتابا سماويا فلم يا ترى لم يسمِّ العهد القديم أو موسى أو أى شخص من بنى إسرائيل أمة المصريين والأمم التى اصطدموا بها فى فلسطين بـ"الأمميين"؟ فليجبنى أحد على هذا السؤال.
        هذا عن الأمية، أما بالنسبة لدعوى نقله عن كتب أهل الكتاب قصص الأنبياء الإسرائيليين فالرد سهل، فقد تلقاها من الوحى، فضلا عن أن القرآن يخالف أهل الكتاب فى معظم النقاط الرئيسية والجوهرية التى تدور عليها عقائدهم وسِيَر أنبيائهم: فمثلا عقيدة الألوهية عندنا غيرها فى الكتاب المقدس، إذ إن بنى إسرائيل يصورون الله فى مواضع كثيرة من كتابهم كأنه واحد من البشر، والبشر العاجزين. وهو عندهم إلهٌ قَبَلِىٌّ خاص بهم من دون البشر جميعا، بينما هو فى القرآن رب العالمين كلهم أجمعين. والنصارى يعتقدون أن المسيح هو الإله أو ابن الإله فى حين هو عندنا مجرد عبد من عباد الله ورسول من رسله ليس إلا. وسوف يحاسَب يوم القيامة كما يحاسَب سائر البشر ولن يجلس على يمين الله يحاسِب معه البشر ويعطيهم درجات على أساسها يدخلون ملكوت السماوات أو يُطْرَدون خارجه. ونحن نؤمن بالجنة والنار فى حين يخلو العهد القديم من الحديث فى هذا الموضوع، ويقول العهد الجديد بملكوت السماء، والكلام فيه شحيح وعارض وعام ولا صلة بينه وبين عقائدنا فى اليوم الآخر. كما أبرأ قرآننا نوحا وإبراهيم ولوطا وموسى وهارون وداود وسليمان... مما بهتهم به اليهود من الإجرام ومواقعة الفواحش والتصرفات المنحطة وقساوة القلب وزنا المحارم والقتل العمد الخسيس وغير ذلك، ونفى بنوة عُزَيْر لله، وأنكر صلب عيسى وألوهيته وهاجم الثالوث بكل عنفوان وكفَّر من يقول به وتوعدهم بنار الجحيم.
        ثم مَنْ مِنْ أهل الكتاب يا ترى أو من غير أهل الكتاب كان يمدّ محمدا بكتبهم؟ ولماذا لم يظهر ويواجه محمدا بهذا ويضع حدا لادعائه النبوة ما دام محمد لم يتلق شيئا من السماء، ويقول له: كيف تنسى أننى أنا الذى كنت أوافيك بكتبنا ولم يدر بخَلَدى أنك ستغدر بى وتزعم أنك نبى ثم تزيد فتهاجم دينى وكتابى وعقيدتى، وبهذا يضع حدا لمشروع محمد التلفيقى، أستغفر الله؟ وهل كانت تلك الكتب مترجمة فى ذلك الحين إلى العربية، وبالذات رسائل الرسل؟ هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
        ولقد كان عمه أبو لهب مثلا كافرا ويؤذيه أشد الإيذاء هو وزوجته وينفّر الناس منه ومن دينه، والمعروف أن أفراد كل أسرة يعلم بعضهم عن بعض كل أمورهم، فلم يا ترى لم يتقدم أبو لهب ويشهد على ابن أخيه بذلك؟ وأبو طالب لماذا هو أيضا يا ترى لم يأت بابن أخيه ويقرّعه لأنه قد أحدث فتنة فى مكة وزعم أنه نبى يوحى إليه بينما هو يقرأ ما عند أهل الكتاب من صحف وينقل عنها ويكذب مدعيا النبوة ويحرجه كل قليل مع قومه حين يأتونه ويشتكونه إليه؟
        ثم كيف يفسر مستشرقونا دخول تلك الملايين المملينة من اليهود والنصارى من كل الأمم بما فيها الأمم الغربية فى أوربا وأمريكا وأستراليا منذ سطوع نور الإسلام حتى الآن وإلى ما شاء الله فى دين محمد، وفيهم العلماء ورجال الدين والحكام والسياسيون والأدباء وغير أولئك من خاصة الأمم، بل وتقوم دول مسلمة فى الغرب، إذا كان محمد، كما يزعم المستشِرقون، يستقى من كتبهم؟ ألم يكونوا ليقولوا حينئذ لأنفسهم: كيف نؤمن برجل أخذ من كتبنا ولفق قرآنه منها ثم ادعى النبوة وأرادنا على التخلى عن ديننا وكتابنا والدخول فى دينه والإيمان بكتابه؟ ذلك لن يكون أبدا. لكن مئات الملايين على مدار تلك القرون التى مضت منذ بزوغ نور الإسلام اعتنقت الإسلام ضاربة بكل اتهامات المستشرقين عرض الحائط. بل إن من المؤمنين بمحمد ودين محمد كثيرين جدا من المستشرقين والمبشرين ورجال الدين من يهود ونصارى من كل مكان وفى كل زمان.
        كما أن فى القرآن قصص أنبياء آخرين غير أنبياء بنى إسرائيل هم شُعَيْب وهود وصالح. وبالمثل لا يقتصر القرآن على سرد قصص الأنبياء، بل هناك قصة الخلق، وتختلف كثيرا عما عند أهل الكتاب على ما هو معروف، وتشريعات الأسرة من زواج وطلاق ولعان وظِهَار وإِيلاء وحيض ونِفَاس ومواريث وحضانة وما إلى ذلك، وفيها تشريعات للبيع والشراء والقرض والوصية والزنا والربا والقِمَار والخمر والقتل والجروح والشهادة، وتشريعات أخرى للحرب والغنائم والأنفال والجزية... وهذا كله متميز لا تربطه بما عند أهل الكتاب أو غيرهم رابطة إلا فى النادر الشاذ. فتشريعاتنا مختلفة اختلافا بعيدا. حتى عباداتنا تختلف عن عبادات اليهود والنصارى اختلافا جذريا. فما قول متهِمى محمد بأنه كان يستقى قرآنه ودينه من الكتب السابقة؟ وبالمناسبة لم يحدث أن قال اليهود لمحمد إنك تعتمد على ما فى كتبنا فى تأليف قرآنك. كل ما قالوه أنهم عندما طلب الله من المؤمنين أن يقرضوه قرضا حسنا عقَّبوا بكل وقاحة بأن "الله فقير ونحن أغنياء".كما ذهبوا إلى الوثنيين فى مكة وأكدوا لهم أن وثنيتهم خير من توحيد محمد. وهو تصرف لا غرابة فيه، فقد كان بنو إسرائيل فى كل منعطف فى تاريخهم ولأقل ملابسة يخلعون التوحيد (المغشوش رغم ذلك) ويطيرون إلى عبادة الأوثان طيرانا. وبالمثل لم يتهم النصارى المعاصرون لمحمد أنه أخذ شيئا من كتبهم.
