• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • نصوص حلقات برنامج بينات - 1431 هـ (متجدد)

      بسم الله الرحمن الرحيم.
      يتم بفضل الله تعالى التعاون على تفريغ حلقات برنامج بينات للعام 1431 هـ ضمن مشروع تساهم فيه عدد من الأخوات الفاضلات في هذا الملتقى المبارك.
      وسأفرد هذه المشاركة لرفع نصوص الحلقات بعد تنقيحها لتكون في متناول الجميع وسهل الوصول إليها وستضاف الحلقات تباعا بإذن الله تعالى وهذه أولى الحلقات:
      ----------------------------
      الحلقة الأولى رمضان 1431 هـ
      تأملات في سورة النساء الآية (1)
      د.عبدالرحمن الشهري: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الأخوة المشاهدون الكرام السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وحياكم الله في هذا اللقاء المتجدد في برنامجكم برنامج" بينات" وسوف نبتدئ -بإذن الله تعالى- في هذا اللقاء وما يتلوه من لقاءات بالحديث والوقوف عند آيات سورة النساء، هذه السورة العظيمة التي تعد ثاني سورة من سور القرآن من حيث الطول، وقد اشتملت هذه السورة على الكثير من الأحكام والكثير من الاستنباطات والفوائد وسوف يكون حديثنا في هذا اللقاء مع المشايخ الدكتور :محمد الخضيري والدكتور :مساعد الطيار. -بإذن الله تعالى-
      في هذا اللقاء ابتداء سوف نتحدث في هذه السورة بصفة مجملة لعلنا نتحدث إن شاء الله عن إسم السورة وعن مقصد السورة الأعظم الذي تحدثت عنه أو دارت حوله هذه السورة، ونتحدث عن نزول هذه السورة ، ومايمكن أن يسمى معلومات السورة
      د.محمد الخضيري :أو علوم السورة
      د.عبدالرحمن الشهري : علوم السورة. قبل أن ندخل فيها فلعلنا نبدأ يا دكتور محمد بالحديث عن اسم السورة سورة النساء لماذا سميت سورة النساء؟ ثم نأتي نتحدث بعد ذلك عن مناسبة سورة النساء -إن شاء الله -لما سبقها وماتحدثنا عنه في سورة آل عمران وما بعدها بإذن الله تعالى فنبدأ على بركة الله تعالى شيخ محمد.
      د.محمد الخضيري : الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. طبعًا نحن في هذه الليلة نصور في مكان لم نعتد التصوير فيه، في هذه الأماكن الطيبة بلدة ماذا؟ تنومة. وأيضًا في هذه الاستراحة الجميلة لأحبتنا من آل سليمان جزاهم الله عنا كل خير، وأيضًا في هذا العام 1431 قبيل شهر رمضان، ونسأل الله أن يتم علينا حلقات هذا البرنامج على خير، ونحن عدنا إلى ما كنا عليه سابقًا من تصوير حلقات البرنامج في الخارج وليس في داخل الإستديو نظرًا لطلب كثير من الإخوة أن نعود لتلك العفوية وتلك الأماكن المفتوحة من أجل تضفي على البرنامج شيئًا من الحيوية والتجديد أيضًا وخصوصًا في البرامج الدينية التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الإبداع والتجديد، فلعل هذا البرنامج يكون أحد البرامج المبدعة وأسأل الله أن يكون له ذلك دائما وأبدًا.
      طبعًا هذه السورة كما ذكرت يا دكتور عبد الرحمن هي سورة النساء وهي سورة مدنية نزلت بعد هجرة النبي- - وهذا معنى قولنا سورة مدنية، إذا قيل مدنية معناه بعد الهجرة وإذا قيل مكية قبل الهجرة. سميت سورة النساء ولا تشتهر هذه السورة بغير هذا الاسم وذلك والله أعلم أخذًا من لفظ في أول آية من آياتها عندما قال الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً). الحقيقة من يقرأ هذه السورة من أولها إلى آخرها يجد أنها عنيت بأمرالنساء، وأظهرت كثيرًا من الأحكام وأنصفت النساء، ودعت إلى إصلاح أحوالهن، وتغيير ما كان عليه أهل الجاهلية من هضمهن لكثير من حقوقهن، ومن يتتبع هذا في هذه السورة يجد أنه واضح وجلي. وأنا أقول في كون النساء يحظين باسم لسورة تعتبر من أطول سور القرآن يدل بلا شك على عناية القرآن بأمر النساء، وإخراجهن من ظلمات الظلم الذي كن يعشن فيه فلو كان القرآن أو كان الإسلام يهضم المرأة حقها ما ذُكرت أو جعل اسمها
      د.عبدالرحمن الشهري :يعني جنس النساء
      د.محمد الخضيري :جنس النساء عنوانًا لسورة عظيمة من سور القرآن
      د.عبدالرحمن الشهري :في الوقت الذي لايوجد فيه سورة باسم سورة الرجال
      د.محمد الخضيري :أو الذكور أو كذا. قال الله عزوجل- في آية الخلق أو أنواع الجنين قال (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ) فقدّم الإناث في الهبة لبيان أنهن مما كرمه الله وشرّفه وأعطاه الحق الوافي وهذا لايمنع أن تقال الحقيقة بالنسبة للمرأة في كل شيء وتنصف ويدعى إلى إصلاح جميع أحوالها وأن يقوم الرجل عليها قيامًا راشدًا لايشعر فيه بالعلو الذي يدعو إلى الظلم ولكن العلو الذي يدعو إلى الإصلاح والإنصاف والرأفة والرحمة والرفق بهن.
      د.عبدالرحمن الشهري: وهذا مقتضى القوامة على وجهها الصحيح.
      د.محمد الخضيري : نعم صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري: بالنسبة للاسم يا دكتور مساعد في كونها توقيفية يعني لم يثبت أنها سميت سورة النساء إلا بهذا الاسم أليس كذلك ؟
      د. مساعد الطيار : هذا الظاهر, وبناءً عليه نقول أنه إذا ورد يعني لسورة من السور إسم واحد فالأقرب أنه ثابت عن النبي والرسول لما سأله عمر عن الكلالة قال تكفيك
      د.عبدالرحمن الشهري: آية الصيف
      د.مساعد الطيار : التي في سورة النساء
      د.عبدالرحمن الشهري: التي في سورة النساء
      د.مساعد الطيار : نعم. يعني مهم جدًا في التسميات النبوية البحث عن حكمة التسمية لأنه كونه صدر عن النبي لايكون إلا عن حكمة هناك علة لكن قد يقول قائل لم نجد الصحابة - قد عنوا بالبحث عن هذه الحكمة ولا وجدنا مثلاً من بعدهم من التابعين وأتباعهم من قد بحثوا عن هذه الحكم والعلل، فهذا من العلوم التي هي تعتبر من المُلَح وليست من متين العلم فعدم الوصول إليه لا يؤثر والوصول إليه يعني يكسب..
      د.عبدالرحمن الشهري: يزيدك معرفة
      د.محمد الخضيري : يقين
      د.عبدالرحمن الشهري: ويعينك على التدبر الصحيح لمعانيها عندما تفهم أنت الآن يعني مثًلا على سبيل المثال أذكر الدكتور إبراهيم خليفة أو إبراهيم عبد الرحمن خليفة له كتاب بعنوان "التفسير التحليلي لسورة النساء" فقال الآن سورة النساء نحن نقول أنها سميت بسورة النساء لأنه ذكر فيها حقوق النساء وذكر فيها النساء كثيرًا وهذا سبب مقبول ومشهور في كتب التفسير والذي يقول به فهو مصيب
      د.محمد الخضيري :وقوله صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري:قال ولكن الذي أراه أن هناك معنى عميق في تسمية سورة النساء بهذا الاسم وهو أن سورة النساء عدد آياتها 176 آية يظهر بوضوح في هذه السورة معنيان متصلان بالمرأة
      د.محمد الخضيري :جميل
      د.عبدالرحمن الشهري: وهذان المعنيان منتشران في سورة النساء والمعنى الأول هو الإنصاف
      د.محمد الخضيري : إنصاف المرأة
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم، والمعنى الثاني هو الإصلاح. فيمكن أن نقول أن الإنصاف والإصلاح الموجود في سورة النساء ولأن المرأة تحتاج الإنصاف وتحتاج الإصلاح، لذلك نحن لو قلنا أن حقوق النساء في سورة النساء أو قلنا أن سورة النساء هي سورة الحقوق حقوق المرأة وحقوق الأيتام وحقوق الضعفاء .....إلخ فهذا معنى مقبول لكن هناك معنى الإنصاف والإصلاح الذي تحتاجه المرأة تحتاج الإنصاف إذا كانت في الميراث، وتحتاج الإنصاف إذا كانت زوجة وتحتاج الإنصاف إذا كانت ابنة، أمًا .إلخ، وإذا كانت يتيمة أيضًا ، وتحتاج الإصلاح لأنه من حقوق المرأة الإصلاح وهو القيام على تربيتها
      د.محمد الخضيري : وتهذيبها
      د.عبدالرحمن الشهري: وتهذيبها وتعليمها حتى إذا تزوجت تكون على مستوى المسؤولية ,
      د.محمد الخضيري : دعني أذكر بعض الآيات الدالة على الإنصاف
      د.عبدالرحمن الشهري: على هذا المعنى
      د.محمد الخضيري : وعلى الإصلاح
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم ، اذكرها
      د.محمد الخضيري : مثلاً في الإنصاف قال الله عزوجل في أول السورة قال (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) هذا إنصاف
      د.عبدالرحمن الشهري: لليتيمة
      د.محمد الخضيري : إي، إذا خاف الإنسان ألا يقسط ويعدل في حق اليتيمة فيعطيها مهرًا مثل ما تعطى نظيراتها من النساء فلا ينبغي لولي اليتيمة أن يتزوج بها لئلا يضر بمهرها وحقها في ذلك الأمر
      د.عبدالرحمن الشهري: هذا إنصاف
      د.محمد الخضيري : مثال الإنصاف. مثال الإصلاح (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا)
      د.عبدالرحمن الشهري: هذا إنصاف
      د.محمد الخضيري هذا إصلاح
      د.عبدالرحمن الشهري: وإصلاح نعم
      د.محمد الخضيري :هذا إصلاح
      د.عبدالرحمن الشهري: وأيضا (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ )
      د.محمد الخضيري :نعم هذا إصلاح
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم هذا إصلاح أيضًا، صدقت.
      د.مساعد الطيار :لكن يا شيخ عبد الرحمن المعنى الذي ذكره الدكتور إبراهيم يدخل في كونه من الحقوق.
      د.عبدالرحمن الشهري: لا شك
      د.مساعد الطيار :فالإنصاف والإصلاح
      د.محمد الخضيري :حقان
      د.مساعد الطيار :حقان من الحقوق المرتبطة بالمرأة
      د.عبدالرحمن الشهري: هو طبعا هو الآن ماذا يقصد الدكتورالخليفة؟ يقول الآن السورة سميت سورة النساء لهذه العلة لأنه قد انتشر فيها معنى الإنصاف والإصلاح المرتبط بالنساء الذي تحتاجه النساء، أما إذا تحدثنا عن الموضوع الآخر وهو ما هو موضوع سورة النساء أصلاً؟ قلنا موضوعها الحقوق حقوق المرأة، وحقوق الضعفاء، وحقوق الأيتام،
      د.مساعد الطيار : وحقوق الورثة
      د.عبدالرحمن الشهري: حقوق الورثة وهذه ستأتي معنا بكثرة
      د.مساعد الطيار :مفصلة نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: فهذا يعني جانبان مختلفان أليس كذلك
      د.مساعد الطيار :هذا صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري: موضوعات السورة وجانب تسميتها بسورة النساء
      د.مساعد الطيار :و بما أنك ذكرت قبل قليل قضية العناية بالنساء يعني هي الحقيقة قضية مهمة ومن أخطر الأمور في نظري أن يكون الحق معك ولكنك لم تستطع بيانه
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم
      د.مساعد الطيار : ولهذا من يضل من نساء المسلمين، ويذهبن إلى النظر إلى حقوقهن كحقوق المرأة الغربية هذا دلالة كبيرة جدًا على جهل هذه المرأة وأنها لم تعرف حقها الصحيح، وإلا فإننا نجد أن كثيرًا من النساء الغربيات إذا أسلمن أدركن أنهن بالإسلام وصلن إلى حقهن الصحيح
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم
      د.مساعد الطيار : وأول حقوقهن هو قضية الحجاب. يعني يعتبر من الحقوق الكبيرة جدًا للمرأة التي نجد مع الأسف أن كثيرًا من المسلمات فرّطن فيه، وظنن أنه من التزمت أو ظنن أنه من
      د.محمد الخضيري :من التضييق
      د.مساعد الطيار :من التضييق على المرأة وهو في الحقيقة نوع من الإكرام، لم يدرك هذا الإكرام إلا من وقع في سوء الجاهلية فانتقل إلى الإسلام، فما بال بنات المسلمين اليوم ومعهن هذا النور يفقدنه ويتنازلن عنه؟! ولذا نقول مهم جدًا أن ننتبه أن عندنا الحق لكن عندنا ضعف في بيان هذا الحق و في إيصاله
      د.محمد الخضيري :يعني قصدك يا شيخ مساعد أن هذه السورة تعطي المسلم القوة في بيان هذا الحق
      د.مساعد الطيار :نعم
      د.محمد الخضيري :وفي إظهاره لأنه يعتمد في إظهاره على كلام ربه والغريب أنه يأتي بشكل تنصيصي
      د.مساعد الطيار :نعم
      د.محمد الخضيري :يعني مثلاً انظر عندما يقول (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) يذكر النساء مع الرجال ثم يقول (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) كذلك في قول الله - (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) وفي قوله في آخر السورة (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) تنصيص على هذه المواطن بحيث يجهر المسلم بها ويعلم أنه يستند فيها إلى حق صريح ليس محلاً للاجتهاد ولا أيضًا للتواري ويعني عدم الوضوح
      د.مساعد الطيار :صحيح
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: الحقيقة مسألة حقوق الإنسان في سورة النساء موضوع مهم جدًا
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: وقد أفرد يعني الدكتور- وغفر له - الدكتور عبد الحميد طهماز هذا الكتاب سماه (حقوق الإنسان في سورة النساء)
      د.محمد الخضيري :نعم
      وتحدث فيه بحديث طويل عن قضية كيف أن الغرب يعني يتشدق الآن بحقوق الإنسان وكأن كثيرًا من الناس حتى من المثقفين المسلمين يظنون أن ترسية مبدأ حقوق الإنسان ووضع أصول هذه الحقوق كأنها غربية النشأة وأن المسلمين لم يعرفوا حقوق الإنسان إلا لما جاءتهم من الغرب وبدأ الغرب يروجون لها كأن الإسلام لايعرف حقوق الإنسان ولم يضع لها. وأنا أقول سورة فقط كنموذج مع أن القرآن الكريم مليء بالحديث عن حقوق الإنسان
      د.محمد الخضيري : صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري: والسنة النبوية، لكن في سورة النساء فقط فيها حديث مفصل ودقيق عن حقوق الإنسان سواءً النساء، أو الأيتام، أو حقوق الورثة، بصفة عامة والورثة قد يكونون كل الناس
      د.محمد الخضيري :نعم. الأب ، والابن، والزوج، والزوجة، والإخوة، والأخوات، والأخ لأم ، والأخت للأم، والأشقاء كلهم يدخلون، فيعني مجرد الحديث عن سورة النساء حديث أتصور لو يتتبعه متتبع يجد فيه تفاصيل كثيرة
      د.محمد الخضيري :أنا أقول يا أبا عبد الله أنه حقوق الإنسان التي ذكرت في سورة النساء وحدها فيها من الجوانب التي يعني يلمسها الإنسان في هذه السورة ما لا يمكن أن تجده في دساتير الأرض كلها، سأعطيك آية واحدة تسمى آية الحقوق في نفس السورة
      د.عبدالرحمن الشهري: إيوه
      د.محمد الخضيري : (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ) لو تأخذ كل واحد من هؤلاء وتأخذ كيف الآية نصت على حقه ستجد من بين هؤلاء من لايذكر في دساتير الدنيا كلها مثلاً (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ)
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم
      د.محمد الخضيري: الصاحب بالجنب هو الصديق في العمل، الذي يسافر معك، الذي يركب بجوارك في الطائرة يسمى صاحبًا بالجنب، بالله عليك إقرأ في أي دستور لحقوق الإنسان في الأرض
      د.عبدالرحمن الشهري:هل أعطت هذا النوع؟
      د.محمد الخضيري: أبدًا، يمكن ولا تحدثت عنه، ولا أعطته أي جانب من الجوانب إنما تجد الحقوق الإنسان في العالم الغربي تتصل في حق البدن، والإيذاء ، حق المال ، حقوق معينة ظاهرة وواضحة لكن هذه الحقوق الدقيقة واللطيفة والمهمة في نفس الوقت لاتجد أحدًا يلتفت لها وهذا ما يميز يعني ألفاظ القرآن ومعانيه عن هذه الدساتير المختلقة
      د.عبدالرحمن الشهري:بل حتى يعني مصداقًا لهذه الفكرة جبر الخواطر إن صح أن نسميها
      د.محمد الخضيري: نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: مراعى في هذه السورة في قوله سبحانه و تعالى (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) هم ما لهم حق في التركة ما لهم حق في التركة منصوص عليه ولكن الله يقول إذا حضر أحد من هذه الفئة القسمة فلا تنسوهم
      د.محمد الخضيري :الله أكبر!
      د.عبدالرحمن الشهري:يعني أعطوه ما يرضيه، أعطوه ما يجبر خاطره حتى لايخرج من هذه القسمة وفي نفسه شيء من الحسد أو في نفسه شيء من التشوف .
      د.محمد الخضيري :بل يا أبا عبد الله في جبر الخواطر هناك ما هو أدق أيضًا من هذا
      د.عبدالرحمن الشهري:ما هو؟
      د.محمد الخضيري وهو أنك إذا بذلت المال لامرأتك مهرًا لها ينبغي لك أن تبذله بطيب نفس منك (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)يقولون نحلة ليست هي العطية، النحلة هي العطية التي يكون صاحبها يعني
      د.عبدالرحمن الشهري:طيب النفس
      د.محمد الخضيري طيب النفس فيها
      د.مساعد الطيار :ولهذا قال (فَإِنْ طِبْنَ)
      د.محمد الخضيري :نعم (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا)
      د.عبدالرحمن الشهري:كما أنكم أنتم أعطيتموه بطيب نفس فلا تأخذونه إلاإذا
      د.محمد الخضيري :إذا طابت أنفسهن به
      د.عبدالرحمن الشهري:جميل
      د.محمد الخضيري :بالله عليك أين تجد من يتحدث عن طيب النفس في عطاء مال أو أخذ مال؟!
      د.مساعد الطيار :إذن المشكلة ليست في الدستور الذي سميناه الدستور الإسلامي إنما في التطبيق
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.عبدالرحمن الشهري::ترى يعني يا إخواني ترى بالمناسبة كثير من المسلمين,كثير منا لايفهم هذه المعاني من الآية
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.عبدالرحمن الشهري:يعني (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) صدقاتهن :جمع صداق يعني المهر
      د.محمد الخضيري : نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: نحلة ، وهذه الآية واضحة في أن المهر والصداق حق خالص للمرأة ,
      د.محمد الخضيري : نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: تعالوا عندنا في المجتمعات الآن كثير من أولياء الأمور الآن يعتبر المهر هو أولى به هو أولى به ويأخذه ولايعطي للبنت أو الزوجة منه شيء
      د.محمد الخضيري :صحيح.
      د.عبدالرحمن الشهري: أين هذا الفهم للآية على وجهها؟! فأنا أتصور أننا بحاجة ماسّة حقيقة بأن نقرب معاني القرآن الكريم للناس وأن نحاول سواء في برنامجنا هذا أو حتى بصفة عامة وصية لإخواني الذين يمكن أن يبنوا للناس معاني القرآن أن يقربوا المعاني للناس، يعني هذا القرآن الكريم فيه من البلاغة ,وفيه من الإعجاز وفيه من الفصاحة ما لايدرك اليوم بمجرد قراءة القرآن
      د.محمد الخضيري صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري وإنما يحتاج فعلاً إلى أن تبين للناس المعاني الدقيقة لهذه الآيات وأيضًا الدلالات التي تشتمل عليها هذه الآيات المعجزة. فمثلاً الآن عندما تقول (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) أن النحلة في اللغة، لايقال عن العطية نحلة إلا إذا كانت عن طيب نفس وهذا المفترض في المهر يكون عن طيب نفس
      د.محمد الخضيري :نعم. أمر آخر يتصل بهذا ما أدري الأخ أبو عبد الملك إذا كان عندك فكرة تقولها؟
      د.مساعد الطيار :لا، أنا أكملها في فكرة أخرى
      د.محمد الخضيري :وهو حول هذه السورة وبيان دلالتها للناس أنا أرى أن هذه السورة ينبغي تقريرها في مناهج الدراسة وخصوصًا عند النساء أولاً لكثرة أحكام النساء الموجودة فيها، ثانيًا لأنه يذكر هذه الحقوق ويدل عليها ويؤكد يعني بطرق مختلفة وتبين هذا الشأن العظيم للمرأة في الإسلام،
      د.عبدالرحمن الشهري بل حتى الرجال عفوًا الرجال هم معنيون بهذه السورة لأنها حقوق هم يقومون بها تجاه النساء
      د.محمد الخضيري : نعم
      د.مساعد الطيار :صحيح , يعني عليهم الحقوق
      د.عبدالرحمن الشهري :نعم
      د.مساعد الطيار :قد يقول قائل هذه السورة قبل قليل قلت الشيخ عبد الرحمن أنها ثاني أطول سورة
      د.عبدالرحمن الشهري :في القرآن
      د.مساعد الطيار :في القرآن, قد يقول قائل هل هذه السورة كلها نزلت دفعة واحدة؟
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.مساعد الطيار :أو هي من الذي نزل شيئًا بعد شيء؟ طبعًا الظاهر أنها لم تنزل لم يذكر أنها طبعًا نزلت دفعة واحدة بل هناك آيات تدل على أنها نزلت متأخرة جدًا
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.مساعد الطيار :وآيات نزلت متقدمة ثم هي كما عادة يعني العادة في
      د.عبدالرحمن الشهري :نزول الوحي
      د.مساعد الطيار :في نزول القرآن كما ذكر زيد بن ثابت، وتأليفه هو جمع الآيات بعضها على بعض ولكن الذي أمر بها هو الله -ولهذا ترتيب الآيات باتفاق العلماء توقيفي
      د.عبدالرحمن الشهري :توقيفي، نعم ، يعني الآيات وراء بعض
      د.محمد الخضيري :أي نعم الآيات التي في السورة
      د.مساعد الطيار :نعم قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) قبل قوله (وآتوا اليتامى)
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.مساعد الطيار : نعم
      د.محمد الخضيري :وأنها الآية الأولى
      د.مساعد الطيار :نعم وأنها الآية الأولى ،ولهذا بنى على هذه المسألة بعض العلماء حكمًا أنه لايجوز تنكيس
      د.عبدالرحمن الشهري : الآيات
      د.مساعد الطيار :الآيات
      د.عبدالرحمن الشهري :تنكيسها يعني قراءتها بالعكس
      د.مساعد الطيار :قراءتها بالعكس، نعم لأنه يخل لاشك بنظم القرآن و يخل بالمعاني لأن المعاني مترتبة هكذا
      د.عبدالرحمن الشهري :وهذا غالبًا ما أظنه يفعله دكتور مساعد إلا واحد عابث يقرأ السورة من آخرها للأول صح أم لا؟
      د.محمد الخضيري :وجدت يا أبا عبد الله إخوانا في إفريقيا، ولعله بعض الناس الآن يستمعون إلينا يقيسون حفظ الحافظ بقراءته للسورة من آخرها إلى أولها
      د.مساعد الطيار :يعني هذي مجرد
      د.عبدالرحمن الشهري :اختبار
      د.مساعد الطيار :اختبار
      د.محمد الخضيري :لا،لا ليست للتعنت، لكن نقول أيضًا لاينبغي أن يفعل هذا
      د.مساعد الطيار :هذا تمام
      د.محمد الخضيري :نعم لأنه وإن كان مقياس لحفظ الحافظ إلا أن مثل هذا يعني قد يعني
      د.عبدالرحمن الشهري :فيه نوع من الإنقاص
      د.محمد الخضيري :نعم فيه إنقاص من قدر القرآن، وتغيير لترتيبه الذي أنزله الله عليه
      د.مساعد الطيار :ولهذا نحن نقول قضية مهمة جدًا يكثر الحديث عنها اليوم أن من يروم البحث عن ترتيب نزول الآيات والسور فإنه لن يستطيع أن يصل إلى ترتيب كلي.
      د.محمد الخضيري: وإنما إجمالي
      د.مساعد الطيار :يعني في بعض السور إجمالي أما في بعضها فمحال
      د.محمد الخضيري: نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم
      د.مساعد الطيار :ولهذا من باب النصيحة لكتاب الله
      د.عبدالرحمن الشهري : لعدم ورود دليل
      د.مساعد الطيار :لعدم ورود دليل قطعي
      د.محمد الخضيري : صحيح, نعم
      د.مساعد الطيار :من باب النصيحة لكتاب الله أن ينتبه من يريد أن يفعل هذا الفعل وألا يحتج بفعل من فعله مثل بعض الذين كتبوا في هذا
      د.عبدالرحمن الشهري: الذين كتبوا في التفسير
      د.مساعد الطيار :فنحن نشكر لهم عملهم ولكن ليس هو العمل الصحيح
      د.محمد الخضيري : نعم
      د.مساعد الطيار :وقد سئلت إذا كان هناك فوائد في ترتيب النزول فكيف نستطيع أن نستفيد؟ فقلت لهم: الجواب واضح جدًا: من عُنيَ بترتيب النزول من العلماء فإنه يذكر الفوائد في مكان الآية بمعنى أنه لايمكن أن نجد أن أحدًا من العلماء يتكلم عن آيات الطلاق وبينها ناسخ ومنسوخ ولايتكلم عن هذه القضية
      د.عبدالرحمن الشهري: المتقدم والمتأخر
      د.مساعد الطيار: المتقدم والمتأخر ويمكن أن يُجعل في مقدمة كل سورة تنبيه على المتقدم والمتأخر والحديث عنه بحيث أن يكون مرتبطًا بالآيات نفسها على نفس الترتيب وعلى نفس النسق فالله من حكمته أن جعل الآيات هكذا وأنت كأنك لما تريد ترتب الآيات على النزول تخالف هذه الحكمة
      د.محمد الخضيري: صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم
      د.مساعد الطيار: وهذه قضية مهمة جدًا أن ننتبه لها. قضية أخرى ونحن نتكلم عن هذه السورة وعن موضوعات السورة ومقاصدها، ننتبه أيضًا إلى ملحظ مهم جدًا وهو أن كل من سبقنا من العلماء سبق إلى مقاصد الآيات يعني ما هو المقصود من هذه الآية؟، ماذا تريد هذه الآية؟ ما الذي توصله هذه الآية؟ ما الذي نفهمه منها؟ فهذه القضية مهمة جدًا في أننا نركز عليها وألا يشغلنا الحديث عن مقاصد السور وعن موضوعات السور وعن غيرها، لايشغلنا الحديث فيكون طاغيًا على مقاصد الآيات، ومعنى ذلك أن يكون عندنا نوع من التوزان حال الطرح فنذكر مقاصد السور ونتكلم عن الوحدة الموضوعية فيها، ونتكلم عن الموضوعات التي فيها، هذا جانب، ولكن أيضًا هناك جانب مهم جدًا وهو الجانب المراد الذي هو تفسير السورة على حسب
      د.عبدالرحمن الشهري: ترتيبها الموجود في المصحف
      د.مساعد الطيار: نعم ترتيبها الموجود في المصحف
      د.عبدالرحمن الشهري : مع أن يعني تعليقًا على هذا الكلام يا دكتور ليس هناك أحد ممن كتب تفسير القرآن الكريم على حسب ترتيب نزوله تحدث عن ترتيب الآيات لأنهم ما يستطيعون أن يجزموا بأن هذه الآية نزلت قبل هذه الآية في السورة نفسها فترتيبهم للنزول هو ترتيب للسور إجمالاً فقط مع أن ما ذكرت أنت الآن سورة النساء لم تنزل دفعة واحدة
      د.مساعد الطيار : نعم
      د.عبدالرحمن الشهري : فقطعًا نزل جزء منها، ثم نزل بعده جزء من سورة أخرى أو سورة أخرى كاملة ثم نزلت تكملة بقية النساء وهكذا، يعني ليس هناك قول قاطع تطمئن إليه في ترتيب النزول، أنا متفق معك مائة في المائة صحيح
      د.محمد الخضيري :أدل الأدلة على ذلك سورة البقرة هي أول سورة أنزلت بعد هجرة النبي على قول كثير من العلماء لكن المجزوم به أيضًا أن هذه السورة امتد نزولها إلى قبيل وفاة النبي لأن آيات الربا من آخر ما أنزل في سورة البقرة من آخر ما أنزل على النبي وفيها قول الله عزوجل -
      د.عبدالرحمن الشهري : (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ )
      د.محمد الخضيري : (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)
      د.عبدالرحمن الشهري : طيب كيف يصنعون هذولا المشايخ الذي فسروا القرآن الكريم على حسب ترتيب النزول مثل الشيخ محمد عزت دروزة، ومثل الشيخ العناني العراقي، ومثل الشيخ عبدالرحمن حبنكة ترى
      د.محمد الخضيري الميداني نعم
      د.عبدالرحمن الشهري : فسروها على أنها أول سورة نزلت في المدينة وتكلموا عنها أنها أول سورة ثم بعد ذلك جاءت سور النساء وغيرها مع أنه استمر نزولها من أول العهد المدني إلى آخر العهد المدني
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.مساعد الطيار : نعم
      د.عبدالرحمن الشهري : نعم فيعني وضعهم لها في الأول صح هي ابتدأ أولها لكنها استمرت ثمان سنوات أو عشر سنوات
      د.مساعد الطيار : ولهذا نلاحظ مثلاً سبب نزول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)
      د.عبدالرحمن الشهري : في سورة النساء
      د.مساعد الطيار : نعم أو (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) وأمثالها فإنها لها أسباب نزول أو أحوال نزول تدل على تأخرها وأن هذه الآية نزلت بعد تلك الآية نجزم يقينًا من خلال هذه الأحوال
      د.محمد الخضيري :صحيح
      د.مساعد الطيار : مما يدل على أن قضية ترتيب الآيات تكفّل الله -- بها ولهذا ارتبطت بقضية الإعجاز وأي مخالفة لهذا الترتيب فإنه يخل بهذا النوع من الإعجاز وهو ترتيب النظم على هذه الشاكلة، فمثلًا من يبحث في التفسير الموضوعي فيخرج الآية من مساقها
      د.عبدالرحمن الشهري : نعم
      د.مساعد الطيار :ويدرسها من خلال الموضوع مهما بلغ من الفوائد واللطائف والأشياء التي يستنبطها يبقى أن هناك نقصًا في ربط هذه الآية بمساقها بمعنى أنها لها في مساقها
      د.عبدالرحمن الشهري : يعني معاني ودلالات
      د.مساعد الطيار : أحوال ومعاني دالة لايمكن حينما تأخذها أن تتحدث عنها
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.مساعد الطيار : ونعم أنت حينما تخرجها مع مثيلاتها من الموضوعات تخرج فوائد فنقول إذن هي القضية قضية توازن مهمة جدًا. ولهذا أنا استغرب من بعض الباحثين من إذا اقتنع بفكرة وأراد أن يبرز هذه الفكرة
      د.عبدالرحمن الشهري : همّش الأفكار الأخرى
      د.مساعد الطيار : نعم، جاء إلى ما تكلم به العلماء المتقدمون وألغاه كأنه لا يفيد أبدا، فبعضهم مثلاً يدعي أن دور التفسير التحليلي انتهى والآن جاء دور التفسير الموضوعي يعني بعبارات فيها شيء من الغرابة
      د.عبدالرحمن الشهري : صحيح
      د.مساعد الطيار : لكن نقول
      د.عبدالرحمن الشهري : مبالغة
      د.مساعد الطيار :لكن نقول الاعتدال والتوازن هو الأمر المطلوب
      د.محمد الخضيري :حول موضوع الحقوق الحقيقة أنا لاحظت في السورة إذا قلنا أن موضوعها هو الحقوق أو حقوق الضعفاء الأمر بالتقوى فيها تكرر كثيرًا والعجيب أنه كلما ذكرت هذه الحقوق والعلاقات مع الناس وأداء هذه الحقوق بشكل يتقي فيه العبد ربه ويراقبه فيه أولاً قبل أن يراقب المخلوقين والأنظمة واللوائح التي يضعها الناس لتنظيم أحوالهم ،نحن نلاحظ هذه السورة افتتحت بالتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) لما جاء في موضوع يعني أداء حق المرأة عندما يكون الرجل قد يسمونه عند العامة طمح عنها، وإلا نشز عنها يعني ماعاد صار له رغبة فيها قال (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا)
      ننتهي من هذا، بعدها تأتي آية الأمر بالتقوى في القرآن في قول الله - (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) أنا أعرف المشايخ الآن نزل المطر ماشاء الله
      د.عبدالرحمن الشهري :الحمد لله، المطر
      د.محمد الخضيري :نسأل الله أن يجعله خيرًا وإن كان فيه شيء من الحقيقة الضررعلى برنامجنا لكن نحن نقول يجعل الله فيه الخير للمسلمين، اللهم اجعله صيبًا نافعًا وبارك لنا في هذا البرنامج واجعله من البرامج المباركة
      د.عبدالرحمن الشهري :اللهم آمين
      د.محمد الخضيري :النافعة لعباده فأقول يعني الحقيقة هذه السورة أبرزت مع الحقوق قضية التقوى ونحن نقول يجب علينا عندما نتكلم عن الحقوق دائمًا مع الناس أن نبرز قضية التقوى
      د.مساعد الطيار : صحيح
      د.محمد الخضيري :لأنه لايمكن أن يستجيب الناس لها ولا أن يستقيموا على العمل بها ولا أن يقوموا بها في كل مكان تصور مع النساء بالله عليك أنت الملك وأنت القادر على أن تظلم أو تعدل أو تتفضل من الذي يجبرك على ترك هذا أو عمل هذا إلا إذا عمر قلبك بالتقوى؟! ولذلك من أول السورة إعلان (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا) إذن اتقوا فيه شيء عظيم جدًا يستحق أن يقال (اتَّقُوا) وهو أن هناك حقوق وحقوق لإناس ضعفاء يملكك الله أمرهم
      د.مساعد الطيار : ولهذا مصداق لقولك لو ذهبت إلى المحكمة ونظرت لإحدى يعني إهدار هذا الحقوق من بعض الناس يعني الزوج يظلم زوجته، والإنسان يأخذ مال غيره ولا يرده، و إنسان يفعل
      د.محمد الخضيري :أموال يتامى
      د.مساعد الطيار : أموال يتامى كلها راجعة إلى عدم التقوى
      د.محمد الخضيري :صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري :نعم
      د.مساعد الطيار : ولو كانت التقوى موجودة لزال كثير من هذه القضايا
      د.محمد الخضيري :العجيب اقتران التقوى بآيات الطلاق والخصومات الزوجية
      د.عبدالرحمن الشهري :كثيرًا
      د.محمد الخضيري :متصل في القرآن
      د.مساعد الطيار : صحيح
      د.محمد الخضيري :في البقرة ، في سورة النساء ، في سورة الطلاق
      د.مساعد الطيار : في الطلاق
      د.محمد الخضيري : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا)
      د.مساعد الطيار : يعني أربع مرات أو خمس مرات
      د.محمد الخضيري: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ) كلها سبحان الله تأتي في هذا الميدان لأنه ميدان نزاع وخصومة والتقوى تخف فيه.
      د.عبدالرحمن الشهري :يعني لايمكن أن تفرض على رجل أنه يعدل مع زوجته، أو يعدل مع اليتيمة التي هي موليته إذا لم يكن هو من نفسه يعني يجد وازعًا من دينه وخوفه من الله
      د.محمد الخضيري :صحيح، نعم .
      د.عبدالرحمن الشهري : نعم
      د.مساعد الطيار : أيضًا من القضايا المهمة طبعًا في قضية السورة سبقت وأن أشرنا فقط إلى جزء منها وهي قضية موضوعات السورة. قبل قليل قلنا أن التوازن مطلوب في التعاطي مع المعلومات نحن بحاجة في نظري إلى النظر في موضوعات كل سورة قبل الدخول في تفسيرها وأيضًا حتى قبل قراءتها أو قبل حتى حفظها بحيث أنه يكون عندك تصور لموضوعات السورة، والكلام عن موضوعات السورة نقول أن هناك موضوعات تفصيلية، وهناك موضوعات عامة ونحن نريد الموضوعات العامة بمعنى أن هذه المجموعة من الآيات تتحدث عن كذا، هذه المجموعة من الآيات تتحدث عن كذا، هذه المجموعة من الآيات تتحدث عن كذا، بهذا الشكل هذا المقصود من موضوعات السورة، ولو أن قارئ القرآن وضع في مصحفه الخاص مثلاً على حاشية المصحف مثلاًبداية السورة مثلاً الأمر بالتقوى، قد تعطي إنسان آخر تقول ما موضوع الآية ؟ يقول لك موضوع الآية خلق آدم أو خلق البشر، لماذا؟ لأنه نظر إلى
      د.عبدالرحمن الشهري : (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)
      د.مساعد الطيار : وقد يأتي واحد آخر ويضع موضوعًا آخر، لكن المقصود وإن تعددت نظراتنا إلى الموضوعات إلا أنه يقال النظر الخاص لكل واحد منا وهو يقرأ هذه السورة وعنده تصور خارقي لهذه الموضوعات التي تتحدث عنها السورة فإننا نعتبر أنه شيء جيد، وقد جربت أحيانًا في بعض الدروس في أننا نتأمل السورة ونحاول نستخرج منها المقاطع يعني هذا المقطع ينتهي أين أين ينتهي وأذكر أني كنت أستفيد من المصحف الباكستاني المصحف الباكستاني فيه ميزة
      د.محمد الخضيري :الركوعات
      د.مساعد الطيار : هي الركوعات يكتبون عليها عين والآن المصحف الكويتي الذي صدر قريبًا
      د.محمد الخضيري :نعم يراعي
      د.مساعد الطيار : استفادوا من هذه الركوعات ووضعوها وأنا الحقيقة أدعو أن يستفاد من هذه الركوعات لأنها في الغالب تكون في موقف تام فتمثل وحد متكاملة وقد يكون ضمن هذه الوحدة المتكاملة أكثر من موضوع فيمكن أن يلتفت إليها، وكما قلنا سابقًا في أحد برامج بينات لما تكلمنا عن فائدة هذا المصحف، وهذي العين أنها مفيدة للحفاظ من جهة فيقفوا على مواقف معينة، مفيدة لأئمة التراويح أن يقفوا على مواقف أيضًا تامة أو كافية، هذا أيضًا دعوة أن يكون هناك نوع من التدبر المتعلق بموضوعات السورة وبجمعها أقول أيضًا لو جمعت موضوعات السورة كلها ثم وضعت أمامك في لوح كبير ونظرت لموضوعات كل سورة فتستطيع أن تعرف ما هي الموضوعات الكلية التي ناقشها القرآن من خلال النظر الأولي لهذه الموضوعات .
      د.محمد الخضيري :أنا من خلال دعوتك هذه يا دكتور مساعد الحقيقة ألحظ أن كل سورة يكاد يكون هناك يعني عنوان كما أسلفنا في سورة النساء مثلاً هي سورة الحقوق حقوق الضعفاء أو نحو ذلك تلحظ هناك عنوان عام ثم داخل هذا العنوان العام عدد من الموضوعات مثل ما ذكر الدكتور مساعد قبل قليل هذه الموضوعات ممكن تجعلها موضوعات رئيسية أو غير رئيسية. أيضًا في ثنايا السورة تجد هناك موضوعات فرعية تتردد يمينًا ويسارًا في ثنايا هذه الموضوعات الرئيسة، ما الذي يمنع الباحث أو التالي للقرآن وهو يقرأ سورة النساء إذا مر التقوى قال التقوى مر مرة واحدة لما مر عليه مرة ثانية اثنين مر ثالثة ثلاثة أربعة، إذا تكررتبين له أن هذا الموضوع أشبه مايكون بالموضوعات الرئيسية للسورة، قدر بذلك ما هي الموضوعات الرئيسة في هذه السورة وما هي الموضوعات الفرعية في السورة ، هذه الموضوعات الفرعية لا تخلو من حالين: إما أن تكون موضوعًا يمُهد له في هذه السورة فهو فرعي ثم يُؤسس يعني يكون أساسيًا في السورة التالية
      د.عبدالرحمن الشهري :وهذا صحيح يليها
      د.محمد الخضيري :الشيء الثاني إما أن يبقى موضوعًا فرعيًا لايتكرر في القرآن مرة أخرى ماذا نستفيد من هذا ؟
      د.عبدالرحمن الشهري :أن هذا هو مكانه
      د.محمد الخضيري :هذا هو حجمه في الإسلام وهذا هو حجمه في القرآن.
      د.عبدالرحمن الشهري :نعم
      د.محمد الخضيري :إذن فنحن ينبغي لنا إذا تحدثنا عنه إذا دعونا إليه إذا أنكرنا على إنسان خالف فيه ننكر بهذا الحجم
      د.عبدالرحمن الشهري :بهذا القدر وبهذا الحجم
      د.محمد الخضيري : نعم. ولذلك مما يرد به على الشيعة في موضوع ركنية الولاية أو الإمامة، أين هي الآيات التي تدل على الإمامة في القرآن أهل السنة قالوا لهم :هذا الركن الركين الذي لايثبت إسلام إنسان عندكم إلابه أين هو في القرآن
      د.عبدالرحمن الشهري :ولايوجد أي
      د.محمد الخضيري :فإذا لم تأت آية واحدة للدلالة عليه إلابنوع من التأويل والتأويل المتعسر
      د.عبدالرحمن الشهري :والتحريف حتى
      د.محمد الخضيري :إي نعم، ولا توجد آية صريحة بل ولا سورة تدل على هذا المعنى دلنا ذلك على أن هذا لايمكن أن يكون ركنًا ولادالاً على إيمان مؤمن ولاكفران كافر
      د.مساعد الطيار : صحيح
      د.محمد الخضيري :فمن هنا نتوقع أننا نستفيد هذه الفائدة الجليلة من هذا التقسيم الموضوعي لما يرد في السورة
      د.مساعد الطيار : وأيضًا لو أن إنسان أيضًا من باب الفائدة لو أنه أراد التفصيل أكثر
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.مساعد الطيار : فإنه سيجد موضوعات كثيرة جدًا جدًا من الموضوعات الخفية أيضًا وسبق أن طرحنا في سورة آل عمران إشارة إلى بعض الموضوعات مثلاً
      د.محمد الخضيري :الثبات (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا)
      د.مساعد الطيار : كأنه أيضًا الدكتور عبد الرحمن أشار إلى مثلاًموضوع لطيف جدًا وهو قضية العلم بالنيات هذا الذي يتكلم بالقرآن يخبر عن نيات لايمكن أن يكون هذا من عند محمد كيف يعرف محمد كما يزعم المستشرقون أنه من عنده كيف يعرف خفايا هذه النفوس؟!
      د.محمد الخضيري :سبحان الله!
      د.مساعد الطيار : وكيف يقدر ما فيها وكيف يعرف ويقول (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) مايدريه عن همهما؟!
      د.محمد الخضيري :صحيح
      د.مساعد الطيار : فإذن أنا أقول حتى لو دخلنا إلى هذه التفاصيل فانظر كم من الذي سيأتيك في قضية الموضوعات
      د.عبدالرحمن الشهري :صحيح
      د.مساعد الطيار : شيء لايحصر يعني لايحصر
      د.عبدالرحمن الشهري :لعل هذا يفتح لنا الباب يا إخواني نتحدث عن موضوع ما تطرقنا إليه وهو علاقة سورة النساء بسورة آل عمران يعني ما المناسبة بين سورة النساء والسورة التي قبلها وهي سورة آل عمران؟ تذكرون أننا تحدثنا في سورة آل عمران حديثًا طويلاً عن النصارى وعن مجادلة أهل الكتاب وعن محاججتهم وكان حديث سورة آل عمران يدور حول هذا كثيرًا
      د.محمد الخضيري :قرابة مائة وعشرين آية في آخر السورة نزلت عليهم
      د.عبدالرحمن الشهري :كلها نقاش مع النصارى، أيضًا سورة النساء فيها نقاش وفيها محاججة لأهل الكتاب كثير
      د.محمد الخضيري: نعم
      د.عبدالرحمن الشهري : وهذه أيضًا من مزايا السور التي نزلت في المدينة لأن النبي احتك باليهود كثيرًا في المدينة ، وكان هناك نقاش وهناك جدال، أيضًا هناك وفود من النصارى زاروا النبي وسألوا أسئلة وأوردوا إيرادات، والصحابة كانوا يحضرون مثل هذه اللقاءات، فكانت تأتي هذه السور تجيب عن هذه الشبهات، ونحن اليوم بالمناسبة ويعني أقول هذا للإخوة المشاهدين في أمس الحاجة حتى على مستوى المسلم العادي أن يتعلم عندما يقرأ الشبهات حول القرآن الكريم، يعني أنت الآن يادكتور مساعد الآن تقول إن المستشرقين يقولون إن القرآن الكريم من عند محمد
      د.محمد الخضيري :أعوذ بالله
      د.عبدالرحمن الشهري :أنا أقول يا دكتور محمد هذه الشبهة يكاد يجمع عليها كل المستشرقون و الطاعنون في القرآن ويقولون إن القرآن الكريم ليس من عند الله يعني مصدرية القرآن وإنما هو من عند محمد وهذا قرآن محمد
      د.محمد الخضيري :عجيب
      د.عبدالرحمن الشهري :في حين أن التأمل في آيات القرآن الكريم لاتجد فيها شخصية محمد
      د.مساعد الطيار :صدقت
      د.عبدالرحمن الشهري :أبدًا شخصية النبي تجدها تظهر في الحديث النبوي
      د.محمد الخضيري :صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري :واضحة أليس كذلك؟
      د.محمد الخضيري :بلى
      د.مساعد الطيار :نعم
      د.عبدالرحمن الشهري :تجدها واضحة في الأحاديث النبوية تجد فيها غضب أحياناً تجد فيها عطف تجد فيها شفقة
      د.مساعد الطيار :إخبار عن أحواله أما هنا ليس هناك إخبار
      د.عبدالرحمن الشهري :أما في القرآن الكريم فهو مختلف تمامًا عن الحديث النبوي. وبالمناسبة أنا أذكر كتاب ثمين جدًا, ونادر حتى في كتب التراث الإسلامي موازنة بين أسلوب القرآن وأسلوب النبي في الحديث
      د.محمد الخضيري :عجيب
      د.عبدالرحمن الشهري :كتبه الدكتور إبراهيم عوض وهذا الحقيقة مع أنه من الموضوعات المهمة كان المفترض أنها تكتب من قديم
      د.مساعد الطيار :صحيح
      د.عبدالرحمن الشهري :هناك موازنة بين القرآن الكريم نسيج وحده مختلف أسلوبه، لغته، لاتستطيع أن تستشف من وراء آيات القرآن الكريم شخصية بشرية أبدًا
      د.مساعد الطيار :هذا صحيح
      د.محمد الخضيري :سبحان الله
      د.مساعد الطيار :أبدًا، وهذا أحد الردود على المستشرقين
      د.عبدالرحمن الشهري :نعم ،إنما تستشف أن وراءه شخصية إله
      د.محمد الخضيري :لا شك
      د.عبدالرحمن الشهري : نعم إله قادر، عظيم، يعلم السر، يعلم الغيب ، ويعلم كما تفضلت خفايا النفوس ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، هذا محمد -يعرف هذا، أنا أقول هذ من أوجه المناسبة بين سورة النساء وسورة آل عمران حديثها عن أهل الكتاب ومحاجة أهل الكتاب، هل هناك مناسبات أخرى
      د.مساعد الطيار :وهناك مناسبات لفظية، آخر آية
      د.محمد الخضيري :نعم
      د.عبدالرحمن الشهري : وهي (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ)
      د.مساعد الطيار :لالا
      د.محمد الخضيري :لا، (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ)
      د.مساعد الطيار : (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
      د.عبدالرحمن الشهري : جميل ، ثم هنا قال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ)
      د.مساعد الطيار :نعم ،انتقل من التقوى الخاصة إلى التقوى العامة التقوى الخاصة بالمؤمنين في آل عمران
      د.عبدالرحمن الشهري : جميل
      د.مساعد الطيار :والتقوى العامة للناس في سورة النساء
      د.محمد الخضيري :أيضًا الحديث في الجهاد في سورة آل عمران حديث ظاهر جدًا
      د.مساعد الطيار :جدًا، نعم
      د.محمد الخضيري :وهنا أيضًا (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ ) (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ)....... إلخ. أيضًا في سورة آل عمران آيات التوحيد
      د.عبدالرحمن الشهري : نعم
      د.مساعد الطيار :والتوحيد أيضًا ظاهر في هذه السورة كما هو ظاهر في سورة آل عمران ،وإن كان في سورة آل عمران أظهر ،وأكثر
      د.مساعد الطيار :الإشارة إلى المنافقين أيضًا في آل عمران
      د.محمد الخضيري :نعم الإشارة إلى المنافقين في آل عمران واضحة جدًا
      د.مساعد الطيار :وتفصيل في النساء
      د.محمد الخضيري: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا)
      د.عبدالرحمن الشهري: غزوة أحد
      د.محمد الخضيري: نعم، بالمناسبة آيات غزوة أحد المذكورة في سورة آل عمران جاءت تتمتها في سورة النساء (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ) يقال إن هذا كان في غزوة أحد.
      د.عبدالرحمن الشهري: جميل جدًا يعني هذه أوجه، أتصور المتأمل في السورة يجد أوجه ارتباط أكثر بين سورة النساء وبين سورة آل عمران مناسبات لفظية كما تفضلت ومناسبات أيضًا
      د.مساعد الطيار :معنوية، نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: نعم، وأنا أذكرالحقيقة كتاب قيم -قبل أن أنساه- تحدث حديث رائع عن سورة النساء بالذات مع أنه موضوعه ليس سورة النساء فقط وهو كتاب لصديقنا الأستاذ الدكتور عماد زهير حافظ له كتاب بعنوان (منهج القرآن الكريم في رعاية ضعفاء المجتمع) فتحدث عن حقوق المرأة، وتحدث عن الأيتام وتحدث عن حقوق الميراث، وكيف أن الله في سورة النساء تولى قسمة التركة كاملة. وفعلاً لعلنا إن شاء الله عندما نتحدث عن آيات المواريث سنبرز هذا الجانب بإذن الله
      د.محمد الخضيري: إن شاء الله
      د.عبدالرحمن الشهري: وهي فعلاً تؤكد معنى أنها سورة الحقوق كأنها تعطي كل ذي حقٍ حقه على أكمل وجه. لعلنا يعني نكتفي بها الحديث في هذا اللقاء الأول في حديثنا عن سورة النساء والذي سجلناه في هذا المكان الجميل في مدينة تنومة وقد تخللها مطر أمطر علينا فنعتذر
      د.محمد الخضيري :لكن حتى إعداد الإستديو بهذا الشكل الذي يراه إخواننا المشاهدين
      د.عبدالرحمن الشهري: كان متعبًا
      د.محمد الخضيري :كان متعبًا، الآن لنا خمس ساعات ننتظر حتى نسجل هذه الحلقة
      د.عبدالرحمن الشهري: فنرجوا، نحن نلتمس العذر
      د.محمد الخضيري: نعم
      د.عبدالرحمن الشهري: من التقصير ولعلنا إن شاء الله نلقاكم أيها الأخوة المشاهدون في لقاء قادم يعني أشكر الزملاء الدكتور محمد الخضيري والدكتور مساعد الطيار على ماتفضلا به في هذا اللقاء ونلقاكم بإذن الله تعالى
      د.محمد الخضيري :لاتنسى إخواننا المصورين
      د.عبدالرحمن الشهري : أشكر إخواننا المخرج والأخوة الزملاء المصورين في هذا اللقاء وأصحاب الإستراحة الإخوان آل سليمان أسأل الله أن يجمعنا وإياكم والإخوة على خير نلقاكم بإذن الله على خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
      بُثّت الحلقة بتاريخ 1 رمضان 1431 هـ الموافق 11/8/2010م
      سمر الأرناؤوط
      المشرفة على موقع إسلاميات
      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

