إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • التسامح ومفهوم التواصيلة في الإسلام طارق منينة (مقال جديد ينشر لأول مرة وفي ملتقى الانتصار

    التسامح ومفهوم التواصيلة في الإسلام
    طارق منينة
    لقد غاب عن العالم المعاصر ، بما فيه كثير من المسلمين، الحقيقة التواصلية الرحمانية ، التي تحققت في عالم الإسلام الموار لقرون طوال، وتم تغييب المجتمعات الغربية المعاصرة بفعل عامل الكراهية والتشويه ، عن حقيقة المعنى السابغ في القرآن عن مفهوم التواصل والتعارف، والتسامح والتشارك ، بين بني الإنسان، وكذلك عن الواقع التاريخي الأصيل ، فظنوا أن الإسلام يخلو من الرحمة والتسامح، وأنه ينزع الى العنف والارهاب، إلا أن زيغريد هونكه الألمانية تقول :" يثبت التاريخ لنا أن الدور الحاسم في انتشار الإسلام يرجع إلى التسامح العربي"([1]). وتقول:" "السبب غير المعتاد، في صعود الحضارة الاسلامية المفاجئ. لقد كان ، هو التسامح" العقيدة والمعرفة لزيغريد هونكه ، ترجمة عمر لطفي العالم ، دار قتيبة ،بيروت ، الطبعة الأولى 1987م ، ص 104،105.
    وهي التي قالت أيضاً:" لقد أصر الغرب إصراراً على دفن حقيقة العرب في مقبرة الأحكام التعسفية والإفتراءات الجماعية دفناً وأهال عليها ما أهال طمساً منه لمعالمها" العقيدة والمعرفة لزيغريد هونكه ص7.
    كما آل الأمر ببعض أبناء الإسلام فنشروا العنف في غير محله، وقاموا بتفجيرات مشينة وبغير حق في شوارع غربية ، فظنوا أن الإنتقام من الإنسان الذي لايحمل السلاح في الغرب هو معاملة بالمثل مع قوى عسكرية مهيمنة ، مع أن الإنسان عموما، والإنسان الغربي خصوصا لم يكن يوما إلا هدفاً للتعارف أو لتحريره من ظلمات القرون وجهالات الهمجية القديمة والدكتاتوريات الإمبراطورية التي عانى منها الأوربي القديم ، نعم ، يجب الإعتراف أنه قد ظن بعض الشباب الذي يتمتع بنفسية غضبية بدوية فارقها الإسلام أصلاً وسعى إلى تغييرها وتمدينها بكل طريق، أن التنفيس عن الغضب بسبب مايرونه من اختلال الموازين والكيل بمكيالين في التعامل مع الشعوب المسلمة اليوم هو برمي الشعوب الغربية بالمتفجرت ، وإرعابها بالنسف والهدم ، بينما جاء الإسلام أصلا لإرساء معالم عوالم أخرى ، متعارفة ومتواصلة ومتمدنة ، أتى بالرحمة للبشر جميعا والحرب إنما هي فقط لمن حاربنا، فلم يجئ الإسلام أصلاً لقتل الشعوب التي أمر الإسلام أصلا بمد جسور التعارف والتواصل، التعايش والتراحم بيننا وبينها وتبادل العلوم والمنافع و إقرار السلم والسلام.
    ولقد ارتبط مفهوم التسامح في " المدة الطويلة" لحضارتنا الإسلامية بالدعوة القرآنية التي خلقت للمفهوم ، المفقود في العالم الوثني والإمبراطوري القديم ،" مجاله الحيوي" في عالم الاجتماع البشري وجعله حالة اجتماعية كونية مستديمة ، فكان المجتمع المتعدد المتسامح في واقع المسلمين ، وهو الأمر الذي أثر على الفكر القروسطوي الغربي فاستفاد فلاسفته منه ومن ثم حدثت تحولات في عالم الأوروبي البسيط مع تقدم عسير وصراع داخلي انتهى بتطور كبير ، كما أثرت على العالم الاوروبي كافة علوم الإسلام العقلية والتجريبية والتواصلية ، ولو ذهبت إلى قرطبة ووقفت في ميدان الغافقي وسألت: من الغافقي هذا؟ لعرفت أنه واضع علم البصريات وهو الذي حلل العين واكتشف مجالات الرؤية ، كما قال أحد الكتاب. ويقول مراد هوفمان (الألماني المسلم مدير استعلامات حلف الناتو سابقا وسفير المانيا في الجزائر ايام الحملة الفرنسية عليها): يشتمل القرآن على مايصل إلى 750 آية تحض الناس على دراسة الطبيعة، والتأمل في وجودهم الذاتي، وعلى أن يحسنوا استخدام عقولهم... وفي نهاية الأمر، فقد كان العلماء المسلمون هم الذين أدخلوا على المنهجية العلمية أسلوب" الملاحظة" للظاهرة الطبيعية في أدق تفاصيلها، وكذلك أيضًا على الأسلوب التجريبي. هذان الأسلوبان كانا غريبين على منهجية المفكريين اليونانيين القدامى. وفي الحقيقة فإن القوة المحركة للانفجار العلمي في كافة المجالات في العالم الإسلامي، من القرن التاسع إلى القرن الثامن عشر، كانت هي الحض القرآني على أن يستخدم الإنسان عقله، وأن يراقب الطبيعة، وأن يعتنق النتائج التجريبية"([2]).

