إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • (رحلة إلى بلاد الأشواق)في ضوء الكتاب والسنة/ د.خالد الشايع، تابعوا السلسلة -لأول مره مفرغة

    هذا البرنامج المبارك كان بثه في رمضان 1431 (30حلقة) في اذاعة القرآن الكريم- السعودية.
    عن الجنة ونعيمها ووصفها، ووصف أهلها ولباسهم وحسنهم، وأبوابها، وقصورها وأنهارها وترابها ،وتنعم أهلها ، والفرح الكبير بلقاء ربهم والتمتع برؤيته، والسعادة برضاه عنهم ، واجتماعهم بأهلهم وأحبابهم وأصحابهم ،وطعامهم وشرابهم وأوانيهم التي تدور عليهم عن طريق خدمهم ، وصفاء قلوبهم ، وكلامهم وسلامهم وتسبيحهم، وأسواقهم ، وجناتهم ، وتزايد نعيمهم ، وتجدّده لهم،وعدم تكدرهم بترك نعيمهم أو زواله بخلودهم الدائم مما يزيد في فرحهم وسعادتهم،
    وسبحان الله -كان البرنامج يبث في الوقت المناسب قبيل المغرب- تذكرة له وشوقاّ وطلباَ ، فهو صائماً في أشد أوقات الضعف والافتقار ودعاءً الي ربه --أن ينجيه من عذاب النار، و يجعله من أهل تلك الدار والمستقر الدائم لعباد الرحمن ويظفر بهذا النعيم الذي لاعين رأت ولاأذن سمعت ولاخطر علي قلب بشر فكيف إن كان نعيما دائما وخلود بلا موت ، فلن تكون عبادات العبد -من صلاة وصيام..الخ- طوال حياته إلا سبباً في دخولها ، فالنعيم لايتصور فهي (نزلاّ من غفورٍ رحيمٍ) غفور يتجاوز التقصير ويرحم ويجازي بالكثير وهذه رحمته .

    والشيخ- حفظه الله- وبارك فيه ،اجتهد في جمعه واستدلالته في وصف الحنة ونعيمها من المصادر الأصلية من القرآن الكريم والسنة النبيوية فهي ليست جمعاً من كتب تحدثت فيي هذا المجال، وهذا ماجعل تلك الحلقات سبباً في نجاحها و التشوق للاستماع اليها ، والمسارعة في الحرص لتفريغها ، فهي يشرح وصف الجنة ومافيها ،في- ضوء الكتاب والسنة.
    ومن فضل الله أن الحلقات كانت تنزل تباعاً في شهر رمضان الماضي بموقع البث الاسلامي، لمن أراد الاستماع اليها- مدة الحلقة ( 10 دقائق)
    والحمدلله سيتم وضع تفريغات الحلقات تباعاً بإذن الله ، لينتفع بها المسلم ،من دعاة وغيرهم، ومن يدعو غير المسلمين للإسلام فهي خير محفز بعد توحيد الله تعالي.

  • #2
    الحلقة الأولي

    نبذة من الحلقة الأولي
    بسم الله الرحمن الرحيم
    رحلة إلى بلاد الأشواق " 1 "
    فضيلة الشيخ :د. خالد بن عبد الرحمن الشايع
    الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نُزُلا.. ويسّرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها .. فلم يتخذوا سواها شُغُلا .. والحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رُسُلا .. وباعث الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .. إذ لم يخلقهم عبثا ولم يتركهم سُدى ولم يغفلهم هملا , بل خلقهم لأمر عظيم .. وهيأهم لخطب ٍجسيم .. وعمّر لهم دارين فهذه لمن أجاب الداعي ولم يبغي سوى ربه الكريم بدلا .. وهذه لمن لم يجب دعوته , ولم يرفع بها رأسا ًولم يعلق بها أملا ..
    وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله وأمينه على وحييه , وخيرته من خلقه , أرسله رحمة ًللعالمين , وقدوة ًللعاملين , ومحجة ًللسالكين , وحجة ًعلى العباد أجمعين .. بعثه للإيمان مناديا , وللخليقة هاديا , وإلى دار السلام داعيا ...
    أما بعــــــــــد...
    فيشرّفني أن أستعرض وإياكم جوانب من دار كرامة الله تعالى التي أعدّها لعباده المؤمنين , فهذا البرنامج جل المقصود منه إشارة أهل السنة لما أعدَّ الله لهم في الجنة , فإنهم مستحقون للبشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة , ونعم الله عليهم باطنة وظاهرة , وهم أولياء الرسول وحزبه ومن خرج عن سنته فهم أعداءه وحربه , لا تأخذهم في نصرة سنته عليه الصلاة والسلام ملامة اللوّام , ولا يتركون ما صح عنها لقول أحد من الأنام ..
    والسنة أجلّ في صدورهم من أن يقدّموا عليها رأيا ًفقهيا ..أو بحثا ًجدليا .. أو خيالا ًصوفيا .. أو تناقضا ًكلاميا .. أو قياسا ًفلسفيا .. أو حكما ًسياسيا .. فمن قدّم عليها شيئا ً من ذلك فباب الصواب عليه مسدود .. وهو عن طريق الرشاد مسدود..
    أيها الأخوة في الله ..
    إنّ جنات النعيم التي أعدّ الله تعالى لعباده مما ينبغي أن يجتهد العبد في معرفتها ومعرفة الطريق الموصل إليها .. وهذا ما سأستعرضه وإياكم في حلقات هذا البرنامج الذي أسأل الله تعالى أن يجعله مبـــــــــاركا ..
    ويحسن في بادئ هذه الحلقات أن نوضح ما درج عليه المؤلفون في هذا الباب , كما صنع العلامة ابن القيم وغيره من التقدمة لوصف الجنة ببعض المقدمات , ومن ذلك أن الجنة موجودة مخلوقة الأن , وفي هذا يقول العلامة ابن القيم : لم يزل أصحاب رسول الله والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة ًوفقهاء الإسلام على اعتقاد ذلك وإثباته , مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة , وما عُلم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم , فإنهم دعو الأمم إليها وأخبروا بها , إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الأن , وقالوا : بل الله ينشئها يوم المعاد , وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله , وأنه ينبغي له أن يفعل كذا , ولا ينبغي له أن يفعل كذا , وقاسوه على خلقه في أفعالهم , فهم مشبّهة ٌفي الأفعال ودخل التجهّم فيهم ,فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات , وقالوا : خلق الجنة قبل الجزاء عبث , فإنها تصير معطلة ممددا ً متطاولة ليس فيها سكانها .
    فحجّروا على الرب بعقولهم الفاسدة , وآراءهم الباطلة , وشبّهوا أفعاله بأفعالهم , وردّوا من النصوص ما خالفوا هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب , أو حرّفوها عن مواضعها , وظننّوا وبدّعوا من خالفهم فيها , والتزموا فيها لوازم , واضحكوا عليهم فيها العقلاء ..
    ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان , ويذكر من صنّف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة ًلا يختلفون فيها .. .
    ثم قال العلامة ابن القيم تعالى في هذا السياق مقررا ً وجود الجنة وخلقها , والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان , وقد دل على ذلك من القرءان قول الله تعالى (( ولقد رآه نزلة ً أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى )) , وقد رأى النبي سدرة المنتهى ورأى عندها الجنة كما في الصحيحين من حديث أنس ابن مالك في قصة الإسراء وفي آخره :... ثم انطلق بي جبريل حتى أتى سدرة المنتهى , فغشيها ألوان لا أدري ما هي . قال : ثم دخلت الجنة , فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ , وإذا ترابها المسك جنابذ اللؤلؤ ما يشبه القباب , لان بيوت الجنة على هيئة البيوت المقببة وكلها من اللؤلؤ ..
    وجاء في الصحيحين من حديث عبد الله ابن عمر أن رسول الله قال : إنّ أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة , وإن كان من أهل النار فمن أهل النار .. فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة . .
    وثبت في المسند والمستدرك للحاكم وصححه ابن حبّان من حديث البراء ابن عازب قال : خرجنا مع رسول الله في جنازة رجل من الأنصار ...فذكر الحديث بطوله وفيه : فينادي مناد ٍمن السماء أن صدق عبدي ,فأ فرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة ,وافتحوا له بابا ًإلى الجنة ,قال : فيأتيه من روحها وطيبها ...وذكر الحديث .
    وثبت في الصحيحين من حديث أنس ابن مالك قال : قال رسول الله : إن العبد إذا وضع في القبر , وتولّى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم , قال : فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟؟ قال : فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله . قال : فيقولان له : انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا ًمن الجنة . قال نبي الله : فيراهما جميعا .
    وجاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت : خُسِفت الشمس في حياة رسول الله , فذكرت الحديث إلى أن قالت : ثم قام فخطب الناس , فأثنى على الله بما هو أهله , ثم قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته , فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة ..وقال رسول الله : رأيت في مقامي هذا كل شيء وعِدته , حتى لقد رأيتني آخذ قطفا ًمن الجنة حين رأيتموني أُقدّم , ولقد رأيت جهنّم يحطم بعضها بعضا ًحينما رأيتموني تأخّرت .. .
    وثبت في صحيح مسلم من حديث جابر في هذه القصة , قال عليه الصلاة والسلام : عُرض عليا كل شيء تولجونه , فعرضت عليا الجنة حتى تناولت منها قطفا , فقصرت يدي عنه , وعُرضت عليا النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذّب في هرّة لها ....وذكر الحديث .
    وجاء أيضا ًفي الموطّئ والسنن من حديث كعب ابن مالك قال : قال رسول الله : إنما نسمة المؤمن طيرٌ تعلق في شجر الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة ..
    كامل الدرس في المرفقات**