        ولا نَنْسَ ما فى القرآن من نبوءات وبشارات بانتصار الروم على الفرس ودخول المسلمين مكة وتأديتهم العمرة بكل أمان واطمئنان وانتصار الإسلام فى آخر المطاف على كل أعدائه...، وهو ما حصل بحذافيره. وليس لشىء من ذلك وجود فى الكتب السابقة. وعلى الناحية الأخرى ليس فى القرآن شىء من "نشيد الأناشيد" الداعر الفاجر ولا يشتمل على شتائم موجهة للمسلمين على عكس الكتاب المقدس، الذى يحتوى على شتائم مقذعة يرجم بها الله اليهود رجما. كما أن القرآن ليس تأريخا لأمة العرب مثلما أن العهد القديم هو تاريخ لبنى إسرائيل. وليس قرآننا سيرة نبوية كالأناجيل، بل السيرة النبوية لدينا شىء، والقرآن شىء آخر كما يعرف كل إنسان. وليس فى القرآن سورة كبيرة خاصة بالتشريعات كما هو الحال فى الكتاب المقدس، الذى يضم بين جنباته سفر "التثنية"، وكله تشريعات من أوله إلى آخره. وعلى نفس المنوال لا يتضمن القرآن سورا كاملة كلها أدعية وابتهالات كـ"مزامير داود" مثلا. وعلى نفس الشاكلة يخلو القرآن تماما من الرسائل ما عدا رسالة سليمان لبلقيس، وهى رسالة جد قصيرة إذ تتكون من سطر واحد، ولا تخص المسلمين بل بنى إسرائيل، بخلاف العهد الجديد، فإن فيه بالقرب من نهايته عددا من الرسائل التى كتبها المسمَّون: "رسل المسيح" لهذا الشخص أو ذاك أو لهذه الجماعة أو تلك. وهى رسائل طويلة، وبعضها مكون من عدة صفحات.
        كذلك فتأليف القرآن يختلف تماما عن تأليف الكتاب المقدس، فالقرآن لا يدخل فى تفصيلات التاريخ ولا يهتم بإيراد الأسماء التاريخية إلا فى حالة الرسل وبعض الأشخاص القليلين جدا لا غير على عكس الكتاب المقدس الذى يفيض بتلك التفاصيل وتفاصيل التفاصيل والأرقام والأعداد مما لا تجده فى كتابنا المجيد. وفى القرآن كثيرا ما نقرأ العبارة التالية: "ويسألونك عن كذا فقل لهم كذا" (مع بعض التنويعات الصغيرة فيها)، مما لا يقابلنا فى الكتاب المقدس. وهناك الفواصل القرآنية، ولا يعرفها الكتاب المقدس، وإن كان بعض مترجمى الأناجيل بِأُخَرَة قد عمدوا إلى تقليد القرآن فأَجْرَوْا آياتها على طريقة القرآن بإنهائها بفواصل كما لدينا. ثم إن قرآننا لا يعرف النصوص التى تُنْسَب إلى بعض أنبيائهم أو دعاتهم كـ"مزامير داود" و"نشيد الأناشيد" المعزوّ لسليمان و"رسائل الرسل" فى العهد الجديد مثلا، بل الكلام كله لدينا هو كلام الله. وليس عندنا إصحاحات كما عندهم ولا عندنا حذف وإضافة لبعض السور مثلما لديهم حذف وإضافة لبعض الأسفار. وفى القرآن تبدأ كل سورة، وهى تقابل السفر لديهم، بالبسملة، أما لديهم فلا بسملة ولا أى شىء آخر بل يبدأ الكلام مباشرة. وفى الوقت الذى نجد فيه سورا جد قصيرة حتى لتتكون بعض السور من سطر واحد أو سطرين أو ثلاثة أو عدة سطور أو بضعة عشر سطرا وما إلى ذلك نجد أن كل سفر عندهم لا بد أن يحتوى على عدد من الإصحاحات، ولا يبلغ أى إصحاح مثل تلك السور فى قصرها الشديد البتة. كذلك لا تـعرف إصحاحات الكتاب المقدس تعدد الموضوعات وتنوعها على خلاف سور القرآن المجيد، التى قلما تقتصر الواحدة منها على موضوع واحد، ولا يكون ذلك عادة إلا فى بعض السور القصيرة جدا. وبالمثل نجد عددا من السور القرآنية تبدأ بحروف مقطعة، وهو ما لا نجده فى الكتاب المقدس. ويشبه هذا أن عددا من سور القرآن يبدأ بقَسَمٍ بينما لا يعرف ذلك الكتابُ المقدسُ.
