• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • الجانب الآخر لرواية كالفينو الإيطالي

      هذه مقالة أدبية نشرت في بعض الصحف كنت قد رددت فيها على عبارة في رواية عالمية

      الجانب الآخر لرواية كالفينو الإيطالي



      لم تسعفني ترجمة جوجل في تذوق طعم حساء أثنى عليه الناهلون ثناء مفرطا كان قد أعده كالفينو بيديه ليعتلي منصة ارتقتها همسات ألف ليلة وليلة، وليقف به في مصاف جياد جوته الألماني ورواد الأدب الغربي القديم، فمنذ ما يزيد على عشرة أعوام قرع أذنيًَ صدى إبداعات الكاتب الإيطالي كالفينو فشدني الفضول إلى قراءة قصة "لو أن مسافرا في ليلة شتاء" باعتبارها أظهرت حفاوة زائدة بالقراءة والقارئ وعلاقتهما بالناشر والحكومات القمعية، ولأنها تشكل درة التاج في إبداعاته إذ صنفت أخيرا ضمن قائمة أفضل مئة رواية عالمية في تاريخ الأدب.

      واليوم بعد ترجمتها بقليل وجدنا كالفينو قد نحى جهة القارئ وبالغ في إيلاء أهمية أكبر له بهدف جذبه وتحفيز حواسه وشعوره حيال البنية الروائية ونحو إعادة صوغ العالم وفقاً لتصور القارئ نفسه عن هذا العالم، كما سعى لاستكمال فهم العمل على رغم تغير الرواية لأكثر من عشر مرات خلال القراءة، وهو أسلوب ساحر اختاره صاحب ريشة حاذق ليرسم به تحفة أخاذة ليس لها شبيه بين أعمال أقرانه، ولا يملك المرء حيالها إلا نزع قبعته تقديرا وإجلالا.

      وكالفينو كاتب حداثي متمرد على المألوف يحاول تقديم نص مغاير لكل ما طرحته الرواية الكلاسيكية بأنواعها المختلفة، طامحا إلى تصوير العلاقة بين الكاتب والمتلقي بأنها لعبة من خيالهما معا مع احتمال تفوق القارئ على الكاتب في تصوره لطرح جديد.

      لكن المريب في عمل كالفينو هنا محاولته إسقاط شيء من إبداعاته التمردية على القرآن الكريم باعتباره نصا مقدسا ومنتجا بشريا بامتياز كما يتوهم، إذ وجد في قصة كاتب الوحي ما يسعفه في تعزيز مخياله اللا محدود، فدعا إلى توظيفها في روايته التي جاء فيها: "كان النّبي محمّد ينصت إلى كلام الله ويمليه على كتبته، وذات مرّة كان يملي على عبد الله ثمّ تلعثم [توقّف] فجأة في وسط جملة، فألقى إليه عبد الله بالبقيّة عفوا، فما كان من محمّد الشّارد الذّهن إلاّ أن اعتبر ما قاله له عبد الله وحيا إلهيّا. وهو ما استنكره عبد الله فهجر النّبي وارتدّ عن الإسلام".

      عند هذا الحد يقف ويترك الأمر مبتورا ومشطورا، تماما كسائر محطات (لو أن مسافرا في ليلة شتاء)، فهو ينطلق من رؤية فلسفية تؤمن بأن عوامل الرقي والإبداع الروائي تنبع من جسم الحكايات التي لم تكتمل.

      لست هنا بمقام تفنيد ما سبق على غرار الردود المتأنية، لكن أقول بما يسمح به المجال: إنه ليذكرني مثل هذا التصريح لأحد أساطين الأدب وقادته بهلوسات بعض المستشرقين قديما، وهو ما يجعلنا نحكم جازمين بأن كالفينو استمد نظرته عن القرآن من فوهة عدسة المستشرقين المتزمتين، خاصة وأنه قد صدر عنه هذا الإقرار ودوائر الاستشراق بلغت أوج قوتها ونشاطها، ومن كان هذا شأنه فليسمح لقبعتي بالالتصاق وعدم الحركة إذن.

      أما بخصوص عبد الله بن أبي سرح ؛ فلا شك أنه أسلم ثم ارتد، وأن فترة إسلامه قصيرة جداً مما يعزز الرأي القائل بأنه لم يكن أحد كتاب الوحي.

