إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • الحلقة الثانية من كتابي اقطاب العلمانية ج1 من مجلة الراصد-ابريل2017

    تباشر الراصد نشر الطبعة الجديدة من كتاب الأستاذ الباحث طارق منينة "أقطاب العلمانية" على حلقات، وهو الكتاب الذي سدّ ثغرة كبيرة في المكتبة العربية قديمًا، وتحوي هذه الطبعة مزيدًا من الإضافات والفوائد.

    العدد مائة وخمسة وستون - جمادى الآخرة 1438 هـ
    الفصل الأول
    الإسلام وحضارته والعلمانية ومدى مشروعيتها
    قام المجتمع الإسلامي على مشروعية إسلامية ومقومات ربّانية، وقامت حضارة المسلمين على ثوابت الإسلام ومبادئ القرآن، وعلى هدي السنة النبوية التي أرساها وأحياها رسول الله .
    انطلق المسلمون يقيمون مجتمعاتهم، التي نشأت أصلاً تحت ظلال القرآن وقيَمه، ويبنون حضارتهم التي كوّن أساساتها الوحيُ، ويطوّرونها داخل هذه الأطر المجيدة، انطلقوا غير مخالِفين ولا معارضين ولا معترضين على الشريعة الإلهية القرآنية والقائمة على العدل والتوازن، والهادفة إلى تحقيق سعادة الإنسان في الدّارين، فلم يتبعوا سنن اليونان الأسطورية الوثنية في النظر للكون، ولا تبنوا فلسفاتهم الخرافية، بل قاموا بإصلاح ما ورد من أخطاء في تلك النظريات اليونانية، وما ارتبط بها من خرافات عن الكون ونشأته والمرأة والكواكب.
    فكانوا إذا مدّوا أبصارهم إلى السماء –وكان القرآن قد وجّههم إلى دراسة الكون وتعقّل آياته وتسخيرها-، وأيديهم إلى باطن الأرض وكنوزها وخُضرها وطعامها ومائها، ومشوا في مناكبها، يرسمون الخريطة ويدرسون الجغرافيا، ويكتبون عن تاريخ الشعوب والفِرق والأعراق والأفكار، وينظرون ويلاحظون ويقارنون ويكتشفون ويُنجزون، ويبحثون ويقيسون ويجرّبون ويخترعون مناهج العلم والنظر، ويصنعون ويبدعون ويبتكرون ويطبّبون ويعالجون، وكانوا يمشون على هدي الدعوة الربانية للنظر والتدبر والتفكر.
    وكانت تعاليم القرآن وإشاراته إلهامًا على سلوك هذا السبيل لإقامة العمران البشري على جناحي المعرفة الحقّة: معرفة إله هذا الكون البديع، ومعرفة طريقة الحياة على الأرض بما يحفظ للإنسان حياته وأمنه، ويمنحه السكينة والاطمئنان فيما هو يثوِّر الأرض ويطوِّر الحياة عليها!
    وكانت فتوحاتهم هائلة في عالم الأرواح وتزكية النفوس، وعالم الأبدان وصحة الأجساد، أي في علوم الدنيا والدين معًا.
    لقد حوى القرآن منهجاً كاملاً للحياة، يشمل جزئيات الحياة جميعها، بما فيها العلم، ولقد وضع كل جزئية في مكانها الصحيح، وهذا الأمر بالذات هو أهم ما قدّمته الحركة العلمية الإسلامية التي لم يكن نشاطها في ظل الوحي الإلهي مضاداً ولا معاكساً لبقية احتياجات الفطرة وبقية الحاجات النفسية والحيوية([1]).
    ولقد تطور المسلمون انطلاقاً من هذا "الوحي الرباني" الذي حثهم على النظر في الكون، وأوجب عليهم تدبر آيات الله والتعرف عليها، في عبودية تامة من الإنسان الخليفة والمكرَّم تكريما إلهيا: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: الآية 164[.
    وهو سبحانه هنا، لا يتكلم عن عالم السحر والخرافة كما زعم العلماني الجزائري- الفرنسي، محمد أركون في بحوثه([2])، ثم يدعو القلب للتعامل معه!، وإنما يدعو قوماً عقلاء إلى تدبر الآيات، آيات السماوات والأرض﴿ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾!!!
    ولنترك هذا الكلام الفارغ لأركون -ومثله كثير لتلاميذه ومَن سبقه إليه، لنتركه قليلاً ولنسِر في طريقنا مهملين –مؤقتاً- تلك النظرة الاستشراقية، والعلمانية العبثية، لماهية العقل في الإسلام، وستره وحجبه، وتشويهه، وتغطية إنجازاته وفضله على الغرب، فما كلّم القرآن الناس بالآيات الكونية والعلاقات السببية، وما وجّه إلى النظر إلى المدارات الكونية والسنن الطبيعية والأسباب السماوية والأرضية والأفلاك إلاّ لحث العقل على عملية تفكير عميقة وطويلة الأمد ودائمة.
    "إن هذه الحضارة تجاوزت في تموجاتها الكبيرة مساحة الأرض إلى السماء، ولحظات الفناء إلى عالم الخلود. . . فلقد مضى النشاط الحضاري ينقّب في الأرض.. يكشف عن السنن والنواميس والطاقات المذخورة. . يتابع حاجات الإنسان وأشواقه.. يتفحص دوافعه وغرائزه"([3]).
    فما كان واقعاً محسوسا، تاريخيا ووقائعياً، وعلميا وإبداعياً في تاريخ حضارتنا، طويلة المدة، يؤكد كلامنا، ويثبت أن كلام القرآن أنتج علماً واسعاً وحضارة زاهرة محسوسة ومُشارا إليها في التاريخ.
    لقد أودع الله "الفطرة البشرية": طاقة المعرفة ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾]البقرة الآية: 31 [، فلم تكن "المعرفة" بكل أبعادها غريبة عن هذه الفطرة ولا غير متلائمة مع طبيعتها، وطبيعة هذا الكون، وإنما الفطرة الإنسانية تشكل جزءاً من هذا الكون، مهيأة للتعرف عليه مستعدة للاحتكاك به، وتطوير ما وصلت إليه منه على هدي السنن الربانية إن أرادت الأمان والسلام معه، وابتغت الرحمة والسكينة والرشاد.
    فلم يكن العلم القرآني عدواً للعقيدة، ولا العقيدة الربانية عدوة للعلم، فالعقيدة الإسلامية حرّرت العقل من التقليد، ونقلته نقلة عجيبة من الصحراء إلى الآفاق، ومن الأرض إلى السماء، ولهذا أقبل المسلم على المعرفة والتفاعل مع الكون المادي بلا صراع أو عداء بين "الإنسان" وبين "الله" ، كما حدث في التاريخ الغربي، بل حب وإقبال ورغبة من العبد في المعرفة وتقصّي العلوم وإجراء التجارب واختراع المناهج وصناعة الآلات والمبتكرات، والاستفادة من ثمارها المتكاملة مع بقية علوم المنهج القرآني الشامل للحياة كلها.
    ففى مجال علوم العمران البشري نجد القرآن قد حرّض المسلمين على النظر في الكون والربط بين الآيات والأسباب، وتسخير السنن وإعمال العقل في الماديات والروحانيات.
    كما أمر بالمشي في الأرض، مشي الباحث الراصد المستكشف المستفيد، الآخذ للعبر والدروس والقائم على التجربة والمحاولة، وذلك باستعمال العقل وإعمال التفكير. أمم تفكر وتؤسس للعلم والنظر، وأفراد يسيحون في الأرض ويربطون بين الأسباب، ويفيدون الإنسان ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ] الملك، الآية: 15[﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] الجاثية، الآية: 13] وكل ما في السماوات وما في الأرض من آيات إنما هي ليتدبرها عقل الإنسان ﴿... لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وما دام الكلّ من الله ، الخلق والتسخير، الوجوب والتوجيه، فما على الإنسان إلا أن يمضي في هذا السبيل على «علم» وفي حالة «تواضع لا غرور فيه» غير مخالفٍ للسنن ولا متكبرٍ على ربّه وخالقه ومبدعه ورازقه!
    ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)]العلق الآيات: 1-5[
    انطلق المسلمون في المسار الذي رسمه الله لهم، وانطلقت حضارتهم بهذه التوجيهات والإرشادات، والتعليمات والتشريعات، في عبودية تامة لله ، فاحتكوا بالكون المادي واستنبطوا طاقته بحسب ما فتح الله عليهم في أزمانهم في الطب والحساب والفلك والهندسة والتاريخ والاجتماع([4])وغير ذلك مما فتح الله به عليهم في مجالات الحياة الإنسانية والروحية والمادية.
    وخطا إنسان هذه الحضارة أشواطاً بعيدة في طريق البحث العلمي وعالم الاكتشاف والتجريب، وكانت فتوحاته منطلق العلوم وقواعدها في أوروبا كما اعترف بذلك كثير من العلماء الغربيين.
    بيْد أن حضارة المسلمين لم تعمر «الآلة» على حساب «البيئة» و«الإنسان» على حساب «الطبيعة» ولا «المادة» على حساب «الروح» ولكنها انطلقت تعمّر على سُنَّة التوازن ومادة الاتفاق والاتساق، فعمّرت الأرض والإنسان والمجتمع - بحسب ما وصلت إليه من علوم - وحافظت على النفس والروح والجسد ولم تمزق شيئا من ذلك لحساب استقلال مزعوم للإنسان أو لصالح كيان على كيان!
    فلم تفسد الإنسان لصالح الإنتاج أو التقدم!، ولم تُفسد الفرد لصالح المجتمع، أو تُغلّب مصالح الفرد على مصالح المجتمع والتطور. لم تنطلق في عالم الروح مهملةً الجسد، ولا بنوازع الجسد ممزقةً الروح البشرية التي هي جوهر الطبيعة الإنسانية، إنما أخذت بيد الإنسان، كل الإنسان، عقله وحسّه، روحه وفكره، مشاعره وخياله، أخذت به إلى الأمان، وتعرّف فيها على حقيقته وطبيعته وحدوده ومكانته في الكون ومدى تكريم الله له كإنسان وكسيّد الأرض وخليفة.
    وكما يقول د. عماد الدين خليل فالإسلام رسم للعلاقة بين الإسلام والعالم خطاً جديداً "خطًا يقوم على الوئام والانسجام، والتكامل والتوافق، والتجانس والالتحام بين الإنسان والطبيعة، بين الجماعة المؤمنة والعالم"([5]).
    ولقد أخطأ العلماني عبد الله القصيمي إذ راح يوجّه الإهانة للإسلام والمسلمين عندما دافع عن مفهوم السببية في الكون، وراح يجعل التديّن ضد التطور والتحضّر، وذلك عندما قال في كتابه (هذي هي الأغلال): "فطبيعة المتدين-غالبا- طبيعة فاترة، فاقدة للحرارة المولدة للحركة، المولّدة للإبداع"، وقال: "فإنه لا يكاد المرء أن يجد متديناً حرفياً استطاع أن يكون في الحياة شيئاً مذكورا"([6]).
    كذلك فإنه راح يتّهم ثقافتنا الإسلامية بما هي بريئة منه قطعاً، فقد قال: "وإطلاق القوى المختلفة من الحدود والقيود لا يكون –في رأي هذه الثقافة- إلا للخالق وحده"، وأنها ثقافة ترضي الله بتخصيصه وحده بالعلم، وهي تقنع أهلها "أن العجز عن العلم علم"، ويقصد أن يبقى الإنسان جاهلاً بالأسباب والعلل في الكون، وأن ذمّ علم الإنسان هو نفسه ثناء على الله مع أن العلم الإسلامي في عالم الكون والطبيعة، والأجساد والمواد هو بتقييم الإسلام ثناء من المسلم على الله وتحميد وتكبير وتهليل وتعظيم وتسبيح لله!، كذلك فإنه يزعم أن المسلمين: "ما فتئوا يضعون الأهاجي المريرة الواصفة للإنسان بجميع أوصاف الانحطاط الذهني وغير الذهني"([7]).
    ولو كان ذلك ما ظهرت حضارة الإسلام العلمية المؤمنة في التاريخ، ولا أقامها علماء حمدوا الله وسبّحوه في مقدمات كتبهم العلمية في عالم الطبيعة والكون والمادة والإنسان.
    إن أي اختبار لتاريخ المدة الطويلة لحضارة الإسلام سيكشف زيف مقولة القصيمي التي يحتفي بها العلمانيون من بعده، يقول لوبون: "إن العرب بلغوا درجة رفيعة من الثقافة بعد أن أتموا فتوحهم بزمن قصير... وكان حب العرب للعلم عظيماً... وكان العلماء ورجال الفن والأدباء من جميع الملل والنحل، من يونان وفرس وأقباط وكلدان يتقاطرون إلى بغداد ويجعلون منها مركزاً للثقافة في الدنيا"([8]).
    فالتوحيد يضع المسلم قبالة الله سبحانه وهو مسؤول عن العالم من حوله: "مسؤولا عن قدراته التي أودعه الله إياها ... في التوحيد يغدو الكون والعالم والطبيعة من صنع الله القادر المهيمن المبدئ المعيد، ويتحرر المسلم من سائر الخرافات والصنميات التي تلبّستها الطبيعة والعالم في المذاهب والأديان الأخرى. فعرقلت انطلاقه الحر للكشف عن السنن والطاقات والنواميس"([9]).
    وتقول كارين آرمسترونج، وهي الراهبة التي تركت الرهبنة، وانغمست في فلسفات الفكر المادي الغربي: "يشدّد القرآن على استخدام العقل في فك رموز آيات أو رسالة الله. يجب على المسلمين ألاّ يتخلوا عن عقولهم، بل عليهم أن ينظروا إلى العالم بتمعّن وفضول. فهذا الموقف بالذات هو الذي مكّن المسلمين لاحقاً من بناء تراث جميل للعالم الطبيعي الذي لم يعُد خطراً على الدين كما عدّته المسيحية"([10]).
    وقد ذكرت كارين هذا الكلام بعد أن عرضت الآية القرآنية المجيدة:﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: الآية 164[، وأضافت: "خلال القرن التاسع احتكّ العرب بالعلم والفلسفة الإغريقيين... وكان العرب المسلمون آنذاك يدرسون الفلك والكيمياء والطب والرياضيات بنجاح كبير لدرجة أن معظم الاكتشافات العلمية خلال القرنين التاسع والعاشر قد تحققت في الإمبراطورية العباسية، وكانت أكبر مما تحقق في أية فترة سابقة من التاريخ"([11]).
    فلقد بث القرآن روحَ الملاحظة، ووضع أصول التفكر في الكون، وأشار إلى مبدأ التسخير، وحرّض على العلم والدراسة واستخدام القلم واكتشاف الأدوات للتقدم في العلوم التي كان مبدأ فيضانها من القرآن: "أرشد المؤمنين به إلى هذه العلوم في الآيات الكثيرة التي بيّن بها آياته تعالى في خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، فإن دلالة الشمس والقمر والكواكب والسحاب والمطر والبحار والأنهار والجبال وأنواع النبات والثمار على قدرته تعالى ومشيئته وحكمته ورحمته ودلالة ما في مجموعها من وحدة النظام على وحدانيته، كل ذلك لا يكمل للناظر فيها إلا بقدر علمه بما فيها من الخواص العجيبة والنظام الدقيق"([12]). عمل الإسلام على إطلاق العقل من قيوده وتسريحه في عوالم الطبيعة علويّها وسفليها؛ ليبحث عن حقائقها وينتفع بها، فإن الله قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ ]الجاثية الآية: 13]([13]).
    فبالوحي القرآني، –كما يقول عماد الدين خليل- وُضعت "الجماعة البشرية المؤمنة في قلب العالم والطبيعة، ودفعتها إلى أن تبذل جهدها من أجل التنقيب عن السنن والنواميس في أعماق التربة، وفي صميم العلاقات المادية بين الجزئيات والذرات.. إننا بإزاء حركة حضارية شاملة تربط، وهي تطلب من الإنسان أن ينظر إلى السماوات والأرض، بين مسألة الإيمان ومسألة الإبداع، بين التلقي عن الله والتوغل قدما في مسالك الطبيعة ومنحنياتها وغوامضها، بين تحقيق مستوى روحي عال للإنسان على الأرض وبين تسخير قوانين الكيمياء والفيزياء والرياضيات لتحقيق الدرجة نفسها من التقدم والعلو الحضاري على المستوى المادي (المدني) ولم يفصل الإسلام بين هذا وذاك"([14]).
    اقرأ قوله تعالى: "أولَم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء" (الأعراف: 185)، وقوله: "قل سِيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" (العنكبوت: 20)، وقوله: "فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها"(الروم: 50)، وقوله: "انظروا إلى ثمره اذا أثمر وينْعِه" (الأنعام: 99)، وقوله: "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرةً وذكرى لكل عبد منيب. ونزّلنا من السماء ماءً مباركا فأنبتنا به جناتٍ وحبَّ الحصيد. والنخلَ باسقاتٍ لها طلع نضيد" (ق: 6-10)، وقوله: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض" (لقمان: 20)، وقوله: "إنّي جاعل في الأرض خليفة" (البقرة: 30)، وقوله: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود: 61)، وقوله: "وعلّم آدم الأسماء كلها" (البقرة: 31).
    فالآيات ترسم صورة تجعل من العلاقة بين الإنسان والكون علاقة سيد أرضي وخليفة إنساني سُخّرت له وأُخضعت له "كتلة العالم" لا ليفسد فيها، لا، فالقرآن يقول "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها" (الأعراف: 56)، ويقول: "وأصلِح ولا تتبع سبيل المفسدين" (الأعراف: 142)، وإنما لتلبية متطلبات خلافته على الأرض وإعماره للعالم على عين الله"، وهكذا فالعالم والطبيعة، وفق المنظور الإسلامي –يقول عماد الدين خليل - قد سُخّرا للإنسان تسخيرا، وإن الله سبحانه قد حدد أبعادهما وقوانينهما ونظمهما وأحجامهما بما يتلاءم والمهمة الأساسية لخلافة الإنسان في العالم وقدرته على التعامل معه تعاملا إيجابيا فاعلا([15]).
    ومعنى هذا أن القرآن وضع مستقبل المسلم للأحسن وليس للأسوأ، مستقبله مع الطبيعة والعمران، والعقل، مستقبله مع الاكتشافات والإنجازات، مستقبله مع البحث والنظر ودراسة الكون والحياة، وقد سعى إلى أن يغير التوحش القبائلي أو السطوة الإمبراطورية الجاهلية بالطبيعة إلى ماهو أفضل للبشرية كلها، وقد كان، وكانت آيات القرآن تفعل فعلها في العلماء.
    لقد وضع البيروني الآية الكريمة "سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (فصلت: 53) نصب عينيه وفي ثنايا كتابه عن الجواهر، فهل كان يضع اندهاشا خرافيا بين يدي بحثه العلمي؟([16]). يقول جون فريلي: "وقد كان أبرز شخصيات النهضة الإسلامية من العلماء الجامعيين الذين تفننوا في شتى ضروب العلم وتناولوها في كتاباتهم، ومن بينها علم الفلك... بلغ عدد الأعمال التي تنسب إلى أبي ريحان البيروني (973-1050م) 146 عملا، تتضمن رسائل في علم الفلك، والتنجيم، وعلم تأريخ الأحداث، وقياس الزمن والجغرافيا، والجيوديسيا، والخرائط، والرياضيات (وتشمل الحساب والهندسة والمثلثات) والميكانيكا والطب والأدوية والأرصاد الجوية والمعادن (ومن ضمنها الأحجار الكريمة)... إضافة إلى شروح مفصلة لأدوات رصده واختراعاته"([17]).
    أما الشريف الإدريسي فيقول في مقدمة كتابه الجغرافي المشهور "نزهة الآفاق": "الحمد لله ذي العظمة والسلطان والطول والامتنان والفضل والإنعام والآلاء الجسام، الذي قدّر فحكم، ورزق فأنعم، وقضى فأبرم، ودبّر فأتقن، وذرأ وبرأ فأحسن ما صور، فاتصلت بالعقول معرفته، وقامت في النفوس حجّته، ووضح للعيون برهانه، وقهر الألباب قدرته وسلطانه، الهادي إلى سبيل عزه تفضلاً وإرشاداً، والدال على ارتباط النعم به قولاً واعتقاداً، جاعل عجائب مخلوقاته وبدائع مصنوعاته سبيلا إلى معرفته، وسلما إلى علم قدمه وأزليته، وإن في بعض ما خلق لعبرة لأولي الأبصار، وذكرى لذوي الخواطر الصقيلة والأفكار، فمن آياته خلق السموات والأرض، فأما السماء فرفع سمكها، ونظم سلكها، وزيّنها بالنجوم، وجعل فيها الشمس والقمر آيتين يُستضاء بهما في الليل والنهار، ويستعلم بمجاريهما تعاقب الدهور والأعصار، فأما الأرض فبسط مهادَها وأرسى أطوادها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، وأسكنها خلقه فبوأهم أملاكها، وأجرى لهم أفلاكها، وعرّفهم مسالكها، وعلّمهم منافعها ومضارها، وهداهم إلى السير فيها برا وبحرا وسهلا ووعرا، كل ذلك منه جلّت قدرته بحكمة وتدبير ومشيئة وتقدير، فتعالى من هذا ملكه وسلطانه وصنعه وبرهانه".
    كما بدأ محمد بن جابر البتاني (858-929م) كتابه "زيج الصابي" بالاستشهاد بآية من القرآن الكريم في مدح علم الفلك هي: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"(يونس: 5)([18]). قال جون فريلي: "لتبدأ نهضة إسلامية انتقلت ثمراتها في نهاية المطاف إلى أوروبا الغربية، وقد حدد العلماء المسلمون بداية عصر التنوير هذا بعهد هارون الرشيد" وأضاف: "وذكر البتاني في مقدمة كتابه "الزيج" أن الأخطاء التي وجدها في الرسائل الفلكية المتقدمة قادته إلى تطوير النموذج البطليموسي (القائل بأن الأرض كرة ثابتة في وسط الكون، وأن الشمس والقمر والكواكب السيارة تدور حولها في مدارات دائرية)، وذلك بإضافة نظريات وملاحظات جديدة، تماما مثلما تعامل بطليموس مع عمل هيبارخوس وغيره من سابقيه، ... ترجمت كتابات البتاني الفلكية إلى اللاتينية وبقيت في قيد الاستعمال حتى القرن السابع عشر"([19]).
    أما ابن الشاطر (1305-1375م) الذي أنجبته دمشق، فقد تأثر بأعمال أبي علي المراكشي، الذي ألّف في سنة 1280م تقريبا خلاصة وافية في علمي الفلك الرياضي والأدوات الرياضية، فقد طوّر نموذجا كوكبيا أصليا يختلف اختلافا جوهريا عن نموذج بطليموس، كما قال جون فريلي: "ثم استعمله لإخراج مجموعة جديدة من الجداول في كتاب سمي "الزيج الجديد"، ذكر في مقدمته كيف أنه أنشأ هذا العمل بعد قراءة كتب علماء الفلك المسلمين المتقدمين، الذين مافتئوا يعبّرون عن شكوكهم حيال نموذج بطليموس الكوكبي، لكنهم لم يتمكنوا من صوغ نظرية جديدة، وقد قال: "لذا فإني سألتُ الله العلي القدير أن يُلهمني ويوفقني لابتداع نماذج تُبرز ما كان مطلوبا، فمكنني–تعالى جدّه وله الفضل والمنة- من ابتكار نماذج جامعة للنماذج الكوكبية لمعرفة درجات خط الطول وخط العرض وجميع المعالم الأخرى التي يمكن رؤيتها، إضافة إلى حركاتها، نماذج لا تتطرق إليها -بحمد الله- الشكوك التي أحاطت بالنماذج السابقة... ظلّ كتاب الزيج الجديد لابن الشاطر المرجع في دمشق لعدة قرون... وكانت دراسات مؤرخي العلوم قد أظهرت في سنة 1957 أن نموذج القمر الذي استعمله ابن الشاطر كان مماثلا في جوهره للنموذج الذي استعمله كوبرنيكس في سنة 1543، علمًا بأن البحث لم يُظهر بالتفصيل كيف شقّت النظرية الفلكية الجديدة طريقها من دمشق إلى إيرلندا في غضون قرنين"([20]).
    هذه هي الحقيقة التي يُراد حجبها علمانياً، أو يراد تخطيها وتجاوزها والتخلص منها إلى المعرفة العلمانية بفرضياتها وتخرصاتها الفاشلة، والتي يثبت العلمانيون أنفسهم كل مرة فشل قديمهم أو ضيق أفقه وعفنه (الداروينية، الماركسية، البنيوية، النظريات العرقية، وهلمّ جرا)، احتفاء بالجديد أو القديم المُعدل والمتحلل من أشد قواعده رسوخًا!