    • #2
      الحلقة الثانية رمضان 1431 هـ
      تأملات في سورة النساء
      د. الشهري : بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلّم وبارك على سيّدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيّها الأخوة المشاهدون الكِرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ومرحبًا بكم في هذا المجلس القرآني اليومي "بيّنات" والذي يأتيكم في هذا الشهر المبارك، وحديثنا لايزال مستمرًا حول سورة النّساء. وقد كنّا في الحلقة الماضية تحدّثنا مع المشايخ الفضلاء، الدكتور: محمد بن عبدالعزيز الخضيري الأستاذ المساعد بكلية المعلمين في جامعة الملك سعود، وأخي فضيلة الشيخ الدكتور: مساعد بن سليمان الطيّار الأستاذ المشارك بجامعة الملك سعود. تحدّثنا حول سورة النّساء، وتحدّثنا عن نزولها في المدينة، وتحدّثنا عن موضوعها، وتحدّثنا عن تسميتها بسورة النّساء، وسبب تسميتها بهذا الاسم. ولعلنا في هذا اللقاء الثّاني أن نبدأ في الحديث عن بيان معاني هذه السّورة من أوّلها، ونتوّقف عند بعض الفوائد والاستنباطات من هذه الآيات العظيمة، وقبل أن نبدأ في الحديث عن هذه الآيات، لعلنا نستمع إلى الآيات الثلاث الأُول من هذه السّورة ثم نواصل الحديث بعد ذلك.
      قراءة للشيخ: محمد صِدّيق المنشاوي تعالى رحمةً واسعة. من الآية: "1-3" من سورة النّساء.
      (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴿٣﴾)
      وبعد استماعنا أيُّها الإخوة لهذه الآيات العظيمة من هذه السُّورة، لعلنا نبدأ في الحديث معكم يا شيخ محمد حول دِلالة هذا النداء في أول سُورة النِّساء (يا أيُّها النّاس اتقوا ربّكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ) ما هي يا تُرى دِلالة هذا النّداء والعموم الواسع الذي فيه؟.
      د. الخضيري: طبعاً نحن قررنا في الحلقة الماضية أنّ هذه السورة " سورة الحقوق"، وهذه الحقوق عامة وليست خاصّة وافتُتحت بحق الله الذي هو عبادة الله عزّ وجل وتقواه. وهذا النّداء يناسبه العُموم" يا أيّها النّاس" كما في سورة البقرة في أول نداء فيها عندما قال (يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) فهنا الحقيقة لمّا ذكرنا في الجلسة الماضية، وفي الحلقة الأولى من حلقات هذه السّورة "المناسبات بين السُّورتين"، كان ينبغي أن نشير إلى المناسبة بين سورة النّساء وآل عمران من هذه الزاوية، ففي سورة آل عمران "هي سورة التوحيد" فهي في حق الله عزّ وجل الخالص، وفي هذه السّورة ذُكر فيها الحُقوق عامّة، ورُكِّزَ فيها على حقوق من يَحتاج إلى التركيز على حقّه من الضُّعفاء والمساكين والأيتام وغيرهم، وأيضاً من الوَرثة وبيان حُقوقهم مُفصّلة، فكأنّها جارية على قاعدة القرآن عندما يُذكر حق الله يُذكر حق المخلوق. كذلك حتى في أركان الإسلام لمّا ذُكرت الصّلاة يُذكر بعدها إيتاء الزّكاة حقُّ الله وحقُّ العبد، لأنّ الإسلام بُني على أنّ كماله وتمامه أن يؤدّي العبد الحقَّ كاملًا في زاويتين، الزّواية المتصلّة بالرّب وبها يُبدأ، والزّاوية المتصلّة بالعبد، وبهذا يُعطى كُلَّ ذي حق حقّه. ولذلك نحن نقول وليحذر كل مسلم من أن ينصرف إلى أداء حق الله مثلاً الخاص به جلّ وعلا من توحيده وعبادته والصّلاة له وذكره ويُهمل حقّ من ولاّه الله أمرهم من زوجة، أمٍّ، أبٍّ، ابن، جارٍ إلى آخره فإنَّ هذا خَلل كبير جدّاً في تدّين المسلم لربّه جلّ وعلا.
      د. الشهري: إذاً هذا يعني سبب إضافة هذا النداء العام في أول سورة النّساء، هل لديك إضافة دكتور مساعد في هذه النقطة بالذات؟.
      د. الطيّار: فقط التركيز طبعاً على جانب، وهو ذكر الربوبية مع لفظ النّاس في هذه الآية ، وكذلك في بداية سورة البقرة: (يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم)، ونلاحظ أنّه لمّا كان الحديث عن النّاس جميعًا جاء الوصف بالربوبية، وإذا كان الحديث عن المؤمنين يجيء وصف الألوهية، قد يجيء بلفظ الربوبية ولكن يكثر ذِكر الألوهية، للدِّلالة على أنّ المؤمينن اختصُّوا بعبادة الله وهي العبادة الحقّة فحُقَّ لهم أن يُنادَوا باسم الألوهية، فإذاً إذا جاء الاسم العام بلفظ النّاس ناسبه الربوبية، وإذا جاء الوصف الخاص بالمؤمنين ناسبه الألوهية، وهذا يكاد يكون مضطّرداً في القرآن، وهو يدخل كما تُلاحظ في ما يُسمّى بـ "براعة الاستهلال" قال (يا أيها النّاس اتقوا ربّكم)، مثل ما ذكر أخونا محمد الخضيري أن تحدّث عن جملة من الحقوق كحق الرّب في تقواه.
      وبراعة الاستهلال في السور وموضوع بدايات فواتح السّور، من المواطن التي يحسن تدبّرها، ولهذا أيضا لو أنّ القارئ للقرآن وضع لنفسه جلسات تدَّبُرية خاصّة للنّظر بفواتح السّور، وكذلك خواتم السّور فإنّه سيجد ما يُسمّى بردّ العجز على الصّدر من جهة عود الخواتم على البدايات. وكذلك سيجد في البدايات الإشارة إلى الموضوع الذي تتكلّم عنه السّورة، من حيث الإجمال. فإذا قال إنّ عندنا عددًا من السّور تكرّر فيها المطلع مثل (الحمد لله) ورد في خمس سور، فنقول انظر لما بعدها ستجد الإشارة إلى الموضوع. أو أحيانًا تكلّم عن الكتاب مثل (آلر تلك آيات الكتاب الحكيم) في سورة يونس، (آلر. كتاب أحكمت آياته ثمّ فُصّلت من لدن حكيم خبير) في سورة هود، (آلر. تلك آيات الكتاب المبين) في سورة يوسف. كذلك (طسم. تلك آيات الكتاب المبين) في سورة الشّعراء، فلمّا يتأمّل المقدمات، سيجد أنّها مع أنّها تكلّمت عن القرآن إلا أنّ كُلَّ سورة اختصّت بحالٍ من أحوال القرآن أو صفة من صفاته
      د. الشهري: يعني تقصد وكيف نربط بين هذا الاستهلال بهذه الصّفة وبين موضوع السورة
      د. الطيّار: نعم، لا شك.
      د. الشّهري: يعني هذا براعة الاستهلال المقصود به كيف يستهِّل المتكلم كلامه بإشارة خَفيّة يفهمها الذّكي على موضوعه الذي سوف يتحدّث عنه.
      د. الخضيري: وهذا من البلاغة.
      د. الشّهري: لا شك أنّ هذا من أوجه البلاغة التي يعتبرها العرب.
      د. الطيّار: لو تكرّمتم أبو عبد الله
      د. الشّهري: تفضّل.
      د. الطيّار: هنا قاعدة مهمّة جدّا فيما يتعلق بهذه الموضوعات، بعض النّاس يقول كيف تُنزِّلون كلام الله على كلام البشر، نقول هنا يجب أن ننتبه أن الله سبحانه تعالى قال: "إنّا أنزلنه قرآناً عربيّاً".فإذاً هو على سنن العرب
      فننظر للعرب بما كانت تعتني، فنجد أنّ لغة القرآن قد بلغت الذروة في هذا فمنها براعة الاستهلال، يعني براعة الاستهلال في الشِّعر هي التي تجلبك لسماع بقية القصيدة، فإذا كانت بداية القصيدة بداية باهتة أو بداية صريحة قد أيضاً لا تشّدك، لكن حينما تكون البداية بداية استهلالية رائعة جداً مثل : قفا نبكِ، فهذه تشُّد القارئ إلى أن يستمع إلى هذه القصيدة و أن ينظر إلى ما فيها.
      د. الشهّري: كنت أظن الحقيقة يا إخواني، أنَّ الذي يعتني بمثل هذه التفاصيل، يعني الآن عندما تقول أنت الآن والله سورة النّساء سورة جاءت لكي تُرسي مبادئ وحقوق الإنسان وحقوق الضعفاء، وتُعطي كلَّ ذي حق حقّه، فجاءت من أجل ذلك مُقدّمتها على هذا النَّمط "يا أيَّها النّاس اتقوا ربّكم الذِّي خلقكم من نفس واحدة" يعني الآن عندما يأمرك بأداء الحقوق، يذِّكرك في البداية أنّكم كلكم من نفس واحدة يعني أنت الآن، وهذه اليتيمة، وهذا المظلوم وهذا الظّالم، كلكم أصلكم واحد يعني تذكير حقيقة، حتى الكافر " الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ....وإلى آخره" ، كنت أظن أنّ الذي يعتني بمثل هذه التفاصيل البلاغية في البداية هم العرب فقط، ثمّ وجدت حتى في الآداب الأجنبية: في الفرنسية، في الألمانية يعتنون بهذا عناية شديدة، بل حتى في الدساتير يا إخواني الآن، عندما يأتي الإعلام العالمي لحقوق الإنسان فيبدأ بمقدِّمة، فيأتي شُرَّاح القوانين ويقولون: وانظر قد بُدئ هذا القانون بهذا النص قصداً لكي يكون دالاً على المضمون بشكل كذا وكذا وكذا. فأقول سبحان الله العظيم القرآن الكريم قد جاء على أوفى وأكمل ما يكون من هذه القوانين ، فجاء في مُستهل هذه السُّورة التي جاءت لإرساء حقوق الإنسان وحقوق الضُّعفاء بهذه البداية التي تكلمتم عنها وهي فعلاً مقدّمة بليغة وفيها براعة الاستهلال واضحة جدّاً جدّاً.
      د. الخضيري: أيضاً نضيف إلى هذا إلى أن نذّكر إخواننا المشاهدين، بأنّ الانتباه كما ذكر الدكتور مساعد قبل قليل أن الانتباه إلى مطلع السّورة،
      د. الشهري: قد يكون مطلع السورة حرف
      د. الخضيري: أنّه مهم جدًا في معرفة موضوعها، ومضمونها، ومقصودها. فلينتبه كلُّ واحد منّا إلى هذا المطلع في معرفة ذلك المقصود.
      د. الشّهري: فكرة جميلة جدّاً ، لو أحد يركزّ عليها الواحد في رمضان مثلًا.
      د. الخضيري: نعم، مثال ذلك هذه السورة الآن: سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) هي سورة العقود حقيقة، مثال آخر في سورة آل عمران: (آلم. الله لا إله إلا هو الحيّ القيّوم * نزَّل عليك الكتاب). العادة أنّ الحروف المقطعة يأتي بعدها ذكر الكتاب مباشرة، في هذه السّورة فُصل بذكر التوحيد، ممّا يدل على أنّ التوحيد مقصودٌ في هذه السّورة، وهو أعظم مقاصد هذه السورة، فنقول للنِّاس انتبهوا لهذا وركِّزُّوا عليه.
      وأمّا ما ذكره الدكتور مساعد قبل قليل من قضية ردِّ العجز على الصَّدر، وأنّه من الأساليب البلاغية المعروفة المشهورة عند العرب، فهو لا تكاد سورة تخلو منه فخاتمة كل سورة تجدها مؤيدة لمقدمتها، بل خاتمة سُور القرآن هي في الحقيقةِ لون من ألوان ردِّ العجز على الصَّدر من جهة أنّها أكّدت ما ذُكرَ في السّور الأولى من القرآن. فمثلاً : انظر إلى سورة الفاتحة وسورة النّاس ، سورة الفاتحة ذُكرت فيها ثلاثة أسماء لله عزّ وجل: الله، والرّب، والملك. كذلك في سورة النّاس: (قل أعوذ برب النّاس. ملك النّاس. إله النّاس). نفس البداية ، سورة الفلق: ذكر فيها الحسد والسّحر وما يتصّل بها، وهي مذكورة في سورة البقرة، سورة الصّمد هي في التوحيد، وسورة آل عمران هي في التوحيد. وهكذا رُدّت السور السبع الطوال الموجودة في أول القرآن، رُدَّ العجز عليها، في آخر سور القرآن السَّبع القصيرة التي خُتِم بها كتاب الله عزّ وجل.
      د. الشّهري: أنا أظن أنّ فيه تأليف لأحد العلماء، نسيت حقيقة، أنا أحاول أتذكر اسمه، لكن عنوانه: "الدُّرر اللوامح في أسرار الفواتح". تحدّث فيها عن أسرار فواتح السّور، لا أدري هل هو من كتب السيوطي المفقودة، أو من كتب غيره، لكن أتوقع أنَّ مثل هذا المعنى الذي أشار إليه الدكتور مساعد وأشرتم إليه دكتور محمد، معنىً لم يكن غائباً عن العلماء السّابقين، وكانوا فعلاً يلتمسون في مطالع السُّور وفي أوائلها دِلالات من هذا النوُّع، وهي الحقيقة باب من أبواب الاجتهاد والاستنباط والتَّدبر وإعمال الذِّهن في آيات القرآن الكريم وفهمها.
      د. الخضيري: طيب، من تمام براعة الاستهلال في هذه الآية حقيقة، كيف أنّه يُذّكر- مثل ما ذكرتم دكتور عبدالرحمن قبل قليل- خَلقِنا من نفسٍ واحدة، لبيان أنَّ لبعضنا على بعضٍ حقّاً، إذا كُنَّا نحن الآن خرجنا من أبٍّ واحد، إذاً بعضنا له على بعض حق، كحق القرابة، والأصل الواحد، ولذلك نحن يجب علينا أن نُراعي هذا في حق الضعيف ، والمرأة ، والمسكين وغيرهم.
      قال تعالى: " وخلق منها زوجها" أيضاً هذه المرأة التي يُراد أن يُتحنَّنّ عليها، وتُرحم ويُرفق بها، تراها خُلقت منك، يعني هي بعضٌ منك. فأنت إن ظلمت ظلمت بعضك، وإن قطعت قطعت بعضك.
      د. الشهري : ولعله قال : ولا تقتلوا أنفسكم. لهذا المعنى
      د. الخضيري: سبحان الله. قال : "وخلق منها زوجها ثم قال" وبث منهما". أذكر أنّ لك لفتة في هذا الموضوع.
      د. الشّهري: طبعا في هذه الآية: قال : " وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامَ. تذكرون هذه الآية فيها خلاف نحوي مشهور، وهو أنَّ حمزة وهو أحد القرّاء السبعة قرأ : واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ إنّ الله كان عليكم رقيباً.
      د. الخضيري: عطف الاسم الظّاهر على الضمير.
      د. الشّهري: نعم، فالنَّحويون عندما قرأ والأرحامِ بالكسر، قالوا أخطأت، أخطأت يا حمزة بقراءتك هذا الحرف بالكسر، ووجه الخطأ عندهم أنّه عطف الاسم الظّاهر على الاسم المضمر، يعني عطف الأرحام وهو إسم ظاهر، على الضّمير في قوله (به). واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ.
      د. الخضيري: وبالأرحامِ.
      د. الشِّهري: نعم. قراءة الجمهور: واتّــقوا الله الذي تساءلون به والأرحامَ. فالمفسرون يقولون: والأرحامَ أن تقطعوها يعني: اتقوا الأرحام أن تقطعوها.
      طيب، ما مناسبة النّهي عن قطيعة الرَّحم في هذه الآية؟ المناسبة كما ذَكرها أحد الطُّلاب وأنا أشيد به، وهو أحد طلابي في مرحلة الماجستير وهو الأخ: عبدالله بن سعود الحربي،كنت أعطي الطلاّب فكرة، كنت أدّرسهم مادة أحكام القرآن، فقلت لهم يا إخواني لا نريد أن نكرر الكلام، ونريد أن نأتي بشيء مفيد جديد في تدريس آيات الأحكام، فكنت أقسِّم على الطلاّب القرآن الكريم بحيث كل واحد منهم يأخذ جزء منه، ويستنبط منه فوائد. لأنَّ المقصود بآيات الأحكام هو استبناط الآحكام منها، فكان من نصيب الأخ عبدالله أول سورة النّساء إلى آيات محددّة، فربط بين النَّهي عن قطيعة الرحم وبين دلالة بثّ في الآية نفسها، وقال إن ّ قال: وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء. وكلمة "بثّ" فيها دلالة على الانتشار، وانتشار بني آدم، وذرّية بني آدم في الأرض مظنّة قطيعة الرّحم، حتى اليوم، إذا ذهب أحدهم إلى الرياض مثلاً ، والآخر إلى كندا، والآخر إلى أوروبا وهم أبناء رجل واحد، فإنّه لبعد المسافات وانشغالهم، فهذا مظنة قطيعة الرحم، فجاء الأمر في نفس الآية: بصلة الرّحم فقال: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام " أن تقطعوها، " إن الله كان عليكم رقيبا" ،فأنا وجدت الحقيقة مناسبة جميلة جدا بديعة لم أجد من نبّه إليها، وهي الصّلة: لماذا جاء الأمر بصلة الرّحم في الآية: وهي لمناسبة قوله" "وبثَّ منها رجالاً كثيراً ونساء" .
      د. الطيّار: أيضًا من الفوائد المهمة جداً، لما قال:" الذي خلقكم من نفس واحدة" وهي مبدأ السواسية، والرسول قد أكّد هذا المعنى: كُلُكم لآدم، وآدم من تراب. وقال: لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
      فهذا مبدأ كأنّ الآية تشير إليها، وبناء على هذا فالحقوق التي بينكم أنتم فيها أيضاً سواء، لا يتمايز في هذه الحقوق واحد عن آخر بسبب نسب أو حسب، فالحقوق كُلّها تُنزَّل على هؤلاء جميعاً بدرجة واحدة، ليس هناك تفاضل أبداً في هذه الحقوق ، وفي الحقوق المالية بالذات الفقير، والغني، والحسيب وغير الحسيب، والشرّيف والوضيع. كلهم سواسية في هذا الحكم وأنا أذكر من اللطائف ما يتعلق بقضية السواسية، أنّ العقل أحيانًا يَتصوَّر إدراكاً معيّناً، ولكنّه لا يكون هو الصّواب لأنّ لله حكم غائية قد تكون غائية عن هؤلاء الأشخاص، وأنا سأذكر حادثتين للحِكم الغائية.
      الحادثة الأولى: إن لم أكن أهِم سمعتها من الدكتور محمد، وهو أنَّ الشَّيخ بن سعدي تعالى و كان قاضياً يقضي، ليس هناك محكمة، وإنّما يقضي في بيته ويأتي النّاس يتخاصمون، فجاء اثنان من البادية ومعهم طفل صغير، في قماش، وكان لهم أب وهم يرعون ماشيته، هم الذين يُشرفون على مال أبيهم بعد أن كَبِروا، وزوّجوا أباهم عن كِبر، وجاء بهذا الولد، ولمّا جاء أمر هذه التركة سمعوا هم أنّ حق هذا الطّفل الرضيع مثل حقّهم سواء، فالعقل البشري ما أدرك الحكمة الغائية، ونظر إلى قضية أنا تعبان أين حقّي، فجاءوا للشيخ ابن سعدي يسألونه هل بالفعل هذا حكم الله، وقصّوا عليه القصّة، فهل بالفعل حقّه مثل حقنا ونحن تعبنا وفعلنا وفعلنا قال: نعم، وذكر لهم الآيات ، فقالوا : رضينا بحكم الله ورجعوا. فإذا هذه حكمة غائية، أنت لا تُدركها الآن، ولهذا دائماً نقول إذا نحن حكّمنا العقل دون الشّرع ولم نجعل العقل تبعاً للشرع فثق ثقة تامّة أنّه سيقع أخطاء كثيرة جدّاً.
      د. الشهري: أنت ترى أنّها مخالفة للعقل والحكمة الإلهية ترى غير ذلك.
      د. الخضيري: انظر إلى هذا، وتأكيده في قول الله " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيّاً أو فقيراً فالله أولى بهما" . لا تشهد للفقير لأجل فقره، تقول والله لأنّه فقير سأشهد له ولو كان جائراً، أو لن أشهد عليه أخشى أن أزيد مشكلته مشكلة، لا، يعني مبدأ السَّواسية الذي ذكره الدكتور في أن يُعامل النّاس بالفعل، حقوقهم تثبت سواء كانوا أغنياء أو فقراء، صغار أو كبار، ذكور أو إناث، مبدأ يُؤخذ من قوله تعالى: "من نفس واحدة ".
      د. الشِّهري: تلاحظون يا إخواني في أوّل آية، الحقيقة أول آية من سورة النّساء مليئة بالمعاني، لاحظوا في ختام هذه الآية، يعني الآية مليئة بالحقوق والحديث عن الحقوق، والواجبات وكثير منها حقوق تتعلق بتعاملك مع الآخرين، فقال: " إنّ الله كان عليكم رقيبا" يعني أشار الله إلى مراقبة الله لك في جميع أعمالك.
      د. الخضيري: كأنّه يؤكد معنى التقوى التي مرّت مرتين في الآية. عجيب سبحان الله
      د. الطيّار: وهذا يدخل في رد عجز الآية على صدرها .
      د. الشّهري: يعني أنت تنظر لها من جهة عندما تأمر بالتقوى، فهو استحضار لمراقبة الله ، لكنّ الله يؤكد هذا، ولا يتركها لك حتى تستنبطه، وإنّما يؤكده لك ويقول: إنّ الله كان عليكم رقيباً.فكان ماذا؟ فسيحاسبكم، فانتبه، لازم الخبر، فما دام أنّ الله رقيب فانتبه لنفسك، فما دام الله رقيب فمعناه أنّ الله سيحاسبك، فكل ما سوف يأتي فإنّ الله قد أمرك به، وفي عدم وفائك به فأنت مُعرَّض للحساب. ولذلك العجيب، الحقيقة أنّها فعلاً لفتة عظيمة، ولفتة الدكتور مساعد في قضية العناية بالآية الأولى في السّورة وعلاقتها ببقية السّورة، لفتة ممتازة جدا وهي بارزة واضحة.
      د. الطيّار: في قضية لما قال: " وخلق منها زوجها".
      د. الخضيري: طبعاً النبي صلى الله عليه وسلّم أثبت هذا وهو ما يُصَّدق هذه الآية ووممّا تُفسَّر السّنة به القرآن: إنّ المرأة خُلقت من ضلع- أي من ضلع آدم- وإنّ أعوج ما في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها، وإن استمتعت بها استمتعت بها على عِوج.
      د. الشهري: المقصود بالضلع.
      د. الخضيري: طبعاً أضلاع الصدَّر.أيضا يدل على الانحناء والدَّلالة على الميلان، أيضاً الانضمام إلى الأصل وهو ميلانها إلى الرّجل، دائما هي تحوم حوله، وتكون رغبتها فيه، لذلك يقال النّساء ما خلون إلا تحدّثن في الرِّجال، أمّا الرِّجال فقد يتحدّثون في الأرض، والزّرع، والضّرع وغيرها ولا يتحدّثون في هذا الأمر، إلا إذا كانوا من ذوي الشّهوات، أو قد امتلأت بطونهم وسرت في أنفسهم شهوتهم بنسائهم.
      د. الطيّار: طبعاً في قضية علمية الحقيقة في هذا الموضوع، وهو أنّه طبعاً يُذكر في الآثار أنّ آدم عليه الصّلاة والسّلام نام نومة فقام فإذا بجواره حوّاء، فقال من أنتِ؟، قالت: أنا حوّاء، فَسَألها: من أين خُلقتِ؟، قالت: خُلقتُ من ضلعك، أو شيء من هذا. فالمقصود هذه القصة أنا رأيت بعض من يُشدّد النّكير عليها، وينقل عن الألباني تعالى أيضاً تضعيف هذه والتشديد على ضعفها.
      والحقيقة أنّ هذه المسألة مسألة علمية يجب أن ننظر إليها بنظر متوزان، وأن ننظر كيف كان أسلافنا من الصَّحابة والتَّابعين وأتباعهم وكذلك من جاء بعدهم، كيف نظروا إل هذه القضية، وأنا يعجبني حقيقة الإمام الطبري يعني وضع ضوابط مهمّة جدّاً جدّاً للتعامل مع مثل هذه الأخبار عند قوله : "فأزّلهما الشيطان عنها " .تكلّم عن ما ذكره المفسرون من دخول إبليس الجنّة من خلال الحيّة. ووضع ضوابط مهمّة جدّاً جدّاً.
      من هذه الضوابط أنّه قال: ما كان من كتاب الله موافقاً، وهنا الآن لمّا ننظر لهذه القصّة المذكورة. وكتاب الله في نوع من التوافق لأنّه قال: "خلق منها زوجها". أيضاً ذكر قضية: أنّها من الأمور الممكنة وهذا لا شك أنّه قطعاً من الأمور الممكنة، وذكَر قضية أنّ هذا الخبر المذكور لايردّه عقل ولا خبر بخلافه، فهو في حيّز الإمكان ما زال، وذكر أيضاً: أن يكون موافقاً للعربية، لأنَّ القرآن نزل على لسان العرب، وذكر أيضاً ضابطاً مهمّاً وهو تتابع أهل التأويل عليه، فإذا تتابع أهل التأويل عليهم ومرّ على عقل ابن عبّاس، وعقل مجاهد، وعقل عطاء، وعقل ابن مسعود وغيرهم، وكُلُّهم أمّروه وما لحظوا فيه شيئاً، فالمفترض علينا أن يكون عندنا على الأقل احترام لهذه العقول، التي مرّ عليها هذا الخبر ولم تستـنكره مثلما استنكرتَـه أنت، وأنا أقول مهم جدّاً من نظر في هذه الضوابط يجعل مثل هذا الخبر ليس مُشكلاً، ما دام أهل التأويل من الصَّحابة والتّابعين وأتباعهم ومن جاء بعدهم قد ذكروا هذا وليس فيه أيّ منقصة أو أيِّ نكارة في هذا الخبر.
      د. الشّهري: وهي تعتبر يعني من الروايات الإسرائيلية.
      د.الطيّار: نعم، نعم.
      د. الخضيري: إذا أذنت لي.
      د. الشهري: نعم، تفضَّل، يا دكتور محمد.
      د. الخضيري: من لطائف هذه الآية التي أشار إليها الشيخ ابن عثيمين ، وقد خرج تفسيره لسورة النّساء في مجلّدين، وأنا أوصي الحقيقة طُلاَّب العلم بقراءته، لأنَّ الشيخ إذا فسَّر علَّم، يعني يُعلّمك كيف تصل إلى المعلومة ويشرح لك كل ما يستغلق عليك، يعني ما يدع شيئاً إلا ويُـــــــبينه إن كان إعراباً، إن كان قراءة، إن كان كذا، فقد تقرأ في كُتب التفسير لا تفهم معلومة ولا تستطيع أن تصل إلى فهمها إلى عبر معلّم.
      قال: " وبثَّ منهما رجالاً كثيراً ونساء" لمّا ذكر رجال، ذكر كثيراً قال : لأنّ كثرة الرِّجال النِّعمة فيها أتمّ، والعِزُّ فيها أكثر، فكلما كانت الأمّة فيها رجالٌ أكثر، كان ذلك أتم في النِّعمة وأعزّ أيضاً للأمّة، ولذلك جعل الله عزّ وجل الكثرة فيهم لإظهار هذه القِيمة وهي عزّة الأمّة.
      د. الشّهري: جميل، مع أنّ الواقع أنّ العكس هو الصَّحيح، أنَّ النّساء أكثر من الرِّجال .
      د. الخضيري: طبعاً، واقع الأمر، لكن كلما كثر الرِّجال دلّ ذلك على عزّة الأمّة.الآن في مجتمعنا نحن في الإحصائيات الأخيرة، آخر إحصائية قبل سنوات تبيّن أنّ الرِّجال عندنا 51% ، والنساء 49%.
      د. الشهري: فيه معنى الحقيقة أريد أن أتحدث عنه، نحن نتحدث عن حقوق النّساء، وأنا أريد أن أتحدث عن حقوق الرِّجال. في قوله في سورة النّساء: "الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها". فأنت تجد هنا هناك فضل لآدم عليه الصلاة والسلام على حواء بأنّه هو الأصل. في سورة البقرة في قوله تعالى: أُحِلَّ لكم ليلةَ الصِّيام الرّفث إلى نسائكم هُنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ.
      هنا لماذا قدّم الله تعالى وصف المرأة بأنّها لباس للرّجل، على وصف الرَّجل بأنّه لباس للمرأة. لا أدري هل مرّ عليكم مثل هذا؟
      المشايخ: أبداً.
      د. الشّهري: أنا يظهر لي معنىً، وهو أنّ المرأة في قُدرتها على احتواء الرَّجل، وعلى سَتره، وعلى عفّته، بتحبّبها إليه، وتقديرها له، واحترامها له، والقيام بحقّه. وتقدير أنّ الرّجل هو أصل للمرأة، أنّ هذا هو أحفظ للأسرة، وأحفظ لقلب الرّجل، من قدرة الرّجل على أن يكون لباساً للمرأة. ولذلك قُدَّمت وصف المرأة بأنّها لباس للرّجل قبل أن يُذكر وصف الرَّجل بأنّه لباس للمرأة. لأنَّ المرأة أقدر في رأيي على أن تَعُفَّ الرّجل وأن تحتويه، بما آتى الله المرأة من صفات ومن ما فُطرت عليه من أخلاق.
      د. الخضيري: ولأنهّا أيضاً هي قيّمة البيت حقيقةً، يعني هي ملكة البيت، يعني إذا جاء الرَّجل إليها فكأنّه يأوي إلى شيء، يسكُن إليها.
      د. الشَّهري: لتسكنوا إليها.
      د. الخضيري: التعبير القرآني عظيم. هذا السَّكن بما أنَّ البيت يستر الإنسان. أيضاً المرأة كأنّها لباسٌ له تحتويه لتستره.
      د. الشِّهري: وأنا أتصوَّر أنّ هذا من حقوق الرّجل على المرأة، لأنّ بعض النّساء حقيقةً ليست سكناً.
      د. الخضيري: أنا فصّلت هذا يا أبا عبد الله، ولعلّ أبو عبد الملك يعني يقيّم ما ذكرته في أمرين. قلت: الرّجل عليه الأمان الخارجي، والمرأة عليها الأمان الدّاخلي، فالرَّجل يحقق الأمان الخارجي، عندما يشتري مثلاً بيتاً أو يـُؤجِّر بيتـــاً ويضع فيه الطّعام والشّراب وغير ذلك، يبقى هنا الآن، لتكتمل السَّعادة ولترفرف على هذا البيت، المرأة تقوم بدورها في أن تجعل هذا البيت بالفعل يحوي هذه الأسرة، ويكون سكناً لهذه الأسرة، البيت موجود، والأثاث موجود، والطّعام موجود. بقي الآن دور المرأة في كونها تُضفي عليه، فإذا قامت المرأة بهذا الدّور صار البيت سكناً، ولابد أن يكون هذا البيت سعيداً. أمّا إذا انعكس الأمر، الرّجل أمّن البيت وجاب الطّعام والأثاث، والمرأة صار لسانها أطول منها، ولا ترضى بشيء ولا تقنع، ودائماً تخرج من بيتها، خرّاجة ولاّجة، وصارت كلما جاء الزّوج وإذا بها منصرفة لعملها، أو لاتصالاتها مع صويحباتها، أوخارجة لجيرانها ما صارت سكناً، ضاق صدر الرّجل فظهر ذلك على تصرّفاته ،فبدأت السَّعادة تخرُج من البيت.
      د. الشهري: ما أدري هل ترون فعلاً قضية تقديم وصف المرأة بأنّها لباس للرّجل" هنّ لباس لكم" أليس هذا المعنى دقيق فيها؟
      د. الخضيري: واضح جدّاً، خصوصاً في آية الصيام: "أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرّفث إلى نسائكم" . طبعاً الليل لباس وستر، وللزّوج ستر خاص فيه، يكون مكوّنًا من هذه المرأة التي هي أصلًا خُلقت من ضلعه، فهي لباسٌ له.
      د. الطيّار: هناك قضية يكثر الحديث عنها: وهي هل يمكن إدراك سرّ البلاغة من خلال معرفة مدلول اللّفظ، وموقعه في الآية وهي لفظة (وبثّ)؟، لاحظ استخدام لفظ " بثّ" ، " يوم يكون النّاس كالفراش المبثوث"، وأيضاً: "فكانت هباءً منبثاً" ،يعني بثّ بمعنى نشر. لو أنت تأمّلت، أو قلت لأحدهم أعطِنا من دلالة "بثَّ" هذا السّر الإعجازي في اختيار الألفاظ ، لم تُختَر لفظة " نشر" أو غيره مما يدل على المعنى، إنّما بث. مهما اجتهد المجتهد ليُعبّر عن دِقّة هذا الاختيار وتناسق هذا الاختيار مع محيط الآية، يعني ما قبل اللّفظ وما بعدها، أو مع مثيلاتها فإنّه يبقى أنّه يقدِّم لنا شيئا يسيراً، ولكن يبقى في النّفس شيء لا يمكن أن يخرج، لذلك فإدراك سر الإعجاز صعب، والتعبير عنه أصعب.
      د. الشّهري: إي والله صحيح، كنت أتحدّث مع أستاذ للــّغة الفرنسية، وأستاذ متمكن ما شاء الله في المغرب، فقلت له: كيف أنت في اللغة العربية يا دكتور؟. فكان متكأً فجلس وتنّهد فقال: انظر، اللّغة العربية هي اللغة التي يصح أن يُقال عنها لغة!
      د. الخضيري: سبحان الله!.
      د. الشهري: أنا ولله الحمد، أتحدّث الفرنسية، وأتحدّث الإسبانية، ولديّ معرفة جيدة باللغة الإنجليزية، لكن الحقيقة اللغة العربية هي اللغة التي تحتوي المعاني الدينية ، المعاني التي يريد الله أن تبلغ البشر ما وجدت أكثر قدرةً عن التعبير عنها من اللغة العربية.
      د.الخضيري: لا إله إلا الله.
      د.الشّهري: ويقول هذا وكأنّي أثرت نقطة حسّاسة في نفسه.وقال : هذه قناعة وصلت لها بعد دراسة عميقة للغات اللّغة الأوروبية، ولمّا أتأمّل في اللّغة العربية، وجدت فعلاً أنّ فيها من الثراء، وقال : أنا لا أقول هذا تعصبّاً لكوني عربيّا ولا، أبداً، ولكنّي أجزم وأنا أريده ولديّ بعض الأبحاث في هذا . الحقيقة اندهشت من ذلك الحديث الذي تحدّث فيه عن بلاغة اللغة العربية وقدرتها على حمل المعاني القرآنية والرَّبانية.
      د. الخضيري: طيّب، أنا بدا لي أمر ما أدري إذا توافقوني عليه أم لا؟ الله أراد أن ينبث النّاس، أنا أرى من يريد أن يجمع النّاس في مكان واحد، يخالف هذه السُنَّة والإرادة الإلهية، وهذا مما يُضِّر الآن بالنّاس، وخُصوصاً الآن بعد مجيء الحضارة إلى مثل دُولنا نحن التي تعتبر يعني واضح التخلّف عليها، وهذا شيء مشهود، اجتمع النّاس في مدن، هذه المدن تكلفة الآن يعني اجتماع النّاس فيها أصبحت باهظة جدّاً، في التصريف، في الكهرباء، في الماء، في توزيع الطرق، في توزيع الحقوق إلى آخره. ولذلك أصبحت عبئاً على النّاس. ألا ترون، أنّ بقاء النّاس كما كانوا سابقاً يعمرون الأرض، وينبثّون فيها، الرُّعاة في أماكنهم ،وأهل الجبال في جبالهم، وأهل السُّهول في سهولهم، وأهل الرّمال في رمالهم ، وأهل الصَّحاري والقُطب أيضاً يبقون في أماكنهم. لتُعمَر هذه الأرض ليــــنـتفـع كل جماعة منهم بما عند الجماعة الأخرى.
      د. الشِّهري: والحقيقة فعلاً، أضّر تجمّع النّاس في أماكن محدّدة ، أضّر فعلاً بهم إضراراً بالغاً، يعني انظر لبعض المناطق، على سبيل المثال: عندنا في الرّياض مثلا، تجمّع النّاس في الرّياض، وأتوا من كل مكان، وضاقت الرِّياض حقيقة بمن فيها، وأصبح العيش فيها صعباً، وأصبح أيضاً القدرة على شراء أرض غالٍ جدّاً، في حين لو تفرّق النّاس في أماكنهم وعُمرت الأرض لكانت خفّت عليهم واستطاع الجميع أن يعيشوا فيها، وأنا أتصّور حتى في الحضارات القديمة، أنا كنت أقرأ في كتاب في الجغرافيا قديماً في كون النّاس في العادةً يتجمّعون عند أماكن موارد المياه، وعند الأنهار ولذلك الحضارات قامت على شواطئ الأنهار، إلى اليوم فيما يبدو لي،حتى تعاني منها مصر فيما يبدو لي، تعاني من تجمّع النّاس في القاهرة على ضفاف النّيل. وأن أكثر أجزاء مصر خالية الآن غير معمورة، وهذا كلُّه يخالف كلمّة " بثّ" ، نحن نقول لا جمعوهم.
      د. الخضيري: الغربيون انتبهوا لهذا، ولذلك حتى في مصالحهم، يحاولون قدر المستطاع إبقاء النّاس في أماكنهم، حتى الجامعات مثلاً لا يجمعونها في المدن الرئيسية، يضعون كل جامعة في مكان حتى يُعمر المكان.
      د. الطيّار: بالفعل، حتى يكون متوازنًا.
      د. الخضيري: نعم متوازن، ولا يحصل هذا الغلاء الذي ذكره أبو عبد الله الذي ضيّق على النّاس.
      د. الطيّار: طبعًا، لو أهل الاجتماع والذين لهم علاقة بمصالح الدولة، ينظرون لمساوئ لهذا الاجتماع لكان حسناً.
      ما أدري إذا كان باقي وقت يا دكتور عبدالرحمن.
      د. الشهري: نعم، نعم، ما زال الوقت متاحاً.
      د. الطيّار: طيب، أيضاً في كلمة " بثّ"، قد يرجع البعض من يقرأ في تفاسير السَّلف يجد أن مثل السُّدّي قال : بثّ بمعنى " خلق"، فيقول ما علاقة " بثّ" بمعنى " نشر" بـ(خلق)؟، وهذه القضيّة مهمّة ، أن ننتبه إلى قيمة أمرين: قيمة معرفة دلالة اللغة العربية وأصل الاشتقاق في اللفظة، ومعرفة كلام السّلف، لكي يكون عندنا قدرة على الرّبط بين كلام السَّلف والمعنى اللُّغوي، وإذا بنا نجد حينما نقرأ أنّ كلام السّلف وإن لم يكن مدلولاً لُغويّاً مباشراً، أنّه لا يخرج عن هذا المدلول ، إمّا أن يكون لازماً من اللَّوازم ، أو من الأسباب أي علاقة السبب بالمسبب، أو أنّه جزء من معنى اللّفظ، أو غيره، هناك علاقات معيّنة. فإدراك طالب علم التفسير لهذه العلاقات مهم جدّاً، فلمّا يأتي بثَّ بمعنى خَلَق، أيهما الآن أوسع من الآخر؟. لا يكون بث إلا بعد خلق، لازم له،كأنّه أشار إلى الأصل، فهو الخلق وأنّه لن يحصل هذا البث إلا على الخلق، فمثل هذه الدقائق أو إدراكها، البعض يقول تفسير السلف كلام عادي.
      د. الشهري: يعني الآن عفواً، أنا أريد الآن أسأل سؤالين ؟ أنت قلت الآن : قال السُدّي، من هو السُدّي إذا أُطلق عند المفسريّن ؟
      د. الطيّار: طبعا السُدّي، هو السُدّي الكبير.
      د. الشهري: الذي هو إسماعيل بن عبدالرحمن السُّدي.
      د. الطيّار: نعم، توفي سنة 128، وقيل أنه رأى أنس بن مالك، و لهذا بعضهم يضعه في طبقات التابعين .
      د. الشهري: طبعاً أنا سألت هذا السؤال حقيقة يا بو عبد الملك، ودكتور محمد، لأنّ فعلا كثيرٌ من النّاس يسمعون يقولون: قال السُّدي، قال مجاهد، يقرأونه في كتب التفسسير ، طبعاً أنت إذا كنت لا تفرّق بين السُدّي ومجاهد وابن عبّاس لا تثمّن كلام هذا ولا هذا، في حين إذا عرفت مكانتهم في تاريخ التفسير، وأن كلمة مثلاً مجاهد وقتادة لها وزنها عند المفسرين، إذا وجدت قال: مجاهد، خلاص لم ، كما يقولون، كان يقول سفيان: إذا أتاك التفسير عن مجاهد فحسبك به، أنا والله كنت أدرس الطلاب في تفسير فتح القدير وهو يذكر هذا بكثرة هذا قول مجاهد وقتادة، وهذا قول السُدّي ، فقلت وقّفوا يا شباب من هو مجاهد ؟ جاهد!، طيب قتادة، وهم طلاب كلية شريعة، تكتشف فعلا!، انا قلت يا إخواني القراءة في تراجم المفسِّرين مهمّة، أنك تعترف عن المفسرين الذين يُنقل عنهم تفسير القرآن الكريم. لأنّه يأتيك ناس بكل بساطة الآن ويقول: بلا قتادة، بلا مجاهد، بلا السُّدي أنا عربي وأستطيع أن أفهم العربية وسوف أخلَّي بيني وبين القرآن، وجنَّب هؤلاء ، طيب يا أخي هل تعرف هؤلاء من هم؟! هم رجال ونحن رجال!! لا يا أخي، ليست المسألة بهذه البساطة.المسألة أكبر من كذا، هؤلاء الصحابة وهؤلاء التابعين، تخصصوا وانقطعوا لفهم القرآن الكريم، وهم أهل اللُّغة، وهم الذين شاهدوا أهل التنزيل، وصحبوا النبي صلى الله عليه وسلّم. هذه كلها لا تنطبق عليك لا من قريب ولا من بعيد، المسألة ليست لغة وتذهب تراجع لي لسان العرب، هذا فقط تعليق على قولنا السُدّي
      د. الطيّار : في أيضاً فائدة مهمّة جدا وسبق أن أشرنا بها في بعض الحلقات: وهي الإظهار في مقام الإضمار، وكل موطن له خصوصيته، هنا قال: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إنّ الله ، ولم يأتي إنّه ، وهذا لزيادة تربية المهابة، نعرف أنّ لفظ الجلالة، الإتيان به، في هذه المواطن لتربية المهابة في نفس العبد في أنّه إن لم يفعل هذا فإنّه يخالف أمر الله.
      د. الشَّهري: هذه لفتة كريمة حتى في استهلال السّورة، لإظهار مهابة الله في قلوب من تُخاطبُ بها، حتى يستجيبوا لهذه الحقوق والأوامر التي فيها.
      لعلنا نختم، انتهى الوقت أيها الإخوة ، لعلنا نختم بهذه الفائدة اللطيفة التي تفضّل بها الدكتور مساعد الطيّار، وأسأل الله أن يُربّي في قلوبنا وفي نفوسنا المهابة منه .ونلتقى بكم في الحلقة القادمة، أيّها الأخوة المشاهدين من هذا البرنامج " بيّنــــات" والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
      بُثّت الحلقة بتاريخ 2 رمضان 1431 هـ
      سمر الأرناؤوط
      المشرفة على موقع إسلاميات
      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