        وفى الكتاب المقدس عدد من الأسفار تتضمن رُؤًى طويلة مفصلة ومعقدة ومتشابكة وغامضة بحيث تحتمل تفسيرات كثيرة دون الوصول إلى حسم بشأن التفسير الصحيح. وفى مادة "رُؤًى" بـ"دائرة المعارف الكتابية" نقرأ أن "هناك سلسلة من المؤلفات تحمل أسماء مستعارة، وهى فى غالبيتها من أصل يهودى، ظهرت خلال الفترة بين 210ق.م، 200م. وهذه الكتابات لها سمات مشتركة أبرزها أن هناك تشابها بين هذه المؤلفات جميعها وسفر "دانيال" حيث تستخدم معظم هذه المؤلفات أسلوب الرؤى كأسلوب أدبى لتقدم من خلاله مفاهيمها أو تصوراتها عن المستقبل البعيد... وتختلف كتابات الرؤى عن الكتابات النبوية السابقة لها فى الموضوع وفى الشكل. وكما ذكرنا من قبل أنه بينما نجد أن عنصر التنبؤ موجود فى كل كتابات الرؤى والنبوات إلا أنه يبرز بأكثر وضوح فى كتابات الرؤى، كما أنه يغطى فترات أطول. كما أن كتابات الرؤى تسهب فى وصف حالة العالم كله. ولم تكن هناك فرصة لظهور كتابات الرؤى إلا تحت حكم الإمبراطوريات الكبرى... ومن ناحية الشكل الأدبى هناك اختلافات واضحة بين هذين النوعين من الكتابة، فمع أن كليهما يستخدمان الرؤى إلا أن هذا الاستخدام كان محدودًا فى الكتابات النبوية بمعناها الأضيق. وكانت الرؤى تُذْكَر ضمنًا وليس بصورة أساسية... وتتميز الكتابات النبوية بأنها كانت تكتب فى قالَبٍ نثرىٍّ رفيعٍ سامٍ يكاد يكون شعرًا منثورًا، بل كثيرًا ما أخذ قالبًا شعريًّا كما فى الإصحاح السادس والعشرين من "إِشَعْيَاء". أما أصحاب كتابات الرؤى فكانوا يكتبون نثرًا عاديًّا دون أى محاولة لإتقانه أو زخرفته، فنجدهم يقدمون أفكارهم فى لغة ركيكة، كما أن الرؤى تسرف فى سرد التفاصيل الخيالية الغربية".
        ومثالا على ذلك نسوق نص الإصحاح الرابع من سفر "رؤيا يوحنا اللاهوتى": "1بَعْدَ هذَا نَظَرْتُ وَإِذَا بَابٌ مَفْتُوحٌ فِى السَّمَاءِ، وَالصَّوْتُ الأَوَّلُ الَّذِى سَمِعْتُهُ كَبُوق يَتَكَلَّمُ مَعِى قَائِلًا: «اصْعَدْ إِلَى هُنَا فَأُرِيَكَ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَصِيرَ بَعْدَ هذَا». 2وَلِلْوَقْتِ صِرْتُ فِى الرُّوحِ، وَإِذَا عَرْشٌ مَوْضُوعٌ فِى السَّمَاءِ، وَعَلَى الْعَرْشِ جَالِسٌ. 3وَكَانَ الْجَالِسُ فِى الْمَنْظَرِ شِبْهَ حَجَرِ الْيَشْبِ وَالْعَقِيقِ، وَقَوْسُ قُزَحَ حَوْلَ الْعَرْشِ فِى الْمَنْظَرِ شِبْهُ الزُّمُرُّدِ. 4وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ عَرْشًا. وَرَأَيْتُ عَلَى الْعُرُوشِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ شَيْخًا جَالِسِينَ مُتَسَرْبِلِينَ بِثِيَابٍ بِيضٍ، وَعَلَى رُؤُوسِهِمْ أَكَالِيلُ مِنْ ذَهَبٍ. 5وَمِنَ الْعَرْشِ يَخْرُجُ بُرُوقٌ وَرُعُودٌ وَأَصْوَاتٌ. وَأَمَامَ الْعَرْشِ سَبْعَةُ مَصَابِيحِ نَارٍ مُتَّقِدَةٌ، هِى سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ. 6وَقُدَّامَ الْعَرْشِ بَحْرُ زُجَاجٍ شِبْهُ الْبَلُّورِ. وَفِى وَسَطِ الْعَرْشِ وَحَوْلَ الْعَرْشِ أَرْبَعَةُ حَيَوَانَاتٍ مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا مِنْ قُدَّامٍ وَمِنْ وَرَاءٍ: 7وَالْحَيَوَانُ الأَوَّلُ شِبْهُ أَسَدٍ، وَالْحَيَوَانُ الثَّانِى شِبْهُ عِجْل، وَالْحَيَوَانُ الثَّالِثُ لَهُ وَجْهٌ مِثْلُ وَجْهِ إِنْسَانٍ، وَالْحَيَوَانُ الرَّابِعُ شِبْهُ نَسْرٍ طَائِرٍ. 8وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ حَوْلَهَا، وَمِنْ دَاخِل مَمْلُوَّةٌ عُيُونًا، وَلاَ تَزَالُ نَهَارًا وَلَيْلًا قَائِلَةً:«قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، قُدُّوسٌ، الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِى كَانَ وَالْكَائِنُ وَالَّذِى يَأْتِي». 9وَحِينَمَا تُعْطِى الْحَيَوَانَاتُ مَجْدًا وَكَرَامَةً وَشُكْرًا لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، الْحَى إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، 10يَخِرُّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا قُدَّامَ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ، وَيَسْجُدُونَ لِلْحَى إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ، وَيَطْرَحُونَ أَكَالِيلَهُمْ أَمَامَ الْعَرْشِ قَائِلِينَ: 11«أَنْتَ مُسْتَحِقٌّ أَيُّهَا الرَّبُّ أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ، لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَهِى بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ»". وهو ما يحتار مفسرو الكتاب المقدس إزاءه ويقفون عاجزين يضربون أخماسا لأسداس.
        هذا فى الكتاب المقدس، أما فى القرآن فلا توجد إلا "إشارة" إلى رؤيا واحدة قصيرة لا تزيد عن سطر تقريبا: "لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون"، وكذلك كلمة "رؤيا" فى قوله تعالى: "وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس" دون أن يقال لنا: أية رؤيا هذه؟
        ومما يفترق به القرآن عن الكتاب المقدس اشتماله على أوصاف الجنة والنار وألوان النعيم والعذاب فى العالم الآخر مما لا يقابلنا شىء منه فى العهد القديم، أما فى العهد الجديد فإشارات متهتهة ليس إلا. وعلى الناحية الأخرى نجد أن القرآن يخلو من نسبة أية معجزات غير القرآن إلى النبى على عكس الكتاب المقدس الممتلئ بالآيات الكثيرة المنسوبة إلى عدد من أنبيائه. ومما ينبغى ذكره فى هذا السياق أن أسفار الكتاب المقدس مرتبة تاريخيا، أما سور القرآن فلا. وفى هذه الأيام يقترح بعض المفسدين إعادة ترتيب سوره على أساس تاريخى، وهو ما يرفضه علماء القرآن كلهم، ويعدونه عبثا وإساءة إلى النص الكريم. وثم فروق أخرى بين الكتابين، لكننا نكتفى بهذه التى ذكرناها، ففيها غُنْيَةٌ عن الاتساع فى الكلام فى ذلك الموضوع. وهذا يدل على أن مزاعم اطلاع محمد على الكتب الدينية السابقة وتأثره بها هو كلام لا رأس له ولا ذيل. أما أن فى القرآن الكريم والكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى اشتراكا فى إيراد القصص الخاصة بأنبياء بنى إسرائيل فإن محمدا استقاها من الوحى الإلهى كما قلنا. ولهذا نجد فى نسختها القرآنية اختلافات واضحة وحاسمة أهمها أن فيها تصحيحات لما تتضمنه نسختها الكتابية من أخطاء وانحرافات حسبما وضحنا.