    الزحف على حواضر الإسلام
    بيّنا أن حضارة «المسلم» في الأندلس والشرق الإسلامي قامت على أسس العلم الإسلامي المفارق لمعارف البيئة الجاهلية وأساطيرها، التي بُعث لإزالة آثارها في النفوس والعقول والعلم، وتلك الأسس لم تكن –في الأصل والفصل- منفصلة عن السماء، ولا متكبّرة أو مُعرضة أو مستغنية على «الله»، ولا عن إشارات الوحي وتوجيهاته الأصيلة، ولا كانت مستقلة عن شريعته –ومنها وجوب العمل بالأسباب- وتعاليمه التي أبدعت فكراً رائعاً على مساحة واسعة لعدة قرون، فكراً رائعاً في علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه والأصول وعلوم اللغة والفيزياء والفلك والجغرافيا وغيرها كثير، والحقيقة أن أوروبا لم تشعر بما في مفاهيمها الدينية مِن خَلل إلا حين احتكت بالإسلام والمسلمين عن طريق المعابر الثلاثة الكبرى التي عبّر عنها التأثير الإسلامي في أوروبا، وهي الحروب الصليبية والعلاقات التجارية التي أنشأتها (جنوة) و(البندقية) مع العالم الإسلامي والعلاقات العلمية والثقافية التي انتشرت من الأندلس وصقلية الإسلامية([21]).
    فبينما كانت الحياة في أوروبا في العصور الوسطى المظلمة كئيبة يمخر فيها الجهل وتعشش فيها الخرافة، ويتحالف في عالمها الإقطاع المذل مع انحراف الكنيسة العقدي والعلمي! كانت الأندلس (إسبانيا والبرتغال) منارة في قلب أوروبا، فيها التوحيد، وفيها الحرية والعلم، وفيها المدنية والنظافة، وفيها الإسلام صاحب التعاليم الراقية والتطوير النافع!([22]).
    وما أن سمع الشباب الأوربي بعالَم الأندلس حتى توافدوا عليه ينهلون من علومه، ولم يمنع المسلمون أحدا ًمن هذا العلم الذي توصلوا إليه بفضل الله ومفاتيح قرآنه الكريم، -فلا إله إلا الله مفتاح العلوم، ومنها علوم الكون والطبيعة- وهم لم يُقبلوا على العلوم والمعارف والبحوث والتطبيقات لصالح المسلمين فقط، وإنما لصالح «الإنسان» ككل.
    تعلم أبناء أوروبا علوم المسلمين، وبدأوا محاولة التعبير ونفي الجمود الطاغي على حركة العلم في المسيحية، فثارت عليهم الكنيسة المنحرفة عن حقائق الإنسان والطبيعة والكون والكتاب المنزل، فأُحرق من أُحرق، وقُتل من قُتل، حتى انطلقت أوروبا بفضل ثورة المسلمين المعرفية والتجريبية، فثاروا على المسيحية وظلمات عصورهم المتخلفة المظلمة، ومع التقدم البطيء والصراع المستمر بين الكنيسة المنحرفة والذين ثاروا عليها، بدأ الدين يخبو في النفوس، وبدأت الفلسفة -بخيرها وشرها- تحتل مكانة الكنيسة.. والدين!
    فهذا أسقف قرطبة (ألفارو) الذي راح يجأر بشكواه بكلمات مؤثرة تصور بلواه كما عرضتها المستشرقة الألمانية زيغرد هونكه في كتابها المسمى "الله ليس كذلك"، قال أسقف قرطبة: "إن كثيرين من أبناء ديني يقرؤون أساطير العرب(!) ويتدارسون كتابات المسلمين من الفلاسفة وعلماء الدين، ليس ليدحضوها وإنما ليتقنوا اللغة العربية ويحسنوا التوسل بها حسب التعبير القويم والذوق السليم. وأين نقع اليوم على النصراني – من غير المتخصصين- الذي يقرأ التفاسير اللاتينية للإنجيل، بل من ذا الذي يدرس الأناجيل الأربعة، والأنبياء ورسائل الرسل؟.. وا حسرتاه! إن الشباب النصارى جميعهم اليوم، الذين لمعوا وبزوا أقرانهم بمواهبهم لا يعرفون سوى لغة العرب والأدب العربي! إنهم يتعمّقون دراسة المراجع العربية باذلين في قراءتها ودراستها كل ما وسعهم من طاقة، منفقين المبالغ الطائلة في اقتناء الكتب العربية(!) وإنشاء مكتبات خاصة، ويذيعون جهرا في كل مكان أن ذلك الأدب العربي جدير بالإكبار والإعجاب!
    ولئن حاول أحد إقناعهم بالاحتجاج بكتب النصارى فإنهم يردّون عليه باستخفاف، ذاكرين أن تلك الكتب لا تحظى باهتمامهم!.. وا مصيبتاه! إن النصارى قد نسوا حتى لغتهم الأم، فلا يكاد اليوم واحدا في الألف يستطيع أن يدبج رسالة بسيطة باللاتينية السليمة، بينما العكس من ذلك، لا تستطيع إحصاء عدد من يحسن منهم العربية، حتى لقد حذقوه وبزوا في ذلك العرب أنفسهم".
    إن سحر أسلوب المعيشة العربي قد اجتذب إلى فلكه الصليبيين إبان وقت قصير، كما تؤكد شهادة الفارس الفرنسي "فولشير الشارتي" وها نحن الذين كنا أبناء الغرب قد صرنا شرقيين!، ثم راح يصوّر أحاسيسه وقد تملّكه الإعجاب بالسحر الغريب لذلك العالم العجيب بما يعبق به من عطر وألوان، تبعث النشوة في الوجدان، ثم يتساءل بعد ذلك مستنكرا: "أفبعد كل هذا ننقلب إلى الغرب الكئيب؟!، بعد ما أفاء الله علينا وبدّل الغرب إلى الشرق"([23]).
    وقد أوردت كارين آرمسترونج نص "ألفارو" الذي أوردناه عن هونكه، منذ هنيهة، وذلك في كتابها "الإسلام في مرآة الغرب محاولة جديدة في فهم الإسلام"([24])، وقالت قبل عرضها له: "كانت العلاقات المسيحية الإسلامية جيدة عادة، كان المسيحيون –مثل اليهود- ينعمون بحرية دينية كاملة ضمن الإمبراطورية الإسلامية، وكان معظم الإسبان يشعرون بالاعتزاز لانتسابهم إلى الثقافة العربية الإسلامية الرفيعة التي كانت متقدمة على غيرها بسنوات مشرقة كثيرة".
    كما أورده ويل ديورانت في موسوعته (قصة الحضارة)([25]) فقال: "وكان المسيحيون من رجال الدين وغير رجال الدين يفدون بكامل حريّتهم وهم آمنون من جميع أنحاء أوربا المسيحية إلى قرطبة، أو طليطلة، أو إشبيلية طلاباً للعلم، أو زائرين، أو مسافرين. وقد شكا أحد المسيحيين من نتيجة هذا التسامح بعبارات –يقصد ألفارو- تذكرنا بشكاية العبرانيين القدماء من اصطباغ اليهود بالصبغة اليونانية فيقول: "إن إخواني المسيحيين يُعجبون بقصائد العرب وقصصهم، وهم لا يدرسون مؤلفات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم ليردّوا عليها ويكذبوها، بل ليتعلموا الأساليب العربية الصحيحة الأنيقة... وا حسرتاه! إن الشبان المسيحيين الذين اشتهروا بمواهبهم العقلية لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة غير علوم العرب وآدابهم ولغتهم؛ فهم يُقبلون في نهمٍ على دراسة كتب العرب، ويملؤون بها مكتباتهم، وينفقون في سبيل جمعها أموالاً طائلة، وهم أينما كانوا يتغنّون بمديح علوم العرب".
    والغريب أن ألفارو هذا هو من اشتكى من قومه، يقول ديورانت تحت عنوان: "الكنيسة في الحضيض" (1307-1417) وقد رفع الأسقف الأسباني ألفارو بلايو عقيرته بقوله: "إن الذئاب تسيطر على الكنيسة وتمتص دماء الشعب المسيحي".
    إن ذلك كله يؤدي عند العقلاء إلى ربط الوحي والقرآن بنتائج فاعلية علمه المنشئ للعلم العقلي والتجريبي، المادي والسببي، الروحي والوجداني والشعوري، ولكن عملية الحجب والعزل، الكتمان والستر، كانت وما زالت تتم لتغييب الحقائق العليا، والمحسوسة في التاريخ، فمِن زرْع الوحي نبتت علوم الحياة، التي استفادت أوروبا والغرب منها أيّما استفادة.
    «ولقد كان النموذج الإسلامي قائماً حول أوروبا من الشرق والغرب والجنوب، بل إنَّ أوروبا لم تعرف العلم الحقيقي إلا حين أرسلت أبناءها يتعلّمون في مدارس المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية الإسلامية؛ فلئن كانت الكنيسة قد ارتكبت حماقاتها بمعاداة العلم والعلماء، فلقد كان الحلّ هو نبذ دين الكنيسة الفاسد، لا نبذ الدين كله، وقد رأوا نموذجاً مفلحاً منه في العالم الإسلامي... ولئن كانت «المكايدة» هي العملة المتبادلة بين الكنيسة من جهة والعلماء من جهة، فلقد كان المقتضى السليم لذلك هو أن يرد العلماء للكنيسة إلهَها المزيف الذي تعذب العلماء باسمه وتطاردهم، ويفروا إلى الله الحق الذي وجدوه معبوداً عند أولئك العلماء الأفذاذ الذين تتلمذوا عليهم وتعلموا العلم على أيديهم، والذي وجدوا العبادة الصحيحة له تخرج مثل هؤلاء الأفذاذ، وتتيح لهم حرية البحث العلمي بلا قيود»([26])، لكن مجرى الأحداث والتاريخ سار بسيناريو مختلف تماماً.

    الطريق إلى العلمانية الصلبة ثم السائلة
    أما الانقلابات الكبرى، والتبدلات الضخمة فقد بدأت مع بداية القرن التاسع عشر، وجاء «دارون» ([27] ) فكتب كتابه «أصل الأنواع» سنة 1859م، ثم في سنة 1871م نشر كتابه في «أصل الإنسان» وادّعى أن أصله حيوان! وهكذا بدَل أن تترفع الحضارة الغربية إلى مستوى الحضارة الإسلامية والكرامة الإنسانية التي حرصت عليها، نزلت إلى مستوى «الحيوان»([28]).
    في البداية وقفت الجماهير في جانب الكنيسة ضد نظرية دارون: فقد عزَّ عليها بطبيعة الحال أن يصمها دارون بالحيوانية، وينزع عنها «قداستها» وتميزها ورفعتها، حين ينزع عنها كرامة الإنسان ويردّها إلى أصل حيواني. ولكنها -رويداً رويداً- في المعركة الحادة التي قامت بين دارون وبين الكنيسة غيّرت موقفها! فقد وجدت أن هذه فرصة سانحة للإجهاز على ذلك الغول البشع الذي يضطهد الناس بسلطان الدين. ونسيت الجماهير بعد فترة كرامتها الإنسانية، وفرحت بالانطلاق والتحرير، ولو في إهاب الحيوان!([29]).
    ثم جاء «فرويد» ([30]) فاستخدم نظرية «دارون» في أصل الإنسان، وقال بأن هذا الإنسان هو ذو نفسية جنسية تسيطر على كل تصرفاته، حتى الدين، فهو نتيجة لعملية كبت جنسي قديم تجاه (الأم)!! التي قام الأولاد من أجل الحصول عليها بقتل أبيهم.. ثم أظهروا الندم فعبدوا (الوالد) ثم «الطوطم» ([31]) ثم ظهرت الأديان تباعاً نتيجة هذه العقدة المرضية التي حدثت للأولاد من كبت الجنس وقتل الأب! ويطالب «فرويد» بإطلاق الغرائز والتحرر من الدين للخروج من الكبت الموروث!([32]).
    يقول «يونح» أحد تلاميذ فرويد المقربين: «لقد قال لي فرويد إننا ينبغي أن نحطم كل العقائد الدينية» وقال لي: ينبغي لنا أن نجعل من الجنس عقيدة!!!([33]).
    ويقول المسيري إن فرويد وأمثاله من اليهود الذين يقومون بتقويض الذات الإنسانية يقومون بعملية تقويض جذرية: "وهم أيضاً يغوصون في ظلمات النفس البشرية، ويصلون إلى عناصر الهرطقة المكبوتة التي تتحدى المعيارية القائمة، فيقومون باكتشافها وبلورتها ودغمها نحو المركز... يقومون بإحلال النص المهرطق مكان النص المقدس، وهم بذلك يحوّلون الخارجي إلى داخلي، والعكس بالعكس، ففرويد يتولى تعرية الرغبات المهرطقة في الذات الإنسانية، ودريدا سيد التقويضيين... فهناك في كل أنحاء العالم (مثقفون يهود)- بالمعنى المجازي أو الوظيفي- جعلوا همهم فتح النصوص المقدسة عن طريق إعلان أن النص المقدس صامت يمكن أن يحمل أي معنى يريده المفسّر، ثم قاموا بإعادة تفسيرها وتحميلها معنى مهرطقاً حتى يسود الظلام وتهيمن العدمية"([34]) وهنا تؤول العلمانية إلى دورها الأخير، دور السيولة وفقدان المرجعية!
    فالمرجعية النهائية هي -في الحقيقة- إنكار المرجعية، والمطلق الثابت الوحيد هو النسبي المتغير، وهذا هو ما يُعبر عنه الفكر المادي بالقول "لا ثبات إلا لقوانين التغير". ومع هذا تظل هناك الداروينية وفكرة البقاء للأقوى باعتبارها المرجعية الوحيدة الثابتة في عالم الواحدية السائلة وما بعد الحداثة والنظام العالمي الجديد"([35]).
    ومن المعلوم أن العلمانية ليست مجرد تعريف، كما قال المسيري، وإنما ظاهرة لها تاريخ، وتظهر من خلال حلقات متتابعة...إنه في المراحل الأولى من هذه المتتالية تسود العلمانية الجزئية، حينما يكون مجالها مقصوراً على المجالين الاقتصادي والسياسي، وحين تكون هناك بقايا مطلقات مسيحية وإنسانية، وحين تتسم الدولة ووسائل الإعلام وقطاع اللذة بالضعف والعجز عن اقتحام (أو استعمار) كل مجالات الحياة، وحين تكون هناك معيارية إنسانية أو طبيعية / مادية. ولكن.. في المراحل الأخيرة، ومع تزايد قوة الدولة ووسائل الإعلام وقطاع اللذة، وتمكنها من الوصول إلى الفرد وإحكام القبضة عليه من الداخل والخارج، ومع اتساع مجال عمليات العلمنة وضمور المطلقات واختفائها، وتهميش الإنسان، وسيادة النسبية الأخلاقية، ثم النسبية المعرفية (باهتزاز الكليات) تظهر العلمانية الشاملة في مرحلتيها: الصلبة والسائلة.. "([36]).
    ثم جاء «دوركايم»([37]) فجعل الإنسان مميع الشخصية، فلا شيء ثابتا في حياته، لا القِيم، ولا الفطرة، ولا الدّين، فكلّها تخضع للتطوير والتبديل «فهو يريد أن يلغي شخصية الفرد إلغاءً تاماً ويلغي إرادته»([38]) ليخضع لقهر خارجي.
    وقال -كغيره من فلاسفة أوروبا- بأن الدّين والأسرة والزواج أشياء ليست فطرية، فهي ظواهر اجتماعية تخضع لتطور المجتمعات! والآن.. يوجد تطور.. –ويعلّق الأستاذ محمد قطب على كلامه: فلتكن الهمجية.. وأهلاً بالجريمة فهي ليست ظاهرة اجتماعية معتلة! (هكذا تؤدي نتائج النظرية وتفسير نتائجها عند الأستاذ محمد قطب)، وإنما هي ظاهرة اجتماعية طبيعية ومفيدة للجميع!!: «ومن ثم تكون الجريمة الظاهرة الوحيدة التي تنطوي بصفة لا تقبل الشك على جميع أعراض الظاهرة السلبية»([39]): «ولكن معنى ذلك أيضا أننا نؤكد من جهة أخرى أن الجريمة عامل لا بد منه لسلامة المجتمع، وأنها جزء لا يتجزأ من كل مجتمع سليم»!([40]).
    وبعد دوركاييم بدأت المذاهب المنحرفة الأخرى في الظهور، وأصبحت تظهر بسرعة التطور والتحول في مناحي الحياة التي تحتل العلمانية مواقعها ومجالاتها، وكما يقول العلماني القمعي جابر عصفور: "ومِن ثم ظهور نظريات واتجاهات جديدة تحل محل نظريات واتجاهات تنسحب من بؤرة المشهد... حتى إن الفيلسوف الواحد ينتقل من نظريته إلى غيرها"، ويضيف عصفور:" لانسحاب الأضواء عن النزعة البنيوية التي عرف بها تودوروف... انصراف تودوروف نفسه عن البنيوية التي هجرها إلى نظريات الخطات الأحدث"([41]). حتى ظهرت أعراض الخلل في النفس البشرية في هذه الحضارة التي أخذت من المسلمين نصف حضارتهم وتركت النصف الأهم وهو عقيدة الإسلام الشاملة أو شريعة الإسلام الكاملة، التي فيها سعادة الإنسان مدنياً واجتماعيا، دنيوياً وأخروياً.
    إعلانات الموت العبثية المؤدية للانهيار والسيولة
    أعلنت المذاهب الجديدة «الغربية» انــفصالها عن السمـاء، وتحللها من القيم الربانية ثم الإنسانية القديمة، أعـلـن نيتـشـة - مثلاً- «أن الله قد مات»!، فأعلنت استغناءها عن الله سبحانه، تعالى عمّا يقولون، وهي تأكل وتشرب من كونه وأسباب الحياة الطبيعية التي أبدعها أحسن إبداع وسخّرها لهم أعظم تسخير، وبالتالي استغنوا عن الشريعة والدين والأخلاق والأسرة، بل وأخيرا بإعلان موت الإنسان عن "الإنسان"!، وقد عبّر ميشيل فوكو عن نهاية الإنسان، بل موته في الغرب، وفلسفاته الأخيرة في آخر صفحات كتابه "الكلمات والأشياء"، قال فيها:" موت الله والإنسان الأخير متلازمان"! وقال: "الإنسان سوف يندثر مثل وجه من الرمل مرسوم على حد البحر"، و"الإنسان مشرف على الموت"([42])، ومن المعلوم أن فوكو شرعن الخروج عن الأسرة والعلاقة الطبيعية ودافع عن الأسر الجديدة، وله كتب معروفة في فلسفة ذلك وفلسفة المثلية، والشذوذ باعتباره صحة وقوة في المجتمع.
    إن الدكتور المسيري يبين لنا –تبعاً لهايدجر- أن تضمينات كلمة نيتشه المشهورة لا تشمل الإله وحسب، بل تشمل الإنسان والكون، بحسب هجوم نيتشه طبعا! (وكان النموذج الذي هاجمه نيتشه هو النموذج المسيحي)، يقول: "ويُلقي الفيلسوف الألماني هايدجر الضوء على عبارة نيتشه بقوله: "إن الإله بالنسبة لنيتشه هو العالم المتسامي .. العالم الذي يتجاوز عالمنا، عالم الحواس.. الإله هو اسم عالم الأفكار والمثاليات والمطلقات والكليات والثوابت والقيم الأخلاقية، ومن ثم يمكننا أن نقول إن العبارة تعني في واقع الأمر: نهاية فكرة المركز الكائن خارج المادة. بل وفكرة الكل ذاتها، باعتبارها كيانا متماسكاً يعلو الأشياء. ومن ثم يسقط المركز بسقوط فكرة الكل المتجاوز، فيصبح العالم أجزاء لا تشكل كلاً ولا مركز لها"([43]).
    فنيتشه -بمقولته هذه- حاول تحطيم كل "مقدس" و"خير" و"جميل" و"مطلق": وذلك – كما يقول المسيري- "حتى يتم القضاء تماماً، لا على اليقين المعرفي والأساس الديني للأخلاق وحسب، وإنما يتم القضاء أيضاً على أي يقين معرفي، بل وعلى مفهوم أو فكرة الأخلاق ذاتها"([44])، وبدأ الانهيار مع التطور المادي للحضارة الغربية، وسيطرت الفلسفة العلمانية عليها! تطوَّرت الحضارة لكنها أفسدت الإنسان، تقدَّمت لكنها حطمت إنسانية الإنسان، وأهملت حاجاته الكلية، يكفي أنها جعلته حيوانياً وفسرته جنسياً وسلَّمت زمامه للمجتمع والتطور المُنْحلّ الذي لا يلبّي حاجات الإنسان الإنسانية والاجتماعية، ولا أشواقه الفطرية أو رعايته المتكاملة في الشباب والشيخوخة.
    تحررت من الكنيسة والإقطاع البغيض لكنها لم تقبل ديناً بديلاً كانت قد احتكت به في الأندلس والحروب الصليبية، فأخذت علومه واستفادت من منجزاته وعقوله، وأقبلت تحاربه على منوال حروب الكنيسة! فلم تعطِ الفضل لأهل الفضل ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ]الرحمن: 60[، بل أقبلت تحاربه بالاستعمار العسكري تارة، وبالاستعمار السياسي والاقتصادي تارة أخرى، والثقافي على الدوام، وكلنا يعرف تاريخ الاستعمار!