    تعليق


    • #3
      للإستماع للحلقة الأولي:

      http://www.liveislam.net/browsearchi...?sid=&id=79596

      تعليق


      • #4
        الحلقة الثانية

        بسم الله الرحمن الرحيم
        رحلة إلى بلاد الأشواق "2"
        فضيلة الشيخ/د. خالد بن عبد الرحمن الشايع
        الحمد الله رب العالمين .. صلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
        أما بعـــــــــــــد ....
        لازلت أوطئ بعون الله تعالى للحديث عن الجنة ونعيمها , بذكر شيء مما يتعلق بها من المسائل الكلية , وكنت قد بحثت من قبل بمسألة وهي أن الجنة مخلوقة وموجودة الأن , وفي هذه الحلقة أذكر مسألة ثانية وهي مكـــــان الجنة .. وأين هي .. إضافة إلى بيان سعة الجنة وعظمها ..
        في هذه المسألة "مكان الجنة وأين هي " توقف عن الجذب فيها عدد من أهل العلم لعدم صراحة الأدلة لديهم في تجليتها , وقد بحث العلامة ابن القيم ونص على أن الجنة في غاية العلو والارتفاع , ومن كلامه في ذلك : قال الله تعالى (( ولقد رآه نزلة ًأخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى )) وقد ثبت أن سدرة المنتهى فوق السماء , وسميت بذلك لأنها ينتهي إليها ما ينزل من عند الله جلّ وعلا فيُقبض منها , وما يصعد إليه فيُقبض منها , قال الله تعالى (( وفي السماء رزقكم وما توعدون )) وقد فسّر بعض أهل العلم قوله تعالى (وفي السماء رزقكم ) بأنه المطر , وقوله ( وما توعدون ) بأنه الجنة . وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة , عن النبي أنه قال : [ إنّ في الجنة مئة درجة .. ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض .. أعدّها الله للمجاهدين في سبيله ] قال : وهذا يدل على أنها في غاية العلو والارتفاع ..
        ثم قال العلامة ابن القيم : والجنة مقببة ..أعلاها أوسعها .. ووسطها هو الفردوس وسقف العرش , كما قال في الحديث الصحيح : إذا سألتم الله فسألوه الفردوس , فإنه وسط الجنة وأهل الجنة وفوقه عرش الرحمن , ومنه تُفجّر أنهار الجنة .. رواه البخاري والله أعلم.
        والمسألة الثانية هي أن الجنة في سعتها وعظمها فوق ما يتصوّره المرء أو يخطر في خياله , ومن الأدلة على ذلك قول الحق (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين )) ..
        قال الحافظ ابن كثير : قد قيل أن معنى قوله تعالى (عرضها السماوات والأرض ) تنبيه عن اتساع طولها , كما قال في صفة فرش الجنة ( بطائنها من إستبرق ) أي فما ظنّك في الظهائر, وقيل بل عرضها كطولها لأنها قبــــــة تحــت العـرش , والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله ..
        وقد دلّ على ذلك ما ثبت في الصحيح : إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس , فإنه أعلى الجنة , وأوسط الجنة , ومنه تُفجّر أنهار الجنة , وسقفها عرش الرحمن وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد (( وسابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض )) .
        وثبت في المسند أن هرقل كتب إلى النبي إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض فأين النار ؟؟ فقال النبي : سبحان الله !! فأين الليل إذا جاء النهار ؟!! قال ابن كثير إسناده لا بأس به ..ثم قال : وهذا يحتمل معنيين , أحدهما أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدة مالليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان وإن كنا لا نعلمه , وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ..
        الثانية : أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشّى وجه العالم من هذا الجانب , فإن الليل يكون من الجانب الآخر , فكذلك الجنة في أعلى عليين , فوق السماوات تحت العرش , وعرضها كما قال الله كعرض السماء والأرض ..
        والنار في أسفل سافلين .. فلا تنافي بين كونها كعرض السماء والأرض وبين وجود النار.. انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن كثير , وقد رجح المعنى الأول .
        *تكملة تفريغ الحلقة في المرفقات
        * للاستماع للحلقة
        http://www.liveislam.net/browsearchi...?sid=&id=79606

        تعليق


        • #5
          الحلقة (3) : "بيان أسماء الجنة ومعانيها واشتقاقاتها "

          بسم الله الرحمن الرحيم
          رحلة إلى بلاد الأشواق "3"

          فضيلة الشيخ :د. خالد بن عبد الرحمن الشايع

          الحمد الله رب العالمين .. الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
          أما بـــــــــــعـد ...


          مرحبا ًبكم أيها الأحبة الكرام .. في هذه الحلقة الجديدة في رحلتي وإياكم إلى بلاد الأشواق ..
          في هذه الحلقة ..أواصل التمهيد للبدء في وصف الجنة .. وكنت قد ذكرت في حلقات ماضية , ما يتعلق بأن الجنة مخلوقة وموجودة الأن , وأن جاء الحديث عن مكان الجنة وأين هي وجاء الحديث عن بيان سعة الجنة وعظم خلقها ..
          في هذه الحلقة نُفصّل الحديث في مسألة أخرى وهي : "بيان أسماء الجنة ومعانيها واشتقاقاتها "..
          هذه المسألة بحثها العلامة ابن القيم , مفصّلة في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " ومنه ألخص ذلك وهو مرجع أصيل في وصف الجنة كما نبهّت من قبل ..
          يقول : ولها عدّة أسماء باعتبار صفاتها ومسمّاها واحد باعتبار الذات , فهي مترادفة من هذا الوجه , وتختلف باعتبار الصفات , فهي متباينة من هذا الوجه .. وهكذا أسماء الرب وأسماء كتابه وأسماء رسوله وأسماء اليوم الآخر وأسماء النار ..
          أما الاســـم الأول في جنات النعيم :
          " الجنـــــّـــــة "
          فهو الاسم العام المتناول لتلك الدار , وما اشتملت عليه من أنواع النعيم , واللذة والبهجة والسرور وقُرّة الأعين ,
          وأصل اشتقاق هذه النقوة من الستر والتغطية , ومنه الجنين لاستتاره عن العيون , والمِجَن لستره ووقايته الوجه , والمجنون لاستتار عقله وتواريه عنه , ومنه سمي البستان جنة لأنه يستر داخله بالأشجار ويغطيه .
          الاسـم الثــــــــاني :
          "دار الســــــــــــلام "
          وقد سمّاها الله بهذا الاسم بقوله سبحانه ((لَهُم دارُ السلامِ عندَ رَبّهِم)) وفي قوله (( واللهُ يَدعُو إلى دارِ السّلامِ)) وهي أحق بهذا الاسم , فإنها دار السلام من كل بليّة وآفة ومكروه , وهي دار الله واسمه السلام الذي سلّمها وسلّم أهلها .
          الاســم الثــــــــــــالث :
          " دار الخلــــــــــــد "
          وسميت بذلك لأن أهلها لا يضعنون عنها أبداً ولا ينتقلون , قال الله تعالى ((ومَا هم مِنهَا بِمُخرجِين)) وقال سبحانه ((أكُلُهَا دَائِمٌ وظِلُهَا)) .
          الاســـم الرابــــــــع :
          " دار المقامــــــــــــة "
          قال الله تعالى حكايةً عن أهلها ((وقالوا الحمد للهِ الذي أذهبَ عَنا الحَزنَ إنّ رَبنا لغفورٌ شكور الذي أحلّنا دارَالمُقامةِ من فضلهِ لا يمسُّنا فِيها نَصَبٌ ولا يمسّنا فِيها لُغُوب)) .
          الاســــــــــم الخامـــــــــــــس :
          " جنّــــــــــــة المأوى "
          قال الله تعالى ((عِندها جنّةُ المَأوى)) وقال سبحانه ((وأمَّا مَن خافَ مقامَ ربّهِ ونَهَىَ النّفسَ عنِ الهَوى فَإنَّ الجنّةَهِيَ المَأوى)) والمأوى مفعل من أوى يأوي إذا انضم إلى المكان وصار إليه واستقر به .
          الاســم الســــــــــادس :
          " جنّــــــــــات عــــــــــدن "
          قال الله تعالى ((جناتُ عَدْنٍ التي وعَدَ الرحمنُ عبادهُ بالغيبِ )) والاشتقاق من عدن من عَدَنَ بمعنى أقام ولم يبرح.
          الاســـــــم الســــــــابع :
          " دار الحيــــــــــــوان "
          قال الله تعالى ((وإنَّ الدارَ الآخرةَ لهيَ الحيوان)) والحيوان بمعنى الحيـــــــــاة الدائمة الحق التي لا زوال لها ولا انقضاء , بل هي مستمرة أبد الآباد .
          الاســـــــــــــم الثــــــــــــامن :
          " الفــــــــردوس "
          قال الله تعالى ((أولائكَ هُمُ الوارِثُون اللذينَ يرثُونَ الفِردَوسَ هُم فِيهَا خالِدُون)) وأصل الفردوس البستان , قالوا : وحقيقته أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين .
          الاســــــم التــــــــــاسع :
          " جنّـــــــــــــات النعـــــــــــيم "
          قال الله تعالى ((إنَّ اللذينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصَالِحَات لَهُم جنّاتُ النّعِيم)) وهذا أيضاً اسم جامع لجميع الجنات , وذلك لما تضمنته من الأنواع التي يُتنعّم بها من المأكول والمشروب والملبوس والصور , ومن الرائحة الطيبة والمنظر البهيج , والمساكن الواسعة , وغير ذلك من النعيم الظاهر والباطن .
          الاســـــــــم العاشـــــــــــر :
          " المقام الأمـــــــــــــين "
          قال الله تعالى ((إنَّ المتّقينَ في مقامٍ أمين في جناتٍ وعيون)) والمقام موضع الإقامة , والأمين الآمن من كل سوء وآفة ومكروه , وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها , فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص , وأهله آمنون فيه من الخروج والنقص والنكد . وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى ((إنَّ المُتّقينَ في مقامٍأمين)) وفي قوله تعالى ((يدعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنين)) فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام , فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ولا مضرّتها . وجمع لهم أيضاً أمن الخروج منها فلا يخافون ذلك , وأمن الموت فلا يخافون فيها موتــــــــا ..
          الاســـــــــــم الحادي عشـــــــر والثـــــــاني عشـــــــر :
          " مقعـــــــد الصــــــــدق وقـــــــدم الصــــــدق "
          قال الله تعالى ((إنَّ المُتّقينَ في جنّاتٍ ونَهر في مَقعدِ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر)) فسمّى الجنّة مقعد صدق لحصول كل ما يراد من المقعد الحسن فيها , كما يقال مودّة صادقة إذا كانت ثابتةً تامّة . قال ابن كثير : في مقعد صدق أي في دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه . قال ابن القيم : ومنه قدم الصدق ولسان الصدق ومدخل الصدق ومخرج الصدق , وذلك كله للحق الثابت المقصود الذي يُرغب فيه إفلات الكذب الباطل الذي لا شيء تحته ولا يتضمن أمراً ثابتا , وفسّر قول ( قدم صدق ) بالجنة , وفُسّر بالأعمال الصالحة التي تُنال بها الجنة , وفُسّر بالسابقة التي سبقت لهم من الله , وفُسّر بالرسول الذي على يده وهدايته نالوا ذلك ..هذا التفسير بقوله سبحانه ((وبشّرِ اللذينَ آمنوا أنّ لَهم قدمَ صدقٍ عند ربّهِم)) , قال ابن القيم :والتحقيق أن الجميع حق , فإنهم سبقت لهم من الله الحسنى بتلك السابقة أي بالأسباب التي قدّرها لهم على يدي رسوله وادّخر لهم جزاءها يوم لقاءه .
          وبعد .. أيها الكرام .. فتلك جملة من أسماء الجنة , ومن المعلوم أن كثرة الأسماء للشيء تدل على شرفه وعظيم شأنه .. وفي تلك الأسماء ما يُشوّق النفوس إلى نيل الجنة ويجعلك تعمل على دخولها ..