      تعليق


      • #3
        الحلقة الثالثة
        تأملات في سورة النساء (الآية الثانية)
        د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله والصّلاة والسَّلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، مشاهديَّ الكرام هذا هو المجلس الثالث من مجالس سورة النِّساء والذِّي نسأل الله أن يُبارك لنا فيه وأن يجعلنا وإيَّاكم جميعاً من أهل القرآن الذّين هم أهل الله وخاصّته.
        كُنَّا في الحلقة الأولى تحدَّثنا عن الجوّ العام في هذه السُّورة وما يُسمَّى عند علماء التَّفسير بــ" علوم السُّورة"، في الحلقة التي تليها افتتحنا هذه السُّورة وذكرنا مطلعها وهو قول الله عزّ وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) ونحن نعترف بأنَّه لا يــُمكن لنا أن نُعطيَ هذه الآيات حقَّها، وأن نبسط القول في كل جُزئيةٍ من جُزئياتها ومسألةٍ من مسائلها. اليوم ننتقل بكم مشاهديِّ الكِرام لنتحدّث عن الآية الثَّانية من هذه السُّورة وهي قول الله عزَّ وجل: (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢). في هذه الآيةكما ترون مُشَاهِديّ، أنَّ الله عزّ َوجل افتتح بِحقِّ هؤلاء اليتامى. كما بيَّنا أنَّ هذه السُّورة كانت سورة الحقوق، بدأت بِحقِّ هؤلاء الضُّعفاء الذِّين يستحقون من العِناية والرِّعاية والعَطف والرَّحمة والشَّفقة ما ينبغي لمثلهم حتى أوصى بهم الرسول صلى الله عليه وسلّم الوصيِة الباَلغة فقال: "أنا وكَافل اليتيم كهاتين". دعونا اليوم مع الشَّيخين الفَاضلين دُكتور مساعد الطيّار، والدكتور عبدالرحمن الشِّهري، نحاول أن نقف على بعض قَضَاياها وموضوعاتها وما فيها من الأسرار والعِبر والدُّروس والأحكام والحِكم ونسأل الله التَّوفيق ، تفضّل شيخ مساعد إذا كان لديكم شيء.
        د. الطيَّار: بسم الله الرَّحمن الرحيم، الحمدلله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله. أما بعد، فَكَما ذكرتم أخي أنَّ مطلع الآية بَدأ بِحقِّ اليتامى ولأنَّ السُّورة كما ذكرنا في اللِّقاءات السَّابقة تتكلم عن مجموعة من الحُقوق فذكر هنا حقّ اليتامى في أموالهم وواضح منها لــــمّا قال (وآتوا اليتامى أموالهم) أنّه خِطاب للأوصياء على اليتامى أن يُؤتوا اليتامى أموالهم وسيأتي التَّفصيل هذا في الآيات اللاَّحقة. واليتيم كما هو معلوم هو من مات أبوه وهو دون سن البلوغ، وإيتاء المال لليَّتيم لا يكون إلاَّ بَعد بلوغه الأشُّد كما سيأتي. ووصفُه باليُتم في هذا لأنَّه قارب الخُروج من اليُتم فَلزِمه هذا الاسم، وإلاّ لا يكون يتيماً بعد بلوغ الرُّشد، ولا يُعطى ماله قبل بلوغ الرُّشد، فدلَّ على أنَّ تسمِيَته باليتيم في قوله (وآتوا اليتامى) التنبيه على أنّه قد قارب الخروج من هذا الوصف لأنّه خرج قريبا منه ولكن لا زال هذا الاسم يلحقه
        د. الخضيري: بناءً على ما كان عليه.
        د. الطيَّار: نعم بناء على ما كان عليه، لأنَّ هذا يقع سؤال عليه كيف يقول (وآتوا اليتامى)، (وإذا بلغ اليتامى) فكيف وصفهم ياليُتم وهو قد بلغ وانتهى فهو التنبيه على سبب التسمية.
        د. الشِّهري: طبعاً اليُتم هذه الصِّفة مأخوذة من الانفراد كَما يقولون في اللُّغة، دُرّةٌ يتيمة، أنَّ اليُتم في اللُّغة هو الانفراد فكأنَّ اليتيم بعد أن ماتَ والده أصبح منفرداً من الـــمُعين والنَّصير مــمَّا احتاج معه أن يكون له وليِّ يُشرِف على تَربيته ويُشرِف على تنميةِ ماله. فالله يُخاطِب الأوصياء في هذه الآية، وفِعلاً في البداية بالحديث عن اليَتامى إشارة إلى مدى حاجتهم إلى الرِّعاية وإلى العطف وإلى الحنَّان، وإشارة إلى أنّه ينبغي على المجتمع المسلم أن يكون لهذه الفئة من فــِئاته عِناية خاصَّة، فقد قدَّم الحديث عن الَيتامى في هذه السُّورة التي هي سورة الحقوق، فتحدّث في أوَّلها عن الَيتيم وأيضاً تذكرون في سورة الضُّحى عندما نصَّ الله على حقِّ اليتيم في قوله (فأمَّا اليتيم فلا تقهر * وأمَّا السَّائل فلا تنهر* وأمّا بنعمة ربِّك فحدِّث). وتعلمون أنَّ النبي نفُسه كان يتيماً عليه الصَّلاة والسّلام، فَهُنا تذكير عندما نزلت عليه هذه الآيات، تذكير للنَّبي صلى الله عليه وسلّم ولأمته من بعده، بالعِناية بهذه الفئة التي كانَ النَّبي منها والعناية بها، فلذلك فهذه الآية أصل في حُقوق الأيتام ورعاية الأيتام وكفالة الأيتام والذِّي يَتأمل النُّصوص التي وردت في القرآن الكريم في شأن اليتامى وفي السُنَّة النَّبوية يجد أنّ الإسلام قد أعطى هذه الفئة عناية خاصّة فعلاً.
        د.الخضيري: في قوله (وآتوا اليتامى أموالهم) إذا كانت هذه العناية بأموالهم، كيف تكون تلك الِعناية بهم هم؟ وهذا الحقيقة ملمَح رائع جِدّا في الآية، وهو أنَّه إذا كان الرَّب قد جعل لأموالهم من الحقّ في الرِّعاية والحِفظ والتَّنمية ما جعله، وأيضاً في تسليم هذا المال لهم عندما يُؤنَس منهم الرُّشد دلالة على أنّه يجب العناية بهم هم أيضاً إذا كان هذا لأموالهم، وأيضاً نَسَب المال إليهم قال (أموالهم) دلالة على أنّها حقّ لهم، وأن المال لا ينتقل بسبب وفاة أبيهم إلى وليِّهم كما كان أهل الجَّاهلية يفعلون، فهو يَضُّم مال اليتيم إلى ماله، فإذا وقع على ماله شيء جعله في مال اليتيم ويستبدل طبعاً كما في هذه الآية
        د. الشِّهري: ما معنى الخبيث في الآية؟.
        د. الخضيري: الخَبيث من المال يعني الرَّدِيء والسَّيء فإذا كان هناك قد خَلَط مال اليتيم بماله، وكانت عنده غَنمٌ مهازيل وغَنمٌ طيِّبة قال غَنم بغنم، فجعل الغَنم الطيِّبة له، وجعل المهازيل لليتيم وقال اسمُ الغَنَم واقع على الأمرين وجَعلها من حظِّ اليتيم وقهره بهذا .
        د. الطيّار: هناك مبحث هنا يلوحُ لي، وهو أنّنا إذا لاحظنا السُّور المكيِّة التي تحدّثت عن اليتيم مثل لــمّا قال (فأمَّا اليتيم فلا تقهر) في حقِّ النبي ، (أرأيتَ الذِّي يُكَذّبُ بالدِّين * فذَلك الذِّي يَدُّع اليتيم)
        د. الخضيري: أوّل وصف من أوصاف هذا الــمُكذّب بالدِّين أنّه يدُّع اليتيم أيّ أنّه يقهره ويدفعه عن حقِّه،
        د. الطيار: وهذا يبدو أنَّه كانَ متأصِّلاً في العادات الجاهلية عدم احترام اليتيم، وأنَّه لا يُؤبه له أحد وأنّه ضعيف وأنَّ حقَّه يُؤكل، فلمَّا جاء القرآن الـــمَكيِّ سنُلاحظ أنَّ أغلب القرآن المكيّ يُنبِّه على هذا الوَصف السَّيء في هذا المجتمع الكَافر، وفي القرآن المدني أسَّس للأحكام وأنَا أقول هذا محل بحث. وكذلك في قضيِّة النِّساء لو نظرنا إلى موضوع النِّساء في القرآن المكيِّ، وموضوع النِّساء في القرآن المدني سنجد كما هي العادة الغالبة، أنَّ التَّفاصيل تأتي في القرآن المدني مثل هذه السُّورة التي عندنا وسيَأتينا تفصيل في قضِّية إيتاء المال لليتيم، فالقرآن المكِّي غير هذه الآية التي بين يدينا وإنـّما هنا الآن أمر مطلق (وآتوا اليتامى أموالهم - ولا تتبدَّلوا الخبيثَ بالطيِّب - ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم). طبعاً لاحِظ (آتوا) هذا فعل أمر، (ولا) هذه نهي وهي مساوية للأمر، يعني الأمر مقابل النَّهي يعني كأنّه قال أعطوهم الطيِّب وكأنَّه يقول أعطوهم مالهم كاملاً، لكنَّه جَاء بصيغة النّهي (لا تتبدَّلوا)- (لاتأكلوا) فالذِّي أقصده أنّه يمكن أن يُنظر في البحث في تدَّرج الشَّريعة في التَّعامل مع هذه الفِئة الضّعيفة من النِّساء ومن اليَتامى، وكيف أنَّ الإسلام بدأ يَنزع من قلوب هؤلاء الذّين عاشوا على هذه الأوصاف ينزع منهم هذه الأمور حتى يُوصلهم إلى مرحلة الكمال لتخليته ثمَّ التَّحلية.
        د. الشِّهري: وأيضاً في قوله (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) أيضاً فيها تعبيرٌ بالأكل عن أخذ الأموال وإلاَّ لا يوجد أحد يأكل الدراهم هذه، لكن عبَّر الله هنا بالأكل لتبشيع أخذ مال اليتيم بغير حق، ولأنَّ الأكل هو أبرز الصِّفات للانتفاع بالمال، والأمر الثاني ليس هناك أحد يستفيد من المال المأكول، يعني الطّعام الذي تأكله أنت لا يستفيد منه أحد بعد أن تأكله، لكن إذا أخذت المال فإنّه يستفيد منه غيرك، ولذلك عبّر الله بهذه الصِّفَّة للإشارة إلى أنَّك عندما تتجرأ على أكل مال اليَتيم فكأنّك تُفسِدُه فيَفسُد ولا يَستفيد منه أحد بعدك لأنَّك أكلته ظُلماً وعُدواناً، فالتعبير فيما يبدو هنا بالأكل للدِّلالة على هذه المعاني تبشيع أولاً أمر الجُرأة على أكل مال اليتيم، والأمر الثاني للإشارة إلى حُرمة هذا المال.
        د. الطيّار: فإذا أُكِل لا يعود.
        د. الخضيري: في قوله (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) نُريد الحقيقة الحديث عن قضِّية التعبير (بإلى)، هل هي بمعنى (معَ) كما يذكره بعض المُفَّسرين أم أنّها تشير إلى فِعلٍ آخر في ضِمن قوله (ولا تأكلوا).
        د. الطيّار: بعض الــمُفَّسرين قدَّره بِقوله (ضامِّينَ).
        د. الخضيري: نعم، لا تأكلوا أموالهم ضامِّينها إلى أموالكم، فيكون عندكم أموال ومع ذلك جَشَعُكُم وطمعُكم وعدم رِضاكم برزق الله لكم، والله قد وسَّع لكم في الرِّزق فلستم فقراء ومع ذلك طمعتم في أموال هؤلاء الضعفاء، وهذا كما ذكرت يا دكتور عبد الرَّحمن في غاية التبشيع والتقبيح لفِعلهم (ولا تأكلوا أموالهم) ضامِّينها أيضاً إلى أموالكم التي ملَّكَكُم إيَّاها ربُّكُم ووسَّع عليكم بها، فما الذِّي يُحوِجُكُم إلى أن تُضيِّعوا على أنفسكم بهذا المال لهؤلاء الأيتام.
        د. الطيّار: ألا تُلاحظون هنا في تكرار أموالهم، أموالهم التَّأكيد على أحقِّيتهم بالمال يُضاف إليهم ويتكَّرر، للتَّنبيه على أنّهم هم الأحقّ بالمال وهم أصحاب المال
        د. الشِّهري: يعني أنت مجرّد مشرف على هذا المال، ريثما يَبلغهم الرُّشد ثم تُسَّلمه.
        د. الخضيري: العجيب في الآية أنَّها جاءت بمنطق التَّدرج، فأولاً قال (آتوا اليتامى أموالهم) هذا هو الكَمَال يُؤتَون هذا المال كاملاً مُوَفَّراً، ثمَّ جاءَ إلى مرحلة ثانية هي ليست أكلاً للمال تامَّاً ولكنَّها فيها نقصٌ من المال (لا تتبَّدلوا الخبيث بالطيَّب)، وجاءت إلى المرحلة القبيحة الثالثة التي هي جَشع ظاهر وإثم كبير قال (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) ثمَّ عقَّب بقوله (إنَّه كانَ حُوباً كبيراً) ما الُحوب يا دكتور عبدالرحمن؟
        د. الشِّهري : الحُوب الكبير، الحقيقة أنَّ الحديث في مفردات القرآن عندما تقرأ في كُتب التَّفسير، عندما تأتي إلى التَّفسير الميَّسر كما عند الشيخ مساعد تقرأ (إنَّه كان حُوباً كبيراً) إنَّه كان إثماً عظيماً، لكن هل الحُوب هو الإثم؟ الحقيقة الذي يبدو لي والله أعلم أنّه أشَّد من التعبير بالإثم وأنَّ المقصود بـ (الحُوب) هو الإثم الضّخم الكَبير البَّشع، أنَّ كُل هذه المعاني يُعّبِّر عنها كلمة حُوب. لكن ماذا يصنع الــمُفَسِّرون عندما يأتون لكي يُبيِّنون مثل هذه الكلمات الغريبة؟ يأتون إلى أقرب لفظةٍ يتداولها النَّاس فيُعبِّرون بها. فمن أراد الاستزادة من معنى هذه اللَّفظة فليرجع إلى كُتُب اللُّغة الـــمُوَسَّعة.
        د. الخضيري: مثل؟
        د. الشِّهري: مثل كُتب (غريب القرآن)، مثل (المفردات) للرَّاغب الأصفهاني مثلاً أو حتى أحياناً قد لا تجد فيها التَّفاصيل التي تطمح إليها، لأنَّكُ تُلاحِظون النَّاس يا إخواني في التَّفسير تقول له إرجع إلى التَّفسير الــــمُيَّسر مثلاً فيقول أنا رجعت للتفسير الميَّسر وقرأته لكنَّه لم يشفِ غليلي، طيِّب جميل! طيب إرجع إلى تفسير ابن كثير فيرجع إلى تفسير ابن كثير فيقول أنا قرأت تفسير ابن كثير ولكن في هذه اللَّفظة لم أجد أنَّه شَفَى غَليلي، طيِّب بسيطة إرجع إلى كِتاب (تهذيب اللُّغة) للأزهري وهُو من كُتُب المعاجم اللُّغوية الواسعة، فيرجع إلى كلمة (حَوَبَ) مثلاً فيجد أنَّه فصَّلها وذكر معانيها التي تستخدمها العرب فزادت معرفته بدِلالة هذه اللَّفظة.
        د. الخضيري: وما دلالة التنكـــير يا دكتور مساعد في موضوع (إنَّه كان حُوباً) ثمَّ وَصف هذا التنكير بقوله كبيراً؟
        د. الطيّار: طبعاً هو التَّنكير هنا للتَّعظيم والتَّفضيل، ولهذا لما ساق الآية جرى على هذا ولهذا وَصَف الحُوب بأنه كبير، كفاية أنّه يوُصف بأنّه حوب فضلاً على وصفه بأنَّه كبير وهذا دِلالة على تشنيع أكل مال اليتيم بالباطل .
        د. الخضيري: وهذا مثل ما يأتي أيضاً في مواطن اخرى، مثل (وأعَدَّ له عذاباً عظيماً) (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيما) هذا التنكير للدَّلالة على التعظيم والتفخيم وتكبير الشيء
        د. الطيّار: إن تكَّرمت ملحظ أخير، في اللِّقاء السَّابق نبَّهنا في آخر اللقاء على ما يُسمى بـــــ "الإظهار في مقام الإضمار"، (واتقوا الله الذّي تساءلون به والأرحام إنَّ الله كان عليكم رقيباً)، ولم يقل (إنّه كان عليكم رقيباً) هنا جاء الإضمار في مكانه في الآية الثانية قال (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنَّه كان حُوباً كبيراً) يعني (إنَّه) ما سبق الذي هو التبدّل والأكل، و لا تتبدَّلوا ولا تأكلوا إنَّه أي إنَّ هذا وهذا إن فعلتموه أو فعلتم أحدهماكان حُوباً كبيراً .
        د. الخِضيري: وصار الضَّمير هنا أدّى دوره في الاختصار، وفي شمُول كل ما تقدَّم في قضِّية (حوباً كبيراً).
        د.الشِّهري: تُلاحِظونَ أنَّه بدأ في أوّل الآية باليَتامى مُطلقاً (وآتوا اليتامى أموالهم) يدخل فيها اليتامى من الرِّجال ومن النِّساء، من الذكور والإناث، ثمّ جَاءَ في الآية التي بعدها (وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى) هذا المقصود به اليتيمات فخَصَّص، والحقيقة أنَّه اجتمع فيها وصف اليُتم وكونها امرأة، والنِّساء لهم حقوق خاصَّة لأنَّهنَّ من الضُّعفاء، واليتامى لهم حقوق خاصَّة لأنَّهم من الضعفاء، فإذا اجتمع اليُتم في المراة أصبح حقُّها أعظم، والحاجة إلى رِعايتها أكبر، وإلى صيانتها، فجاءت الآية الثانية في تخصيص هذه الفئة
        د. الخضيري: هذه الآية، الحقيقة تُشكل على كثير من النّاس ومنهم واحد قبل أسبوع سألني، قال لي ما علاقة قوله الله عزّوجل (وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء) هذا طبعاً يجعلنا نتحدّث عن أهمية معرفة أسباب النُّزول، لأن سبب النُّزول هو الذّي يحلُّ هذه المشكلة، وإلا والله أعلم قد لا يهتدي الإنسان إلى معناها أو لا يهتدي إلى أن يصل إلى حل ِّ شَافِي إلا بمعرفة سبب نزول هذه الآية، ماذا عندكم يا أبا عبدالملك في هذا الموضوع؟
        د. الطيَّار: طبعاً كما هو معلوم في قوله (وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى) تكون اليتيمة عند الرَّجل فيخشى ألا يعدل معها، يكون وليِّاً لها ،فقد تكون هذه اليتيمة دميمة فلا يُريد الزّواج منها فيحبِسها رجاءَ مَالِها، أو قد تكون جميلة فيعكس الأمر فيتزَّوجها رغبةً بها لكنّه لا يعدل معها في مهرها، ولا يعطيها حقّها من المهر.
        د. الخضيري: لا من المهر ولا من النَّفقة، بحكم أنَّه هو الذي ربَّاها وقام عليها وأحسن إليها وليس لها وليٌّ غيره فهو لا يُقسِط معها.
        د. الطيّار: نعم، ولهذا تأتي لأنّه كثير ما يقع السُّؤال ما علاقة هذه بهذه؟ فإذا عُرِفَ سبب النُّزول في مثل هذا فإنّه يتضح معناه (فإن خِفتم ألاَّ تُقسطوا في اليتامى) في شأن الزواج.
        د. الخضيري: فتزَّوجوا من سائر النِّساء فقد وسَّع الله عليكم
        د. الطيّار: نعم نعم، ولهذا نقول مهم جدّا التنبّه لمثل هذا وأنَّ هذا لا يُمكن أن يُعلم أيّ سبب النُّزول إلاّ من جهة أصحاب المشاهدة.
        د. الخضيري: هنا سؤال دكتور عبدالرَّحمن في قوله (وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى) طبعاً العُلماء يُفسِّرونها يقولون خفتم هنا بمعنى علمتم، لكن الحقيقة ليست هي بمعنى علمتم بهذه الدِّقة، فهل من تعليق في هذا؟
        د. الشِّهري: الحقيقة فعلاً التَّعبير بالخوف عن العلم موجود في القرآن الكريم، وموجود أيضاً في لُغة العرب، ويقولون أنَّه يُعبَّر بالخَوف عن العلم، للإشارة إلى أنَّ الخوف يكون باعثاً على العلم، فمثلاً قوله (وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى) قالوا معناها وإن غَلب على ظنِّكم وعلمتم أنَّكم ستظلمون هؤلاء اليتيمات، طبعاً هي نزلت في اليتيم كما عُروة بن الزُّبير - سأل خالته عائشة عن هذه الآية في قوله (فإن خفتم ألا تُقسِطُوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء) كما تفضَّلت، فقالت: "يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حِجر وليِّها فيُعجبه مالها وجَمالها ويُحبِّ أن يتزوَّجها" فنُهِي وليُّ اليَتيمة أن يتزَّوج هذه اليتيمة ولا يُعطيها صَداقَها كاملاً يعني يبخسها صداقها، فنُهُوا عن هذا العمل إلا بشرط أن يُعطيها أعلى سُنَّتِها في الصَّداق.
        د. الخضيري: كأن يُعطي أعلى نظيراتها في الصَّداق.
        د. الشِّهري: نعم، كما قال في آية أخرى (وترغبون أن تنكِحوهُنَّ) والنبي قد سُئل عن هذه الآية أيضاً كما سُئلت عائشة. فإذاً هذه الآية إرشادٌ لوليّ اليتيمة، أنت الآن عندك يتيمة ومالهُا عندك أنت المسؤول عنه، وأنت لا ترغب في الزّواج بها لجمالها أو شيء من هذا القبيل. فالله قد وجَّهك توجيهًا آخر، لا تتزَّوجها فلستَ مُلزماً بذلك فَتَظلِمها وتُعطيها أقل من حقِّها في الصدَّاق وتزّوج ما شئت من النِّساء غيرها لك أن تتزّوج زوجة أو زوجتين أو ثلاثة أو أربعة كما في هذه الآية (وإن خفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء مثنى وثلاثَ ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً) فالتَّعبير بالخوف في هذه الآية للإشارة إلى أنَّه إذا غلب على ظنِّكم وخفتم وعلمتم أنكم لن تُقسطوا في هذه اليتيمة إما انّها فعلاً أنّها ليست جميلة فتضغط على نفسك وتتزّوجها وتظلمها بهذا فلا تفعل ذلك ودعها تتزَّوج ممن ترغب ممّن ترضى لها دينه وخُلقه، وأنت تزَّوج ما شئت من النِّساء غيرها.
        د. الخضيري: طبعاً كلمة (خفتم) جاءت في الآية مرَّتين، ويظهر أنَّها في نفس المعنى (فإن خِفتم ألا تعدلوا فواحدةً) يعني إن غَلَبَ على ظنِّكم أنَّكم لن تعدِلُوا بين النِّساء فاقتصروا على الواحدة فذلك أخيرُ لكم وأبعدُ لكم عن الرِّيبة والشُّبهة.
        د. الشِّهري: طبعًا هذه الآية في سورة النِّساء هي أصلٌ في إباحة زواج الرَّجل من أربع زوجات، وهذه الآية واردة كما تُلاحظون في شأن اليتيمة أصلاً، فالبعض أحياناً ممن يرُيد أن يقصُر معناها على هذا المعنى وهو أنّه لا يجوز للرَّجل أن يتزوج بأربع نساء أو بثلاث او بثنتين إلا إذا كانت هذه حالته أن يكون وليِّا ليتيمة لا يرغب في نِكاحها فالله أباح له أن يُعدِّد لِكي يُعتِق هذه اليتيمة تتزّوج من تشاء.
        د. الخِضيري: هذا قطعاً ما فهِم كلام العرب ولا عرف كيف يُفَسَّر القرآن. لكن في قوله (فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء) هذه كأنّها أمرٌ بعد حظر والأمر بعد الحظر عند العلماء يدل على الإباحة ولا يدل على الوجوب، حتى لا يَظنّ بعض النَّاس أنَّ هذه الآية دالة على الوجوب، لا نعلم أنّ أحداً من أهل العلم حمل الآية على الأمر على الوجوب مثل قول الله عزّ وجل (فإذا قُضِيت الصَّلاةُ فانتشروا) لأنَّه أمَرَ بالبقاء لاستماع الخُطبة، ومثل قوله (فإذا حللتم فاصطادوا) فهذا أمرٌ بعد حظر، والحظر بمعنى المنع، والأمر بعد الحظر يدل على الإباحة كما يُعبِّر عنه الأصوليين وبعضهم يقول أنَّ الأولى أن يُقال أنَّ الأمر يعود إلى ما كان عليه قبل الحظر.
        (فانكحوا ما طاب لكم من النِّساء) الحقيقة أنَّ النِّساء يا أبا عبد الملك يعني عاقلات، ومع ذلك عبَّر عنهنَّ بـــــ (ما) الدَّالة في عُموم كلام العرب على غير العاقل، والأصل أن يُقال فانكحوا من طاب لكُم من النساء، فما هو السِّر في ذلك؟
        د. الطيّار: طبعاً، كما هو معلوم إذا قال فانكحوا من طاب من النِّساء بناء على أنّه خِطاب لأعيان الذي هم النِّساء فإذا كان خطاب لعاقل فإنّه يأتي (من) وهنا لمّا كان الخِطاب لعاقل وجاءت (ما) فدلَّ على أنّ المراد أحوال هذا العاقل صفاته، ولهذا قال (ما طاب) بمعنى الطيِّب فالحديث مُنصَب على الطيِّب وليس على النِّساء يعني فانكحوا الطيِّب من النِّساء، لما رُوعيت الصِّفة جاءت ما لأنَّ الصِّفة غير عاقلة.
        د. الشِّهري: يعني كأنَّها موصولة يعني فانكحوا الذِّي طابَ لكم من النِّساء
        د. الطيّار : نعم، فانكحوا الذِي طاب لكم من النِّساء.
        د. الخضيري: الحقيقة مراعاة الطيبوبة لفظ عام أظن أنَّ المـــراد به أنّه يختلف باختلاف النّاس، فأنت ما يَطيب لك غير الذي يطيب لي، فالله عزّ وجل وسَّعها علينا وما قال (فانكِحوا ما طاب) فما عبَّر الله بتعبير آخر فيه تقييد لنا، نكحوا ما طاب ولذلك نحن لا ينبغي لنا أن نَلومَ الإنسان على أن يبحث عن الطيِّب من النِّساء.
        د. الشِّهري: وهذا أيضاً فيه إشارة إلى جواز نظر الرَّجل إلى المرأة لأنَّه لا يمكن أن تطيب لك بالسَّماع فقط،لكن الأصل أنّها تطيب لك عندما تراها وترى فيها ما يدعوك إلى نكاحها.
        د. الطيَّار: طبعاً لكن هذا يُفهم من خلال الشّرع في قضية الرؤية، لأنّ هناك تفاصيل في قضية الرؤية بعضها فيه شذوذ فيما يراه الرَّجل من المرأة في حال خطبتها.
        د. الخضيري: طبعاً الرؤية المقصود منه أنّه يَرَى منها ما يُرَّغِبُه في نكاحها هو رؤية الشَّيء الغالب في الرؤية، الشّعر والنَّحر، والوجه، واليدين ، والسَّاقين، والرِّجلين.
        طيب ما طاب لكم من النِّساء مثنى وثُلاث وربُاع هل هذا يدل على الجمع، يعني أنّ الإنسان يجمع ثنتين ثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً ؟
        د. الطيَّار: طبعاً هذا فهم سقيم لدلالة اللُّغة يعني أشَار الزَّجاج إلى هذا فيُصبح تسع ذكره الزَّجاج وهو كلام لبعض الرَّافضة بأنه يجوز الزواج من تسع نساء، وهذا لا يصح لغة وأيضاً شرعاً.
        د. الخضيري: لو أراد لقال فانكحوا اثنتين اثنتين، وثلاثاً، وأربعاً
        د. الطيَّار: فالزَّجاج لــــمَّا ذكر هذا القول كقول مردود عليهم استدلوا بهذا، فنقول هذا مردود عليهم بالشّرع لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم لما جاءه أحد الصحابة وقال إنَّ عنده عشر نسوة فقال أبقي أربعاً، فدلَّ على أنَّ الأربعة هو الحدّ وأيضاً إجماع المسلمين على ذلك، لئلا يأتي واحد ويُوقع شبهة فيقول بجواز الزِّيادة وأنّها من سنّة النبي ، وأنّه يجوز لغير النبي أن يتزوّج مثله تِسعاً، طبعاً تأتي بعض الشُّبَه ومنها مثلاً يقول لك الأحاديث الواردة ليست صريحة في النَّهي، أو يَدخل عليها بعض العِلل التي ليس فيها وُضوح في الحديث، نقول إجماع المسلمين المنعقد على أنّه لا يجوز الجمع بين أربعة لا يمكن تخطِّيه ولا يُمكن أن يكون هناك إجماع بين النّاس
        د. الخضيري: وهذه الآية بالمناسبة لها نظير في القرآن (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رُسلاً أولي أجنحةً مثنى وثُلاث ورُباع) ترى ما أحد قال أنّه صاحب المثنى هو صاحب الثُّلاث هو صاحب الرُّباع.
        د. الشِّهري: يعني إمّا أجنحتها مثنى، أو أجنحتها ثلاث، او أجنحتها أربعة
        د. الخضيري: في قوله (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم) في قوله إن خفتم هنا قلنا بمعنى غلب على ظنَّكم أو علمتم أنّكم لن تستطيعوا العدل بين النِّساء، لما جُبلتم عليه من الميل الشَّديد في المحبة، والرَّغبة ، أو لما يعتريكم من نقص إما في إمكاناتكم الذّاتية الجسمانية أو النَّفسية أو المالية. يخاف الإنسان على ألا يعدل وألا يُقسط مع هؤلاء النِّساء فعليه أن يقتصر على واحدة ولا يُلجأ نفسه إلى أمر قد لا يطيقه،ولهذا نقول نحن أن أمر التَّعدد ينبغي أن يتحرَّى الإنسان فيه لأنَّ الله قال (فإن خفتم) يا أخي ما هو أخوك هذا شقيقك الذِّي تزّوج من ثنتين تجعل ما جرى له من النّجاح أو القدرة على الجمع بين ثنتين سبب لأن تُجازف وتجمع بين ثنتين هو عنده قدرة خفية أنت لا تدري عنه، قدرة جسمية، قدرة نفسية، قدرة مالية وغير ذلك، إذاً أنت لازم تدرس هذا الأمر ، بل إذا كنت لا تستطيع تقيّم هذا الأمر بالنسبة لنفسك، اسأل من يعرفونك فالنّاس تعرف تقيِّم الشخص، اسأل فلان من النّاس ما رأيك هل أصلح بأن أعدِّد أم لا أصلح؟ أنا اعرف أناس لا يصلحون لأنّه شديد الميل، فيه جنوح في أحكامه وفي تصرُّفاته، بحيث تعرف أنّه لا يمكن أن ينجح عندما يُعدِّد. فقوله فإن خفتم أنا أقول هذه حُجّة يجب ان يُتكأ عليها في أن أمر التَّعدد لا ينبغي التهاون به وأنّه يكون من باب المجاراة انا أرى الآن كثيرًا ممن أخفقوا في التعدد، كان سبب إخفاقهم ،أنّهم دخلوا هذا الميدان من غير استشارة ولا حاجة شديدة.
        د. الشِّهري: بعضهم يُعدِّد من باب أحياناً التَّحدِّي والعناد، أذكر أحد الأصدقاء كُنّا في مجلس وهو معدِّد لديه عدد من الزّوجات، فقال له أحد الجالسين الرسول يقول: من كانت له زوجتان فمالَ إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِّقه مائل، فقال: أنا أصلاً، شِّقي مائل من الآن.
        د. الخضيري: قبل الآخرة.
        د. الشِّهري: نعم، من الظُّلم والميل
        د. الخضيري: الله لا يبتلينا يا رب. (فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم) لمّا قال أو (ما ملكت أيمانكم) دلَّ ذلك على أنّ مثنى وثُلاث ورُباع في الحَرائر، فَلاحظ وهذا استدلال جميل جِدّاً في الدَّلالة على أنّ هذا ليس مُطلقاً يعني قوله مثنى، وثُلاث، ورباع لا يُراد به الجمع الكثير، بدليل أنّه أطلق في ملك اليمين، طبعا المقصود بملك اليمين من هي يا دكتور عبدالرَّحمن؟
        د. الشِّهري: طبعاً هي المرأة التي تقع في السَّبي من الكُّفار في حربٍ مشروعة بين المسلمين والكُّفار، فالمرأة المسبــية التي تقع في يدِّ الجيش ثمّ تأتي في نصيبك، فهذه يصِّح فيها أنّها ملك يمين.
        د. الخضيري: وتكون ملكك وحدك لا شركة لأحد.
        د. الشهري: لا شراكة في الإِماء، فلا يصح لإمرأة أن تكون شَريكة بين رجلين لا يمكن هذا.
        د. الخضيري: لأنَّ هذا يُفضي إلى اختلاط الأنساب وغير ذلك. وقوله (أوما ملكتم أيمانكم) يقولون فيها تفضيل لليمين حيث نُسِب المُلك إليها دون مِلك اليدين أو ِملك الشِّمال، فيه تفضيل اليمين على الشِّمال.
        د. الشِّهري: طبعاً هذا أسلوب العرب في طريقتها في الكلام، أنّها تُضيف من الملك والغَلبة والمبادرة كلَّها إلى اليمين ولذلك يقول الشَّمَّاخ عندما مدح رابع الأوسي يقول:
        رأيت عَرابةَ الأوسيَّ يسمو إلى الخيرات منقطعَ القرين
        إذا ما رايةٌ رُفعت لمجد تلقَّاها عَرابةً باليمين
        فالشَّاهد أنَّ العرب تذكر اليمين وتُفَّضلها وتقدِّمها، والنبي قد جاء أيضاً بهذه السُّنة، فكان يُقدِّم رِجله اليمنى عند الدُّخول إلى المسجد، وكان يشرب بيده اليمنى، ويأكل بيده اليمنى، ويُصافح بيده اليمنى.
        د. الخضيري: تعليقكم يا شيخ مساعد على ما بدأ يشيع بين الشَّباب في كون بعضهم- نسأل الله العافية والسَّلامة- تجد معه إناء العصير أو المشروب بيده اليسار فيشربه بكل أريحية، الحقيقة هذا ما كان موجود بين آبائنا وأهلنا في السَّابق، تعليقك يا دكتور مساعد.
        د. الطيّار: طبعاً إذا نظرنا إلى السنّوات الأخيرة نجد في الحقيقة أنَّ هناك غزواً كبيراً جدّاً على الشَّباب، خصوصا في الأفلام وغيرها، ولهذا أنا في نظري أنَّ مِثل هذا والحقيقة نوعٌ من سريان هذه الأخلاق والعادات إلى الشَّباب مع الأسف شَعُروا أو لم يشعُروا وإنّها بسبب كثرة المشاهدة، ثمّ بعضهم يبدأ يألفها مع زملائِه إن لم يكن مشاهداً يبدأ يألفها من زملائه فتكون كالعادة عنده.
        د. الخضيري: والحقيقة أنَّ هذا الأمر فيه نهي بالمناسبة، النّبي قال: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وليشرب بيمينه فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله. وهذا دلالة على تحريم الأكل بالشِّمال والشُّرب بالشِّمال، وأنا أنبِّه هنا على أمر الآن مثلاً في أواني العصيرات والبيبسي وغيرها من المشروبات التي يشربها النَّاس، تجده وهو يأكل الطعام يحاول يشرب باليسار تقول له لماذا؟ يقول لك: حتى لا ألوِّث الإناء! طيب هذا إناء سيُرمى فأيّ معنى للمحافظة عليه! اشرب بيمينك، وكُل بيمينك، وإيَّاك أن تتشبَّه بهؤلاء. العجيب يا إخواني إنّه ذوقياتنا في هذا الِّدين عجيبة جِدّاً، ذوقيات في الإسلام من أعجب الأشياء، حتى في هذا الأمور انُظر إلى الغَرب على ما بلغوا فيه من تنظيم الأشياء وتَرتيبها،إلا أنّهم في هذه الأمور لم يُنَّظِّمُوها وهذا ممَّا أعماهم الله عزّ وجل عنه، يعني هذه اليد وُضعت عِندنا في الإسلام وهي من جسمك جزءٌ منك وُضِعت للأشياء الدنيئة، وهذه اليد اليُمنى وُضعت للأشياء الكريمة، تصوَّر لأيّ درجة من درجات الذّوق وما يُسَمَّى بالإتيكيت وهذا شيءٌ يغيب عن ذِهن هؤلاء بل ولا يُبالون به، بل ولا يُعيرونه أدنى انتباه.
        لعلنا نصل إلى قول الله عزّ وجل (ذلك أدنى ألاَ تعولوا)، معنى (تعولوا) يا دكتور مساعد؟
        د. الطيَّار: تعولوا يمعنى تجوروا، من عال الميزان إذا مال، فألا تميلوا ألا تجوروا، وهذا هو المعنى المشهور في اللَّفظة، والشَّافعي وقبله زيد بن أسلم كان لهم رأي آخر تعولوا بمعنى تكثُر عيالكم من العيلة وكأنّهم نظروا إلى سببٍ من أسباب الميل والجور وهو كثرة العيال، فهل هم فسَّروا اللَّفظة على أنَّ هذا هو المراد منها في لغة العرب، أو أنّهم أرادوا أن يُنبِّهوا إلى سبب من أسباب الميل والجور؟ لذلك والله أعلم أنّه الثَّاني، فإذا كان الثاني فهذا يدل على دِقَّةٍ في فقه هذه الألفاظ القرآنية، وهنا لما اتجّه بعض المفسِّرين إلى بيان المعنى، الأصل هم أرادو أن يُبيِّنوا إلى أحد أسباب ما يقع في هذا الأصل وهو أنّ كثرة العِيال سبب في الميل والجَور، يعني كأنّ ألا تعولوا أي ألا تكثُر عيالكم فتَمِيلوا وتجوروا، فيكون من فسَّرَها بهذا التفسير وهو زيد بن أسلم والشَّافعي لا يعني أنّه لا يثبت المعنى الأصل بل يُثبت المعنى الأصل، وأراد ان ينبِّه إلى زيادة على المعنى الأصل.
        د. الخضيري: لكن قد يَرُد على هذا والله أعلم الآية نفسها، لــمّا قال (فواحِدةً أو ما ملكتم أيمانكم) لمّا أطلق في قوله ملك اليمين، والإطلاق فيه يدل على كثرة العيال، إذاً فلزم أن نقول بما قال به جمهور السَّلف ممن قولهم (ألا تعولوا) أيّ ألا تميلوا.
        د. الشِّهري: المعنى الذي قال به الشَّافعي هو المضمون به أن يفهم هذا الفهم، لأنَّ الشافعي عالم كبير جِدّاً باللُّغة، وأيضاً زيد بن أسلم دقيق في الفَّهم، فالمعنى الذي ذكرت صحيح.
        د. الخضيري: هذه الكلمة يا دكتور عبدالرحمن لعلَّنا نبدأ بها في الحلقة القادمة، ونُفيض في تفصيلها، الحقيقة مشاهدينا الكرام كان الحديث ماتعاً مع الشَّيخين الفاضلين نرجو أن ينفعنا الله بما تحدّثنا به وأخذناه من هذه الآيات الكريمة ، إلى لقاء والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        بُثّت الحلقة بتاريخ 3 رمضان 1431 هـ
        سمر الأرناؤوط
        المشرفة على موقع إسلاميات
        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

        تعليق


        • #4
          الحلقة الرابعة
          تأملات في سورة النساء الآيتين 4 - 5
          د. الخضيري : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. مشاهدي الكرام هذا هو المجلس الرابع من مجالس سورة النساء نسأل الله أن ينفعنا بما فيها من العظات والعبر والدروس والأحكام والحكم ومعي في هذا المجلس مشايخ فضلاء الدكتور مساعد الطيار والدكتور عبد الرحمن الشهري الأستاذين بجامعة الملك سعود .مشاهدي الكرام كنا انتهينا من قول الله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)) قبل أن نلج إلى الآيات الأخرى ونتحدث عنها ينبغي لنا أن نستمع إلى هذه الآيات، إلى تلاوتها ونسأل الله أن ينفعنا بها .
          الآيات :
          (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5))
          د. الخضيري : مشاهدي الكرام بعد أن استمعنا إلى هذه الآيات الكريم نحاول أن نلقي الضوء عليها. قبل أن نبدأ فيها كنا قد انتهينا إلى مبحث دقيق في ختام قول الله (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) وبيّنا أن الإمام الشافعي قال (ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم) فالحقيقة كان للدكتور مساعد تعليق حول هذه الآية أرجو منه أن يعيده .
          د . مساعد : نعم ، قوله ذلك أدنى بمعنى أقرب، (أَلَّا تَعُولُوا) أن لاتميلوا وتجوروا، هذا هو المعنى الأصل لمعنى تعولوا عال يعول بمعنى مال. والشافعي تعالى ذهب وذهب بهذا زيد بن أسلم من التابعين ذهب بها إلى معنى العيلة لا تفتقروا بسبب كثرة العيال. فهم نظروا إلى أحد أسباب الميل وهو العيلة وكثرة العيال فبسبب كثرة العيال يقع الميل والجور. وهذا الأسلوب أسلوب معروف عند المفسرين وهو الإشارة إلى بعض الدقائق التى لايلتفت إليها بسبب النظر إلى المعنى الأصل وهو يعرف بتفسير السبب أو بالمسبب أو باللازم أو بجزء المعنى وكل هذا يقع في التفسير وهو من فقه التفسير لأنهم أرادوا أن ينبهوا على معنى قد يخفى بسبب النظر إلى أصل اللفظ دون الأسباب. طبعًا من أمثلته لو أردنا أن نمثل لكي نكون أكثر وضوحًا في هذا المنهج ابن جُريج المكي لما جاء إلى قول الله يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم قال يمتهنوهن ويجعلوهن في الخدمة يعني يكون رقيقًا. لو تأملنا الآن يستحيون نساءكم معناه يسترقون نساءكم يجعلونهن أرقاء؟ الجواب :لا، لأن هذا ليس معنى هذا، لكن واضح من الآية إشارة إلى المعنى الذي ذكره ابن جُريج وهو يستحيون نساءكم فقابل النساء بالأولاد، يذبحون أبناءكم ما قال يستحيون فتياتكم أو بناتكم إنما قال نساءكم إشارة إلى أنهن يُستحيين ليكبرن فيكن في المهنة والخدمة فيكنّ كالرقيق فعبّر باللازم فلا شك أن هذا من فقه النص وأن هذه الإدراكات الخفية عند السلف مما يخفى على من بعض من ينظر إلى تفسيراتهم بالمطابق كذا معناه في اللغة كذا .
          د. الخضيري : وهذا يعني أن الإنسان إذا قرأ في تفسير السلف ينبغي له أن لايتعجل بالتخطئة قبل أن يدرك المعنى ومسبباته ولوازمه وما يتصل به حتى يحكم حكمًا صادقًا على كلمة هذا الإمام من أئمة السلف بأنها صحيحة أو خاطئة .
          د. مساعد : نعرف أن هذا أسلوب من أساليبهم طبعًا أتعجب من الإمام الطبري لما تعرض لتفسير ابن جُريج قال هذا لايعلم في عربية ولاعجمية واعترض على ابن جُريج اعتراضًا شديدًا مع أنه هو في مواطن كثيرة نبه على أن هذا أسلوب من أساليب المفسرين.
          د. الخضيري : لكنها تحتاج إلى دقة في الفهم وبعد في النظر تجعل الإنسان يحمل الكلام على المعنى الذي أراده به ذلك التابعي أو الصحابي .
          د. مساعد : صحيح الربط بين المعنيين لا شك يحتاج إلى بصر.
          د. الخضيري : ننتقل بعد ذلك إلى الآية التى تليها وهي قول الله .
          د. مساعد: (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4))
          د. عبد الرحمن : نلاحظ الآن الترتيب نلاحظ أنه جاء بالمقدمة في بيان عام بأداء الحقوق (يا أيها الناس اتقوا ربكم) إلى آخره ، ثم جاء بحديث عن اليتامى من الذكور والإناث ثم خصص اليتامى من الإناث بالآية ثم جاء الآن إلى النساء
          د. الخضيري : بعد أن ذكرهن في الآية السابقة
          د. عبد الرحمن :ذكر جزءًا منهن وهم اليتيمات منهن
          د. الخضيري : لا، هذه اليتيمات. لكن ذكر النساء فقال (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) لما ذكر (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) بيّن أنه إذا نكحتموهن فهنا يأتي موضوع
          د. عبد الرحمن : الحقوق (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). لكن أريد قبل أن نتحدث عن هذه الآية أن نشير إلى معنى جميل في الآية التى قبلها في قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) أن هنا يعني الله يقول أن مجرد الخوف من عدم القسط أباح للولي أن يتزوج اثنتين ثلاث أربع كل هذا إكرام لهذه اليتيمة، فهو هنا يقول إذا كان الواحد يعرف من نفسه أنه لايستطيع أن يعدل أو ظنّ فإنه لا يجوز له أن يُقدم لأنه سيدخل في ظلم للمرأة وهذا لاحظوا الآن التعبير بالخوف فيه حفظ في الموضع الأول لحق اليتيمة إذا كنت أنت خائفًا من حق اليتيمة لو تزوجتها من أجل هذا الخوف ورعاية حق هذه اليتيمة أباح الله لك خذ اثنتين وثلاث وأربع لاحظت؟!
          د. الخضيري : نعم .
          د. عبد الرحمن ثم لما أباح لك الزواج أو الجمع هنا حذّرك وقال: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) فلايجوز لك أن تجمع بين أكثر من واحدة (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) وتكفيك !وهذا المعنى يدلك أولًا على شدة رعاية حقوق هؤلاء اليتيمات والنساء والأمر الثاني يدلك على أنه لا يجوز للرجل أن يجمع مع امرأته غيرها إذا كان يعلم من نفسه ويتيقن أنه لن يستطيع أن يعدل لأنه قد نهى عن ذلك مع الخوف والظن فكيف مع اليقين والحقيقة؟! ثم يأتي الحديث الآن عن صداق المرأة (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)
          د. الخضيري : طبعًا هو عبّر عن المهر الذي تعطاه المرأة بقوله (صداق) يقال إن ذلك من أجل أنه يبين صدق الرجل في رغبته في المرأة وهو يُظهر ذلك وهذا مما تميز به الإسلام. الآن النظم الغربية لاتقيم للمهر أي وزن، بينهم اتفاق على أن يتزوجها يذهبون إلى القاضي أو إلى المحكمة فيثبتون أن هذه المرأة قد وافقت على الزواج أو الاقتران بهذا الرجل دون أن يكون لديها ولي ودون أن يكون لديها صداق ودون أن يكون هناك أي شيء آخر
          د. عبد الرحمن: أهم شيء الحب .
          د. الخضيري :إي ، والحقيقة أن المرأة تجبر بالمال فهي لايُدخل عليها إلا بمال ولاتطلق إلا بمال كما بينا ذلك في سورة البقرة لما قال الله (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) فبيّن أن المرأة المطلقة لها متاع وهو جبر لها وخصوصًا مع ضعفها وبذلها لنفسها ليكون هذا الرجل سيّدًا وآمرًا عليها وقيمًا فإن هذا الرجل يجبره بأن يعطيها هذا المال .
          يقول لي أحد الإخوة :حضرنا عقد امرأة أسلمت وكان أحد العرب يريد أن يتزوجها في أسبانيا فلما أرادوا العقد قال العاقد للمرأة :نحن في الإسلام نوجب على الرجل أن يدفع مالًا للزوجة قالت: يعني لماذا ؟! يعني أنا قبلت به فلماذا هو يلزم بالمال؟ قال هذا من شرع الله يؤمر الرجل بأن يدفع مالًا لهذه المرأة يعني أنت ِ ماذا تطلبين؟ فهي استغربت هذا الأمر لأنها لا عهد لها به وليس من ثقافة المجتمع أصلًا فتتذكر شيئًا تحتاجه لكي تقوله في هذا المجلس قالت: طيب يوفر لي الكتب الجامعية التى أحتاجها لأني الآن أدرس في الجامعة، طبعًا الزوج قال: موافق !
          د. عبد الرحمن : طبعًا .
          د. محمد الخضيري: الكتب الجامعية كلها تكلف مائة دولار أو شيء من هذا القبيل مباشرة وافق من أجل أن يحسم القضية
          د. مساعد :وعاد هي بعد ما تزوج يقول لها: أنت ِ لو طلبت أكثر لكان من حقك قالت: ماعلمت أنا عن هذا .
          د. عبد الرحمن ود. مساعد : هذه مثل الأعرابي الذي بال في المسجد
          د. عبد الرحمن : والحقيقة هناك في بعض المجتمعات غير المسلمة المرأة هي التى تدفع مهرًا للرجل
          د. الخضيري : وهذا يسمى عندهم (الدوطة) وقد أصدر مجمع الفقه الإسلامي فتوى بتحريم هذه العادة وهي موجودة في بلاد الهند لأنك تجد بعض العمال من المسلمين الهنود الآن يعملون في بلادنا تجده يعمل عشر سنوات من أجل أن يزوج بناته أو أخواته !!!لأن الرجل لايقدم عليها ولايأتي لخطبتها حتى يكون عندها مال تدفعه وهذا من انتكاس الفطرة، هذا الرجل ينبغي أن يكون قيمًا وباذلًا للمال يلزم هذه الضعيفة ووليها بأن تدفع المال له وهذا بلا شك أنه من البغي والظلم العظيم الذي لا يجوز أبدًا أن يقر . في قوله (نحلة) ما هي الدلالة يا دكتور مساعد ؟
          د. مساعد. طبعًا نِحلة هي العطية التى هي مشوبة بهبة معناه كأنه نحله إياه أعطاه إياه هبة وكونه تورد هذه اللفظة لأنه قال (صدقاتهن) يعني الصداق المعروف (نِحلة) يعني عن طيب نفس، هدية لها.
          د. الخضيري : عجيب !
          د. مساعد : ولهذا سبحان الله كأن أمر الزواج كأنه قائم على أمور عدة من مبدئه في قضية القناعة والتواد والرغبة الصادقة، لو تأملنا اليوم تلاحظ بعض التقارير التى تصدر عن بعض القنوات أو في بعض المجلات أو في بعض دوائر البحث العلمي ما نشاهده اليوم من المبالغات في تكاليف الزواج فهي تخرج عن كراهة جدًا وخبث نفس وهي غير مراد الشرع. العجيب الكل غير مقتنع !!العجيب لو دخلت الزواج كل واحد في الزواج غير مقتنع بما يحصل لا الزوج ولا الزوجة ولا الحضور وأنا رأيت مقابلات كلهم يقولون هذه عوائد دخلت علينا هذه عوائد ما كنا نعرفها
          د. الخضيري : طيب لماذا تنفذونها؟ يقولون مغلوبين على أمرنا
          د. مساعد : من غلبكم ؟!
          د. الخضيري : هذه المشكلة !
          د. مساعد : من الذي غلب؟! سبحان الله، والله أنا شاهدت مرة مقابلات فإذا أنت وأنت وأنت كلكم تكرهون هذا ولا واحد منكم مقتنع بهذه الأعمال إذن فمن هو المقتنع؟
          د. عبد الرحمن : قصدك في المجتمعات الإسلامية؟
          د. مساعد: الخليجية بالذات، يعني تكاليف بعض الزواجات كمستوى أدنى ليلة الزواج مائة وخمسين ألف دولار يقول ليس ريال كحد أدنى !!
          د. عبد الرحمن: دعني يا شيخ مساعد أقول في هذه النقطة أنا شخصيًا أحمل النساء مسؤولية هذه المغالاة تأتيك البنات
          د. الخضيري : يا دكتور عبد الرحمن أشوف يعني باستمرار تحمل النساء
          د. عبد الرحمن : لا، لا، نحن الآن نشاهد في مجتمعنا يعني الآن لما يأتي الرجل ويريد أن يقتصد ويقول لزوجته ولبنته يا ابنتي لانريد أن نكلف على زوجك باستئجار قصر أفراح بمبلغ كبير ولابإقامة وليمة بمبلغ كبير فتقلب البيت إلى مناحة. وأصبحوا الآن يأتي وقت الخطبة الآن أصبح كأنه زواج يستأجرون له قصرًا ويعزمون الناس ويدعون واحتفال طويل عريض ويكلف أكثر من مائة ألف أو مائتين ألف وقالوا هذه المِلْكة ثم يأتي الزواج فيبالغون وأنا رأيت من بعض الناس البسطاء يذهب إلى الفنادق الغالية ويستأجر فيها بخمسين ألف وستين ألف وبعضهم بمائة ألف، لماذا؟ قالت أنا ابنتي ليست أقل من بنت فلان أو بنت فلانة وأصبحت البنت تباهي بذلك أمام زميلاتها ودخلن في باب سباق (الماراثون) من هو الأكثر؟ هذه تكلّف ثلاثمائة ألف وهذه أربعمائة ألف! وجدت أن النساء لهن دور كبير وخاصة أمهات البنات والبنات أنفسهن في المبالغات التى تحصل والمشكلة أن النوعيات من مثل هذه الزواجات غير مباركة سبحان الله، تؤول دائمًا أو غالبًا إلى الفشل وأنه كلما كان الزواج ميسرًا وسهلًا وحتى على الزوج فإنها تدوم المحبة بينه وبين هذه الزوجة بعضهم يقول أنه لا ينظر إلى الزوجة لأنها سبب في الديون
          د. مساعد : تكون أمامه مأساة كلما شاهدها يشاهد هذه الديون التي على ظهره. العقل الآن لماذا يتزوج الشاب من الشابة؟ هل نحن نعينه على أن يديم علاقته وأن يبني بيته؟ أو نعينه على هدم البيت؟ نحن نعينه على هدم البيت وإذا كثر العزاب وكثرت العوانس! يعني من لطائف القصص في قضية المغالاة في المهور والقصص كثيرة جدًا في أحد القصور افتتحوا القصر فكان أول افتتاح لهم زواج، وكان الزواج مكلفًا وقصر أخذ مبلغ وقدره فمدير القصر سنّ سنة قال أنه إذا تزوج عندنا أحد نقتطع من المال الذي أخذناه منه ونشتري هدية للعروسين ونذهب بها إلى بيت العروس ونقدمها له هدية من القصر يعني أنت جئت عندنا هو في النهاية من مال العريس طبعًا هو هدف لطيف من اللطائف يقول أول زواج عندنا كان مكلفًا جدًا مبالغات! فلما انتهى الصيف يقول ذهبت أنا واثنين معي من كبار المسؤولين في القصر وذهبنا إلى ذلك الشخص تلفونه عندنا وكلمناه وقلنا له نحن سنزورك وأنا مستغرب؟ فأتوقع إنه توقع بقي له حق يقول ذهبنا وسلمنا عليكم وعليكم السلام كذا وكذا وكذا وقص علينا يتقدم بهدية للعروسين وبعد ما انتهى قال أنا أطلبكم طلب تأخذون هديتكم هذه وتردونها قالوا: لماذا؟ قال أنا طلقت زوجتي.
          د. الخضيري : لماذا؟
          د. مساعد : ما أدري ما السبب لكن أكيد يكون أحد أسبابها هذه المبالغات الكبيرة جدًا..
          د. عبد الرحمن : خذ عندك من الحكايات في هذا أخبرتني زوجتي يومًا قالت يعني فلانة ستتزوج وسيكون زواجها في الفندق الفلاني فندق غالي جدًا أعرفه ربما استئجار القاعة فيه يقال بالمائة ألف أو أكثر من ذلك
          د. الخضيري : مائة ألف في ليلة ؟!
          د. عبد الرحمن : نعم .أنا أعرف حالهم أنه أقل من المتوسط فقلت لماذا هذه المبالغة وهذه المغالاة على ماذا؟! وقلت في نفسي مثل هذه الزواجات لا تستمر. والله ما جلسنا كما قال الشيخ ربما أقل من شهرين فإذا يبلغني خبر طلاق هذه البنت!! وكانت أمها هي الحريصة جدًا على أنه يقام في هذا القصر وعلى أن يبالغون في إحضار بعض المطربين كلام فارغ! ولذلك أنا أربط بين هذه المغالاة وبين الآية التى بعدها (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم) وأن فعلًا هذه الصفة صفة السفه هي الصفة التي تجعل هؤلاء يبالغون ويغالون ويثقلون كاهلهم وكاهل الزوج وكاهل الأسرة بمثل هذه التي ما أدري ماذا أسميها المهرجانات التى ليست من السنة في شيء ولا من الإسلام في شيء ولامن الألفة ولا من يعني مادام إذا كان هناك أموال زائدة عندك فاعطها لزوج ابنتك ولبنتك ولتكن عونًا لهم على هذه الحياة بدل انفاقها في ليلة كأنها استعراضات .
          د. الخضيري : أحد الإخوة فعل هذا كان قدم أظنّ ثلاثين ألف ريال قال لأخته وأمه الرجل ترى حالته بائسة وما عنده شيء كثير ونحن هذا الرجل غنيمة بالنسبة لنا ما قدم إلا خمسة عشر قالت الأم: كيف ولا يمكن وبنتنا ما تقدّر! قال كذا ! تبغون الرجل أنتم ولا تبغون الفلوس ؟قالت لا نحن نبغى الرجل قال: إذا كان تبغون الرجل، الرجل ترى ما قدم إلا القليل ولكن أنا أضمن لكم إن احتجتم أدفع من مالي ! فمعروف أن الأم والأخت لن يحوجا الأخ أن يدفع من ماله لأنهم يرفقون به واقتطع نصف المبلغ المهم انتهوا من حاجاتهم واقتصدوا فيه اقتصادًا بالغًا بخمسة عشر ألف تقريبًا. لما دخل الرجل على امرأته يعني زفت المرأة إلى زوجها في تلك الليلة جاء وقدّم لها خمسة عشر ألف ريال قال هذا بين يديك الآن تصرفي فيه كيف تشائين !
          د. عبد الرحمن : هو أعطاها ثلاثين ألف ؟
          د. الخضيري : ثلاثين ألف وفّر لها مبلغًأ أفضل لها بدل أن تستعملها في أمور
          د. عبد الرحمن : العادة أنهن يتلفونها تشتري بكل المبلغ
          د. الخضيري ::بدل أن تشتري خمسة أثواب تشتري به ثوبًا نصفها لايصلح ولايعجب الزوج وبدلًا من أن تشتري ثوب العرس بألف ريال تشتري بسبعة ثمانية تسعة آلاف ولايلبس إلا مرة واحدة!
          في قوله (صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) بالمناسبة الشيخ بن عثيمين له لفتة جميلة في هذه الآية قال: يجب أن يكون عن طيب نفس إذا كان عن طيب نفس فإنه لا يحلّ للزوج أن يمن على المرأة بما أعطاها،.يقول أنا كم دفعت عليك! كم أعطيتك! قال يجب أن يكون نحلة يعني عطية عن طيب نفس وإذا كان عن طيب نفس فإنه تحرم المنة به، هذا الملحظ الرائع صراحة! نقول يُكثر بعض الأزواج من ترداد أنا تعبت عليك أنا دفعت ما أدري ماذا وفي النهاية هذا يجرح المرأة جرحا قاهرا ولاينبغي يا أخي ما دمت أعطيت فاتقِ الله واحتسب أجرك عند الله والله عليه الخلف
          د. عبد الرحمن : ومن المعاني الجميلة أن الحياة الزوجية مبنية على المحبة وعلى الود المتبادل وعلى الإحترام وعلى النظر للموضوع على أنها نفس واحدة نصفين يعني في قوله هنا (وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ) أول شيء سماها صدُقات من الصدق معناه هي عطية لكنها عبّر عنها بالصداق من الصدق في المحبة. ثم قال (نحلة) ثم قال في الجانب الآخر (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ) فكلوه معناه أن علاقة الزوج بزوجته ما تعطيه أنت لها ليكن عن طيب نفس وأيضًا هي ما ترجعه لك أو تعطيك المفروض يكون عن طيب نفس. لا تمن ّعليك! للأسف هذا كثير من النساء وكثير من الرجال للأسف يعني سبب الخلافات الزوجية القضايا المالية ما في حاجة اسمها عن طيب نفس إلا كلها مصالح متبادلة فإذا حصل أي خلاف بينهم الخلافات بينهم أنا أعطيتك وأنت أعطيتني وأنا أعطيتك
          د. مساعد : الفقهاء عرضت أكثر من حادثة أن يعرض على بعض القضاة يعني أنه امرأة ردت شيئًا من مهرها لزوجها (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ) فالمهم طلقها فراحت تشتكي القاضي تطلب ما أعطته فجاء الزوج وقال: لقد أعطتني عن طيب نفس قال: لو كان عن طيب نفس لما طلبته، فردوه لها .
          د. الخضيري : عجيب! يعني قد أكرهها
          د. مساعد : لا ما يلزم استدل بتمام طيب نفسها به أنها تطالب به
          د. الخضيري: لكن قد يقال أنها جاهلة
          د. مساعد: أنا أقول من الغرائب لأني أنا استغربت لكن المقصود إذا بلغ المال وخرج منها عن طيب نفس لأنها قد تدعي هي، لكن أيًا ما كان فهو استدل القاضي عن عدم طيب نفسها به كونها طابت به قال لو طابت نفسها به لما طلبته .
          د. الخضيري : في قوله (صَدُقَاتِهِنَّ) يا دكتور عبد الرحمن حقيقة لما أضاف الصدُقات إليهن دل على ملك المرأة لهذا الصداق هنا يأتي السؤال هل يجوز للولي أن يشترط من المهر جزءًا؟ طبعًا إذا كان الولي من غير الأب فلا إشكال في حرمة ذلك يعني هذا ليس محل إشكال يبقى الإشكال إذا كان هو الأب
          د. مساعد : الفرض من الصداق نفسه .
          د. الخضيري : نعم يقول أنا أزوجك بنتي على صداق مقداره مثلًا أربعين ألفًا ولي منه كذا
          د. مساعد : الظاهر من النص أنه لا يجوز
          د. الخضيري : هذا ما ذكره شيخنا العلامة بن عثيمين أنه لايجوز لكن
          د. عبد الرحمن : استدل بحديث (أنت ومالك لأبيك )
          د. الخضيري: نعم
          د. عبد الرحمن : لكن الحقيقة الآية واضحة أنه حق للزوجة للبنت
          د. الخضيري : لكن نقول لبقية الأولياء لايحل لهم أبدًا أن يشترطوا شيئًا من صداق المرأة لأن الله جعله خالصًا لها
          د. عبد الرحمن : وأن الأكمل حتى لو كان الولي هو الأب الأكمل في حقه أن يكون أرفق بالمرأة
          د. الخضيري : أذكر شيئًا مهمًا قد يغفل عنه بعض الآباء والأمهات النبي قال: (من عال جاريتين حتى تبلغا كن له حجابًا من النار) أو في رواية أخرى (من عال جاريتين فربّاهن وأحسن إليهن كن له حجابًا من النار) يعني أنت تبتغي الأجر الأُخروي فماينبغي لك أن تستعجل شيئًا من أجرك فتحرم هذا الخير العظيم في كونك تستعجل والله أنا أبغى صداقها تعبت عليها إلى آخره. دع البنت إن أعطتك شيئًا من طيب نفس وبذلته لك فهذا من برها وعاجل خيرها وإن لم تعطيك فأجرك على الله وإياك أن تستشرف هذا المال الذي قد وقع بيدها .
          د. عبد الرحمن : والله إني أستغرب أحيانًا حين أقرأ بعض الأخبار وبعض الأسئلة التى تسأل فيها بعض البنات وتقول يعني إن والدي يمنعني من الزواج رغبة في مالي أو عندما يتقدم أحد لبعض النساء فيأخذ الوالد الصداق كامل ويترك البنت تتصرف إنت عندك راتب وأقول في نفسي أنا أتمنى الرجل الكفء وأدفع له أنا المهر أشتريه شراء بالعكس أنا من حبي لبنتي أنا أريد أن أدفع إنها تروح للرجل الكفء الذي يستحقها وتستحقه وأستغرب من بعض الآباء الذين يسمسرون لبناتهم إن صح التعبير
          د. الخضيري : ويزعل أن يقال أنت تبيع ابنتك، لو قلت هذه ممكن يغضب ويضرب ـ أكرمك الله ـ بوجهك الحذاء من شدة غضبه وهو في الحقيقة أنه كذلك لأنه لما جاءه فلان الكفء رفضه لأنه ما عنده مهر وافي ولما جاءه فلان وأغدق له المال وقد يكون كبيرًا جدًا في السن وقد يكون والعياذ بالله لايعرف بخلق ولادين أعطاه ابنته هذا بيع يا أخي والله بيع ومع ذلك يزعل أن يقال فيه هذه الحقيقة ولا يرضى بها ويرضى والعياذ بالله أنه يسمسر
          د. مساعد : قال (فَكُلُوهُ)
          د. الخضيري : نعم يا أبا عبد الملك الحقيقة (طِبْنَ) وضوح الطيبوبة في الأموال بمعنى أن الإنسان ما يستحل مالًا إلا وهو يعلم أنه عن طيب نفس من مالكه فلا تحاول تحرج الناس بأخذ أموالهم فلان ما شاء الله ما هذا الجوال الذي معك والله رائع وحلو يعني؟ أعطني إياه، أو فلان ما يقصر بيعشينا الليلة فالرجل خلاص يقول العشاء علي ّ وهو مسكين ما يملك .
          د. عبد الرحمن : والله فعلًا إن هذه ملحظ مهم جدًا نغفل عنه كثيرًا .
          د. الخضيري : يعني النبي قال: (لايحل مال امرىءٍ مسلم إلا بطيب نفس منه) قال بعض العلماء (أخذ المال بسيف الحياة مثل أخذه غصبًا) فيعتبر من المال الذي لا يحل للإنسان ولذلك يقال إن من ألجأته إلى أن يعطيك لا يحل لك أن تأكل ماله يعني تقول ما شاء الله ما هذا الخبز الجيد يقول اتفضل كُل كُل كُل، لا تأكل حتى تعلم أن نفس صاحبه قد طابت به .
          د. عبد الرحمن : والله هذا حقيقة تربية على الذوق في الإسلام .
          د. الخضيري : انتهى الحديث
          د. مساعد : بقي (فَكُلُوهُ )
          د. الخضيري : ماذا تريد تقول فيها ؟
          د. مساعد :أقول فيها مثل ما قلنا في (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ) عبّر بالأكل انظر إلى ارتباط المال مع الأكل الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، لاتأكلوا أموالهم هنا قال (فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا) فعبّر بالأكل كما قيل أنه هو الأغلب .
          د. عبد الرحمن : ويقولون أنه من أخص أوجه الانتفاع بالمال مباشرة وأكثر وجوهه
          د. الخضيري: في قوله (هَنِيئًا مَرِيئًا) يقال إن الهنيء في ذاته والمريء في عاقبته فهو في العاقبة مريء وهو في ذاته هنيء. علي بن أبي طالب له وصفة طبية جميلة عندماجاءه رجل مريض قال: انظر شيئًا من مهر امرأتك لو طابت لك عنها نفسها واخلطه بعسل وماء زمزم قال يجتمع لك الهنيء المريء الشفاء فيكون فيه العافية. لا قال بماء السماء ماء مبارك ماء السماء .
          د. مساعد : الهنيء المريء مال المرأة
          د. الخضيري : نعم، والعسل قال فيه شفاء، جمع لك الشفاء المبارك الهنيء المريء فتكون عافيتك فيه .
          د. عبد الرحمن : والله هذا الحديث يفتح الباب للذين أزواجهم موظفات لأنهم يطالبونهن بالمال الآن !لأن المرأة الآن إذا طابت نفسها للزوج بشيء من مالها أن يكون فيه هذه الصفات مشكلة؟
          د. مساعد : طبعًا المريءء فيه معنى أنه الذي يُستمرىء أي يستساغ ولايجد الإنسان فيه ولا غصة لأنه مرتبط بالأكل بالمريء .
          د. عبد الرحمن : هل يا ترى هو مجرب الكلام عن علي ّ بن أبي طالب ؟
          د. الخضيري : لا أدري ، ولاعن صحة الأثر الذي ذكره
          د. مساعد : لكن فيه لطافة
          د. عبد الرحمن :نعم فيه لطافة الحديث جميل جدًا أول مرة أنتبه له،
          د. الخضيري : في شيء مهم جدًا أحيانًا تأتي لفظتين في الآية مثل هنيئًا مريئًا فالإنسان يفهم معناه جملةً لكنه لايتنبه إلى دقة القرآن في اطلاق مثل هذه الأوصاف وأن كل واحد منهما مقصود بذاته وله معنى ً مستقل به ينبغي أن تنتبه له أنا كنت أقول هنيئًا مريئًا يعني طيبًا
          د:مساعد : تأخذها هكذا !
          د. الخضيري : نعم، لكن (هنيء) يعني هنيء في ذاته، (مريء) في عاقبته وعاقبته لايمكن أن تكون إلا خيرًا هذه حقيقة
          د. مساعد : وبعضهم من عبر بـ (هنيء) أنه الحلال و(المريء) بالطيب يعني الحلال الطيب وهو تفسير معنى وإلا الأدق ما ذكرت يعني الهنيء في ذاته المريء في عاقبته. لكنه أحيانًا قد تأتي التعبيرات منه للتفسير العام لمعنى الهنيء المريء يعني الحلال الطيب فكل ما كان حلالًا طيبًا فهو هنيء لأنه سيكون في ذاته يهنأ به الإنسان وهو يأكله، مريء أيضًا في عاقبته لأنه حلال طيب فيكون في عاقبته بالنسبة له أيضًا فلايكون لو كان حرامًا لما كان هنيئًا مريئًا أيضًا لو أخذه بهذه الطريقة اغتصبه بطريقة ما حتى الإنسان يكون عنده في نفسه شيء من هذا المال فلايكون عنده الهنيء المريء .
          د. الخضيري : (صدقاتهن) عُبِّر عن الصداق في الآية هنا بلفظة الصداق للدلالة على الصدق والرغبة. في بعض الآيات (آتيتموهن أجورهن) فسماه أجرًا ما هي دلالة هذا الأجر؟
          د. عبد الرحمن : أن الله سبحانه سوف يأجرك على عليه إذا صدقت نيتك في إعطائه
          د. الخضيري : لا، ما يظهر هذا لكن ليعلمك أن المسألة فيها حقوق وأن بذل المال يقابله بذل البضع من المرأة ولذلك المرأة إذا منعت بضعها ما استحقت أجرها!، نعم لو قالت أنا لا أمكّنه من نفسي ما تستحق النفقة لأنه لأن الانفاق في مقابل شيء يُبذل من المرأة (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ) (فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) لذلك الإنسان إذا دخل على امرأة فاستمتع بها وجب عليه أداء هذه الأجرة حتى لو كان النكاح نكاح شبهة وجب عليه في مقابل اتلاف البضع الأُجرة انظر كيف استعمل الصدُقة عندما يكون هناك الرغبة في النكاح في البداية والأجرة عندما تكون هناك حقوق، لاحظ (فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة).
          د. عبد الرحمن : نعم نعم وهذا معنى دقيق جميل
          د. عبد الرحمن : ننتقل إلى الآية التى بعدها ياشيخ مساعد ؟
          د. مساعد : أنا أقول في الآية نفسها لو تأملنا الآن لما قلت لكم في بداية الخطاب (وآتوا اليتامى) ثم قال (وآتوا النساء) لما تكلمنا عن آيات الحقوق فالآن المقام مقام اعطاء والمقام مقام استرجاع حقوق لما تقول أعطه حقه كأن المال ليس لك وإنما هو وديعة ترده إلى صاحبه
          د. الخضيري : ولذلك يجب وفاؤه كاملًا
          د. مساعد: ولهذا أنا ألاحظ لما قال فقط (وآتوا اليتامى) ثم قال هنا (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) مع أن الحال مختلف في الأول الأصل المال لليتيم فينتقل من المتصرف إلى اليتيم انتقال من صاحب التصرف إلى صاحب الحق. وفي الثاني الأصل في المال أنه للرجل ولكنه في هذه الحالة إذا ثبت زواجه كأنه صار هذا المال ليس حقًا له فينتقل منه إلى صاحب الحق وهو المرأة ولذلك قال (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة). (فإن طبن لكم عن شيء منه) لاحظ قدم الضمير (لكم) لأنه هو المقصود بالخطاب (عن شيء منه) هل (منه) للتبعيض أو للجنس؟ طبعًا لو قلنا للتبعيض سيكون فإن طبن لكم عن شيء من المال، بعض المال وإن قيل للجنس يمكن أن يشتمل الجميع فإن طبن لكم عن جميعه فإذا فكأن المعنى إن طابت نفسها عن شيء عن بعضه أو عن كله جاز لها ذلك لأن هذا حق لها فيجوز لها أن تطيب نفسها ببعضه أو أن تطيب نفسها به كله بمعنى أن قوله (فإن طبن لكم عن شيء منه) فبأي شيء منه كان قل أو كثر حتى أنه يصل إلى حد كمال المال فقال (فكلوه هنيئًا مريئًا) أنا فقط قصدت أن ننتبه دلالة (منه) ودلالة ( آتوا).
          د. عبد الرحمن :ألا يمكن أن يقال أن حمله على التبيعض أرفق بالمرأة (فإن طبن لكم عن شيء منه)
          د:مساعد :وهذا هو الغالب
          د. عبد الرحمن :أنك لاتوافق على أن تأخذ مالها كله ولو طابت نفسها به وإنما تأخذ شيئًا منه وتترك لها الباقي .
          د. الخضيري : في قوله (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) بعد ماذكر ايتاء الولي اليتامى (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)) أولًا دعونا نتحدث عن السفهيه من هو ؟ أبا عبد الله
          د. عبد الرحمن : طبعًا السفه في اللغة العربية هو الخفة لذلك يقولون إذا حركت الرياح أعالي الأشجار قالوا: تسفّهت الأشجار لأنها خفيفة فحرّكتها الرياح. الرجل السفيه خفيف العقل والثوب السفيه يعني الثوب الخفيف ولذلك عندما قال الله: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) قال السفهاء لأنهم سفهاء عقول خفاف عقول هذا هو السفه. فعندما ترى الرجل لايحسن التصرف يقال هذا رجل سفيه خفيف العقل كأن الرجل العاقل يقال له رزين رازن لأن تصرفاته تدل على ثقله ورزانته. فقوله سبحانه (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) الحقيقة هذه الآية يدخل فيها السفهاء من اليتامى ويدخل فيها السفهاء من النساء والسفهاء من الزوجات ولاحظ أنه عقّب بها بالحديث عن اليتامى والحديث عن اليتيمات والحديث عن الزوجات النساء ثم جاء وقال (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)) فيدخل فيها كل من اتصف بهذه الصفة أنك لاتؤتي المال وتمكّن من المال من كان يتصف بهذه الصفة سواء كان من الأيتام الذين تحت ولايتك أو من اليتيمات أو من الزوجات أو من الأبناء أو من البنات يعني تعولهم فإن الله نهى أن يؤتى هؤلاء هذه الأموال لتبذيرها والعبث بها .
          د. الخضيري : طيب تأكيدًا لهذا المعنى لعلنا نعود إليه في حلقة قادمة إن شاء الله تعالى ونحوم حوله بشكل أكبر. الحقيقة الحديث معكما لا يمل ، مع كتاب الله فيه من العبر ومن العظات الشيء الكثير ونحن نتحدث تبدو لنا أشياء كثيرة نسأل الله أن ينفعنا بكتابه وأن يجعلنا من أهل القرآن الذبن هم أهل الله وخاصته .مشاهدينا الكرام تختم بهذا حلقتنا ونقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
          بُثّت الحلقة بتاريخ 4 رمضان 1431 هـ
          سمر الأرناؤوط
          المشرفة على موقع إسلاميات
          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