    فلولا التسامح مانتجت حضارتنا أصلا ولا حديث تغيرات كبيرة في عالم الغرب .
    فهو مفهوم عمل به المسلمون في الغالب، في تلك المدة الطويلة فعدلوا وتسامحوا ورحموا وحرروا، وأثروا وقدموا للإنسانية هدايا العلوم و الدفء الإنساني ، وكان ذلك كله ملازم للإعلام بالعقيدة من غير إكراه، ونشر المفهوم العلمي للنظر في الكون وتطوير عالم البشر، وقد كان. وكما تقول زيغريد هونكه ":وبإختصار:السحر الأصيل الذي تتميز به الحضارة العربية عن الكرم العربي والتسامح وسماحة النفس- كانت هذه كلها قوة جذب لاتقاوم"([3]). و قال جاك غودي -وهو كاتب ومفكر بريطاني أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة كمبريدج-: "كان مجئ الإسلام إلى أوروبا أفضل بالمقارنة من مجئ المسيحية واليهودية"([4]).
    وقال هوفمان أن الإسلام في دعوته العالمية كان يرتكز أساساً على مبدأ التسامح الديني ، حيث إنه" لا إكراه في الدين"(سورة البقرة الآية 256)... كما ساعد على انتشار الإسلام عالمياً قبول الإسلام بتعدد الديانات، ... وبفض هذا التسامح، تعايش وتقبل المسلمون الديانات الأخرى وأتباعها" الإسلام في الألفية الثالثة، ديانة في صعود، لمراد هوفمان، تعريب عادل المعلم ويس إبراهيم، مكتبة الشروق، ص67.
    ويلخص ديوانت هذه الحقيقة الغائبة تحت عنوان الإسلام والعالم المسيحي من كتابه قصة الحضارة بقوله ": لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200 يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميع الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة. ... أن المسلمين، كما يلوح، كانوا رجالاً أكمل من المسيحيين؛ فقد كانوا أحفظ منهم للعهد، وأكثر منهم رحمة بالمغلوبين، وقلما ارتكبوا في تاريخهم من الوحشية ما ارتكبه المسيحيون عندما استولوا على بيت المقدس في عام 1099، ولقد ظل القانون المسيحي يستخدم طريقة التحكيم الإلهي بالقتال أو الماء، أو النار، في الوقت الذي كانت الشريعة الإسلامية تضع فيه طائفة من المبادئ القانونية الراقية ينفذها قضاة مستنيرون. واحتفظ الدين الإسلامي، وهو أقل غموضاً في عقائده من الدين المسيحي، بشعائرهِ أبسط، وأنقى، وأقل اعتماداً على المظاهر المسرحية من الدين المسيحي، وأقل منه قبولاً لنزعة الإنسان الغريزية نحو الشرك.... أما العالم الإسلامي فقد كان له في العالم المسيحي أثر بالغ مختلف الأنواع. لقد تلقت أوربا من بلاد الإسلام الطعام، والشراب، والعقاقير، والأدوية" قصة الحضارة، عصر الإيمان، ول ديورانت، ترجمة محمد بدران، الجزء الثاني من المجلد الرابع (13)، المجلد 14 ص382-383)
    جذور الرحمة و سياسة التسامح وأصل التواصلية.
    وقد نبع المفهوم من أصل الوحي المنزل، فكان من البيان القرآني أن التسامح والعدل هو من لوازم تحقيق الرحمة والتعايش بين الناس كما أنه مفهوم مغروس في الفطرة البشرية ، وفي خصائص الإنسان الاجتماعي فهو من لوازم الإنسانية كما أنه من لوازم التشريعية الإسلامية الإجتماعية، فهو أصل جاء مع عملية التكريم للإنسان كإنسان اجتماعي تواصلي لا إنعزالي ، فالأصل في المفهوم الإسلامي هو التواصل والتعارف لا الصراع والتنافر، وقد أبان القرآن عن أصوله وطبيعته البشرية وحتمية ضرورته الاجتماعية وأبان عن حكمته وأهدافه التواصلية وغاياته التراحمية ، وذلك من خلال مفهوم الراسخ في الإسلام من احترام الإنسان وتكريمه وتحريره ، كما أنه مرتبط بتفرد الإنسان في الخلق والعقل والإختيار والتواصل والتعاقد، والتحابب والتراحم ، فالتكريم لايتحقق إلا بالتسامح والتواصل والمشاركة والتعايش وإعمال العقل والنظر في الكون والحياة والإنسا ن، ومن ثم تحقيق شروط حياة مادية وروحانية آمنة وفاعلة في التاريخ وقد كان فعلاً.