          ** الحلقة في المرفقات**
          للاستماع لتلك للحلقة المباركة :
          http://www.liveislam.net/browsearchi...?sid=&id=79721

          تعليق


          • #6
            الحلقة(4) :" أبواب الجنة "

            بسم الله الرحمن الرحيم
            رحلة إلى بلاد الأشواق " 4 "
            فضيلة الشيخ/د.خالد بن عبد الرحمن الشايع
            أحمد الله تعالى .. وأصلي وأسلم على خير خلقه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
            أما بعــــــــــد ...
            لازلت وإياكم أيها الإخوة في الله في هذه الرحلة الكريمة ..إلى بلاد الأشواق .. أسأل الله تعالى أن يجمعنا جميعا ًفي رحابها ..
            تقدّم الحديث عن عظمة هذه الدار الكريمة , وما أعدّ الله تعالى ووعد فيها من الخيرات , هذه الدار العظيمة فيها ولها أبــــــــــــواب , جاء وصفها في كتاب الله تعالى وفي سنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام , جاءت الإشارة إلى جملة الأبـواب في القرءان الكريم وبيّنت السنة المطهرة عــــدد تلك الأبـــواب ..
            وفي هذا يقول الرب ((وسِيقَ اللذينَ اتقَوا رَبَّهُم إلى الجنّةِ زُمرَا حتى إذا جَاءُوهَا وفُتِحَت أبوابُهاوقالَ لَهُم خَزَنَتهَا سلامٌ عَليكُم طبتم فادخُلوهَا خَالِدين )) وها هنا بحث لأهل العلم فيما يتعلق بالواو (وفتحت أبوابها) والصحيح أن الجواب محذوف , وقوله سبحانه (وفتحت أبوابها ) عطف على قوله ( جاءوها ) .
            قال المبرّد : وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم , بقي أن يقال فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة ,وذكره في آية أهل النار ؟! ويقال هذا أبلغ في الموضعين , كما يقول العلامة ابن القيم : فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة , حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم ففاجأهم العذاب بغتة .. أما الجنّة فإنها دار الله تعالى ودار كرامته , ومحل خواصّه وأولياءه , فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيذهبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم , ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله ,فكلهم يتأخر عن ذلك , حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم فيقول : أنا لها فيأتي إلى تحت العرش , ويخرّ ساجدا ًلربه , فيدعه ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه , وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها , فيُشفّعه ويفتحها تعظيما ًلخطرها وإظهارا ًلمنزلة رسوله وكرامته عليه ..
            وإن مثل هذه الدار التي هي دار ملك الملوك رب العالمين , إنما يُدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها , وما ركبه من الأطباق طبقا ًبعد طبق , وقاساه من الشدائد شدّة ًبعد شدّة , حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبياءه ورسله وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم , وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور , مما يُقدر عليه بخلاف ذلك .
            ولئن لا يتوهم الجاهل إنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء , فجنة الله عالية غالية , بين الناس وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلا به , فما بمن أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني , ولهذه الدار فليعد عنها إلى ما هو أولى به و قد خُلق له وهُيئَ له كما يقول ابن القيم ..
            وتأمل ما في فوت الفريقين إلى الدارين زمرا ًمن فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم كل زمرة على حدا , مشتركين في عمل , متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم , مستبشرين أقوياء القلوب كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على الخير , كذلك يؤنس بعضهم بعضا , ويفرح بعضهم ببعض .
            وقال خزنة الجنة لأهلها ( سلام عليكم ) فبدءوهم بالسلام المتضمّن للسلامة من كل شر ومكروه , أي سلمتم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون ,ثم قالوا لهم ( طبتم فادخلوها خالدين ) أي سلامتكم ودخولها بطيبكم فإن الله تعالى حرمها إلا على الطيبين , فبشّروهم بالسلامة والطيب والدخول والخلود .
            وتأمل قوله سبحانه ((جنّات ِ عدنٍ مفتحةً لهمُ الأبواب متكئينَ فيهَا يدعونَ فيها بفاكهةٍ كثيرةٍ وشراب )) كيف تجد تحته معنا ًبديعا وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تُغلق عليهم أبوابها , بل تبقى مفتّحة ًكما هي ..
            وأيضا ًفإن تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرّفهم وذهابهم وإيابهم وتبوءهم من الجنة حيث شاءوا , ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم , ودخول ما يسرّهم عليهم كل وقت . وأيضا ًإشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب , كما كانوا يحتاجون إلى ذلك في الدنيا ..
            وقد جاء في سنة النبي عن بيان بعدد تلك الأبواب , ففي الصحيحين من حديث سهل ابن سعد , أن رسول الله قال : في الجنة ثمانية أبواب , باب منها يُسمّى الريّان لا يدخله إلا الصائمون , وثبت في صحيح مسلم عن عمر ابن الخطاب , عن النبي أنه قال : ما منكم من أحد يتوضأ فيُبلّغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله إلا فُتّحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء زاد الترمذي بعد التشهد اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين وسنده جيد ..
            وجاء أيضا ًعن رتبة ابن عبد السلمي أنه قال : سمعت رسول الله يقول : ما من مسلم متوفى له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحلم ( لم يدركوا ولم يبلغوا التكليف ) إلا تلقّوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل رواه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما وحسنه العلامة الألباني ..
            وجاء في الصحيحين أيضا ًما يبيّن عدد أبواب الجنة , والأعمال التي يُدخل بها , ففي الحديثين المتقدمين إشارة إلى أن هذا الذكر بعد الوضوء[ أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا ًعبده ورسوله , اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين ] أنه سبب لتفتيح أبواب الجنة ودخولها بإذن الله , وكذلك أيضا ًمن صبر على وفاة أولاده وذهابهم وقد ماتوا وهم صغارا ً, أن الله تعالى يجعلهم يتلقونه عند أبواب الجنة ..
            أيضا ًجاء في الحديث الآتي ما يبين شيء من الأعمال , ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله من أنفق زوجين من شيءٍ من الأشياء في سبيل الله , دُعِيَ من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خير , فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة , ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد , ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة , ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان ..فقال أبوبكر : بأبي أنت وأمي يا رسول الله , ما أنا من دعي من تلك الأبواب من ضرورة , فهل يُدعا أحد من تلك الأبواب كلها ؟؟ فقال : نعـــــــــــم , وأرجو أن تكون منهم ....
            *الدرس في المرفقات
            * للاستماع لتلك الحلقة المباركة:
            http://www.liveislam.net/browsearchi...?sid=&id=79784

            تعليق


            • #7
              الحلقة(5) : " سعــــــــة أبــواب الجـــــنّة "

              بسم الله الرحمن الرحيم
              رحلة إلى بلاد الأشواق " 5 "
              فضيلة الشيخ : د.خالد بن عبد الرحمن الشايع

              الحمد لله رب العالمين .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
              أما بعـــــــــد ...
              نواصل أيها الإخوة سياق رحلتنا إلى بلاد الأشواق .. نطوف في أرجاءها من خلال ما جاء من دلالات في كتاب الله تعالى وسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ..
              في هذه الحلقة سيكون الحديث عن " سعــــــــة أبــواب الجـــــنّة " , غير أنه قبل البدء فيها وددت التوقف عند حديث مرّ معنا في حلقة ماضية و فيه عدد من الفوائد , وله صلة بأبواب الجنة ..
              فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله من أنفق زوجين من شيء ٍمن الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة : يا عبد الله هذا خيـــــر , فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة , ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد , ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة , ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان . فقال أبوبكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ..ما أنا من دعي من تلك الأبواب من ضرورة , فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟؟ فقال : نعـم , وأرجو أن تكون منهم.
              هذا الحديث العظيم فيه عدد من الدلالات والفوائد التي يحسن التوقف عندها بعون الله تعالى , فمن ذلك أن هذا الحديث قد وضّح أن كل عامل يدعى من باب ذلك العمل , وقد جاء هذا صريحا ًمن وجه آخر كما يقول الحافظ ابن حجر , عن أبي هريرة عن النبي قال : لكل عامل باب من أبواب الجنة يدعى منه بذلك العمل رواه أحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح .
              وفي تعداد النبي في هذا الحديث لأبواب الجنة حين قال : من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ...إلى آخره , إنما ذُكر هنا أربعة أبواب من أبواب الجنة , وقد تقدّم معنا أن أبواب الجنة ثمانية , وبقي من الأركان الحج فله باب بلا شك , وأما الثلاثة الأخرى فمنها باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس..رواه أحمد عن الحسن مرسلا حيث قال : إن لله بابا ً (يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الحسن مرسلا ً) إنّ لله بابا ً في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة ..
              ومن الأبـــــــــــواب :
              البـــاب الأيمـــن وهو بــاب المتــــــوكلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب .
              وأما الثــــالث فلعلّه بـــاب الذكــــــر , قد جاء عند الترمذي ما يومئ إليه , ويحتمل أن يكون بـــاب العـــلم , والله أعلم ..
              ويُحتمل أن يكون المراد بهذه الأبواب التي يدعى منها هي أبواب في الجنة تُعدّ هي الأبواب العظمى والأبواب الكبرى , ومن دونها أبواب أخر أصغر منها , ذلك أن الأعمال الصالحة أكثر عددا ًمن ثمانية ..
              وفي حديث أبي بكر هذا لما سأل (هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ) إشعار بقلّة من يدعى من تلك الأبواب كلها , وفيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة كالصلاة والصدقات والصيام والحج ، فيراد بها ما يتطوع به لا واجباتها ، وذلك لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات فقل من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات . ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له ، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه ، والله أعلم..
              وفي هذا الحديث أيضًا أن من أكثر من شيء عُرف به ، وأن أعمال البر قلّ أن تجتمع جميعها بشخص واحد على السواء ، وبين أيضًا أن الملائكة يحبون صالح بني آدم ويفرحون بهم , فإن الإنفاق كلما كان أكثر كان أفضل ، وبيّن الحديث أيضًا أن تمني الخير في الدنيا والآخرة مطلوب ..
              أما ما يتعلق بسعة أبواب الجنة :
              فإنها أيها الأخوة والأخوات فوق ما يحده الخيال أو يخطر في البال ، ومما يوضح شيئًا من ذلك ما جاء في حديث الشفاعة المخرّج في الصحيحين , فعن أبي هريرة قال : وُضعت بين يدي رسول الله قصعة من ثريد ولحم فتناول الذراع ، وكان أحب الشاة إليه فنهش نهشة وفي لفظ فنهس نهسة ـــ يعني أخذ بأسنانه وأضراسه جميعًا ـــ فقال عليه الصلاة والسلام : أنا سيد الناس يوم القيامة ، ثم ذكر حديث الشفاعة بطوله ، وفيه قوله : والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو هجر ومكة هكذا قال عليه الصلاة والسلام وهذا الخبر منه بعد أن يقوم في ذلك الموقف العظيم يستشفع لأمته عليه الصلاة والسلام ..
              وجاءت الإشارة إلى هذا في هذا الحديث حيث قال : فأقول يا ربِّ أمتي أمتي !! فيقول الله تعالى يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب،والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو هجر ومكة ، وفي لفظ : لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبُصرى ..متفق عليه..
              ومعنى قوله ما بين مصراعي الباب يعني ما بين جانبيه ، وهجر مدينة معروفة هي قاعدة بلاد البحرين ، وبُصرى مدينة معروفة من جهة دمشق..
              وأيضًا جاء في صحيح مسلم عن عتبة ابن غزوان قوله : ولقد ذُكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة وليأتينَّ عليه يوم وهو كظيظ من الزحام .. كظيظ يعني ممتلئ ..
              وجاء أيضًا عند الإمام أحمد والترمذي عن معاوية ابن حيدة أن رسول الله قال :توفّون سبعين أمة ــ يعني تكملون سبعين أمة من الأمم الماضية ــ أنتم آخرها وأكرمها على الله ، وما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عامًا ، وليأتينَّ عليه يوم وإنه لكظيظ صححه العلامة الألباني..
              تأمل أخي الكريم ما بين طرفي الباب أربعين سنة , يعني لو أن الشخص مشى مدة أربعين عاما فإنه يصل إلى الطرف الآخر من الباب .. ولاشك أن هذا يدل على سعة تلك الأبواب وعظمتها ..
              وقد تنوعت أقوال العلماء تعالى في هذه التقديرات من جهة اختلاف سعة الأبواب ، فنحن نلحظ أن في بعض الأحاديث قوله : بين مكة وهجر ، وفي حديث آخر بين مكة وبُصرى ، وفي حديث آخر مسيرة أربعين سنة ..
              وقد حمل العلماء تعالى اختلاف الوصف لاحتمال أنه أعلم بالقليل ثم أعلم بالكثير، أو يحمل على اختلاف الأبواب باختلاف أصحابها ، أو أن يكون المراد بأوسع الأبواب " الباب الأعظم " وهو باب الجنة العالية ، ذلك أن الجنة درجات بعضها فوق بعض ..
              الجنة مقببة .. بناء عالٍ وذلك أن بين الدرجة والأخرى مسيرة مائة عام , فأبوابها كذلك ، فباب الجنة العالية فوق الجنة التي تحتها وكلما علت الجنة اتسعت ، فعاليها أوسع مما دونها ، وسعة الباب بحسب وسع الجنة , فاختلاف تقدير السعة في الأحاديث لاختلاف الأبواب ..
              ومما يلحظ هاهنا أيها الأخوة والأخوات , أن نبينا محمدًا عليه الصلاة والسلام قد أخبر بذلك تشويقًا لأمته ، ولأجل أن يحرصوا على المسابقة إلى تلك الأبواب ..
              ثم أيضًا مما يلاحظ كما جاء في حديث النبي أن الناس من المؤمنين عند دخولهم الجنة يدخلون على هيئة الصف الواحد ، وهذا ما يشير إليه حديث بريده قال : قال رسول الله : أهل الجنة عشرون ومائة صف ــ الذين يدخلون الجنة صفوفهم مائة وعشرين ــ قال عليه الصلاة والسلام : ثمانون منها من هذه الأمة , وأربعون من سائر الأمم .. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وحسنه الحافظ ابن حجر..
              وهــــذه الأمـــــة , كثر الداخلون منها إلى الجنة أكثر من الأمم الأخرى , ببركة دعوة الحبيب محمد ، فإنه كان يقول مستشفعًا إلى ربه جلّ وعلا : أمتي ،أمتي ! حتى جاءت البشارة من رب العالمين , كما قال عليه الصلاة والسلام مخبرًا أمته : إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة ..وهذا ثابت في الصحيح..
              وقد أقر الله عين محمد وهو القائل سبحانه (( ولَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَترضَى ))فجعل أمته أكثر من نصف أهل الجنة ، كما في هذا الحديث أنهم ثمانون صفًا من مائة وعشرين..