          تعليق


          • #5
            الحلقة الخامسة
            د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه ومن والاه. مشاهدي الكرام تحدثنا في المجلس الرابع الماضي من مجالس تفسير سورة النساء حول قول الله (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً4) ثم قال الله بعدها (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) وفي هذه الآية كنا قد ابتدأنا حول تعريف السفه وبيان حقيقة السفيه واليوم نتم الحديث حول هذه القضية بإذن الله ونسأل الله أن يوفقنا فيه للخير لكن بعد أن نستمع لجملة من الآيات فدعونا ننصت لها ونسأل الله أن يجعلنا من الخاشعين .
            الآيات :
            (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6))
            مشاهدي الكرام بعد أن استمعنا إلى هذه الآيات الكريمة نبدأ الحديث حول قول الله (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)) قوله (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ) بينا فيما سبق حقيقة السفيه وأنه الذي لايحسن التصرف في الجملة وسواء كان هذا من الرجال الذين يوصفون بالسفه وهذا الوصف حقيقة فيهم أو من الأطفال اليتامى الذين تقدم ذكرهم في الآية أو من النساء وقد حمل كثير من السلف السفه وفسروا السفهاء على النساء منهم ابن عباس وليس هذا لأن السفه مقصور عليهم ولكن لبيان أنه كثير فيهم وأن كثيرًا من النساء لا تحسن التصرف في المال وتصرفه في غير الأمور المهمة ولاتجعله في الأمور التى لا تقوم الحياة إلا بها، فتجد المرأة تبدل في الملابس وتغيّر في المجوهرات وفي أشياء كثيرة ليست هي من أساسيات الحياة، فيذهب المال من بين يديها ولعل والله أعلم الإحصائيات تحكي هذا وبكل قوة. أنا قرأت مرة إحصائية إنه 61% من القوى العاملة في العالم هي من النساء و 1% من مدخرات الموجودة في العالم هي من ملك النساء مما يدلك على أن النساء لا يحسنّ التصرف في المال ولا يبقين منه شيئًا ولذلك إذا وقع في أيديهن مايحسن أن يحافظن عليه ويبقينه للمهمات
            د. الشهري : هذا طبعًا غالبًا وإلا فيهن ممن يحسن التصرف.
            د. الخضيري : هذا غالبًا وإلا منهن من هو خير من كثير من الرجال ولكن ينبغي للزوج وينبغي للأب وينبغي للأخ وينبغي ممن ولاه أمر امرأة أن يتبين فيها هذا فإن كانت تحسن التصرف أباح لها التصرف في مالها وأن تقوم عليه كما تشتهي وتحب وإن كانت ليست بذاك فليأخذ على يدها كما أمر الله في هذه الآية .
            د. عبد الرحمن : طبعًا تلاحظ سبحان الله تعالى في هذه الآية تحميل المجتمع مسؤولية المحافظة على المال بصفة عامة في قوله (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) ففيها أول شيء تحميل المسؤولية لكل من يصح منه الخطاب سواء كان وليًا ليتيم أو وليًا لنساء زوجة أو غيرها أو كان خطابًا لمن لديه أبناء كبار ولو كانوا كبارًا في السن تحميل المسؤولية لأنه أضاف المال له فقال (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ) فالوصف أو الإضافة هنا أنها من باب تحميل المسؤولية لك يعني هذا المال مالك ولايصح لك أن تؤتي السفهاء الذين هذه صفتهم عندما قلنا أن السفه هو الخفة والتى تظهر في عدم حسن التصرف للمال وإساءة حسن التصرف في المال قد تظهر من الصغير وتظهر من اليتيم وتظهر من المرأة وقد تظهر من الكبير الذي لايُحسن التصرف. فبعض السفه هنا في هذه الآية علامته عدم إحسان التصرف قد يكون هذا من طفل صغير أو من امرأة صغيرة أو يكون من واحد كبير لكنه سفيه عمره يمكن ستين سنة لكنه سفيه ينفق الأموال في غير وجهها. هنا تأتي تحميل المجتمع مسؤولية الأخذ على يد هؤلاء والحجر على السفهاء ومنعهم من إساءة التصرف بحيث يضر بالمجتمع وهذا يقع كثيرًا الآن ولهذا قال (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) وأن المجتمع لايقوم إلا بالمال وكل من يعبث به ولو كان يملكه فهو يعبث بالإقتصاد العام الذي يستدعي التدخل من المجتمع للحجر على السفيه وهذا مبدأ في الإسلام وهو الحجر على السفهاء عندما يظهر من السفيه وإن كان يتصرف في ماله إلا أنه يتدخل في مثل هذه الحالة ويحجر على السفيه ويمنع من إساءة استخدام ماله .
            د. الخضيري : الحجر عند الفقهاء طبعًا على نوعين:
            1ـ حجر لحظ النفس .
            2ـ وحجر لحظ الغير.
            الحجر لحظ النفس هو أن يحجر على الإنسان في التصرف في ماله لئلا يفسده فهذا يسمى حجر على النفس بمعنى أن يحفظ له ماله كالحجر على الصغير وغير الرشيد في التصرفات المالية.
            وحجر لحظ الغير هو أن يكون الإنسان قد تراكمت عليه الديون ولا تسدد موجوداته بديونه لا تفي بهذه الديون ويأتي الدائنون ليطالبوا بالمال فهنا يحجر عليه بمعنى أنه ما يتصرف في المال لئلا يضر ببعض الدائنين دون بعض يعني يؤثر بعضهم على بعض لمكانته أو قربه أو غير ذلك يحجر عليه ويأتي الحاكم أو القاضي ويقسم هذا المال بين الغرماء كل بحسبه، هذه أنواع الحجر.
            السؤال هنا يا شيخ مساعد (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ) هل المعنى لا تؤتوا السفهاء أموالكم أم أموالهم وسماها أموالكم؟ لأنكم تشرفون عليها ؟
            د. مساعد : وهذا الظاهر (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ) هي تحتمل أهم شيء الصفة الأخرى (التى جعل الله لكم قيامًا) يعني أنتم تقومون عليها بالحفظ والصيانة. فهذا الذي تقومون عليه بالحفظ والصيانة مخالف له أن تعطوه السفهاء لأنهم سيعملون بها خلاف ما هو مطلوب منكم من حفظها .
            د. الخضيري : إذن يصح في الآية فيما يظهر من الحكمة التي ذكرت أن يقول ولا تؤتوا السفهاء أموالكم أنتم فيضيعوها وحرام عليكم أن تدعوها
            د. مساعد :فهو نوع من التبذير أو الضياع.
            د. الخضيري : أو أموالهم هم وجعلها أموالًا لكم لأنكم أنتم تحميلكم مسؤولية إدارتها .
            د. مساعد: وتحفيز على الحفظ كأنها أموالكم ولهذا لاحظ (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) أصل مادتها باقية وهم يرزقون فيها كأن المقصود يدور ويتاجر به وينمّى ويكون الرزق فيه لا منه، ليس مستقطعًا منه وإنما كأنه جزء من المال .
            د. الخضيري : لاحظ قول الله تعالى (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ 8) لأنه من أصل المال يقتطع منه أما هذا كأنه حث للأولياء على أن لايجمدوا هذه الأموال فليعملوا فيها حتى يرزق هؤلاء فيها في هذه الأموال ولا يقتطع منها .
            د. مساعد : ولهذا من الفوائد الانتباه إلى الضمائر وكما كنا ندعو دائمًا لو أن قارئًا أخذ هذه الصفحة وبدأ ينظر إلى الضمائر فقط من بداية الصفحة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ) إلى (حسيبًا) نهاية الآية رقم ستة ويتأمل في الضمائر وعود الضمير سيجد سبحان الله مفاجأة أن الضمائر كثيرة جدًا يعني يمكن أنا الآن لا أعرف كم ضميرًا في هذه الصفحة لكن يمكن أقول حدسًا أنها تتجاوز عشرين ضميرًا في هذه الصفحة، معنى هذا أن الضمائر كثيرة جدًا جدًا ولهذا كان من أكثر علماء التفسير عناية بالضمير ـ فيما أعلم الآن ـ إثنان الطاهر بن عاشور من المتأخرين والطبري من المتقدمين العناية بمرجع الضمير وهذا أمر مهم جدًا لماذا؟ لأنه لاحظ الآن بعض الأحيان تأتي مخالفات في الضمير (َكلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ11) وقال (فَمَن شَاء ذَكَرَهُ 12)) ولم يقل (ذكرها) فما العلاقة بين الضمير المؤنت والضمير المذكر ؟
            (َكلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) يمكن تكون لقصة عبس أو الآيات (فَمَن شَاء ذَكَرَهُ) أي ذكر القرآن وإنما عبر بالضمير المذكر وهو أشمل هنا لأن الضمير المؤنث إن رجع إلى الآيات أو رجع إلى قصة عبس فهي جزء منه فابتدأ بالجزء وختم بالكل. فهذا أمره كثير جدًا ولهذا نحن الآن نلاحظ أنه قال (فارزقوهم فيها) وفي الآية الأخرى قال (منه) فخالف بين الجار والمجرور وعود الضمير إليه فهنا (فيها) دل على أنهم كأنهم هم في هذا المال لاينقطع عنهم بخلاف (منه) يقتطع من هذا المال وليس لهم علاقة به أبدًا أما ما دام فيها فما زال لهم ارتباط بهذا المال.
            د. الخضيري : جميل، دكتور عبد الرحمن لو سمحت لما عرّفت السفيه وقلت هو غير الرشيد قد يفهم كثير من الإخوة المشاهدين بأنه الإنسان الذي يشتري الشيء الرخيص بثمن غالِ مثلًا وما يعطي الأشياء قدرها ولا يحسن المماكسة ويبذل المال الكثير في أشياء مثلًا تافهة الفقهاء ذكروا شيئًا غريبًا جدًا أنا أخشى لو ذكرناه أن ينبهر كثير من المشاهدين من موضوع السفه، من ينفق المال في معصية الله عدّه كثير من الفقهاء أنه من السفهاء .
            د. الشهري : لاشك، والسفاهة تظهر فيه أكثر مما تظهر في ما نسميه الغبن في البيع يعني كونك تشتري شيئًا بثمن غالٍ جدًا أنا أعتبره ظهور السفه أقل من ظهوره في رجل يبذل أمواله في معصية الله وينفقها في معصية الله
            د. الخضيري : لاشك لكن هل يمكن تطبيق هذا في الواقع ؟ الواقع إنه أكثر الناس ونحن نقول هذا والله ولا نتمنى للناس إلا الخير
            د. مساعد : بارك الله فيك ، لكن الحرص عليهم!
            د. الخضيري : إي والله أنهم يبذلون أموالهم في معصية الله واحد يشتري أشياء للغناء والعياذ بالله للفواحش وكذا ولايمنعه أحد من التصرف في ماله لو كان الحقيقة أولياء الأمور يجعلون على مثل هؤلاء من يقوم عليهم متى رأوا منهم إسرافًا في شراء أو بذل المال في مثل هذه المعاصي بالمال أن يؤخذ على يده وأن يحجر عليه. المهم أن الفقهاء نصوا على أن من صرف ماله في معصية الله دخل في السفاهة.
            د. عبد الرحمن: أنت تتحدث عن معناها الذي تدخل فيه ثم تطبيق هذا شأن آخر. لكن إيراد هذه الآية ضمن الحديث عن اليتامى لأن أكثر المفسرين عندما يأتون إلى الحديث عن السفهاء ينصون إلى اليتيم الذي لا يحسن التصرف في ماله وأنه لا يرتفع عنه هذا الوصف ووصف اليتم إلا إذا تأكدت من أنه يحسن تصريف المال
            د. مساعد: وهو يرتفع عنه وصف اليتم لكن لايرتفع عنه وصف السفه
            د. عبد الرحمن: فأقصد أنه يبقى وصف السفه عليه ما دام لا يحسن التصرف ما دام أنه كبر.
            د. مساعد : فلذلك قال (فإن آنستم منهم)
            د. عبد الرحمن : (رشدًا) المفسرون دائمًا يركزون على اليتيم عند الحديث عن هذه الآية في حين أن يدخل فيها كما قلنا النساء واليتامى وغيرهم يدخلون في وصف السفه والعموم فيها واضح وأنه منهي للرجل أن يعطي ماله أو يُمكّن من ماله السفهاء سواء كانت من زوجة أو من أبناء أو من بنات أنه لا يجوز أن يمكن هؤلاء إذا كانوا يتصرفون فيه تصرف سفيه من المال وأيضًا قال (وارزقوهم فيها واكسوهم) ليست مقصورة ـ فيما يبدو لي ـ على اليتيم أنه أمر للولي بأن يستصلح أمر اليتيم ويثمره له ويعطيه فيه كما تكلَّمت وإنما حتى الأبناء فإنك تنفق عليهم بإحسان وتعطيهم بإحسان ولكن تطلق أيديهم في مالك فيتصرفون به تصرفًا غير لائق .
            د. الخضيري : في قول الله ـ ـ يمكن أبو عبد الملك أشار إليها نريد أن نقف عندها (التى جعل الله لكم قيامًا) ألا ترون أن هذا فيه رفع من قدر المال وأهميته في بناء الحياة وفي إنشاء المشاريع وفي عز الأمة وفي إغناء الإنسان عن السؤال وغير ذلك؟! وأن مشكلة كثير من الناس أنه لايقدُر هذا المال قدره فتجده مثلًا في الصيف نحن الآن في الصيف تكلفه سفرة واحدة مثلًا تكلفه مائة ألف ريال!، لماذا مائة ألف نقول له أنت كم راتبك؟يقول خمسة آلاف أو أربعة آلاف ريال يعني ضعف راتبه قرابة عشرين مرة !
            د. مساعد : من أين أتى به؟!
            د. الخضيري : إما جاءت من حرام أو أنه والعياذ بالله استدان وهذا ما يفعله كثير من الناس يستدينون رحلة مدتها أسبوع أو أسبوعين تذاكر طيران وفنادق فخمة وأكلات وملابس وشرب وفي النهاية انتهت الأموال ولم يبنِ بها بيتًا ولم يبق لأولاده الصغار شيئًا ولم يدخر للزمن المقبل، ما يدري الإنسان عن تقلبات الزمن. فقوله (جعل الله لكم قيامًا) يدل على شرف المال وأن الناس يجب عليهم أن يُراعوا نعمة الله عليهم في المال وأن لا يبذلوه إلا في موضعه ولذلك يقولون (ما عال من اقتصد) كيف؟ من اقتصد يعني من درس كيف يضع المال كيف يوفره كيف يسوسه .
            د. عبد الرحمن: هذا النوع لا يفتقر
            د. الخضيري : أبدًا، والواقع يدل على ذلك. أضرب على ذلك مثال بعض الجنسيات الآن في بلادنا معروفة وأنا ما أحب أن أذكرها تجد الواحد منهم راتبه ألفين ريال مع ذلك لا يسأل !عنده سيارة وعنده شقة وعنده من المتاع يعني إذارأيت إلى لباسه وإلى أثاثه يعني ما تميزه كثيرًا عن سائر الناس مع أن المبلغ الذي يستلمه من عمله زهيد! من أبنائنا نحن في بلادنا من يستلم خمسة آلاف ومع ذلك ما ينتهي نصف الشهر ومعه من ماله شيء كيف يا أخي هذا الأمر؟! إلا للدلالة على أنه لايملك حسن التصرف في المال ولا عنده أي رشد ليصرف هذا المال، لماذا؟ فاتورة الجوال ألف وخمسمائة ريال، طيب بالله عليك هذا يبني مجدًا لنفسه وأبنائه؟ّ! يبقى طول عمره في ايجارات يبقى طول عمره مسكين ما استطاع يبني نفسه .
            د. الشهري : والله سبحان الله مظاهر السفه في حياتنا اليوم كثيرة .
            د. الخضيري : خصوصًا مع الرفاهية التى حصلت اليوم يعني لسهولة الحصول على المال .
            د. الشهري : بالضبط، تلاحظ الآن معظم الناس الآن يحرص على شراء أجهزة الجوال الحديثة
            د. الخضيري : مع أنه لا يستفيد من كثير من خدماتها !!!
            د. مساعد : أنا ألاحظ، نعم تجد أنه يملك جهاز جوال تجد أن أسعارها في الألفين وراتبه أنا أعرف أنه لايتجاوز الألفين أو الثلاث أو الأربع والخمس آلاف !
            د. الخضيري : كيف هذا يكون ؟!
            د. عبد الرحمن : كيف يكون هذا؟ لماذا هذه المبالغة والمباهاة يجاري الأغنياء وأصحاب الدخل المرتفع يجاريهم في أكلاتهم في عاداتهم وفي لباسهم وفي أجهزتهم وهذا أنا أعتبر أنه من السفه أليس كذلك ؟!
            د. الخضيري : بلى .
            د. عبد الرحمن : حتى فيما ذكرت قبل قليل وأنا عجبت وسمعت فيما سمعت حتى تيقنت من مثل هذه الأشياء من يستدين ويأخذ قرضًا من البنك من أجل أن يسافر في الإجازات !!يأخذ خمسين ألف أو ستين ألف ويسددها في سنتين أو ثلاث من أجل ماذا؟ قال: والله يروح يتمشى! ويستمتع! ما هذا ؟ !!أنا ما اقتنعت بمثل هذا الأفكار وهي أشبه ما تكون بالدخول تحت هذه الصفة وهي صفة السفه .
            د. الخضيري : قوله (الذي جعل الله لكم قيامًا) ينبغي لنا أن نراعيها، النبي نهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال. (إضاعة المال) يعني أن يأتيك الله مالًا يمتحنك الله به فتذهب وتبذله في غير وجهه..
            د. عبد الرحمن : ليس المقصود به فقدانه وإنما أن تنفقه في غير وجهه .
            د. الخضيري : نعم، وشراء أشياء تجاري بها الناس وتحاول أن تصرف بها وجوههم أو تقلد بها من وسع الله عليه، يا أخي أنت مُدّ رجلك ـ كما يقولون ـ على قد لحافك!
            د. مساعد : في قوله (وقولوا لهم قولًا معروفًا) هذه فيها إشارة إلى أنه قد يصدر من السفيه ما يزعجك أيها القيّم على المال .
            د. الشهري :قطعًا سيصدر !
            د. الطيار : صحيح، ولهذا سبحان الله .
            د. الخضيري : يا بخيل، أنت ضيقت علي ّ!
            د. الطيار : أنت ضيقت عليَّ ، أنت لم تعطنِ مالي، أنت لم تفعل!، فسبحان الله كيف يأتي هذا الأمر للقائم إشارة إلى أن هناك شيئًا سيحصل لكن هذا الأسلوب القرآني قد يقول قائل ما علاقة (ولاتؤتوا السفهاء أموالهم) و (وقولوا لهم قولًا معروفًا)؟
            د. الخضيري : يعني إذا رددتموهم عن أموالهم التى بين أيديكم فتلطفوا في القول لماذا؟
            د. مساعد : لأنه قد يحصل منهم ما يسوؤكم .
            د. الشهري : مائة في المائة سيحصل
            د. الخضيري : هذا واحد يا أبو عبد الملك أيضًا ثانيًا من أجل أن تدرؤا ما بأنفسهم
            د. مساعد : هذا جيد .
            د. الخضيري :يعني مسكين لما يقول لك يا أخي هذه فلوسي أعطني إياها فتقول له: لا أنت رجل ما شاء الله تبارك الله وأنا فقط من أجل مصلحة مالك وأبشر بالخير وكلها فقط سُنيّات يسيرة وأموالك كلها بيدك وأنا أؤمل فيك الخير الكثير وما أخذتها والله إلا من أجل مصلحتي ومصلحتك مثلًا مثل هذه العبارات هو ينتفخ ويرضى وهذا يدلنا على أن الإنسان لضعفه الكلام يغنيه عن كثير من الأشياء وأن الناس لو أحسنوا سياسة من حولهم بألسنتهم لصلحت أحوال كثيرة ومنها المرأة ، المرأة والله بذاتها والله أنا أتوقع أن كثيرًا من الرجال
            د. الشهري : يُحسن التعامل معها
            د. الخضيري : نعم، بعبارت وألفاظ فترضى بكثير يعني النساء يرضيهن كما يقال في البيت يغرهن الثناء كما يقال في البيت :
            د. الشهري :
            خدعوها بقولهم حسناء والجوارِ يغرهن الثناء
            د. الخضيري: يعني الكلام المعسول هذا يجعل المرأة ترضى بالقول المعروف هذا .
            د. الشهري : ولا شك أن هذا من الحكمة في إدارة الحياة .
            د. مساعد : ولهذا نقول التركيز على القول المعروف وهذا أيضًا بحث موضوعي في أنه لو نظرنا إلى توصية القرآن بالقول بالمعروف طبعًا بالقول بالمعروف في أكثر من موطن سواء قولوا للناس حسنًا أو القول بالمعروف والنظر إلى المواطن التى أمر فيها بالقول في المواطن الحساسة فيها شيء شائك التي ترتبط بالنفوس يحتاج إلى إنسان قوي النفس يكون عنده تحمل في أنه يقابل ماذا؟ الإساءة بالإحسان لايستعجل فيرد الإساءة بالإساءة .
            د. الخضيري : انظر الآن إذا سألك سائل ولم ترد إعطاءه إما لأنك لاتقدر أو لأنك لم (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى البقرة263 هذا نفس المعنى الموجود في الآية لكنه في مجال آخر من مجالات الحياة .
            د. عبد الرحمن : طبعًا (قول معروف) المراد به القول الحسن لأن أحيانًا بعضهم يقول القول الحسن هو: القول الذي تعارف عليه الناس وكذا وإنما القول المعروف وفي قوله هنا قول معروف: هو الحسن
            د. الطيار: نعم، في سورة الإسراء (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً الإسراء 28 سماه القول الميسور. الحقيقة هذه الأوصاف اللطيفة لهذا المنطق الذي يُطلب من المسلم أن يكون دائمًا يتكلم بالقول الحسن، القول المعروف، القول الميسور، أوصاف سبحان الله تعطي المسلم لو طبقها تعطيه لسانًا طيبًا. ولهذا سبحان الله لو تأملت حال بعض العصاة ونظرت إليه قبل أن يهديه الله وبعد هدايته كيف سبحان الله لغته تبدأ تتغير من السباب والشتام والكلام السيء إلى الكلام الحسن يعني سبحان الله ينقلب انقلابًا شديدًا بدل أن يقول لك (الله يلعنك) يقول ( الله يغفر لك ) يعني انقلبت من هنا تربية ، لا شك أن هذه دعوة الإسلام ولذلك وصف الرسول حتى في كتب بني إسرائيل أنه ليس بصخّابٍ في الأسواق وليس بسبابٍ ولا شتّام ٍ وهذا وصف موجود عندهم. هذه أنا أقول مهم جدًا أن نلتفت إلى أن ننتبه لهذه الخاتمة في قوله (وقولوا لهم قولًا معروفًا) كأن فيه إشارة لما ذكر الدكتور محمد فإنه لو طلبوك وأردت أن تطيب خاطرهم بالكلام الطيب وأيضًا لو أساؤوا لك بالكلام فأيضًا ترد عليهم بالقول المعروف .
            د. الخضيري : بالمناسبة الحقيقة أنا أقول أن العادة الجارية بين عوام الناس لما يكون إنسان ضعيف أو سفيه أنه لا يسمع إلا الكلام الجارح اسكت أنت خبل ما فيك خير أنا جالس أقوم على مالك لأجل مصلحتك لأنك إنسان ما تفهم ولأنك إنسان كذا والعبارات التي فضلًا عن طون المال أُخذ من يده أضيف إليها والعياذ بالله جرح اللسان أشد من جرح اليد تصور ماذا يبقى من هذا الإنسان من كرامة؟! خلاص الآن كأنك تلغي إنسانيته وتجعله مثل البهائم بل أسوء نسأل الله العافية .
            د. عبد الرحمن : الآية التى بعدها يا مشايخ (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) تلاحظون في الآية التى قبلها أنه جاء فيها النهي (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) ثم ختمها بالأمر (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) ثم جاء الأمر (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ) أولًا هنا لما جاء ذكر اليتامى (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى ) فيه دلالة على أنه السفهاء في الآية التى قبلها يدخل فيه السفيه ويدخل فيه غيره ممن اتصف بصفة السفه يعني الله لم يقل ولاتؤتوا اليتامى أموالكم وإنما قال (ولاتؤتوا السفهاء أموالكم ) فيه إشارة إلى أن الصفة التى جعلت أو التي أدت إلى المنع هي صفة السفه وليس صفة اليتم أليس كذلك ؟
            د. الخضيري : نعم .
            د. الشهري : لما يأتي في الآية التي بعدها فيقول (وابتلوا اليتامى )والإبتلاء هنا بمعنى الإختبار (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) ولذلك يقول العلماء كيف تبتلي اليتيم؟كيف تستطيع أنك تبتلي اليتيم وتشوف هل هو يحسن التصرف أو لا يحسن التصرف ؟
            د. مساعد :يبدو أنها مفتوحة كلٌ بحسبه أليس كذلك ؟
            د. الشهري : أحسنت، لكن قالوا تعطيه جزء من المال وتنظر كيف يتصرف
            د. الخضيري : فإن اشترى الشيء بثمنه المعتاد أو بغبن يسير فهذا مغتفر وإن كان مع غبن كبير دل ّ ذلك على أنه لم يصل إلى الرشد المالي .
            د. الشهري : والحقيقة أن الإنسان العاقل يستطيع أن يحكم على تصرفات اليتيم بتصرفاته العامة سواء في تصرفاته في المال أو تصرفاته في إدارة شؤونه أوتصرفاته في دراسته أو تصرفاته في تجارته إلى آخره فكل يستطيع أن يحكم (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى) لذلك الله لم يحدد كيفية الإبتلاء وإنما تركها للولي (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)
            د. مساعد : في ظنك النكاح ألا يدل على سن البلوغ ؟
            د. عبد الرحمن : بلى .
            د. مساعد : وهذا يدل على كأنه إشارة إلى سن البلوغ وعند سن البلوغ ينتهي اليتم.
            د. عبد الرحمن: ولهذا ذكر العلماء هذا كيف يبلغ اليتيم الرشد؟ فمنهم من ذكر أنه يبلغ سن الزواج ومنهم من قصر ذلك على التصرف بالمال قال يعني لا ترتفع عنه الولاية إلا إذا ضمن الولي أنه يحسن التصرف (آنستم منهم رشدًا) الرشد نفسه .
            د. مساعد. فإذن عندنا الآن مرحلتان :
            المرحلة الأولى : مرحلة الانتهاء من اليتم.
            والمرحلة الثانية : مرحلة الإيناس (ايناس الرشد منهم ) يعني مرحلتان .
            فإنتهاء المرحلة الأولى لا تدل على بداية المرحلة الثانية بل لا بد من الإختبار ولذلك قال (فإن آنستم منهم رشدًا) (آنستم) مأخوذة من الأنس أليس كذلك ؟
            د. عبد الرحمن : بلى .
            د. مساعد. من الرشد ماتطمئنون به إلى أن هذا اليتيم قادر على التصرف قال (فادفعوا إليهم أموالهم) فنسبها إلى هؤلاء اليتامى مثل ما قال (وآتوا اليتامى) في الآية الثانية ثم قال (ولاتأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا) ثم قال (ولاتأكلوا أموالهم )
            د. عبد الرحمن : فعلا الأكل له دلالة واضحة
            د. مساعد: (ولاتأكلوا أموالهم إلى أموالكم) هذا من باب إقامة الظاهر مقام المضمر وفي هذه الآية إقامة الظاهر في مقامه لأنه أعاده إلى الضمير قال (ولاتأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا)
            د. محمد: في قوله (فادفعوا إليهم أموالهم) لاحظ أنه عبر في المرة الأولى قال (وآتوا اليتامى أموالهم ولاتتبدلوا الخبيث بالطيب) الإيتاء يكون في الغالب شيئًا فشيئًا بخلاف الدفع فإنه يكون جملة واحدة فلما آنسوا منهم رشدًا وابتلوهم وبلغوا النكاح يقال له لا سلطان لك على مال اليتيم فادفعه إليه كله قل ّ أو كثر، انتهى دورك. هناك (آتوا) صرف عليهم أنفقوا عليهم شيئًا فشيئًا
            د. عبد الرحمن: هنا لما قال (ولاتؤتوا السفهاء أموالكم )ثم يأتي هنا فيقول (وابتلوا اليتامى) الضمائر كما مثل ماتفضلت حسبتها فوجدتها أكثر من أربعين ضمير في الصفحة !!!
            د. مساعد : ما شاء الله أنا قلت حدسًا لأني توقعت أكثر
            د. عبد الرحمن : لكن لاحظ أنه يقول (ولاتأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا) بعض الأولياء يريد أنه يُنهي الأموال قبل أن يكبر اليتيم يحاول أن يستعجل وصرفها وتبذيرها في غير وجوهها قال الله (إسرافًا وبدارًا أن يكبروا) يعني تبادرون في إنهاء الأموال والتصرف فيها قبل أن يكبروا ويأخذوا حقهم:
            د. الخضيري : طبعًا هنا صفتان:
            1ـ أن تؤكل على وجه الإسراف فيتوسع في المال وفي الصرف من أجل أن ينفيه وأن ينتفع هو به بناءًا على جواز مخالطة مال اليتيم لمال ؟
            2ـ والثاني : قد لايكون على وجه الإسراف لكن يبادر به قبل أن يكبر اليتيم ويأخذ ماله فهو يبادر به
            د. مساعد : ويعطي اليتيم ماله
            د. الخضيري : لا، يبادر به بمعنى يأكله مبادرة ولو لم يكن على وجه الإسراف النهي عن الخصلتين لا يعني أنه لا بد أن يجتمع (إسرافًا وبدارًا) (إسرافًا) على حدة (وبدارًا) منكم قبل أن يكبروا ثم ذكر بعد ذلك أنه من كان غنيًا فليستعفف وهذه الحقيقة إرشاد أن من أغناه الله تعالى من أولياء اليتامى أن لا يأخذ أجرة على توليه لمال اليتيم وأن لايتوسع في مال اليتيم بل (فليسعفف) إن أجره إلا على الله وغناه من عند الله تعالى ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف. طبعًا ذكر العلماء أن أكلهم بالمعروف يكون على قدر الأجرة المعروفة عند الناس يعني في كم يتولى رجل مال يتيم يعني على حسب المال كثرته أو على حسب الوقت الذي يصرف في هذا المال .
            د. مساعد. لاحظ طبعًا قوله (قول معروف) وهنا قال (بالمعروف) التعبير بالأكل كثير في هذه الصفحة (فليأكل) (لاتأكلوا) (كلوا) (كل)
            د. الخضيري :ويأتي بعدها قوله (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا) مما يدل فعلًا على أن التعبير عن الأكل في الأخذ والتصرف يعني فيه إشارة إلى أخص أنواع الاستخدام .
            د. مساعد : أنا أردت أن أنبه إلى ما نسميه بعلم الوجوه والنظائر
            د. الخضيري : وهو أن المعروف يأتي بوجوه متعددة
            د. مساعد ، نعم ، (قولًا معروفًا) غير (أكلًا معروفًا) و(أكل بالمعروف)
            د. الخضيري : قوله (ومن كان غنيًا فليستعفف) الحقيقة فيها إشارة إلى أن من أراد أن يصنع للناس معروفًا وقد أغناه الله فعليه أن يكمل هذا المعروف بأن يستعف عن تلك الأموال وعن تلك ..
            د. مساعد : مع أنه يجوز له الأخذ
            د. الخضيري : مع أنه يجوز له الأخذ لو رغب في ذلك لكن ليرغب فيما هو أعظم عند الله وأجزل .قال (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) انظر ما تركت الآية جانبًا من جوانب التوثيق أو أي جهة من جهاتها إلا وقد أحكمتها متى يعطى اليتيم؟ في أي سن؟ بعد أي اختبار؟ من هو الذي يؤنس منه الرشد؟ ثم ماذا لك من الحق؟ وماذا عليك؟ بذل المال وكيف يأخذ الإنسان لو كان فقيرًا وكم يعطي وماذا يدفع؟ وماذا ينقص؟ إسرافًا وبدارًا أن يكبروا كفى بالله حسيبًا إن كنتم تحسبون وتدققون فالله أشد منكم وأعظم .
            د. مساعد. و(حسيبًا) بمعنى كافيًا
            د. الخضيري : ممكن هذا أيضًا .
            د. مساعد : يعني تصلح أن تكون للمتصرف في مال اليتيم أن لا يُظلم يعني إذا أشهدت عليه وخشيت الظلم فكفى بالله حسيبًا لك وكافيًا لك .
            د. الخضيري : نعم، الحقيقة الكلام حول هذه الآية عظيم جدًا ونسأل الله أن يفقهنا فيها وفي سائر كتابه الكريم .
            مشاهدينا الكرام بهذا نصل نحن وإياكم إلى نهاية حلقتنا هذه شاكرين لكم حسن الاستماع والإصغاء وللمشايخ ما تفضلوا به من العلم النافع نسأل الله أن يجزيهم خيرالجزاء. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
            بُثّت الحلقة بتاريخ 5 رمضان 1431 هـ
            سمر الأرناؤوط
            المشرفة على موقع إسلاميات
            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

            تعليق


            • #6
              بمساعدة الأخت الفاضلة يسرا السعيد التي لا تتردد بالمساعدة حينما أطلبها فجزاها الله خيرا تم تنقيح الحلقة السادسة وهذا نصّها:

              الحلقة السادسة
              تأملات في سورة النساء الآيات (7 -9)
              د. الطــيَّار: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله والصّلاة والسّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. نحن في صيف واحد وثلاثين وأربعمائة وألف، في قاعة الجنادرية من قرية الأربوعة في تَنومة، نرحب بكم أيّها الاخوة المشاهدون والأخوات، أهلًا. وقبل أن نبتدئ هذا اللِّقاء مع الأخوين الكريمين الدكتور عبدالرحمن الشِّهري، والدكتور محمد الخضيري، لعلَّنا نستمع للآيات ثمّ نعود لتفسيرها بإذن الله.
              قراءة للشِّيخ محمد عبدالكريم من سورة النّساء آية (7-9)
              (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (9))
              د. الطيَّار: وقفنا عند قول الله (للرِّجال نصيبٌ ممَّا ترك الوالدن والأقربون)، ولعلَّنا نبتدئ هذا المقطع ونأخذ ما يتعلَّق بهذه الآية الكريمة، فإذا كانَ عند أحد الأخوين تعليق في هذه الآية فلا بأس.
              د. الخضيري: طبعاً هذه الآية جاءت للرَّد على أهل الجاهلية، في كونِــهم كانُوا يُؤثرون الرِّجال بالميراث دون النِّساء، ويقولون كيف نوِّرث من لا يذود عن العشيرة ومن نصره بُُكاء يقصدون بذلك المرأة والأطفال والصِّغار. فكانت أموالهم تُؤكل ولا يأخذون من حقِّهم شيئاً فجاءت الآية مؤكِّدة لحقوقهم بطريقة عجيبة قال " للرِّجال نصيبٌ ممّا ترك الوالدان والأقربون وللنِّساء نصيبٌ ممّا ترك الوالدن والأقربون ممَّا قلَّ منه أو كَثُر " لاحظ، فما قال للرِّجال والنِّساء هذا أولاً، وإنّما أفردهم ليُعلم أنّ لهم حقّاً خاصًّا ثم أيضاً لمّا ذكرهم قال (ممَّا قلَّ منه أو كثُر) ليُبِيِّن أنّ أخذهم بالحق يستوي سواءً كان الإرث أو التركة قليلة أو كثيرة. طبعاً هذه الآية لها سبب نزول وهي قصّة سعد بن الرَّبيع لمَّا تُوفي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وكان له بنتان، جاء عمَّهُمَا فاستولى على مالهما، فجاءت امرأته تشتكي للنبي صلى الله عليه وسلّم تقول سعد ترك ابنتين وليس لهما من يَعُولُهُما، فأنزل الله هذا الفَرَج للنَّاس جميعاً بسبب هذه الحادثة.
              د. الطَيَّار: نعم، يعني الآن إذاً التفصيل الدَّقيق في قوله للرِّجال نصيبٌ ثم قال وللنِّساء نصيبٌ للتأكيد على اختصاص كل واحدٍ من هؤلاء بحقِّه.
              د. الخضيري: وهذا يَرِد في القرآن في مواطن مُناسَبَة لهذا المعنى وأحياناً لغيره، مثلاً في قول الله عزَّ وجل (يا أيُّها الذين آمنوا لا يسخر قومٌ من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساءٌ من نساءٍ عسى أن يكنَّ خيراً منهنَّ) قال العُلماء إنّما نُصَّ على سُخرية النِّساء لكثرة ما يجري بينهنَّ من الأحاديث وما يحصل في مجالسهنّ من السُّخرية إمَّا ببعضهنَّ، أو ببعض النَّاس أو غيره، فنصّ الله على كل صِنفٍ على حِدَة ليتأكد كل واحد منهما بذلك، مع دخوله في الأصل في قوم، وإن كان بعض المفسِّرين يرى أنّ كلمة قوم تَرِد إذا جاءت مع النِّساء فهي خاصّة بالرجال لقوله:
              وما أدري ولستُ إخالُ أدري أقومٌ آلُ حِصنٍ أم نساءُ.
              د. الشِّهري: لكن يَرُدُّ هذا قول الله تعالى (وصدَّها ما كانت تعبد من دون الله إنّها كانت من قومٍ كافرين) فأدخل بلقيس في القوم.
              د. الخِضيري: نعم، قصدنا إذا ذُكرِ النِّساء في القوم، فالقوم المُراد به الرِّجال.
              د. الطيـَّار: الآن لو تأمَّلنا الآيات السابقة، فنُلاحظ أنّها مرتبطة بالأموال وتقسيم حقوق، طبعًا ذكر حق اليتامى ثم ذكر حقَّ المرأة في الصَّداق ثم الآن بدأ يدخل في تفصيلاتٍ أخرى .
              د. الخضيري: لاحظ يا أبا عبدالملك، في المرَّات الماضيةكان حفظ مال اليتيم ماله هو.
              د. الطيَّار: نعم الذي يكون هو أصلاً بسبب ميراث.
              د. الخضيري: أو شيءٍ آخر، أو شيءٍ آخر كأن تكون هبة، أو صدقة ،أو زكاة أعُطيت له. لكن الآن يأتي إلى حقٍّ خاص وهو حقُّه من تركة أبيه أو تركة مُوَرِّثه عامّة.
              د. الطيَّار: بعض المفسِّرين أراد أن يذكر مناسبة التَّفصيل بالمواريث بعد ذكر حقِّ اليتامى بالذَّات، كأنَّه قال في الغالب أنّ حقَّ اليتامى إنّما يحصل بعد موت مورِّثه ثم يأتي وكيلٌ عليهم. فكأنَّه قال إنَّ هذا دخول في السَّبب الذي يأتي منه المال لليتيم.
              د. الخِضيري: نعم، ولا شكّ أنّ هذا هو أعظم الأسباب التي تأتي من الأموال لليتامى، لكن الآن ولله الحمد والــمِنّة تأتي الحقوق لليتامى بسبب مثلاً التأمينات الاجتماعية، ورواتب التَّقاعد وأحيانا كَفَالات الأسُر التي تكون في بعض الجمعيات والمؤسَّسات.
              د. الطيَّار: وقوله (نصيباً مفروضاً) أيّ مَقسُوماً قد قُسِم لهم، لأنَّ الفَرض بمعنى الحَزّ، كأنّه قُطِع لهم شيءٌ من المال فكأنَّه يقول أنّهم قد فُرض لهم وقُطِع لهم خِصِّيصاً فهؤلاء الذين هُم الرِّجال أو النِّساء كلُّ واحد منهم له نصيبٌ معلوم ومحدَّد وكأنَّ هذه الآية فيها عُموم وسيأتي التَّفصيل في قضية حُقوق الإرث بعد ذلك.
              د. الخضيري: وزيادةٌ على قولِكَ (مُقُدَّر)، يمكن أيضاً تأتي بمعنى مُحتَّم مفروضًا أي حتمٌ لازمٌ لابد من أخذه وهذا والله أعلم أليق بسياق الآية من جهة أنّها جاءت لتؤكِّد على فرضية احترام هذا المال.
              د. الشِّهري: طبعاً هذه الآية تعتبر أصلًا في إعطاء المرأة والضُّعفاء حقوقهم، لأنهَّم -كما تفضلتم- في الجاهلية بل حتى في الحضارات السَّابقة للإسلام عند الفرس وعند الرُّومان كانت المرأة ممتهنة عندهم وكانت تُورَث كما يُورَث سائرُ المتاع، فهذه الآية جاءت لتقرير الحقِّ لهذا الجِنس عندما قال (للرِّجال نصيبٌ ممّا ترك الوالدنِ والأقربون وللنِّساء نصيبٌ ممّا ترك الوالدانِ والأقربون) ثمَّ قال (ممَّا قلَّ منه أو كَثُرَ) فأشَار إلى أنّ المرأة والرَّجل في الحُقوقِ سَوَاء. ولذلك الذَّين يَدعُون الآن إلى المساواة بين الرَّجل والمرأة، وهذه الأُسطوانة التي تُعَاد وتُكرَّر على أنَّ الإسلام قد ظَلَم المرأة، في حين أنَّك عندما تتأمّل في مثل هذه الآية بالذَّات هذه الآية التي جاءت في أوَّل الحديث عن توزيع الحقوق فيها إيضاح واضح أنَّ المرأة والرَّجل في الحقوق سواء، وأنّ الرَّجل يَرِث وأن المرأة ترث كما يرث الرَّجل ثم سوف تأتي معنا بعد قليل الآيات التي تُفصِّل التركة فتجعل للرَّجل مِثلَ حظِّ الأنثيين في بعض التَّفاصيل، هنا العدل سوف يأتي الحديث معها إن شاء الله. لكن هذه الآية بالذّات تُعتبر أصل الحقيقة في إعطاء المرأة حقَّها. ولذلك أنا أرى وأقترح على الإخوة الذِّين يَتَحدِّثون اليوم في مثل هذه القضايا، أن يتأمَّلوا في مثل هذه الآيات قضايا المرأة بِصِفة عامّة، وأنَّ المرأة في القرآن الكريم قد كُرِّمت تكريمًا خاصًا واضحًا وظاهرًا في إشارة إلى أنَّها كانت قبل نزول هذه التَّشريعات ممتهنة ومظلومة قبل الإسلام.
              د. الطيَّار: بل لا يزال حتى الآن في الغرب الذي يتبجّح بالحُريِّة، المرأة في العَمل لا تأخذ مثل ما يأخذ الرَّجل.
              د. الشِّهري: صَدَقت. الأجور أظن تقل بنسبة خمس وسبعين في المائة .
              د. الطيّار: نعم، وتُنسَب إلى زوجها وليس إلى أهلها. مع الأسف أنَّ الضَّعف الذَّي تعيشه الأمة، يعني ضعفاً حتى في التَّصوّر لمثل هذه الأمور، وظنَّ كثير من الرِّجال ومن النِّساء أنّه ما يرونه من هذه الحريّة المزعومة الموهومة هي في الحقيقة عبودية، هي حرية من جانب ولكنَّها في الحقيقة هي عبودية، فمن المهم جداً بالفعل إبراز هذه الجوانب الموجودة في القرآن التي تُكَرِّم المرأة وتجعل المرأة كياناً مستقِّلاً ليس لأحدٍ سلطة عليها في مثل هذه الأمور.
              د. الخضيري: في قوله: (للرِّجال نصيبٌ ممّا ترك الوالدانِ والأقربون وللنِّساء نصيبٌ) قدَّم ذكر الرِّجال على ذكر النِّساء على عادة القرآن وهذه عادة وسنّة جارية في كتاب الله بناءً على أسباب شرعية وطبيعية جعلها الله سبباً لتقديم هذا الجِنس على هذا الجِنس، وليس هذا من باب الإهانة، الإهانة هو أن تجد إنساناً له مكان فَــتُنزِلُهُ عن مكانه لكن إذا وضعته في مكانه الذي يستحقه، فالرَّجل مُقدَّم على المرأة أولاً: هو أصلٌ لها، ثانياً: هو قوَّام عليها، ثالثاً: هو أكمل منها، ولِذَلك المهمِّات الصَّعبة والأشياء القوِّية لا يتولاّها إلاّ الرِّجال يعني من يحمي الدِّيار من يبني البلاد وَيَعمُرها.. إلى آخره مع أنَّ المرأة تقوم بدور لا يُستهان به فليس في هذا إنكارٌ لحقِّها ولكن يجب أن نعترف بأنَّه لو بَقِيت النِّساء بلا رجُلٍ معهنّ فهم في شَرِّ عيشة ويمكن للرِّجال أن يبَقوا ولا يكون معهم من النِّساء أحد، ولذلك يخاف النّاس على بناتهم أشَّد من خوفهم على أبنائهم من هذا الجانب، ولذلك تقديم الرِّجال حتى في الذِّكر هذه سُنَّة القرآن (إنَّ المسلمين والمسلمين).
              د. الشِّهري: وسوف تأتي آيات القِوَامة (الرّجال قوَّامون على النِّساء) وآيات (وللرِّجال نصيب) وقال (وللرِّجال عليهنَّ درجة)، كل هذه الآياتِ الشَّرعية التي فيها تُقديم الرَّجل على المرأة شرعاً موجود فيه أدلة واضحة ظاهرة قال (وللرِّجال نصيب) وأيضاً القوامة (الرّجال قوَّامون على النِّساء) قال ولا ينبغي فعلاً أن تُفهَم هذه القوامة أنّها إهانة للمرأة، بل هي في الحقيقة تكريم لها وخدمة لها، ولكن سبحان الله العظيم، الآن عندما أكثر الطَّاعنون في الإسلام وأيضاً كثرة التَّرويج بأنَّ المرأة في الإسلام ممتهنة ومظلومة وحُرِّيتها مسلوبة والرَّجل متسلِّط عليها، كثُرت الكِتاَبات والّتأثُّر بالغَربيين والتأثُّر بالنَّصارى، أصبح بعضُ الكُتّاب من المسلمين يُؤّيد هذا ويدعو إلى إنصاف المرأة ويقول أنَّ المرأة المظلومة.
              د. الطَّيار: هو لا شَك أنّه كما قلنا جهل في تصوُّر معاني الإسلام.
              د. الشِّهري: أحسنت، هذا الظلم الواقع على المرأة الآن في المجتمعات الإسلامية ليس سببه الإسلام، وإنَّما سببه سوء تصرُّفات المسلمين أنفسهم.
              د. الخِضيري: أبو عبد الملك في قوله (وَالأَقْرَبُونَ) الحقيقة لَفتة جميلة جدّاً، وهي أنَّ المواريث مبنية على الأقرب فالأقرب، وليس من باب الإرث، لذلك لم يقل للرِّجال نصيبٌ مما ترك الوالدان والقَريبون أو وذوي القُربى، وإنما قال (وَالأَقْرَبُونَ)، قال النبي : ألـحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجلٍ ذَكَر. انظر أقرب واحد يكون لهذا الميِّت، فعبَّر بكلمة أقرب ولها دلالة في هذا المعنى.
              د. الشِّهري: وهذا سبب التعبير بالأقربين هنا.
              د. الطَّيار: قوله (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ)، طبعاً بعد ما ذكر الآن الآية العامَّة في الـــمواريث، يعني كأنَّها آية عامَّة في التَّوريث، للرِّجال نصيب وللنِّساء نصيب، فأتبعها بقوله (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى)، فطبعا ظهر الآن التَّرابط بين الآيات، فما دلالة قوله: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى). يعني هذا القيد في الحضور أنّهم حضروا وقت القسمة.؟
              د. الشِّهري: دلالته أولاً: أنّهم هؤلاء الذِّين حَضَروا ليسوا من أهل الفرائض، لأنّ أهل الفرائض سيأخذون حقَّهم، حقُّهم محفوظ سواء حضروا أو لم يحضروا، لكن هؤلاء حضروا هذا المناسبة وهم من هذه الأصناف، ولذلك قال أولوا القُربى أو اليَتامى أو المساكين هذه أصناف ثلاثة إذا حَضَرت قسمة فإنَّه يُندب ويُستَحَب لأصحاب الميراث هؤلاء أن يُطيِّبوا خواطر هؤلاء بإعطائهم ما يَرونه مناسباً لجبر خواطرهم وحتى لا يقع في أنفسهم حسد أو ضغينة على هؤلاء أقاربهم أو الذِّين حضروا معهم، هل ترى فيها دلالة أخرى شيخ مساعد؟
              د. الطيّار: مثل ما ذكرت أنّ أصحاب المواريث حضروا أو لم يحضروا حقُّهم محفوظ، أمّا هؤلاءِ فالقيد فيهم الحضور.
              د. الشِّهري: وإذا لم يحضروا؟
              د. الخِضِيري: لا شيء عليهم، لكن هي الحقيقة تُشير إلى لون من ألوان الذَّوقيات الإسلامية الرَّفيعة، وهي أنّه من حَضَر القِسمة ينبغي أن تُطيَّب نفسه، لأنَّ النّفس تتشوَّف- سبحانَ الله- إلى هذا الشَّيء الذي يُقسَم أو يُعطى لهؤلاء النَّاس، فحريٌّ بأن يُقسَم لهم شيء حَسَب ما تَطيب به نفوس أولئك أصحاب المال، لكنّه يرُد ما في نفوسهم، والغريب أنّ النّاس كانوا عندنا فيما سَبَق يتعاهدُون على مثل هذا، بل إنّهم يفعلونه حتى في أمور البيع والشِّراء، يعني إذا تبايَع اثنان وحَضَر معهم ثالث يقسِمون له شيئاً، مثلاً فرضاً أنّهم تبايعوا قهوة تجدهم يأخذون بالكَفِّ ويقولون هذه لفلان، أو مثلاً من السَّعي بيعَت مثلاً هذه الأرض أو كذا بمائة ألف ريال، السَّعي الذِّي عَقَدَ بينهما، والحاضِرين أيضاً لا ينسونهم من هذا. أذكر إذا كُنَّا جالسين على الطَّعام وجاء إنسان أو مــرّ لازم نقسِم لَه، يقولون العامَّة لنا سابقاً أنَّ هذا يَرُدّ ما في نفسه لأنَّ النَّفس سبحان الله فيها شَرّ، وهذا الشَّر قد يصل إليك، فسبحان الله إذا أرضيت هذه النَّفس قَنِعَت، بل حتى يقولون يا أبا عبد الملك إنّه في الحيوانات أيضاً ينبغي ألا يُهمَل هذا الجانب فيها. إذا جاءت أكرمكَ الله قِطّة أو شيء من الحيوانات ووَضَع نفسه في شيء من طعامك أعطِه منه، يكون لها أنفس شريرة تنبعث وتُؤثِّر عليك.
              د. الشِّهري: سبحان الله!.
              د. الطيَّار: العجيب الآن مثل ما ذكرت الحقيقة، لاحظ هذِه الذَّوقِيَات بالفعل الموجودة في الإسلام، وتطبيقها بين المسلمين، مع الأسف أحياناً قد يَغفل عنها كثير ممَّن يُعايشها أو يغفل عنها كثير من المسلمين المساكين الذين قد شُغِفوا بما عند الغرب. لكن اُنظر إلى الغَربِّي الذي يُسلِم ويَهتدي، سبحان الله هذه الأمور تُؤثِّر فيه تأثيراً بالغاً، وتجد أنَّه يذكر أشياء يعني من إعجابه بما عِندك أنت تستغرب انتباهه لها، ولهذا أذكر الأخ رودريغو البرازيلي يقول من الأشياء التي كانت لَفَتت نظره أنّه لمّا عزَمه رجُلٌ كبير في السِّن كنت أنا جالسًا بجواره وابنه واقف يصُبُّ القَهوة لَنا، يقول: هذا المشهد أثَّر في نفسي، من إكرام الضَّيف، ووقوفُ الابن بهذه الطريقة ويَصُب للأب، ثمّ الأب يقول له أبداً، أعطي الضَّيف يقول كانت هذه الأشياء يقول أنا أصبحت مثل الصَّدمة الحَضارية التي دَعَا بها الغرب. وهذا الحقيقة أنا أقول أن تنمية هذه الجوانب الإيجابية وإبرازها مهم جِدّاً بالنَّسبة لنا، وعِندنا من القِيم ما ليس عندهم البَتّة.
              د. الخِضيري: ولا يوجد في قوامِيسِهم، حتى أحياناً لا يتصَوَّرون وجود مثل هذا أو من يعمل به في العالم، مثل ما حُدِّثنا كثيراً، ومِنهم الطبيب الــمشهور عبدالله خَاطر الذِّي كان في بريطانيا وهو طبيب نفس وهو من الدُّعاة في هذا البَلد المبارك في كتاب له قَصَص مَرَّت به وهو يُداوي النّاس في بريطانيا أثناء تطبيقه وتعلِّمِهِ هناك، فيقول من ضِمن ما مرَّ به من القَصص وجد امرأة في المشفى عليها من الكآبة. قلت لها: لو كُنتِ في بلادنا لرأيتي شيئاً عَجَباً. قالت: وماذا أرى؟ قال: نحن البيت الذي فيه امرأة مِثلُكِ تكون مثل الــمَلِكة الجميع يُقَدِّرها يَكادُون يَلعَقُون الثــَّرى التي تطأ عليه، من كَثرة احترامهم لها، وهذا شيء وَاقع ونحن نراه ولله الحمد في بيوتنا ونَلمسه ولا زال النَّاس بفضل الله إلى اليوم - نسأل الله ألاَّ يُغِّير ما بنا- يحترمون كِبار السِّن والأجداد والجدّات. وهؤلاء النِّساء اللَّواتي قَدَّمن يعتبرونهنّ بيت خبرة ، تجد النّساء الصَّغيرات يَستَفِدنَ من خِبرتهنّ في أمراض الأطفال وفي أمراض النّساء وغيرها. فقال لها: نحن عندنا هذه مثل المَلِكة تماماً. قالت: أنتَ تتكلّم عن خيال، هذا لا يمكن أن يكون في عالم البشر! فَلمَّا أكَّد أنَّ هذا واقع وأنَّ هذا موجود في بيوتنا. قالت: أتمنى ألاّ تُدركِني مَنِيَّتي حتى أراه. ما أتَصوَّر أن فيه بشر عِندهم من الرِّقة والرَّحمة أن يَعطفوا على أمثالنا نحن الذِّين فقدنا أيَّ خُصوصية أو أيّ منفعة، أصبحنا كالمتاع الذي ينتفع النّاس منها. لا معنى لها وليس لها قيمة.
              د. الشِّهري: لاحِظوا الآن، السُّورة الآن تـَتحدَّث عن حقوق محدّدة حتى في الآية التي قبلها (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) يعني محدَّد بالرُّغم من أنّ الآية تتحدّث عن حقوق، وبعض النّاس ترى يؤمن يقول أنا إنسان رياضي 1+1=2 يأتي بالرَّغم من هذا ويقول (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) . يعني أنتَ سبحان الله العظيم ينبغي وهَذِه الحقيقة حتى فائدة إدارية، أنا أؤيدك فعلاً أنّك تكون حازم وتكون صارم ولكن أيضاً لا يذهب العَطف والرَّحمة والشَّفقة ومراعاة ظروف النَّاس ومراعاة أعذار النَّاس، يكون لها مجال.
              د. الطَّيار: طبعاً الآن رتَّب، قال: أوُلوا القُربى، واليَتامى، والــمسَّاكين.
              د. الخِضيري: وهذا التَّرتيب له دَلالة، استنبط الشِّيخ ابن العثيمين منها فائدة فقال: فِيه الدَّلالة على أنَّ حقَّ القَرابة مُقَدَّم حَتى على حقِّ الفُقَراء والمسَّاكين والأيتام الذِّين النَّاس يَتَوَاصون الآن برعاية حُقوقِهم ولهم حقّ عظيم جِدّاً، فالقَرابة لهم من الحقّ ما ليس لغيرهم، وهذا شَيء الحقيقة نُذَّكِر به إخواننا فيه: أنّه لا تنسى قَرابتك، عندك زكاة؟ أوّل ما تبدأ بالنَّظر فيمن حولك من قَرابتك، عِندك دَعوة ودِين؟ ابدأ بالقَرابة، ماذا قال الله لنبيِّه (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(214)الشعراء)، هؤلاء لهم حقّ عليك خاصّ غير الحقّ العَام الذي يُبذل لكلِّ أحد، أو حق هذه الدَّعوة في أن تُعلَن للنَّاس جميعا، هؤلاء لهم حقّ،.إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام أيضاً بدأ بأبيه (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا(41)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ ..(42)مريم). فبدأ بأبيه.
              د. الشِّهري: صحيح. هل تتوقّعون أنّ القرابة هنا في الآية، يدخل فيها الأغنياء من القرابة يعني مثلا (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ) ؟
              د. الطَـيَّار: كما ذكرتم في قول الله في أُولي القُربى، وأهمية العِناية بأُولي القُربى والترتيب كما نلاحظ أنّه بعد أولي القربى ذكر اليَتامى لأنّ حالهم أشدّ من حَال المساكين وحاجتُهم إلى العَطف، وكذلك إلى الـــمال ستكون في الغالب أكثر من حاجة المساكين فقدّم أيضاً اليَتامى على المساكين.
              د. الخضيري: وأيضاً لِصِغَر نُفوسهم، فإنّ التشَّوفَ الذي يكون عندهم أشدّ من التشَّوف الذي يكون عند غيرهم، لأنّ غَيرهم مع فقره قد يكون عنده من عِفّة النّفس ومن كمالها ما يمنعه من التطّلع أو التشَّوف الشّديد، لكنّ اليتيم لـمّا يرى الأشياء بين يديه تُكسَر والنّاس تتحدث عن الأموال، فردّ هذه النّفس الضَّعيفة الصَّغيرة أولى من غيرها.
              د. الشِّهري: أنا عندي فكرة، قد تكون فكرة تفتح الباب للإخوة المسؤولين عن دُور الأيتام، وهي أنَّهم ينظرون في هذا الجَانب، في جانب دعم مشروعات الأيتام ونفقاتهم إلى آخره، بِقَصدهم لِقسمة التَّركات لِبعض الأُسر الثَّرية في المجتمعات الإسلامية، بعض الأُسَر عندما يُتَوفّى عَاِئلها ويكون ثرِّياً، فيترك تركة كبيرة جدّاً، هِذه الآية تفتح الباب لمن يقوم على شؤون اليتامى أن يذهب إلى مثل هذه الأسر ويَعرِض عليها مثل هذه الآية، في أنّ َهذا مَصرِف من مصارف التَّرِكات، الله قال ((وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى) وأنا مَندُوب اليَتامى حَضَرت في مثل هذه القِسمة فأدعوكم للتَّبرع في أوجه البِرّ.
              د. الخِضيري: لكن لم يُخبر بأنَّ النّاس اجتمعوا ليَقسِمُوا أموال موَّرثهم، في السَّابق كان يُعرَف هذا الأمر فيهم.
              د. الشِّهري: الجنائز تُظهر هذا الأمر، إذا ذَكر أنّه مات فلان فليَتَحرَّى.
              د. الطيّار: قال هنا (فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) وهُنَاك قال (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا(5) النساء) .
              د. الخضيري: طبعاً، أشَرنا في المرَّة الماضية إلى أنَّ ارزقوهم منه أيّ من رأس المال فيُقتطع ويخرج، أمّا ارزُقُوهم فيها يعني اجعلوهم هم وهذه الأموال يدورون فَتُنمَّى هذه الأموال ويَأخذون من رَيعها لا مِن رأس المال حتى لا يَفنى عليهم فيها.
              د. الطيّار: وهذا الحقيقة كما سَبق أن ذكرنا أنَّ مَلاحِظ الضَّمائر، أنّك تُلاحظ كيف الضَّمير جاء " فارزقوهم منه" أيّ من المال، طيِّب قد يقول أحد: لماذا لم يقول فارزقوهم منها؟ فعاد إلى المال المعروف من قول القسمة.
              د. الشِّهري: في قوله هنا (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ)، أمَّا توزيع الترَّكة فهو مجال توزيع وليس مظنّة استثمار، وإنما مظنة توزيع فقال (فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ).
              د. الخِضيري: في قوله (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) أيضاً هذه التأكيد على الإِحسان بالقول، بعد الإحسان بالفعل والجمع بينهما وأنّ الإسلام لا يقتصر في مُراعاة هذه النّفوس على الجانب الفعلي دون الجانب القولي، فتُقَدِّم هذا الخير لهذا اليتيم أو لهذا المسكين الحاضر وتقول الـمعذرة يا فلان، والله أنّك تستحق أكثر لكن تعرف يعني الترّكة وكذا وإلا والله لو بأيدينا لزِدنا لك فأنت خير من هذا.
              د. الشِّهري: طيب الآن، عندما يُؤمَر أهل المال بأن يُعطُوا من حضر، هذا العطاء الذِّي يُعطى لمن حضر يدخل على من في التركة؟ هل يَدخل على الترَّكة كاملة ؟ يعني بمعنى الآن أنت يا محمد مسؤول عن تقسيم الترَّكة، يعني سيأخذ الإخوان هذا سيأخذ نصيبه كاملا، والأخت ستأخذ نصيبها كاملاً، والزوجة ستأخذ نصيبها كاملاً، هؤلاء الحاضرين نُعطِيهم من ماذا؟ من نصيب واحد منّا، أو من رأس المال كله؟
              د.الخضيري: من رأس المال الذِّي للورثة.
              د. الشِّهري: جميل، يعني يُفترض هذا أن يكون قبل التوزيع؟
              د. الطيّار: نعم، في قوله (قَوْلاً مَّعْرُوفًا) القَول المعروف تعرفون أنّ النّفوس سبحان الله يُصيبها الشُّح عند المال، فالتّأكيد على هذا المعنى، أنّ حضور مثل هؤلاء قد يُثير في نفس بعض الورثة شيئاً من الإِحن عليهم لماذا جاؤوا؟! لأنّهم سيقتطعون جزءاً من مالهِ.فكأنَّ الله يؤكِّد على أمر أبلغ من هذا ليس فقط أنَّك تُعطيه الآن، ولكن تُضيف أيضاً له القول المعروف، ولهذا لمّا قال (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى (263)البقرة) لأنَّ الآن كونك تتصدّق على الفقير وتُـؤذيه بالكلام لعلك نفعته ولكنَّك أسأت له من جانب آخر. فالحقيقة رعاية الإسلام لهذه الدقائق وللشُّعور النَّفسي، فأقول على المرَّبين أن ينتبهوا له تنبُّهاً تامّاً في جميع المناحي.
              د. الشِّهري: سبحان الله ! تكامل التشريع.
              د. الطيّار:لأنّه أحياناً قد أنت تقول كلمة لا تُلقي لها بالاً ويتأثّر بها صاحبك.
              د. الشِّهري: أنا أتساءل في الأنظمة الوضعية لم أطِّلع عليها بالضبط- لكن هل يا تُرى تُراعي الأنظمة الوضعية في قسمة المواريث، وفي قسمة التـــَّرِكات مثل هذه الأشياء النّفسية؟
              د. الخِضيري: ما يظهر، هذا مختصٌ بهذا الكلام الرَّباني العظيم، حتى أنَّك لا تكاد تجده في كلام الفقهاء، في كتب الفقه لا تمر بنا هذه المسَّائل بحكم أنّه لا يترتَّب عليها حُكم فقهي خاص، لكنَّك تجدها في كتاب الله عزّ وجل مراعاة أتمّ الرِّعاية، ولاحظ القول المعروف لــمّا أشار إليه الدكتور مساعد يُذكر في عدد من المجالات في الصَّدقة، يّذكر هنا ((وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا)، أيضاً في حفظ أموال السُّفهاء ومن في حكمهم. في قوله (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا) أنا أقول فيها أيضاً بيَان أهمية زراعة الفَأل في نُفوس النّاس، حينما تقول لهؤلاء الحاضرين، وأنتم إن شاء الله ربِّي عزّ وجل برزقكم، إن شاء الله نحضر معكم قسمةً لَكُم لأموال تكونُ لكم بإذن الله، مثل ما حضرتُ اليوم قسمة لغيركم، تزرع في نفوسهم إنَّ الله بِرزقهم ويُغنيهم ويأتي لهم بالخير من حيث لم يحتسبوا، أنا أظن أيضاً أنَّ هذه الزِّراعة زراعة الإيجابية والتفاؤل في نفوس النّاس ضرورية جِدّاً، بعض النّاس يقول والله فلان مسكين ما حصَّل ولا عَيّن خير عُمره كُلُّه، هو أصلاً حظّه رَديء هكذا. لمّا تقول كلمة حظّه رديء يبقى في نفسه سبحان الله السَّلبية في أنَّه لا يمكن أن يُفلح في مجال من مجالات الحياة، وأنَّه سيبقى عالة على النَّاس، لا، أنت ما يُدريك يوم من الأيام أنا قد أكون خادماً عندك. وأذكر بهذه المناسبة يقولون أسرتين مجتمعتين فكان فيهم شاب وكان فيهم فتاة فقالوا: لو أنّ قلنا لفلان يأخذ فلانة، هي كانت تسمع الكلام، فقال الشَّاب: أنا آخذها؟! أنا أكبر قدراً من أن آخذها. فهي أصَابها شيء كثير من الضَيّم، فراحت وصعِدت فوق مكان مثل هذا فقالت: والله يأتي ربي بيوم أنا التي آمرك فيه وتصير ذليل عندي! جزاءً على كلمتك هذه. وسبحان الله يتزّوجها أحد الأثرياء ويأتي هو سائق عندها، فكانت تقول له: يا فلان ما تذكر ذاك اليوم الذي أنت جرحتني فيه انظر سبحان الله بسبب الشماتة . رُبَّ كلمةٍ قالها فَصَعِدَ بها.
              د. الشِّهري: أيضاً لاحظوا الآن الآية التي بعدها يا مشايخ، في قوله (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا(9)) تُلاحظون نحن الآن في باب قسمة، في قسمة تركة أنت خُذ الثلُّث، وأنت خُذ الرُّبع، وأنت خُذ النِّصف، وبالرّغم من ذلك تأتيك المواعظ ويأتيك العناية بجانب التَّقوى، ممّا يَدُلّك يا إخواني نحن فعلاً نفصِل فصلاً نَكِداً إن صحَّ التعبير- بين الحُقوق وبين الأخلاقيات، وكثيرٌ من النّاس يظُنّ أنّ الأخلاق منفصلة عن جَانب الأخذ والعَطاء والدِّرهم والدِّينار.لاحظ هنا كيف تأتي (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) هذه مسألة ذوقية أدبية أخلاقية، ثمَّ تأتيك بعدها مسألة تُؤرِّق كثيراً من الآباء ومن الأمّهَات الذين أدركهم الكِبَر وخافوا على أولادهم الصِّغار من الضَّياع بعدهم فتأتي هذه الآية في هذا الباب فيقول الله (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ)، يعني خِطاب للآباء والأمَّهات الذين يخافون على أبنائهم من بعدهم الضَّياع، إمّا لفقر إمّا ليُتـم. قال (فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا). رَجعنا لأوّل ما ورد في السُّورة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ) فجاء يأمر بها هُنا أمراً خاصّاً لهذا النّوع من النّاس، الذِّين يتركون ورائهم وَرثة هم مظنّة الضَّياع، وما أكثر هذا في حياة النّاس اليوم تجد الواحد منهم يكبر في السِّن ويرى أولاده من خلفه صغار بعضهم ما أكمل دراسته ويفكِّر كيف سيكونون بعدي سيضيعون فالله قال (فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا).
              د. الطيّار: وهذا كما يقول بعض الــمُفَّسِّرين هذه الآية فيها تنبيه على أنّه يُوجب الاحتياط للضُّعفاء، الذين هم الآن ذرِّيةً ضِعافاً. فالاحتياط لهم قبل وقوعه.
              د. الشِّهري: لكن انظر قال (فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا) ما قال فليدَّخِروا لهم، أو فليُثَّمِروا لهم. وإنَّما أرشدهم للوصِيَّة هي في نظر كثير من النّاس ما لها علاقة في الجانب المالي، فوصيَّته بالتّقوى والقول السَّديد. أليس من التَّقوى هنا ما ذكره الشيخ مساعد من قضية الاحتياط لهم في تأمين شيء يَعولهم أويَقوتــهم بعد وفاة هذا الرّجل أو هذا الوالي.
              د. الخضيري: لكن أنا يظهر لي في معنى الآية يا مشايخ، إنّه يقول راعُوا من حَضَر في القسمة من اليتامى والضُّعفاء كما أنَّكم تُحبُّون أن يُرَاعَى أيتامكم أنتم، فكَما تُحب أن يُكِرَم أيتامك وضُعفاؤك الذين تُخلّفهم من بعدك، أكرم ضعفاء من قبلك، وهذا تذكير للإنسان بما تؤول إليه الأحوال، كما تدين تُدان ولذلك قال (فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا).
              د. الطيّار: جميل، وهذا الأقرب في القسمة. يعني إذا حضروا القسمة فليتَّقوا الله في حضور هذه القسمة ما يأتون ويقطعون يقولون في القِسمة أوصي لفلان، لا تُوصي لفلان لا توصي لفلان، يكونون حضور خير، فيها جانبان إمَّا أن يُوصوه بأن لا يُخرج ماله عن ذُرِّيّته فلا يُوصِي بشيءٍ آخر، وإمّا أن يعكسوا ذلك فيُوصوه بأن يُخرج ماله عن ذُرِّيته ولا يُبقي لذِّريَّته شيء، يعني في محتمل الأمرين هذا وهذا، فهذا تنبيه على أنّ الله حتى في هذه الدّقائق يوصي المسلم ويعطيه ترتيب الأولويات عنده، وماذا يصنع وماذا يَفعل حتى في مثل هذه الدَّقائق. طبعاً أنا أريد أن أنبِّه لاحظ أنّ الله هنا يُرشِد المسلم إلى مثل هذا الأمر الجميل الذي يقبُله كل عقل، وانظر الآن إلى الغرب الذي يتبَجّح كثير مع الأسف من ضِعاف النُّفوس من المسلمين لمحبّتهم ومحبّة ما عندهم، مليونير يجعل تركته كلّها لكلب! وعنده بنتٌ، أو ولدٌ، أو زوجةٍ لا يأبه لها فيخرج هؤلاء كلهم من أملاك هذا الرّجل وتكون للكلب!
              د. الشِّهري: طبعاً يمكن هذا سفيه، لا شك سفاهة فوق سفاهة لكن حتى نظام التَّرِكات عند غير المسلمين فيه ظلم، وفيه تَعدِّي وليس فيه هذه المراعاة للحقوق التي ذكرها ونصّ الله عليها في هذه الآيات التي ستأتي معنا فمع أنّ هذا المثل الذي ذكرتَه يعتبر شاذ ونادر لكن أيضا بصفة عامّة هناك ظلم منتشر .
              د. الطيّار: ليس هناك قسمة أصلاً .
              د. الخضيري: ألا تَرَونَ الآية وردت في جانب رعاية الأيتام والقيام بحقوقهم، ومن أوَّل السُّورة ترى الحديث عن الأيتام (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) يعني انتبه كَمَا ترعى هؤلاء الأيتام سوف يُقيِّض الله لأبنائك من بعدك من يرعاهم، فإذا اتقيت الله فيهم سخّر الله لهم من يتّقي الله فيهم ومن يخاف عليهم، وإذا ظلمت ألا تخشى على هؤلاء الضُّعفاء من الظلم. وكما تدين تُدان.
              د. الشِّهري: ويؤكِّد هذا في قصَّة سورة الكهف (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ(82)) هذه نفس الفكرة، لصلاح الوالد وبعض المفسِّرين يقولون الأبُ السَّابع أو الأبُ السادس ولكن لبركة صلاحه وتقواه أدركت الأحفاد.
              د. الطيّار: لعلّ إن تكرمتم نختم بقوله: (فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا) طبعاً القول السَّديد هو القول العدل والصَّواب، ومنه التَّلطف بالعِبارة لليَتامى وغيرهم فإذا حضروا عنده نقول "يا بني"، "يا ابن أخيّ" من العبارات التي تُشعر اليتيم بشيء من الرِّفعة. ما يعطيه من العبارات الجارحة والقاسية التي تُزعجه.
              د. الخضيري: الوصيّة بالقول السَّديد طبعاً مرّت في القرآن كثيراً
              د. الطيّار: نعم، ولعلنا في اللَّقاء القادم نبتدئ بقوله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا (10)). سبحانك اللهم َّ وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.
              بُثّت الحلقة بتاريخ 6 رمضان 1431 هـ
              سمر الأرناؤوط
              المشرفة على موقع إسلاميات
              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

              تعليق


              • #7
                وهذه الحلقة السابعة:
                الحلقة السابعة
                تأملات في سورة النساء من الآية (10) إلى الآية (11)
                الآيات (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴿١٠﴾ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١١﴾)
                د. مساعد. وقفنا في اللقاء السابق عند قوله الله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) ونبتدئ بهذه الآية وكما سبق أن ذكرنا ملحوظة هو تكرار لفظة أكل الأموال ويظهر والله أعلم أن تكرار لفظ أكل الأموال جاء على سبيل التأكيد لهذا المعنى وهو أكل الأموال وسبق أن طرقنا بعض القضايا المرتبطة بأكل الأموال ولعلنا نعيد بعضها للإخوة المشاهدين.
                د. محمد. لا شك أن الله حفظ لهؤلاء الضعفاء حقوقهم وذكر هذا التهديد العظيم في هذه الآية الكريمة من أجل أن لا ستول لأحد من المسلمين نفسه في أن يعتدي على مال اليتيم ولو كان شيئا قليلا (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا) ولاحظ كف صوّر هذا المأكول بأنه يتحول مباشرة إلى نار تكتوي بها البطون التي إذا نزلت فيها النار فإن الإنسان لا يمكن أن يحيا حياة طيبة، فلو كانت النار في طرف من أطرافه لكان يتصور أن يتخلص منها لكن في بطنه كيف سيتخلص منه؟ وكأن هذا العذاب سيتوزع على جميع بدنه وأظن هذا الوعيد من أبلاغ ما يكون من الوعيد في كتاب الله وفي التحذير والزجر من هذه الخصلة الذميمة. ولعل هذا إنما جاء لأنه كان في العرب يكثر التعدي على أموال اليتامى وقد جاء ذلك في آيات كثيرة (كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) الفجر) وما زال في الناس بسبب حبهم للمال وإيثارهم إذا رأوا الضعيف والمسكين ومن لا يستطيع أن يدافع عن حقه أو يقوم بأمره فإنهم يستاهلون بأمر ماله ونلاحظ أنه يأتي الأمر بالتقوى كثيرا لتخويف الناس من أن يجترئوا على مثل هذه الأمور قال (فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا (10)). ونكّر النار (نار) للتعظيم هي نار عظيمة هائلة نسأل الله العافية والسلامة..
                د. مساعد. في قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) هذا قيد ولا شك أنه يفهم منه أن هناك أكل ليس ظلم ،
                د. عبد الرحمن: في الإضافة في قوله (أموال اليتامى) فيها استدرار لعطف الأولياء لأن هؤلاء يتامى وأن هذا الوصف يستثير الشفقة من المجتمع ومن الولي وأن هذا فيه صفة تستحق العطف تستحق الرعاية والإكرام وهو أنه يتيم فقد العائل الذي يعوله ويعطف عليه وهو والده ويقولون في تعريف اليتيم من مات والده قبل البلوغ واليتيم من الحيوانات من ماتت والدته لأن العادة أن الذي يعتني بصغار الحيوانات الإناث وليس الذكور. يقول تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا) حتى يستحضر الذي يحاول أن يظلم هؤلاء هذا المعنى وهو معنى اليتم وهو مظنة الشفقة والرعاية وأن الولي ينبغي أن يكون أكثر الناس عناية وحرصا بأموال اليتامى فإن سولت له نفسه أن يأكل هذه الأموال فقد فقد الصفة التي يستحق أنه يوكل إليه أن يرعى هؤلاء اليتامى. ثم قال (ظلما) هذا لزيادة تبشيع التعدي على أموال اليتامى وأن الذي يأكل مال اليتيم بغير حق فإنه يدخل في هذا الظلم. المعنى الآخر أن هناك أكل مال اليتيم بالحق وذلك عندما يخلط الولي ماله بمال اليتيم الذي يرعاه ويعمل فيها كلها بما يثمرها ويصلحها كما في قول النبي "لا يؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" فأنت عندما تخلط مال اليتيم بمالك وأنت صادق في أن تمثّر هذا المال وترعاه كما تتعامل مع مالك تمامًا، الإنسان منا إذا تعامل مع ماله مع حرصه الشديد وتحريه لأوجه الاستثمار الجيدة قد يخسر وقد يقع في ماله شيء من التلف بسبب هذه المضاربة أو هذه التجارة ونحو ذلك في هذه الحالة لا يؤاخذ الولي إذا وقع شيء من الخسارة في مال اليتيم لأنه تحرى الأصلح وبذل وسعه لكن وقع فيما وقع لسبب من الأسباب. (ظلما) في الآية فيها إشارة أنه يجوز لولي اليتيم أن يأخذ بالمعروف
                د. محمد. وقد نصّ عليها (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ (6)) وما أشرت إليه د. مساعد في قضية الصحابة لما شدد الله عليهم هو لشدة تقواهم عزلوا أموال اليتامى حتى إنه يقول هذه لقمة اليتيم وهذا طعام اليتيم وهذا فيه إضرار لمال اليتيم بسبب عدم الخلطة فأنزل الله تعالى رفقا بهم ورحمة بهم وإكراما على تقواهم قال (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ (220) البقرة) تنوي الإصلاح ولا تدخل في ماله إلا إذا كنت تقصد أن تحسن (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (152) الأنعام). (وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ (220) البقرة) لو شاء الله لألزمكم بأن تفصلوا أموال اليتامى فلا تأخذوا ولا تنتفعوا منها بشيء وللزمكم ذلك لكن الله رحمنا.
                د. مساعد. من لطائف الآية في قوله (فِي بُطُونِهِمْ) والمعروف أن الأكل لا يكون إلا في البطن وهذا يسميه العلماء صفة كاشفة لزيادة التأكيد والمبالغة في هذا المعنى أنه أكلٌ يتجه إلى البطن لا غيره مع أنه معلوم أن الأكل يتجه إلى البطن أصلًا
                د. محمد. وقد يكون فيها معنى التحذير وهو أنه إذا أكلت في بطنك وذهب إلى جوفك وانتفع منه سائر بدنك فاعلم أن الخطر عليك عظيم، لو كان المتسفيد منه ظاهر جسمك مثل الثوب قلت الذي يستفيد الجلد تستر به العورة لكن في البطن لا مناص ولا محيص قد دخل في جزء مهم منك وأثره سيكون على باقي جسدك.
                د. مساعد. وبعض العلماء أيضًا كما سبق أن طرحنا في قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى) عبّر بأكل المال وهنا قال (فِي بُطُونِهِمْ) أنه لما عبّر أن المال يؤكل لما نزلت الآية أغلب ما كان ينتفع به من مال اليتيم هو المأكول. وننتبه إلى قضية وهي مسألة أن كثير من الناس حينما يأتي إلى مثل هذه الآيات قد يقول يمكن أن بنتفع بمال اليتيم في غير الأكل ويكون أكثر لكن الأغلب في سائر الأوقات والأزمان نحن الآن نحصر أحيانا بعض القضايا بزمننا الذي يعتبر نوعا من الاستثناء وإلا فالناس عاشوا ألوف السنوات على نمط واحد من الحياة لا يكاد يختلف. لما جاء القرآن ونزل على العرب وكانوا كلهم ومن يعيش حولهم على نفس الشاكلة أما نحن الآن في هذا العصر تغيرت أشياء وقد لا ندرك لماذا قال القرآن هذا الكلام لأننا لا نتصوره وقت نزوله بما عندنا من الحضارات فيقع مثل هذا الإشكال ولهذا نقول إن هذا لا يزال حتى اليوم لو نظرت إلى كثير من العالمين المأكول هو الأصل ومع ذلك فالانتفاعات الأخرى تكون في الغالب تبعًا له وليست أصلًا.
                د. عبد الرحمن: بعدما تدرجت سورة النساء أولًا جاء الحديث عن اليتامى ثم عن اليتيمات ثم جاء الحديث عن الزوجات والصداق والحقوق ثم جاء الحديث عن اليتامى مرة أخرى الآن تلاحظون يتحدث عن القسمة وعن حضور اليتامى والمساكين وأولي القربى ينتقل الآن للحديث عن الأولاد وكأنها والله أعلم راعت تشوّف عناية الإنسان بأولاده الآن عندما توصي الإنسان باليتامى الذين تحت يده هؤلاء ليس أولاده وإنما هو ولي عليهم فجاءت الآن الإشارة إلى أولادك أنت كما أن الله أوصاك باليتامى الذين تتولى أمورهم إما أن يكونوا أبناء لأخيك أو أبناء لأختك أو من يكونون يتامى أنت تتولاهم الله هنا يأتي لكي يوصي بالأبناء. وهذه الآيات تعيدنا للآيات التي وردت في بر الوالدين، في عدة آيات في القرآن جاء الأمر ببر الوالدين (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (23) الإسراء) (لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83) البقرة) والآيات التي وردت في بر الوالدين بعض الناس يقول أن الله قد أمر ببر الوالدين ولم يأمر ببر الأبناء لأن الله يعلم أن الأبناء قد يستغنوا عن آبائهم ويعقّوهم ويتركوهم في حين أن الفطرة والعاطفة التي في الأبوين لا تسمح لهم أن لا يبروا بالأبناء ولا يعتنوا بهم. لكن القرآن الكريم أوصى الأبناء بالآباء وأوصى الآباء بالأبناء وفي هذه الآية وصية واضحة للآباء بالأبناء فقال الله (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) مما يشير إلى إشارة مهمة وهو أن الله أرحم بالإنسان من والديه حتى أنه من شدة عنايته بك أنه أوصى والديك بك وأن يعطوك حقك.
                د. محمد. وهذا سبحان الله في قمة الرعاية وأن الله أرحم بنا من أنفسنا ومن آبائنا
                د. عبد الرحمن: حتى تدخّل عند الوالد وعند الوالدة وقال (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) فهذه وصية عظيمة. وهذه الآية تأتي كأول آية من آيات المواريث في سورة النساء التي تقسم التركة تقسيمًا تامًا أصحاب الفرائض. والفرائض عندنا في الفقه الإسلامي مبنية على ثلاث آيات اشتملت على كل أحكام الفرائض
                د. محمد. ما ترك الله تعالى قسمة للمواريث للنبي وإنما قسمها هو بنفسه لعلمه أنها محل النزاع والخصومة والخلاف وأن الناس قد تغيب عنهم أحاديث رسول الله لكن ذكرت بنص القرآن الذي سيحفظه الله لعباده ولا يختلفون فيه.
                د. مساعد. تتمة لما ذكره د. عبد الرحمن قبل قليل لو أردنا أن نأخذ الآن كنظرة موضوعية لما قال (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ (1)) عندنا الآن الأرحام أقسام لكن مع بداية الآيات كان حديثًا مفصلًا عن اليتيم وعن رعاية اليتيم وعن حق اليتيم آية بعد آية ولما انتهى منه وقرره إنتقل إلى الأبناء فهذا ملحظ مهم جدا فننتبه إلى ما قدّمه القرآن وأخّره وأن المقدم هنا إنما قدم للعناية به وقدم أمر النساء للعناية به ثم جاء التفصيل (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) فبدأت الآن آية الموارث وقسم التركات.
                د. محمد. هناك منهج قرآني عجيب وهو أن الله يذكر الشيء إجمالًا ثم يفصله (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ (7)) أين هو النصيب؟ الناس تشوفت لمعرفة ما هو هذا النصيب؟ كيف سيكون؟ الناس تشوفت لمعرفة هذا النصيب كيف سينزل في آيات أو حديث أو أحاديث قدسية أو سيكون في جدول حسابي؟ فجاء التفصيل أيضًا في غاية الرقة والرعاية والرأفة بالعباد كأن الله تعالى يقول لعباده لا تخافوا أنا أرفق بكم من أنفسكم والرزق كله من عندي وأيضًا أستوصي بكم خيرًا يقول (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) ثم يذكر هذه الوصية.
                د. مساعد. هذا وجه كما ذكرت ووذكرنا وجهًا آخر أيضًا وجه لارتباط هذه الآية بما قبلها ذكر بعض العلماء أنه لما فصل في حال اليتيم كأن سأئل يسأل من أين يأتي هذا اليتيم بالمال؟ فأشار إلى أهم مورد وهو الميراث وهذا غالبًا ما يأتي من الميراث فيحتاج أن يُرعى كما ذكر تعالى في بداية هذه السورة.
                د. محمد. النظرة الموضوعية لآيات المواريث ينبغي أن نقولها للمشاهدين لأنها مهمة، قد يقرأون هذه الآيات فيظنون أن المواريث وُضع فيها حق كل واحد منفردًا دون النظر إلى تقسيمات كلية لهم. من يقرأ الآية الأولى يعلم أنها في الأصول والفروع أصول الإنسان أي من خرجت منهم من تسلسلت منهم الوالدان ومن علاهما والفروع وهم الأبناء وأبناء الأبناء ومن دونهم. ثم جاءت الآية الثانية في حواشي الإنسان في الأزواج والإخوة لأم لكنهم حواشي يرثون بالفرض، فالزوج مع زوجته والزوجة ليست أصلًا ولا فرعًا وكذلك الزوج ليس أصلًا للزوجة ولا فرعًا منها فهو شيء آخر ملحق فجاء ميراثه وميراث الإخوة لأم في آية واحدة، لماذا جُمع بينهم؟ لأن الإخوة ميراثهم بالفرض والزوج ميراثه بالفرض والزوجة ميراثها بالفرض، ما معنى ميراثه بالفرض؟ يعني لهم نصيب مقدّر مقنن واضح، نصف ربع ثمن ثلث سدس هذا المقصود بأصحاب الفروض. بقي من يرثون بالتأصيل من حواشيك، انتهينا من الذين يرثون بالأصل في الآية الأولى ومن الذين يرثون بالحواشي الذين يرثون بالفرض في الآية الثانية، بقي الحواشي الذين يرثون بالتعصيب يعني بغير تقدير ذكروا في آخر آية من سورة النساء (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)) فهذه نظرة إجمالية حول هذه الآية.
                د. مساعد. لما قال (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ (11)) هذه القاعدة العامة ولكن يجهل بعض الناس أن هذه القاعدة العامة ليست في قسمة المواريث كلها وهناك تفصيلات أخرى، قد يكون أحيانًا نصيب المرأة أكثر من نصيب الرجل ولهذا من القصور حينما نقدّم مال المرأة في الاسلام وكيف المرأة تصل إلى هذا المال وما هي حقوقها فيه بعض الناس لا يلتفت إلا لهذه البداية (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) ويجهل أو يغفل أو يتغافل عن أنه قد ترث المرأة أكثر من الرجل في بعض الأحيان. فالمسألة ليست كذلك وإنما هي تأخذ في أحوال معينة وليست في جميع الأحوال أنه للذكر مثل حظ الانثيين.
                د. محمد. مع العلم أن قاعدة الفرائض في الإجمال أنه متى كان الذكر والأنثى من جنس واحد مثل الأبناء والبنات أو الإخوة والأخوات إذا كانوا شقائق أو لأب الأصل في هذه الأحوال إذا استوت الأجناس أن للذكر مثل حظ الإنثيين لكنها ليس قاعدة مضطردة في كل مسألة من مسائل الفرائض
                د. مساعد. وفيما لو أوصى بمال لأولاده؟ ترجع القاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين، أوصى وصية مطلقة أن هذا المال لأولادي
                د. محمد. يأتي سؤال هنا بعض الناس يقول إن قوله (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) فيها تطمين لو قال (للأنثى نصف ما للذكر) والعادة جارية في كلام العرب أن البلاغة في الاختصار وليس هذا في كل مكان ولكن البلاغة مراعاة المقام، شيخنا إبن عثيمين أجاب عن هذا إجابة أعجبتني جدًا فقال (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) قال (حظّ) جعل للأنثى حظ والحظ زيادة ودرجة بينما لو قال للأنثى نصف ما للذكر جعل لها نقصًا والمال الذي يأتي المرأة في الميراث هو في الحقيقة حظ بخلاف المال الذي يأتي للرجل، لماذا؟ لأن الرجل يقال له تفضل لتنفق على أختك، لتنفق على أمك وتدفع مهرًأ وتنفق على أولادك كأنه هو بالنسبة للمرأة حظ تام لأنها لا تنفق منه، لا تدفع مهرا ولا تنفق على زوج ولا على ولد ولا تُلزم بأي شيء مما يلزم به الرجل من النفقات ودفع الأموال فجعله الله حظًا فلما كان المراد الإشعار بالحظ آثر أن يقول (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)
                د. مساعد. هذا جميل. كنت سأسألك عن فائدة كلمة (حظ) فجئت بها. حينما نقف هذه الوقفات على ما يقوله العلماء في بعض هذه الألفاظ نشحذ همم السامعين إلى أن يتنبهوا لمواقع هذه الألفاظ من الآيات وأن اللفظة تأتي في مكانها المناسب لها وإلا كما ذكر لفظة (حظّ) لفظة محبوبة فلما كانت في الأنثى نبّه على أنه حظ كامل لها ولكن لم يذكره للرجل لأجل أن الرجل تكاليفه وما يُطلب منه أكثر ما يطلب من المرأة.
                لما قال (للذكر مثل حظ الانثيين) هنا كما قلنا قاعدة عامة في موضوع التركات.
                د. محمد. قبل ذلك أنا استمعت لأحد الباحثين جزاه الله خيرًأ وقرأت له كتابًا في هذا الموضوع يثبت ردًا على من يقولون أن الإسلام ظلم المرأة فأثبت أنه في قرابة أربع وعشرين حالة في الفرائض تأخذ المرأة فيها إما أكثر من الرجل وإما مثل الرجل، أحصاها 24 حالة وقال إن الحالات التي يأخذ فيها الرجل ضعف ما تأخذه المرأة حالات معدودة لا تتجاوز ثمان حالات. وأريد أن أنبّه إلى أمر أن هذه الحالات الثمان هي تمثل 99% من حالات الفرائض المعهودة، يعني الأصل أن الرجل يموت عنده إبن وبنت هذا الغالب على من يحصل له وفاة، الحالات التي ذكرها هذا الباحث جزاه الله خيرًا هي بالفعل صحيحة ما افترى ولا كذب ولا أخطأ فيما قال ولكن غالبها مسائل نادرة وقليلة الوقوع لذلك نحن نقول وإن كان الأغلب مما يقع في الواقع أن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين وهذا حق والله أعلم بل قال (آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ (11)) فهو أعلم بعباده وبما يصلحهم وعلينا أن نسلّم ولا يغرنا هذه الموجة التي تديرها الحركات النسوية في العالم ومؤتمرات المرأة وغيرها مساواة الرجل بالمرأة الذي يسمونهم الجندريون ويقولون أنه لا يوجد فرق أبدًا بين الذكر والأنثى وأن كل هذه الفروق مدعاة وغير صحيحة وهؤلاء يخالفون الطبيعة والفطرة والعقل وكل شيء.
                د. مساعد. قوله (فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) الآن الحديث عن ميت يموت ليس امرأة وإنما رجل (فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) ثلثا ما ترك الميت، (وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) هنا دقة متكاملة جدًا بحيث لا يكون هنا غموض في المعنى، المقام هنا مقام إيضاح وتفصيل دقيق جدًا بحيث تكون كل كلمة واضح المراد منها أنها قسمة رياضية. لو أردنا أن ننظر تتمة القسمة قال (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) الآن قسّم الأصول والفروع الآباء والأبناء. فقوله (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) بعد أن ذكر القسمة (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) ما مفهوم قوله (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)؟
                د. محمد. قبل ذلك أريد أن أستدرك (يُوصِي بِهَا) هناك قراءة أخرى (يوصى بها)
                د. عبد الرحمن: الوصية للتأكيد على الأمر يوصيكم الله ويؤكد عليكم للعمل بهذه الوصية فالله عندما يقول في بداية تقسيم التركة (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) ويؤكد على إعطاء هؤلاء حقوقهم كما أمر الله بها وكما فرضها في هذا الكتاب فكأن هذه الآية والله أعلم جاءت تفصيلا لما جاء مجملًا في الآية الأولى (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ (7)) هذا من المُجمل وهذه الآية من المبيّن وهذه من أنواع البيان في القرآن الكريم أن يأتي الأمر مجملا ثم يفصّل.
                د. مساعد. لكن أنا أقصد أنه لما قال (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)
                د. عبد الرحمن: التحدث عن الحقوق المتعلقة بالتركة بعد الوفاة، الآن الفقهاء عندما يموت الميت ويترك بعده تركة، كيف تقسم هذه التركة؟ قالوا ننظر في هذه التركة أولًا هناك حقوق أولويات يجب أن يراعى فيها الترتيب، فقوله (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) تقدّم الوصية هنا ثم يأتي بعده إذا نفذت الوصية ولها أحكامها في الفقه الإسلامي ومعروفة أحكامها (أن لا تزيد عن الثلث وأن لا تكون لوارث كما قال ) فمعناه لو أوصى أحد لولده وولده وارث لا تصح هذه الوصية، فالوصية تصح بشرطين أن لا تكون لغير وارث وأن تكون في الثلث وما دونه وإذا أوصى بالثلث فلا بد من موافقة الورثة وإجازتهم. فهذا إشارة إلى الحقوق المتعلقة بعين التركة بعد وفاة الميت فإذا انتهينا من الوصية وانتهينا من قضاء الدين فما بقي بعد ذلك يقسّم على النحو الذي جاء في الآيات (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ)
                د. محمد. لعلك أردت الإشارة إلى ما جاء في الآيات لكن الفقهاء يذكرون شيئًا آخر وهو تجهيز الميت يُبدأ به ولا يستعان بمال غير الميت على تجهيزه إلا إذا تبرع أحد من الناس والثاني الديون والديون الحنابلة يقسمونها إلى قسمين الديون الموثقة تقدّم والديون غير الموثقة بعدها ثم تأتي الوصية لكن السؤال يأتي لماذا ذكرت الوصية في آية المواريث مقدمة في الترتيب على الدين؟ قال العلماء لأمور: الأمر الأول الوصية في العادة يحصل التهاون بها فقدّمت بينما الدين لا يحصل فيه تهاون ولا يتركه صاحبه خصوصا إذا كانت هذه الوصية على شيء لا يمكن أن يطالب كأن يقول ثلث مالي للمسجد فالمسجد لا يمكن أن يطالب الورثة بحقه من المال، أو كان ضعيفا كيتيم أو كبير في السن، هذا أمر والثاني
                د. عبد الرحمن: الثاني كما قلت أن تكون الوصية لأناس لا يطالبون. الآن عندما قال (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) الفقهاء يقدمون الدَيْن على الوصية في العمل وهذا لا إشكال فيه ولكن الله قدّمه في الذكر للاهتمام به وللإشارة إلى حق الذين أوصي لهم في أن يعطوا حقهم في الوصية للميت. وهذا مصداقًا لما ذكر الدكتور محمد الآن وقع تهاون الآن في الوصية وفي تنفيذها بشكل كبير جدًا فما أن يموت الميت إلا ويتهاون الورثة في الوصية ولا يوصلونها إلى صاحبها ويبقى يطالب ويحتاج إلى شهود وربما لا يصل إلى هذا الحق
                د. مساعد. نفهم من كلامكم الآن أن الآية لم تأت على الترتيب الواقعي لأنه بدأ بالمواريث قبل الوصية والدين معنى ذلك أن هذا ليس هو الترتيب الواقعي فإذا مات الميت يقدمون التجهيز ثم الدين ثم الوصية ثم قسم المواريث. هناك قضية نسيت أن أنبه لها وهو استعمال شائع عندنا وليس هو الاستعمال العربي لو قال الله (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) يقول أنا عندي كذا ولد وكذا بنت تعارف الناس أن الولد للذكر لكن الولد يشمل الذكر والأنثى ولكن من باب التصحيح لأنه شاع عند الناس استخدام الولد للذكر فقط مع أنه يصح للإثنين تقول هذا ولدي سواء كان ذكرا أو أنثى والدليل هذه الآية.
                د. محمد. في قوله تعالى (فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) المفسرون بحثوا هذه الآية هل كلمة (فوق) جاءت زائدة كما جاء في قوله تعالى (فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) الأنفال) أو أنها ليست زائدة بل هي في محلها وهي قد جاءت للدلالة على معنى مقصود؟ الصحيح والله أعلم أن (فوق) جاءت هنا جاءت لمعنى مقصود وهذا سر السؤال لذا نحن نقول للناس تدبروا الآيات بشكل عميق تجدوا سبحان الله في الآية ما يحل الإشكال حتى أحيانًا لو لم تستعن بآيات أخرى أو أدلة أو شواهد تجد الآية تسعفك في هذا الميدان ولعلنا نأتي إلى بعض الشواهد في هذه السورة بالذات. هنا قال (فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) فالواحدة يقابلها النصف ولما ذكر ميراث الواحدة وذكر ميراث فوق الاثنتين دل ذلك على أن الاثنتين ليستا كالواحدة قطعًا إذن ماذا لهن؟ نقول هنا دلت السُنة على واحد ودل القرآن في آخر السورة (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ (176)) البنتان أقرب إلى الميت من الأختين فلهما الثلثان، ما فائدة (فوق)؟ قال ليبين لك أن نصيبهن لا يزيد بزيادتهن، لو كنّ عشرة أو مائة فلهن الثلثان لا يزيد بزيادتهن فأراد أن ينص على هذا قصدًا والأصل حمل الكلام على عدم الزيادة بل حمله على أن يكون له معنى محدد.
                د. عبد الرحمن: ومن الفوائد التي ذكرها الشيخ ابن عثيمين (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وأنه أراد أن يشير إلى أن المال الذي يعطى للمرأة حظ لأن المرأة لا تنفق من مالها وكأن المال الذي يعطى لها هدية تتصرف فيما كما تشاء ولا يلزمها أن تنفق بينما الرجل يعول من تحت يده. ويمكن أن يستفاد منها فائدة مهمة وهي أن المجتمعات الجاهلية كانت تحرم المرأة ولا تعطيها حقها وتظلمها فجاء القرآن الكريم هنا ليقرع الأسماع بهذه العبارة الجميلة ويقول (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) فيشير إلى أن المرأة ذات حظ في الإسلام وأن لها حظًا في تركة مورثها وينبغي أن يُعطى لها هذا الحظّ.
                د. محمد. مصداقًا لكلامك، يقولون في دراسة بريطانية قريبة أنه من أسعد النساء في العالم وأكثرهن دلعًا النساء في الخليج يقولون المرأة مخدومة ومحشومة وتقاد بها السيارة لا تقود والملوك لا يقودون السيارات ويفرض على أبيها وأخيها وزوجها أن ينفقوا عليها ويعطوها ما تحتاجه، يقولون أجروا إحصائية لأكثر النساء دلعًا ورفاهية فوجدوا أن النساء في الخليج وخاصةفي السعودية أكثر النساء رفاهية ونحن نقول إسمعوا ايها الناس الصحف والإذاعات تملي علينا أن نساءنا في غاية القهر والإذلال وهذا أقسم بالله أنه في غاية المجافاة للحقيقة وأني رأيت بعيني ما يبكي ويدمي قلوب الرجال مما يفعله الغربيون بنسائهم يمتهنوهن ويجعلون المرأة مثل الرجل في أداء الأعمال الصعبة، كنا مرة في فندق فصفّرت صفارة الحريق فخرجنا وما شعرت إلا برجال الإطفاء قد جاؤوا ورأيت المرأة تلبس الخوذة وتلبس أنبوب الأكسجين وهو ثقيل وكبير وتحمله على ظهرها والرجل يحمل رأس الليّ فقلت سبحان الله! هذا هو الإكرام للمرأة؟! لا يتناسب مع طبيعة المرأة ولا هذا العمل يصلح لها وما خلقت لهذا وإنما خلقت لتربي أطفالها في بيتها ولتكون أنثى حقيقية كما قال النبي "النساء شقائق الرجال" شقيقة لا تعني أن تكون صورة طبق الأصل من الرجلّ لا، الجوانب التي يحتاجها الرجل يجدها في المرأة والجوانب التي تحتاجها المرأة تجدها في الرجل. فكل واحد منهما يكمل الآخر.
                د. مساعد. قال بعد ذلك (آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) ما مناسبة ذكر آباؤكم وأبناؤكم في موقع الوصية وكذلك موقع التركة؟
                د. عبد الرحمن: لأن الآية قدمت ذكر الأبناء (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ (11)) فبدأ بذكر الأبناء لأنهم أقرب الناس للميت أبناؤه الذين من صلبه فقدم الله ذكرهم وحقهم ثم جاء بعد ذلك بالآباء. ثم فكأن سائلا سأل لماذا قُدّم الأبناء؟ لماذ أثخر الآباء أليس الآباء أولى بالرعاية؟ فجاءت هذه الخاتمة (آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) فكأنها إجابة لسؤال ما سبب تأخير الآباء وتقديم الأبناء؟ في إشارة إلى أن الإنسان لا يدري من أين يأتيه الخير قد يأتيك من أبيك أو ابنك أو أخيك
                د. محمد. قد يقول البعض لماذا أعطيت الأم السدس، الأم قريبًا ستموت كان يمكن أن تعطى الثمن مثل الزوجة؟ ماذا تستفيد من المال وهي قد كبرت؟ قد يعترض الإنسان بمثل هذه الاعتراضات التي يراها في نفسه منطقية أو يقول الإنسان أنا أدرى بأولادي هؤلاء عندي عشرة من الولد فلان أريد أن أعطيه أقل وفلان أعطيه أكثر وفلان لا أعطيه شيء ما نفعني بنافعة وما حصل منه أي خير فقال تعالى (آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) قد يكون ابنك هذا الذي ما رأيت منه في دنياك خير قطّ أنفع أبنائك لك يوم القيامة يمكن هو الوحيد الذي يأخذ من مالك ويبني لك مسجدًا أو يمكن أن هو الوحيد الذي يظل يدعو لك حتى يموت ويوصي أبناءه بالدعاء لك فلا تنظروا إلى ما قسمته بينكم يا عبادي بالنظرة العاجلة القريبة فأنتم لا تدرون أين يكون النفع.
                د. عبد الرحمن: مما يدل على أن العقل ليس له مدخل في هذه التقسيمات
                د. مساعد. ولهذا لاحظ ختم الآية بقوله (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا) لما قال (لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً). ولهذا تأمُل مثل هذا الأمر يجعل الإنسان يطمئن لقضاء الله وقدره ويسأل الله حسن قدره، أنت أمامك أبنائك لكن لا تدري أي ابنائك سيكون أبر بك بعد موتك ولهذا قال (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا) ذكر هذين الإسم العليم والحكيم مع تقسيم التركات والقضايا هذه تجعل المسلم يطمئن أن هذا التقسيم إنما خرج هذا التقسيم عن علم وحكمة فوضع كلا في مكانه .
                د. محمد. وهذا نلاحظه في موضوع أن يعطى الذكر ضعف ما تعطى الأنثى، الآن بعض النساء المتأثرات ببعض الأفكار الغريبة علينا وعلى ديننا تقول لماذا؟ حرام! أنا وأخي سواء فلماذا يعطى أخي أكثر مما أعطى أنا؟ فنقول لها إعلمي أن الله هو العليم الحكيم الذي قرر هذا وأمر به وأنت مخلوقة ضعيفة أنت لا تدركين الحكمة ولا تعرفين الهداية.
                بُثّت الحلقة بتاريخ 7 رمضان 1431 هـ
                سمر الأرناؤوط
                المشرفة على موقع إسلاميات
                (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                تعليق