    محاولة نقل «العلمانية» إلى العالم الإسلامي:
    أثناء ذلك كانت السيطرة على بلاد المسلمين قائمة على قدم وساق فغيّرت تشريعاتها واستوردت قوانين أوروبا لحكم بلاد المسلمين وانطلقت البعثات إلى بلاد أوروبا في القرن الثامن عشر لتتعلم في جامعاتها، وحمل معظم العائدين، فوق العلوم النافعة، مذاهب الفلسفة الغربية التي تعلن استقلال الإنسان عن الله والوحي الإلهي!
    ودافع بعضهم عن نظرية «دارون» باعتبارها نظرية راقية! ودافع آخرون عن النظريات الأخرى، والتي يهشم بعضها بعضاً.
    وأراد بعضهم تحرير المرأة المسلمة من واقعها الذي تعيشه في ظل الأنظمة ذات الصبغة «غير الإسلامية»، بل أراد تحريرها من الإسلام، وكأن الإسلام يستعبدها ويقهرها - كما زعموا - حتى ظهر في القرن العشرين من يدعوها إلى التحرر من الأسرة والزواج و«الرجل» إلى غير الأسرة وغير الزواج وغير«الرجل»!([45]).
    علّمتهُم «أوروبا» كيف يمكن أن يتحرروا من الأسرة والعلاقات الثابتة بين الجنسين، وأن يلفظوا مبادئهم في تربية الإنسان وصنع المجتمعات، وأن يدفعوا بالمرأة في طريق شائك مهلك للجسد وممزق للروح ومؤدٍّ إلى عدم الاستقرار والأمن والسكينة، علّموهم ذلك كله، حتى ظهر منهم أخيرا من نادى بانتهاك كل محرّم، وأن القيام بذلك هو «الفضيلة الكبرى»!([46]).
    وعيّنوا - حديثا – د. محمد أركون في جامعة السوربون بفرنسا، ليقول للمسلمين: يجب أن تُنتهك كل المحرمات الدينية والفكرية!([47]).
    واخترع د. حسن حنفي([48]) ما يسمى باليسار الإسلامي، واعتبر «أن الإنسان هو القادر على كل شيء» ([49]) وأنه قادر قدرة مطلقة([50]) وأن الإنسان خضع في حال العجز لله!
    و نادى د. نصر حامد أبو زيد([51])، بإخضاع القرآن لنظرية غربية / مادية تنكر الخالق وتؤول الوحي الإلهي على أنه إفراز بيئوي أسطوري، ناتج عن المعرفي التاريخي الغارق في الأسطورة([52]).
    وحتى صنعوا طائفة «العلمانيين» العرب، وغيرهم من أبناء الأقطار الإسلامية من غير العرب ليدّعوا بكافة الطرق، المباشرة والملتوية، إلى نبذ الدين وطرد الشريعة وتحقير الأسرة وتمجيد النمط الغربي في الحياة، وبحجة «الحداثة» دعوا إلى القطيعة مع ثوابت الإسلام وشريعته ومبادئه، وقال أساطينهم إنه لا سبيل لتحديث البلاد العربية والإسلامية إلا بتخلّيها عن الإسلام! البعض قال هذا تصريحاً والبعض الآخر قاله تلميحاً!
    يقول أحد كبرائهم، د. محمد أركون: "إن الخط التحديثي الواجب احتذاؤه هو خط العلمانية والعقلانية في مواجهة «الشريعة»([53])، ويقول: «خط الغرب العقلاني والعلماني والليبرالي»، لذلك فإنه يدعو إلى هذه «الحداثة العقلية والفكرية»([54]) مقلداً للفكر الفلسفي الغربي!
    هذه «الحداثة» التي دمّرت الغرب ومزقت ببطء «الثابت» و«النهائي» «بلفظ محمد أركون» ولذلك فهي لا تستمد مشروعيتها إلا من الفلسفة الإلحادية والعقل المستقل عن «الوحي»، ولذلك فإن العلمانيين العرب يرفضون «المشروعية الإسلامية» و«المرجعية الدينية» تقليدا للفكر والحداثة الغربيين وسيراً على خط الحداثة في مواجهة الوحي والشرعية تأصيلاً للمشروعية العلمانية في مواجهة «المرجعية الإسلامية». يقول د. علي حرب: «هناك معيار يمكن استخدامه للفصل بين العلماني وغير العلماني، هو أصل المشروعية التي يرتكز إليها مجتمعٌ ما في تصوره لهويّته، وفي إرساء نظامه وإدارة وحدته وتسيير شؤونه، ففي المجتمع الديني، تستمد المشروعية، بل المعنى والنظام والوحدة، من خارج المجتمع، من مصدر فوقي، عُلْوي... هذا في حين أن المشروعية، في المجتمع العلماني، هي على الضد من ذلك، تنبع من داخله لا من خارجه(!)... فلا مصدر إذن، لشرعيته غيره"!([55]).
    فالمرجعية في العلمانية هي الإنسان المستقل عن الله، وعن الوحي، وعن الشريعة، وقول د. علي حرب هنا لا يخالف مفهوم العلمانية الغربي، إنه هو هو! لا مكان للدين كمرجعية في العلمانية، ولا شرعية للشريعة، ولا سلطان للوحي.
    والمنهجان -بناءً على ذلك- مختلفان، إنهما يشكلان -كما يقول الدكتور العلماني محمد أركون-: «طريقتين مختلفتين في الإدراك والوعي والتفكير والعمل والخلق والمعرفة» ([56]إذن ليست العلمانية هي فصل الدين عن السياسة فقط!!!
    لذلك ينتصر العلمانيون، لا للإسلام كوعي ومعرفة وإدراك وتفكير وعمل، وإنما للعلمانية كمصدر وحيد للمشروعية، كمرجعية شاملة للحياة كلّها، وكما يقول د. أركون: «بصفتها فكراً وطريقة محددة لتشكيل مفهوم جديد عن السيادة والمشروعية»([57]).
    فالسيادة والمشروعية العليا، في العلمانية ليست للقرآن ومنهجه في الحياة، يقول أركون «إن القرآن يؤسس وعياً خاصاً بالعلم والتاريخ والدولة»([58])، وهو ينادي، ويطالب بالاقتداء بتاريخانية القرن التاسع عشر (العلمانية): «التي توصلت إلى تهميش العامل الديني والروحي المتعالي وحتى طردته نهائياً من المجتمع»([59]).
    إنه يطالب - كالعلمانيين- بتعبئة كل الجهود للقيام بعملية طرد للإسلام وسيادة ومشروعية القرآن من المجتمع مهما ادّعى أنه لا يريد طرد الدين، وإنما ترك الحرية له حرية الأشواق الدينية المرفرفة!، فالحرية هذه إنما هي فقط في إقامة الشعائر، وهو يطالب بتغيير مفهوم الدين في عقول المسلمين، وإبعاده عن مجالات الحياة السيادية والقانونية والتشريعية والقيمية، ومعنى ذلك من جهة طرد الإسلام من أهم مناحي الحياة التي جاء لها، وقصدها في أولوياته العليا لتحقيق التوازن في النفس والحياة والمجتمع، ومن جهة أخرى قصر هذا الأركون حدود الإسلام عند حدود الشعائر، بل إن الرجل مع التضييق عليها بالتغيير الفكري.
    يقول أركون إنه مع أن الدولة الديمقراطية العلمانية تحمي كل الأديان، إلا أنها تتسامح زيادة عن اللزوم!، وهو يرفض الحياد العلماني تجاه موضوعٍ كالحجاب، أي أنه يحرّض ضد الحجاب، ويضرب مثلا على ذلك بأن الباحثين العلميين الذين يرفضون التدخل في الأمر يتحجّجون إما بواجب التحفظ المفروض(!) عليهم من قبل وظائفهم في الدولة العلمانية، وإما بعدم تهيئتهم نفسيا وفكريا لهذا النوع من العمل ... "منذ زمن طويل وأنا أدين من دون نجاح هذا الفراغ الفكري والعلمي واللاهوتي والفلسفي في الدولة العلمانية الديمقراطية الحديثة. وينكشف هذا الفراغ أكثر فأكثر كل يوم عن طريق المناقشات التلفزيونية المنظمة باستمرار حول مواضيع متكررة كالحجاب والبرقع والشريعة والمآذن والمساجد... نلاحظ أن المسؤولين السياسيين يفضلون الاحتماء خلف الحياد العلماني الذي يشكل قدس الأقداس"([60]).
    ويقول أركون إن الكنيسة قبلت أخيرا بمبدأ فصل الدين عن الدولة وهو المبدأ الذي سواه قانون 1905: "لقد أصبح هذا القانون العلماني ضروريا منذ الآن فصاعدا- يقول أركون- من أجل احتواء تطرفات الإسلام الشعائري الطقوسي الدوغمائي الأصولي المسيس في آن معاً"([61])، يقصد كما تقدم من كلامه مواضيع كالحجاب والنقاب والمآذن والمساجد!
    إن ما يغيظ أركون أو كان يغيظه، هو أن الدولة العلمانية تراعي رجال الدين التقليديين "ويراعونهم أكثر من اللزوم"! فيقول: "إن مراعاة الدولة العلمانية الفرنسية أو الإنكليزية أو الألمانية أو الأوروبية عموماً لرجال الدين التقليديين تتم على حساب الاستنارة والفهم الجديد والمتسامح للدين الإسلامي"، فالدين الإسلامي: "يثير ردود فعل تساهلية أو تسيبية –يقصد من التسيب-، وحتى نوعا من الدعم الطائش وغير المتعقل لدى محبيه بشكل زائد عن الحد في الغرب نفسه"، ويضيف: "وهكذا نجد أنفسنا بين قطبين متضادين أو موقفين متطرفين ومتعاكسين: القطب الكاره للإسلام بشكل هوسي لا معقول، والقطب المجذوب إليه بشكل متهور ومن دون أي تروٍّ. وهكذا ننتقل من تطرف إلى تطرف بدلا من أن نفهم مشكلة الإسلام بشكل عقلاني هادىء"، ولكن ما هو هذا الموقف الثالث لأركون؟
    وهو يحرّض الغرب على القيام بمزيد من تغيير حقيقة الإسلام: "ولكن إذا كانت سياسة التسوية الوسطية ضرورية من أجل إيقاف العنف في المجتمع –يقصد الغربي- وحمايته منه، فإنه لا ينبغي الاكتفاء بها، بل ينبغي تجاوزها من أجل التوصل إلى حلول تأسيسية وتدشينية لفهمٍ جديد للدين"([62]).
    وقال أركون: "ينبغي العلم أن الإسلام أصبح منخورا من الداخل (يقول أركون ذلك مع أنه هو نفسه سخِر ممّن قال من العلمانيين إن الإسلام سينتهي قريبا)، ومضعفا ومتجاهلا ومستخدما كمجرد أداة داخل كل نظام من الأنظمة السياسية القائمة في العالم العربي أو الإسلامي. لكنه في الوقت نفسه دين مجهول في العالم الغربي أو غير العربي، ومشنّع به، أو على العكس، مقرظ ومتقرب منه ومُتلاعب به من قبل هذا الغرب بالذات. كل المواقف المتناقضة تجاهه نجدها في الغرب. لكي أشرح وضع الإسلام أضرب المثل التالي: نلاحظ أن أغلبية المسلمين نزلوا إلى الشارع بعنف من أجل التظاهر ضد ظاهرة كره الإسلام في الغرب أو "الإسلاموفوبيا". كما نزلوا للتظاهر ضد العنصرية، والصور الكاريكاتورية، ورواية الآيات الشيطانية، ومحاضرة البابا في جامعة راتسبونغ، إلخ. لكن القليل جدا منهم هرعوا إلى المكتبات للاستعلام عن المسار التاريخي الحقيقي لهذا الدين... فالعقلية الدوغمائية الانغلاقية لا تزال مسيطرة في الإسلام، ولا أحد يريد أن يفتح عقله على تساؤلات جديدة بالرغم من كل ما حصل ويحصل!"([63]).
    ويحاول أركون أن يبرّر بعض التصرفات السياسية تجاه التأفف من المظاهر الإسلامية بقوله إنه في عام 1995 تجرأ الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك على التحدث والتعبير عن تضايقه "من الانتشار الزائد عن الحدّ لبعض الروائح والألوان والأصوات والألبسة في الفضاء العام للمجتمع. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. ومع ذلك فقد ثارت ضده عاصفة من الانتقادات متهمةً إياه بالعنصرية"، وعن الروائح قال: "روائح المطبخ التي تنتشر في أروقة مباني المدن الفرنسية وسلالمها"، إن أركون لا يحاول التبرير فقط وإنما يقدم تفسيرا ساذجا لذلك مع أننا لا نتهم شيراك بالعنصرية التامة، ولكن تفسير أركون للأمر إنما هو تفسير ساذج جدا، يقول: "ينبغي العلم أننا أحيانا نفرح أمام منظر ما، وأحيانا نحبّ شيئا ما، وأحيانا نرغب فيه، وأحيانا نختنق، أو نشعر بالدوخان أو بالرغبة بالتقيؤ، أو قد نشعر بتوعك صحي إذا ما رأينا جسدا مدمى.. إلخ. لا ينبغي أن نفسر كل شيء في الاتجاه السيئ. إن منظر امرأة مغطاة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها بالرقعة الأفغانية السوداء أو النقاب شيء يثير ردود فعل سلبية كبيرة لدى الأوروبيين، بل حتى لدى المسلمين الذين تربوا في بيئات منفتحة تختلط فيها النساء بالرجال"([64]).
    في مقابل ذلك فإن موقف الفيلسوف العلماني ذي الأصل المسيحي بول ريكور في موضوع الحجاب يناقض موقف أركون التحريضي ضد الحجاب، لكنه يتخذ موقفه هذا ليس من أجل الحرية، لكن من أجل مواجهته بمكر!
    يقول بول ريكور: "وأعترف بأني مصدوم فيما يتصل بقضية الحجاب، لأننا لم نقترح على هؤلاء الفتيات المسلمات حلولا أخرى. فيما يتعلق باليهودية والمسيحية نعتبر أنه يجوز الحديث عن علامات لا تثير الانتباه وأخرى تفاخرية؛ فنمنح فرصة للاختيار. فأين هو البديل بالنسبة للحجاب؟ ومن جهة أخرى، ما هو الشكل التفاخري لعلامة كاثوليكية؟ هل هو الشخص الذي يصل إلى المدرسة حاملا صليبا على ظهره؟
    لا يمكن أن أمنع نفسي من التفكير بأن هناك شيئا مضحكا في إعطائنا الحق لفتاة مسيحية في أن تظهر مؤخرتها في حين تُحرم فتاة مسلمة من الحق في تغطية رأسها. لنبدأ هنا أيضا في تتبع ما يصنعه الآخرون؟ كيف يتصرف الإنجليز في مثل هذه الحالة؟
    إنهم يتقبلون الأمر، وينصحون بارتداء حجاب لا يثير الانتباه.. أما نحن، في فرنسا، فلم نتعلم بعد كيف نعالج هذه المشاكل بطريقة وديّة. بصورة تلقائية سأكون مؤيدا لقبول الحجاب. لأنه لو قبلنا ربما ما كان ليتضاعف ويتكاثر؛ فالرفض سيشجع انتشاره على أبواب المدارس. وسنصل إلى هذه المفارقة التي تؤدي إلى حرمان فتيات من المدرسة التي قد تشكل بحق فرصتهن للارتقاء الاجتماعي وحتى للتحرر من ضغط الأسرة. إنه المفعول المنحرف لقرار المنع. أو أننا سندفع بهؤلاء التلاميذ إلى التوجه صوب تعليم خاص.. حاليا الدول الغربية في علاقة صراعية مع أصولية الإسلام،... يَنصح هؤلاء الأئمة الفتيات بالصمود وعدم التراجع!، فإننا لن نعرف حينئذ كيف نتدبر الأمر سوى أن القضية انحرفت عن مسارها: فمن جهة نحن أمام دولة علمانية متشددة في معاييرها، وأمام مد إسلامي، من جهة ثانية، يضع قدرات المقاومة لدى ما نسميه دولة موضع اختبار، ويدفعها إلى الخطأ.."([65]).
    ومع ذلك يعترف بول ريكور أنه لا يعرف شيئاً كثيراً عن الإسلام إلا أنه اندهش لقوته الروحية، كما أنه أشاد ببعض نتائجه في الحياة والمجتمع!!
    قال ريكور: "وماذا عن الإسلام؟ إني أنظر إليه من زاوية ثقافية خالصة، وتاريخية، بيد أني لا أعرفه بما فيه الكفاية، ولا أرى ماذا سيضيف حقا إلى ما أجده في التنوع الأقصى لليهودية والمسيحية. غير أن هذا قد يعود ربما إلى جهلي، ويجب الاعتقاد بأنه يتوفر على قوة روحية، لأنه ليس بالعنف فقط، ولا بالغزو اعتنقه ملايين البشر. إنه جهل يتعين تبديده، لأنه يجاورنا منذ زمن بعيد، ويقيم بين ظهرانينا"([66]).
    وعموما فريكور هو عمود من أعمدة نصر حامد أبو زيد في هرمنيوطيقا نقد القرآن وقلب مفاهيمه، وهو من قال عن الإسلام: "ثم كونه لم ينتج ما أنتجته المسيحية، بالرضى أو بالقوة، أقصد أنه لم يدمج البعد النقدي في اعتقاداته الخاصة. من الخصائص المميزة لليهودية والمسيحية نجاحهما في النهاية في تحقيق زواج صعب بين الاعتقاد والانتقاد"، وأضاف: "فعلمانيتنا لا يمكن أن يَنظر إليها المسلمون إلا بوصفها فكرة مجنونة صادرة عن دين محرف؛ فحين يسمع إمام أن قوانين الجمهورية أعلى من قوانين الدين، فإنه يسمع شيئا يقع خارج خارطته الإدراكية"([67]).
    وعلى كلّ حال، فأركون الأشد عداوة وحقداً، لا يفتأ يُحرّض في محاضراته على الإسلام، فيما يخص القرآن والسيرة، والشعائر والملابس، وقانون الإسلام وشريعته، والتفاسير وكتب السيرة وعلماء الأمة، فالرجل ببساطة يدعو للمواجهة الفكرية وإن قال بحرية التدين الطليق باعتبار أن التدين الداخلي من الخيال الرطب ومن كشوفات العلم الأخير ومن ثم احترامه للأساطير، فالتدين عنده خيال رطب لا مانع من الإبقاء عليه؟!
    وقد خابت علمانيته القديمة في تحقيق وعودها بإفناء الدين والتدين، فيقول: "...الحداثة التي قد وعدتنا منذ القرن الثامن عشر عبر الثورات الفرنسية والأمريكية بأنها ستحقق التحرير الحاسم للوضع البشري، كانت قد وعدَتنا به عن طريق تحقيق الانتقال النهائي الذي لا مرجوع عنه من المرحلة اللاهوتية للعقل، إلى المرحلة الوضعية ... فإذا بنا نفاجأ بعكس ما تنبأوا به وقالوه. فالواقع أن الذي يحصل الآن هو أننا أُخذنا على حين غرّة بعودة الدين إلى الساحة بمثل هذه القوة. ولهذا السبب يصعب علينا أن نتحكم بهذه العودة المزعومة(!) للدين بطريقة ملائمة أو أن نديرها بشكل خصب ومفيد. ولكن في ما يخص المجتمعات الأوروبية المتقدمة، فإن هذه ليست عودة إلى الدين بقدر ما هي عودة إلى تركيبات جديدة للدين والتدين. فقد أصبح الإنسان الغربي ينتقي أجزاء متفرقة من مختلف الأديان ويُركب منها دينا جديدا يتلاءم مع نفسيته وحاجياته الروحية. وبالتالي إنه يعود إلى تركيبات تلفيقية واستملاكات للدين تعسفية كما هي فاسدة روحانيا ومدمّرة سياسيا"([68]).
    وعلى الرغم من أن الرجل لا يترك للقارئ مجالا لتفسير كلامه، فكلامه واضح لا يحتاج لكثير تفسير، إلا أن أُناسا ينتسبون للإسلام يدافعون عن الرجل، ونحن سنخصص في كتابنا هذا فصلاً كاملاً لعرض ما يمكن عرضه من مواقف الرجل، إلا أننا قدمنا هنا بعض ما له رابط بموضوع فصلنا، وإنك لتراه ينقد الغرب لدفعه لتطبيق المزيد من نظرياته الإلحادية على الإسلام والمسلمين، وينقد الاستشراق للّحوق به لاستعمال أحدث مناهج العلمانية في هدم الإسلام، وفي نفس الوقت، تراه يدعو لترك مساحة للتدين، بينما هو يثمن المواجهة القديمة مع الدين، ما دام الأمر يتعلق بذكاء المواجهة لا سذاجة الموقف!
    يقول: "وقد تهوّر بعض الكتاب وتسرع في إدخال نظريات علمية شديدة الجدة، حتى بالنسبة للغرب الذي اكتشفها كنظرية دارون فيما يخص تطور الأنواع. يمكن أن يقال نفس الشيء فيما يخص طه حسين وعلي عبد الرازق اللذين برهنا على سذاجتهما الفكرية عندما اعتقدا بإمكانية التعرض لموضوعين مشحونين بالتصورات الميتولوجية والدينية والتقديسية في الوقت الذي كانت فيه المسلّمات الوضعية والمنهج الفللوجي تحتقر هذه التصورات بالذات وترميها في الدائرة المظلمة للخزعبلات الخيالية. وقد حاول أصحاب النهضة من العرب والمسلمين-تماماً كما حدث في الغرب- افتتاح التاريخية عن طريق إنكار مكانة الأسطورة ووظائفها"([69]).