        الملاحظة الثانية عشرة: قد أرى أن "السماء ذات الرجع" هى السماء حين ترجع إلى ما كانت عليه من قبل فيطويها الله مثل طىّ السجلّ للكتب كما جاء فى سورة "الأنبياء" وتُكْشَط كما جاء فى سورة "التكوير" فكأنها لم تكن بعد أن تمور مورا كما فى سورة "الطور"، وكما بدأ الله أول خلق فإنه يعيده، وأن "الأرض ذات الصدع" هى الأرض حين تتشقق عن الموتى سراعا وتُخْرِج أثقالها كما جاء فى سورتى "ق" و"الزلزلة" تباعا. وقد يعنى "الرجع" أيضا ترجيع الصوت، والمقصود ترجيع الصوت فى الآفاق، وهو صوت الصاخَّة والنفخ فى الصور. والذى دفعنى إلى هذا ما تؤكده الآيتان التاليتان من سورتنا من أن الكلام عن البعث قول فصل وليس بالهزل، ثم ما تبع ذلك من تهديد للمشركين وتأكيد بأن كيدهم منته إلى الفشل وأنهم راجعون إلى ربهم، وأن المسألة مسألة وقت لا أكثر، فمقاييس الله غير مقاييسنا، والبعث آتٍ آتٍ بلا أدنى جدال، ولكن الأمر يأخذ وقتا، فلذلك طلب القرآن من رسول الله تمهيل الكافرين وعدم التعجل. وأما إن كنت مخطئا فى هذا التفسير الذى لم أر أحدا من المفسرين ولا المترجمين يقوله فإنى أضرع إليه سبحانه أن يغفر لى هذا الاجتهاد الذى أرى رغم ذلك أنه أكثر إقناعا لعقلى وأشد طمأنة لقلبى. ومرة ثانية قد يكون هذا التفسير خطأ. لكن الاجتهاد فى الإسلام مأجور حتى لو كان خطأ ما دام رائده الإخلاص والرغبة فى الوصول إلى الحق وما دام صاحبه يقدم الدليل على صحة ما انتهى إليه اجتهاده.
        ثم إن قول المستشرق عن الآيات التى نحن بصددها إنها من كلام الرسول هو قول خاطئ، فإن الرسول لا يمكن أن يقول هذا ابتداء من عند نفسه بل لا بد أن يأمره الله بإعلانه للناس مستخدما كالعادة فعل الأمر: "قل". فهذا أسلوب القرآن فى مثل هذه المواضيع، أما توجيه الآيات على ما وجهها إليه المستشرق فهو توجيه خاطئ يدل على أن صاحبه يفتقر إلى الحس الأسلوبى القرآنى ومنهجه فى عرض هذه المسائل.
        هذا، وقد سمى أصحاب هذا المشروع مشروعهم بـ"Le Coran des Historiens: قرآن المؤرخين"، وهذه تسمية خاطئة تماما حسبما هو واضح من المثال الذى أُرْسِل إلىَّ، وهو سورة "الطارق"، فالقرآن واحد هو هذا الذى بين أيدينا فى المصاحف المطبوعة والموجودة فى كل مكان، وهو الذى نسمعه طوال عمرنا وورثناه عن أسلافنا منذ أتى به النبى ، فلا وجود لشىء اسمه "قرآن المؤرخين أو الجغرافيين أو الفيزيائيين أو الأطباء أو الرحالة أو العرب أو المستشرقين" بل هو قرآن واحد لا غير ولا سوى. وعلى كل حال فإن أصحاب هذا المشروع لم يقدموا لنا قرآنا غير هذا القرآن، بل قدموا تفسيرا للقرآن جمعوه من هنا وهناك على غير نظام واضح، إذ يشيرون أحيانا إلى ما قاله المفسرون المسلمون القدماء، لكن دون ذكر اسم أى منهم ودون عرض ما قالوه بوضوح وتفصيل، مكتفين بإشارات موجزة وعامة ثم يُتْبِعون هذا بما ترجم به هذه الآيةَ أو تلك الكلمةَ مترجمو القرآن، متَّبِعين أسلوب التكديس لهذه الترجمات دون محاولة لإعمال العقل النقدى أو الذوق اللغوى والأدبى فى تفهم النص القرآنى منتهزين كل فرصة لتوجيه الاتهامات إلى النص الكريم بأنه أخذ هذه الكلمة أو تلك العبارة من كتب اليهود والنصارى دون تقديم أى دليل أو إثبات، ودون اعتبار لمنطق أو عقل، وهو ما وضحتُه وفضحتُه فى دراستى الحالية وبينت كيف يلجأون إلى التعسف والاتهام بالباطل واللمز السخيف.
        وهذا يقودنا إلى ما صرنا نسمعه من المستشرقين ومن يتبعون خُطَاهم من أبناء جِلْدتنا المفترض أنهم مسلمون من أن الاستشراق قد تغير وصار مستقلا عن المؤسستين: الدينية والسياسية فى الغرب، بينما الاستشراق فى الحقيقة والواقع هو كما هو فى عمومه غارق فى أوحال هاتين المؤسستين ينفذ أهدافهما، وإن حاول التجمُّل على غرار بطل رواية إحسان عبد القدوس: "أنا لا أكذب، ولكنى أتجمل" بينما هو يكذب طوال الوقت على نحو فِجٍّ ومضحك ولا يمكن أن يقتنع بصدقه إلا كذاب مثله أو ساذج لا عقل لديه ولا فهم ولا قدرة على رؤية ما تحت عينيه مباشرة.