              تعليق


              • #8
                للاستماع للحلقة(5)
                http://www.liveislam.net/browsearchi...?sid=&id=79841

                تعليق


                • #9
                  رحلة بلاد الأشواق (6)

                  بسم الله الرحمن الرحيم
                  رحلة إلى بلاد الأشواق "6 "
                  فضيلة الشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع

                  الحمد الله رب العالمين .. وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين .. نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
                  أما بعـــــــــد ..
                  مرحبـــــــــا بكم أيها الإخوة والأخوات .. في هذه الحلقة ضمن رحلتي وإياكم إلى بلاد الأشواق ..
                  وقد شرعت في الكلام عن الجنة وصفتها , حيث ذكرت ما يتعلق بأبواب الجنة , وما يتعلق بها أيضا ًمن جهة عددها وسعة أبوابها ومفتاحها الأعظم ..
                  ومما يتعلق بالجنة أيضا .. أن " للجنـــــّة بوّابيــــــــــن وخزنـــــــــة " , وقد عقد العلامة ابن القيم لهذا الموضوع بابا ًفي كتابه " حادي الأرواح " وعليه أعوّل ...
                  ومن أدلة ذلك قول الله تعالى (( وسيق اللذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين )) , والخزنة جمع خازن مثل حفظة وحافظ , وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استُحفظه , وثبت في صحيح مسلم عن أنس ابن مالك قال : قال رسول الله : آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح .. فيقول الخازن : من أنت ؟ فأقول : محمد , فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك فدلّت الآية على أن للجنة من الملائكة من يقومون عليها بأمر الله , ودلّ الحديث على أن أولائك الخزنة لهم رئيس ومقدّم في ذلك , وهو رضوان ..
                  وفي سؤاله النبي : من أنت ؟ , ليس جهلا ًمنه بحقيقة نبينا محمد وبشخصه الشريف , وإنما هذا نوع من التقرير ولإظهار مزيّة نبينا محمد , فإنه لما قال : محمد .. قال : بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك .. وهذا يُظهر شرف نبينا بخلاف ما لو أنه إذا أقبل إلى الجنة فتح الباب , فربما ظن أنه يمكن أن يُفتح لأي قادم .. لكن لما سأله واستعلم عنه وقال : محمد , وقال : لا أفتح إلا لك , عُلم قدر نبينا محمد وأظهر شرفه .
                  قال العلامة ابن القيم : قد سمّى الله كبير الخزنة " رضـــــوان " , وهو اسم مشتق من الرضا , وسمّى خازن النار" مـالــكا " , وهو اسم مشتق من الملك وهو القوة والشدّة حيث تصرفت حروفه ..
                  ثم إن أبواب الجنة الثمانية ..عليها خزنة , ينادون أصحاب تلك الأبواب من المؤمنين اللذين اختصوا بأعمالها الصالحة , يدل على هذا ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة , كل خزنة باب أي فل هلمّ ..قال أبوبكر : يا رسول الله ..ذاك الذي لا توى عليه , فقال رسول الله : إني لأرجو أن تكون منهم وفي لفظ أنه قال : هل يدعى احد من تلك الأبواب كلها ؟ قال : نعم , وأرجو أن تكون منهم ..
                  ولابن القيم تعليق لطيف على همّة أبي بكر الصديق و حرصه على دخول الجنة من جميع أبوابها , فيقول : لما سمت همّة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها , فسأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك , فأخبره بحصوله وبشّره بأنه من أهله , فكأنه قال : هل يكمن لأحد هذه المراتب فيدعى يوم القيامة من أبواب الجنة كلها ؟ فلله .. ما أعلى هذه الهمّة وأكبر هذه النفس .. .
                  وأنت تلحظ أخي الكريم .. أختي الكريمة أن أبواب الجنة قد اختُصّت بأعمال محددة , من جاء بها فهو من أهل تلك الأبواب , وهذا يحمل المسلم على أن يضرب بسهم وافر لأبواب الخير والأعمال الصالحة , لعله أن يكون مدعوّا ًمن تلك الأبواب يوم القيامة ..
                  ثم إن مما ينبغي أن يُعلم أن مفتاح الجنة الأعظم هو لا إله إلا الله لمن جاء بشروطها وقام بحقوقها , روى البخاري في صحيحه عن وهب ابن منبه أنه قيل له : أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله ؟ قال : بلى , ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان .. فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك , وإلاّ لم يُفتح لك والمقصود أن الجنة لا يدخلها إلا النفس المؤمنة , وبحسب ما يكون لديها من الإيمان يكون لها البدار بالدخول , وبحسب نقص الإيمان يكون التأخير , فإذا أضمحل الإيمان وزال حُرم العبد من دخول الجنة ..
                  ولنختم حلقتنا هذه بفائدة أوردها العلامة ابن القيم إثر كلامه على مفتاح الجنة حيث قال : وقد جعل الله لكل مطلوب مفتاحا ًيفتح به .. فجعل مفتاح الصلاة الطهور , ومفتاح الحج الإحرام , ومفتاح البر الصدق , ومفتاح الجنة التــوحيــد , ومفتاح العلم حسن السؤال وحسن الإصغاء , ومفتاح النصر والظفر الصبـــر, ومفتاح المزيد الشكر , ومفتاح الولاية والمحبة الذكر , ومفتاح الفلاح التقوى , ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة , ومفتاح الإجابة الدعاء , ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا , ومفتاح الإيمان التفكّر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه , ومفتاح الدخول على الله إسلام القلب وسلامته لهوالإخلاص له بالحب والبغضوالفعل والترك , ومفتاح حياة القلب تدبّر القرءان والتضرع بالأسحار وترك الذنوب , ومفتاح حصول الرحمة الإحسان فيعبادة الخالق والسعي فينفع عبيده , ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى , ومفتاح العلم طاعة الله ورسوله , ومفتاح الاستعدادللآخرة قِصر الأمل , ومفتاح كل خير الرغبة في الله والدار الآخرة , ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل .
                  وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم , وهو معرفة مفاتيح الخير والشر , ولا يوفق لمعرفته ومراعاته إلا من عظُم حظه وتوفيقه فإن الله جعل لكل خير وشر مفتاحا ًوبابا ًيدخل منه إليه , كما جعل الشرك والكبر والإعراض عمّا بعث به رسوله والغفلة عن ذكره والقيام بحقه مفتاحا ًللنار , وكما جعل الخمر مفتاح كل أثم , وجعل الغناء مفتاح الزنا , وجعل إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب والعشق , وجعل الكسل والراحة مفتاح الخيبة والحرمان , وجعل المعاصي مفتاح الكفر , وجعل الكذب مفتاح النفاق , وجعل الشح والحرص مفتاح البخل وقطيعة الرحم وأخذ المال من غير حلّه , وجعل الإعراض عمّا جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة.
                  وهذه الأمور لا يصدق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة وعقل يعرف به ما في نفسه , وما في الوجود من الخير والشر , فينبغي للعبد أن يعتني كل الاعتناء بمعرفة المفاتيح وما جعلت المفاتيح له ..
                  والله من وراء توفيقه وعدله .. له الملك وله الحمد وله النعمة والفضل .. لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ..
                  **الدرس في المرفق .
                  للاستماع للحلقة(6)
                  http://www.liveislam.net/browsearchi...?sid=&id=79900

                  تعليق


                  • #10
                    رحلة الي بلاد الأشواق (7)