                • #8
                  جزاكم الله خير على هذا الجهد ونسال الله ان يسر هذا المشروع إلى كتاب يداوله طلبة العلم والله الموفق / أخوكم ابو سلمان

                  تعليق


                  • #9
                    الحلقة الثامنة
                    تأملات في سورة النساء من الآية 12 إلى الآية 14
                    د. عبد الرحمن: الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ،مرحبا بكم إخوتي الكرام في هذا المجلس القرآني المتجدد بينات الذي نتدارس فيه معكم آيات من سورة النساء وقد بدأنا في أولها ووصلنا فيها إلى الآيات التي تتحدث عن قسمة التركة بعد وفاة الميت ولعلنا نستمع هذه الآيات ثم نواصل الحديث معها مع المشايخ الفضلاء.
                    (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (١٤)
                    د.عبد الرحمن : وبعد سماعنا لهذه الآيات الكريمة التي يقسم الله بنفسه التركة بعد وفاة الميت لعلنا نتحدث بهذا اللقاء إن شاء الله معنا أيها الأخوة حول ما سبق أن شرعنا فيه من الحديث في قوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) وكنا في اللقاء الماضي مع الدكتور مساعد والدكتور محمد بدأنا في الحديث عن لماذا جاءت الوصية في أول هذه الآيات؟ وأيضًا كنا أشرنا إلى الموازنة بين وصية الله للآباء وللوالدين أو وصية الأبناء ببر الوالدين في قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) ونظائر هذه الآيات وفي هذه الآيات يوصي الله الوالدين بالأبناء فيقول (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) وانتهينا من هذه الآية وما ورد فيها من المعاني على وجه الإيجاز حيث إننا لا نريد أن نتوقف في آيات المواريث خاصة لأن آيات المواريث لو أردنا أن نفصل فيها لاستوعبت العديد من الحلقات وإنما نكتفي ببعض المعاني وبعض الاستنباطات الدقيقة التي يستفيد منها الأخوة المشاهدون لهذه الآيات .
                    د.محمد :أنا لي ملحظ أحب أن أذكره لأخواني المشاهدين وهو ينبغي من يريد أن يتعلم المواريث أن يفهم آيات المواريث أولا لأنها ستبقى بيده دليلًا قويًا يعرف به يعني الحكم الشرعي في كل مسألة مع دليله يحفظها وأيضًا هي أيسر في إيصال علم الفرائض إلى القلب وإلى النفس من كونك تدرسها في كتب الفرائض لأنها كتب تذكر جميع الفروع وتفصّل وقد يتعثر الإنسان في بعض هذا الأمر .
                    د.عبد الرحمن : تأذن لي يا دكتور محمد أسألك سؤال الآن ما هي أسباب الميراث ؟يعني لماذا يرث شخص من شخص؟ ما هي الأسباب التي تجعل هذا الشخص يرث من هذا الشخص؟ هل هي مذكورة في الآيات حتى يستوعبها الأخوة المشاهدون؟ .
                    د.محمد :نحن أشرنا في الحلقة الماضية يا دكتور عبد الرحمن إلى أن هذه الآيات الثلاث مقسمة طبعًا الآية هذه والتي تليها والآية الأخيرة في سورة النساء مقسمة إلى ثلاثة أقسام هذه في الأصول والفروع وهم أقرب الناس إلى الإنسان فأول سبب من أسباب الميراث هو القرابة أو النسب وأقرب الناس إلى الميت هم أولاده ووالداه ولذلك ابتدأ الله بهم، الآباء والأبناء. ثم جاء من بعد ذلك إلى الأسباب يعني من كان لك به سبب وليس نسب وهم الأزواج لأن الزوجة ليست صلتك بها صلة نسب هي الصلة الأصلية هي سببية المصاهرة "النكاح ". ثم يأتي من بعد ذلك سبب هو الآن يكاد يكون معدومًا لكن قد يتجدد في يوم من الأيام وقد كان كثيرًا فيما مضى من الزمان وهو الولاء يعني أن يكون للإنسان رقيق فيموت هذا الرقيق وليس له وارثين فيرثه من اعتقه بالولاء فهذه ثلاثة أسباب .
                    د.الشهري : هي التي تكون سبب في التوارث .
                    د.محمد :أما الأخوة مثلًا والاشتراك في التجارة أو أخوّة الدين أو الجيرة فليست أسبابًا للتوارث وإن كانت أسبابًا في أول الإسلام كما سيأتي (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) هذه سنتحدث إن شاء الله تعالى عن هذه القضية وهي قضية أن الإرث بالتآخي والتحالف كان موجودًا في أول الإسلام فنُسِخ (وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ)
                    د.الشهري : إذن الآية التي هي (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا) تحدثت عن الأبناء وتحدثت عن الآباء وهذا سبب من أسباب الميراث الذي هو سبب النسب ثم تأتي الآية التي معنا اليوم في قوله تعالى (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) تحدثت عن السبب الثاني من أسباب التوارث وهو النكاح أن يرث الرجل زوجته وأن ترث الزوجة زوجها هذا السبب الثاني .
                    د.محمد : عندي مسألة لو أذنت لي يا أبا عبد الله في قوله تعالى (فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ) طبعًا الغالب والشائع عن كلمة إخوة تطلق على الثلاثة فأكثر، علماء الفرائض أطلقوا إخوة هنا على الاثنين فأكثر واستقر إجماعهم على هذا وكان هناك خلاف لابن عباس في أول الأمر في هذا حتى أنه ذهب إلى عثمان وقال له كيف الإخوة في كلامك هم يعني الثلاثة فأكثر، فعثمان اعترض عليه بأن الأمر قد قضي على هذا. الحقيقة هذا المشهد يدل على أن ابن عباس نظر إلى الناحية اللغوية ولم ينظر إلى المسألة التي اجتمع عليها أصحاب رسول الله طبعًا لا شك أن الصحابة ما حملوا كلمة إخوة على اثنين إلا وعندهم دليل في اللغة، هذا بلا شك لأنهم هم أهل اللغة وهم حجّة في هذا الباب بل عندنا أدلة كثيرة على أن الاثنين يكونون جماعة هذا واحد. نقول نحن لمن يسمع كلامنا في هذه الحلقة هذا يبين لنا يا أخواني أن الرجوع إلى مذاهب هؤلاء الأئمة والصحابة والتابعين ومعرفة مآخرهم في اختيار قول على قول أو الإجماع عليه هذه مهمة لمن أراد أن يحتاط لنفسه في دين الله ويفهم كلام الله حق الفهم. ابن عباس اعترض أول الأمر طبعًا أنا أقول إن اعتراض ابن عباس كان لأنه شاب يعني في سن الحيوية والشباب ويرى لفظًا قد كثر استعماله في الجماعة ولا يُستعمل على الاثنين فأراد أن يحمل ما فقال له عثمان كيف وقد قيل؟ يعني انتهى الأمر الناس قد مضت على هذا يعني أنه أمر قد أُجمع عليه الإجماع ما يُنقض ولذلك قيل أن كلمة ابن عباس أو خلافه في هذا المسألة شاذ لا يعتبر ولا يعتد به لأنه خالف به جماعة الصحابة الذين انعقد إجماعهم قبل اعتراضه هو أو قبل أن يكون هو من أهل الإجماع وأرضاه .
                    د.عبد الرحمن :ولذلك أن ابن عباس كان يرى أنه لا يصح الإخوة إلا ثلاثة فما فوق أما الصحابة عثمان ومن معه كانوا يرون الاثنين فما فوق يحجبون الأم .
                    د.عبد الرحمن : الآية في قوله تعالى :(وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) هنا بدأ بذكر حق الزوج في مال الزوجة المتوفاة فقال (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) طبعًا الزوج والزوجة يعتبرون من أصحاب الفروض أليس كذلك يا دكتور ؟
                    د. مساعد: نعم
                    د.عبد الرحمن : كيف يكون تفصيلها يا دكتور مساعد الزوجة والزوج ؟
                    د.مساعد : طبعًا هو كما ذكرها إذا توفيت الزوجة كما قال (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)لكن بقيد وهو (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ)
                    د.عبد الرحمن : للزوج مع زوجته حالتان :
                    د.مساعد : حالتان:
                    - الحالة الأولى : أن لا يكون لها هي ولد فيأخذ النصف .
                    د.عبد الرحمن: سؤال إن كان لها ولد من غيره ،واحد تزوج امرأة وعندها أولاد من غيره ثم توفيت هذه المرأة؟
                    د. محمد: المقصود ولد سواء منه أو من غيره قبله أو بعده
                    د. عبد الرحمن: واحد فأكثر
                    د. محمد: والولد كما وكما ذكر الدكتور مساعد في الحلقة الماضية أن يكون بنت أو ذكر. في عُرف القرآن والسنة الولد يراد به الذكر والأنثى .
                    د. مساعد: قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) نلاحظ أن الوصية والدين سوف تكرر قال (ولهن) فرجع إلى حكمهن إذا مات الزوج .
                    د. عبد الرحمن: الزوج يأخذ من تركة الزوجة إما النصف وإما الربع فقط، لا يمكن أن يأخذ الرجل الثلث من مال الزوجة
                    د. محمد: نصيب مقدّر
                    د. مساعد: معناه إذا مات الزوج فله غما هذا وإما هذا. قال (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) هناك قوله (وَلَكُمْ نِصْفُ) وهنا (الرُّبُعُ) فصار للذكر مثل حظ الأنثيين (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ) الثمن مقابل الربع للزوج. أيضًا قال تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) انتهى الآن من الزوج والزوجة .
                    د. عبد الرحمن : هنا مسألة الزوج لا يكون إلا زوج واحد ويأخذ إما النصف أو الربع أما الزوجة قد تكون زوجتان أو ثلاث أو أربع فحقهن واحد لا يختلف باختلاف تعددهم. فالزوجة إذا مات زوجها إما تأخذ الربع إن لم يكن له ولد وإن كانتا زوجتان الربع وليس لكل زوجة أن تأخذ ربع فلو كانوا أربعة أخذوا ماله كله وبقي الورثة بلا شيء وهذا حكم جائر! وإنما هم شركاء في الربع أو الثمن.
                    د.محمد : مسألة أنبه لها في قضية الفرائض : سؤال من أحد المستفسرين .إتصلت واحدة تسأل: هلك رجل عن أم قلت من هي الأم ؟تقول أم أولاده .ينبغي في علم الفرائض إذا نسبنا أي إنسان من الورثة ننسبهم إلى الميت. قلت هلك عن من؟ قالت هلك عن أم وثلاثة إخوة، قلت من هم الإخوة؟ قالت الأخوة الذين هم إخوان فيما بينهم الآن نسبتهم إلى بعضهم،قلت وهؤلاء من أين جاءوا؟ قالت من الأم، والأم ماذا تقرب إلى الميت ؟ قالت زوجته .
                    ولذلك ينبغي للمستفتي أن ينتبه وأيضًا المفتي عندما يقول أم يقول أم من؟ هل هي أم الميت؟ سيكتشف أحيانًا أن السائل يقول لا، أم الأولاد "أي زوجة الميت" فلا بد أن ننسب الورثة إلى الميت دائمًا، أم يعني أم الميت ،زوجة يعني زوجته ، ولد يعني ولد الميت .
                    د.عبد الرحمن : انتهى الآن من الأزواج كما ذكر الدكتور وهو قسّم أعطى للزوج تركته وأعطى للزوجة تركتها .
                    د.محمد : ونلاحظ بدأ ميراث الزوج قبل ميراث الزوجة هذا طريقة القرآن في تقديم حق الرجل على حق المرآة لأن هذا هو شرع الله وهو الموافق للعقل وموافق للواقع ولأن الرجل أكمل وأحق فالله يقدم من له التقديم ويؤخر من له التأخير .
                    د.عبد الرحمن :ثم يأتي الحديث الآن عن الإخوة، انتهينا من الأبناء ومن الآباء ومن الأزواج، الآن يأتي الحديث عن الإخوة .
                    د.محمد : قال تعالى :(وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ)
                    د. عبد الرحمن : هذه آية الكلالة يا دكتور محمد التي أشكلت على عمر ما المقصود بالكلالة؟
                    د.محمد: يقال تكلّله النسب أي أحاط به كإحاطة الإكليل الذي يوضع على الرأس يحيط بالرأس من جميع جوانبه، لاحظ الأصول والفروع، الأصول شيء، من خرجت منه والفروع من خرجوا منك والإكليل ما أحاط بك فهؤلاء الإخوة يسمون كلالة لأنهم يحيطون بك ليسوا أصلًا لك ولا فرعًا منك (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) يعني ليس عنده أصول ولا فروع قد نتجوا منه وإنما إرثه أو من يرثه هم من أحاط به فقيل له كلالة (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ) أيضًا كذلك .
                    د. عبد الرحمن : يورث وحاله أنه كلالة .
                    د. محمد : (أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) هنا يأتي أهمية الرجوع إلى تفسير السلف رضوان الله تعالى عليهم في مثل هذه الآيات لأن أخ وأخت مطلقة .
                    د.عبد الرحمن : أخ لأب، أخ لأم، أخ شقيق، ثلاثة أنواع .
                    د. محمد : ثلاثة أنواع وكلهم يرثون وكلهم من الوارثين، ما المراد به هنا؟ أجمع السلف على أن الأخ والأخت المذكورين في هذه الآية هما الأخوة من الأم بل وفيها قراءة لسعد بن أبي وقاص قال (وله أخ أو أخت لأم) وهذا محل إجماع بل هو الواقع أيضًا لأن الله ذكر في الآية الأخيرة في سورة النساء ميراث الأخوة الأشقاء والأخوة لأب .
                    د.محمد: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ)
                    د. مساعد: متساويين وهذه إحدى حالات التساوي.
                    د.محمد: نعم إحدى قسمة المال بين الذكر والأنثى على حد سواء.
                    د.عبد الرحمن : هنا الأخوة لأم ليسوا الذكر كحظ الأنثيين وإنما الذكر والأنثى سواء لكل واحد منهما السدس.
                    د.محمد: يقال إن هذه من بركة الأم على أبنائها، الأم من بركاتها أن أولادها إذا ورثوا يدخلون في الإرث سواء كأنها بركه منها على البنات هذه واحدة .
                    الثانية :هي الوحيدة التي تأذن لمن أدلى عن طريقها بأن يرث معها.
                    د.عبد الرحمن : ما تحجبه
                    د.محمد: ما تحجبه بينما إذا وجد الأب ولا واحد من هؤلاء يبقى في التركة. ولذلك أي مسألة فيها ابن أو أب تبقى المسألة مختصرة في الفرائض لا يبقى فيها أحد لأن هؤلاء إذا جاؤوا فرّ الناس كلهم أخذوا بالفرض أو بالتعصيب كل الموجود يأخذونه فإذا غاب الاثنان "الابن والأب "تطول المسائل يدخل الإخوة وأحيانًا الأعمام .
                    د.عبد الرحمن : هذه معلومة مهمة. تلاحظون إخواني في فهم العلماء والمفسرين والفقهاء أيضا لآيات التركات فيه في الحقيقة عمق علمي ودلالة على حرص العلماء ودقتهم في فهم كلام الله وفي استنباط دلالاته كله لذلك تجد العلماء في تفصيلهم وشرحهم لآيات المواريث قد بلغوا الذروة في تتبع كل الدلالات واستنباط كل الفوائد التي تدل على المعاني التي في الحقوق في إيصال كل حق إلى صاحبه من جهة وأيضًا في الدلالات التربوية التي في هذه الآيات والدلالات العملية وأحيانًا الذوقية، لماذا قدّم الله الزوج على الزوجة ؟ ولماذا قدّم الله الأبناء على الآباء؟ وما في ذلك من دلالات. وهناك لفتة مهمة جدًا أنصح بها إخواني الذين يحبون تذوق الكلام العربي الفصيح أحيانًا نخطأ أو نضل الطريق عندما نبحث عن الأدب وعن القدرة على تحليل الكلام في كتب الأدب والشعر ونغفل كتب التفسير وكتب الفقه في حين أن كتب التفسير وكتب الفقه هي من أكثر الكتب التي تجد فيها مهارة وقدرة على استنباط الدلالات وفهم النصوص. لأن العلماء عندما يأتون للتفسير ويأتون للفقه فإنهم يستقصون المعاني ويتتبعونها في هذه الآيات وفي هذه الأحاديث لأنهم يبحثون عن دين ويبحثون عن شيء يتدينون به وعن حق ويحلون المشكلات بخلاف الأدب والشعر فإنها في العادة للتذوق واللذة فتجد في تحليل العلماء لآيات المواريث مثال رائع جدا لإبداع العلماء المسلمين في فهم دلالات النصوص.
                    د.محمد: ومصداق الكلام (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) العلماء قالوا إن الأخ والأخت لأم يرثون من الميت بشروط: ألا يكون له أصل ذكر وارث ولا فرع وارث سواء كان ابنًا أو بنتًا أو أبن أبن أو بنت أبن من أين أخذوا هذا كله؟ من كلمة كلالة فهي كلمة غنية بالمعاني .
                    د.مساعد : في قوله (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ)
                    د.عبد الرحمن : هنا إضافة غير مضار دكتور مساعد لو تعلق عليها ( أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ)
                    د.مساعد :نعم في قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ) أي غير مضار في وصيته أي لا يضر الورثة، لا تكون وصيته فيها إضرار لورثة .
                    د.عبد الرحمن : فإنها لا تنفذ .
                    د.مساعد :ولهذا قال بعدها (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) أي كل ما مضى هو وصية من الله
                    د. عبد الرحمن: من رد العجز على الصدر (يُوصِيكُمُ اللّهُ) -(وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ)
                    د. مساعد: وفي الحقيقة حتى اختيار (يُوصِيكُمُ اللّهُ) (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ)في الوصية هذه في قضايا مرتبطة بالوصايا والإرث فيها تناسب لفظي عجيب مع الحدث الذي يشهده الآن الإنسان الميت وما بين دين ووصية وإرث ناسب أن يكون لفظ الوصية من الله
                    د.محمد : العجيب أن الله يقول (يُوصِيكُمُ) ليبين كيف أنه يرفق بنا، العادة أن الذي يوصي دائمًا لا يوصي إلا وهو يحب إيصال الخير للآخر. هذا الذي أوصله الله لنا ليس من باب الكمال التأدب بمعنى آداب إن أخذتم بها أو تركتموها لا، بل هي واجبات مفروضة بدليل قوله تعالى (فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ) وبدليل قوله تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) فهذا الأمر ليس من الاستحباب إن فعلتم ذلك فجزاكم الله خيرًا وإن لم تفعلوا فلا حرج عليكم لا، ولكن الله يعطينا من الألفاظ أعذبها ليبين أنه قد أبلغ في إيصال الخير إلينا .
                    د.عبد الرحمن : ونكرر أن هذه الآيات قد وردت مورد التشريع وتقسيم التركات التي يحصل بين الناس فيها من التقاطع ومن الخصومات والآن تجد المحاكم من أكثر القضايا الشائكة التي تجدها في المحاكم قضايا التركات والخلافات والنزاعات بين الورثة والتقاطع بينهم بسبب هذه الأموال وبالرغم في هذا السياق الذي هو مبني على هذا المشاحنة والمشاحة يأتي فيعبر بلفظ الوصية إشارة إلى التحبب والعناية الهداية والرفق .
                    د.مساعد : فائدة في خاتمة الآية قال تعالى (وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) طبعًأ في قوله (والله) إظهار في مقام الإضمار
                    د.محمد: كان يمكن أن يقول وهو العليم الحليم.
                    د.مساعد : لكن أيضًا في الآية السابقة قال (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا) كرر العلم هنا ولكنه خالف في ذكر الحلم هنا بدل الحكمة. ولو تأملت هذه الآيات العلم يمكن أن يرجع فيه إلى التقسيم إلى: عليم بما يصلح لكم فقسّم هذه القسمة ويمكن أن يكون من باب التهديد أي عليم بما يحصل من بعضكم من مخالفة أمره أو وصيته في هذا ومع ذلك هو حليم لا يعاجل من فعل هذا بالعقوبة فجمع بين العِلم والحِلم في هذا الموطن وكأن هذا الموطن من قسمة التركات موطن لإضاعة بعض الحقوق عن قصد فنبّه أنه يعلم وأنه إن فعلتم مع ذلك أنه يحلم لا يعاجل بالعقوبة فانتبهوا واحذروا .
                    د.عبد الرحمن :الحقيقة أن دلالات الأسماء الحسنى التي تختم بها الآيات فيها الحقيقة دقائق وأسرار بلاغية عجيبة لاحظ فعلًا هنا أن هذه مظنّة ظلم الناس وتعديهم، الله يهدد فيقول :(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) والعلماء يقولون دائمًا تنتظر دائما إلى الأسماء الحسنى إلى لوازمها ومقتضياتها عندما يقول (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) فهو تهديد لك إنه عليم بما تصنع وبالتالي سوف يعاقبك وحليم كأن فيه إمهال وإشارة لمن لم ينته من قسمة التركة ومن لم ينصف ولم يعط الحق فليتدارك .
                    د.محمد : وهنا مسألة أخرى أشرنا إليها في حلقات متقدمة وهو أن اجتماع الاسمين ينتج منهما معنى ثالث علم الله مقرون بحلم "كما أشار دكتور مساعد قبل قليل قال الإتيان بالعلم هنا قد يكون المراد به التهديد انتبهوا فالله يعلم إن ظلمتم أو تعديتم أو خالفتم أمره . علم مقرون بحلم وحلم مقرون بعلم كثير من حلم البشر ليس مقرون بعلم بمعنى أنك تحلم على من أساء وأنت لا تدري ما هي مقاصده وتقول الأيام ستبدي هذه الأشياء والله يحلم وهو يعلم أن فلان يريد كذا و فلان ظلم في كذا ومع ذلك عنده الحلم التام الكامل الواسع .
                    د.مساعد : بعد هذه الآيات قال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) يشير إلى أن نلاحظ حليم جاءت في موطن التهديد فجاء بعدها قوله (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) ثم قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ) كأنه قسّم في التركات جاء في التركات أن هناك قوم يطيعون الله وقوم يعصون الله هذا التقسيم كأنه مبني على ما سبق. ولو رجعنا إلى قول (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) سنجد أن حدود الله وردت في أكثر من آية وهي حدود حدّها .
                    د.عبد الرحمن : من أول السورة تقريبًا تحدث عن حقوق اليتامى ، أموال اليتامى، تحدث عن النساء ، تحدث عن الصدقات ، تحدث عن أكل مال اليتيم ، تحدث عن حقوق اليتامى ، تحدث عن الصدقات ،تحدث عن أكل مال اليتيم وتحدث عن المواريث والذي يقصرها على بعضها بدون دليل فهذا تحكم منه أليس كذلك؟ فالذي يأتي ويقول (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ) إشارة إلى المواريث فقط هذا قصرها على بعض المقصود ما دام عامًا .
                    د.مساعد:وقال : (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا) الأولى قال خالدين فيها . فرّق في مقام الطاعة جاء بالجمع خالدين وفي مقام المعصية جاء خالدًا فيها . أولًا سنن العرب في (من) وأمثالها أن من لفظها لفظ المفرد ومعناها معنى الجمع تصلح للجمع والمفرد، قال (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) إلى هنا على المفرد ولما قال (خَالِدِينَ فِيهَا) على الجمع فالابتداء على المفرد وختم بالجمع هذا هو سنن الكلام .وفي الآية لما قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا) جعلها كلها على المفرد .الثانية أي إعادة على اللفظ ولم يعده على المعنى والعلماء وقفوا عند هاتين اللفظتين وأطالوا الحديث عنها طبعا فيها نكت وفوائد منها :
                    قوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) إعادة للجمع للاشتراك في الخير مثل قوله (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) اجتماع على الخير فلما كان خيرًا أشرك إخوانه معه فقال (خَالِدِينَ فِيهَا) يعني هو ومن أطاع مثله. وأما في المعاصي فكل إنسان يحاسب لوحده بذنبه (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) مناسب أن يكون خالدًا فيها لأن المسيء يعذَّب بإساءته ولا يلحق غيره شيئًا من إساءته .
                    د.محمد:وفيها معنى آخر وهو (خَالِدِينَ فِيهَا) من جزاء هؤلاء الذين أطاعوا الله ورسوله بأن الله يمتعهم بالجنة بالاجتماع بأن يكونوا مجتمعين في الجنة لأنه لو كنت في نعيم من أروع ما يكون وكنت فيه وحدك قلت دعوني فيما كنت فيه واجمعوني بأهلي وأقاربي وأصدقائي وأحبائي أما في النار فيرى أنه يعذب ولو كان في ضحضاح منها وأنه ليس هناك أحد يعذب في العالم مثل عذابه فيكون اجتمع عليه العذابين عذاب الوحدة وعذاب النار نسأل الله العافية والسلامة.
                    د.عبد الرحمن :إشارة إلى أن معاني الآخرة فيها من معاني الدنيا يعني الإنسان في الدنيا حتى لو كان في نعيم فإن الوحدة بالنسبة له نوع من أنواع العذاب أنت في نعيم أو قصر واسع أو في حدائق وأنت وحدك لا تستمتع، حتى الكرماء من العرب مثل حاتم الطائي ما كان يأنس إلا إذا كان معه ضيوفه ناس يشاركونه أكله. وكذلك العذاب والسجن في الدنيا إذا أريد للشخص أن يعاقب عقابًا شديدًا يسجن سجنًا انفراديًا ويحبس عن الناس ويغرب وكذلك عقوبة الزاني أنه يغرَّب هذا تعذيب له لأنه يبعد عن أحبابه وأصدقائه. وفي معنى آخر في قوله تعالى عن أهل الجنة (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) قال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) وفي الآية بعدها قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) (ويتعد حدوده) فزاد هذه الصفة وهي في الحقيقة دلالة على رحمة الله وحلمه الذي ذكره في الآية قبلها يقول (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) قال فيمن يطيعه يدخله فمن كرم الله قال ومن يطع الله ورسوله يدخله ولم يقل ومن يطع الله ورسوله ويلتزم الحدود ويحرص عليها يدخله جنات كأن فيها تأخير لهذا الجزاء لكن من رحمة الله بمجرد طاعة الله يدخله فالله أسرع بثوابه منك بالعمل.
                    الثانية قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ثم فتح المجال حتى لا يقنط الإنسان المعصية لا يكاد يسلم منها أحد فأنا أرى أن هاتين الآيتين في صياغتها تتناسب مع حلم الله ورحمته بعباده
                    د.محمد: كأني أشعر من كلامك يا دكتور عبد الرحمن أن هناك من المعاصي ما لا يبلغ به الإنسان أن يتعدى الحدود مثل اللمم يقع من كل إنسان النظرة واللفظة والخطوة والخطيئة وهي أشياء لا يكاد يسلم منها أحد في يومه وليلته لكن احذر أيها المسلم أن تتجاوز هذا إلى تعدي الحدود كأن تصر على هذه المعاصي أو أن ترتكب الكبائر وأنت تعلم ما وضع الله فيها ما شرع من عقوبة سواء عاجلة أو آجلة .
                    في قوله (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أود تنبيه إخواننا إلى أن أمر قسمة المواريث خطير جدًا وأن التزام شرع الله فيها ليس أمرًا يتساهل فيه فأنا أرى التساهل فيه الآن في عدد من الجهات:
                    الجهة الأولى أن يضطر بعض الورثة إلى المطالبة والشكوى ولا يستطيع الوصول إلى حقه إلا بعد عنت ومشقة نقول اتقوا الله ما دام قال تعالى ولكم ولهنّ انتهى الموضوع، هذا حقهم، قابلت أحد الناس الذين تأخروا في قسمة الميراث 25 سنة فأقول له يا فلان لماذا لا تقسمون؟ قال ولماذا نستعجل؟ قلت الناس لهم حاجاتهم قال ما هي؟ قلت البيت الذي كانت قيمته عالية ربما اليوم لا يساوي شيئًا وأنت حرمت هؤلاء شيء من حقهم وهذا له حق وأنت إبكاءك في إيصال حقه ظلم وبعض الناس يستحي أن يطالب رحمه، هؤلاء يحتجون ويقولون ربما في يوم من الأيام ترتفع أسعار هذه الأراضي، فقلت له فرصتك أن تنفرد بها أعطِ الناس حقوقهم وخذ أنت حقك، الآن مات اثنان منهم وما عندهم استعداد أن يقسموا التركة. .
                    ثانيًا: يظلم بعض الورثة ولا يعطى حقه كما يعطي البقية وهذا يحصل الآن وخصوصًا في جانب النساء فترضى بما تعطى . فنقول ليحذر من يقسم أيا كان أن يعطي الورثة شيئًا ليس من حقه أو يؤخر في إعطاء الحق فإن هذا من الظلم ومن تعدي حدود الله .
                    د.مساعد : هناك مسألة وقعت وما عرفت الحكم فيها، إذا رضيت الزوجة بشيء قليل وقالت أنا أخرج من التركة إذا أرضوها بشيء من التركة، هل يجوز للزوجة أن يقدم لها مبلغ من المال وتخرج من التركة ؟
                    د.محمد: هل هم اضطرّوها وألجؤوها إليه؟ إن كان عن غير طيب نفس منها فلا يحل لهم منه شيء لقوله ((لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه)) وإن كان عن طواعية فلا باس لأنها رضيت .
                    د.مساعد : أحيانا طواعية مشبوهة بإكراه وكيف الإكراه؟ أنها متى ستأخذ حقها؟ قد يماطلون في حقها، فقد تنتظر حقها وقد لا تحصل عليه. وخاصة إذا كانت الزوجة هي ليست من البلاد كما يقع من بعض الخادمات. واذكر بعض الصلحاء كبر في سنه وأبناؤه أيضًا كبار وعنده شركات ومحتاج من يعينه على قضاء حاجته فاضطروا إلى أن يزوجوه خادمة كي يفكوا الحرج الشرعي من جهة ولكي يعينوا أباهم من جهة لكن لما قضى الله عليه الموت هذه زوجته الآن وإن كانت تأخذ الثمن ستحصل على ملايين فالبعض ترضى بالعشرة والعشرين وتخرج .
                    د.عبد الرحمن : الحق واضح فيها، يعني إعطاؤها هذا الجزاء من باب الصلح والترضية اعتقد هنا حرام لا يجوز لأن هذا استكثار لحق أعطاه الله إياه وكأنه أعلم بالمصلحة من الله وهنا الحقيقة يقع التحذير الذي في آخر الآيات لأنه قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)لأن هذا عصيان لله ورسوله رفض بأن تعطيها يا رب الربع لا، الربع كثير نعطيها العشر كما يقع من الكثير الذي يدفع الزكاة يأتي ويقول نسبة 2.5%كثيرة أنا سأخرج 1% ويعتبر لا مشكلة فيها وهذا تعدي لحدود الله الله حدّ حدودًا الربع الثمن الثلث السدس فيأتي أحدهم ويقول هذا كثير! ثم تأملوا في ختام الآيتين قال (تلك حدود الله) والحدود واضحة دقيقة المعالم وإلا ما سميت حدودًا وإنما سميت حدودًا لأنها واضحة ومن تعريف الحد أن يكون واضحًا.
                    لاحظوا ختام الآيتين: من يستجيب لأمر الله قال (يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فكيف عظّم من شأن هذا الفوزّ وأشار إليه بـ (ذَلِكَ) ثم عرّفه بهذا الألف واللام ليدل على الفوز ثم وصفه بالعظمة. ثم جاء إلى الجزاء الآخر فقال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) نلاحظ (وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) نكّره والتنكير هنا أيضًا للتعظيم ووصفه أنه عذاب مهين يعني يهان فيه هذا الذي تعدّى هذه الحدود إهانة بالغة .
                    د.محمد :وكأن الذي يتعدى الحدود في مثل هذه المواطن يستهين بأمر الله فيعاقب بعقوبة من جنس عمله وهذا أقوله والله أعلم في حق أولئك الذين يتنقصون من شرع الله ويقولون بأنه شرع ظالم ولا يساوي المرأة بالرجل وفيه أشياء غير مفهومة فيستهينون بحكم الله فيجترؤون على حدود الله ويتعدونها فيقال احذروا فإن لكم عند الله عذابًا مهينًا فيه خزي وإذلال وتحقير بأعظم مما حصل منكم من استهانة..
                    *ملاحظة للحفّاظ: هناك متشابهات آيات لو تأملها الإنسان يضبطها لكي يحفظها منها مثل: (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) مفردة في القرآن ما جاءت بالواو ومن دون (هو) إلا في هذا الموطن ولذلك يمكن أن تختبر بها غيرك تقول (وذلك الفوز العظيم) أكمِل فإذا قال لك أي واحدة عرفت أنه غير ضابط لأنه ليس هناك غيرها في القرآن. يضبط الحافظ هذه المواطن لأنها تعينه على الحفظ، في سورة التوبة ترد آيات شبيهة بها خمس مرات لكن ولا واحدة مثلها تمامًا (وذلك الفوز العظيم)، موجود (ذلك هو الفوز العظيم) (وذلك هو الفوز العظيم)
                    د عبد الرحمن : هذه أُلِّف فيها مؤلفات ومطبوعة مثل منظومة السخاوي (هداية المرتاب في ضبط متشابه آي الكتاب). ينتقل الحديث في الوقوع في المعصية فيقول (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) هذه الآية تتحدث عن المرأة التي تقع في فاحشة الزنا فما هو حدّها؟
                    *د. مساعد: قبل هذا نتكلم عن المناسبة "علاقة هذه الآية بما قبلها "؟
                    فيه نوع من انقطاع كنا نتكلم عن أموال وحقوق فجأة انتقل إلى أحكام أخرى ،
                    د. محمد: ألا ترى أنه عندما تحدث عن الحدود جاء إلى هذا الحد؟ قال (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)ثم ذكر حدا متصلا بما جاء في أول الآية عندما ذكر ما للنساء ذكر ما عليهن.
                    د. مساعد: الإصلاح وحسن التخلص، فهذا منه عندما تكلم عن حدود الله من يكع الله ومن يعص الله جاء بمثال آخر صريح في (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) وأيضًا قضية أخرى أن الآيات السابقة كانت تتحدث عن الإحسان إلى النساء وذكر ما لهن من المواريث ثم بعد ذلك انتقل إلى أمر آخر ليتصل به هذا الباب وباب التغليظ الذي تكلمنا عنه في مسألة الإصلاح وهو جانب من جوانب الإصلافي النساء
                    د. عبد الرحمن: لعلنا نؤجل الحديث عن الآيات التي تتحدث عن الحدود ونفصل فيها إن شاء الله ونشير إلى مسألة النسخ التي ورد في هذه الآيات في اللقاء القادم إن شاء الله. أيها الإخوة المشاهدون انتهى وقت هذا اللقاء ولعلنا نلقاكم ونستكمل الحديث أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
                    بُثّت الحلقة بتاريخ 8 رمضان 1431 هـ
                    سمر الأرناؤوط
                    المشرفة على موقع إسلاميات
                    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                    تعليق


                    • #10
                      وهذه الحلقة التاسعة بعد تنقيحها من قبل الأخت الفاضلة يسرا السعيد جزاها الله عني خيرا