    فالمشاركة والمساواة بين البشر، هو أصل من أصول العقد الإجتماعي في الإسلام ، وسنة من سنن التعايش التي جاء بها ومسعى إنساني في القانون الإسلامي ، المبني على مفهوم المسؤولية الإنسانية والرعاية الاجتماعية
    قال تعالى "ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" فقد خلق الجميع من نفس واحدة وأصل واحد ، ولذلك دعا الإسلام إلى انقاد الإنسان من الجور والظلم من أيا كان ومن كان ، وصناعة مجال التراحم والبر بالإنسان أيا كان ومن كان.
    ولذلك جاءت منظومة الإسلام بالدعوة إلى فك القيود عن الإنسان المغترب في عوالم الدكتاتوريات والسلطات الغاشة ، وتحريره من العبوديات المهينة والخرافات والمكبلات العقلية والنفسية ليعيش انساناً حراً في عالم فعال ومُكرم.
    جاء الإسلام للمساواة بين كل أجناس الأرض كما قال المفكر الفرنسي روجيه جارودي ، راح جارودي يستدل بحديث الرسول محمد (لافضل لعربي على أعجمي الا بالتقوى) وحكى الحقيقة التاريخية " استقبل الأهالي المسلمين كمحررين"الإسلام في الغرب، قرطبة عاصمة العالم والفكر ، روجيه جارودي، ترجمة ذوقان قرقوط، دار دمشق، الطبعة الأولى، 1995م،ص 15.
    وفي القرآن "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا"
    كما أعلن القرآن المساواة التامة بين البشر، وبين الرجل والمرأة .
    "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" سورة الحجرات الآية 13.
    "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" سورة النحل آية 97.
    " ومن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا"(سورة النساء الآية 124).
    لقد أزال الإسلام من قلوب أهله الخوف والرعب من الغريب ليحقق التواصل والتعارف كما يقول هوفمان ،فيقول ان آيات القرآن مشجعة للإنسان لكي يتغلب على هذا الخوف في سورة الروم" وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ . إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ، وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ " ."... إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ "الإسلام في الألفية الثالثة، ديانة في صعود، لمراد هوفمان، تعريب عادل المعلم ويس إبراهيم، مكتبة الشروق، ص186،187.
    وقد حقق النموذج الإسلامي الأول في أول عمل سياسي في المدينة بعد هجرة النبي لها ، مفهوم المساواة مع اليهود الذي يعيشون فيها ، يخبرنا توماس آرنولد (مستشرق بريطاني توفى عام 1930) :" منحهم الحرية التامة في إقامة شعائرهم الدينية ، وساوى بينهم وبين المسلمين في الحقوق السياسية" الدعوة إلى الإسلام، ، سير توماس آرنولد، ترجمة حسن إبراهيم حسن، وعبد المجيد عابدين، مكتبة النهضة المصرية، ص33. كما تكلم آرنولد عن المساواة بين المؤمنين، وهي فكرة عارضت نعرة الشعور القبلي عند العربي(ص44).
    فالتسامح -كما يقول توماس آرنولد-الذي بسطه المسلمون إلى العرب المسيحيون، وفي الأجيال المتعاقبة، لشئ يدل على الوعي بكرامة الإنسان وحرية اختياره ( الدعوة إلى الإسلام ، ص51). " وأن سياسة التسامح الديني التي سارت عليه الحكومة الإسلامية نحو رعاياها المسيحيين في أسبانيا وحرية الاختلاط بين المتدينين بالديانتين قد أدت إلى شئ من التجانس والتماثل بين الجماعتين"الدعوة إلى الإسلام، ، سير توماس آرنولد، ترجمة حسن إبراهيم حسن، وعبد المجيد عابدين، مكتبة النهضة المصرية، ص121.