                    بسم الله الرحمن الرحيم
                    رحلة إلى بلاد الأشواق " 7 "
                    فضيلة الشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع
                    الحمد لله رب العالمين .. وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..
                    أما بعــــــــــــد ..
                    فقد وقفت بنا هذه الرحلة على أبواب الجنة وصفتها ومفتاحها , وجاء البيان بأن أول من يقرع أبوابها ويدخلها هو الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
                    وفي هذه الحلقة .. أبيّن ما يتعلّق بالملائكة الموكلين بالجنة وباستقبال عباد الله المؤمنين على مشارفها , ثم أبين صفات السابقين لدخولها من هذه الأمة عند دخولهم ..
                    يقول الله جل ّ شأنه (( وسيق اللذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين )) فقوله سبحانه "وسيق اللذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا " قال الألوسي : أي جماعات مرتبة حسب ترتيب طبقاتهم في الفضل والمراد بالسوق هنا الحث على المسير للإسراع إلى الإكرام , بخلافه فيما تقدّم في شأن الكفار فإنه لإهانتهم وتعجيلهم إلى العقاب والآلام .
                    وقال العلامة ابن القيم : الخزنة جمع خازن مثل حفظة وحافظ , وهو المؤتمن على الشيء الذي قد استحفظه , وقد سمّى الله كبير هؤلاء الخزنة رضوان وهو اسم مشتق من الرضا .
                    وأما الهيئة التي يكون عليها المؤمنون عند دخولهم الجنة فقد بينها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله : أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر , لا يبصقون فيها ولا يتغوطون فيها , ولا يمتخطون فيها , آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجا مرهم الألوّة , ورشحهم المسك , ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن , لا اختلاف بينهم ولا تباغض , قلوبهم على قلب رجل واحد , يسبحون الله بكرة وعشيّا والمجامر جمع مجمرة وهي المبخرة , سميت مجمرة لأنها يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها من البخور , والاُلوة العود أو الألوّة في كلا الضبطين هو العود الذي يُبخّر به ..
                    وجاء في الصحيحين أيضا ًمن حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله : أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر , واللذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة , لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون , أمشاطهم الذهب , ورشحهم المسك , ومجا مرهم الألوة , وأزواجهم الحور العين , أخلاقهم على خلق رجل واحد , على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا ًفي السماء .
                    وها هنا تسأل أورده بعض العلماء .. ومن ذلك ما قاله الحافظ القرطبي : قد يقال أي حاجة لأهل الجنة إلى المشط وهم مرد وشعورهم لا تتسخ , وأي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك ؟؟! وستأتي الإجابة عن هذا التساؤل في غضون حلقة قادمة بإذن الله لمناسبة المكان هناك ..
                    ولما ذكر الله جلّ وعلا أصناف بني آدم سعيدهم وشقيهم .. قسم سعداءهم إلى قسمين " سابقين وأصحاب يمين " فقال (( والسابقون السابقون )) وقد تعددت أقوال العلماء بالمراد بهؤلاء السابقين فقيل : هم الأنبياء , وقيل هم اللذين صلّوا للقبلتين , وقيل هم أولهم رواحا ًإلى المسجد وأولهم خروجا ًفي سبيل الله .
                    قال الحافظ ابن كثير : وهذه الأقوال كلها صحيحة , فإن المراد بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا , كما قال تعالى (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات والأرض )) وقال (( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض )) فمن سابق في هذه الدنيا وسبق إلى الخير, كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة فإن الجزاء من جنس العمل , وكما تدين تدان ..ولهذا قال تعالى (( أولئك المقربون في جنات النعيم )) وإلى هذا الترجيح ذهب أبن عطية وابن القيم ..
                    هذا في وصف السابقين بالدخول إلى الجنة جعلني الله وإياكم منهم ..
                    وجاء في شأن من يسبق للجنة , ما دلّ عليه ما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام رواه الترمذي وصححه ابن حبان والألباني .
                    وثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله ابن عمرو قال : سمعت رسول الله يقول : إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة بأربعين خريفا يعني بأربعين عاما .
                    قال العلامة ابن القيم : وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء , فمنهم من يسبق بأربعين , ومنهم من يسبق بخمسمائة , كما يتأخر مكث العصاة من الموحدين في النار بحسب جرائمهم , والله أعلم .
                    قال : ولكن ها هنا أمر يجب التنبيه عليه وهو أنه لا يلزم من سبقهم لهم في الدخول ارتفاع منازلهم عليهم يقول ابن القيم : لا يلزم من سبق دخول الفقراء إلى الجنة قبل الأغنياء أن تكون منازلهم أرفع من منازل الأغنياء , قال : بل قد يكون المتأخر أعلى منزلة وإن سبقه غيره في الدخول , والدليل على هذا أن من الأمة من يدخل الجنة بغير حساب وهم السبعون ألف , وقد يكون بعض من يحاسب أفضل من أكثرهم .
                    والغني إذا حوسب على غناه أو وجد قد شكر الله فيه , وتقرب إليه بأنواع البر و الخير والصدقة والمعروف كان أعلى درجة من الفقير الذي سبقه في الدخول ولم يكن له تلك الأعمال , ولا سيما إذا شاركه الغني في أعماله , وزاد عليه فيها والله لا يضيع أجر من أحسن عملا..
                    فالمزيّة مزيّتان : مزيّة سبق ومزيّة رفعة , و قد يجتمعان وينفردان , فيُحصّل الواحد السبق والرفعة ويعدمهما آخر, ويحصل لآخر السبق دون الرفعة , ولآخر الرفعة دون السبق ..وهذا بحسب المقتضي للأمرين أو لأحدهما وعدمه وبالله التوفيق ....
                    وبعـــــــد أيها الكرام ...
                    فالموفّق من جعل من أولوياته الكبرى في هذه الحياة الدنيا أن يحمل على أن يكون من السابقين لدخول الجنة والحلول في منازلها العالية , وليس مجرد دخولها فحسب ..
                    وقد استنهض الله همم عباده المؤمنين فقال سبحانه (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدّت للمتقين )) وفي سورة الحديد قال سبحانه (( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم )) والمسارعة والمسابقة في الآيتين تتعلق بأسباب المغفرة , وأسباب دخول الجنة ..
                    أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعا ًمن السابقين لدخول جنات النعيم .. إنه سبحانه بــرٌ رحيــــم ..
                    * الدرس في المرفق
                    * للاستماع للحلقة(7)
                    http://liveislam.net/browsearchive.php?sid=&id=79959

                    تعليق


                    • #11
                      (( أصناف أهل الجنة ))

                      بسم الله الرحمن الرجيم
                      رحلة إلى بلاد الأشواق "أصناف أهل الجنة "
                      فضيلة الشيخ /خالد بن عبد الرحمن الشايع
                      الحمد لله رب العالمين .. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين ..
                      أما بعــــــــــد..
                      فلا زالت الرحلة إلى بلاد الأشواق .. إلى جنات النعيم .. تحط بنا في أولى محطات هذه الرحلة ,حيث مشارف الجنة وأبوابها والجموع الكريمة المتجهة إليها ,تلك الدار التي طالت وعظمت أشواق المؤمنين للنزول في جنباتها ,وأعظم من ذلك الأنس برؤية وجه الرب الكريم في جنات النعيم ..
                      في هذه الحلقة سيكون الحديث عن " أصناف أهل الجنة " اللذين ضمنها الله لهم دون غيرهم, فلا يدخلها سواهم, وفي ذلك بإذن الله تحفيز للعبد ليكون متخلّقاً ومتوشّحاً بهذه الصفات الكريمة عاملاً بها حتى يكون من ضمن تلك الأصناف اللذين ضمن الله لهم الجنة ...
                      في هذا يقول ربنا (( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين اللذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين واللذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلى الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاءهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين )) ..
                      قال العلامة ابن القيم : أخبر الله تعالى أنه أعد الجنة للمتقين دون غيرهم ثم ذكر أوصاف المتقين , فذكر بذلهم للإحسان في حالة العسر واليسر والشدة والرخاء , فإن من الناس من يبذل في حال اليسر والرخاء ,ولا يبذل في حال العسر والشدة , ثم ذكر كيف أنهم كفّوا أذاهم عن الناس بحبس الغيظ بالكظم وحبس الانتقام بالعفو ,ثم ذكر حالهم بينهم وبين ربهم في ذنوبهم ,وأنها إذا صارت منهم قابلوها بذكر الله والتوبة والاستغفار وترك الإصرار ,فهذا حالهم مع الله وذاك حالهم مع خلقه ..
                      وقال الله جل شأنه (( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار واللذين اتبعوهم بإحسان ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم )) فأخبر سبحانه أنه أعدّ الجنة للمهاجرين و الأنصار و أتباعهم بإحسان , فلا مطمع لمن خرج عن طريقتهم فيها.
                      وبهذا يُعلم أنه ما لمبغض للمهاجرين والأنصار من مكان في الجنة بهذا الخبر العظيم من رب العالمين
                      وقال سبحانه (( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون اللذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم )) فوصفهم بإقامة حقه باطنا و ظاهرا , وبأداء حق عباده .
                      وثبت في صحيح مسلم عن عمر ابن الخطاب قال : لما كان يوم حنين أقبل نفر من صحابة النبي صلى اله عليه وسلم فقالوا :فلان شهيد, وفلان شهيد, وفلان شهيد, حتى مرّوا على رجل فقالوا :فلان شهيد . فقال رسول الله : كلا إني رأيته في النار في بُردة غلّها أو عباءة . ثم قال رسول الله :يا ابن الخطاب ..اذهب فنادي في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون . قال : فخرجت فناديت إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون .وللبخاري بمعناه أيضا .
                      وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي : أمر بلالاً ينادي في الناس إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وفي بعض طرقه (نفس مؤمنة ) وفي الحديث قصة .
                      وثبت في صحيح مسلم من حديث عياض المجاشعي أن رسول الله قال ذات يوم في خطبته : ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم مما علّمني بيومي هذا ...وذكر الحديث وفيه : وأهل الجنة ثلاثة :
                      ذو سلطان مقسط متصدّق موفق ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربىومسلم عفيف متعفف ذو عيال ...الحديث.
                      وجاء في الصحيحين من حديث حارثة ابن وهب قال :سمعت رسول الله يقول:ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف متضعّف لو اقسم على الله لأبرّه ..ألا أخبركم بأهل النار كل عتلٍّ جوّاظ متكبر .
                      وقوله ( ألا أخبركم بأهل الجنة ..كل ضعيف متضعّف ) الإشارة هنا إلى الحالة التي يكون عليها المؤمن في ذلّته لربه , وأيضاً رؤية الناس له أنه ليس من المتكبّرين المتجبّرين, وإنما إذا رؤي كما قال عليه الصلاة والسلام متضعّف , هكذا ينظر إليه الناس, وليس هذا دعوة إلى الضعف , فإن النبي قال :المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيفولكن المراد هنا أن يكون المؤمن عنده من لين الجانب وحسن الخلق والتواضع ما يعرف به بين الناس ,فيقربون منه ويقبلون عليه ..
                      ووصف النبي أيضاً أهل الجنة بوصف آخر متمماً للأول ( لو أقسم على الله لأبرّه) وإنما يكون هذا لمن صلحت وصحّت سريرته مع ربه ,فهو ولي من أولياءه اللذين أحبهم الله باستقامتهم على الخير وفعلهم له, وقد قال ربنا (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون اللذين آمنوا وكانوا يتّقون)).
                      وروى ابن عباس قال: قال رسول الله :ألا اخبركم برجالكم من أهل الجنة ؟ النبي في الجنة – والصديق في الجنة – والشهيد في الجنة – والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يزوره إلا لله في الجنة. ونساءكم من أهل الجنة الودود الولود التي إذا غضبت أو أغضبت جاءت حتى تضع يدها في يدي زوجها ثم تقول :لا أذوق غمضاً حتى ترضى رواه النسائي في عشرة النساء وأبو نعيم في الحلية وصححه العلامة الألباني.
                      وأيضاً جاء في أوصاف أهل الجنة ما رواه الإمام احمد في مسنده بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو ابن العاص عن النبي قال:إن أهل النار كل جعظري متكبر جمّاع منّاع ..وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون.وأيضاً رواه ابن ماجه والطبراني وصححه الألباني .
                      عن ابن عباس قال:قال رسول الله :إن أهل الجنة من ملئ أذنيه من ثناء الناس خيراً وهو يسمع , وأهل النار من ملئ أذنيه من ثناء الناس شراً وهو يسمع ويوضحه كذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله قال :مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرا ,فقال نبي الله : وجبت..وجبت..وجبت . ومُرَّ بجنازة فأثني عليها شرّا, فقال : وجبت..وجبت..وجبت . فقال عمر : فداك أبي وأمي يا رسول الله ..مُرَّ بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت: وجبت..وجبت ..وجبت, ومرَّ بجنازة فأثني عليها شرا فقلت :وجبت ..وجبت..وجبت ,فقال رسول الله : من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ,ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار ,أنتم شهداء الله في الأرض.
                      وهذا فيه ما ينبغي من الاستقامة على الخيرات ,وأن يحرص المسلم على أن يُعرف بالخير والمبادرة إليه والدعوة إليه , وأن يحذر من أن يكون معروفاً بالشر أو مشيعاً له بين الناس أو داعياً إليه...
                      وبعــــــــد.. فكما قال العلامة ابن القيم : فبالجملة أهل الجنة أربعة أصناف ذكرهم الله تعالى في قوله (( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع اللذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصّدِّقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقا )) .
                      فنسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم بمنّه وكرمه ..أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