        ويذكرنى على نحوٍ من الأنحاء ما فعله المستشرقون فى هذا الذى يسمونه بـ"Le Coran des Historiens: قرآن المؤرخين" بما زعم محمد أركون ذات يوم أنه سوف يقوم به وسماه: "بروتوكول القراءة الألسنى النقدى"، الذى يفرق بينه وبين الطريقة التى يتبعها المفسرون المسلمون والتى يُطْلِق عليها: "البروتوكول التفسيرى" بادئا بتعداد المبادئ التى تقوم عليها تلك الطريقة الإسلامية فى تفسير القرآن والتى ينظر إليها بترفع بوصفها أثرا من مخلفات الماضى التى ينبغى أن تُزَال، ذاكرا من بينها الاعتقاد بأن الحقيقة التى يتضمنها القرآن، والتى هى الحقيقة الوحيدة حسب الرؤية التقليدية للمسلمين، لا يمكن أحدا أن يحددها أو يعرفها إلا "عن طريق الاستعانة بأقوال الجيل الشاهد عليها، أقصد جيل المؤمنين الأوائل الذين تَلَقَّوُا الوحى من فم النبى مباشرة، والذين طبقوه عمليا فيما بعد (القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى/ ترجمة وتعليق هاشم صالح/ دار الطليعة/ بيروت/ 2001م/ 122). ومن الواضح الذى لا يحتاج إلى فضل بيان أن ذلك يتناقض تناقضا أبلق مع ما سماه بـ"الوضعية العامة أو الظرف العام للخطاب". وهو، بنص كلامه، "مجمل الظروف التى جرى فى داخلها فعلٌ كلامىٌّ، سواء أكان مكتوبا أم شفهيا. ويخص ذلك فى آن معا المحيط الفيزيائى- المادى والاجتماعى الذى نُطِق فيه الكلام، كَمَا ويخصّ الصورة التى شكلها المستمعون عن الناطق لحظة تفوهه بالخطاب، ويخص هوية هؤلاء، والفكرة التى يشكّلها كل واحد منهم عن رأى الآخر فيه. كما ويخصّ الأحداث التى سبقت مباشرةً عملية التلفظ بالقول، وبخاصة العلاقات التى كان المخاطبون يتعاطَوْنها فيما بينهم، ثم بشكل أخصّ التبادلات التى اندرج فيها الخطاب المعنِىّ" (السابق/ 114).
        وهذا كلام يسبب الدوار لقارئه ومحاول فهمه. وبالله متى يمكننا أن ننتهى من فَهْمِ بَلْهَ شَرْحَ أىّ شىء فى القرآن إذا كان علينا أن نحيط بذلك كله قبل البدء فى عملية الفهم؟ وبناء على هذا يشترط قراءة كل ما كُتِب من تفاسير منذ بداية التفسير القرآنى حتى اليوم فى تفسير سورة "الفاتحة"، التى يعلن أنه سوف يطبق عليها بروتوكوله المذكور، ثم التقفية بما يحتاجه ذلك من جرد وفرز. إلا أنه سرعان ما يحيص قائلا إن هذا العمل "لا يمكن أن يقوم به شخص واحد، وإنما فريق كامل من فرق البحوث". وبالمناسبة فما "الفاتحة" إلا مجرد مثال لأية سورة أخرى نريد تحليلها طبقًا لبروتوكوله الألسنى النقدى. إننا لو رُمْنا ذلك فلن ننتهى أبدا من تحليل القرآن كما هو واضح! ثم فلنفترض أننا قد استطعناه، فمن ذا الذى يا ترى يمكنه الزعم بأنه سيكون التحليلَ المثالى الذى يخلو من الأخطاء؟ إن هذا أيضا بدوره مستحيل! خلاصة الكلام أن د. أركون قد انتهى إلى أنْ طامَنَ من غُلَوائه المتنطعة وقنع من الغنيمة بالإياب فأخبرنا أنه سيكتفى بتفسير الرازى، الذى زعم أنه "قد جمع فى تفسيره أهم ما أنتجه الجهد التفسيرى خلال القرون الهجرية الستة الأولى السابقة له". لكنه عزَّ عليه أن ينهزم هكذا على الملإ أمام أول تجربة، فأخذ يؤكد لنا أنه يزمع أن يقدم لتفسير الرازى طبعة محققة مصحوبة بقراءة تهدف للإجابة عما لا أدرى ماذا (السابق/ 135- 137)، ثم إنه بعد ذلك كله لم يرجع إلى الرازى إلا مرتين اثنتين لا غير نَقَلَ فى الأولى منهما ثلاثة أسطر ونصفا (ص 127)، وفى الثانية فقرةً لا تزيد على ثلاثة عشر سطرا (ص 139- 140). ولشديد الأسى والأسف لم يحسن الاستفادة من أىٍّ من النصين.