    " وفي عهد صلاح الدين الأيوبي في مصر... تمتع المسيحيون بالسعادة إلى حد كبير، في ظل ذلك الحاكم الذي عرف بالتسامح الديني. فقد خفف الضرائب التي كانت فرضت عليهم، وأزال بعضها جملة. وملئوا الوظائف العامة كوزراء وكتاب وصيارفة. وفي عهد خلفاء صلاح الدين نعموا بمثل هذا التسامح والرعاية، قرابة قرن من الزمان"(ص96).وقال" أن الدخول الظافر للمسلمين في أسبانيا أتى بنهضة جديدة ومدنية ورقي للجميع بحسب تعبيره " ولقد كتبت أسبانيا الإسلامية... صفحة من أنقى الصفحات وأسطعها في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى... ومنها تلقى طلاب العلم المسيحيون من الفلسفة اليونانية والعلوم ما أثار في نفوسهم النشاط العقلي حتى جاء عصر النهضة الحديثة" ص116.
    وهكذا حاول المسلمون تفعيل مفهوم التكريم والتسامح بقدر الإمكان ، وتم التواصل والتعارف والتجانس كما قال توماس آرنولد.
    وهذا الذي قاله ارنولد كان مفكراً فيه، في عالم الإسلام الثري، وقد تحقق بالفعل في عالم الواقع، حافظ الإسلام على حرية الإنسان ولو وكان وثنيا دهرياً أو مجوسياً نارياً ، فمنحه الحرية والإختيار والمواطنة ، ومن ثم المجال للعيش الحر المشترك والتواصلي، وأشركه في عملية الإنتاج في ظل منظومة عمرانية توحيدية سببية لايفضل فيها أحد على أحد بعنصر أو عرق أو جنس، بل البشر كلهم سواسية كأسنان المشط ، وكما في الحديث:" يا أيها الناس ألا ‏ ‏إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا ‏ ‏لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"
    "يقول مراد هوفمان " لانستطيع أن ننفي عن الإسلام نزعته للمساواة ولا إقرارها بين البشر على كافة المستويات، وذلك منذ بواكير التاريخ الإسلامي" الإسلام في الألفية الثالثة، ديانة في صعود، لمراد هوفمان، تعريب عادل المعلم ويس إبراهيم، مكتبة الشروق، ص53.
    وتقول زيغريد هونكه:" ليست الحضارة الفارسية ، هي التي أنجبت الرازي، أو ابن سينا، بل الحضارة العربية-الإسلامية، هي التي مكنت هذين الرجلين المتحدرين من أصل فارسي لشئ خارق للعادة.
    إن الدولة الإسلامية ، بتسامحها مع الديانات الأخرى، هي التي عايشت بين ظهرانيها الطوائف المسيحية كاليعاقبة، والتي كانت مضطهدة من قبل الدولة والكنيسة، وبدأوا بالإنفتاح الآن فجأة ، شأنهم في ذلك شأن اليهود ، الذين تعرضوا للملاحقات الشنيعة من جانب الكنيسة في ظل الامبراطورية القوطية....العلم العربي... هيأ الجو الذي استطاع العلم أن يتنفس فيه الصعداء، وهو الشئ الذي يفسر لنا في ذات الوقت، السبب الذي جعل التطور في أوروبا يتعثر...
    1. التسامح السخي مع كل ماهو غريب، حتى وفي القضايا الدينية (المسائل)، والتسامح مع معرفة الكفار-حتى ولو كان من الصين.
    2. استعداد النبي بالوحي، وعبر الهداية الدينية الخاصة والعالمية، لقبول المعرفة البشرية العقلانية فقط، بل والحث عليها، حتى إن مداد طالب العلم ، ارتفع إلى درجة التقديس، أصبح بمثابة دماء الشهداء، وهذا بدلاً من حشر المؤمنين في حيز عقائدي ضيق ، بعيد عن التنفس، كما فعلت الكنيسة المسيحية.
    3. ولوج الحياة الفعلية، والتوجه الدائم نحو الحاجات العملية، التي أدت إلى التقارب بين النظرية والتطبيق، لا كما كانت عليه الحال مع اليونانيين البعيدين عن الحقيقة، المتنقلين مابين الأعمدة الخرساء ، أو غير المعقول، كما هو الشأن مع الدارسين المسيحيين المتزمتين من فلاسفة أوروبا في جدلهم العقيم، الذين كانوا ينظرون إلى العمل نظرة مهينة" العقيدة والمعرفة لزيغريد هونكه ، ترجمة عمر لطفي العالم ، دار قتيبة ،بيروت ، الطبعة الأولى 1987م ،ص 116،117.