    [1]- انظر: واقعنا المعاصر، للأستاذ محمد قطب، ص 84. في دراسة البيروني عن الهند وما فيها من عادات ومعتقدات، بدأها بقوله:" إنما صدق قول القائل "ليس الخبر كالمعاينة" لأن العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده وفي مكان حصوله"، انظر: تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، للبيروني، عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية 1983م، ص 13.

    [2]- يقول هاشم صالح العلماني الراديكالي عن التفسير العلماني لأركون لكلمة "يعقلون" الواردة في الآية السابقة: "كان أركون قد خصص دراسة كاملة لشرح كلمة (يعقلون) في القرآن. وبيّن عن طريق التحليل الألسني والسيميائي أن معناها هناك ليس هو المعنى الذي نستخدمه اليوم، وليس هو المعنى الذي أسقطه على هذه الكلمة المتكلمون والمفسّرون في القرنين الثالث والرابع الهجري ... إن معناها التزامني والأيتمولوجي مرتبط بالبيئة البدوية للجزيرة العربية، وهي تعني حرفياً: الربط. كأن نقول مثلاً: عقل الدابة أي ربطها لكيلا تفلت"، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 42.

    ([3]) مدخل إلى الحضارة الإسلامية، الدكتور عماد الدين خليل، الدار العربية للعلوم، الطبعة الأولى 2005م، ص 76.

    [4] - أكدت الأستاذة الألمانية زيجيريد هونكة: أن المسلمين أبدعوا في علوم البصريات والفيزياء والكيمياء القائمة على التجربة، وعلم حساب المثلثات، وعلم الاجتماع، وفضلاً عمّا لا يحصى عدده من المكتشفات والمبتكرات الثمينة في مجال العلوم التجريبية، فإن أثمن هدية قدّمها المسلمون للغرب هي منهجهم في البحث العلمي، كذلك عرض الأستاذ محمد كرد علي في الجزء الأول من كتابه «الإسلام والحضارة العربية» ما حققه المسلمون بالتفصيل في مختلف العلوم: الكيمياء والطب والبصريات والدواء والفلك، وللأستاذ عمر فروخ والدكتور عبد الحليم منتصر كتابات أخرى في الموضوع نفسه، وتحفل المكتبات العربية بدراسات حول التفوق العربي والإسلامي، بل إن جامعة كمبردج بدأت منذ عام 1991م في إصدار دورية متخصصة كل ستة أشهر تحت عنوان «العلوم والفلسفة عند العرب»، وهناك موسوعة من ثلاثة أجزاء حول العلوم عند العرب صدرت في لندن ونيويورك لاثنين من العلماء هما رشيد راشد وورجيس مورلون، نقلاً عن مقالة للأستاذ فهمي هويدي في جريدة الأهرام، 25 أغسطس 1998 «السنة 123 – العدد 40804» بعنوان «الذين يكرهون أمّتهم وتاريخهم» وقد نقلت منها هنا بتصرف.

    [5]- مدخل إلى الحضارة الإسلامية، ص 49.

    [6]- هذي هي الأغلال، عبد الله القصيمي، منشورات الجمل، عام 2000م، ص 18.

    [7]- انظر: هذي هي الأغلال، ص 34، 35، 36، 40.

    [8]- حضارة العرب، ص 174.

    [9]- مدخل إلى الحضارة الإسلامية، ص 69.

    [10]- الله والإنسان، على امتداد 4000 سنة من ابراهيم الخليل حتى العصر الحاضر، كارين آرمسترونج، ترجمة محمد الجورا، دار الحصاد، دمشق، الطبعة الأولى 1996م، ص 153.

    [11]- المصدر السابق، ص 177.

    [12]- مجلة المنار، الفقه والعلوم العصرية في القرآن، عددنوفمبر 1928م، جمادى الأولى - 1347هـ، المجلد29، ص525.

    [13]- مقاله بعنوان "الشريعة والطبيعة والحق والباطل" مجلة المنار: 20 شعبان - 1317هـ، 24 ديسمبر - 1899م.

    [14]- مدخل إلى الحضارة الإسلامية ص 33، 45.

    ([15]) مدخل إلى التاريخ الإسلامي، ص 39.

    ([16]) انظر: مصباح علاء الدين: كيف وصلت العلوم الإغريقية إلى أوروبا عبر العالم الإسلامي، دار الكتاب العربي –بيروت عام 2010م، جون فريلي، ص 122.

    [17]- المرجع السابق، ص 127، 128.

    [18]- المرجع السابق، ص 122.

    [19]- المرجع السابق، ص 122.

    [20]- المرجع السابق، ص 148.

    [21]- قضية التنوير في العالم الإسلامي، لمحمد قطب، ص 38. وقال العلماني عبد الله العروي: "ما يهمّنا في كتاب باسكال هو أنه... لا يذكر بالاسم نبي الإسلام إلا في أربع مناسبات، غير أن سير الاستدلال يوضح أن مشكل الإسلام يشغله كثيراً كما لو كان يرى أنه الدين الذي يدين به خفية حملة العلم التجريبي من أنصار الحرية والعدل. وهذا يشير إلى أن اعتراضات الإسلام على المسيحية كانت منتشرة جداً في تلك الأوساط، وأنها كانت تفضل على البروتستانتية بعد أن تحولت النحلة الجديدة إلى مؤسسة كنسية لا تقل استبدادية عن كنيسة روما في كل من جنيف وألمانيا وإنجلترا"، (مفهوم العقل، العروي، ص 57).

    -[22]في بحث حول الفلك والرياضيات عند المسلمين لأحد كبار مستشرقي المعهد الكاثوليكي الفرنسي في باريس، البارون "كارادي فو" (نشر في كتاب تراث الإسلام الذي أشرف عليه السيد توماس أرنولد) قرر مؤلفه بوضوح: "إن العرب ارتقوا بالحياة العقلية والدراسة العلمية إلى المقام الأسمى، في الوقت الذي كان العالم المسيحي يناضل نضال المستميت للانعتاق من أحاييل البربرية وأغلالها. ووصل الأمر إلى ذروة ازدهارهم العلمي في القرنين التاسع والعاشر (الميلاديين). واستمر ذلك الازدهار إلى القرن الخامس عشر، ومن القرن الثاني عشر فصاعدا كانت حواضر العرب محط أنظار كل غربي يميل إلى العلم ويتذوقه". انظر مقالة الأستاذ فهمي هويدي "الذين يكرهون أمّتهم وتاريخهم"، في جريدة الأهرام العدد (40804).

    [23]- الله ليس كذلك، ص 42-43.

    [24]- ص 22.

    [25]- ج 13، ص 19.

    [26]- مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، ص 480.

    [27]- تشارلز روبرت دارون العالم البريطاني الطبيعي الشهير، (1809-1882م)، نال وسام الاستحقاق الروسي سنة 1871 وفي عام 1878 صار عضوا في الأكاديمية الفرنسية. عمل سكرتيراً للجمعية للجيولوجية من سنة 1838 إلى 1841 - بتصرف من «الإسلام ونظرية دارون» لمحمد أحمد بشميل ص 19، 20.

    [28]- في بداية شهر أغسطس 1998م أعلنت نشرات الأخبار الهولندية أنهم اكتشفوا بعض فصائل الحيوانات يمارس بعض الذكور منها الجنس مع الذكور فقالوا بأن هذا دليل على أن هذه الممارسة في عالم الإنسان -الذي زعموا أنه من أصل حيواني!- ممارسة مشروعة بدليل وجودها في عالم الحيوان!!
    وفي هولندا تعتبر إهانة المثليين مخالفة للقانون وفعلا عنصريا وتعرّض صاحبها للمحاكمة!

    [29]- التطور والثبات في حياة البشرية، محمد قطب ص 19، 20.

    [30]- هو عالم نفس «يهودي نمساوي!» ولد عام 1856 وعمّر طويلاً حتى مات في عام .1938 ألّف نحو ثلاثين كتاباً في الدراسات النفسية.

    [31]- الطوطم هو حيوان أو نبات أو أي ظاهرة طبيعية أو أي شيء آخر مقدس لدى جماعة أو قبيلة أو جنس من الشعوب الوثنية، ويرمز للجماعة ويحميها، وأول طوطم عند فرويد هو السلف المتحد وبعد ذلك يمثل الإله الحيوان أو أنه يحمل صفات الحيوان، انظر: النبي موسى والتوحيد، لفرويد، ص 105.

    [32]- وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه من هذا الفصل.

    - [33]في كتابه: ذكرياتي عن فرويد «Memorials of Freud» والذي صدر في الستينيات، انظر: مذاهب فكرية معاصرة ص 12، 115.

    [34]- الحداثة وما بعد الحداثة، عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي، دار الفكر المعاصر، الطبعة الثالثة، 2010، ص 141، 142.

    [35]- العلمانية الشاملة، عبد الوهاب المسيري، ج 1، ص 242.

    [36]- المرجع السابق، ج 1، ص 221.

    [37]- إميل دور كايم أو دورك هايم أو دور كحاييم، عالم اجتماع يهودي فرنسي (1858- 1917) له كتبٌ من أشهرها (مقدمة في علم الاجتماع)، انظر مذاهب فكرية معاصرة، ص 114.



    [39]- انظر: قواعد المنهج في علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية، ص 128.

    [40]- نقلاً عن التطور والثبات في حياة البشرية، ص 224.

    [41]- آفاق العصر، جابر عصفور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة 1997م، ص 131.

    [42]- انظر كتابه: الكلمات والأشياء، مركز الإنماء القومي، ترجمة مطاع صفدي وغيره، بيروت، 1990م، ص 312، 313، 314. يقول المسيري: "إن ماحدث - ويقصد في العلمانية- ليس موتاً للإله نتيجة حلوله في المادة وتوحده بها واستيعابه فيها (فهو متجاوز للطبيعة والمادة)، وإنما هو تعبير عن أن نسيان الإنسان للإله أدى إلى نسيان الإنسان لذاته المركبة الربانية (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر: 19).. بل هو تناسٍ لمقدرة الإنسان على تجاوز العالم المادي وعلى اكتشافه لجوهره الرباني الإنساني، ولكنه على أية حال، ليس نسياناً كاملا، إذ تظل ذاكرة النور الذي يبثه الإله في الصدور قائمة في أعماق وجدان الإنسان"، العلمانية الشاملة للمسيري، ج 1، ص 194. ومعنى جوهره الرباني الإنساني: قبس الروح المخلوق الذي أصله من الله، أي من عند الله، وقبضة الطين المخالفة بطبيعتها للروح غير المخلوق من قبضة الطين.

    [43]- الحداثة وما بعد الحداثة للمسيري وفتحي التريكي، ص 27.

    [44]- المرجع السابق، ص 29.

    [45]- مشروع نوال السعداوي.

    [46]- سيأتي نص كلام أدونيس في ذلك، في الفصل الذي خصّصناه عنه في هذا الكتاب، وأدونيس هو علي أحمد سعيد، شاعر سوري مشهور، غارق في الإلحاد والإباحية. وبحسب كتاب الثقافة العربية في المهجر فإن «أدونيس» هو ممثل جامعة الدول العربية لدى اليونسكو «بالإنابة»، وله كتاب «الثابت والمتحول، بحث في الاتباع والإبداع عند العرب»، وصدر له عن دار الأدب، ببيروت «النص القرآني وآفاق الكتابة» طبعة 1993م.

    [47]- كتبتُ ذلك قبل عام 2000، وقد توفى أركون عام 2010، وهو مفكر علماني جزائري، ومدير معهد الدراسات العربية والإسلامية في جامعة السوربون، له كتب وبحوث، أكثرها منشور بالفرنسية، مثل: الفكر الإسلامي، قراءة علمية وله بالعربية «تاريخ الفكر الإسلامي» و«المفكر الإسلامي» و«الفكر الإسلامي قراءة علمية» وغير ذلك مما ترجم حديثاً، وقد خصّصتُ له فصلا خاصا في كتابنا هذا.

    [48] - د. حسن حنفي، مصري، وهو أستاذ في كلية الآداب بجامعة القاهرة.

    [49] - من العقيدة إلى الثورة، حسن حنفي، ج 3، ص 180.

    [50]- انظر: من العقيدة إلى الثورة، ج 4، ص 58، وانظر كتاب لسنج في تربية الجنس البشري، ص 149، نقلاً عن "المثقفون العرب والتراث"، لچورج طرابيشي، ص 143 و148.

    [51]- كان أستاذا بقسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة القاهرة. تلقى في سنة 1975 منحة من مؤسسة فورد للدراسة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وفي سنة 1978 حصل على منحة من دراسات الشرق الأوسط، بجامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة، وفي عام 1995 أصبح أستاذا زائرا في جامعة ليدن بهولندا، حتى سنة 2010م. ومدينة لاهاي تبعد عني بالقطار مدة عشر دقائق فقط، حيث كتبتُ هذا الكتاب.

    [52] - اسم هذه النظرية «الهرمنيوطيقا»، وهو مصطلح قديم يعود إلى عام 1654م، بدأ استعماله في دوائر الاتصالات اللاهوتية، خاصة في الأوساط البروتستانتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني «الكتاب المقدس»، وقد اتسع مفهوم المصطلح – يقول نصر أبو زيد – في تطبيقاته الحديثة، وانتقل من مجال علم اللاهوت إلى دوائر أكثر اتساعا لتشمل كافة العلوم الإنسانية كالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوچي وفلسفة الجمال والنقد الأدبي والفولكلور، مِن علماء «الهرمنيوطيقا» المفكر الألماني شلير ماخر وويلهلم ديلثي ومارتن هيدجر وجادامر، يقول نصر أبو زيد: «وتعد الهرمنيوطيقا الجدلية عند جادامر بعد تعديلها من خلال منظور جدلي مادي، نقطة بدء أصيلة للنظر إلى علاقة المفسر بالنصّ، لا في النصوص الأدبية ونظرية الأدب فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الديني حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن»، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، لنصر أبو زيد، ص 49، وما قبلها.

    53- تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 227، 232.

    [54]- الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص 181.

    [55] - في كتابه نقد الحقيقة، ص 57.

    -[56]الفكر الاسلامي قراءة علمية، ص 181.

    [57] - المرجع السابق، ص 182.

    [58] - المرجع السابق، ص 72.

    [59]- المرجع السابق، ص 68.

    [60]- نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة وتقديم هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى 2011، ص 172.

    [61]- المرجع السابق، ص 172.

    [62]- المرجع السابق، ص 173.

    [63]- المرجع السابق، ص 181.

    [64]- المرجع السابق، ص 200.

    [65]- الانتقاد والاعتقاد، ترجمة حسن العمراني، دار توبقال، المغرب، الطبعة الأولى، 2011، ص 51.