        كذلك فإن تفسير الرازى، الذى تغلب عليه الصبغة الفلسفية، هو مجرد لون واحد من التفاسير لا يغنى عن غيره ولا يغنى غيره عنه، فهناك التفسير بالمأثور والتفسير الاعتزالى والتفسير الصوفى والتفسير الخارجى والتفسير الشيعى والتفسير اللغوى والتفسير الفقهى والتفسير العلمى... وهلم جرا. وحتى لو وافقْنا المؤلفَ على ما يقوله عن قيمة تفسير الرازى وأنه يغنى عن التفاسير السابقة عليه، فماذا نحن فاعلون فى التفاسير التى جاءت بعده؟ وعلى أية حال فلو تحوَّلنا بعد ذلك كله لنرى ماذا أنجز د. أركون فى التحليل الفعلى لسورة "الفاتحة من هذا كله راعَنا كثرة العناوين وتعمد انتقاء الكلمات الضخمة التى تسبب الدوار للرأس دون أن يكون وراءها شىء ذو قيمة أو يستحق كل هذه الطنطنات. كيف ذلك؟
        ولنأخذ أولا العناوين، وسوف أوردها بالترتيب التى أتت به فى التحليل المذكور: "اللحظة الألسنية أو اللغوية: عملية القول أو عملية النطق، المحدِّدات أو المعرِّفات، الضمائر فى سورة "الفاتحة"، الأفعال فى سورة "الفاتحة"، الأسماء أو التحويل إلى اسم فى سورة "الفاتحة"، البِنْيات النحوية فى سورة "الفاتحة"، النظم والإيقاع. العلاقة النقدية- الفاتحة كمنطوقة أو عبارة: اللحظة التاريخية، النسق اللغوى أو الشيفرة اللغوية، النسق الدينى أو الشيفرة الدينية، النسق الثقافى أو الشيفرة الثقافية، النسق التأويلى أو الباطنى، اللحظة الأنثربولوجية". وهى، كما ترى، عناوين مخيفة تجعل قلب الواحد منا يسقط فى قدميه. إلا أن المسألة لا تخلو مع هذا من الجانب الفكاهى، فهذه العناوين التى تخلع القلوب من أماكنها لا تساوى ثمن الحبر الذى كُتِبت به، إذ لا شىء وراءها، أو إذا كان وراءها شىء فإنه لا يستحق كل هذه الضجة المزعجة. أى لحظات تاريخية؟ وأى بروتوكولات؟ وأى شفرات؟ أنحن داخلون حربا عالمية؟ لننظر مثلا تحت عنوان "النظم والإيقاع". فماذا نجد تحته؟ لقد كتب المؤلف تحت هذا العنوان أربعة عشر سطرا فى فقرتين: فأما فى الفقرة الأولى فقد أشار مجرد إشارة عابرة إلى أهمية الدور الذى يلعبه التشديد والإيقاع والنغم والمدة وارتفاع الصوت والكثافة فى عملية القول والعلاقة بين علم النحو والنبرة، وأننا فى اللغة العربية، والنص القرآنى بالذات، نمتلك أدبياتٍ غنيةً وغزيرةً خاصةً بالنظم والإيقاع، ولا تزال تنتظر من يدرسها طبقا للمناهج الحديثة فى التحليل العلمى، وأنه "من غير الممكن (فى الحالة الراهنة) المخاطرة بتفسيرٍ مُرْضٍ لنصٍّ قصيٍر كـ"الفاتحة".
        صحيح أن بروتوكول القراءة الشعائرية (والمقصود الطريقة القديمة فى تفسير القرآن، وإن كان كلامه يوحى بأن المقصود هو قراءة القرآن على المقابر وفى المآتم) وتقنين التجويد يقدمان لنا بعض التعليمات التى لم يُدْرَس تأويلها الصوتى والفونيمى والنظمى- الإيقاعى بشكل جاد حتى الآن". لكنه حين جد الجِدّ ولَّى هاربا ولم يعقّب. وإليك كل ما قاله البروفيسير بعد هذه الطبول والزُّمُور التى أصمَّت لنا الآذان وخلعتْ منا القلوب. قال: "ولهذا السبب فإننا سنكتفى فقط بالتنبيه إلى الملاحظة البسيطة التالية، وهى وجود قافية "إيم" متناوبة مع قافية "إين" فى سورة "الفاتحة". أما فيما يخص الوحدات الصوتية الصغرى (الفونيمات) فإننا نلاحظ هيمنة الوحدات التالية: "ميم" 15 مرة، و"لام" 12 مرة، و"نون" 12 مرة، و"هاء" 5 مرات. نحن نعلم أن التفسير التقليدى يضفى قيمة رمزية على كل وحدة صوتية وعلى عدد التكرارات، وبالتالى فإن الدراسة النظمية أو الإيقاعية للعلامات أو الكلمات ينبغى أن تتلوها الدراسة الرمزية، أو ينبغى أن تستطيل عن طريق الدراسة الرمزية" (ص 134). أرأيت؟ إن الرجل لم يقدم شيئا رغم كل الوعود الجبارة.
        وعَوْدًا إلى ما قاله د. أركون عن مبادئ البروتوكول التقليدى فى تفسير القرآن وما توجبه من الاستعانة بالنحو وعلم اللغة التاريخى والبلاغة والمنطق للوصول إلى معنى النص القرآنى، والفرق بينها وبين مبادئ بروتوكوله هو التى لا تعرف هذه الاستعانة ولا تبالى بها، نلفت نظر القارئ إلى أنه أمضى الصفحات التى خصصها لسورة "الفاتحة" فى الكلام عما تشتمل عليه السورة الكريمة من ضمائر وأسماء وأفعال وبنيات نحوية، محاولا الوصول إلى شىء من المعنى من وراء هذه الإحصاءات عبثا، ومتخبطا فى أثناء ذلك تخبطا لا يليق بمن يتصدى لتفسير كتاب الله العظيم! فمثلا يرى سيادته أن السورة تحتوى على فعلين مضارعين (هما: "نعبد، ونستعين") أُسْنِدا إلى البشر (جماعة المؤمنين)، وفعلٍ واحدٍ ماضٍ مسند إلى الله (هو: "أنعمتَ")، وأن السبب فى هذا أن الفعل المضارع يدل على استمرار المحاولة وديمومة التوتر، فهو يناسب البشر، بخلاف الماضى الذى يدل على أن الأمر قد تم وانتهى الأمر ولا مرجوع عنه، وهو ما يناسب القدرة الإلهية (القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينى/ 130- 131). وهذا كلامٌ خَدِيجٌ لا نضج فيه، إذ كثيرا ما تُسْنَد الأفعال المضارعة إلى الله، والماضية إلى البشر، والعبرة بالسياق والمعنى لا بصيغة الفعل كما فى الشواهد التالية، وكلها من القرآن الكريم ذاته: "الله يستهزئ بهم ويَمُدّهم فى طغيانهم يعمهون"، "قال إنه يقول إنها بقرةٌ لا فارض ولا بِكْر"، "قد نرى تقلُّبَ وجهِك فى السماء"، "والله يرزق من يشاء بغير حساب"، "يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم"، "الله وَلِىُّ الذين آمنوا يُخْرِجُهم من الظلمات إلى النور"، "قل: إن الفضلَ بيد الله يؤتيه من يشاء"، "ولله ما فى السماوات وما فى الأرض، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء"، "يُوصِيكم الله فى أولادكم: للذَّكَر مثل حظ الأُنْثَيَيْن"، "فأولئك يتوب الله عليهم"، "يريد الله أن يخفف عنكم"، "أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم"، "ويستفتونك فى النساء. قل: الله يفتيكم فيهن"، "لكنِ اللهُ يشهد بما أنزل إليك"، "يَهْدِى به الله من اتَّبع رضوانه سُبُل السلام"، "قد نعلم إنه لَيَحْزُنك الذى يقولون"- "لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم"، "فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه"، "وقالت اليهود: يد الله مغلولة"، "فقد كذَّبوا بالحق لما جاءهم"، "انظر كيف كذَبوا على أنفسهم"، "وَذَرِ الذين اتخذوا دينهم لهوًا ولَعِبًا وغَرَّتْهم الحياة الدنيا"، "وما قَدَروا الله حَقَّ قَدْره"، "وجعلوا لله شركاءَ الجِنَّ"...إلخ إن كان لذلك من آخر.