    وقد حققت أمة الإسلام بمختلف شعوبها وأجناسها، فعل التواصل وسياسة التسامح في التاريخ المحسوس ، وفي أطول مدة عاشتها أمة متمكنة ، فكانت تحميه المنظومة القرآنية والقانونية معاً، وتقبل من يلجأ إليها من الهاربين من جحيم العنصرية البغيضة والحروب الدينية ومنها الأوروبية ، وهذا الفعل التراحمي حافظ عليه المسلمون في التاريخ الطويل لحضارتنا والمدة الطويلة لحركة الأمة في التاريخ ، اللهم إلا فترات مخزية خالفت فيها ، وحتى اليوم، جماعات وإمارات وأزمنة وفرق المطلب أو الأمر القرآني الأول في التعامل مع الإنسان من خلال منظومة الحماية التكريمية الربانية التي من خالفها فقد خالف انسانيته ودينه وقانونه وشريعته ، فالإنسان في الإسلام يأتي في المرتبة الأولى من الرعاية والإهتمام ، والتواصل والتربية والتحرير من الطغيان والخرافات والإستغلال، ولذلك قامت فتوحات التحرير في الإسلام لأجل ذلك ، وتم تحرير الشعوب من امبراطوريات وسلطات القهر والظلم والاستغلال والجهالة .
    ولقد حرم الإسلام قتل الإنسان بغير حق لأن أصل التكريم أصيل فيه وحق الحرية والحياة قانون أصيل منذ الخلق الأول وفي التشريعات المنزلة.
    "مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ"
    يقول الرسول:"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما" رواه البخاري
    ويقول:"ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس: فأنا حجيجه يوم القيامة) رواه أبو داود.
    هذا المفهوم التواصلي العام، والتكريمي في آن ، غاب عن كثير من المسلمين اليوم وهم في فترة التراجع الحضاري عن عوالم المدة الطويلة من حضارة زاهرة ومتسامحة.
    حتى إن رينان ذلك الفيلسوف الفرنسي صاحب النظرية العرقية المعروفة والمجحفة، قال عن ذلك العالم الجميل " وكان من الميل إلى العلم والموضوعات الجميلة في القرن العاشر أن قام في هذه الزاوبة الممتازة من العالم تسامح لاتكاد الأزمنة الحديثة تعرض مثيلاً له علينا، وذلك أن النصارى واليهود والمسلمين كانوا يتكلمون بلغة واحدة ، وينشدون عين الأشعار، ويشتركون في ذات المباحث الأدبية والعلمية، وقد زالت جميع الحواجز التي تفصل بين الناس، فكان الجميع متفقين على الجد في حقل الحضارة المشتركة، وتغدو مساجد قرطبة، التي كان الظلاب فيها يعدون بالألوف، مراكز فعالة للدراسات الفلسفية والعلمية" ابن رشد والرشدية ، تأليف إرنست رينان، نقله إلى العربية عادل زعيتر، القاهرة 1957، دار احياء الكتب العربية عيسى البابي الحلي وشركائه،، ص25.