                      الحلقة التاسعة
                      تأملات في سورة النساء الآيات (15-16)
                      د. الشِّهري: بسم الله الرّحمن الرحيم، الحمدلله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. مرحباً بِكم أيُّها الإخوة المشاهدون الكِرام في كل مكان في برنامجكم "بيِّنات"، والذِّي يَتواصَلُ الحديثُ فيه حول آياتِ سورةِ النٍّساء من كتابِ الله تعالى ولا زِلنا في هذا المجلس المتجدد نتحادَث ونتدبَّر في هذه الآيات مع المشايخ الفُضَلاء الدُّكتور: محمد بن عبدالعزيز الخِضيري، والدكتور: مساعد بن سليمان الطَّيار، ونحن في هذه الاستراحة الجميلة في مدينة تُنومة والتي أتاحها لنا الوالد الكريم الأستاذ: علي بن عبدالرحمن الشِّهري جزاه الله خيراً.
                      كُنّا قد توقّفنا يا مشايخ في المجلس السَّابق عند قول الله تعالى: (واللاَّتي يأتِينَ الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهُنَّ في البيوت حتى يتوفَّاهُنَّ الموت أو يجعل اللهُ لهُنَّ سبيلاً( ولعلّنا قبل أن نبدأ في الحديث عن هذه الآيات نستمع إليها مُرَّتلة ثم نواصلُ الحديث عنها..
                      الآيات من سورة النِّساء (15-16)
                      (واللاَّتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهُنَّ في البيوت حتى ‏يتوفَّاهُنَّ الموتُ أو يجعل الله لهُنَّ سبيلا (15) واللَّذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تَابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إنّ الله كان توَّاباً رحيما (16))
                      وبعد أنِ استمعنا إلى هذهِ الآيات الكَريمة والتي تتحدّث عن حَدِّ الزِّنا والفَاحشة في هذه الآيات الــمدنية، ونحن سبق أن تحدَّثنا في أوّل اللِّقاء في سورة النِّساء، أنَّ سُورة النِّساء سورة مدنية بالإجماع، نَزَلت على النبي في المدينة، والسُّور المدنية من أبرز مميِّزاتها وخَصَائصها أنَّها مشتملة على الحُدود، فمن ضَوابط السُّور المدنية أنّها ورد فيها حدود (حدِّ الزِّنا، حد السَّرقة، حد شُرب الخمر... إلى آخره).
                      هنا يأتي سؤال سبق أن أشرنا إليه لَيتك تُذَّكرنا به دكتور محمد بإيجاز، وهو أنَّا كُنَّا نتحدَّث عن آيات المواريث وحقوق الوَرثة، ثم انتقل الحديث عن حَدِّ الزِّنا هُنا (واللاَّتي يأتينَ الفاحشةَ من نسائكم) ما وجه الارتباط بين هذه الآيات؟
                      د. الخضيري: هذه السُّورة سورة النِّساء،تحدَّثت في أوَّل السُّورة عن النِّساء وحقوقهنّ، وعن حفظ مال اليتيمات وعن عدم الزَّواج بهنّ لمن يخشى أن يَظلمهُنّ، ثمّ عَن المواريث التي كان من أعظم أسباب نزول آياتها إعطاء النِّساء حقوقهنّ ثمَّ جاءت هنا لتتحدَّث عن جانب آخر مُتصِّل بالنِّساء وهو أن يأتين بالفاحشة هذا من زاوية وهي زاوية عامَّة وكبيرة.
                      الثَّانية: في آخر آيةِ المواريث قال (تِلك حدودُ الله)، فذَكر أنَّه أشار في أوّل السُّورة أو في آيات المواريث إلى حدود حدَّها الله وشَرَعها لِعباده فلا يَجوز تَعدِّيها، وهذا كثيرٌ في القرآن الكريم يعني منها على سبيل المثال ممّا مرَّ بنا في هذه السُّورة لــــمّا ذَكرَ (وإن خِفتم ألا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكُم من النِّساء مثنى وثُلاث ورُباع)، هُنا انتهى إخراج الإنسان من إشكالية أنّه يخشى الجَور إذا تزَّوج باليَتيمة وخَشي ألا يُنصِف معها. ثمّ قال الله عزّ وجل انظر وهذا من التَّخلُّص (فإن خفتم ألا تعدِلوا فواحدةً أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألاَّ تعولوا).
                      ثُــــمَّ قال وهذا من التَّخلُّص (وآتوا النِّساء صَدُقاتِهنّ نِحلة) لــمَّا ذَكَرَ الزَّواج بالنِّساء وما يتصِّل به ذَكَر مُهُورهنّ وهذه طريقة مُطَّرِدَة في القرآن وهو التَّرابط والخُروج من موضوع إلى موضوع بسلاسة، وجَمَال، وعدم حُصول فجوات.
                      د. الشِّهري: مع أنَّ الذِّي لا يُدرِك بلاغة القرآن يرى أنَّ هناك انتقالات غريبة، وأنا أذكر أنِّي قرأتُ لبعض المستشرقين أنَّه كان يتكلّم عن القرآن الكريم فيقول إنَّه كلامٌ غير مُترابط لأنّه لا يفهم البلاغة، وإنَّه في حاجةٍ إلى تشكيل لجنة متميِّزة في اللُّغة لإعادة ترتيبه.
                      د. الخضيري: مسكين، والله هذا كمن يبصُق على الشَّمس.
                      د. الشِّهري: والله هذا هو، فهو يعني مُنتهي هذا الــمُستشرق تماماً. فإذاً هو بعد أن تحدَّثَ عن حقوق التَّرِكة الآن انتقل بعدها إلى واجب إصلاح النِّساء عندما قال: (واللاَّتي يأتين الفاحشة من نسائكم)، أُذّكِّركُم يا مشايخ بما ذكرناه في أوَّل لِقاء من لِقاءات سورة النِّساء، وهو لماذا سُمِّيت سورة النِّساء بهذا الاسم فكُنَّا ذكرنا قول الدكتور إبراهيم خليفة عندما قال: إنَّه ينتشر في سورة النِّساء مَعنيَان لَصِيقان بالنِّساء وهُما جانبُ الإنصاف وجانبُ الإِصلاح، يعني الآن عندما نُطَبَّق حدِّ الزِّنا على المرأة التي وقعت في هذه الفاحشة فهو من بَابِ استصلاحها وإعادتها إلى المجتمع المسلم وهي طَاهِرة نقيِّة، ولذلك النَّبي عندما سَبَّ بعضُ الصَّحابة امرأة وَقَعت في فاحشة الزِّنا وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأقام عليها الحدّ وطَهَّرها، فَلَعَنها بعضُ الصَّحابة عندما وقع شيءٌ من دَمِها على ثوبه وهم يرجمونها فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: لقد تابت توبة لو وُزِّعَت على أهل المدينة لَوِسعتهم. ممّا يُشير إلى أنَّ هذا الجانب وهو جانب الاستصلاح، يعني سبحان الله العَظيم فعلاً هذه فكرة جميلة جدّاً وهو أنَّ إقامة الحُدود على من وقع في شيء من هذه الحدود سواء كانت سرقة أو كانت زناً أو قذف، فإنَّه من أجل استصلاح أنَّه في الخاتمة وفي المال هو استصلاح له وتهذيبٌ له، وهو من أجل إصلاح المجتمع نفسه حتى لا يَبقى فيه مثل هذه النُتُوءات والسَّلبيات.
                      د. الخِضيري: وهذا ذَكَّرني بِقصَّة مرَّت بي لــمَّا طَبَّقت إِحدى وِلايات نيجيريا الحُدود بعد أن كان لا يُطَّبق فيها الحدود منذُ زمن بعيد، منذ زمن فُودِي وغيرهم، فالــمُهم أنّ هذا الرّجل طُبِّق عليه حَدّ السَّرقة وهو كما يُقال حَرامي محترف، قديم والنّاس يخافونه ويهابُونه، فَلمَّا حُكِّمت الشَّريعة في تلك الولاية، واسمها ولاية "زَانفرا" أُخِذَ هذا الرَّجُل فَقُطِعت يده، فجاءت مُنَظَّمَات حقوق الإنسان إلى هذا الرَّجل تريد منه أن يَرفع دعوى قضائية ضد هذه الولاية التي طبّقت الشَّريعة من أجل أنَّها تتكئ على دعواه في الانتصار لإبطال الشَّريعة. فالرّجل قال: والله ما فرحت بشيء في دُنيايّ مثل ما فرحت بأن يدي قُطعت لأنِّي شَعُرت أنَّ الذَّنب الذِّي كُنت أقترفه قد طهّرني الله عزّ وجل منه، انظر كيف يشعر بأنّه صلاحٌ له، يقولون وصَلُح هذا الرَّجل يعني ترك ما كان عليه من الفَسَاد بسبب تطبيق هذا الحد، وارتدع بِصَلاحه فئامٌ كثير، فصارت هذه الولاية من آمن الوِلايات، حتى إنَّك كُنت في السَّابق لا تأمن على الجوال في جيبك، الآن تضع الجوّال يمكن في الشَّارع ما يمَسَّه أحد من الأمن! يا أخي من يُحصِّل مثل هذا؟!
                      د. الشِّهري: وهذا من برَكة تطبيق الحُدود، لأنَّ أحياناً بعض أفراد المجتمع المسلم لا يُدرِك هذه الأبعاد لِتطبيق الحدود وينظر إليها نظرة سطحية وسَاذِجة، وينظر إلى مثل الجَلد، أو قطع الأيدي، أو الرَّجم على أنَّه وحشية وقسوة، ولذلك تجد أنّ في الحدود التي ذكرها الله فقال (تلك حُدود الله) ولاحظوا حتى أنَّه لــمَّا أضافها إليه فهي إضافة فيها إشعار بالعدل والحِكمة والرأفة والرَّحمة حتى أنّه قال في سورة النُّور تذكرون في حدِّ الزَّاني عندما قال (ولا تأخذُكُم بهما رأفَةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون باللَّه واليومِ الآخر). ممّا يُشِير إلى أنّ الحُدود مع أنّهاَ قد ينظر إليها من ينظُر إليها على أنّها حدود قاسية، أنّها من الرأفة ومن الرَّحمة بالمجتمع.
                      د. الطيّار: وهذا نظر إلى الــمآلات.
                      د. الشِّهري: بالضَّــبط.
                      د. الخِضيري: الآية طبعاً يقول الله عزّ وجل فيها (واللاَّتي يأتِينَ الفاحشةَ من نسائكم فاستشهدوا عَلِيهنّ أربعة منكم فإن شَهِدوا فأمسكوهُنَّ في البيوت حتى يتوفَّاهُنَّ الموت أو يجعل اللهُ لهُنَّ سبيلاً). قال فاستشهدوا :أيّ اطلبوا شهداء عليهنّ أربعةً مِنكم يعني من المؤمنين، فإن شَهِدوا أيّ هؤلاء الأربعة وصَرَّحوا بالشَّهادة وتأَكّد وقوع ذلك الأمر، فإنَّ حَدَّهُنَّ كما ورد في هذه الآية ( أمسِكوهُنَّ في البُيوت) يعني احبسوهن عندكم في بيوتكم، (حتى يتوفَّاهُنَّ الموت) يعني حتى يموتوا، أو (يجعل الله لَهُنّ سبيلاً) يعني يأتيَ بِحُكمٍ آخر غير هذا الحُكم الذِّي أنزله في هذه الآية.
                      فالآية اشتملت على أمرين: أَمسِكوهُنَّ في البُيوت حتى يتوفّاهُنّ الموت أو يأتِيَ سبيلٌ من عِند الله عزَّ وجل يكون لهنّ وهو مخرجٌ من هذا الحُكم الذي فيه حبسهُنَّ حتى يَـــــمُتنَ، فالحاصل أنَّ الحدَّ الآخر الذي استقلّ عليه الأمر قد طُبِّق أمّا هذا الحد فلا نعرف عنه
                      د. الطَيَّار: لا أذكر أنَّ أحداً ذَكَر مثالاً تطبيقيّاً له أنّه وَقع وطُبِّق.
                      د. الشِّهري: طبعاً كُنَّا قد تحدَّثنا في حديث سابق عن وقت نزول سورة النِّساء وأنّها كانت في السَنَّة السَّادسة تقريبا من الهجرة، والحديث الآن في هذه الآيات في سورة النِّساء يقول أنّ التي تأتي الفاحشة فإنّه يجب أن يُستَشهد على وُقوعها بأربعة شهداء، فإذا شهدوا فإنَّ العقاب أن تكون تُحبس في البيت أو يجعل الله لهُنَّ سبيلاً،ثمّ جاءت الآيات التي تنسخ هذه الآية.
                      د. الخِضيري: النَّسخ طبعاً يُطلق على النَّقل، ويُطلق على معنىً آخر وهو الإزالة، النَّاسخ مثلاً تقول نسَخ فلانٌ الكِتاب أي بمعنى نَقله، ويأتي النَّسخ بمعنى الإزالة نسخ الشيء أي أزاله، وهذا هو المعنى المُراد في القرآن والسُنّة. (ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسِها ) يُقصد به الإزالة والرَّفع، والمقصود به طبعًا في عُرف الشَّارع رَفــــعُ حُكم خِطابِ بخطابٍ آخر، يعني أن تنزل آية مثل هذه الآيات ثم ينزل بعدها ما يَرفع حُكمها، أو يأتي من الله عزَّ وجل رفعٌ لها بالكُليِّة إمَّا حُكماً وإمَّا تلاوةً.
                      د. الشِّهري: يعني مثلاً عندنا في الآيات هنا الحُكم الذي قـَرّره الله هنا هو أنَّ المرأة إذا وقعت في الزِّنا وتمَّ الاستشهاد عليها أربعة شهود شَهِدُوا أنّها وقعت في الزِّنا تُحبَس في البيت حتى يتوفَّاهُا الله أو يجعل الله لهُا سبيلاً، لكنّه غير مُحدِّد هذا السَّبيل، يعني أنت الآن لو أردت أن تُطَّبق هذه الآية ماذا تُطَّبق؟ ستُطبِّق طبعاً أنّك تحبسها في البيت، ما تُطبِّق أنَّك تجعل لها سبيلاً، فَبَقي هذا الحكم حتى نزلَ حُكمٌ آخر في سُورَة النُّور في قوله (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءاياتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(2)).
                      إذاً انتقل لم يَعُد الآن سجن حتى الموت وإنَّما فيه جَلد مائة جلدة، أليس هذا هو الحكم النّاسخ؟
                      د. الخِضيري: يمكن أن يكون هذا ناسخاً في جزء منه، ولكن جاء في حديث عُبادة بن الصَّامت الذي في الصَّحيح وهو: خُذوا عنِّي، خُذوا عنِّي قد جعل الله لهنّ سبيلاً- وهو تفسيرٌ للآية- البِّكر بالبِّكر جلدُ مائة وتغريب عام، والثِّيب بالثِّيب جلد مائة والرَّجم". فَذُكِرَ فيه أيضاً الجَلد والرَّجم، والجلد طبعاً مُطابق للآية لأنَّ الآية ذُكِر فيها الجَلد فقط. (الزّانية والزّانية فاجلدوا كلَّ واحِدٍ منهما مائة جلدة) ولم يُذكَر فيها الرَّجم.
                      د.الشِّهري: هل يا تُرى حديث عُبادة بن الصّامت كانت قبل آية النُّور يا تُرى أم بعدها؟
                      د. الخضيري: الذي يظهر أنَّه بعدها لماذا؟، لأنَّه ذّكَر الجَلد في حقِّ البِّكر وفي حقَّ الثَّيب، ثمّ ذَكَر العُلماء أنَّ الجَلد قد رُفع أيضاً عن الثَّيب ولم يَبقى في حقِّه إلا الرَّجم لأنَّ الرَّجم يستوعب
                      د. الطيَّار: إذا قلنا إنَّ قوله (أو يـجعل الله لهُنَّ سبيلاً) فلا يكون من بَاب النَّسخ، فالسَّبيل بيَّنه في سورة النُّور وبيّنته الأحاديث وذكره أبو عبدالله قبل قليل، هنا ينتفي النَّسخ.
                      د. الشِّهري: لماذا ينتفي يا شيخ، لأنّه رُفع الآن الحبس؟
                      د.الخضيري: لا، هو يقول لك أصلاً الآية لــمّا نزلت فتحت بابًا آخر، فما يقول أنّها نُسخت، هي أصلا كانت هيّأت لباب جديد.
                      د. الشِّهري: لكن حُكمها ذَهَب!
                      د. الخضيري: لا لم يذهب.جعل الله لهنّ سبيلا. يعني مَا قَال حُكمهُنَّ أن يُحبَسن حتى يَــــمُتنَ وانتهى فقال: أو يجعلَ الله لهنَّ سبيلا. هذا ما حكم الآية أيضاً، لكن ما بيَّن هذا السَّبيل، يذكر العلماء هذه الآية ليست من باب النَّسخ.
                      د. الشِّهري: والله، ما أدري الحقيقة أرى أنّها واضح فيها حكم النَّسخ، يعني خُذها بكلِّ بساطة.
                      الحكم الأوّل : أنَّهم يُحبَسون حتى الموت
                      الحُكم الثّاني: أنَّه يُجلد أو يُرجَم.
                      فلم يَعُد يُحبس لأنَّ هذا ليس شَرطاً في النَّسخ أيضاً، أن يكون في المنسوخ إشارة إلى أنَّه سيُرفع.
                      د. الخِضيري: بلى، هو الآن لـــمَّا نقول رفع حكم خطاب متقدِّم بخطاب متأخِّر. الآن هذه الآية ما رُفعت، لأنّك ممكن تقول: (أو يجعل الله لهُنَّ سبيلاً) والسَّبيل رجم المحصن وجلد البِّكر.
                      د. الشِّهري: لكنّه كان متراخيًا!
                      د. الطيَّار: لا، الذِّي ذَكَره أبُو عبدالله شيخ عبدالرّحمن، أنَّ قوله (فأمسِّكوهُنَّ في البُيوت) هذا المقدار رُفع، وهذا واضح أنَّه رُفِع، ورُفِع بالبَّديل بقوله (أو يجعل الله لهُنَّ سبيلاً).
                      د. الشِّهري: ولكن هُوَ ما رُفِعَ بها،ولكنَّه رُفِعَ بالسَّبيل الذي جاء فيما بعد.
                      د. الطَيَّار: إيِّ نعم بالسَّبيل الذي جاء فيما بعد.
                      د. الشِّهري:يعني لو كان جاء مُتَّصِلاً به في الآية التي بعدها مباشرة، ولكنَّه جاء في سورة متأخِّرة، و متى جاءت سورة النّور ، في السَّنة التَّاسعة تقريباً.
                      د. الطيَّار: هذا مِنَ الآيات التِّي تحتاج إلى النَّظر إلى التَّاريخ لــــمَّا تَكَلَّمنا عن قضية ترتيب النُّزول وغيره، أنّه الآن هذه الآية قطعاً ويُجزم به أنّها نزلت قبل سورة النُّور، أنَّ هذه الآية نزلت قبل قوله (الزَّانية والزّاني) هذا بلا ريب.لأنّ واضح أنَّه قال (أو يجعلَ الله لهُنَّ سبيلاً) وكان السَّبيل مثل ما أخبر النبي
                      د. الشِّهري: مَعناه هذا أنَّ الرَّجم لــــم يَـــرِد في القرآن.
                      د. الخِضيري:لــــم يَرِد فيما بين يَدَينا وإلا هُو قد نَزَل على رسول الله كما قال عمر.
                      د. الشِّهري: يعني معناه أنَّ الرَّجم قد ثبت في القرآن، ولكنّه أيضاً نُسِخ لفظه وبَقي معناه، وهنا نشير إلى أنّ النّسخ في القرآن الكريم إلى أنَّه من حيث الرَّفع ومن حيث الثُّبوت ثلاث أنواع:
                      * ما نُسِخ حُكمُه وتـِلاوَتُه.يعني كان هُناكَ آية قرآنية فيها حُكُم فرُفِعت الآية ورُفِعَ الحُكُم والخبر. فالخبر يدخُله النَّسخ إذا كان محتملاً على الأمر
                      د. الطيّار: لا لا ،إذا كان خبر مطلقاً .
                      د. الشِّهري: عجيب! مثل ماذا يا دكتور كيف يدخل عليه النَّسخ؟
                      د. الخِضيري: إذا كان الخبر المطلق يَدُخُله النَّسخ فقد احتمل التَّكذيب
                      د. الطيّار: لا، هُنا ليس النَّسخ بمعنى إبدال، بل نسخ أي رفعٌ بالكليِّة أي يُنسى.
                      د. الشِّهري: يعني تـَقُول نسخ الحكم والتلاوة ونسخ التلاوة وبقاء الحُكم، ونسخ الحكم وبقاء التلاوة، باعتبارات ماذا هذا؟
                      د. الطيَّار: جميل، النَّسخ الأوّل الآن هذا الذي فيه رفع الآية لفظاً ومعنى، دعنا من لفظ حكم حتى لا تُقِّيدنا بالأحكام العملية، هل وقع أم لم يقع؟
                      د. الخضيري: وقع.
                      د. الطيَّار: خلاص يدخل.
                      د. الشِّهري : طيب هل هناك مثال؟
                      د. الطيَّار: ما أصبح عندنا لفظاً ومعنى، أصبح مجهولًا.
                      د. الطيّار: مثال رفع اللّفظ والمعنى: حديث أبُيّ كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة، ويأتي رفع المعنى وبقاء اللفظ مثل آية المناجاة ومجموعة من الأخبار والأحكام. ويأتي رفع الحكم وبقاء اللَّفظ مثل هذه الآية (فأمسكوهنّ في البيوت).
                      د. الشِّهري: فأمسكوهُنَّ في البيوت الآن اللَّفظ موجود ولكن الحكم مرفوع، لم يَعُد أحد إن وقعت موليِّته في الزِّنا فإنه يحبسها وإنّما هناك تطبيق للحد وهو الجَلَد أو الرَّجم.
                      د. الخضيري: لاحظ قول الله عزّ وجل: (إنَّ الله يأمــُر بالعَدل والإِحسان وإيتاء ذي القُربي وينهى عن الفَحشَاءِ والـــمُنكر والبَّغي)، فَذكَر الفحشاء والمنكر والبغي، قال العُلماء إنّ الفحشاء ما عُرِف قُبحُه حتى بالعقل مثل أكرمكم الله إتيان الرَّجل للرَّجل، ولذلك يُسَّميه الله عزَّ وجل في القرآن في كل الموارد يسميّه " الفاحشة" بالألف واللام لاستبشاعه وشدة نكارته، المنكر ما يُعرف نُكرانه بالشّرع يعني الغَالب أنَّ النُّكر فيه يكون من جهة الشَّرع، قد لا يهتدي العقل إلى أنّه منكر، مثل كَون الإنسان يُفطر في نهار رمضان، هذا لا يمكن أن يهتدي العاقل إلى أنّه منكر إلا بدلالة الشَّرع نفسه. أمَّا مثلاً إتيان الرَّجل لإمرأة لم يعقد عليها، أو إتيان الرَّجل لرجل مثله، أو السَّرقة فهذه تُسمَّى فواحش ومثلها كما سيأتينا بعد قليل ولعلّنا ننّبِه عليها أيضاً مرة أخرى في الحلقة القادمة إذا يسَّر الله (ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النِّساء إلا ما قد سلف إنَّه كان فاحشةً) ، سمّى الله منكوحة الأب يعني نكاح زوجة الأب فاحشة لأنّها مستبشعة، ولذلك قال بعده ( ومقتاً) يُورث المقت والبغضاء لأنَّ العادة أنّ الزّوج الذي يلي على المرأة يُبغِض الأوَّل لأنَّ المرأة تجلس دائما تذكره وتُقارن فلان ما كان يقَّصر عليّ، فلان كان يصنع لي كذا. فإذا كان ابن الأوّل سبباً لورود البغضاء بينهما فالحاصل لــمّا قال (واللاَّتي يأتين الفاحشة) يعني أنَّ هذا الأمر المنكر الذي يُهتدى إلى نُكرانه بالعقول لو لم تَرِد به الشّرائع، فكيف وقد وردت به الشَّرائع.؟!
                      د. الشِّهري: ألا تُلاحظون معي في التعبير بقوله (يأتين) وقوله (واللَّذان يأتيانها) إشارة إلى أنَّ هذه الفاحشة قد اُرتكبت بنوع من الإصرار وكأنَّه هو قد أتى إلى هذه الفاحشة وأنَّ هذه النَّفس قد ألِفت هذه الفاحشة مما تستوجب الكفّ والمعاقبة وإقامة الحد. أليس كذلك؟
                      د. الخضيري: يقولون الشَّر الدُّخول فيه لجاجة يعني يلِّج الإنسان فيه بِقوّة، بِخلاف الخير، الخير موافق للفِطرة وموافق للهَدي العام وأيضاً لفطرة الله وصِبغته في كلّ شيء، ولذلك انسجام الإنسان في عِفَّته يُعتبَر هَدياً قاصداً، أمَّا إذا أراد أن يَخرج تجده يحمل نفسه حملاً حتى يدخل في هذا الوادي المظلم من أودية المنكر والمعصية نسأل الله العافية والسَّلامة. لذلك النبي يقول: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين فَخِذيه أضمن له الجَنّة"، فالإنسان يستطيع أن يحفظ ولكنَّه إذا أراد أن يَذهب إلى أرض المنكر نسأل الله العافية، ويُدخل نفسه في هذا البلاء فإنّه يَلِّجُّ فيها لجَجّاً.
                      د. الشِّهري : وهذه الحقيقة دلالة كلمة (يَأتين) وكلمة (يَأتيانها) فيها هذه الإشارة والله أعلم، يعني أنّهم يقصدون إلى هذه الفواحش قصداً مما يستلزم من المجتمع أن يقف لهؤلاء بالمرصاد وأن يُقيم الحدّ، كما قال الله (ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)، كثيرٌ من النَّاس فِعلاً تُدرِكه الشَّفقة عند إقامة مثل حدِّ الرَّجم خاصَّة تُدركه الشَّفقة وربَّــــما يَعطِف على هذه المرأة وعلى هذا الرَّجل فالله قد حذّر من هذا ونهى عنه في هذا الموطن وأنَّه لا ينبغي للمؤمن أن تَأخذه رأفة بمن وقع في مثل هذه الفواحش.
                      د. الطيَّار: العَجيب في قضِّية أيضاً لها دِلالة، الله شدَّد وغَلَّظ في قضية الشَّهادة هنا في قوله (فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً منكم فإن شَهدوا) يعني وقعت شهادته متوافقة أو متطابقة وقع الحكم ولهذا في الإسلام لــمَّا شهِدَ ثلاثة على أبي بكرة جُلِد، فَنقُول من باب التَّنبيه إنَّ هذا الحُكم يَدل على أنَّ الإسلام يَحرص على السِّتر، وأنَّ من أذنب فاستتر بذنبه واستغفر الله منه فإنَّ الله يغفر له، لكن إذا وصل الُحكم إلى الَحاكم اختلف الأمر كما حصل في عهد النَّبي . وأيضاً هذا كونه أربعة من الشهداء يجعل الإنسان لو شَهِد منفرداً أو شهد اثنان أو شهد ثلاثة يعني لم يَتِمَّ أربعة فإنَّهم أولى النَّاس بأن يستروا، لأنّهم إن لــم يفعلوا صاروا قَذَفة يُقام عليهم حد القذف ولا مخرج. ولهذا صارت هذه الشَّهادة شَهادة مُغَلَّظة، يعني متى تأتي بأربعة فيَشهدون هذه الشَّهادة التَّامة التي لا يختلف بعضها عن بعض، ولهذا نقول إنَّ مما يجب أن يُنتَبَه لهُ هذا الأمر، في أنَّ من -لا سمح الله- وقع على أمر من هذا فإنَّ عليه أن يَسكُت ولا يتكلّم به، وأن يَكِلَ أمرهم إلى الله .
                      د. الشِّهري: الحقيقة أنّ هذا غَاية الاحتياط والله للأعراض، لأنّه متى يَتيّسر أربعة شُهود يَشهدُون على مثل هذه الواقعة إلا في حالة إذا كانت هذه المرأة أو هذا الرَّجل الذي يُمارس هذه الجريمة رجل قد استهتر بالدِّين وبِالعِرض وأصبح يعني ولغ في هذه الجريمة ممَّا ربَّما يَدفع النّاس لمتابعته ومراقبته والشّهادة عليه، أليس كذلك؟
                      د. الخِضيري: نعم، والعجيب أنَّ الحكم يا أبا عبدالله، كما ذكرنا قبل قليل انتهى وهو قوله (فأمسكوهُنَّ في البيوت)، لكن استشهاد أربعةلم ينتهِ، بَقي، وهذا تَابع لِقَول الله عزَّ وجل فيما سبق من السُّورة (وليَقُولوا قولاً سديداً) .
                      القول السَّديد يعني الموافق للصَّواب، ونحنُ هُنا نُوَّجه الحقيقة رسالة لإخواننا ولأنفسنا في أن يـَتثَّبتوا فيما يَنقلون ويقولون على أنفسهم أو على النَّاس لِيحرصوا على ألاَّ يتَكلَّموا بكلمة إلا وهم يعلمون أنَّهم ينقلونها عن ثِقّة وعَن وقوع، وأيضاً ليست كل كلمة تُقال حتى لو وقعت ما يقول الإنسان أيَّ كلام لأنّ الله تعالى قال في هذه السُّورة أيضاً (إذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوف أذاعوا به) على سَبيل الذّم، (ولو رَدُّوه إلى الرّسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمه الذِّين يستنبطونه منهم) يعني لا تُسَارِعوا في إذاعة أمر ولو كان حقًّا حتى تعلموا أنّ في إذاعته مصلحةً عامّة ويتحقّق به خير لكم وللمسلمين .
                      د. الطيّار: الحكمة من إمساك الزَّانية في البيت واضح جِدّاً هو أن يكون هناك استصلاح لها في البعد عن الرِّجال، وتعويدها على العَّفة التي فقدتها.
                      د. الخِضيري: وأمرٌ ثالث هو أنَّ هذه الــمرأة لو خَرجت إلى النّاس بعد فعلها الفاحشة لأصبح النَّاس يُشيرون إليها، فَدَعِ النّاس ينسون ذكر هذا الأمر تماماً.
                      د. الشِّهري: وهو نفس المعنى الذِّي وُجِد في التغريب.
                      د. الخِضيري: في التغريب تمام، فيكون أيضاً معنىً مهمَّاً وهو إنساء المجتمع هذه الفاحشة لأنَّ كثرة ترددُّها على الألسنة قد تُهَيِّأ نفوساً أخرى إلى الوقوع فيها
                      د. الطيَّار: وهُناك ملحظ دقيق جدّاً وخفي، وكأنَّه يُشَار إلى أنَّ سبب الوقوع في الزِّنا هو الخروج، فقُوبِل الخروج بالإمساك يبدو لي، ولهذا أنبِّه على هذا في أنّ خروج المرأة سبب من أسباب الوُقوع في الزِّنا، ولكن ليس معنى هذا أنّ كل امرأة تخرج فلا يُفهم من كلامي أنّ كل امرأة تخرج ،لا ولكن نقول أنّ هذا لا شك أنّه ييسِّر هذا السَّبيل.
                      د. الخِضيري: لذلك قال النبي : قد أَذِن الله لكُنَّ أن تخرجُنَّ لِحاجِتِكُّنَّ. انظر قد أذِنَ للدَّلالة على أنّ الأصل أنّ المرأة تَقَرّ في بيتها لقول الله تعالى ( وقَرنَ في بيوتكنَّ ولا تبَرجنَ تَبرُّجَّ الجاهليّة الأولى)
                      د. الشِّهري: هذا والله دِلالات جميلة جدّاً في الآية، هذا الآن قوله في النِّساء، ثمّ قال: (واللَّذان يأتيانها منكم فآذوهما) هناك معنى موجود في هذه الآيات وموجود في آيات سُورة النُّور، أنَّ الله قدَّم المرأة على الرَّجل في مسألة الفاحشة فقال في سورة النّور ( الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كل واحد منهما) وهنا قال ( واللاَّتي يأتين الفاحشة) في حين أنَّه في حدود أخرى قدَّم الرَّجل فقال( والسَّارق والسَّارقة) فما هي الحكمة برأيك يا دكتور محمّد؟
                      د. الخضيري: طبعاً الحِكمة ذكرها كثير من أهل العلم، وهي أنَّ الزِّنا من المرأة أقبح وأشدّ نُكراً وتَوابِعه عليها أكثر، الرَّجل- أكرمكم الله- يزني ثُمَّ يذهب خَفيفاً، أمَّا المرأة إذا تزني قد تحمل ويَبقى الولد عارٌ عليها وعلى أسرتها، ثمَّ أيضاً دَلالة أخرى وهي أنَّ المرأة في الغَالب في موضوع الزِّنا هي التي تكون هيَّأت للرَّجل أسبابه، في العادّة أنَّ الرَّجل لا يكاد تطمَح عَينه إلى امرأة قد استترت عنه،وإنَّما تطمح عينه ويتهيّج للقيام بهذه الفَعلة بالمرأة التي ألانت في القول، وخضعت به، أو تبذَّلت في لِباسها أو كما ذَكر دكتور مساعد قبل قليل أكثرت في الخروج والوُلوج فرآها النّاس فبدأوا يُراودونها. وهذا نراه حتى من أصحاب المنكرات يقولون المرأة المستترة لا نُفكِّر أنّنا نعاكسها أو أننّا نحاول أن نتحرّش بها، أمّا تلك المرأة التي قد أبدت مفاتنها لا شك أنّها تكون محل ريبة.
                      د. الشِّهري: جميل ،هذا معنىً بديع.
                      د. الخضيري: في قوله ( واللذَّان يأتِيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) من العلماء من حمل هذه الآية على اللُّوطييِّن، لأنَّ هذه الآية الوحيدة التي جاءت في ذكر حَدِّ اللِّواط، وإنَ كَان سائرَ الــمُفَّسرين أو أكثرهم حملوها على الزانيِّين بين الرَّجل والمرأة، وكان هذا في أوَّل الإسلام قبل أن يُبيِّن الحُكم.
                      د. الشِّهري: حقيقة الآية محتملة لهذا وهذا،ولعلّها تُحمل عليهما ما المانع من حملها على المعنييِّن؟. في قوله تعالى ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) الحقيقة فيها فائدة تربوية مهمّة جِدّاً في عدم تذكير الــمُذنب بذنبه إذا تاب وأنَّ مجرَّد تعييره وتذكيره بالذّنب تهييج له على العودة عليه من باب العِناد والــمُراغَمة .
                      د. الخضيري: صحيح هذا أوَّلاً، والثَّاني تَعييِّره بهذا الذّنب قد يُهيِّأ آخر للوُقوع فيه لأنَّه يَشعر فلان وفلان كلهم قد وقع منهم، طيِّب أنا واحد أيضاً من هؤلاء، أمَّا إذا تعفَّف النَّاس عن ذِكر ذلك حتى على وجه التَّثريب والعَيب والتَّعيير فإنّ النّاس لا يكادون يسمعون هذا الأمر، ويشعرون أنّه لا يمكن أن يقع.
                      د. الشِّهري: ولذلك لاحِظ حتى لــمَّا جاء الحكم النّاسخ وهو الجَلد والتَّغريب للزَّاني البِّكر، الحقيقة أنَّ التغريب يَكُّف ألسنة حتى النَّاس عن ذِكر هذا الرّجل لأنَّه إذا غاب عن العيون فإنَّه يغيب بأخباره وبماضيه فينساه النّاس، في حين أنّه إذا بقي في المجتمع ويَرونه يَغدو ويروح، أو يرون المرأة تغدو وتَروح فإنّهم يجعلهم يَستعيدون تلك القصَّة انظر كيف حرص الإسلام على تنقية المجتمع وتطهيره حتى من هذه الألفاظ قال ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما).
                      د. الطيّار: وهذا يدل على أنَّ هذا الأمر يــُمكن إدراكه، لما قال ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) فالتَّوبة والإصلاح أمرٌ يمكن إدراكه.
                      د. الشِّهري: ألا تُلاحِظون يا إخواني الآن، الله وهو التَّواب الرّحيم حتى في ختامه الآية ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إنَّ الله كان توَّاباً رحيماً) ثمّ ذكر التَّوبة بعدها، كيف أنَّ المجتمع أحياناً لا يَغفر أليس كذلك، يعني يرى المرأة الزّانية في المجتمع لا تعود في نظر المجتمع كما كانت من قبل، ولكن قد تكون بعد التوبة خيٌر من قبلها لذلك هذه الآية فيها عدّة فوائد منها:الفائدة الأولى ينبغي على المسلم أن يتَحَرَّز غاية التَّحرُّز من الوقوع في هذه الشُّبهات وينبغي على المسلمة أن تُغلِق كلَّ بابٍ قد يُفضِي إلى هذه الفِتنة، والأمر الآخر:أنَّ على المجتمع المسلم أيضاً أن يتقبَّل التائبين وأنَّ هذا جُزء من مسئوليات المجتمع المسلم أنَّه يتقبّل التَّائبين ويكون عوناً لهم على التَّوبة، ولذلك لاحظوا عندما كان يُؤتى بأحد الصّحابة ويُجلد على شُربه لِلخَمر فبعضُهم يَذُّمَّه، فيقول النَّبي صلى الله عليه وسلّم: لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم.وأنَّه ينبغي على المجتمع المسلم فعلاً أن يتقبَّل التَّائب وأن يُعرض، انظر ما اجمل قوله إلى قوله: فأعرضوا عنهما. يعني كأنّك تغاضَّى عن الموضوع تناسى الموضوع لأنّ نفسك تدفعك للحديث
                      د. الخضيري: ورد في السُّنّة يا أبا عبدالله ما يُؤيِّد ما ذكرت في قوله: إذا زنت أمَةُ أحدكم فليجلدها الحدَّ ولا يُثّرِّب، فإن عادت فليجلدها الحدّ ولا يُثَّرِّب، فإن عادت فليجلدها الحَدَّ ولا يُثَّرِّب، فإن عادت في الرَّابعة فليبعها ولو بحبلٍ من شعر.أي َّ أنَّ هذه لا تصلح ، الشّاهد في قوله: ولا يُثّرِّب فلا يُعيِّرها لأنَّ التعيير مثل ما ذكرت دكتور عبدالرّحمن قبل قليل يُهيِّأ النَّفس على العودة للمعصية يتذَّكَّرها وأيضا يُهيَّأ الآخرين على الوقوع فيها. نسأل الله العافية والسَّلامة.
                      د.الشِّهري: هل يمكن يا إخواني أن يقول مثل هذا الكلام بشر؟ لا يمكن والله أن يقول مثل هذا الكلام بشر يعلم النُّفوس. ولذلك من الأشياء الجميلة التي تجدها في بعض كتب البَّلاغيين قضِّية دراسة أسرار البلاغة في مثل هذه الآيات، وأنَّك تستشِّف من وراء هذه الآيات إلهاً يعلم السِّرَّ وأخفى، وليس بَشراً يُشَّرع لِبشر ولذلك النبي ما كان ليقول مثل هذا الكلام أبداً وما ينبغي له أليس كذلك، هناك قال (وما ينبغي لهم وما يستطيعون). هذا شيء فوق طاقة المخلوقات أن يقولوا مثل هذا الكلام الذِّي يتحدَّث عن خائنة الأعين والنُّفوس لا يمكن هذا.
                      د. الخضيري:في قوله (فإن تابا وأصلحا) نرغب بمعرفة الفرق بينهما، لأنه قد يظن بعض الناس أنّ هاتين الكلمتين قد يدُّلان على معنى واحد، حقيقة اجتماعهما يدل على افتراقهما فما هو الفرق؟
                      د. الطيّار: واضح أنَّ التَّوبة تعود إلى النّفس، والإصلاح يعود إلى السُّلوك، لأنَّ توبته في القلب، والصَّلاح في العمل.
                      د. الخضيري: بمعنى النَّدم على ما مضى، والصَّلاح صلاح في العمل لا نراه في الأماكن الــمُريبة التي كان يعتادها ونراه قد بدأ يعتاد المساجد، ويجلس مجالس الرِّجال الصّالحين فهذا يُعتبر صلاحاً في حقّه.
                      د. الشِّهري: جميل، لعلَّنا إن شاء الله في اللِّقاء القَادم، لأنَّ الوقت الآن انتهى معنا، لأنَّه جاء بعد هذه الآيات التي وردت فيها ذكر الفاحشة والحدّ، حديثاً رائعاً جِدّاً عن التَّوبة، عن معنى التوبة، وعن شُروط التَّوبة و كيف تكون،وعلى من تكون التوبة، لعلَّنا نبتدأ المجلس القادم بإذن الله تعالى بالحديث عن التوبة، نسأل الله أن يتوب علينا وعلى إخواننا المشاهدين، وأن يجمعنا وإيَّاهم جميعا على خير ولعلنا نكتفي بهذا في هذا اللِّقاء، ونلقاكم أيها الإخوة المشاهدون بإذن الله تعالى في اللّقاء القادم من سورة النِّساء وأنتم على خير، حتى ذلك الحين. نستودعكم الله، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
                      بُثّت الحلقة بتاريخ 9 رمضان 1431 هـ
                      سمر الأرناؤوط
                      المشرفة على موقع إسلاميات
                      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                      تعليق


                      • #11
                        والحلقة العاشرة من تنقيح أختي الكريمة يسرا بارك الله فيها

                        الحلقة العاشرة
                        د. الشِّهري: بسم الله الرّحمن الرَّحيم، الحمدلله ربِّ العالمين وصّلى الله وسلّم وبارك على سيِّدنا ونبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقفنا في اللقاء الماضي مع المشايخ الفُضلاء الدكتور مساعد الطيّار والدّكتور محمد الخضيري حول الحديث عن التَّوبة بعد أن تحدّثنا في الآيات التي تتحدّث عن حَدِّ الزِّنا ومَا ورد فيه في سورة النّساء وكذلك الآيات في سورة النّور في نفس حدِّ الزنا، وتوقّفنا عند الحديث عن التَّوبة وما ورد فيها في هذه السُّورة العظيمة في قوله تعالى ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) والآيات التي بعدها، لعلَّنا نتحدّث عن هذه الآيات في هذا المجلس بإذن الله تعالى في هذا الجوِّ الصيفي الجميل المفتوح، ولكن دعُونا نستمع للآيات قبل أن ندخل في الحديث عنها ثمّ نعود إليكم فنتحدّث عن هذه الآيات بإذن الله تعالى .
                        الآيات من سورة النِّساء ( 17- 19) :
                        (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)).
                        بعد أن استمعنا إلى هذه الآيات الكريـمة أيّها الإخوة، ننقل الحديث إلى المشايخ الفُضلاء هنا في هذا المجلس، الله يا مَشايخ يقول في الآية الثَّانية من الآيات التي وردت في الحدّ هنا (وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا(16)) وأشَار في هذه الآية إلى التَّوبة مرَّتين في قوله (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا) ثمّ قال (إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)، ثمَّ جاءت الآيات التي بعدها (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ)، كُنَّا تحدَّثنا في الآيات السَّابقة أيُّها الإخوة عن حرص الإسلام على السَّتر وعلى حِفظ المجتمع المسلم، و أيضاً على عَدم شُيُوع خَبر الفاحشة والفَحشاء وحديث الفاحشة والفحشاء في المجتمع في عِدَّة جوانب منها: عندما قال فَأمسكوهُنَّ في البيوت، من حِكم إمساكها في المنزل هو كَفُّ ألسنة النَّاس عن الخوض في هذه الفَاحشة، أيضاً هذا من حِكم التغريب الذِّي يكون حدَّاً على الزَّاني البِّكر وعلى الزَّانية البِّكر أيضا، فإنَّ التَّغريب مِن فَوائده ومن حِكمَه كفُّ ألسنة المجتمع عن الحديث والخَوض في هذه الفاحشة.
                        د. الخضيري: ومن ذلك أيضاً طَلب شهود أربعة من النَّاس.
                        د. الشِّهري:نعم، ثمّ يأتي الحديث عن التَّوبة يعني ما أجمل الحديث عن التَّوبة الذِّي جاء في هذه الآيات بعد هذا الحدَّ، فلعلّك يا دكتور محمّد تُشير إلى شيء من هذا.
                        د. الخضيري:في الآيات الماضية قال الله عزَّ وجل (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)، انتهت الجَلسة الماضية وكُنّا نريد أن نذكُر معنىً جميلاً في قول الله عزَّ وجل:( تَوَّابًا رَّحِيمًا)، وهو أنَّه لـــم يذكر الرَّحمة إلاّ بعد ما ذكر التَّوبة وفي كَثير من موارد القرآن لا تَكاد تُذكَر رحمة إلا بعد المغفرة (اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) كأنَّ الإنسان لا يستحق رَحمة الله عزَّ وجل إلاَّ بعد أن يـَتطَّهَرَ من ذُنُوبه، فكأنَّ الذُّنوب هي أعظم ما يُعيق وصول الرَّحمة إليك أيُّها العبد، فإذا طلبتَ لنفسك أن تُرحَم فأكثر من التَّوبة والاستغفار لتأتيَك رحمة الله، ومدده، ونصرُه، وعَونُه، وحِفظه وكَلآءته، ورعايُته، وهذا معنى ينبغي لنا أن نُرَاعِيه دائما، ولذلك كان العلماء لكي يحصلوا على كل خير ومنه العلم، وخصوصاً في مواطن الإشكال يُكثرون من الاستغفار لأنَّهم يعلمون أنّ ما يحول بينهم وبين فهم المسائل، أو فهم النُّصوص، أو حلِّ المشكلات والخروج من الــمُعضِلات هو الذُّنوب(أَلَمْنَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)الشرح). فهذا معنى جميل في هذه الآية.
                        د. الطــيَّار:أيضاً نرجـِع إلى الفِكرة السَّابقة وهي قضية الانتقال من موضوع إلى موضوع بحُسنِ تخلُّص، لــمّا قال ( إنَّ الله كان توَّاباً رحيماً) قال (إِنَّمَا التَّوْبَةُ) ثم سيقول بعدها (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ) ثم ينتقل من التَّوبة إلى موضوع آخر سيأتي، طيِّب (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ) ولاحِظ كيف جاءت (عَلَى اللّهِ) وكأنَّها نوع من الإلزام، وهو سُبحانه وتعالى لا يُلزمه أحد فهو القَويِّ العَزيز، ولكن سبحان الله كيف يتحبَّب إلى خَلقِه حتى يُلزمَ نفسه بأنّه يتوب على من تاب!
                        قال (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ)، وابن عبَّاس الحقيقة له كلامٌ جميل، قال: كلُّ من عَصَى الله فهو جاهل، فليس الجهل هنا الجهل بالعلم، إنَّما هي الجهالة التي هي أنَّه ما دام أنَّه عمل السوء ففي حال عمله السُّوء فهو في حال جَهَالة، فهذا من ابن عبّاس طبعاً معنىً دقيق جدّاً ولا ترتفع هذه الجهالة إلا بالتَّوبة، ولهذا قال (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) يعني يُلحِقُون فعلهم السَّيئ هذا بتوبة.
                        د. الخِضيري:إذاً يا دكتور مساعد ممكن بعض النَّاس يفهم الآية فهماً خاطئاً، يعني أنَّ مَن عَمِل الذَّنب وهو جَاهل أنَّه ذنب فهذا يتُوب الله عليه، ولكن من عَمِل الذَّنب وهو لا يجهل أنَّه ذَنَب فهذا لا يتوب الله عليه هذا ما يفهمونه، وهذا ليس هو المراد من الآية، فالجهالة هُنا ليست الجّهل، الجهالة هي الاقتحام على المعصية، أنت جَهِلت على نفسك عندما تقحَّمت المعصية وفَعَلتها، هذه منك جهالة.
                        د. الطيّار:ولهذا لاحظ قال بعدها (فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً)، يعني لاحِظ التَّوبة، إنّـَما التَّوبةُ، يتوبون، يتوبُ الله عليهم إذاً تكرُّر هذه اللَّفظة مرَّة بعد مرَّة ثم في الأولى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ) عامَّة، (ثُمَّ يَتُوبُونَ) هذا فعل العبد، يأتي فعلُ الرَّب (فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ)، ولهذا التَّوَّاب ابتداءً، والتوَّاب انتهاءً، فالله سُبحانه وتعالى يتوب على عباده ابتداءً فسُّمِّيَ التوَّاب، ويتوب على عباده انتهاءً يعني بعد فعلهم الذَّنب فهو توَّاب، يعني يرجعُ إليهم بالحَسَن إليهم منه بعد توبتهم، ولهذا نقول إنَّ موضوع التَّوبة سبحان الله من الـــموضُوعات التيِّ مهما اجتهدت في إِبراز هذه القِيمة الكَبيرة جِدّاً أوهذه الصِّفة العَظيمة جِدّاً وهي قَضية التَّوبة ما ِمن شك في إبرازها في أنّك لا تستطيع في أن تُوَّفِيَها حَقَّها مِن الألفاظ، وأنا عندي أنَّ هذا ممَّا يَستعصي على الألفاظ أن تُبيِّنه وتُــــبرِزَهُ، ولهذا تجد من اللَّذة والفرَح بالتَّوبة ما يَجعلك أحياناً تفرح بالذّنب الذيِّ أوصَلَكَ إلى هذه التَّوبة، تقول الحمدلله الذِّي قدَّرَ ليَ هذا الذَّنب لأَصِل إلى هذه التَّوبة.
                        د. الخضيري: ورُبَّما صحَّت الأجسادُ بِالعِلل.
                        د. الطيّار:ولهذا بعض النَّاس حالُه بعد التّوبة خيرٌ من حاله قبل التَّوبة، لأنه قبل التوبة قد يكون في غفلة، وقد يكون ينظر لنفسه نَظرَ الــمُحسن وأنَّه ممن يُطيع الله، فإذا وَقَعَ في الذَّنب ذَلَّ لله وانكسر لله ، فارتفع بهذا الانكسار إذا قُبِلَت توبته فرجع إلى حال أحسن.
                        د. الخضيري: وأيضاً يا أبا عبدالملك،يذهب عنه في باقي عُمرِه كُلِّه ما يُسَمِّيه العُلماء بالعُجُب، بـمعنى كل ما أراد أن يُعجب بعمل أو بحسنة قدَّمها تذَّكَرَ ذلك الذَّنب فانكَسر، هذا الذُّل والانكسار مطلوب لـِتأدِيب هذا العبد حتى يَبلُغ الكمال، ولذلك ابن القَّيم - - في طريق الهجرتين ذَكَر بحثاً جميلاً في حِكمةِ الله تعالى في تقدير الذُّنوب، وأنَّ لله حِكَم عظيمة في أن يُقَدِّر على العَبد أن يقع في الذَّنب، العبد يجتهد في أن لا يقع في الذَّنب ولكن يوقعه الله عزَّوجل رحمةً به، لكي ينكسر، ويذِّل، ويتذَّكَّر، ويُكثر من البُّكاء ويُكثِر من الاستغفار، فَيُحصِّل - كما ذَكَر الدُّكتور مساعد - بعد ما يقع في هذا الذَّنب ويتوب منه من الخَير عند ربِّه أكثر ممّا كان عليه قبل الذَّنب، كما قال الله عزَّوجل في سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(70)) .وهذا من عظيم فضل الله عزَّوجل على هؤلاء التَّائبين.
                        د. الشِّهري:تلاحظون في قوله (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ) طبعاً أنتم تحدَّثتم عن الجَهالة أنَّ المقصود بها ليس عدم العلم، قد يُقدِم الإنسان على الذَّنب وهو يعلم أنَّه معصية ويُسمَّى جَهَالة، لكن المعنى الآخر أنَّه قال ثمَّ يتوبون من قريب، قد يَفهم البَعض أنَّ المقصود يتوب مباشرة بعد وقوع الذَّنب وبابُ التَّوبة مفتوح من كل ذنب، ولذلك يقول المفسِّرون إنَّ كل من تاب قَبل أن يُغرغر فقد تَاب من قريب.
                        د. الخضيري:هذا المعنى هو معنى الرُّخصة، في أنَّ الإنسان يُتاحُ لهُ أن يَتوب حتى يُدرك، لكن الأَوْلى والأجدر بالإنسان إذا وقع في الذَّنب أن يُسرع إلى التَّوبة ليكون أمكن في القُرب، ولأنَّه لا يَدري مَتى تأتي الــمَنيِّة قد تأتيك مَنيُّتك وأنت نائم، أو تأتيك على حِين غِرَّة وهذا معنىً أيضاً مُهِمّ جدّاً ينبغي أن يفهمه القارئ من هذه الآية، ولذلك نُلاحظ أنَّ الذُّنوب التي يقع فيها الأنبياء أو ذَكَرَها الله عزَّ وجل على الأنبياء ما في ذنب يُذكَر إلا وتُذكَر توبةُ النَّبي مُبَاشرةً، لنأخذ مثال نوح لــمّا قال (.. رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ(45)قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(46)قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ(47)هود).
                        د. الشِّهري:مباشرةً، وموسى أيضاً قال (فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ(16)القصص) مباشرة.
                        د. الخضيري:ويُونس وسليمان وداود (قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(24)ص) (فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ ) فدَلَّ على أنه باشر التوبة مباشرة .
                        د.الشِّهري:الآن عندما يقول الله (فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) كما تفضَّل الشيخ عندما قال الإظهار في موضع الإضمار هذه مكرَّرة معنا في السُّورة في قوله سبحانه (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ) وكانَ بالإمكان أن يقول ( فأولئك يتوب عليهم) ولكنَّه قال (فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ) فأظهر لفظَ الجَلالة في هذا السِّياق إشارة إلى التَّرغيب في التَّوبة، وإلى تعظيم شأن التَّوبة من جِهَة، إلى أنَّ الله هو الذِّي يتوب عليك، فما عليكَ من النَّاس، وهذه إشكالية فعلاً تقع عند كثيرٍ ممن يقع في المعاصي أنّه يُراعي النَّاس في توبته فرُّبما يُقبِل على التَّوبة أو يمتنع من الرُّجوع إلى الحقّ وإلى التَّوبة من أجل النَّاس، فالله يريد أن ينزَعه من هذا المجتمع الذي يُفكِّر فيه ويصعد به إليه مباشرة فيقول (فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ) الذي يتوب عليك هو الله.
                        د. الخضيري: عندي ملاحظة وعندي سؤال؟ أمّا الملاحظة فهي في قوله (اللّهُ) الحقيقة أنّنا نُلاحظ أنّها تردّدت مع الأحكام الشَّرعية كثيرأً، والظَّاهر أنَّ هذا أدعى لاستجابة العِباد له، فإنَّ الله معناه الإله العظيم الذِّي يَشرع لكم هذه الأحكام فخُذوها بقوّة وهابُوا ربَّكم أن تتخلّفوا عنها أو تتعدَّوا على حُدودِه، ولذلك يقول(إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا)، (وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) ،( أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) إلى آخره. السؤال في قوله (إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) سألني قبل يومين أحد الشّباب قابلته، قال(كَانَ) هذه أليست للماضي طيِّب ماذا نفعل في الحاضر والمستقبل، فما هو جوابك يا أبا عبدالملك؟
                        د. الطيَّار:والله هذا جواب حبر الأمة كما في صحيح البُّخاري، سُئل عن نفس السُّؤال هذا فقال: كان ولم يَزَل.
                        د. الخضيري: معناه كان قد سُلبت الزَّمانية.
                        د. الطيَّار: نعم، وهذه خاصيَّة في (كَانَ) فيما يبدو والدَّليل فيها السِّياق كونها في أسماءِ الله أو صِفاته فإنَّها دالَّة على الدَّيـمومة والاستمرار، يعني كانَ في الماضي ولم يَزَل في المستقبل.
                        د. الخضيري:وكأنَّها والله أعلم عُبِّر عنها بالماضي، للدَّلالة على تمكُّن نفسها.
                        د. الطيَّار: وهذا قاله إن لم أكن واهماً الطّاهر ابن عاشور أشار إليه، أنَّ كان تأتي للدَّلالة على تمكُّن اسمها من خبرها.وهذا جيِّد.
                        د. الخضيري: الحقيقة كثرة أسماء الله في سُورة النِّساء، وظُهور ارتباط الاسمين بالآية، لا أكاد أجِده في سُورةٍ أظهر منه إلاَّ في سورة النِّساء - ولو ظهر في سُوَر القرآن - لكن في سورة النِّساء بشكل واضح يعني (إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا) مع قوله (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا) وهنا (وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً) وقبلها أيضا (وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً).
                        د. الشِّهري: طيِّب هو في الآية الأولى التي نتحدّث عنها الآن، يُشير إلى الذِّي يتوب من قريب، فيه إشارة كما تفضَّل الشيخ محمد إلى قضِّية الحثّ على المبادرة بالتَّوبة فَورَ وقوع الذَّنب وأنَّ هذا أكمل في حال المسلم لأنَّه يدل على يقظته الدائمة كما قالَ الله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ(201)الأعراف)، يعني تذّكروا فتابوا، وهذا دليلٌ على أنّهم أهل بصيرة، تعال إلى الآية التي بعدها في قوله (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) الله يقول التَّوبة لا تكون من الله للذِّين يُصِّرون على السَّيئات ويعملونها وتُلاحظ حتى في الفعل المضارع عندما قال ( للذِّين يعملون السيئات) إشارة إلى أنهم يجَّددون مثل هذا العمل السَّيء مرَّةً بعد مرّة قال (حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) هذا يُذّكرِّنا بفرعون (حَتَّىإِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90)آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91)يونس).
                        د. الخضيري: يقول العُلماء أنَّه آمن ثلاث مرات ، يعني كلَّ واحدة كانت كافية في قبول إيمانه، ومع ذلك جاءت في غير وقتها فلم يُقبل واحدٌ منه (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90)آلآنَ..) ومع ذلك انتهى الوقت.
                        د. الشِّهري: سبحان الله العظيم! (قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) وهذا الصِّنف الأوَّل وهو الذي يترك التّوبة ويؤَّجلُها حتى ينتهي وقتها وهو بعد الغرغرة، ثم قال (وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) لا يتوب الله عليهم.
                        د. الطيّار:طبعاً الأوَّل في العُصاة.
                        د. الشِّهري: في العاصي، لكنَّ العاصي الذي يترك التَّوبة حتى ينتهي وقتها فأمره إلى الله، والثَّانية واضحة في الذّي يموت وهو كُافر فهؤلاء لا يتوب الله عليهم، كما قال الله (ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ(34)محمد).
                        د. الخضيري:(قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) هذا (الآنَ) ذكرٌ للزَّمان المتصِّل بكل شخص على حِدة منذ أن خلق الله آدم إلى أن يَرِث الله الأرضَ ومن عليها، هناك زمان مختص بأهل آخر الزَّمان لا تصح التوبة بعده وسيأتينا في سورة الأنعام بإذن الله عزَّ وجل(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا(158)الأنعام) فالعُلماء يا إخواني ذكروا أنَّ من شروط صِحةِ التَّوبة وقوعها في الزَّمان الشَّرعي وهو قبل الغَرغرة بالنِّسبة للشَّخص، وقبل طلوع الشَّمس من مغربها بالنِّسبة للَّجميع، ومع ذلك لا أحد يدري متى تطلع الشَّمس من مغربها، لا هذه ولا هذه فعلى الإنسان أن يستعد.
                        د. الشِّهري: يعني علامات التَّوبة فعلاً التي تنتهي عندها التَّوبة كلَّها غيب، فمعناها بَادِر، أنت الآن لا تعرف متى يأتيَ أجَلُك، ولا تَعرف مَتى تطلع الشّمس من مغربها، ولا تَعرف متى يخرج المسيح الدَّجال، فكُل هذه العَلامات التي ربط الله بها نهاية التَّوبة في علم الغيب، فمعناها أنّك لابد أن تُبادر إلى التَّوبة، ولاحظوا أيضاً عندما قال (أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ً) للذِّين يموتون وهُم مُصِّرين على الذُّنوب وعلى المعاصي وعلى الكُفر، فقال (أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ً) في التَّعبيرب(أَعْتَدْنَا ً) فيه نوع من السُّخرية والاستهزاء بهؤلاء الذّين أصَّروا على الكفر وعلى الذّنوب وعلى المعاصي حتى ماتوا، فالله يقول (أَعْتَدْنَا لَهُمْ) والإعداد في العَادّة يكون للإكرام، فَهي مثل قوله تعالى (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ(34)التوبة) والبِّشارة لاتكون إلاَّ بالأخبار السَّارة، لكنّه من السُّخرية بهم قال (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وأيضاً هنّا قال (أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا).
                        د. الخضيري: وهنّا نكّر العذاب لتعظيمه وتفظيعه فوصفه بالأليم (عَذَابًا أَلِيمًا) ، قال ابن عبّاس: كلُّ أليمٍ في القرآن فهو مُوجع.
                        د. الطيّار: هنا أيضاً قال(أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) ومُقتضى نَظم الكلام، أعتدنا عذاباً أليماً لهم، لأنَّ الجَارَ والمجرور يُؤَّخرَ، هذه يقف عندها الطَّاهر ابن عاشور كثيراً ويُنّبه على أمرين: الأمر الأوّل رعاية الفَاصلة في (عَذَابًا أَلِيمًا)
                        (عَلِيماً حَكِيماً) (خَيْرًا كَثِيرًا) إلى آخره، والأمر الآخر: أنّه قال أعتدنا لهم لأنّهم هم الذِّين سِيق الكلام من أجلهم فقدَّمهم.
                        د. الخضيري:يعني تأكيداً لوقوع هذا في حقِّهم.
                        د. الطيَّار: نعم، فقوله (أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) إذا كانوا من باب التأكيد لمّا قدَّمهم وأنَّهم ممن سيق الكلام من أجلهم، رأيت البعض ممن يتكلّم في قضية الفَاصلة يتحرَّج من مثل هذا الأمر أن تقول لِرعاية الفاصلة.
                        د. الشِّهري: رعاية الفاصلة يا دكتور مساعد المقصود بها رعاية آخر الآية.
                        د. الطيّار: نعم آخر الآية، لو قال (أعتدنا عذاباً أليماً لهم) لاختل آخر الكلام في السَّمع، فمُراعاة آخر الكلام في السَّمع مقصد من مقاصد البليغ، ودائماً نقول للطُّلاب إذا جاء مثل هذه المسألة فأوَّل السُؤال الذِّي يجب أن يَرِد : هل رعاية الفاصلة وانضباط آواخر الكلام مقصد من مقاصد البليغ أو لا؟ طبعاً الجواب: بلى، إذاً ما دام مقصد من مقاصد البليغ، هذا المقصد هل يُؤثِّر عنده على المعاني أو لا؟ إن أثّر عنده على المعاني فدلَّ على قصوره في البلاغة، وإن لم يُؤَّثر عنده على المعاني فدلّ على بلاغته، وهذا ما هو موجود في الُقرآن، فإذاً لا يُشكل علينا ان نقول إنَّ رعاية الفاصلة مقصودة بذاتها.
                        د. الشِّهري: أحسنت، لأنَّ البعض الحقيقة يتحرَّج ترى من هذا، عندما يُقال الله ذكر هذا مراعاة لِنَظم الكلام أو للفاصلة، هم يُسَمُّون الفاصلة في القرآن ولم يقولوا القَافية كما يقولون في الشِّعر، الشِّعر يقولون هذا للقافية مراعاة للقافية، فمراعاة الفاصلة في القرآن الكريم ليست غريبة ولا مُستغربة على سَنن العرب في كلامها، فالعرب تعرف هذا في كلامها والله يقول: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(2)يوسف) ففيه ما في اللُّغة العربية التي يعرِفها النّاس من أوجه الكَلام والبيان، وبعض النَّاس أنا لاحظتهم ممن يتحدَّث في بلاغة القرآن الكريم يتحرَّج من مثل هذا الكلام، ويقول لا ينبغي لنا أن نقول إنَّ سِر تقديم مثل (آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى(70)طه) ، أو (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(48)الشعراء) في آية أخرى أنّه من أجل مراعاة الفاصلة، قال إنّ هذا لا يليق أن نقول ذلك في حقِّ الله ، وإنما المعنى هو السبب الذي جعل هذا التَّقديم هنا وهذا التأخير هنا مثلاً نحن نقول المعنى إذا استوى فإنّ مراعاة الفاصلة أولى في مثل هذا الموطن.
                        د. الخضيري: مَر بنا في آية المواريث حقيقةً (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) ما نبَّهنا على أنَّ الأزواج هنا بمعنى الزّوجات، وأنّ في لغة القرآن الفصيحة استعمال الزَّوج للذّكر والأنثى، يعني للرّجل والمرأة، لكن علماء المواريث إذا تكلّموا يقولون زوجة، من أجل أن لا يحصل لبس.
                        د. الشِّهري: وإلاّ الرَّجل يُقالُ له زوج، والمرأة يُقال لها زوجة.
                        د. الطيَّار: وأيضا من قضية حُسن الانتقال لاحظ لمّا قال (أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) هذا مقام تهديد، جاء بعده قضية فيها نهي، فناسب مقام التَّهديد مقام النّهي، قال(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا) ثم قال (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) إلى آخره، هذا الآن مقام النَّهي ومقام النّهي يُناسبه التَّهديد، فسبحان الله انظر كيف يكون الانتقال من مقام إلى مقام بحيث تتناسق الآيات بعضها مع بعض، فلعلَّنا نقف عند هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا).
                        د. الشِّهري:طبعاً الآن ما زال الحديث متصِّل عن إعطاء النِّساء حقوقهِنَّ، يعني مرَّ معنا الآن تقسيم الترّكات، ومرَّ معنا إصلاح المرأة عندما تقع في الذّنب وفي الزَّلة في قوله (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ) وإلى آخره، والدّعوة إلى التَّوبة دعوة الرِّجال ودعوة النِّساء جميعا إلى التَّوبة وإلى الرُّجوع إلى الله هذا باب استصلاح وباب إصلاحٌ للمجتمع وإلى المرأة، ثمّ يأتي الآن إنصاف وإعطاء حقّ الله يذكُر أنّ النِّساء يُعضَلن كثيراً من الأولياء في قوله(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا)، لأنَّهم كانوا في الجاهلية يعتبرون زوجة الأب جُزء من الترَّكة، يَرِثُها الأكبر من الأبناء أو الأعجل، كما يقول بعضهم كان الذي يسبق إلى زوجة أبيه فإنّها تكون سهماً له، فقد يكون الأكبر من الأبناء، وقد يكون الأقوى وقد يكون الأسبق.
                        د. الطيَّار: هو إذا وَرَثها في الجاهلية فله أن يتصَّرف فيها فقد يتزّوجها وهذا الذي يأتي فه (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء) أو قد يعضلها أي أن يمنعها من الزَّواج ،أو يُزَّوجها لمن يشاء بدون رضاها، فلاحظ في كل الصُّور هذه فيه ظُلم للمرأة، فجاءَت النّهي (لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا) فقد تقع بعضها في الصُّورة منهم، وكلُّها صور منهي عنها ثمَّ قال (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ).
                        د. الشِّهري:ما أدري هل كان مثل هذا يقع في غير العرب، يعني أنّ الرَّجل يَرِث زوجة أبيه، يعني في الحضارات القديمة؟
                        د. الخِضيري: والله لا تستبعد، يعني نحن سمعنا ورأينا من أخبار النّاس في مثل هذه الأبواب أشياء والله لا ينقضي منها العجب، وأنا رأيت كتاب لعمر رضا كَحَالة صاحب معجم قبائل العرب، لديه كتاب المرأة قبل الإسلام أو شيء من هذا القبيل، أنا قرأت هذا الكتاب قديما فذكر من عادات النَّاس في قضِّية الزَّواج وما يَتصِّل به أشياء يُستغرب منها، يعني من ضمن الأشياء التي ذكرها قال في دولة ما - الهند أو في غيرها - أن الشّاب يتزَّوج فلا يحقُّ له أن ينكح هذه الزَّوجة وإنما هي تحِلُّ لأبيه هو الذِّي ينكحها، والزَّوج هو الذِّي يرعاها ويحفظ هذا البيت ويُقيم عليه وليس له منها حظّ، والأب هو الذِّي يستمتع بهذه المرأة حتى تُنِجب، ثمَّ يتزَّوج ابنه! لاحظ فإذا تزّوج حلّ الابن للمرأة، تصور هذا!
                        د. الطيَّار: وأحدهم يقول عنده عامل هندي ذهب تزوَّج ورجع، وبعد سنتين أو ثلاث سنوات يُبَّشره بأنّه جاءه مولود، قال كيف جاءك مولود وأنت عندي، فكانت العادة عندهم أنّه إذا تزَّوج الواحد فيحلّ لأهل البيت كلّهم.
                        د. الشِّهري: الحقيقة المذاهب الأرضية لا تستغرب فيها شيء لأنَّه إذا ضَلّ البشر وضل َّالإنسان فالهداية من الله .إلاَّ أننَّي رأيت من يُشَّنِّع ويعتبر العرب في غاية التَّخلَّف وفي غاية السُّقوط الأخلاقي وكذا ويُضَّخم هذه الأشياء في حين أنّها كانت مُشتركة بين المجتمعات الجاهلية بصفة عَامّة، المجتمعات الجاهلية تشترك في كثيرٍ من العادات القبيحة.
                        د. الخضيري:خذ مثال يا أبا عبدالله على موضُوع الوأد، يعني نحن إذا سمعنا الوأد ارتبط بأذهاننا بالعرب ، الآن الوأد الحاضر الــمُنَّظم الذّي تُنظِّمه مؤتمرات المرأة عبر الإجهاض، والذِّي الآن حتى السُّعودية يُضغَط عليها من قِبل الــمُنظَّمات الدُّولية في أن تَسُّن الإجهاض وتأمر به، هو عين الوأد الذِّي كان عند أهل الجاهلية هو نفسه، يقولون لابد نَسُّن قانوناً يحمي المرأة لكي تجهض ويكون شرعياً رسميّاً ومُعلناً، من أجل أن تفعل الفتاة ما تشاء وتحمل وتجهض بشكل قانوني ومن أجل أن تعبث بشرفها وتتيح نفسها لكل أحد دون أن يلحقها أي شيء من العار! خذ مثال آخر الآن في الصِّين يُقنَّن على الرِّجال وعلى النِّساء ألا يتجاوز عدد الأولاد الواحد، طبعاً إذا خُيَّر الإنسان أنّه ما يأتيه إلا واحد، كل ما حملت امرأته ذهب بها إلى الطبيب فإذا تبيّن له أنّها أنثى في كل حمل طلب منها أن تُسقطه من أجل ولد واحد، وإذا حملت بولد طلب منها الإبقاء وهذا وأد، وقد يقتل هذه النَّفس حتى بعد أن ينفخ فيها الرُّوح وتُصبح معصومة.
                        د. الشِّهري:كيف تستقيم يا شيخ محمد الضَّمائر عندما تقول(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) ؟
                        د. الخضيري: أنا أقول والله أعلم ، أنّ المعنى في الآية يحتمل هذا ويحتمل هذا ولذلك إذا أكملت الآية استقامت ايضاً .
                        د. الشِّهري: يعني لاحظ الآن (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) والابن هذا الذِّي ورِث ما أعطاها شيء زوجة الأب، الذِّي أعطاها هو أبوه، مثلاً تُريد أنّها تُطَّلق منه مثلاً، فيقول لا أطلِّقك حتى تَرُّدِّي مالي هذا عضل، أليس هذا نوع من العضل ؟
                        د. الخضيري: لا، هذا خُلع شرعي.
                        د. الشِّهري: الخُلع هذا إذا تم، دعونا نكمل الآية قال (إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)
                        د. الخضيري: في قوله (وَعَاشِرُوهُنَّ) فهذا في الزّوجة ولا إشكال فيه، ولكن في قوله (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ) أنَّها نزلت في هؤلاء الذين يَعضِلون نساء آباءهم أو من ورثوه من النِّساء من النّكاح حتى يدفعن لهم كذا وكذا، يطلب منها شيئا.
                        د. الشِّهري: طبعا هذا واضح فيها العضل الحبس .
                        د. الطيّار: يعني منع الحق أيّ ولا تعضِلُوا زوجاتكم أي لا تمنعوهُنّ حقّاً لهنَّ، يعني حقّاً من حُقوقهنَّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن فأنت تمنع شيئاً من حقوقها من أجل أن تسترد. فيُخالِف ما ورد في الآية الأولى.
                        د. الشِّهري: طبعاً هنا في التَّفسير هم يؤيدون هذا المعنى يَفصُلون بين الضَّمائر، يجعلون أوّل الآية في زوجات الآباء ويجعلون بقيتها في النِّساء في الزّوجات.
                        د. الطيَّار: وهذا أقرب من جهة المعاني، لأنّه قال (آتَيْتُمُوهُنَّ) ( وَعَاشِرُوهُنَّ) (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ) لأنّه هذا لا يقع على زوجة الأب وإنّما يقع على الزَّوجة.
                        د . الخضيري: اسمع يا أبا عبدالله ، يا أبا عبدالملك، يقول: وقال زيد ابن أسلم في الآية : كان أهل يثرب إذا مات الرَّجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله، وكان يعضلها حتى يرِثها أو يُزّوجها من أراد، وكان أهل تِهامة يُسيء الرَّجل صحبة المرأة حتى يُطَّلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تَفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، كأنّ زيد جمع المعنيين، وأمّا ابن عبّاس يقول: كان الرَّجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من النّاس، فإن كانت جميلة تزّوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها فصار هذا عضلاً.
                        د. الطيار: لكن (بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) هذا سيكون ليس هناك إيتاء.
                        د. الشِّهري: الوقت أدركنا الحقيقة في هذا المجلس، لعلَّنا نستكمل هذه المعاني، وهذه النُّقطة بالذّات في اللِّقاء القادم بإذن الله تعالى، أيُّها الإخوة المشاهدون الكرام انتهى وقت هذا اللِّقاء، لعلنا نلقاكم في اللقاء القادم وأنتم على خير، نستودعكم الله، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