    [66]- المرجع السابق، ص 93.
    وهنا لا أستطيع أن أحجب عن القارئ أن أعظم فلاسفة فرنسا (ريكور)، الذي تسبب انتحار ابنه في أزمة نفسية وفلسفية له، دعا في مجال الأسرة للاستفادة من المسلمين. فردّا على سؤال: لقد عادت مشاكل العلمانية لتحتل مقدمة المشهد الفرنسي مع قضية الحجاب الإسلامي. أي موقف تتخذونه إزاء هذا الموضوع؟
    أجاب ريكور: "علينا أن نؤكد ابتداءً أن الدين الإسلامي أصبح هو الدين الثاني في فرنسا، بعد الكاثوليكية، وأن علينا واجب الضيافة وعلينا واجب الفهم. إننا ننزع بشكل مفرط إلى رؤية المسلمين من زاوية التهديد الأصولي، وننسى بالمقابل التهديد الذي يتعرضون له، أقصد التفكك. هذا على الأقل ما يقوله لي أفضل أصدقائي المسلمين؛ فهم لا ينظرون إلينا بصفتنا الاستعمارية القديمة، أي في علاقة خضوع وقهر وإنما كتهديد بالتفكك. إنهم يحكمون على مجتمعاتنا بكونها سائرة نحو الانحلال ويرفضون أن يلقوا ذات المصير. هنا تظهر مسألة النزعة الإسلامية كنوع من الحماية، من نواحٍ مرعبة، إزاء خطر التفكك. بل إني أذهب إلى حدّ القول بأنه في ضواحينا، يمكن للقدرة المقاومة الخاصة بالأسرة المسلمة، ذات البنية الجماعية التي لا تزال حية بفضل الدين، أن تشكل فرصة أو حظا بالنسبة للمجموعة الصغيرة المُفككة من ثقافتنا الخاصة، من الممكن جدا، في القرب مما نسميه الإسلام، أن يمثل هذا الحضور المكثف فعلا فرصة سعيدة بالنسبة لمجتمعنا، ضد عناصر التفكك الذي تلغمة. إن ما يبقى سليما يمكن أن يشكل عنصرا واعدا بالنسبة لنا.
    تعود صعوبة المشكل الذي تشيران إليه، وكل المشاكل التي تقترن به، إلى حداثة الوضع الذي نوجد فيه. نحن هنا مع الدخول المفاجئ للإسلام، إلى القضاء الفرنسي، أمام دين جديد لم يشارك في صنع تاريخنا(!!)، ولم يشكل جزءا من مصادرنا الدينية التي هي أصل بناء وطننا، سواء في العصر القديم، أو خلال القرون الوسطى، ولا حتى أثناء النهضة" (الانتقاد والاعتقاد، ص 50)، ورداً على عبارة ريكور: "إن الإسلام لم يشكل جزءا من تاريخنا"، أقول إن الإسلام شارك في صنع تاريخ أوروبا من ناحية العلم والعقل والتسامح والحرية والنقد الإيجابي لا السلبي الفاسد.
    ويقول ريكور: "صحيح أنه كانت للغرب في الماضي علاقات مع الإسلام؛ لكن حين تكون محكومة بالعداوة، فإنها تتموقع في مستوى فكري مرتفع، بين الأطباء، والمحامين والثيولوجيين أو الفلاسفة؛ إذ كان هناك عصر ذهبي يهودي-إسلامي- مسيحي، بيْد أن هذا حدث في القرون الوسطى"، (ص 51)، وهنا يعترف ريكور بفضل العصر الذهبي الإسلامي، وهذا يعني مدح الإسلام الذي وضع التعارف والتعايش والتسامح داخل أوروبا القديمة وأسس فيها تنظيرية تلك العلاقة الأصيلة.

    [67]- المرجع السابق، ص 50.

    [68]- نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ص 278.

    [69]- تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ص 32.



    العدد مائة وخمسة وستون - جمادى الآخرة 1438 هـ
    أقطاب العلمانية (2) طارق منينة
    نسخة بي دي اف
    http://www.alrased.net/upload/userfi...s/rased166.pdf

  • #2
    الحلقة الاولى
    أقطاب العلمانية - طارق منينة
    الثلاثاء 28 فبراير 2017



    انشر

    Facebook

    Twitter

    Google+

    WhatsApp

    Telegram





    تباشر الراصد على حلقات نشر الطبعة الجديدة من كتاب الأستاذ الباحث طارق منينة "أقطاب العلمانية"، وهو الكتاب الذي سدّ ثغرة كبيرة في المكتبة العربية قديمًا، وتحوي هذه الطبعة مزيدا من الإضافات والفوائد.

    مقدمة الطبعة الجديدة
    إن الحاجة لمثل هذا الكتاب، بعد الثورات العربية، أصبحت شديدة وملحّة، في وجه طغيان الخطاب العلماني الجامح والفاقد للعقل والذي اشتاط غضبا وامتلأ غيظا وحنقا، بمجرد شعورهم بقرب سيادة الوعي العلمي الإسلامي على مواقع السيادة! وقد ارتأينا من قبل أن نخوض المعركة الفكرية بواقعية وميدانية ولغة سهلة مفهومة، فلم نجعل لبحثنا طابعاً انعزالياً أو نخبويا بعيداً عن أوضاع الأمة وما يجري فيها، خصوصاً وقد رأينا –منذ عقود- كيف دعمت العلمانية القمعية، ورؤوسها الكبيرة، الاستبداد بكل صوره، لتمرير الأجندات التخريبية والتحريضية، وعلى الرغم من أن الجماهير المسلمة لم تلقِ بالاً لأصحاب تلك العلمانية المتسللة، بل لم تعرفهم أصلا، غير أن أولئك العلمانيين يتسللون من الحدائق الخلفية (الشاشة، الأفلام، الروايات، السياسة، التعليم، المؤتمرات، والكتب)، محاولين التأثير من ألطف الوسائل وأشدها تأثيرا.
    ولقد ظهرت كتابات علمانية بعد الثورات، أي بعد صدور طبعتنا الأولى لهذا الكتاب بأكثر من عشر سنوات، راحت تفسر هذه الثورات المدهشة بتصورات مستغربة، وأقوال مستهجنة، ودعاوى باطلة غير واقعية، ولا يخفى على القارئ مقولة حلمي النمنم في المؤتمر المشهور عن مصر والعلمانية وأن مصر علمانية بالفطرة! وأنه لا توجد - بزعمه - ديمقراطية بدون دم!
    وهي نفس منهجية هاشم صالح في كتابه الأخير "الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ"، وكان جابر عصفور قد دافع من قبل عن النمنم (الذي كان قد كتب عن البنا وسيد قطب) تحت عنوان (جمعية جبهة علماء الأزهر)([1]) قائلا إن :"جمعية جبهة علماء الأزهر التي أظنها تخرق كل القوانين... فضلا عن التحقير من مكانة أنصار الدولة المدنية، الذين توصف كتاباتهم بأنها قاذورات الأقلام الفاجرة ويوصف فيه الكاتب الكبير حلمي النمنم بكلمات بشعة مثل لو أن سفيها ذهب فأكل فخلط متضلعا من قمامات القاهرة التي ملأت فجاجها ثم نام مستقلا فحلم فهذي لم يأت بأقبح مما فاه به هذا النمنم علي رؤوس الأشهاد، وأمثال هذا كثير وأقبح في بيانات لا بد أن تخضع للقانون، فالفرق هائل بين حرية الرأي والسباب البذيء، ولا بد أن يأخذ القانون مجراه، ليوقف الذين صاغوا هذا البيان وأمثالهم عن تحقير الخصوم الفكريين ووصفهم بما يعاقب عليه القانون؛ إن الحرية مسؤولية أيها السادة".
    وقد عين النمنم وزيراً للثقافة، بعد تعيين عصفور، وما زال وزيرا حتى لحظة كتابة هذه المقدمة في بدايات عام 2017، أي بعد 17 عاما من الطبعة الأولى لكتابنا هذا، وكان فيما قاله جابر عصفور في حوار له مع الإعلامي محمود الورواري مقدم برنامج "منارات" على فضائية "العربية"، أن مصر كانت في أشد الحاجة إلى رئيس مثل عبد الفتاح السيسي ليأخذ على عاتقه تجديد الخطاب الديني، كون تطوير الخطاب الديني قضية أمن قومي يهدد البلاد وتحتاج إلى شجاعة كبيرة من أجل إنجازها. وتابع: "إننا في حاجة لاستعادة روح تفكير ابن رشد عند الحديث عن فكرة تجديد الخطاب الديني، مؤكدا أن الخطاب الديني هو جزء من الخطاب الثقافي العام، لذلك فالتخلف الثقافي يعرقل التجديد، مطالبا بضرورة وجود مشروع عربي عقلاني موحّد لتطوير الحوار الديني والسياسي في مجتمعاتنا العربية".
    وكل واحد يعلم أن جابر عصفور هو أكثر من تكلم عن القمع والحريات والمستقبل الواعد، وهو كما يقدمونه: رائد الحرية والدولة المدنية في مصر.
    ولقد كان دأب هؤلاء قديما - منذ تغوّل الفكر الماركسي في بلادنا- وحديثا، أن يقيّموا الأحداث هزيمة أو نصرا، بالمعايير العلمانية الخاطئة، فسواء كان الأمر هزيمة للعرب، كما كان في عام 67، على يد نظام تغرب في الاشتراكية وتوغل في الدكتاتورية والقمع، أو كان بعد نصر وثورة على الأوضاع المشينة (بعد ثورات أمتنا لبداية الألفية الثالثة)، فإنهم ما يزالون يرمون الإسلام بالتخلف وأنه هو سبب الهزيمة: كما فعل صادق جلال العظم، في كتابه (نقد الفكر العربي)، بعد هزيمة 67م.
    وأنه سبب انحراف أهداف الثورة، بزعم حازم صاغية في كتابه (الانهيار المديد).
    وكذلك يقومون بتشويه صورة الدعاة إليه كما في كتاب (سياسات الأديان) لنبيل عبد الفتاح، والذي صدر عن مكتبة الأسرة 2003م برعاية زوجة مبارك، التي مررت للعلمانيين كثيرا من أباطيلهم، كما أن لنبيل عبد الفتاح كتابه (الجديد) الآخر عن الثورة (النخبة والثورة، الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية) وهذا الأخير صدر عام 2013م.
    ومن ذلك أيضا كتاب (ضد التعصب) لجابر عصفور، والذي ينتصر فيه لنصر حامد أبو زيد وقدحه في القرآن والرسول.
    كذلك فقد أصدر المجلس الأعلى للثقافة عام 2012 كتاب (الهوية) لحسن حنفي، ولا شك أن هذا الكتاب خدم التوجه الدكتاتوري العلماني، وقد تكلم فيه حنفي عن الإخوان وحزب الحرية والعدالة، كما كرر نفس كلامه القديم عن الاغتراب (متأثراً بفيورباخ) والهوية الإلحادية كما بينت ذلك في كتابنا هذا في الفصل المخصص لحنفي.
    كذلك لم يُرد يوسف زيدان أن يفوت الفرصة في التعقيب على الثورة لشدها علمانياً إلى أوهام العلمانية وأحلامها ورغباتها، وذلك بالزعم أن إقامة حكومة دينية في مصر معناه كارثي، ويقصد طبعا حكومة يحكمها إسلاميون فكتب (فقه الثورة) الصادر عن دار الشروق عام 2013 ([2]).
    كذلك خرج علينا فهمي جدعان هو الآخر بكتاب صدر عام 2014م، بعنوان (تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات)، إصدار الشبكة العربية للأبحاث، زوّر فيه حقيقة الإسلام وحقيقة تيار النهضة الإسلامية الحديثة مساهماً في تشويه المشهد أكثر مما هو حاصل، متوسلاً بمدح التجربة التاريخية الإسلامية لهدم فعل النهضة الإسلامية الحديثة ووأدها ودفن معالمها وتشويه صورتها وتمرير الأفكار العلمانية من خلال ذلك، وهو يخلص إلى فكرة: "تحرير الإسلام من جملة العقائد والتصورات والفهوم والمواقف... بردّ الأمور إلى نصابها وبذل الوسع من أجل صوت الإسلام"([3])، ويدعو إلى إبعاد الإسلام عن الحكم لأن الحكم طبيعته غير أخلاقية، فهو يدعونا لترك السياسة والفعل السياسي للتصور: "الذي رسمه ميكافيلي والديمقراطيات الليبرالية الحديثة"([4]).
    أما نوال السعداوي فقد كتبت أيضاً كتاباً في الثورة، وذكرتنا بالثورة الجنسية التي أرادتها في الستينيات، فقالت في كتابها الجديد هذا (الثورات العربية): "في الستينات من القرن الماضي، صدر كتابي "المرأة والجنس"([5])، وذكرتنا بأنها اليوم ما تزال على ما كانت عليه في الماضي: "كانت كلمة ثورة تعني الكفر، ننشد في المدرسة هذه الكلمات الثلاث "الله، الوطن والملك" كانت الثورة تعني الكفر بالثلاثة معاً وفي وقت واحد، ودون فصل أحدهما عن الآخر"([6]).
    وأما سمير أمين (المُنظر الاشتراكي الماركسي) فقد صدر كتابه (ثورة مصر) عن دار العين عام 2011م، وكعادة المتغربين يقول إنه من المشكوك فيه تحول الإخوان إلى منظمة ديمقراطية([7]) فالإخوان تنظيم منغلق، أهله أثرياء (زعم!)! وأن لهم تأويلا متجمدا أخذوه من محمد رشيد رضا: "الذي يمثل الوهابية في التأويل المتجمد، والمتخلف الأقصى للإسلام"([8]) وعلى العكس فإنه يأمل في التحول "نحو الاشتراكية"([9])فللرجل باع : "في الطريق الطويل نحو الاشتراكية العالمية، فأحد الشروط المهمة الضرورية لجعل هذا الهدف ممكنا هو بالتأكيد تجديد الفكر الماركسي الخلاّق"([10]) للوصول للاشتراكية.
    أما هاشم صالح فتجده دعا في كتابه (الانتفاضات العربية في ضوء فلسفة التاريخ)، إلى مواجهة الإسلام بالدم، بعد أن أعجزه النقد، رافضاً أن تكون للإسلام أي سيادة عليا، فقال: "... تطبيق الشريعة مستحيل في العصور الحديثة لأنها مضادة في معظم بنودها لكل إعلانات حقوق الإنسان والمواطن"([11])، وعن المسلمين يقول إنهم: "لا يستطيعون أن يفهموا أن هناكعدة طرق تؤدي إلى الله لا طريقا واحدا أو دينا واحدا... أن تخرج من كل الأديان والمذاهب وتعتنق الفلسفة التنويرية الكونية دينا"([12])، ويقول عن نفسه وهو يتكلم عن التيارات العلمانية: "إن هذه الأحزاب والأيديولوجيات التقدمية استهانت أكثر مما ينبغي بأهمية التيار الديني ومدى تغلغله في أعماق الشعب.
    منذ سنوات وسنوات كنت أرى بأم عيني مدى ثقل الماضي وتراكمات الماضي ومدى تأثيرها على العقول. ولهذا السبب انخرطت في ترجمة محمد أركون المفككة لتراكمات التراث الإسلامي الموروث من الداخل. هذا من جهة، كما انخرطت في نقل فكر التنوير الأوروبي المفكك للتراث المسيحي ... لقد اشتغلت على كلتا الجبهتين"([13])، وقال :"فإن الربيع العربي مفيد جداً، لأنه سيجبرنا على خوض معركة المصارحة وتصفية الحسابات التاريخية مع أنفسنا... كنا نعتقد أننا هضمنا الحداثة وتجاوزنا "القادمة" كلياً"([14]).
    وقال من قبل: "وهذا يعني أن التغيير لا يمكن أن يحصل بدون عنف، خصوصاً في أوقات الاحتقانات المتراكبة، والمنعطفات التاريخية الكبرى، فبالعنف تنطلق الشحنة الهائلة للحرية. والعنف هو لغة من لا لغة لهم، من مُنعوا عن فتح أفواههم زمناً طويلاً، وبالتالي فإن التقليد الكهنوتي المهيمن الذي يكاد يخنق الأنفاس ويقضي على نسمة الحرية في جوانح الإنسان قد يدفع المفكرين الأوروبيين دفاعاً إلى الانفجار... والانفجار ضد الذات من أصعب أنواع الانفجارات لأنه يكاد يحرق الأخضر واليابس ويقضي على القريب قبل البعيد، ولكنه يبقى الحل الوحيد إذا ما زاد الكبت عن حدّه وأطبقت هيبة "الأب-التراث" على "الأرواح والعقول"([15])، إنه لا يدعو إلى حرق المراحل كما قال لكن إن حدث التغيير أو حان وقته فلا بد من الصدام([16]).
    ومعلوم أن هاشم ومعه محمد أركون قاما معا بنقد القرآن، في كل كتاباتهم، بصورة تبين ضحالة ما هم عليه من أوحال الفكر الغربي. وهاشم صالح يعيش في فرنسا منذ عقود، وهو الذي كتب: "ينبغي أن يعلم القارئ العربي أن تعليم الدين ممنوع منعاً باتاً في المدارس العلمانية الفرنسية. بل الدين غائب كلياً تقريباً عن الحياة العامة للمجتمع وعن الساحة الثقافية.
    وحتى على مستوى الجامعات ما عادوا يدرسون علم اللاهوت... باختصار فإن الدين أصبح قضية شخصية بحتة ولا وجود له في الحياة العامة. لقد فُرغت منه تفريغاً"، وقال: "كما يستهزئون بالأديان والعقائد والقديسين جملة وتفصيلاً دون أن يخشوا على أنفسهم من الاغتيال".
    وهو نفسه الذي يشرح لنا الوضع في الغرب كله فيقول: "يضاف إلى ذلك أن الحياة في الغرب أصبحت مادية استهلاكية قائمة على فلسفة المتعة والملذات، أما ما عدا ذلك من قيم ميتافيزيقية وروحانيات فلا وجود له أو لا معنى له في نظر أغلبية الناس. بل حتى الشعر اختفى تقريباً لأنه لا مردود إنتاجياً له في عصر التكنولوجيا والصناعة والمنفعة المادية المباشرة والمحسوسة، وبالتالي ففلسفة الحياة انقلبت رأساً على عقب"([17]).
    من تونس كذلك صدر كتاب عبد المجيد الشرفي عام 2014م، قام فيه بالكلام عمّا أسموه بـ "الإسلام السياسي" ووضع بين السطور مواقفه العلمانية الكاذبة ضد الإسلام والقرآن والصحابة، فزيف الشرفي بلا شرف معالم الإسلام الأولى، وكذلك غرض الصحابة من الفتوحات، فردد في كتابه هذا (المكتوب بعد الثورات الأخيرة أو أثناء اشتعال بعضها) أقوال المستشرقين، وأرجع الأمر للغنيمة والعصبية، كما راح يرجع الشريعة إلى أصول بشرية، وزعم أن العصر الحديث وما أتت به علوم الإنسان والمجتمع أظهرت أنها شرائع بشرية نسبية([18]).
    والرجل يكذب كأنه يشرب الماء فيزعم أن قيمة الحرية وقيمة العدل قيمة حديثة لا توجد في القرآن، وكذلك العدالة الاجتماعية والدفاع عن المستضعفين الفقراء من الناحية المادية والمساكين وضحايا الاستغلال والجشع"([19])، كما أنه راح يقدح في الإسلاميين بأنهم كان أولى لهم أن لا يركبوا السيارات لأن عدم ركوبها يتماشى مع مبادئهم، فقال: فالمفروض أن اتباع السلف في كل شيء يقتضي ركوب الحمار والجمل، أو يستنكف عن استعمال الكهرباء، بينما المفروض أن يستعمل شمعة، وأن لا يستعمل كل وسائل الاتصال الحديثة، التي يشترك فيها أتباع الإسلام السياسي مشاركة قوية جدا، إذا أن حضورهم على الشبكة العنكبوتية كبير، فالمفروض أن لا يقعوا في أمثال هذه التناقضات، فإما أن يأخذوا بسلوك السلف أو أن لا يأخذوا به([20]وقال بأن القدماء لم يولوا لـ" قيمة الابتكار والاختراع"، و"إنتاج المعرفة"، أية أهمية!! ([21])، فألغى من وراء ذلك، كل منجزات حضارتنا العلمية والتكنولوجية في أطول مدة حضارية علمية شاملة، عرفها العالم، في كافة مجالات علوم الطبيعة والفلك والطب والصيدلة وصناعة الأجهزة والمراصد والمختبرات والمكتبات، ودراسة الأرض وما فيها.
    المدهش أنه يناقض نفسه بعد صفحات فيقول: "ويُنكر الإسلاميون، عن جهل بقواعد العمران البشري، أن الحضارة الحديثة استفادت من الحضارات السابقة، وآخرتها- هكذا كتبها - الحضارة الإسلامية، وتجاوزتها ..."، ثم يزعم في نفس الصفحة أننا لن نتعود حتى في فترات الازدهار على الوعي بمنطق التغيير، وأن الأمر "ثقافي بالأساس"([22])!
    وقد زعم أيضاً، أن الإسلام السياسي يريد أن يولي حاكما لا يُسأل ولا يُحاسب أبدا([23])، وهذا من أشنع الكذب، والرجل رغم شهرته ووجود تلاميذ له إما لم يقرأ أي كتاب من كتب علمائنا المعاصرين، وإلا فهو مفترٍ، يعلم ويزوّر.
    كذلك هاجم الشرفي ما يسمى بحجاب المرأة المسلمة بأنه تقليد للراهبات في الغرب، ويمنطق حجته بمزيد من السخف فيقول: "إن لبس الخمار بالطريقة التي تسمى عند الإسلامويين بـ" اللباس الشرعي"، إنما فيه تشبه غير واع بلباس الراهبات في الغرب، أي أن هؤلاء الذين يريدون مقاومة كل ما هو غربي، بدعوى أنه معاد للإسلام، هم في الآنِ نفسه واقعون تحت تأثير هذا الغرب ...، أو على الأقل بعض المظاهر التي كانت منتشرة فيه...الناحية الثانية هي أن اللاتي يلبسن الخمار واقعات في نوع من الاستلاب، متى كن هن الراغبات في لبسه، وليس مفروضاً عليهن، هذا الوقوع في الاستلاب معناه، أن المرأة تدافع عن ما يكرس دونيتها دون وعي"([24]).
    اتهامات الشرفي لثورات الربيع العربي جمعها أيضاً كلها صاحب كتاب "ربيع زائف، نقد الثورات العربية لعام 2011"، وهو رجل ماركسي واسمه ناهض حتر، صدر كتابه عن دار التقدم الأردني عام 2013م.
    وأخيرً أصدر تلميذ محمد أركون، وهو د. محمد الحداد، كتاباً بعنوان «التنوير والثورة، دمقرطة الحداثة أم أخونة المجتمع؟» سنة 2014، عن دار التنوير بيروت، وهو مجموعة مقالات كان قد كتبها في صحيفة الحياة اللندنية. ويؤمن الحداد بعدم وجود ثوابت أو جواهر في رؤيته المادية للتاريخ: "وجهة النظر التاريخية لا تؤمن بوجود جواهر أو ثوابت... الإنسان ليس بالفطرة... متدينا"([25]).
    وهو عندما يتكلم عن الدين فهو نسبي لا حقيقة له، وعندما يتكلم عن العدل واحترام كرامة الإنسان وحرية التعبير يضع في باله المشروع العلماني ما بعد الحداثي، الذي يفتح تلك الأمور على آخر ما عليه الغرب ليوم الناس هذا([26]) من إباحية وعلاقات خارج الزواج وبيع الأجساد وغيرها، حتى أنه يقول إنه يجب فهم موضوع الزنا لكن بصورة حداثية تدخل النظرة القديمة إليه في حيز "الظروف القديمة"، والآن اختلفت الظروف فيمكن للإنسان أن يفعل ما يشاء في حرية تامة، فالزنا- وتعدد صوره - لم يحرم إلا للضرر الذي استطاع الغرب الحديث - بزعمه- تجنبه!!!([27]).
    وبما أن الضرر – بزعمه- زال اليوم، فليكن موقفنا من موضوع الزنا هو الموقف الحداثي!! فبعد أن نفى أي وجود للشريعة، فهي عنده "شيء لم يكن ولا وجود له" قال:" وكان الزنا يدخل اضطراباً في بنية الأسرة والقبيلة في عصور لم تعرف فيها وسائل التوقي ومنع الحمل"!!([28]).
    كما أنه يقول اعتراضاً على مفهوم تعداد الرجل في الإسلام لما لا يكون التعدد للنساء أيضاً([29]) ونص كلامه هو: "فلماذا لا تقتضي أيضاً تعدد الأزواج في الحالات المقابلة".
    زعم، أيضاً، في السياق، وكأنه مستشرق لم يعش في بلاد المسلمين، أن المسلمين يجبِرون بناتهم وزوجاتهم على ارتداء الحجاب "إجبار البنات على ارتداء الحجاب والتلويح بقطع يد السارق ورجم الزاني، أي الرجوع إلى مجموعة من الأحكام تضمنها النص المؤسس لكنه لم يكن مشرعها، بما أنها كانت موجودة قبله، فالنساء ارتدين الحجاب قبل الإسلام كي لا تلوث شعورهن وأجسادهن عواصف الصحراء ... وغبار المدن... وكان الزنا يدخل اضطراباً في بنية الأسرة والقبيلة في عصور لم تعرف فيها وسائل التوقي ومنع الحمل"([30]).
    فهؤلاء العلمانيون نشروا أحقادهم العنيفة وما يزالون يفعلون إلى لحظتنا هذه ضد تيار النهضة الإسلامية، لأنه تيار أصيل ومتأصل في الأمة، إنهم يريدون أن يخرجوا الأمة من دينها إلى علمانية ولائكية ولا دينية ولا أخلاقية، مع أنهم يتكلمون عن أخلاق يجب أن تُستعاد، لكن من خلال (العلمانية الجديدة)!([31])، تجعل الدين شعائر لا شأن له بقيادة الدنيا وسيادة الدولة التي قيامها مجتمعات المسلمين، ولقد كتب عزمي بشارة([32]) كتابه (الدين والعلمانية) لهذا الهدف.
    فالسيادة العليا، بالنسبة لهؤلاء الحمقى، يجب أن تكون للعلمانية (عقول الفلاسفة الغربيين وأصحاب المصالح والمال والقانون والفكر) بكل ما لها من طفرات وتحولات في عالم الإنسان والمجتمع، وعالم السياسة الكونية والاقتصاد، والأخلاق والثقافة، وغير ذلك من عوالم الإنسان المعاصر، من تعليمية وإعلامية، وقيمية وواقعية (إباحية وتجارية لا ضوابط فيها).