        ومما قاله أركون أيضا فى تحليله للسورة إن أداة التعريف: "أل" التى تكررت فى قوله تعالى: "اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" تدل على أن "هذه التراكيب هى عبارة عن مفاهيم أو أصناف أشخاص محدَّدين بدقة من قِبَل المتكلم وقابلين للتحديد من قِبَل المخاطب عندما يصبح بدوره قائلا أو متكلما" (ص 127). وهكذا نرى أن الرجل الذى يقلل من شأن النحو واللغة فى عملية التفسير القرآنى كما رأينا، لم يستطع أن يتجاهل، فيما يسميه: "تحليل الخطاب القرآنى"، لا اللغة ولا النحو، لكن دون أن يستطيع الاستفادة منهما للأسف. ليس هذا فحسب، بل ثمة ارتباك واضطراب فى استعمال المصطلحات النحوية واضحان، وهو ما يؤكد ما قلناه مرارا عن قلة بضاعته من العلم بالموضوع الذى تصدى له رغم أنه هو الميدان الذى تخصص فيه وأصبح أستاذا. وهذا كل ما يقدمه لنا الدكتور أركون من خلال ما يسميه: "تحليل الخطاب الدينى"، وهو لا يشفى غليلا ولا يزيد القارئ علما بشىء فى السورة، فلا رجوع لأسباب النزول ولا تعمق فى تحليل دلالات الاختيارات المعجمية أو الصيغ الصرفية أو التراكيب النحوية التى رُوعِيَتْ فى كلمات السورة وبناء جملها وما فيها من تقديم وتأخير وحذف وذكر وتكرير وما إلى ذلك، ولا التفات لما تريد السورة أن تغرسه فى عقل المسلم وقلبه من عقائد ومشاعر ومفاهيم مما تعج به كتب التفسير، التى لا تعرف هذه البهلوانيات الألسنية الضحلة، ويعمل الأستاذ الدكتور عبثا على التقليل من شأنها.
        وهذا المتنطس الذى لا يعجبه المنهج الذى يتبعه المفسرون المسلمون والذى يستعينون فيه، ضمن ما يستعينون، بالنحو والصرف والبلاغة، يغرق فى شبر ماء أمام كلمة "أَمْ" الواردة فى الآية التاسعة من السورة الثانية التى يريد تحليلها على منهجه (أو "بروتوكوله" حسب تعبيره)، وهى سورة "الكهف" فلا يجد إلا ما يقوله ريجى بلاشير، فيردده فرحا به كأنه وقع على كنزٍ شماتةً منه بالقرآن، وكان الأحرى به بدلا من هذا أن يشعر بالخجل لأنه دائم التنفج فى كتاباته بأن منهجه الجديد يختلف عن منهج المستشرقين السابقين البالى. فماذا قال بلاشير وردده وراءه أركون دون أن يتمعن فيه؟ قال بلاشير إن "أَمْ" هذه لا تستعمل إلا للتناوب أو المفاضلة بين شيئين، لكن الملاحَظ أنها فى آيتنا هذه لا يسبقها شىء يمكن أن يشكّل الطرف الآخر فى عملية التناوب، ومن ثم فإن الآيات قد تعرضت لعملية تلاعب، وهذا التلاعب يدل عليه غياب الطرف الآخر للتناوب (ص 148). يقصد أن "أم" فى قولنا مثلا: "أتأكل تفاحا أم كمثرى؟" هى للمناوبة بين هاتين الفاكهتين اللتين ينبغى أن تختار واحدة منهما فقط. لكن فات بلاشير ومقلده أن "أم" لا تنحصر فى هذه الوظيفة، بل لها عدة وظائف: ففى قوله تعالى: "سواء عليهم أأنذرتَهم أم لم تُنْذِرهم: لا يؤمنون" نراها تدل على أنه لا فائدة فى هذا أو ذاك، فالنتيجة واحدة فى الحالتين. أما فى قولنا: "أزيد عندك أم عمرو؟" فتدل على الرغبة فى تحديد الموجود من الشخصين. وتسمى "أم" فى هذين التركيبين: "أم المتصلة"، لأنها متصلة بما قبلها، وهذا ما ظن بلاشير ومقلده أنه كل مهمتها. لكن فات بلاشير أن هناك "أم" أخرى هى "أم المنقطعة" التى ليس للاسم الذى بعدها مناوبٌ قبلها، بل تنشئ كلاما جديدا كما هو الحال فى الآية محور الكلام، ونصها: "أم حَسِبْتَ أن أصحاب الكهف والرَّقِيم كانوا من آياتنا عَجَبا؟"، والتى يقول المفسرون إن معناها هنا "بل أ...؟"، وإن كانت تأتى أحيانا بمعنى "بل" فقط دون همزة استفهام كما فى قوله تعالى: "فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا؟" (النساء/ 109). وأنا أضيف حالتين أُخْرَيَيْن: أولاهما تأتى فيها "أم" للمناوبة بين طرفين، لكن الطرف الأول لا يُذْكَر، بل يُفْهَم ضمنيا من الكلام السابق، كما فى قول أحدنا مثلا: "رأيى أن تأخذ فلانا باللين والهوادة وأن تصبر عليه طويلا، ولسوف يَصْلُح حاله بهذا الأسلوب إن شاء الله. أم لك رأى آخر؟". والمعنى: "أتوافقنى على رأيى هذا أم إن لك رأيا آخر؟"، إلا أن عبارة "أتوافقنى على رأيى هذا" ليست مذكورة فى الكلام كما هو واضح، بل تُفْهَم فهمًا من السياق. والأخرى بمعنى: "أَتُراك...؟"، وهذا المعنى الأخير لا يكون إلا فى بعض حالاتِ مجيئها منقطعة، وأنا أفهم الآية على هذا المعنى. ومع ذلك كله لقد كان ينبغى على بلاشير ومقلده ألاّ يُطَنْطِنا بهذا الذى طَنْطَنَا به، فالنبى الذى جاء بالقرآن (أو "اخترعه" كما يقول من لا يؤمنون بنبوته ) عربى، ومن ثم فإن ما يقوله هو الصواب لا ما يُرْجِف به هؤلاء الأعاجم. وحتى لو قلنا إن المسلمين قد غيَّروا فى القرآن من بعده ، فالذين غيروا فيه هم أيضا عرب، ومن ثم فما يقولونه هو الصواب. أليس هذا ما يمليه المنطق؟ لكن القوم، حين يتعلق الأمر بالإسلام والقرآن، لا يهتمون بمنطق ولا عقل، بل تشغلهم أحقادهم وتُذْهِلهم عن كل شىء! وهذا الاستعمال قد تكرر فى القرآن كثيرا جدا بحيث لا يمكن، مهما تسامحنا إلى أبعد مدى، أن نظن أنه خطأ فى كل هذه المواضع! اللهم إلا أن يكون العرب والمسلمون من الجهل والبلادة فى لغتهم بدرجة ليس لها نظير فى التاريخ!