                      تعليق


                      • #12
                        " 9"

                        بسم الله الرحمن الرحيم
                        سلسلة رحلة إلى بلاد الأشواق "9"
                        فضيلة الشيخ : خالد بن عبد الرحمن الشايع

                        الحمد لله رب العالمين .. وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعالمين .. نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
                        أما بعـــــــــد ....
                        فهاهي رحلتنا بعون الله إلى دار كرامته ..تنتقل بنا إلى مرحلة جديدة ,حيث مررنا بأبواب ووصفها في الكتاب والسنة , حتى كأننا نرى تلك الحشود العظيمة وهم يجاوزون الأبواب ، منطلقين إلى مساكنهم وأهليهم فيها ... وهاهي مباني الجنة وتلكم تربتها , وذلكم حصباءها تأخذ بألباب المؤمنين اللذين كانوا يوعدون في الدنيا الجنة ويوصف لهم نعيمها , فهاهم الأن في جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب .. لكن الذي يشاهدون لم يخطر لهم على بال أبدا..
                        فيا لعظمة ذلك البناء .. ويا لبهاء تلك الأفياء.. ويا لعلو تلك الغرف والقصور .. ولكأني بهذا المؤمن وهو يتحسس تلك الجدران ويرفع من تراب أرض الجنة .. فلا الجدار من اسمنت ولا رخام ولا غيره , ولا التراب كذلك مما عهد في الدنيا , ولكنه شيء لم تره عينه ولم يشم لمثل طيب ريحه شيئاً ًمن قبل .
                        يقول أبو هريرة : قلنا يا رسول الله ..حدثنا عن الجنة !ما بناءها ؟! قال : لبنة ذهب ولبنة فضة..وملاطها المسك (الملاط هو الذي يكون بين اللبنات ) وحصباءها اللؤلؤ والياقوت , وترابها الزعفران ..منيدخلها ينعم ولا يبأس , ويخلد لا يموت , لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه الحديث رواه أحمد وغيره وصححه ابن حبّان وغيره .
                        وروى ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة موقوف قال : حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة ودرجها الياقوت واللؤلؤ قال وكنا نُحدّثأن رضراض أنهارها اللؤلؤ وترابها الزعفران صححه الألباني .والرضراض هو ما يكون في مجرى الماء .
                        وعن أبي سعيد قال : خلق الله الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك ,وقال لها تكلمي .. فقالت : قد أفلح المؤمنون ..فقالت الملائكة : طوبى لك منزل الملوك رواه الطبراني والبزار واللفظ له مرفوعا ًوموقوفا ً والصحيح وقفه .
                        ولما شاهد المؤمن مادة بناء مساكن الجنة , نظر لما تحت قدميه وما تمشي عليه رجلاه , فإذا به شيء يفوق خياله في الدنيا , يوضح هذا خبر المصطفى في قصة الإسراء والمعراج قال :... ثم أدخلتالجنة .. فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ .. وإذا ترابها المسك رواه الشيخان ..(الجنابذ هي القباب ,واحدتها جنبذة ,وأما اللؤلؤ فمعروف).
                        وعن ابن عمر قال : سئل رسول الله عن الجنة ..فقال : من يدخل الجنة يحيا فيها لا يموت , وينعم فيها لا يبأس , لا تبلى ثيابه , ولا يفنى شبابه .. قيل يا رسول الله ما بناءها ؟ قال : لبنةمن ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك وترابها الزعفران , وحصباءها اللؤلؤ والياقوت رواه ابن أبي الدنيا والطبراني وإسناده حسن بمجموعه .
                        قال الحافظ ابن رجب : قوله ( وإذا ترابها المسك) المراد والله أعلم أن رائحة ترابها رائحة المسك وأما لونه فمشرق مبهج كالزعفران , يدل عليه ما في حديث أبي هريرة عن النبي قال :الجنة ملاطهاالمسك وتربتها الزعفران رواه أحمد وغيره ..
                        والملاط هو التراب الذي يختلط بالماء فيصير كالطين ,فلونه لون الزعفران في بهجته وإشراقه, وريحه كريح المسك , وطعمه كطعم الخبز يؤكل , يدل على ذلك ما في صحيح مسلم عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلىالله عليه وسلم لابن صياد :ما تربة الجنة ؟ قال : درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم . قال : صدقت وجاء في رواية أن ابن صياد هو الذي سأل النبي وهي في صحيح مسلم أيضا .
                        وفي المسند عن جابر قال :قال رسول الله لليهود : إني سائلهم عن تربة الجنة وهي درمكة بيضاء, فسألهم فقالوا: هي خبزة يا أبا القاسم ,فقال :الخبز من الدرمك, وهذا يدل على أن لونها أبيض, وقد يكون منها ما هو أبيض ومنها ماهو أصفر كالزعفران ,والله أعلم.. انتهى كلام ابن رجب .
                        فهذه ثلاث صفات في تربتها :
                        * أنه من زعفران .
                        * ومن مســــــــك .
                        * ومن درمك أو من الدرمك وهو الدقيق الحواري الخالص البياض.
                        ولا تعارض بينها فذهبت طائفة من السلف إلى أن تربتها متضمنة للنوعين المسك والزعفران , ويحتمل معنيين أخرين أحدهما :
                        أن يكون التراب من زعفران فإذا عُجن بالماء صار مسكا .
                        والثاني : أن يكون زعفراناً باعتبار اللون مسكاً باعتبار الرائحة ,وهذا من أحسن شيء يكون في البهجة والإشراق في لون الزعفران والرائحة في رائحة المسك..
                        وكذلك شبهها بالدرمك وهو الخبز الصافي الذي يضرب لونه إلى صفرة مع لينها ونعومتها , وإلى هذا المعنى أشار العلامة ابن القيم في نونيته الرائعة حيث قال :
                        وبناءها اللبنات من ذهب وأخرى فضّة نوعان مختلفان
                        وقصورها من لؤلؤ وزبرجد أو فضّة أو خالص العقيان
                        وكذاك من درّ وياقوت به نُظم البناء بغاية الاتقان
                        والطين مسك خالص أو زعفران جا بذا أثران مقبولان
                        ليس بمختلفين لاتنكرهما فهما الملاط لذلك البنيان
                        وعند أصحاب الذوق الرفيع والاستمتاع والتأمل رؤية مبهجة لمنظر الحصباء حين تكون صغيرة نظيفة منظومة ,هذا في الدنيا وأما حصباء الجنة فهي كما تقدّم شدرات اللؤلؤ ودرر الياقوت, وحسبك بذلك بهجـــــــــة وحبورا..
                        قال ابن القيم : حصباءها در و ياقوت كذاك لألئ نثرت كنثر جمان .
                        وما أن ينتبه المؤمن من تأمله في هذه المناظر الممتعة, والروائح المبهجة, والمشاعر السارّة بخاطره , حتى يتوجه بنظره إلى الأعلى وهو في أولى خطواته في هذه الجنة العظيمة , رفع بصره فشاهد الدرجات العالية من الجنة التي لا ينتهي إليها بصره , هناك حيث الغرف من فوقها الغرفات ,ومن فوقها القصور والخيام .
                        وفي وصفها ما لم ترى عين , ولم يخطر على قلب بشر , وستكون لنا بإذن الله تعالى جولة في أنحاء الغرف والخيام والقصور , نستجلي صفاتها ونستمتع بحسنها وطيبها بإذن الله ..
                        أسأل الله تعالى أن ينزلنا وإياكم تلك الجنات العالية ووالدينا والمسلمين ..إنه بــــر رحيم ..
                        وصلى الله وسلم على نبينا محمد ..والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ....

                        تعليق


                        • #13
                          " مساكن أهل الجنة "

                          بسم الله الرحمن الرحيم


                          رحلة إلى بلاد الأشواق " 10"


                          فضيلة الشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع



                          الحمد لله رب العالمين ..وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


                          أما بعــــــــد ..


                          فها هي رحلتنا بعون الله إلى دار كرامته جلّ وعلا .. تنتقل بنا إلى مرحلة جديدة ...


                          ويا الله .. ما أعظم فرحة عباد الله الفائزين حين يدخلون الجنة, فينطلق كل إلى بيته وأهله يعرفه أعظم من معرفته بيته في الدنيا..و إنها لأربح تجارة, أن يجاهد المؤمن في هذه الحياة الدنيا القصيرة, حتى لو فقد حياته كلها في مرضاة الله جلّ وعلا, ثم يعوّض عنها تلك الجنات, وهذه المساكن في نعيم مقيم, حقّاً ذلك هو الفوز العظيم...


                          أسأل الله تعالى أن يجعلني و إياك ممن ينعم بجوار الرب , وممن يسكن تلك الغرفات العالية نحن ووالدينا والمسلمين بمنّه وكرمه جلّ وعلا ...