    وأخيرا نقول إن هذه الطبعة الجديدة للكتاب فيها زيادات مفيدة، وقد تعمدنا منذ البداية أن نقرب مادة الموضوع للجماهير حتى يسهل عليها فهم القضية، وقد حاولت تفادي عائقين للذهن والقراءة السهلة هما: الرطانة الثقيلة وكذلك التعابير الشائكة والكلمات العويصة المحبكة التي ينفر منها جمهور واسع من القراء، كما أن اللغة الأكاديمية الصعبة تحول دون الوصول للنتيجة بطريق ميسور، فيجب أن يحظى التركيز على ما يقال بالنصيب الأكبر في موضوعنا، لا على ما يزركشه الكاتب غالبا أو يقوم عامدا بتعقيد كلماته وإغلاق الأذهان تجاهها، ونسأل الله أن يحمي أمتنا المصرية، وعالمنا الإسلامي كله، من أن تخوض كما خاضوا في العلمانية والدكتاتورية الفاشية.
    وكنت قد ألّفت هذا الكتاب عام 2000م، وطبع مرتين وقد لقي قبولا طيباً فلله الحمد، إلا أني حذفت وأضفت ونقحت في الكتاب، وكان الفصل الذي حظي بزيادات كثيرة وتنقيحات هو الفصل عن محمد أركون.

    أسأل الله أن ينفع القارئ به وأن ينفعني بدعائه.
    والله من وراء القصد


    طارق عبد الباقي منينة
    ٢٢ جمادى الأولى ١٤٣٨هـ الموافق ١٨ فبراير/ شباط ٢٠١٧م
    لاهاي - هولندا










    مقدمة الطبعة الأولى
    «العلمانية» هي الترجمة العربية لكلمة «secularité،secularism» في اللغات الأوربية، وهى ترجمة مضلله لأنها توحي بأن لها صلة بالعلم، بينما هي في لغاتها الأصلية لا صلة لها بالعلم، بل المقصود بها في تلك اللغات هو إقامة الحياة بعيداً عن الدين أو الفصل الكامل بين الدين والحياة ([33]).
    تقول دائرة المعارف البريطانية في تعريف كلمة «secularism» (هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها، ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر... ومِن أجل مقاومة هذه الرغبة طفقت الـ «secularism» تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النَّهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية البشرية، وبإمكانية تحقيق طموحاتها في هذه الحياة القريبة، وظل الاتجاه إلى «secularism» يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتبارها حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية) ([34]).
    فما يسمى «secularism» والمترجمة في العربية بالعلمانية هي حركة مضادة للدين، وليس للمسيحية فقط، هذه الحركة سيطرت في الغرب على الحياة كلها فتمّ عزل الدين عن الحياة كلها وصبغت علومها بصبغتها، فصارت علوم الإنسان والاجتماع والنفس والاقتصاد والسياسة والفن مضادة للدين ومناقضة لمبادئه.
    هذا حدث في الغرب... هيمنت الفلسفة العلمانية على الحياة كلها.
    وكانت لها السيادة العليا وما تمنحه للدين بيد تأخذه باليد الأخرى! عن طريق التعليم والإعلام والقانون وكل أدوات ووسائل السلطة العليا للفلسفة والدولة الحديثة.
    أما في العالم العربي والإسلامي، فالعلمانيون يتبنون «العلمانية»، لكن هل هي العلمانية التي يتبناها الغرب أم هي شيءآخر وضع له هذا المصطلح؟! نترك للعلمانيين العرب الإجابة!!
    الأمر الذي نريد التأكيد عليه هنا هو أننا لن نستدعي من أقوال المفكرين والعلماء المسلمين في هذا الشأن إلا بعد أن يكون «العلمانيون» قد استعرضوا أقوالهم، وحكم بعضهم على بعض، وفسَّر بعضهم مذاهب بعض، ووضع بعضهم بعضاً موضع النقض.
    بيد أننا فضَّلنا أن نضع في هذه المقدمة مجموعة مهمة من الأسئلة «المثارة» التي تخص موضوع كتابنا، بحيث يجد القارئ الإجابة عليها بين دفتي هذا الكتاب، وبالانتهاء من قراءة هذا الكتاب يكون القارئ الكريم قد تعرف على موقف «العلمانيين العرب» من «الدين» و«الوحي» و«النبوة» و«المرجعية الإسلامية» و«التراث» و«الشريعة».
    وهذه هي الأسئلة التي تخص «العلمانية» التي يتبناها «العلمانيون العرب»:
    1- هل مقاصد الإسلام الكلية هي مقاصد العلمانية الكلية؟
    2- هل تُناقض المرجعية العلمانية - أو تنْقضُ! - المرجعية الإسلامية؟
    3- هل تريد العلمانية إقامة مجتمع مدني داخل الأطر والثوابت الإسلامية، أم أنها تستعير أطرا وأيديولوجيات مغايرة ومناقضة وهادمة لهذه الأطر والثوابت؟
    4- هل العلمانية هي انتهاج النهج العلمي بدون رفض العقيدة الإسلامية، وبدون نبذ الدين والوحي؟
    5- هل ممثلو الاتجاه العلماني لا يستبعدون الدين ولا يعادونه وأنهم فقط يحرصون على الفهم، فهم التراث والدين معاً، كما في كتاب التفكير في زمن التكفير لنصر حامد أبو زيد ص 22؟
    6- ما هو الغرض الرئيسي والحقيقي، والهدف الأعلى المنشود للحضور العلماني في العالم العربي والإسلامي؟
    7- وهل قال العلمانيون شيئاً في هذا الشأن؟
    8- وهل هم صُرحاء في مواقفهم من الإسلام والعقيدة؟
    9- وهل احتلوا مواقع في عالم الفكر والتوجيه والتأثير في عالمنا العربي والإسلامي؟
    10- هل يجب أن يتعامل المسلمون مع العلمانية على أنها ضد الدين وضد «الشريعة» وضد «المبادئ الإسلامية»؟
    11- هل في «العلمانيين» «فقهاء مسلمون» و«علماء مجتهدون» أو «مفكرون مسلمون»؟
    12- هل يطرح بعض العلمانيين أيديولوجياتهم من خلال الإسلام بغية السيطرة علية من «الداخل» وتغيير معالمه ببطء؟
    13- هل هناك خطر حقيقي على الإسلام والمسلمين من العلمانية؟
    14- هل الدعوة إلى «المرجعية الإسلامية» والحفاظ على «الهوية الإسلامية» هدف «غربي» لتكريس التخلف والجمود في العالم العربي والإسلامي؟!!
    15- هل هناك أهداف مشتركة بين الفصائل العلمانية تجاه الإسلام وعملية الإحياء الإسلامي؟
    16- هل تسعى العلمانية، فعلاً، لفصل الدين عن الحياة في العالم العربي والإسلامي أم أنها علمانية تكتفي بفصله عن السياسة؟ وبمعنى آخر: هل العلمانية التي يدعون إليها في عالمنا هي علمانية شمولية تقيم الحياة بعيداً عن الدين أم أنها «علمانية جزئية» تفصله عن السياسة فقط؟
    17- هل مفاهيم «العقل» و«الحرية» و«الإبداع» في «العلمانية»، هي نفسها مفاهيم «العقل» و«الحرية» و«الإبداع» في الإسلام؟؟
    18 - هل العلمانية هي «الدنيوية القائمة على ساق الشريعة» أم أنها «دنيوية تنبذ الدين وتطرد الشريعة» وإذا كانت الأولى فهل شوّه الإسلاميون صورتها لغرض استقطاب الجماهير؟ وإذا كانت الثانية فهل يجب إعلان الحرب عليها؟
    19- هل خلَق سيد قطب التباسا ما بشأن العلمانية، مثل القول بأنها معادية للأديان أم أن هناك نصوصا ثابتة عن علمانيين تؤكد ما قاله سيد قطب وترفع عنه تهمة خلق الالتباس؟
    20- هل يقوم الإسلاميون بعملية خلق دلالي للعلمانية عن طريق الانتقال من مسألة «فصل الدين عن الدولة» إلى «فصل الدين عن المجتمع» بينما العلمانية بريئة من الفصل الأخير؟!
    21- هل تعاطف الإسلاميون مع كنيسة العصور الوسطى المظلمة التي حاربت العلم والعلماء أم أنهم وقفوا في وجه العلمانية ويدينون ما قامت به الكنيسة في عصورها «المظلمة»؟
    22- هل علوم الإنسان والمجتمع وغيرها من العلوم الاجتماعية والدينية والنفسية والفنية الغربية الحديثة جداً تلغي الدين وترفض الوحي؟
    23- هل الحضارة الإسلامية مضادة للإنسان كما قال المستشرق «فون غروبناوم» في كتابه «الإسلام الحديث » ص 4، أم أنها حضارة الإنسان وكرامة الإنسان؟
    24- هل بدأ العلم والتقدم والاكتشاف والتجريب في منهج متكامل وعلى قواعد آمنه مع الحضارة الإسلامية أم بدأ مع النهضة الأوربية؟
    25- هل الاتهامات التي توجه للعلمانيين تضعهم في موضع الدفاع عن النفس بلا جريرة ولا ذنب وأنها على سبيل الافتراء؟ وهل الدافع المحرك للاتهامات هو الظن بالكاتب قبل الكتابة، والاسترابة في نوايا الفاعل قبل مقاربة الفعل، وأنه قائم على نوايا مظنونة وليس حكماً على نصوص الكتابة نفسها كما يقول الكاتب العلماني جابر عصفور([35])؟
    26- هل هناك سبب قوي - مثل حضور الصحوة الجماهيرية الإسلامية مثلاً - يجعل العلماني في كتاباته اللاحقة - لو صحّ وجود هذا العلماني في عالمنا العربي!! - أن يتراجع عن بعض أقواله التي صوبها تجاه الإسلام مثل إنكار وجود العقل في الإسلام أو إنكار وجود علاقة الحب بين العبد وربه أو إنكار وجود مفهوم للعلم أو المساواة أو الحرية أو العدل في الإسلام أو إنكاره لبعض الثوابت القرآنية؟!
    هذه مجموعة أسئلة تلحّ على المثقف العربي والمسلم، وتحتاج لإجابة شافية كافية عنها، ونأمل بهذا الكتاب أن نكون قد قمنا بذلك وعرّفنا القارئ العربي والمسلم بنشاط العلمانية وفكرها وأيديولوجياتها وخططها في العالم العربي والإسلامي.


    طارق عبد الباقي منينة
    29 ربيع الآخر1421 الموافق 31 يـولــيــه 2000م
    لاهاي – هولندا




    [1] - الأهرام، 6 يوليو 2010م.

    ([2]) انظر: فقه الثورة، ص 61.

    ([3]) تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات، ص 17.

    ([4]) المصدر السابق، ص 27.

    ([5]) الثورات العربية، نوال السعداوي، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، الطبعة الأولى، 2013م، ص 147.

    ([6])المصدر السابق، ص149.

    ([7]) ثورة مصر، ص 27.

    ([8])المصدر السابق، ص 28.

    ([9])المصدر السابق، ص 47.

    ([10])المصدر السابق، ص 99.

    ([11]) الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ، ص 211.

    ([12])المصدر السابق، ص 264.

    [13] المصدر السابق، ص 19.

    [14] المصدر السابق، ص 20.

    [15] - معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا، هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، لبنان، طبعة 1، عام 2010، ص 9.

    [16] - المصدر السابق، ص 10.

    [17] - المصدر السابق، ص 35، 36، 37.

    ([18]) مرجعيات الإسلام السياسي، عبد المجيد الشرفي، دار التنوير، تونس،عام 2014م، ص26.

    ([19])المصدر السابق، ص 36

    ([20])المصدر السابق، ص 8، 21.

    ([21])المصدر السابق، ص 36، وله مجموعة أكاذيب مجتمعة في صفحة 38.

    ([22])المصدر السابق، ص 41.

    ([23])المصدر السابق، ص 34.

    ([24])المصدر السابق، ص 34، 44.

    ([25]) كتابه الإسلام نزوات العنف، واستراتيجيات الإصلاح، لمحمد حداد، دار الطليعة، ط 1، 2006"، ص 6.

    ([26]) انظر مثلا كتابه "البركان"، ص 78.

    [27] - بمناسبة هذا الكلام الفارغ أقول: أنا أعمل في دار للمسنين والعجزة في هولندا منذ 20 عاما، وكان فيها طابق كامل لمرضى الإيدز، وأغلبهم شباب، وسألت إحداهن وكانت صورتها على الحائط رائعة الجمال: هل هذه صورتك؟ فأجابت بإشارة من وجهها الشاحب: نعم!
    وكان بعضهم قد تلقى المرض من شوارع الدعارة المنتشرة في المدن الغربية التي يقوم على رعايتها الأطباء!

    ([28]) البركان لمحمد الحداد، ص 50

    ([29]) المصدر السابق، ص 70 .

    ([30])المصدر السابق، ص 50

    ([31]) انظر العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية للمسيري، ص 76.

    ([32]) كتب أخيرا عن ثورة مصر كتابا من جزأين، وهو بالعموم أفضل من كتب من العلمانيين عن الثورة المصرية.

    ([33]) مذاهب فكرية معاصرة، أ. محمد قطب، ص 445.

    ([34]) المصدر السابق نفسه.

    ([35]) قال ذلك في جريدة الحياة: مقالة تحت عنوان سجن كاتبتين – الأربعاء 16 فبراير 2000، وذكر فيمن ذكره سيد القمني وحسن حنفي ونصر حامد أبو زيد والكاتبة ليلى العثمان وعالية شعيب.

    تعليق


    • #3
      https://www.facebook.com/permalink.p...31646720571328

      تعليق


      • #4
        فبينما كانت الحياة في أوروبا في العصور الوسطى المظلمة كئيبة يمخر فيها الجهل وتعشش فيها الخرافة، ويتحالف في عالمها الإقطاع المذل مع انحراف الكنيسة العقدي والعلمي! كانت الأندلس (إسبانيا والبرتغال) منارة في قلب أوروبا، فيها التوحيد، وفيها الحرية والعلم، وفيها المدنية والنظافة، وفيها الإسلام صاحب التعاليم الراقية والتطوير النافع!
        كان أبي! لكن لماذا كانت كذلك؟ كان فيها الإسلام ولما "ابتغينا العزة في غير" الإسلام تخلّفنا، إذن الإسلام هو الحل لبناء حضارة مدنية علمية إبداعية. ولماذا لا يكون حلا؟ لقد كان، يعني كان أبي.