    لقد كان نتيجة التسامح في الأندلس كما تقول هونكه:" أبلغ الأثر في ازدهار إسبانيا العربية...إن تلك السماحة التي يراها الإسلام شيئا مفهوما بداهة؛ جعلته يرتضي ويتقبل وجود النصرانية مطلقا "([5]).
    لذلك ، وكمحاولة للتواصل مع الإنسان الغربي العادي، الواقع فريسة للتحيزات وموجات العداء المغرضة، وكذلك لتصحيح المفاهيم عند المسلم المعاصر، حاولنا بيان شأن مفهوم التسمح والتواصل ، والتعارف في الإسلام، وأوردنا بعض المقولات لعلماء غربيون منهم من أسلم كروجيه جارودي ومراد هوفمان، ومنهم من أنصف كزيغرد هونكه وديورانت، حتى يتبين الأمر ممن خبره وإطلع على حقيقته ، على أمل أن يفهم الإنسان، الغربي والعربي، الإسلام من خلال مفهوم من مفاهيمه وتحققه في التاريخ، فينصلح الخلل الذهني والنفسي، وتتعارف الأمم وتتقارب الأرواح والهمم.
    وأخيراً أذكر خبرة مراد هوفمان الألماني (أسلم في الثمانينات) الذي قال :" فلم يأت التنوير بالضوء ليخترق ظلمات التقاليد الإسلامية ونصوصها من قرآن وسنة، بل إن هذه القيم والقواعد من قرآن وسنة هي التي انبعث منها النور والضياء " الإسلام في الألفية الثالثة، ديانة في صعود، لمراد هوفمان، تعريب عادل المعلم ويس إبراهيم، مكتبة الشروق، ص184.
    ومن التنوير التسامح، تلك الحقيقة الغائبة.