                          فها هم المؤمنون يخطون خطواتهم الأولى في جنات عــــــــدن, تلك الجنات التي طال الشوق إليها, بل إلى خالقها ربنا ومولانا وسيدنا جلّ جلاله ,وقدّمت من قبل تلك الدهشة العظيمة التي تلحق المؤمن في أولى خطواته في جنات النعيم ,حين يشاهد بناء الجنات ويتلمّس تربتها الزاكية, وها هي الأشواق تجدد ثانية ليتوجه إلى داره ومسكنه في الجنة .


                          وحين نرجع للدنيا نقول يا سبحان الله !! و كيف سيميّز بيته في الجنة, وكيف سيعرفه من بين الأعداد المهولة لمساكن الجنة ؟ غرفاتها وخيامها وقصورها !! والجواب: أن الله يلهمهم معرفتها ويكلّف ملائكته أن توصِّف لهم طريقها..


                          ففي صحيح البخاري من حديث أبي سعيد أن النبي قال عن أهل الجنة: حتى إذا هُذِّبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنة, فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ,قال القرطبي : وقع في حديث عبد الله ابن سلامه رضي الله وقد رواه ابن المبارك وصححه الحاكم : أن الملائكة تدلّهم على طريق الجنة ,يميناً وشمالاً وهو محمول على من لم يُحبس بالقنطرة أو على الجميع . و المراد أن الملائكة تقول ذلك لهم قبل دخول الجنة, فمن دخل كانت معرفته بمنزله فيها كمعرفته بمنزله في الدنيا .


                          قال ابن الحجر: ويحتمل أن يكون القول "يعني دلالتهم "بعد الدخول مبالغة في التبشير و التكريم.


                          وها نحن الآن نتطلّع لمساكن أهل الجنة ,,فهناك القصور ..وهناك غرفات وغرف من فوقها غرف مبنيّة , وهنالك الخيام العجيبة, وفي داخل تلك الدور من الأثاث البهيج بأنواعه وأصنافه ,وكذلك الساكنات في تلك الدور من الحور الحسان على نحو ما سيأتي بيانه بإذن الله ..


                          يقول الله تعالى (( واللذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم في الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين )) وقال سبحانه (( لكن اللذين اتقَوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنيّة )) فهذا خبر من الله تعالى فيه وصف مساكن أهل الجنة وأنها غرف مبنيّة و هي القصور الشاهقة, ومن فوقها غرف مبنيّة أي طباق فوق طباق مبنيّات عاليات محكمات مزخرفات..


                          قال ابن عباس:من زبرجد وياقوت وجاء في بعض الأحاديث أن من البيوت ما يكون قطعة واحدة من لؤلؤ مجوّف, الغرف والأبواب وأثاث البيت وأجزاءه الأخرى كلها من لؤلؤ.


                          و منها ما هو من ذهب خالص, ومنها ما يكون مبنيّاً بالذهب والفضة , وأخبر سبحانه عن هذه المساكن بأنها تجري من تحتها الأنهار , أي تسلك الأنهار بين خلالها وممراتها وذلك كما يشاءون وحيث يُريدون ,والماء يُضفي بهجة وسروراً يدركها أهل الدنيا فكيف بالآخرة ..


                          هذه الأنهار..أنواع منوّعة وأصناف متعددة مع ما اشتهوه من أطعمة وثمار, وتلك الأنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه وأنهار من خمر لذّة للشاربين, وأنهار من عسل مصفّى, وتُحيط بهم كل الثمرات ,فتُوفّر لهم فيها أسباب النزهة, وأسباب البهجة والسرور العظيم .


                          وبيوت أهل الجنة .. أنواع منوّعة ودرجات متفاوتة, بحسب منزلة العبد في الجنة , ولتطف بخيالك ما شئت بين تلك الأرجاء , ولتُحلّق بأفكارك كيف ما استطعت بين تلك الأنحاء ,حيث ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ومهما تخيلت من نعيم فالجنة فوق ذلك وأعظم ..


                          الجنة التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين..حيث يقال لأهلها ((ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون )) حيث يملك كل واحد من أهلها الملك العظيم وحسبك أن تعلم أن موضع سوط في الجنة (يعني بمقدار السوط) خير من الدنيا وما فيها. بهذا صح الخبر عن سيد البشر في صحيح البخاري.


                          وعن بيوت الجنة ومساكنها.. جاء النص في القرءان الكريم على نوع خاص منها ووصفه سيد المرسلين إنها الخيام ,ولا يذهب وهلك بخيام الدنيا فهو تشابه الأسماء فحسب ,فخيمة الدنيا معروفة وهي كما يقول النووي :بيت مربع يُسكن عادةً في الصحاري والقفار أما خيام الآخرة فالواحدة منها لؤلؤة مجوّفة بسعة عظيمة وارتفاع شاهق ,قال الله تعالى ((حور مقصورات في الخيام )) قال البخاري في صحيحه :قال ابن عباس الحور السود الحدقوقال مجاهد :مقصورات محبوسات ,قُصِرَ طرفهنَّ وأنفسهنَّ على أزواجهن ,قاصرات لا يبغين غير أزواجهن .


                          ويقول الصادق المصدوق : إن في الجنة لؤلؤة مجوّفة عرضها ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل لا يرون الآخرين ,يطوف عليهم المؤمنون ,وجنتان من فضّة آنيتهما وما فيهما , وجنتان من كذا آنيتهما وما فيهما, وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم لا رداء الكبر على وجهه في جنة عـدن .رواه البخاري في صحيحه .


                          و قال ابن عباس : الخيمة درّة مجوّفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف من مصراع من ذهب (يعني الأبواب أقفالها أو المماسك التي ترفعها أربعة آلاف من ذهب )رواه ابن أبي الدنيا بسند صحيح ومثله لا يقال بالرأي.


                          قال ابن القيم في نونيته : وخيامها منصوبة برياضها وشواطئ الأنهار بالجريانِ


                          ما في الخيام سوى التي لو قابلت للنيّرين لقلت منكسفانِ


                          و من أنواع بيوت الجنة وأوصافها ما جاء في حديث رواه علي ابن أبي طالب قال: قال النبي :إن في الجنة غرفاً تُرى ظهورها من بطونها, وبطونها من ظهورها الحديث رواه أحمد وغيره.


                          ومن صفات منازل أهل الجنة ..ما ثبت أن النبي قال فيه :إن أهل الجنة لا يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم ..قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم . قال: بلى .. والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين رواه البخاري ومسلم واللفظ له .


                          والمعنى أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل ,حتى إن أهل الدرجات العلى لا يراهم من هو أسفل منهم كالنجوم , ولدى قال عليه الصلاة والسلام : إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض رواه البخاري .


                          تلكم هي بيوت الجنة .. وقصورها وغرفها حيث أنواع النعيم , نور يتلألأ وريحانة تهتز, وقصر مشيد , ونهر مطرد ,وفاكهة كثيرة نضيجة , و زوجة حسناء جميلة , وحلل كثيرة في مقام مؤبد في حضرة ونضرة في دور عالية سليمة بهيّة ..


                          فتأمل يا عبد الله هذه الغرف والخيام والبيوت والقصور وما فيها من النعيم المقيم والفوز الكبير والفلاح العظيم..تدرك أن قصور الدنيا كلها لا تعدل عندها جناح بعوضة..



                          وصلى الله وسلم على نبينا محمد ...والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .....

                          تعليق


                          • #14
                            بسم الله الرحمن الرحيم


                            رحلة إلى بلاد الأشواق "11 "


                            فضيلة الشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع



                            الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


                            أما بعـــــــــد ..


                            هاهي رحلتنا إلى بلاد الأشواق بعون الله إلى تلك الدار الكريمة..أنتقل وإياكم فيها إلى مرحلة جديدة..


                            ها هم المؤمنون يدخلون إلى الجنة, ويتوجهون إلى مساكنهم, ويعرفونها بإلهام من الله ثم بما كلّف به الملائكة ليرشدوهم ويدلّوهم..


                            فحين يدخل المؤمن مسكنه الطيب , الذي طال تشوّقه بوعد ربه الكريم إليه كما قال سبحانه (( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبّة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم )) .


                            قال ابن كثير : ومساكن طيّبة أي حسنة البناء, طيّبة القرار .


                            هاهو يُقبل عل قصره اللؤلئي المبهر ومعه من يُشيّعه من الملائكة المكرمين كما يسير المُضيف مع ضيفه حتى يوصله لنزله , ليستقبله أهلوه والولدان المخلّدون , وهاهو يواجه الحوراء , الحوراء التي كانت تدعو الله أن يُسلّمه لها وهو في الدنيا , فقد تحقق الوعد الكريم والرجاء الكبير , وسيأتي معنا بإذن الله ما وصف الله به نساء الجنة من الحور ونساءها من المؤمنات في الدنيا .


                            وفي أولى خطوات المؤمن في مساكنه في الجنة وغرفاته يظهر في ذلك التشييد الذي لم يخطر له على بال , الأثاث والفرش والآنية وما إلى ذلك , وهذا سيكون له مجال الحديث في هذه الحلقة على وجه الإيجاز والاختصار .


                            فبعد المسير والوقوف الطويل في عرصات القيامة ,سيعمد المؤمن إلى ماعتاده في دنياه من الجلوس والاستراحة , فيجد من النزل الكريم والتهيئة العجيبة ما يزيد من تعجبّه , فقد أعدّ له مكان الجلوس والاتكاء , فقال تعالى (( متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان )) فالمعنى هنا أن بطائن فرش الجنة من إستبرق ,فلا تسأل عن ظهائرها فإنها أجود من ذلك .


                            ذلك أن الناس اعتادوا على أن يكون الذي الظاهر و الخارج أحسن من الذي يكون في البطانة ,فإذا كانت بطائن تلك الفرش في الجنة من إستبرق فكيف سيكون الذي في الظاهر .


                            ولا ثوب في الدنيا لدى الناس مما عُرف لديهم أنفس من الإستبرق , وخصّت البطائن بالذكر كناية عن نفاسة وصف ظهائر الفرش , والإستبرق صنف رفيع من الديباج الغليظ , والديباج نسيج غليظ من حرير, والإستبرق يُنسج بخيوط الذهب .


                            جعل ابن مسعود في قوله عز و جل "بطائنها من إستبرق" قال : أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر .وهذه الفرش مرفوعة مكرّمة ومكرّمٌ من يجلس عليها .


                            وفي الآية الأخرى (( متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان )) والرفرف نوع من البُسط, وهي ما يبسط على الفراش ليُنام عليه وهي تُنسج على شبه الرياض ويغلب عليها اللون الأخضر , وقوله " عبقري حسان " العبقري وصف لما كان فائقا ًفي صنفه عزيز الوجود , وهو نسبة إلى عبقر اسم بلاد الجن في معتقد العرب ونسبوا إليه كل ما تجاوز العادة في الإتقان و الحسن حتى كأنه ليس من الأصناف المعروفة في أرض البشر .


                            وحيثما أراد المؤمن أن يجلس في ملكه جلس , فكل أرجاءه مهيأة حيث المجالس المتعددة والمواضع المتنوعة , قال الله تعالى عن أثاث الجنة وموجداتها (( ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة )) والنمارق جمع نمرُقة وهي الوسادة التي يتكئ عليها الجالس والمضطجع ,وقوله مصفوفة أي جُعل بعضها قريبا ًمن بعض صفا ً,أي أينما أراد الجالس أن يجلس وجدها .