        لا، يا أستاذنا الحبيب طارق. هذه الصورة النرجسية التي نجدها في كتابات كثيرة، أجمعها تحت عنوان "الحنين إلى الماضي" هي في الحقيقة فكرة مستوردة تحت عناوين كبيرة: الحضارة والعصور الذهبية وغيرها من الشعارات والتضخيمات، وفي الأخير تطحن في الهواء، ومعك الأستاذ الكبير عماد الدين. بنادم يبيع هواء.. ومفيهاش "كما اعترف بذلك كثير من العلماء الغربيين" مهواش اعتراف، بل هم من قاموا بتصدير الشعارات تلك، ليأتي فوج آخر يقوم برد أصول تلك الشعارات إلى الإغريق (بما في ذلك علم النحو وعلم الكلام وأصول الفقه)، وقليل من يتذكّر حق الثقافات الأخرى فارسية وغيرها، ومن يتذكر الثقافة الفارسية والهندية سيأتي على علم التصوف أيضا ليرجعه إلى أمه، وفي النهاية تبقى (الأمية) فنرفع شعار الإمام الشاطبي كما يريدون لا كما هو، وأمة أمية لا تصنع حضارة بهذا المعنى، فإذا أردت أن تقوم فعليك أن تتوجه إلى الشرق والغرب، خاصة الغرب ومن هنا نبّه الجابري إلى ( السلفية الإستشراقية )..

        هذا توجه خطير جدا يجعلك تعيش أحلام الحنين إلى الماضي باستمرار، ومن المستحيل أن تتقدّم خطوة بدون نقد، نقد التاريخ والواقع. أما شعارات الغرب متقدم صاحب حضارة علمية مدنية إبداعية لأنه علماني. نفس الإشكال، لا فرق لأن السؤال يأتي هنا وهل العالم الثالث على شيء آخر غير العلمانية؟

        ثم خطورة التركيز المحوري على الجانب العلمي المادي في تعريف ضمني للحضارة (حضارة اسلامية، حضارة غربية، حضارة صينية..) يؤدي إلى إغتراب ذاتي وبالتالي الشعور بالنقص عاجلا أم آجلا، ولتقدم للنفس وقود الإستراحة والطمأنينة نرفع لافتة "لتبدأ نهضة إسلامية انتقلت ثمراتها في نهاية المطاف إلى أوروبا الغربية"، فلولا الإسلام لما كانت هناك حضارة "غربية". هذا يجوز في الصراع الفكري كسلاح فكراني، لكن ليس في المعرفة والتقويم والنقد المزدوج، هذا فقط، ولا تصلح لتبرير عزة النفس وكبريائها من خلال كان أبي هذا في الماضي، ولولا أبي لما كنتم، وهذا بالنسبة للحاضر.

        ثم تأتي خطورة الإنفصام المرجعي، فتلك الفترة العباسية التي نرمز لها بالحقبة الذهبية، وهذا عندما نفترض ترسيم وتعميم الممارسة العلمية المدنية المبدعة وقتذاك، فترة مرفوضة في الفكر الإسلامي المعاصر من الناحيتين السياسية والدينية معا، فلا هي كانت راشدة (الشورى وانتقال السلطة في شكل مبايعة حرة أو ما يقوم مقامها) ولا هي كانت حسنة بل كانت بدعة (ترسيم الإعتزال كمذهب رسمي للدولة، وانتشار "الزندقة"..). لكن الشباب الآن يخرج إلى الشارع يهتف ضد مخلفات تلك الحقبة واللي قبلها واللي بعدها، ونستثني حالات شاذة لأنها لم تكن مؤسساتية، بل جهود فردية هنا وهناك. ثم تُصدر من هنا وهناك فتاوى تكفير أصحاب آراء إذا نحن أردنا أن نقارن بين آراءهم تلك وآراء بعض الفلاسفة والمعتزلة (من المؤسسة الدينية الرسمية أي من الموظفين وقتها) فإنها لا شيء.

        أما مصطلح العصور الوسطى المظلمة، هكذا، فمصطلح إيديولوجي تماما مثل مقولة الكنيسة كانت تعادي العلم.. مجرد بطيخيات كانت تصلح في معترك سياسي وانتهى الأمر، والذين أكدوا على هذه المفاهيم هم غلاة العلمانيين في صراعهم مع السلطة المستبدة يجب تأليه العقلانية والعلم الطبيعي، تماما كما حدث في تلك الحقبة العباسية "ومن ادعى أن القرءان مخلوق فقد كفر" أما تأتي تتكلم بالعلم بالأدلة القرءان مش مخلوق، فكلها مرفوضة وكلها حشوية، لأن الدولة تعادي العلم، وشر البلية ما يضحك نفس النظام يعادي العلم وهو المثل التاريخي في تحقيق النهضة العلمية..

        وأنا لا أفهم تلك الراهبة، التي قالت "فهذا الموقف بالذات هو الذي مكّن المسلمين لاحقاً من بناء تراث جميل للعالم الطبيعي الذي لم يعُد خطراً على الدين كما عدّته المسيحية" مجرد كلام يرسل على عواهنه، وربما تأثرت بالخطاب العلماني الذي تعمّد التعميم كما تعمّد نزع السياق. أما في المسائل الطفيفة معلومة تناقض ما جاء في الأناجيل فشيء عادي جدا لأن الأناجيل وقتها كانت مصدرا من مصادر المعرفة حول العالم، ونفس الشيء في الإسلام عندنا هارون يحيى بيقول داروين كان يهوديا ما أدريش ايش، وشيخ آخر مفتي الدولة يتكلم المعلومة العلمية في الأرض ودورانها تعارض القرءان ومن يزعم ما يقوله "أهل الهيئة" فقد كفر، والحمد لله أنه مفتي للدولة وليس الدولة، فتصور هو الدولة، هو الكنيسة! بل حتى في الإيديولوجيات عندنا نفس المواقف من البحث العلمي، ولا فرق بين الشيوعية والقومية والليبيرالية، رغم تنوع وسائل معارضة هذا البحث أو ذاك.

        المهم أن المصطلح ذاك مرفوض تماما عند المتخصصين في الدراسات القرونأوسطية، وأغلبهم لا يؤمن بأحادية الحضارة، مثلا الآن حضارة غربية فقط. كلام لا يستقيم. وهذا طبعا يتوقف على تعريف التحضّر. إذا أخذنا مثلا نصا من نصوص "رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس 3" وفيها:
        1 وَلكِنِ اعْلَمْ هذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ، 2 لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، 3 بِلاَ حُنُوٍّ، بِلاَ رِضًى، ثَالِبِينَ، عَدِيمِي النَّزَاهَةِ، شَرِسِينَ، غَيْرَ مُحِبِّينَ لِلصَّلاَحِ، 4 خَائِنِينَ، مُقْتَحِمِينَ، مُتَصَلِّفِينَ، مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ دُونَ مَحَبَّةٍ للهِ، 5 لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا. فَأَعْرِضْ عَنْ هؤُلاَءِ.

        كأنه يصف "الحضارة" العلمانية الحالية في ظل العولمة، فأين الحضارة؟

        وطبعا الصورة الأولى التي تشكّلت عند العقلانيين الغربيين الأوروبيين في التيار الرشدي اللاتيني حول الإسلام، كانت واقعية وفكرانية (إيديولوجية) فالإسلام لا مجال فيه لخوارق العادات بالشكل الكتابي، وهو دين يشجع العلم لأنه يفصل نفسه عنه وفيه حرية "للفلاسفة"؛ طبعا لاستفزاز الكنيسة لأن رسالتهم كانت واضحة: إذا أردنا منافسة الإسلام فلابد أن ننهج نهجه، خاصة في فصل العلم عن الدين ثم فصل جزئي للدولة عن الدين (السلطنة / الخلافة)، ويجب أن تتحول الكنيسة إلى دار خلافة، لها قيمة رمزية وتتدخل في أمور سياسية بقدر ما تسمح السلطنة. والركيزة الأساسية هي فصل العلم عن الدين، وعندها سينتقلون في موضوعات العلم من الأفكار المجردة إلى الطبيعيات حتى السياسة؛ وهذا طبيعي فالسياسية أيضا علم: علم السياسة، إذن أنتم فكرّوا كيف نصل إلى العلوي، أما السفلي فسندرسه نحن العوام: "اللائكيون" .. هذا ابن رشد كما عرفوه، الذي حارب الفكر الأشعري وبالتالي المعتزلة معهم لأنهم يحاولون صياغة المفاهيم الدينية في قوالب عقلانية جدلية، بينما الدين لكل الناس والناس عوام (أميون ومتكلمون وفقهاء) وحكماء وهم الفلاسفة الذين يعرفون شروط التأويل، فللعوام "الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها": أول ما خلق الله القلم، والله على عرشه في السماء، له يد وعين وقدم وأصابع ووجه، أمر ونهى، خلق جنة فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وخلق النار فيها عذاب جسماني .. وللحكماء التأويل، حيث تلزمك المعرفة البرهانية وفق فهم السلف الصالح (أرسطو) بعيدا عن بدع الفارابي وابن سينا وغيرهم ممن أراد التوفيق بين الحكيمين، وطبعا لا مجال للتوفيق، ولا يجوز، ولا يمكن، وإلا ارتكبتم الخطأ الكبير الذي ارتكبه المتكلمون.

        وسنستفيد إشارة من ابن رشد. إذا قلنا "حضارة إسلامية" فلا يجوز أن نقول "حضارة غربية"، لكن هذه المقارنة قديمة "الغرب" : الإسلام، وهل الغرب دين؟ أم الإسلام جغرافيا تضم أديانا وفكرانيات وملل ونحل وثقافات في إطار موحد؟ نقارن ماذا، بالضبط؟ المقارنة بهذا الشكل شيء مستورد، مثل تلك الشعارات، ومعاداة اليهود. قاموا بتصدير معاداة اليهود بتزامن مع غرس الكيان الصهيوني في العالم الإسلامي، ثم قاموا بتجريم معاداة اليهود. نفس الشيء مع تلك الشعارات ومع تلك المقارنة، .. فقل "مدنية غربية" أو أي شيء آخر، أو "مدنية إسلامية" و "حضارة غربية"، فالذي يصح إضافة الإسلام إليه لا يمكن إضافة غير الإسلام إليه، ومن جميع الوجوه، فإذا كان الإسلام قد حقق التوازن بين هذه وتلك الأشياء وكان تحقيق التوازن هذا هو الحضارة، فعن أي حضارة كورية نتحدّث ؟

        وأخيرا، إذا كنا نتحدّث عن الإسلام الدين من منابعه الأصلية، وأنه كان السبب في هذه وتلك الأشياء، فليزمك البحث عن القدوة والمثل في مهد الإسلام، وهذا ما لا يعرفه الياباني والأرجنتيني والجنوب أفريقي، والدنماركي.. وليس ما سطرته أقلام المستشرقين والمؤرخين الغربيين تحديدا، فإنه مشهور وفي متناول الجميع، عن الأمويين والعباسيين وغيرهم؛ إلا إذا كنا نريد الكلام في أشياء أخرى لها علاقة بالثقافة الإسلامية، التعايش الإسلامي، الإنفتاح الإسلامي، التاريخ الإسلامي .. أي "وينظرون ويلاحظون ويقارنون ويكتشفون ويُنجزون، ويبحثون ويقيسون ويجرّبون ويخترعون مناهج العلم والنظر، ويصنعون ويبدعون ويبتكرون ويطبّبون ويعالجون، وكانوا يمشون على هدي الدعوة الربانية للنظر والتدبر والتفكر" في مهد الإسلام، تأصيلا وتطبيقا.

        حلل وناقش..

        تعليق


        • #5
          بل ياسيدي الاستشراق والعلمانية ومحمد أركون وكل العلمانيين هم من قالوا بكلامك وزعموا ان غرضنا نشر
          (وأنقل هنا كلامك):"الصورة النرجسية التي نجدها في كتابات كثيرة، أجمعها تحت عنوان "الحنين إلى الماضي" هي في الحقيقة فكرة مستوردة تحت عناوين كبيرة: الحضارة والعصور الذهبية وغيرها من الشعارات والتضخيمات، وفي الأخير تطحن في الهواء، ومعك الأستاذ الكبير عماد الدين. بنادم يبيع هواء.. ومفيهاش "كما اعترف بذلك كثير من العلماء الغربيين" مهواش اعتراف، بل هم من قاموا بتصدير الشعارات تلك، ليأتي فوج آخر يقوم برد أصول تلك الشعارات إلى الإغريق (بما في ذلك علم النحو وعلم الكلام وأصول الفقه)، وقليل من يتذكّر حق الثقافات الأخرى فارسية وغيرها، ومن يتذكر الثقافة الفارسية والهندية سيأتي على علم التصوف أيضا ليرجعه إلى أمه، وفي النهاية تبقى (الأمية) فنرفع شعار الإمام الشاطبي كما يريدون لا كما هو، وأمة أمية لا تصنع حضارة بهذا المعنى، فإذا أردت أن تقوم فعليك أن تتوجه إلى الشرق والغرب، خاصة الغرب ومن هنا نبّه الجابري إلى ( السلفية الإستشراقية )..

          هذا توجه خطير جدا يجعلك تعيش أحلام الحنين إلى الماضي باستمرار، ومن المستحيل أن تتقدّم خطوة بدون نقد، نقد التاريخ والواقع. أما شعارات الغرب متقدم صاحب حضارة علمية مدنية إبداعية لأنه علماني. نفس الإشكال، لا فرق لأن السؤال يأتي هنا وهل العالم الثالث على شيء آخر غير العلمانية؟"

          وفي الحقيقة نحن لاننشر نرجسية ولا أحلام نائمة أو أحلام يقظة ، نحن ببساطة ننشر الحقيقة التاريخية(المحسوسة بالتعبير العلماني أو الغربي)، فنحن ننشر الحقيقة لإستعادتها، والإنتصار للقرآن الذي أنشأ هذه الحقيقة، ووجه إليها، وفعلا حدثت في اعظم مدة تاريخية في العالم حتى الآن، ونحن نريد استئنافها، وتوجيه الأرواح المسلمة إليها(كمثال يُحتذى)
          نقول لهم دينكم خلق حضارة، وأصولها قرآنية، وأُنشئت بمقومات دينية فريدة ثم مادية واقتصادية واجتماعية وعربية وغير عربية، شاركت فيها الأموال والشعوب والإمارات والدول، وحواضر الإسلام، وتعرف عليها العالم كله حتى أوروبا أخذت منها ..
          نحن نشير إلى الغائب، إلى غير المفكر فيه، إلى ماغيبته العلمانية والدكتاتورية، ولما أردنا أن ننبه عليه قالوا بلاش تمجيد ولالعودة للماضي، ولا للنرجسية، أما هم فيحق لهم الرجوع إلى نرجسية الماركسية حتى التفكيكية والبنيوية والمطالبة ببناء مجتمعاتنا بناء عليها، بل والحلول السياسية والكونية.
          نحن نريد توجيه أمتنا إلى النموذج بل إلى الواقع المادي والمعرفي الذي يؤسس لحضارة وإصلاح العلوم والمفاهيم، والتوغل في العلم والإنتاج العلمي ونقول لهم كونوا كما كان آباؤكم في العلم وتوازن العلم بالقيم والأخلاق.

          تعليق


          • #6
            قالوا: بلاش تمجيد ولا لعودة للماضي!
            هو تمجيد الماضي شيء مستورد، وأصل هذا التمجيد يعود إلى ما قبل النهضة الأوروبية؛ وأما العلماني فهو ضحية مثل هذه الواردات، ضحية "كان أبي" كما قامت الحركة الإستشراقية بصياغتها؛ وهل تظن أن هذه النظرية من تأليف المسلمين؟ من كان يدرّس "الفلسفة الإسلامية" في مصر، ومن خلال هذه الفلسفة طبعا الحضارة العلمية المدنية الإبداعية؟

            ومن ناحية أخرى هناك الإتجاه المعاكس في التعامل مع التاريخ وهذا أخطر خطأ ارتكبه السيد عدنان ابراهيم في معالجته للمسألة الأموية بالمناسبة، لكن فيما يخص تلك الصورة النرجسية، نجد من الداخل نزعة تكفير وزندقة "المبجَّلين" من تلك "الحقبة الذهبية"، فمقولة القصيمي "فإنه لا يكاد المرء أن يجد متديناً حرفياً استطاع أن يكون في الحياة شيئاً مذكورا" لم تخرج من الفراغ.

            أنا أتفق معك وبالتالي مع تلك الكتابات التي تدور في فلك الإبداع الحضاري عند إلقاء نظرة على التاريخ، لكن كسلاح إيديولوجي فقط.

            وأركون محمد تسّلف بالمعنى الذي أراده مؤسسو تلك الصورة النرجسية، ولهذا هو جلب النزعة الإنسانوية من التاريخ، من ابن مسكوية وغيره؛ وليس لأنه اجتهد وبحث وحقّق ونظر، بل عمل قص ولصق لكتابات إستشراقية، من المستشرقين الذين سبّهم وادعى أنهم شاركوا في تبجيل الإسلام، ثم اقترح "اسلاميات تطبيقية" للرد على الاستشراق والنظرة المحافظة.

            وتلك الأغنية التي تتكرر كما نسمع في الفكر الحركي الإسلامي المعاصر، لم تكن في دولة ذات مؤسسات خاضعة لهذا الفكر، أي هذا الفكر لم يحكم في تلك الحقبة الذهبية، وهذه معلومة محسوسة أو حقيقة تاريخية، فيأتي العلماني الآن ويقول في فصل الدين عن الدولة من مهامه فصل وزارة التعليم وتكوين الأطر عن الدين: فصل حركة الترجمة ودار الحكمة عن فتاوي من تمنطق فقد تزندق، وغيرها من الفتاوي التي دفعت الشيخ بن سينا إلى مقولته المشهورة "بلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم".

            يجب أن نفهم خطورة الشعارات التي نحملها، ونحن أمة وسط هكذا نقول، فلنبحث عن طريق وسط بين التمجيد والشيطنة. بمعنى آخر: التاريخ والواقع نتعامل معه بحس نقدي. وما أقوله في تلك الصورة النرجسية، أقوله أيضا في الحديث عن "الإنحطاط" لأن هذا الإنحطاط نعبّر عنه بنفس الأسلوب: غياب النقد، والتركيز المحوري، والإنفصام المرجعي.

            وفي الغرب حركات تعاني من نفس الشيء: سؤال الهوية، كما يعاني أصحاب الصورة النرجسية أي أصحاب الهروب إلى الماضي لكن ليس الماضي كما كان بل كما نتصوره بمنظار إيديولوجي: إسلامي وغير إسلامي، لا فرق. ولهذا أرى أن موضوع "الأسلمة" في الخطاب السياسي الإيديولوجي لتلك الحركات في الغرب، يماثل موضوع "الإنحطاط" في الفكر الإسلامي المعاصر؛ وفي الحالتين نقف على "مصادر التحدي" التي تشعر بالنقص، وهي آفة نفسية خطيرة، أقل ما تؤدي إليه: بيع الهواء للناس، فناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم. نعم، تنويم مغناطيسي للوعي الإسلامي: أنا بخير فقد كان أبي، وأنت الآن على خير لأنه كان أبي.

            نحن نتذكر محاضرة البابا بنديكتوس السادس عشر في ألمانيا، والتي أثارت جدلا واسعا في الأوساط الغربية والإسلامية، في حديثه عن ضرورة إعادة إدماج الهيلينية والمسيحية في أوروبا. وهذا نفس الخط الذي تمشي عليه حركات "مناهضة الأسلمة"، مع إختلاف في العامل الآخر "المسيحية" تحل "العلمانية" محلها، إلا أن الصورة النرجسية عند مثقفين غربيين تحاول إرجاع العلمانية هي أيضا إلى الحضارة الإسلامية، وهذا منذ عصر الحركة الرشدية اللاتينية.. فوجب إعادة النظر في الصورة المتخيلة للإبداع الحضاري والإنحطاط، بواسطة فهم مصادر التحدي والإستفزاز عند الطرفين.

            ثم إن عملية شيطنة الإسلام الممنهجة في الإعلام الغربي سببها واحد: خلق صورة متخيلة للواقع الإسلامي من خلال التركيز المحوري على قضية الإرهاب، وغياب الحس النقدي في التعامل مع الظاهرة، والإنفصام المرجعي.

            والفرق/ هناك تبيع الكراهية والإسلاموفوبيا، وهنا تبيع هواء وشعارات فارغة. إذن: لا يكون الإنتصار للقرءان الكريم على هذا النحو، أبدا.