        وقد رجعتُ إلى كتاب النحو الذى وضعه بلاشير بمشاركة جودفروا ديمومبين لطلاب الاستشراق فوجدتهما لا يذكران من "أم" إلا المتصلة، وهى التى سبقتْها همزة، سواء كاتت همزة استفهام أو همزة تسوية كما فى المثالين اللذين ضربتهما قبل قليل (Grammaire de L Arabe Classique, Maisonneuve et Larose, Paris, 1966, PP. 218, 469)، فهذه كل بضاعة النحو عند هذا المستشرق، وذلك هو السر فى الخبط الذى تناول به الآية وزعم أنه قد سقط قبلها كلامٌ جرّاءَ العَبَث الذى وقع فى القرآن بعد وفاة النبى . وعلى أية حال هأنذا أورد العينة التالية من الشواهد القرآنبة على ذلك الاستعمال لمن يريد أن يطمئن على هذا الذى نقول: "أم حسِبْتم أن تدخلوا الجنة ولـَمّا يأتكم مَثَلُ الذين خَلَوْا مِنْ قبلكم؟" (البقرة/ 214. ومثلها كل الآيات التى تبتدئ بعبارة "أم حسبـ(ـتَ/ تم")، "أم يقولون: افتراه؟" (يونس/ 38، وهود/ 35 مرتين، والسجدة/ 3، والأحقاف/ 8)، "أم اتخذ مما يخلق بناتٍ وأَصْفاكم بالبنين؟" (الزخرف/ 16)، "ما لكم؟ كيف تحكمون؟ * أم لكم كتاب فيه تَدْرُسون؟" (القلم/ 37). ومن يُرِدْ شواهد أخرى من القرآن فبمكنته أن يراجع المواضع التالية: البقرة/ 133، والنساء/ 53، والرعد/ 33، والأنبياء/ 21، 24، 43، والنمل/ 20، وفاطر/ 40، والصافات/ 156، وص/ 9، والزمر/ 43، والشورى/ 9، 21، 24، والأحقاف/ 4، ومحمد/ 29، والطور/ 30، والملك/ 20، والقلم/37. ومثلُ "لم" فى هذا استخدامُ القرآن للظرف "إذ" فى أول الكثير من قصصه دون أن يسبقه كلام، وهو ما لا أذكر أنى رأيته خارج القرآن شعرًا أو نثرا. وهذه الـ"إذ" يقابلها قولنا حين نريد أن نحكى لأحدٍ حكاية: "كان يا ما كان" أو "يحكى أن" أو "حدث ذات مرة" أو ما إلى ذلك. ويقول المفسرون بأن معناها: "اذكر"، وهو معنى لا يذهب بعيدا عما قلناه. فهل يصح أن يأتى أعجمى كبلاشير قائلا إن هذا استعمال خاطئ، وإنه يدل على أنه كان ههنا كلام، ثم حُذِف؟
        وسر تذكير "قرآن المؤرخين" لى بمشروع أركون هو أن كليهما أعلن عن طموح كبير، وهو جمع كل ما قيل فى تفسير كل كلمة وكل عبارة وكل آية وكل سورة فى القرآن المجيد، لكنه قصر فى إنجاز هذا الطموح: فأما أركون فقصر تقصيرا تاما ولم ينجز شيئا مما وعدنا وطنطن به، وأما "قرآن المؤرخين" فتشوبه أخطاء كثيرة ويعانى من وجوه نقص شديدة وضحتُ بعضها خلال هذه الدراسة. والقائمون عليه، كما لاحظنا، ينقصهم العقل النقدى والذوق اللغوى والأدبى الذى كان من شأنه لو توافر لهم أن يساعدهم على تفهم النص القرآنى وتذوق ما فيه من جمال وروعة وإبداع سامق، فأتى كلامهم متخشبا جافا، وصار همهم القفز فى كل فرصة إلى لمز القرآن المجيد والإيماء إلى أنه مأخوذ من هنا ومن هناك من كتب أهل الكتاب، وهو ما لم يقله اليهود أو النصارى أنفسهم فى عهده . ولو كان صحيحا ما يلمز به مستشرقونا القرآن لَمَا فَوَّتَ يهودُ المبعث ونصاراه هذه الفرصةَ ولَسَدَّدوا هدفا عزيزا غاليا فى مرمى الإسلام دون مقابل وخرجوا فائزين بالمباراة.
        الملفات المرفقة

        ترجمه عربی طارق.pdf (1.32 ميجابايت, 4 مشاهدات)

        الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد

        عبدالرحمن الشهري
        عبدالرحمن الشهري
        المشرف العام

        تاريخ التسجيل: _March _2003
        المشاركات: 9561

        مشاركة
        تويت

        #2
        23/06/2021, 06:09 pm
        بارك الله فيكم يا سعادة أ.د. إبراهيم عوض على هذه المقالة النقدية، وأحسن إليكم.
        اشتقنا لكم ولكتاباتكم الرصينة اللاهبة.
        أستاذ بجامعة عين شمس - القاهرة

        تعليق

        20,315
        الاعــضـــاء
        233,060
        الـمــواضـيــع
        42,939
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X