                            وقوله زرابي مبثوثة جمع زربيّة وهي البساط أو الطنفسة التي نُسجت من الصوف الملون الناعم يفرش في الأرض للزينة وللجلوس عليه لأهل الترف واليسار . وفي هذا الشأن أيضا ًفي قوله زرابي مبثوثة لأنها منتشرة على الأرض بكثرة , وذلك يُفيد كناية عن الكثرة .


                            وفي شأن آخر أيضا ً فيما يكون لهذا المؤمن من الأثاث قول الله (( متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين )) وقال سبحانه عن المؤمنين (( ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين )) وقال سبحانه (( فيها سرر مرفوعة )) فأخبر تعالى بأنهم على سرر موضونة والسرر جمع سرير وهو ما يستعمله الإنسان لنومه أو الاتكاء عليه في جلسته , والموضونة أي المنسوجة بالذهب نسجا ًمحكما , لراحة الجالس عليها ولتكريمه .


                            قال ابن عباس : سرر من ذهب مكللّة بالزبرجد والدرّ والياقوت ومثله قوله تعالى "متكئين عليها متقابلين "أي مضطجعين عليها اضطجاع من امتلئ قلبه بالراحة وفرغ باله من كل ما يشغله وقد قابل وجه كل واحد منهم وجه الآخر ,ليتم سرورهم ونعيمهم إذ تقابل وجوه الأحباب يزيد الأنس والبهجة ..


                            وتأمل تمام الدعة والنعيم الذي يتقلب فيه أهل الجنة بقوله تعالى (( وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ً ولا زمهريرا )) وقوله سبحانه أيضا ً (( هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون )) والأرائك جمع أريكة وهو السرير مُتّخذ مُزيّن في قُبّة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو الحجلة , وأقرب ما يُماثلها في زماننا ما نسميه "النّاموسيّة " أو قد يُسمّى في بعض البلاد الكلّة .وصورتها الدنيوية أعني الأريكة هي أرقى وأرق مظاهر النعيم العربي ذي العيشة الخشنة, أما صورتها الأخروية فعلمها عند الله, وهي على كل حال أعلى ما يستمدّه الإنسان من تجاربه في الأرض وفي تصوراته.


                            وأما اتكاءهم حيث وصف الله تعالى المؤمنين في الجنة بأنهم"متكئون " .. أما اتكاءهم فقد تنوعت أقوال العلماء في تفسير هذا الاتكاء الذي يصنعه أهل الجنة على أرائكهم هل هو الاضطجاع أو التمرفط أي الاستناد على المفرط أو التربّع أو التمكّن في الجلوس , هكذا تنوعت أقوال العلماء ..


                            وأقول .. أرجو الله تعالى أن يرزقنا تحقيق القول الراجح بهذه الآية بفعله حق اليقين في جنات النعيم..


                            أرجو الله ذلك لي ولكم ولوالدينا وللمسلمين أجمعين..لا زال بقية من حديث حول أثاث الجنة أرجئه بإذن الله إلى حلقة قادمة ..


                            وصلى الله على نبينا محمد ..

                            تعليق


                            • #15
                              بسم الله الرحمن الرحيم


                              رحلة إلى بلاد الأشواق"12"


                              فضيلة الشيخ خالد بن عبد الرحمن الشايع



                              الحمد الله رب العالمين ..وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..


                              أما بعـــــــــــد ..


                              ها هي رحلتنا وقد حطّت بنا في رحاب الجنة ,حيث نتجوّل مع عباد الله المؤمنين في أولى لحظات أخذهم لهذا النعيم الذي وعدهم الله جلّ وعلا ,النعيم الذي طالما تشوقوا له .


                              قال الله تعالى (( وَعَدَ اللهُ المُؤمِنينَ والمُؤمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجرِي من تَحتِهَا الأنهار خَالِدينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدنٍ وَ رِضوَانٌ مِنَ اللهِ أكبر ذَلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيم )) .


                              وقد تقدّم ذكر اللحظات والخطوات الأولى للمؤمنين عند دخولهم الجنة, و ما يواجهونه من النعيم الذي لم يخطر لهم على بال من قبل.


                              وفي سياق ما هم فيه من هذا النعيم.. فقد جعل الله لهم من الخدم والحشم ما تزداد به بهجة نعيمهم, وفي هذا يقول الله جلّ شأنه عن أهل الجنة (( وَ يَطُوفُ عَلَيهِم غِلمَانٌ لَهُم كَأنّهُم لُؤلؤٌ مَكنُون )).


                              قال ابن كثير: هذا إخبار عن خدمهم وحشمهم في الجنة, كأنهم اللؤلؤ الرطب المكنون في حسنهم وبهاءهم ونظافتهم وحسن ملابسهم, شبابهم باقٍ لا يتغيّر, وهيأتهم جميلة على حالها لا تتبدل, فهم دائماً على تلك الهيئة المنعوتة بالشباب والمنظر الحسن .. وقد مر بهؤلاء المؤمنين في دنياهم أن الشخص من تنعّمه أن يجد خادماً يُلائمه, ويُهيئ له حاجاته ويقضي له شئونه . ولا يتم هذا التنعم إلا إذا كان هذا الخادم نظيفاً رفيقاً مهذباً ,يحسن التعامل والإنجاز. وبيّن الله جل شأنه جانبا من خدمة هؤلاء الولدان وحالهم مع أهل الجنة, فقال سبحانه (( يَطُوفُ عَلَيهِم وِلدَانٌ مُخَلّدُونَ بِأكوَابٍ وَ أبَارِيقَ وَ كَأسٍ مِن مَعِين))بأكواب : أي يطوفون عليهم بأكواب وهي الأقداح , وهي القداح التي لا عُرى لها .


                              وأباريق : أي بآوان ذات عرى . وكأس من معين : أي بإناء مملؤ بالخمر الكثير الجاري ,فقوله معين بمعنى الكثرة .


                              وقد أختلف في هؤلاء الولدان ..هل هم من ولدان الدنيا أم أنشأهم الله في الجنة إنشاءً ؟؟! على قولين :


                              قال ابن القيم : و الأشبه أن هؤلاء الولدان مخلوقون من الجنة كالحور العين خدماً لهم وغلمانا ,كما قال سبحانه (( وَ يَطُوفُ عَلَيهِم غِلمَانٌ لَهُم كَأنَّهُم لُؤلؤٌ مَكنُون ))وهؤلاء غير أولادهم ,فإن من تمام كرامة الله جلّ و علا لهم أن يجعل أولادهم مخدومين معهم ولا يجعلهم غلمان لهم .


                              ثم قال سبحانه مبيناً تلك اللحظات التي يتنعم فيها أهل الجنة وهم تتنوع بين أنظارهم مظاهر النعيم, قال سبحانه (( وأقبَلَ بَعضِهِم عَلَى بَعضٍ يَتَسَاءَلُون )) أي أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا , وهذا كما يتحادث أهل الشراب و الطعام على شرابهم وطعامهم ..


                              (( قَالُوا إنّا كُنّا قَبلُ فِي أهلِنَا مُشفِقِين )) أي قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه, ((فَمَنَّ اللهُ عَلَينَا وَ وَقَانَا عَذَابَ السَّمُوم )) أي فعظُمت نعمة الله علينا وابتدأنا بهذا الخير العميم فوقانا من عذاب الجحيم و أجارنا مما نخاف .


                              وأذكّر هُنا .. بأن هذه الصور التي تعرضها نصوص القرءان والسنة لا يدركها البشر إلا في حدود ما يعهدون في الأرض, فإذا كانوا هنالك في جنات النعيم تطورت أذواقهم ومفاهيمهم بما يتناسب مع دار الكرامة..


                              و ما أن يستقر المؤمن بين أزواجه و أهله في مساكنه في الجنة ,حتى يتوالا عليه النعيم والحبور من كل ما حوله ومن حوله ,حتى إنه لا ينسى كلما مر به في الدنيا من الأكدار والأحزان والمشاق, لا.. بل إنه لا ينشغل عن الأهوال التي عاينها قبل قليل و لا زال كثير من الناس ورائه يعيشونها في عرصات ذلك اليوم العظيم ..وهذا ما دل عليه قوله سبحانه (( إنَّ أصحَابَ الجنة في شُغُلٍ فَاكِهُون هُم وأزواجُهم فِي ظِلَالٍ عَلَى الأرَائكِ مُتّكئِون لهُم فِيهَا فَاكِهة ولَهُم ما يَدَّعُون سلامٌ قَولاً مِن رَبٍّ رَحِيم )) .


                              قال ابن كثير :يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العرصات ..فنزلوا في روضات الجنّات أنهم في شغل فاكهون أي , شغل عن غيرهم بما هم فيه من النعيم المقيم والفوز العظيم.


                              وقد تعددت أقوال المفسّرين في هذا الشغل الذي يجعل أهل الجنة لا يتفكّرون ولا ينظرون إلى شيء آخر غير ما هم فيه من النعيم ,فقيل هم مشتغلون مع أزواجهم , وقيل مشتغلون بالنعيم بكل أنواعه ..


                              وليطف فكرك .. وليسبح خيالك كيفما شئت في مشتاق إلى جنات الفردوس وإلى حورها ونعيمها وحبورها.. كيف سيكون حاله ؟!!


                              وحسبك أن تدرك أن أولى لحظات هذا النعيم في الجنة تنعكس على هيئاتهم وأحوالهم و وجوههم ..


                              فتعرف إذا نظرت إليهم .. في وجوههم نظرة النعيم .. أي صفة الترافة و الحشمة والسرور و الدعة و الرياسة ..وذلك مما هم فيه من النعيم العظيم ,قال الله تعالى (( إنَّ الأبرارَ لَفِي نَعِيم عَلَى الأرَائكِ يَنظُرون تَعرِفُ فِي وجُهِهم نَظرَةَ النَعِيم )) .


                              فإذا سألت إلى ما ينظرون ؟؟ فقد قيل معناه : ينظرون في ملكهم وما أعطاهم الله من الخير والفضل, الذي لا ينقضي و لا يبيد ..


                              وقيل معناه : ((على الأرائك ينظرون )) إلى الله عزَّ وجل , وهذا مقابله لما وصف به أولائك الفجَّار ((كَلَا إنَّهُم عَن رَبَّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجُوبون )) فذكر عن هؤلاء أنهم يُهيئ لهم النظر إلى الله عزّ وجل وهم على سررهم و فرشهم, والنظر إلى وجه الله الكريم في الجنة هو أعظم النعيم ..فرؤية وجهه جلَّ وعلا هو أقصى ما يكون من نعيم العبد , وسيكون لهذا الشوق لأعظم مطلوب حلقة خاصة لاحقة بإذن الله تعالى ..


                              أسأل الله تعالى أن يجعل مستقرنا جميعاً في جنات النعيم ..نحن و والدينا و المسلمين ..


                              وصلى الله وسلم على نبينا محمد .. والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..

                              تعليق

                              19,937
                              الاعــضـــاء
                              231,682
                              الـمــواضـيــع
                              42,451
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X