    ([1])الله ليس كذلك، زيغريد هونكه ، تعريب د. غريب محمد غريب، دار الشروق، مؤسسة بافاريا، مجلة النور الكويتية، ص41-42.


    ([2]) خواء الذات والأدمغة المستعمرة لمراد هوفمان، تعريب عادل المعلم، نشأت جعفر، مكتبة الشروق، الدولية ط1 ،2002، ص 94،95)


    ([3]) الله ليس كذلك، ص41، 42.

    ([4])الإسلام في أوروبا، جاك غودي، تعريب جوزف منصور، دار عوينات، بيروت، ط1، 2006م ص134.

    ([5]) الله ليس كذلك ، ص52.

  • #2
    تقول الاستاذة ناجية الوريمّي بوعجيلة أستاذة الحضارة العربيّة الإسلاميّة بالجامعة التونسيّة: ( أما الدراسات المتخصصة لمسألة التسامح في التراث العربي الإسلامي، فهي صنفان: صنف غالب عدديا وهو الدراسات التقليدية، وصنف غالب نوعيا وهو الدراسات النقدية الحديثة. جاء الصنف الأول تقليديّ التوجه منخرطا في خطط دفاعيّة وعظيّة أخلاقية. وهو مشدود بشكل كبير إلى الردّ على ما يوجّه إلى الإسلام اليوم من اتّهام بالعنف، محاولاً إثبات خصوصيّاته المتسامحة ممثّلة في نصوصه التأسيسيّة وخاصّة القرآن. ولذلك هو يكتفي بانتقاء نصوص يحمّلها من المعاني ما يريد، وما يخدم غايته الوعظيّة المباشرة الداعية إلى الالتزام بمقتضيات التسامح اليوم، لأنّه لا غنى عنه في التعامل مع العالم المعاصر. ولتحقيق هذه الغاية يعمد هذا الصنف إلى اعتماد أسلوب المناظرات القديم، الرامي إلى تبكيت الخصم بمحرّد حشد الأدلّة. وفي مستوى النتائج، لم يتجاوز الطابع الغنائيّ التمجيديّ الذي، بقدر ما يرضي غرور الذات في إعلائها "لخصوصيّاتها" وفي تعاليها على الآخر بسبب تفوّقٍ تيولوجيّ يعتقده، يبتعد عن شروط القراءة النقديّة المنتجة التي تخضِع للتفكيك وإعادة البناء جملةَ المعطيات التاريخية والفكريّة التي مثّلت حقيقة وضع التسامح واللاتسامح في الثقافة العربيّة الإسلاميّة. )
    من مقدّمة كتابها "الاختلاف وسياسة التسامح" ـ منشورات مؤسّسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى 2015.

    وفي نفس الوقت تنتقد الصنف الثاني بسبب أن الدراسات النقديّة ضيّقت دائرة التسامح ووقفت عند مستوى المواقف الفكرية النظرية، في حين أنها نفت تحقق التسامح سياسيا، مثلما هو الحال مع محمد أركون وعلي أومليل، فأركون مثلا يرى أن التسامح في بعده السياسي مفهوم حديث تعود نشأته إلى عصر الأنوار في أوروبا !!

    ولكن أظن أن الأستاذة الوريمّي تكيل بمكيالين، لأن أركون ومن على مذهبه يقدمون قراءة تبجيلية، فهي أيضا على مستوى النتائج لم تتجاوز الطابع الغنائيّ التمجيديّ الذي، بقدر ما يرضي غرور الذات في إعلائها "لتنويريّتها" وفي تعاليها على الآخر بسبب تفوّقٍ فكرانيّ - حداثـويّ - يعتقده، فابتعدت عن شروط القراءة النقديّة المنتجة التي تخضِع للتفكيك وإعادة البناء جملةَ المعطيات التاريخية والفكريّة والواقعيّة التي مثّلت حقيقة وضع التسامح واللاتسامح في الثقافة الأوروبية العلمانيّة. هذا وقد أجري عام 2006 في هولندا - حيث تقيم انت استاذنا طارق منينة - بحث عن موقف الهولنديين من الأوضاع ببلدهم فكانت النتيجة ضمن "المستحيل التفكير فيه" بعبارة أركون:
    53% من الهولنديين غير راض عن التسامح الهولندي، ويشعر نتيجة هذا بالخجل.
    و 25% يفتخرون بالتسامح الهولندي. (المصدر)
    وطبعا نتحدث هنا عن هولندا 2006 وليس هولندا يومنا هذا الذي يشهد عودة الروح الهتليرية متمثلة فيما يسمى بصعود اليمين المتطرف، ولا هولندا - بعد عصر الأنوار دائما - ايام الحملات الامبريالية، ولا هولندا ايام الحروب الأهلية التي دامت سبعة وستين عاما والتي يعتبرها المؤرخ الهولندي الأستاذ Olaf van Nimwegen مرحلة مجهولة مهجورة مهملة (verwaarloosde periode op de kaart) في الخريطة التاريخية الهولندية، ولا هولندا المُتخَيّلة التي يتخيّلها المجادلون الهولنديون الذي ينتقدون الاسلام كلما سنحت لهم الفرصة لابراز اللاتسامح في الاسلام دينا وتاريخا، ولا غيرها، بل هولندا 2006، وهذه في نظري مصيبة، لكن أركون ومن على نسقه في التفكير يتعرفون على التسامح واللاتسامح في الثقافة الأوروبية العلمانيّة من خلال الاعتزال اي انهم يعتزلون في كتب فكرية وصور تبجيلية ورؤى تجزيئية للواقع.