            عندما أنظر في حال المسلمين أرى الإنتصار للقرءان في الواقع، باعتباره يهدي للتي هي أقوم، فأكره الصورة المتخيلة للإنحطاط. الحضارة موجودة وهي حضارة إنسانية فهي غربية أو إسلامية باعتبار الجغرافيا، وليس لأن العلمانية صنعت حضارة، والإسلام صنع حضارة. الإنسان يصنع الحضارة، والقرءان يهدي لحضارة أقوم، كما أن الأخلاق موجودة والقرءان يؤكد على تفعيلها فتوسيعها وإتمام مكارمها. خذ مثلا عامة المسلمين، في دول ميسورة الحال وأخرى ضعيفة وحتى في الغرب ما تجد أنه يرمي أبويه في دار العجزة بل الكثير حتى جدته وجده معه في الدار؛ ونتكلم في الأمراض التناسلية، ونتكلم في الإجرام الأبيض المنظم، والتكافل الإجتماعي بمعزل عن القانون والمؤسسة والدولة عموما، ونتكلم في أشياء أخرى كثيرة.. فأرى الإنحطاط كما نتكلم عنه مجرد صورة متخيلة لا يمكن فصلها في الخطاب عن تلك الصورة النرجسية: حضارة إسلامية علمية مدنية إبداعية .. بطيخية. أضف إلى ذلك أن المسلم ليس هو المسؤول عن الجريمة البيئية التي نعيشها الآن في هذه اللحظة، فكيف نرسم معالم الإنحطاط ؟ وليس هو المسؤول في تحويل أغنى قارة إلى أفقر قارة، فكيف نرسم معالم الحضارة؟

            وإشكالية أخرى في كان أبي: عندما نقول الآن حضارة غربية وانحطاط إسلامي، فنتحدث عن قضية نسبية. وأبي لما كان، أقارنه مع من، بالضبط؟ إذ لم يكن هناك قول آخر، فإن القول ما قالت حُذام، وانتهى الأمر ولا نقارن. أما إذا أردنا المقارنة فنتحدّث عن تعدد الحضارات، وهذا الذي أؤمن به فأرفض الصورة المتخيلة للإنحطاط وبالتالي أرفض الصورة النرجسية في التعامل مع التاريخ.

            نعم، الآن حضارة إسلامية موجودة وهي ضعيفة في مجالات لكن قوية في مجال آخر؛ وهذا المجال الآخر ينبغي التركيز عليه وإظهاره ودمجه في المقومات الفكرية الثقافية، ونزعم باستمرار أنه صالح لتقويم الحضارات الأخرى، ودون النيل من الآخر لأن الطعن في الغير لا يقيم لك دينا ولا دنيا.. خاصة ذاك الطعن الذي همه الوحيد ما يتعلق بالأعضاء التناسلية، حتى قام إلى الأخلاق فاختزلها في موضوع الجنس.

            أما أن نبيع هواء هكذا ونهرب إلى ماض نتخيله، فخطاب خطير يجعل المسلم لا يقدّر ثمن الذي عنده الآن في الواقع العملي، ثم من حين لآخر يفيق فيصطدم بالواقع، وتأتي الأزمة، وتحقير الذات ثم جلدها وأخيرا الانفصال عنها والبحث عن قبلة أخرى.

            تعليق


            • #7
              الحضارة موجودة وهي حضارة إنسانية فهي غربية أو إسلامية باعتبار الجغرافيا، وليس لأن العلمانية صنعت حضارة، والإسلام صنع حضارة. الإنسان يصنع الحضارة، والقرءان يهدي لحضارة أقوم، كما أن الأخلاق موجودة والقرءان يؤكد على تفعيلها فتوسيعها وإتمام مكارمها.
              بل العلمانية صنعت حضارة مادية ، والإسلام صنع حضارة ايضا لكنها ليست مادية من كل النواح ، فهو لم يلغي القيم الربانية من أجل عملية التجريب، كما لم ينفي الأخلاق كما فعلت العلمانية بشقيها الرأسمالي والإشتراكي، بل كانت عملية التجريب قائمة على قيم إسلامية بل وحض إسلامي بل وتأسيس إسلامي لدراسة الكون ، وهذا هو مانسميه حضارة إسلامية، أي صنعها الإسلام، والفرق بين صناع الحضارات هو فرق في القيم، وفي منهج النظر، وكانت أن أوروبا أخذت منهج النظر العقلي التجريبي من الإسلام، وأنتجت كثيراً، لكنها فتحت مجال التجريب بلا حدود قيمية، وهو مااشتكى منه علماء غربيون كبار ، منهم فرانسيس فوكوياما(انظر كتابه مستقبلنا بعد البشري) ، بل اعترف كثير منهم يخلل تلك النزعات التي زعمت لنفسها التجريب وقادت الغرب لحروب شنيعة، ذكر منها فوكوياما نظريات (انظر من كتابه المشار إليه ص 34وماقبلها، و31،28،26،20،ومن 13-16.
              وعلى كل حال فالأمر ليس هو المشترك في مايسمى بحضارة الإنسان، ولكن المختلف.

              تعليق


              • #8
                أما أن نبيع هواء هكذا ونهرب إلى ماض نتخيله، فخطاب خطير يجعل المسلم لا يقدّر ثمن الذي عنده الآن في الواقع العملي، ثم من حين لآخر يفيق فيصطدم بالواقع، وتأتي الأزمة، وتحقير الذات ثم جلدها وأخيرا الانفصال عنها والبحث عن قبلة أخرى.
                لاادري من يبيع الوهم؟
                نحن نريد أن يفهم المسلم أنه قادر على الفعل ، وأنه أجداده نحجوا ، وإنطلاقاُ من تأسيس قرآنهم، وأنا عرضت في هذه الحلقة من مقدمات علماء التجريب المسلمين ربطهم بين القرآن وأعمالهم العلمية التي عملوها.
                فنحن هنا لاننشر وهما وإنما دعوة للحرية وتحرير العقل المسلم وإشعاره بعقله، وبأنه عزيز كريم، يمكنه فعل شئ للعالم، كما فعل من قبل.
                بإختصار شديد

                تعليق


                • #9
                  ماشي، يا سيدي طارق؛ لكن في النقد البناء يجب اجتناب الخلط فنصور الواقع من خلال ماض نتخيله، والسياسة هي الحضارة هي الثقافة هي الفكر.. بينما الحقيقة أسهل مما نظن: العلمانية لم تصنع لا حضارة مادية ولا غير مادية، بموجب الإستقلال المفاهيمي اذا أردنا الكلام عن "حضارة إسلامية" بمعنى الإنسجام بين الرؤية المبنية على الوحي (تصور العالم والإنسان)، والنظر الكوني، والقيمة .. فإن "الحضارة العلمانية" غير موجودة. أو العكس، لا يهم. بمعنى: إذا كانت الحضارة هي مجموعة من المقومات المادية بمعزل عن الوحي والقيمة، فإن "الحضارة الإسلامية" لا وجود لها.

                  أما "كما لم ينفي الأخلاق كما فعلت العلمانية بشقيها الرأسمالي والإشتراكي" فكلام ملوش علاقة بالحضارة، بل بالسياسة، والسياسة هي التي يتجنبها الفكر الإسلامي المعاصر عند الحديث عن "كان أبي"، وهذا ما أسميته بالإنفصام المرجعي. ثم هو كلام يكذبه الواقع، فعندكم في هولندا لجنة مؤسساتية حكومية راعية للقوانين المتعلقة بالبحث العلمي (Centrale Commissie Mensgebonden Onderzoek (CCMO)) فأي بحث علمي تجريبي يتعلق بالإنسان، لابد أن يعرض على اللجنة لترى مدى إلتزامه بالقيم الأخلاقية.. طبعا فيه تجاوزات والسياسة سياسة، في عصر نابليون والعصر العباسي.. لا فرق.

                  نحن نريد أن يفهم المسلم أنه قادر على الفعل ، وأنه أجداده نحجوا..
                  قادر على الفعل، كأنه لا يفعل. وهذا هو الإشكال الذي يؤدي إلى صراع وهمي مع الذات ومع الغير.. فلنيغيّر النبرة لأن المسلم يفعل وقادر على الفعل. فهو يفعل، ضعيف في جوانب كثيرة، نعم، لكن قوي في جانب آخر.. ونركّز على هذا الجانب ونظهره ونفتخر به، بدل "كان أبي" لأنها القاسم المشترك، فهذا ما يقوله العلماني حرفيا "كان أبي". هو يقول أجدادي لأن "حركة الترجمة" في العصر العباسي مثلا لم تكن بتلك الصورة النرجسية، بل العكس هو الصحيح، ولم يفكروا في سؤال هذه الحركة كيف تؤثر على الجانب الديني، بل حدثت بمعزل عن الدين، وهل تظن أن مقولة أبي حامد الغزالي "مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة سقراط و سقراط و أفلاطون" قد سقطت عليه من السماء، أم جاءت من فراغ ؟ ثم بعد تلك الحركة ظهرت عملية التبرير، وأول من فعل ذلك هو الكندي يرد على الفقهاء وأن القرءان يدعو إلى النظر وإعمال العقل.. تماما كما حدث في الغرب، وكوبرنيكوس دافع عن الكتاب المقدس وقال للكنيسة أنتم لا تفهمون في الرياضيات وهذه المسائل فكيف علي إحترام أحكامكم التي تستندون فيها إلى فهومات مغلوطة للكتاب المقدس حيث تتعمدون تحريف المعنى من أجل مصالحكم؟ وكذلك فعل غاليليو ونيوتن وكبلر، وهؤلاء هم آباء العلم الحديث، وكانوا مسيحيين، ولا كرامة للعلمانية الراديكالية الغربية التي تحاول طمس الحقائق. والمصيبة نحن كالببغاوات نعيد نفس الكلام ثم نطبّل لتلك الراهبة "هو الذي مكّن المسلمين لاحقاً من بناء تراث جميل للعالم الطبيعي الذي لم يعُد خطراً على الدين كما عدّته المسيحية" حتى نخلق لأنفسنا راحة وهمية فالمسيحية سجنت علماء ومنعت السؤال العلمي، أما نحن فلم نحرق كتب ابن رشد، ولم نضرب ابن حنبل، ولم نكفّر رموز الحقبة الذهبية، ولم نسجن ابن تيمية.. أما الحضارة العلمانية، فنادت بشنق آخر قيصر بأمعاء آخر قسيس، وسجنت من أراد طرح السؤال العلمي حول الهولوكوست، وسجنت من عارض بالبحث العلمي مسلمات الماركسية العلمية، وتضطهد البحوث العلمية المتناقضة مع حرية الفرد بالتالي مع الحرية الاقتصادية.. والمهم هي حضارة مادية، لا مكان فيها للربانية والأخلاق. إذن نحن أحسن منهم، فلنسترح، راحة ونوم فقد كان أبي.

                  السياسة سياسة، أيها الفاضل؛ هي متعرفش هذا مسلم وهذا مسيحي وهذا علماني.

                  تعليق


                  • #10
                    العمران مقصد قرءاني ثابت. كيف تحقق أو كيف تحققت جوانبه في مهد الإسلام، في العهد النبوي والراشدي؟ وما هي الجوانب التي لا زالت تتحق إلى الآن ؟ -- هذا هو السؤال الذي يجب أن نتعاون للإجابة عليه، ومن هنا تبدأ عملية الإنتصار للقرءان في بعده العمراني.

                    تعليق


                    • #11
                      الإسلام ليس خصماً للعلم والتقدم، بل لقد وفع اليهما دفعاً ، وحث عليهما حثاً، فأنتجهما بذلك إنتاجاً، وفعلا في الواقع، وذلك يعني أن العناصر الربانية السابقة على الإنجاز المادي، في الإسلام، هي المحرك الأساسي، تقدمت على ما أنشأته من وقائع مادية على الأرض في عوالم المادة وعلومها، والإنسان وكونه، والعلم ومناهجه.. من هنا تلاحم الوحي مع المادة، والفكر الإسلامي مع الواقع، فنتج عن ذلك كله، مع اقتصاد قوي، ودولة واسعة، وشعوب كبيرة، أعظم انتاج بشري (علمي قيمي) في التاريخ كله، وأطول مدة تاريخية وعلمية ووقائعية غيرت وجهة التاريخ.

                      ولهذا السبب ندعو لفهم ركائز الإنطلاقة الأولى، ومحفزاتها، وتفعيلها في دول الإسلام الكبرى، التي أنجزت فصول حضارتنا العريقة التي ندعو الناس الي استئنافها، بقيمها وأخلاقها، والإنطلاق مرة أخرى إلى عالم العلم المادي أو الكوني أو الطبي، أو الفلكي، أو السببي والتجريبي.

                      وإنشاء مراكز البحوث، والعلوم، وتصحيح المناهج ، وإنشاء المختبرات الكبرى، واختراع الأدوات الهائلة القيمة في عالمنا المعاصر.. ولن يكن ذلك إلا بممارسة الحرية واقتصاد قوي والتخلص من عوائق ذلك.

                      تعليق


                      • #12
                        الأستاذ منينة: لاادري من يبيع الوهم؟ (المشاركة 8)
                        أصحاب تلك الصورة النرجسية، وهي صورة مستوردة. إن عدد المؤلفات الغربية حول الحضارة الإسلامية بذاك المعنى يفوق عدد المؤلفات الإسلامية إلى درجة يستحيل معها المقارنة؛ ثم الذين يروّجون لهذه الصورة في العالم الإسلامي. الجميع يبيع وهما، وهو وهم خطير جدا، يا سيدي الكريم. وتظهر خطورته في تثبيت التقليد، لأن الحداثيين والعلمانيين يستهدفون القطيعة مع التراث، لكن عندما يرجعون إلى هذا التراث فإنهم يأخذون منه ما قلّد فيه المسلمون الإغريق وغيرهم، وبالتالي لا يمكن أن نحقق أي تقدّم بدون تقليد، فماذا نحن فاعلون؟ نحن نطبّل لتلك الصورة وننسى أنها توقع المثقف في علة الإتباع بدل مطلب الإبداع، والسبب تلك الآفات الملازمة للصورة النرجسية: غياب النقد نتيجة المبالغة في التهويل والتبجيل، فالتركيز المحوري، ثم الإنفصام المرجعي.

                        إن الرشدية اللاتينية هوّلت الحضارة الإسلامية وهذا التهويل لم يكن إلا سلاحا إيديولوجيا واجهت به الكنيسة، ولما استقر الأمر وحققوا نوعا من التوازن، قالوا: بلاش ابن رشد وأمثاله لأنهم "أرسطو" ليس إلا، واعترفوا لابن رشد ب "فضيلة" واحدة: فصل الفلسفة عن الدين. وأما الحركة الإستشراقية فهي حديثة نوعا ما، منهم من قام بالتهويل والتمجيد، ثم فوج آخر قام برد أصول الحضارة الإسلامية إلى ثقافات أخرى، وفوج ثالث يقوم بإظهار النزعة المادية العلمانية في هذه الحضارة إبان "عصرها الذهبي". يقول الدكتور صالح الرقب في مقدمة دراسة في الفلسفة اليونانية والإسلامية: "إن الفلسفة الإسلامية لم تستفد منها البشرية، ولم تقدمها خطوة واحدة إلى الأمام، ولم تفد أهلها المشتغلين بها اليقين والثبات، بل قد أفضت بهم إلـى الشـكوك والحيـرة والضلال وأوقعت الكثيرين منهم في الكفر والإلحاد"! وطبعا عندما نتحدّث عن الفلسفة وقتذاك فنحن نعني العلم والفن وغيرها من المعارف. وبناء على هذا التوجه، يأتي الحداثي العلماني ليؤكد: أقطاب هذه الحضارة الإسلامية أجدادنا نعم، لكن أجدادي أنا بالخصوص، فقد كانوا علمانيين ومتحكيش لي كانوا يحمدون الله ويكتبون آيات قرءانية، فهذا ما كان يفعله أجداد الحضارة الأوروبية أيضا - وهذا بالمناسبة كلام صحيح.

                        ولن أستفيض في سؤال الهوية، والشعور بالنقص، ومحاولة استجلاب العزة والكبرياء للنفس من الهواء؛ رغم أنها خطيرة أيضا، بل هي أخطر.

                        ولهذا يجب أن ننتبه ونكون أذكياء بدل أغنية "اعترف الغربيون" حين أن الغرب في الحقيقة هو الذي قام بتصدير هذه الصورة النرجسية، رغم تلك المحاولات الضعيفة المضحكة التي تريد أسلمة هذه الصورة. وكيف لهم ذاك؟ ومن يخاطبون؟ هل تخاطبون المسلم الملتزم أم المنخرط في الحراك الإسلامي؟ هذا المسلم أصلا مقتنع وعنده قناعة تامة أن المسلم بإسلامه قادر على إبداع دنيوي واجتهاد ديني إنطلاقا من دينه حيث لا فصل بين الدين والعلم والدنيا والأخلاق. أما العلماني فمنهم من يضحك ويستهزء ولم لا فالكوميديا بالمجان، ومنهم من يقول: شكرا، أحسنت، يجب أن نقتدي بأجدادنا.. وهو أحق الناس بها، من ناحية حدة الإنفصام المرجعي، فهي أقل. المأمون وغير المأمون فصلوا الدين عن السياسة، فالدين فيه شورى، والمأمونية لا للشورى.. ونحن نفعل ما فعله المأمون نفصل الدين عن السياسية نجيب الديموقراطية الليبيرالية بدل الشورى وأهل الحل والعقد وغير ذلك من الأمور.. والسياسة عندما تفصل عن الدين فلا معنى للمبدأ الراسخ حتى مبدأ صلة الرحم يروح في ستين داهية، وهذا اللي عملو المأمون مع أخيه الأمين، ونعم نحن نستجلب المناهج الغربية لتأويل وتحليل وتفكيك النص الديني، ولا معنى لمراعاة الخصوصية، وهل المأمون كان يهتم بالخصوصية؟ لا، بالعكس. نعم، لقد حاول الإمام القرضاوي نقد هذا التوجه في كتابه " تاريخنا المفترى عليه " لكن محاولة ضعيفه وطغى عليها التفكير الرغبوي، والركن الأساسي في نقده هذا في حد ذاته فصل للتدبير عن طبقة الفقهاء، وهذا فصل استفاد منه الاستعمار الفرنسي عند إعلانه للظهير البربري في المغرب.

                        إذن تخاطب من، بالذات ؟

                        عليه، يجب على المثقف المسلم النبيه أن يتوقف قليلا ويشغّل عقله جيدا، ويشير إلى تلك الإنجازات الحضارية إشارة عابرة مصاحبة بالنقد ومجتنبة للتركيز المحوري والإنفصام المرجعي.

                        الحضارة الإسلامية الأصيلة هي التي استفاد منها الغرب، وهي التي يحاولون طمس حقيقتها، لذلك يتعمدون نشر الصورة النرجسية، وللأسف نرى كثيرا من المسلمين يفرح ويزيد الطين بلة فيقول ".. باعتراف الغربيين". ويحكي لي وقالت الألمانية سيغريد هونكه وأكّدت وباعت بطيخا واشترت حريرا.. سيغريد كانت نازية بتكره اليهود، واليهود هم الذين قاموا بنقل التراث الحضاري "الإسلامي" إلى اللاتينية، وكانوا يفتخرون بهذا الإنجاز، وحق لهم، لكن القصة ببساطة: نقطع عليهم الطريق ونقول "شمس الله"، بالعربي؟ الرسالة إيديولوجية؛ وكذلك فعل العلمانيون القوميون العرب، حتى العنوان قالوا "شمس العرب".

                        يعني: بنضحك على مين؟

                        أنا أرفض هذه الصورة النرجسية، وأدعي أن الحضارة الإسلامية الأصيلة ظهرت في العصر النبوي وفي الخلافة الراشدة. ثم جاء في العلوم والمدنية والإبداع من التزم أصول ومنطلقات تلك الحضارة الإسلامية الأصيلة في التطبيق عقلية (الحسن بن هيثم) وفي التنظير عقلية (ابن تيمية) .. ومن سار على دربهما في التاريخ الإسلامي، وفي الغرب بشكل خاص. أما الذي نركّز عليه ونعظّمه ونكثر من ذكره وتبجيله والافتخار به، فهو تخلّف وليس إبداعا ولا حضارة، ولا يحزنون. والسبب في هذا التخلّف؟ التقليد، وقلة التديّن في الممارسة الفلسفية الثقافية والحضارية العلمية المدنية الابداعية. (https://vb.tafsir.net/tafsir30394/#.WOEB6Gf1hdg)

                        والتقليد أكبر علة، أخطر آفة.. تقليد الغير وتقليد الأنا (التراث)، لا فرق.

                        لهذا السبب أريد رسم المعالم الأفقية بدل ذاك التوجه العمودي، وأكرر:
                        العمران مقصد قرءاني ثابت. كيف تحقق أو كيف تحققت جوانبه في مهد الإسلام، في العهد النبوي والراشدي؟ وما هي الجوانب التي لا زالت تتحق إلى الآن ؟ -- هذا هو السؤال الذي يجب أن نتعاون للإجابة عليه، ومن هنا تبدأ عملية الإنتصار للقرءان في بعده العمراني.

                        تعليق

                        19,840
                        الاعــضـــاء
                        231,470
                        الـمــواضـيــع
                        42,361
                        الــمــشـــاركـــات
                        يعمل...
                        X