      بيد أن ما يتردد في أغلب كتب التفسير من روايات تفيد أن عبد الله كان يحرِّف كلام الوحي، ويبتدع فواصل للآيات حسب ما يراه هو، ويوافقه الرسول ؛ أمر يتلاشى تماما أمام النقد والتحقيق العلميين، إذ أن كل مرويات هذه القصة مراسيل أسقط منها اسم الصحابي، ورويـت بأسانيد غير متصلة أو لا وجود لها عند أهل الفن.

      ثم إن ادعاء ابن أبي سرح وقع منه حال ارتداده، فابتدع فرية يتزلف بها إلى المشركين ليسامحوه على جريمته فقال ما قال ليكسب ودهم، وهذا افتراض منطقي، لأنه كان يخشى قتلهم له، وعندئذٍ إن صح النقل عنه هو يكون شكله كالآتي: (كان ابن أبي سرح -بعد ارتداده وعودته إلى مكة- يشيع بين المشركين بأنه كان يكتب الوحي وكان يغير في ألفاظه والنبي يوافقه)، فيجب أن تقرأ على لسانه هو، لا على أنها بعض نصوص الدين، بالإضافة إلى أنها حكاية مفبركة مخالفة للسياق القرآني وتاريخ النزول وأسبابه، ومناقضة لوقائع السيرة وأبجديات علم الحديث، كما أنها لا تتفق وبديهيات المنطق والعقل السليم، ولو نطق بها قاصدا لها؛ فلمَ أسلم وحسن إسلامه وجاهد الأعداء؟

      بقي أن يقال إن ما تعرض إليه عبد الله من تهم وافتراءات نقلت عن مؤرخين لا يعتد بكلامهم في مثل هذا الشأن، لا سيما وتوليه الإمارة من جملة ما نقمه الثوار على عثمان، وتحامُل المؤرخين فيها معلوم؛ لأنهم تلقوها من الناقمين وأشياعهم، وسجلها عنهم المفسرون من باب نقل كل شيء، علما بأن هناك مفسرين أهملوا تلك الروايات ولم يلتفتوا إليها البتة، كابن كثير والسعدي إشارة منهم لخطئها وبطلانها، كما ردها بعضهم وأثبت ضعفها وتناقضها كرشيد رضا وابن عاشور ودروزة وغيرهم.

      فما الداعي لمواصلة الغارة المشئومة على القرآن ونبي الإسلام من جانب الأدباء أيضاً؟

      أخيراً عندما تبنى أعمال أدبية وروائية على الوهم والخرص فإنها ستفقد مكانتها الحقيقية ولو حازت على درجات متقدمة بين المتنافسين، أو وسمت برائعة الإنتاج البشري ضمن التقديرات العالمية، ذلك أن ما بني على باطل فهو بلا شك باطل، وأن القواعد المهترئة ستحتضن سقفها عما قريب.

      من هنا كان الشرط الأهم في الرواية من وجهة نظر القرآن الكريم أن تصدر من واقع حقيقي لا من خيال محلق ليس له قرار، فقال تعالى: ( إن هذا لهو القصص الحق(

      لذا كانت محطات (لو ان مسافرا في ليلة شتاء) تعكس لونين مختلفين؛ أحدهما ظهر ناصعا للعيان يسر الناظرين، أما الآخر فقد توشح بالعتمة ولفه السواد، وهما وجهان لحكاية واحدة.
      #د-محمد-السواعدة

    • #2
      سلمت أناملك دكتوري الفاضل على هذه المقالة الرائعه,
      وإنتقاؤك للمفردات المقالة جعلني أستمتع بقراءته
      فانتقادك للجانب الأخر من الروايه غفل عنها الكثير من الكتاب والأدباء المسلمين حينما كان الناس يصفقون لها أدركت أنت ذلك الجانب .

      تعليق


      • #3
        ماشاء الله عليك دكتوري العزيز ,
        من أجمل المقالات اللتي قرئتها , جزاك الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء
        مقاله ممتعه , ليت الكثير يتعلم منك ومن علمك , الحمدلله الذي منَ الله علي وحظظتُ بأنك من احد دكترتِ .

        تعليق


        • #4
          كل الشكر والتقدير لكما الأستاذتين : موضي وبشاير بارك الله فيكما .

          تعليق

          20,125
          الاعــضـــاء
          230,449
          الـمــواضـيــع
          42,205
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X