    ومنهجه في الحقيقة هو نفس منهج الأوروبي المنتقد للاسلام او المتعصب ضده، إذ يأخذ في انتقاده للاسلام تاريخا عينات ثم يقيم تعميمها بعد تجريدها كأنك تصف حادثة في لا زمكان، وهو "التسامح الاسلامي" لحظة الانفجار العظيم اي لحظة تكون الزمكان. واما في انتقاد الاسلام دينا فهو الأمر الذي اثار حفيظة المستشرق والمحامي الهولندي الاستاذ Maurits Berger ، والذي كلما ذهب لالقاء محاضرة مفتوحه يتبعه البلطجيون الهولنديون ليهاجموه بعد محاضرته بوابل من الاسئلة والاعتراضات " لكن في القرآن هيت وفي السيرة النبوية كيت .. وهلم جرّا "، اي يعملون انتقاء نصوص فتحميلها من المعاني ما يريدون، وكان يجيبهم واحيانا يتجاهلهم، ولكن لما اتسعت دائرة هذا الجدال لتشمل الساسة الهولنديين الذين انقسموا الى ثلاثة اقسام في الحكم على ما يسمى "داعش" هل تمثل الاسلام ففريق يرى أنها تمثل الاسلام، وفريق ينفي ذلك، وفريق يثبت وينفي، قرر نشر مقالة في الموضوع بعنوان "تقييم المسلمين على أساس تعاليم دينهم تقييم غارق في السلفية" يقول فيها للفريق الأول أنتم كالسلفيين سواء، ويذكّرهم ببحثه الذي كان قد نشره في كتابه " تاريخ موجز للاسلام في أوروبا "، وفيه درس العلاقات الاوروبية الاسلامية على مدار ثلاثة عشر قرون، فلاحظ وجود ظاهرة ثابتة طول تلك المدة، وهي:
    - الأوربيون يحددون المسلم بناء على دينه (وفي هذا مغالطة أن المسلمين يلتزمون بدينهم طوال الوقت وفي كل صغيرة وكبيرة).
    - الأوروبيون يتعرفون على الإسلام من خلال وثائقه التأسيسية القرآن والروايات والسيرة (لم يتعب الأوروبيون ويبحثوا عن معنى الإسلام كما تمثل وتجسد على يد سلسلة من علماء الشرع). أي أن النص التأسيسي نصين: النص المرجعي وهو [1] القرآن ثم [2] السيرة (السنة النبوية) ثم [3] الرسائل (إرث الصحابة في الأرثوذكسية والإمامية عند الشيعة)، ثم النص العلمي والذي هو بدوره نصين: [4] المقدمات (أصول الفقه الأكبر، وأصول الفقه، وأصول التفسير، وأصول الحديث، وأصول التصوف) و [5] التراث الغني الديناميكي والذي هو مجموعة من الخلايا التفكيرية والمذاهب الحقوقية والطرق السلوكية.
    إذا اعترفتم بهذه الحقيقة التاريخية ستعلمون باسهل الطرق ان "داعش" لا تمثل الاسلام! لا تمثله دينا، لكن هل تمثله تاريخا سؤال آخر، ويتوقف الجواب على منطلقات مثلا القرامطة هل هي فعلا طائفة كما نعرفها في السرد التاريخي أم يمكن أن تكون شيئا آخر في حالة ما اذا قامت دراسة تاريخية نقدية تستشكل السرد هل هو صناعة مخابرات الدولة العباسية والفاطمية وغيرها، أم نقولات مروية ومدونة، أم خليط بين الواقعي والايديولوجي والتدويني؟ ومهما كان الأمر فالسؤال هذا يختلف عن سؤال الانتماء الديني الملتزم لأن ما انطبق على "داعش" سينطبق على القرامطة ايضا.

    هذا، ولي عودة ان شاء الله لتصوير التسامح بين اليمين (ابن تيمية) واليسار (ابن عربي) والوسط المتنوع الذي يمشي بينهما في صورة خاطفة موجزة، فعودا حميدا اخي الاستاذ طارق؛ والـسـلام.

    تعليق

    19,944
    الاعــضـــاء
    231,772
    الـمــواضـيــع
    42,484
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X