                        بُثّت الحلقة بتاريخ 10 رمضان 1431 هـ
                        سمر الأرناؤوط
                        المشرفة على موقع إسلاميات
                        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                        تعليق


                        • #12
                          الحلقة الحادية عشرة:
                          د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أحبائي الكرام ما زلنا نتحدث في سورة النساء ونسأل الله بمنّه وكرمه، وأن ينفعنا بهذه السورة العظيمة وصلنا فيما وصلنا إليه من هذه السورة إلى قول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) النساء)، قبل أن ندخل في معاني هذه الآية والآيات التي تليها، نحب أن ننصت لسماع تلاوتها خاشعين، نسأل الله أن ينفعنا بكتابه العظيم .
                          تلاوة الآيات 19 20 من سورة النساء:
                          (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًاوَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20)).
                          وبعد أن استمعنا إلى تلاوة هذه الآيات الكريمة نحاول أن نقف وقفات يمكن أن تكون عاجلة مع معاني هذه الآيات العظيمة، ومعي فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن الشهري والدكتور مساعد الطيار.
                          يقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا) بيّنا فيما سبق أن معنى الآية: لا يحل لكم أن تفعلوا ما يفعله أهل الجاهلية من كونهم إذا مات الميت جاء ورثته فورثوا امرأته، يعني ورثوا التصرف فيها، وليس المقصود استرقّوها ولكنه شيء أصبح مثل الميراث، ورثوا التصرف فيها وتحكموا بها فلا يحق لها أن تتصرف في نفسها بعد أن يملكوا هم أمرها كما يملكون سائر متاعه وميراثه، فالله نهى عن ذلك وبيّن أن المرأة هي أملك بنفسها وأنه لا يمكن لأحد أن ينال منها شيئًا إلا برضاها. ثم إنتقلنا وتوقفنا عند قول الله (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) وحصل بيننا شيء من تداول الرأي حول معنى الآية هل هي مرتبطة بالمعنى الأول أم هو معنى جديد يتصل بالأزواج مع زوجاتهم؟ ولكن زيد بن أسلم كما قرأنا في تفسير ابن كثير بيّن بيّن أنها تصلح لهذا ولهذا، بمعنى أنه لا يحل لكم أيها الناس أن تمنعوا هؤلاء النساء اللواتي مات أزواجهن من أن يتزوجن لرغبتكم في أن ترثوهن، فينتظر بها حتى تموت ثم يرثها، فهذا منعٌ لها من حقها في الزواج. والثاني هو في معنى جديد يتصل بالمرء مع زوجته وهو أن يمنعها حقها الشرعي حتى يضارّها لتفتدي منه (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) وأحد الشيخين أشار إلى أن هذا مناسب لما يلي من الآيات لقوله (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) مع العلم أن الذي يتأمل بشكل دقيق يعلم أن الآية يمكن أن تحتمل هذا المعنى وتحتمل هذا المعنى ولا تضاد ولا تعارض بينهما .
                          د. الشهري: هناك معنى أريد أن أنبه إليه في هذه الآية العظيمة وهو بِدء هذه الآية بالنداء بوصف الإيمان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) وفي سورة النساء بدأ النداء بصفة الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ) وكنا ذكرنا أن العلماء يذكرون أنه من ضوابط المكي والمدني أن تكون السورة مما ورد فيها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ولم يرد فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) فإنها تكون مكية، هذه السورة مدنية ورد في أولها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) وهذا ضابط من ضوابط المكي، لكن ورد فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) فخرجت من كونها مكية وتأكد أنها من السور المدنية، هذه مسألة.
                          د. الخضيري: معذرة أبا عبد الله قد يُعترض على هذا بسورة الحج فإنه وقع فيها خلاف مع أنه جاء في مقدمتها (يَاأَيُّهَا النَّاسُ) وجاء فيها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ (77)الحج).
                          د. الشهري: فيها سجدة، وهذه نادرة، سورة الحج هي التي خرجت عن هذا الضابط .
                          نأتي إلى مسألة أخرى، لماذا يا ترى جاء النداء هنا بوصف الإيمان في حين أنه في الآيات التي تقدمت جاء البدء بالوصية (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ)؟ ثم جاء هنا فنادى بوصف الإيمان (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًاوَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ
                          د. الخضيري: في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا) هل هذا الوصف كاشف أي بمعنى أنه لبيان الواقع؟
                          د. الشهري: ليس شرطاً لأن مفهوم المخالفة غير مقصود.
                          د. الخضيري: و لذلك هذه الآية تدخل في مثل قول الله (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (33) النور) فلا يعني ذلك أنهن إن لم يردن التحصن فأكرهوهن، إذ خرج ذلك لبيان الواقع.
                          د.الطيار: قيد لبيان الواقع.
                          د. الشهري: معنى الآية هنا أنه أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء، لا يجوز للرجل أن يجعل زوجة أبيه كسائر المتاع يرثها، وجاءت (كَرْهًا) للإشارة إلى أنه لا يحدث هذا إلا على وجه الكراهية .
                          د. الخضيري: (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) لعلنا فقط نذكر هنا تفصيلًا في هذا المعنى إذا كان في حق الزوج فإن بعض الأزواج إذا لم يرضَ المرأة لكونه ما أعجبته في جمالها أو في حالها لشيء من هذه الأشياء ليس لسوء العشرة، يحاول أن يمنع المرأة كثير من حقوقها مثل حقها في العِشرة حقها في النفقة ونحو ذلك أو حسن الخلق والمعاشرة ليضطرها من أجل أن ترد له المهر الذي دفعه لها وهذا في قمة الدناءة و الظلم لهذه المرأة المسكينة، فأنت الآن قد عاشرتها وأخذت مقابل المهر الذي دفعته لها، إستحللت بُضعها وفرجها فكأنك أخذت ما يقابل ما دفعت من مال، فبأي حق يحق لك أن تعضل هذه المرأة وتكرهها على أن تفتدي منك فترد لك المال الذي دفعته؟! هذا لا يليق بمروءة الرجل ولا يليق أصلاً بالمسلم والمؤمن ولذلك جاءت مضمومة إلى مسألة نودي فيها المؤمن بوصف الإيمان.
                          د. الشهري: كأن هذه الأوصاف لا تليق بمن اتصف بصفة الإيمان .
                          د. الخضيري: (وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) استنبط منها بعض العلماء إنه ينبغي أن يكون الخلع الذي يكون بين الرجل و المرأة أنه لا يكون بكامل ما أعطاه الرجل للمرأة، بل ينبغي أن ينقص وهذا معنى جميل الحقيقة، لأنك أنت قد أخذت من المرأة شيئاً فلا ينبغي بأن تعود بكامل ما أعطيتها من مهر وإنما قال (بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ). في قوله (إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) الفاحشة المبينة ما هي؟
                          د.الطيار: قالوا إنها الزنا وبعضهم قال الفاحشة المبيّنة التي هي سوء الخلق، وهذا لا شك أعم سوء الخلق.
                          د. الخضيري: كأني رأيت الطبري يميل إلى هذا.
                          د.الطيار: وهذا الحقيقة أقرب لأن وقوع الفاحشة المبيّنة من المرأة في الزنا في مواطن ليس دائماً، لكن سوء الخلق قد يكون سبباً في هذا.
                          د. الخضيري: طبعاً لا يُقصد بسوء الخلق شيء خارج عن المألوف، كونها تتمنع منه، كونها لا تحسن إلى أهله، كونها تستطيل بلسانها، كونها لا تؤدي حقه على وجه التحبب وإنما بكثير من ما يسمى"النرفزة" هذا يدخل في هذا، ويحق له بهذا أن يلجئها إلى أن تفتدي نفسها لأنه مسكين كأنه خُدِع فهو يريد إمرأة يسكن إليها ويطمئن إليها وفي النهاية وجد إمرأة ما تعطيه شيئًا من هذه الأشياء إلا بإكراه وعدم طواعية وهذا لا شك يؤلم نفس الزوج وخصوصاً في أمر العشرة الزوجية فكلما أرادها وإذا بها تتمنع وتتأذى منه وتتأفف ولا شك أن الزوج يأنف من هذا كثيراً .
                          د.الطيار: قال (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) طبعاً يُلاحظ في القرآن الوصية بالمعاشرة بالمعروف بين الأزواج في كثير من المواطن، وكثير من الناس يغفل عن هذا المعنى وهو معنى المعاشرة بالمعروف، كيف تكون المعاشرة بالمعروف؟ عندما تتأمل سبحان الله، فإن المرأة تخرج من بيت أبيها بطباعها وأخلاقها إلى رجل أيضاً خرج من بيت أبيه بطبعه وأخلاقه، فلا يمكن أن تتلاقى هذه الطبائع والأخلاق تلاقياً تاماً، فسيكون هناك نوع من المنافرة والإختلاف، فهنا يأتي دور المعروف ومحاولة أن كل واحد من الطرفين يتنازل عن بعض الأمور لكي تسير الحياة وإلا لا يمكن أن يوجد مطابقة مهما وقع، لا يوجد مطابقة بين اثنين، فالوصول إلى درجة تعتبر مثالية وكمال مطلق هذا لا يمكن أن يوجد، ولهذا يجب أن يتنبه المسلم دائماً لقوله (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وهو يتعامل مع أهله في كل شيء وخصوصاً في الأقوال، قد تسمع مثلاً من ضرب الزوجات وشتم الزوجات وإهانة الزوجات وعدم تلبية الطلبات المقدور عليها للزوجات، كل هذا مخالِف للمعاشرة بالمعروف وأنت لا ترضى أن يقع هذا لإبنتك فكيف رضيته لابنة الناس؟! ولهذا أنت إصنع مع زوجتك ما تحب أن يصنعه الناس مع ابنتك، وهذا لا شك أنا أقول إنه الشعار الذي يجب أن يكون مرفوعاً في البيوت: المعاشرة بالمعروف والتغافل، إذا وقع التغافل بين الزوجين تسير الحياة.
                          د. الخضيري: التغافل ما هو؟
                          د.الطيار: فالتغافل هو بالعبارة العامية أن الواحد ما يدقّق، يتغاضى، فمثلا قد يأتي الزوج مرة متعصباً ويتكلم بكلام كذا، فالمرأة إن ردت عليه صارت المشكلة واشتعلت النار، لمَ لا تتحمل هذا إلى أن يهدأ طبعه وتسير الحياة، والمرأة كذلك قد يقع منها شيء من هذا فالزوج لا يجب أن يقعد عند كل قضية يفتح لها ملف أنت قلت كذا فلماذا قلت كذا.
                          د. الخضيري: بعضهم يحصي ذلك إحصاءاً في ورقة أو في كمبيوتر، في اليوم الفلاني حصل كذا وتركتك وفي اليوم الفلاني قلتِ كذا وفي اليوم الفلاني طلبتِ كذا وفي اليوم الفلاني فعلتِ كذا وتكلمتِ كذا، وهذا لا شك أنه من أسوء ما يكون، ليس من العِشرة بالمعروف وفيه ضرر على الزوج و على إمرأته، طبعاً المرأة حصل منها هذا لكن حتى الزوج لما يحصي هذه الأمور سيضر حتى بنفسيته ويصبح دائماً يقع على هذه الأمور.
                          د.الطيار: ويبحث عن الأخطاء .
                          د. الخضيري: وقولك التغافل فيه كلمة للإمام أحمد لما قيل له يقولون إن تسعة أعشار الخلق في التغافل قال بل الخلق كله في التغافل، هذه الكلمة رائعة جداً ننبه إخواننا إلى أن الإنسان حتى في صحبته مع إخوانه ما يمسك كل كلمة ويحللها ماذا قصد بها فلان؟ ولماذا قالها في هذا الموقع؟ ولماذا يهينني بها؟ حساسية مفرطة.
                          د.الطيار: هذه مزعجة جداً ولا تريح في الصُحبة.
                          د. الخضيري: وإن كان إنسان مبتلى بشيء من ذلك فما ينجيه في نظري إلا الدعاء أي ادعو الله أن ينجيك من هذا البلاء فإنه إذا وقع في إنسان أضر به اضرارًا بالغاً فلا ينسجم مع إنسان ولا يمكن أن يصاحب أحداً ولا يمكن لأحد أن يألفه، والمؤمن كريم يألف ويُؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف .
                          د. الطيار: لما قال (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ) هذه تعطينا واقعية الحياة الزوجية، فالزواج الأصل أنه مبني على المحبة والمودة (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (21) الروم) لكن قد يأتي بين شخصين أو قد يفقد شخص منهما هذا الأمر فيقع فيه كره لأي سبب من الأسباب، ويزداد هذا الكره، هذا الكره يجب أيضًا أن يكون مضبوطاً بالمعاشرة بالمعروف، لأنه من المعاشرة بالمعروف أن هذا الكره لا يوصلك إلى أن تسيء للمرأة أو أن تسيء المرأة للزوج.
                          د. الخضيري: أو ألا تؤدي إليه حقوقه.
                          د.الطيار: أي أن الحقوق الآن معتبرة ولكن كيف تتعامل ولهذا نبّه فقال (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) كأنه يقول تمهّل، هذا الكره الذي تجده الآن لا تستعجل في إتخاذ قرار بسبب هذا الكره لأنه قد يكون هناك مآلات أنت لم تنتبه لها، حتى يتحقق عندك تماماً أنك لا تستطيع أنه أُغلِقت جميع الأبواب فإذا أُغلِقت جميع الأبواب فهناك الطرق الأخرى.
                          د. الخضيري: مخارج.
                          د.الطيار: نعم، مخارج. لكن في الحقيقة عندما تتأمل أنه سبحان الله كيف أن الله يربي هذه الأسرة المسلمة كيف تتعامل مع هذه الأحداث. و أنا الحقيقة أتعجب من أننا بالفعل نجهل هذه القضايا ونحتاج إلى أن نتعلم هذه القضايا في المجتمع الأسري فلما تسمع بعض المشكلات الأسرية تلاحظ أنها جاءت من مثل هذه الأمور. أنا أذكر كاتبة نصرانية أسلمت سمّت نفسها نعيمة روبرت كتبت كتاباً إسمه "نساء يعتنقن الإسلام"، ذكرت هذه المشاكل الزوجية ولكنها كانت تنطلق من القرآن، وكانت تناقش القضايا بواقعية، أنه كيف تتعامل مع هذه القضايا مثل ما أرشدها القرآن، فسبحان الله تحس بأن هؤلاء الذين أسلموا من جديد وأرادوا أن يطبقوا الإسلام كما ورد بالقرآن والسنة فسبحان الله كيف يفهمون هذه الأمور بيسر وسهولة وليس عندهم فيها مشكلة. كيف يكون الطلاق بين المسلمين الجدد؟ كيف يكون الزواج بين المسلمين الجدد؟ كيف تتعامل المرأة الجديدة مع زوجها؟ لأنهم كلهم الآن في دائرة الإسلام جدد يحاولون ويبحثون عن ماذا يريد الله؟ ماذا يريد الرسول فيطبقونه، ستجد أنها كتبت كتابة واقعية كيف تعيش الأسرة المسلمة، وسبحان الله وأنا أقرأ هذا الكتاب وأتأمل وهي تذكرها أنهم لم يستطيعوا أن يحلوها وأنا أتعجب الحقيقة وأنا أقرأ هذا الكتاب كيف سبحان الله أن هؤلاء يحرصون على تطبيق هذه الشعائر حتى في التعاملات العادية، ونحن نغفل عنها وهي بين أيدينا؟! ولذلك أنا أدعو إلى أن هذه الأمور تقام لها دورات ودورات تسهل للأزواج - وخاصة إلى حديثي الزواج أو غيرهم أن تنزل إليهم برامج إذاعية وبرامج تليفزيونية أو كتابات أو مقالات في الصحف مرة بعد مرة، وتكون متجددة فتحل مشكلات كثيرة، نحن نشهد هذا كثيراً كم من فائدة استفدتها من كلمة عابرة من رجل أو من كلمة قرأتها في صحيفة أو من مشهد شاهدته في تلفاز أو غيره فهي تؤثر في حياتك تأثيراً إيجابياً. ولهذا نقول أنه يجب علينا أن ننتبه إلى هذا، ولكن لا نقول للإنسان أنه يلزمك، ولكن نقول تأمل أنه هناك شيء من القدر مآلاته ليست كما تظن.
                          د. الخضيري: والأمثلة على ذلك كثير خصوصاً إذا اتقى الله في أن يصبر وأن لا يتعدى حدود الله ولا يظلم الآخرين فيجد في ذلك الخير.
                          د. الشهري: الحقيقة هذه الآية فيها من تربية الأخلاقيات في الأسرة المسلمة الشيء الكثير، استوقفتني بعض المعاني فيها، في قوله هنا (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وأن الأصل في الحياة الزوجية هو المعاشرة بالأخلاق العالية المعروفة بين الناس بحسنها وجمالها بالتعامل بين الناس وأنه إذا كان المطلوب من المسلم أنه يتعامل مع المسلمين وغير المسلمين بحسن الخلق فهو مع زوجته مطالب بشكل أكبر أليس كذلك؟ (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، أيضاً من الفوائد التي تظهر لي في هذه الآية قوله (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) كيف أن الله طلب من النفوس الصبر والاحتمال في أمر مستمر، فالآن نحن نقول إذا كان الله طلب من الزوج مع زوجته أو من الزوجة مع زوجها أنه إذا كان أحدهما يكره الآخر لسبب دنيوي، طبعاً إذا كانت الزوجة مثلًا لا تصلي أو مضيّعة لدينها فهذا لا يستحب للزوج بأن يصبر عليها أليس كذلك؟ ولكن المقصود هنا (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ) لسبب من أسباب الدنيا لخُلُق تكرهونه مثلاً كالشح مثلاً أو خِلقة مثلاً أو بذاءة لسان أو شيء من هذا القبيل (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) فسبحان الله! الله يوجه الزوج والزوجة مع أن حياتهم مستمرة أنت لا تدري متى تنتهي حياتك الزوجية معها قد تستمر 20 سنة أو 30 أو 40 سنة مرتبطة بالموت أليس كذلك؟ ويطلب منك الصبر ويقول اصبر فعسى أن تكره شيئاً فيجعل الله فيه خيراً كثيراً. فكيف تقول في صحبة المسلم لأخيه المسلم؟! أو المسلمة لأختها المسلمة وهي لا تعيش معها طول الوقت كما يصنع الزوج مع زوجته؟! لا شك أن الصبر مطلوب معهم من باب أولى أليس كذلك؟ لأن العيشة ليست دائمة فأنت ترى الآن بعض الزملاء يضيق بزميله لأخلاق بسيطة ليست كبيرة ويضيق به ويأنف منه ويتبرم ولا يصبر بل يهجره وقد نُهيَّ المسلم أن يهجر أخاه المسلم فوق ثلاث، وذكر المفسرون أوجهًا من أوجه الخير التي ذكرها الله هنا عندما قال (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) مثل ماذا؟ قالوا مثل أن يصلحها الله فتنقلب فإذا هي خير مما كانت عليه، أو أن يرزقك الله منها بذريّة صالحة وهذا يحصل كثيراً فعلاً.
                          د.الخضيري: حتى قالوا في أمثال العرب (كل فروط منجبة) الفروط طبعاً هي المبغضة للزوج التي لا تتحبب إليه بخلاف العروب فسبحان الله! منجِبة تنجب الأولاد الذين يكونون هم أنجب ما يكون من الأولاد وهذا لا شك أنه خير لهذا الرجل خصوصاً إذا ما صبر واتقى الله . وتصديقاً لكلامك أبا عبد الله منذ قليل في كلامك أنه يصبر الإنسان في مثل هذه المواقف فعسى الله أن يجعل فيها خيراً فيصلح الله له هذه الزوجة، في هذه الأيام بلغتني قصة عن رجل من الصالحين كانت له زوجة سليطة اللسان وكان الناس يعجبون من صبره عليها وكونه يتجلد في تحملها فكانت حتى تدير البيت وتأمر وتنهى ولا يستطيع أحد في البيت أن يخالف رأيها وكان هو صابرًا على هذا الأمر، العجيب أنه لما أصابه شيء من الفالج في كبر سنه نفر منه كل أحد إلا هي، ذلّلها الله له وسخرها له فما بقي من يخدمه حتى أنها كانت تأخذ الأذى من تحته إلا هي، وهذا سبحان الله مثل ما ذكرت مثل ما يصلحها الله هي في نفسها.
                          د. الشهري: لاحظوا أيضاً يا أخوان مصداقًا لما ذكرتم أن الله لم يوجه من يكره زوجته لسبب من الأسباب الدنيوية التي يمكن أن يصبر عليها لم يوجهه للطلاق ولم يوجهه إلى الزواج من الزوجة الثانية كما وجهه في الآية الأولى في قصة اليتامى عندما قال (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) هنا لم يقل فإن كرهتموهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، مع أن هذا مظنة التوسيع أي أنك إذا كنت قد كرهت من زوجتك خلقاً فليكن لك فرصة تزوج ثانية وثالثة ورابعة واترك هذه الزوجة التي تكره منها هذه الأخلاق، وإنما وجّهك إلى الصبر وكأنه يقول فإن كرهتموهن فأصبروا عليهن (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)
                          د. الخضيري: عسى هنا بالمناسبة يا دكتور مساعد يقولون دائماً أن عسى من الله واجبة، فهنا ما دلالة عسى؟
                          د. الطيار: هنا الأغلب في عسى من الله أنها واجبة، إذن هذا وعد كأنه وعد أنها وعد من الله من تأول هذه الآية مع زوجته أو تأولت الزوجة مع زوجها فلا شك أنه سيأتيها بالخير الكثير، يوصف بأنه خيراً كثيراً وليس فقط خيراً مطلقاً مما يدل على أن من آثار الصبر على هذه الأمور هذا الخير الكثير فسبحان الله وهذا لا شك أنه نوع من أنواع الوعد ووعد الله لا يتخلف، وفي مقابل الإنسان تطبيق المسلم له لأنه لم يأت بالأمر على الوجه الذي شرعه الله .
                          د. الخضيري: في قوله (خيراً) يا دكتور عبد الرحمن أترى أنها نكرة أصلاً؟ هي في النكرة تدل على التعظيم فكيف إذا وصفت بأنها خيراً كثيراً؟!
                          د. الشهري: لا إله إلا الله، الحقيقة سبحان الله العظيم أن هذه الآية فيها فتح لباب الصبر للمسلم ولكن من يوفق للصبر إلا من وفقه الله؟! لذلك ما أعطي عبد عطاء أوسع خيراً من الصبر لأن كثيرًا من الناس يتذمر ويتخذ قرارًا مستعجلًا في هذه القضايا، يكره من زوجته خُلُقاً قد يكون مثلاً تافهاً لذلك أنت تلاحظ وأنا ألاحظ الآن في كثير من الاستشارات الزوجية التي نقرأها في المجلات أو نسمعها في البرامج أنها مسائل تافهة وتؤدي هذه المسائل التافهة إما اختلاف على لون كنب مثلاً أو اختلاف على شيء من المال أو اختلاف على راتب الزوجة أوعلى جزء من راتب الزوجة أو ملابس الزوجة أو السكن أو حفلة مثلاً يحلف الزوج أن الزوجة لا تحضر هذه الحفلة وهي تقسم أن تحضرها فتؤدي مثل هذه الأسباب التافهة إلى الطلاق. وهنا الله يفتح باب الصبر للزوجين وهذا فيه الحقيقة إشارة إلى أن الزوج ينبغي أن يتحلى بالصبر أليس كذلك؟ وأن يتحلى بسعة الصدر والاحتمال وهذا من معاني القوامة ومن معاني جعل العصمة في يد الزوج أن يكون صبوراً. الأمر الثاني الذي أعجبني حقيقة في قولكم (وعاشروهن بالمعروف) وأن الكثير من المعاشرة بالمعروف تتجلى في التغافل واحتمال الأذى وكأنك لم تسمع وتذكرت بعض الأبيات الشعرية مثل قول بشار بن برد في قصيدة مشهورة فيها معاني رائعة جداً لكن يقول من ضمن أبياتها
                          إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمِئتَ و أيُّ الناس تصفو مشاربهم
                          فأنت لا تتوقع أن حياتك مع زوجتك ستكون كلها عسل كما يقولون ويصورون بعض الناس وللأسف أنه الآن في أفلام ومسلسلات وروايات يصورون الحياة الزوجية على أنها حياة رومانسية مليئة بالغرام و ليس فيها ما يعكر فلما تأتي البنات إلى الحياة الزوجية والحياة البشرية مليئة بالمرض ومليئة بالظروف ومليئة بالكدر، انظر إلى حياة الرسول .
                          د. الخضيري: لذلك الآن مثلاً دعونا نتكلم عن المسلسلات التركية التي صار فيها اعطاء صورة غير حقيقية للحياة الزوجية وخدع بها أناس بل حصلت حوادث طلاق بين أزواج وزوجات لهم سنين متزوجين يعني الزوجة تذمرت من واقعها لما رأت هذا المسلسل، ظنت أن هذا المسلسل هو الذي يصور الحياة الحقيقية هذا غير صحيح! هذا كله مفتعل! والله لو تزوج هذا الرجل الموجود في المسلسل على تلك المرأة زواجاً حقيقياً لبان منه ومنها الشيء الكثير. حتى قال لي مرة أذكر الشيخ جعفر شيخ إدريس كلمة عجيبة قال انظر إلى تعامل الأخت مع أخيها خصوصاً إذا تزوج كل واحد منهم وصار له بيت من أحسن ما يكون من العشرة أو المعاملة ما بين الأخت وأخيها هي تحترمه وتكرمه وإذا جاء إليها جعلته بين عينيها، يقول لو أحلّ الله لنا أن نتزوج أخواتنا لرأينا منهن ما نرى من سائر النساء!. في قوله (وعاشروهن بالمعروف) أنا الحقيقة يا أبو عبد الله لاحظ الجانب الأخلاقي في قوله (وعاشروهن بالمعروف) يجب أيضاً أن نلاحظ جانبًا آخر الآية تحتمله أيضاً وهو الجانب الفقهي (عاشروهن بالمعروف) أي إعطوهن من الحقوق ما تعارف الناس عليه فما تأتي وتقول أن النبي كان يصرف على عائشة درهماً في اليوم وأنا سأصرف عليك ولست بخير من عائشة سأصرف عليك كما صرف النبي على عائشة! كان النبي يمر به الشهر والشهرين والثلاثة لا يوقد في بيته نار وأنت ما شاء الله كل أسبوع توقدين النار. كل يوم، لا، لا كل أسبوع على أساس أنه مقتِّر عليها، يعني أنا أعطيك أكثر مما أعطي النبي صلى الله عليه و سلم عائشة (وعاشروهن بالمعروف) أي بما عرف من حالك وحالها وحال الناس التي تعيش فيه ، و أيضاً أنت أيتها المرأة ( عاشري زوجك بالمعروف) أي تقدمي لزوجك ما تقدمه النساء لأزواجهم يعني لو جائت المرأة وقالت ما عندي استعداد أخدم. وكلمة (وعاشروهن بالمعروف) جاءت على وجه المفاعلة فيها نوع من التبادل بين الرجل وإمرأته .
                          في قوله (وإن كرهتموهن) الحقيقة في ملحوظة أنه يمكن للمؤمن أن يكره مؤمناً أو لا؟! وهذه الكراهة طبعاً إن كانت كراهة شرعية مثل ما أسلف الدكتور عبد الرحمن ينبغي أن تزال أسبابها بالنصيحة والأسباب التي ذكر الله في كيف تزال هذه الكراهة الشرعية. وإن كانت كراهة طبيعية بمعنى أنه سبحان الله وجد في قلبه إنفاً لها ووجد في قلبه شيئاً من هذه الكراهة لها فعليه أن يسعى لإزالة الأسباب قدر ما يستطيع ثم لا يكلفه الله شيئًا فوق ذلك لأنه يمكن أن يقع ذلك ولا يؤثر في أصل إيمانه لأنه من المعلوم أن المؤمن مطلوب منه الحب في الله
                          د. الشهري: خاصة بين الرجل وامرأته لابد أن يكون هذا متوفر صحيح . مما يشير أيضاً أن الآية تدل على أن الحياة الزوجية الأصل فيها المحبة والحب أليس كذلك !! بلى وأن خلاف الأصل هو (إن كرهتموهن) أن يطرأ كره لخلق من أخلاق الزوجة يستدعي الصبر ويستدعي البذل ويستدعي النصيحة وربما يؤدي إلى الطلاق ولا شك أن من المعاشرة بالمعروف إذا لم يكن هناك قدرة على الاستمرار في الحياة الزوجية أن يكون هناك فراق بالمعروف وبالتي أحسن أليس كذلك؟ .
                          د. الخضيري: قال تعالى (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) قوله (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ) الآيه طبعاً مفهومها العام
                          د. الطيار: لما ذكر الكراهة في الآية السابقة قد يكون بعض الأزواج ليس عنده من الصبر والتحمل ما يبقي زوجته معه فيريد أن يطلقها ويتزوج بأخرى. فإن كان قد أراد زوجة أخرى وكان قد أعطى الأولى قنطارًا والقنطار طبعاً مال ضخم المقصود به مال كثير ولنفترض مثلاً أنه مليون على سبيل الافتراض إنه أعطى هذه الزوجة مهراً مليون على سبيل الافتراض فهو لما أراد يطلق استكثر هذا المال فأراد أن يأخذ منه
                          د. الشهري: وكأن هذا به ربط بالعضل الذي تحدثنا به قبل قليل !
                          د. الطيار: أي نعم .يضايقها حتي يسترجع مرتبطة بالآية السابقة. فلا يجوز له أن يأخذ من هذا المال ويسمي الله أخذه إن أخذ (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) والبهتان يجب أن نعرف إنه أشد من الكذب .
                          د. الخضيري: لكن في قوله (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ) يظهر مثل ما ذكرت يا أبا عبد الملك إنه هو طمح عن الأولى خلاص انتهى منها ويريد أن يطلقها ليأتي بأخرى مكانها، طبعاً هنا يحتاج إلى مهر للثانية ! فلاحظ! هنا إنه كيف يحصل على المهر؟ المتوقع إنه يحصل على المهر إنه يأخذ المهر من الأولى ويعطيه للثانية فالله يحذر في هذه اللحظة التي تريد أن تستبدل زوج مكان زوج أن تظلم من أعطيتها مهراً فتريد أن تأخذه .
                          (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) في قوله (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) تكلم الناس عن قضية تحديد المهور، هل هذه الآية تدل على جواز أن يغالي الناس في المهور!؟
                          د. الشهري: هذه وقعت لعمر ، أراد عمر بن الخطاب أن يحدد المهور إنه رأى الناس يغالون فيها وطبعاً المهور كانت في عهد النبي وفي عهد الصحابة الكرام ميسورة وأن أكثر النساء بركه أيسرهن مهراً وهذا هو السنة وأن المبالغة في المهور ليست من السنة في شيء، هذه واحدة . لكن إن حدث أن دفع رجلاً لزوجته مهراً غالياً حتى وإن كان مبالغاً فيه فليس في ذلك شيء ليس هذا محرّماً في ذاته. ثم تأتي هذه الآية فالله يعتبرها على افتراض، على افتراض أنك كنت أعطيت زوجتك التي كرهتَ البقاء معها أنك كنت قد أعطيتها مالاً كثيراً فإنه لا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، وأن المروءة تأبى، وأن الدين والشرع هنا يذم ذلك . قال (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا) والقنطار هنا كما تفضلت هو المال الكثير كما قال الله (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) ( آل عمران 14 ) يعني الأموال الكثيرة فلا تأخذوا منه شيئاً أدنى شيء يعني شيء نكرة في سياق النهي فلا تأخذوا منه شيئاً البتة. ثم يقول (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) هذا إستفهام إستنكاري إنه لا ينبغي للرجل المسلم المؤمن الذي جاء النداء له (يا أيها الذين آمنوا) في الآية السابقة أن يفعل مثل هذا الفعل المشين .
                          د. الخضيري: في قصة عمر حقيقة نريد أن نبحثها لكن إن شاء الله لعلنا نرجئ هذا البحث إلى الجلسة القادمة . فلما قال [ ألا لا تغالوا في مهور النساء ] فإن النبي ذكر شيئاً من ذلك والحديث طبعاً رواه أهل السنن لكن الزيادة عليه هي محل الإشكال لما قامت إمرأة وقالت له ماذا تقول في قول الله (وآتيتم إحداهن قنطارا) فسكت عمر ثم قال [ أخطأ عمر وأصابت إمرأة ] هذه الزيادة هي محل الإشكال لأن الذين رووه من أهل السنن رووهم دون هذه الزيادة. هي رويت عند بعض أهل السنن والمسانيد لكن ليست في السنن الأربعة الترمذي و غيرها. ومن هنا يقال أنه هل يحتج بهذا الحديث الذي فعله عمر رضي الله تعالى عنه على جواز تحديد المهور؟ الذي يظهر والله أعلم أنه يجوز لولي الأمر أن يحدد مهراً خصوصاً إذا رأى الناس قد بدأوا يبالغون فيشق عليهم ذلك، ولكن لو أن إنسانًا أعطى امرأة مالًا كثيرًا فإن ذلك الذي أعطاها إياه حل لها ويصبح مالاً لها لا يجوز للزوج أن يتراجع عن شيء منه أو يضطرها إلى أن ترد إليه شيئاً من هذا المال. انظر كلمة (شيئاً) قلنا إنها نكرة في سياق النهي لتدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ من ذلك المهر أي شيء .
                          على كل لعلنا إن شاء الله أن نعيد كل هذا البحث في حلقة قادمة. مشاهدي الكرام إلى هنا انتهى الوقت المقرر لهذه الحلقة ، أسأل الله أن يبارك لي ولكم في القرآن العظيم، وإلى لقاء آخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                          بُثّت الحلقة بتاريخ 11 رمضان 1431 هـ
                          سمر الأرناؤوط
                          المشرفة على موقع إسلاميات
                          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                          تعليق


                          • #13
                            الحلقة 12
                            تأملات في سورة النساء الآيات (20 23)
                            د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والآه
                            مشاهديَّ الكرام مازلنا نتحدث في آيات سورة النساء هذه الآيات العظيمة التي فيها من التوجيهات والآداب والإرشادات الكريمة التي لا تسلم و لا تسعد الحياة إلا بإتباعها والأخذ بها. والحقيقة في كل مرة نظن أننا نستطيع أن نتجاوز قدراً كبيراً من الآيات إلا إننا نجد أن المعاني تكثر والآداب والإستنباطات تتوفر ولا نريد أن نحرم أنفسنا ولا نحرم إخواننا المشاهدين. مشاهدي الكرام وصلنا إلى قول الله (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿٢٠﴾) سنتحدث عن هذه الآية وما يليها من الآيات لكن بعد أن نستمع لها وننصت لتلاوتها أسأل الله أن ينفعنا بها (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴿٢٠﴾ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴿٢١﴾ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴿٢٢﴾ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿٢٣﴾)
                            بعد أن استمعنا إلى هذه الآيات الكريمة وتأملناها نبحث الآن في بعض معانيها. وصلنا يا مشايخ إلى قول الله (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا) كنا توقفنا عند قضية المغالآة في المهور وكان من ضمن الحديث الذي تحدثنا به قصة عمر رضيَّ الله تعالى عنه عندما قال (ألا لا تغالوا في مهور النساء فلو كانت مكرمة لكان أحظي بها رسول الله وأزواجه، و لكن النبي ما زاد في مهره عن كذا وكذا) أو كما قال أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب. وهذه القصة ثابتة ورواها أهل السنن ولكن حصل الإشكال في الزيادة التي يتداولها كثير من المؤرخين و الكاتبين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضيَّ الله تعالى عنه. حيث يقولون أن إمرأة قامت فقالت كيف تقول في قول الله (وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا)؟ فقال عمر(أصابت إمرأة وأخطأ عمر) على أساس أنه تراجع عن هذا الأمر. حقيقة هذا الشيخ عبد الله بن زيد المحمود القاضي في قطر [ ] كتب رسالة في هذه القصة وبيَّن أن القصة صحيحة إلى نهاية كلام عمر دون إستدراك المرأة، وكان مما إستدل به طبعاً أن إسنادها فيه إنقطاع [إسناد الزيادة] والثاني أن أهل السنن رووا قصة أمير المؤمنين عمر دون أن يرووا هذا المشهد الذي يعتبر ناسخاً لكلام عمر، وعند التأمل في الآية لا نجد في الآية ما يدل على نقد كلام عمر فعمر يقول لا ينبغي لكم أيها الناس أن تغالوا في مهور نسائكم وهذا صحيح لأن النبي صلي الله عليه وسلم بيَّن كما ذكرتم يا دكتور عبد الرحمن أن خير النساء وأكثرهن بركة أيسرهن مؤونة وأن التقليل في المهر وعدم المبالغة فيه أمر مطلوب شرعاً وعمر أنما طلب بهذا الحد. ولذلك نحن نقول أن أمر الناس بهذا وحثهم عليه لا إشكال فيه والآية إنما جاءت على وجه أن الإنسان لو دفع لإمرأته وبالغ في الدفع فإن هذا جائز . هنا يأتي السؤال هل يجوز لإمام أن يقنن مهراً معيناً أو أن الناس أن يتفقوا على مهر معين إذا رأوا أن الأمور بدأت تصل إلى شيء لا يستطاع أو يشق على كثير من الناس ويضر بالحياة الإجتماعية فهي تبقي على نساء عوانس؟ أنا الحقيقة سمعت فيما سمعت في الجرائد وكذا تجد عدد من العشائر والقبائل يجتمعون و يتفقون على أن مهر البكر كذا ومهر الثيب كذا من أجل يسهلون على الناس أمر الزواج فنقول أن هذه الإتفاقات يجب أن تحظى بالتأييد والدعم والمساندة والحقيقة هي أنها في نهاية المطاف مصلحة للناس لأن الناس إذا تُركوا على سجيتهم وزين لهم الشيطان بعض هذه المغالآة على وجه المفاخرة التي لا معني لها إلا العلو بشئ ليس مجالًا للعلو ..
                            د. الطيار: صحيح .
                            د. الشهري: والحقيقة أن إرتفاع المهور يكاد يكون يمثل أكثر من 85% من مشكلات العنوسة و تأخر سن الزواج لأن الحياة الإقتصادية أصبحت الآن مكلفة جداً و أصبح الذي يستطيع أن يحصّل المهر ويقوم بأعباء الزواج قليل جداً حتى أنه أصبح الآن الموظف البسيط أو العادي لا يستطيع أن يدفع مثل هذه المهور الغالية فيتأخر سنة وسنتين وثلاث وأربعة وربما أكثر من ذلك حتى يستطيع أن يحصل على ما يستطيع به أن يتزوج. ولو كان الناس كما تفضلت رجعوا إلى السنة ويسّروا أمور الزواج والمهر لتزوج الفتيات وتزوج الشباب في سن مبكرة ولإنعكس هذا على المجتمع بصفة عامة في عفافه وفي أخلاقه وفي قوته وفي تماسكه كما كان الحال في عهد السلف الأول . وأنا أقول عندنا نحن هنا الآن في المناص هنا كثير من القبائل تصنع هذا فتتفق على أن يكون المهر لا يتجاوز مثلاً عشرة آلاف ريال
                            د. الخضيري: غير تكاليف الزواج
                            د. الشهري: عشرة آلاف ريال يدفعها الزوج ويدخل فيها ما يدخل فيها الزوج و تمشي الأمور بهذه الطريقة وتزوج البنات وأصبحت العنوسة في بعض القبائل غير موجودة بنسبة صفر ..
                            د. الخضيري: عجيب ..
                            د. الشهري: نعم ،و أصبح الشاب من هذه القبيلة يتزوج وهو في سن مبكرة ويبني بيته والحياة ماشية، وهذه هي السنة أصلاً لكن تجد المغالآة في المهور وقصص المغالآة في المهور سببًا من أسباب عزوف كثيراً من الشباب عن الزواج سواء في مجتمعنا هنا في العالم الإسلامي أو في غيره حتى!
                            د. الخضيري: خصوصاً مع وجود البطالة الآن وقلة الوظائف وأيضاً ضعف الشباب في العزيمة والإصرار على الكدح
                            د. الشهري: والحقيقة أن هذه من الأشياء التي لم يتنبه لها المصلحون في المجتمعات الإسلامية الآن يعني الآن هذه البطالة الموجودة وهذا الغلاء في المعيشة ألا يجب أن يتوافق معه تخفيف المهور ؟ بلى فلماذا نصر ونقول أن المهر مثلاً يبقي أربعين ألف سواء إرتفعت المعيشة أو لم ترتفع، هذا غير مقبول صحيح . صحيح أن ممكن أن أربعين ألف أو خمسين ألف أو ستين ألف تكون مناسبة في مرحلة معينة الآن أصبحت غير مناسبة لأن المبلغ هذا لا يستطيع أن يحصل الشاب للتو تخرج وتوظف .
                            د. الخضيري: استدراك الآن يا أبا عبد الله على موضوع أن تكون 85% .. أنا أقول ليس المهر هو محل الإشكال قد يكون في غالب الأحيان تكاليف الزواج ليلة العرس والأبهة التي تكون فيها أحياناً المهر الناس يتراضون على ألف ريال وعلى خمسة آلاف ريال وعشرة آلاف ريال لكن لما تأتي ليلة العرس وإذا به في قصر أو في فندق من أفخم الفنادق و يأتى بمطرب أو مطربة أو شيئ من هذا المنكرات بأربعين ألف يستلمها للذة ساعة أو ساعتين وليتها لذة ويسمونها إحياء! وفي النهاية على رأس هذا المسكين! . طيب أنا أقول المهر يحل لهذا لأنه يذهب ليد الزوجة يمكن أن تحفظه تستفيد منه تشتري به بعض حاجياتها يعني تنتفع منه بوجه من أوجه الإنتفاع المشكلة في نظري هذه التكاليف التي هي محل المباهاة الحقيقية كان الناس ولا زالوا جزء منهم يتباهون في كمية المهر فلانة أعطيت مائة وعشرين بينما فلانة لايمكن أن تعطي أربعين إذن فلازم ترفع إلى مائة وعشرين فهي ليست أقل منها والدها في المكانة الفلانية أهلها من الأسرة الفلانية! ونحن نقول لا إنتبهوا أيها الأخوة ليست القصة أيضاً هي قصة المهر. المهر ينبغي أن يراعى قدراً القدر اللطيف الخفيف على الزوج فيه وأيضاً تكاليف الزواج ولذلك في الحقيقة عنها أهنئ المؤسسات الخيرية التي قامت بما يسمي الزواج الجماعي وقبل أيام شهدنا زواجًا في جدة وآخر في المدينة فيه خمسمائة زوج على خمسمائة فتاة يعني ألف إنسان تزوجوا في ليلة واحدة بتكلفة واحدة يدفع كل شخص ما يقارب ألف ريال أو شيء من هذا القبيل و ينهي مراسم ليلة الزواج هذا لا شك أنه يوفر مبلغًا كبيرًا من المبالغ عليهم .
                            د. الطيار: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)
                            د. الخضيري: طبعاً قبلها ماذا قال؟ قال (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً) وهاتان دالتان على حرمة أخذ الزوج لشيء من المهر الذي تقدم به للزوجة وأن ذلك لا يحل له إلا أن ترضاه الزوجة .
                            د. الطيار: مثل قوله في آلهة الكفار وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ( سورة الأنعام 108 ) مع أن سب آلهة المشركين جائز لكنه نهي عنه هنا للمآل وهذا كله من باب الأدب مع الله و رعاية ما يخرج من الألفاظ المسيئة لله فنهاهم عن أن يفعلوا هذا. وهنا أيضاً وفي حق رسول الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ( سورة البقرة 104 ) وهنا عندنا أمثلة كثيرة جداً من القرآن في هذا الجانب وهو رعاية الأدب في الألفاظ
                            د. الخضيري: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ( سورة البقرة 187 )
                            د. الشهري: جميل جداً لاحظوا أن هذه الآيات تتلى و لله الحمد في المساجد وفي الجوامع وفي كل يقرؤها الرجال والنساء والصغار والكبار والبنات ولا تلاحظ فيها لا سوء عبارة ولا نبوء عبارة ولا تجد فيها حرجاً وأنت تدرسها وأنت تعلمها للناس وهذا من سمو العبارة وأدبها والكناية وهذا من الإسلوب الراقي جداً في أنك ممكن أن تدرس الآداب والتعاملات بين الزوج و الزوجة وبين الرجل والمرأة وأنت في نفس الوقت لا تجرح الحياء ولا تخدش الحياء وهذا رائع جداً. تعالَ وأنت تقرأ الآن في كتب أهل الكتاب المحرفة طبعاً تجد فيها من العبارات ومن القصص التي يندى لها الجبين! لذلك أذكر أحد القساوسة يقول (نبغي أن يحذف هذا الجزء جزء كبير من الكتاب المقدس لأن فيه ألفاظ صارخة تخدش الحياء وتسيئ إلى الأخلاق ) في حين أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره لا تجد فيه شيء من هذا مع أنه تعرض إلى مثل هذه القضايا مثل قوله (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) إشارة إلى ما يقع بين الزوج وزوجته ولاحظ أنه هنا إستنكر على من يأخذ من مال زوجته شيئاً حتى إذا طلقها لسببين: السبب الأول أنه قد أفضى بعضكم إلى بعض وحصل بينكم من المخالطة ومن المكاشفة ما لا يليق بك أن تطالب بعده بهذا المال . والأمر الثاني الإشارة إلى غلظ وإلى عظمة الرباط بين الزوج و الزوجة فقال (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) وهو ما وقع في عقد الزواج والنكاح من أنه قد رضيها زوجة له وهي قد قبلته زوجاً لها بحضور وليها وشهود الشاهدين وما في هذا العقد من الغِلَظ ومن التعظيم وما يترتب عليه من الحقوق بين الزوج وزوجته ما لا ينبغي معه أن يطالب بعده بشيء من المهر الذي دفعه لها وهذا غلظ ميثاق الزواج .
                            د. الخضيري: في غلظ ميثاق الزواج دعونا نتأمل كيف جاء غليظًا؟ لاحظ الآن المرأة لو كانت تملك عمارة بمائة مليون من حقها شرعاً أن تبيع هذه العمارة دون أن ترجع إلى أحد من أوليائها أليس كذلك؟
                            د. الشهري: بلى صحيح ،
                            د. الخضيري: ولكن لو أرادت أن تزوج نفسها ما حل لها ذلك إلا أن يشهد أن يكون ذلك بإذن وليها وشهود الشاهدين لماذا؟ كما ذكر الدكتور عبد الرحمن ماذا يترتب على هذا العقد ؟ الحياة حياة كاملة ترتب عليه أن هذا الزواج سيلحق به نسب ، ستكون به قرابة ، سيلحق به ميراث، سيكون به سمعة ، ستقوم به تواصل بين أسر ، ستقوم به حياتهما يعني المرأة الآن تتصرف بمئات الملايين لكن هذا الأمرما تتصرف به وحدها بل لابد لغلظ هذا الميثاق أن يدخل معها آخرون لأن العاقبة فيه واضحة في الدنيا قبل الآخرة ولذلك نحن نقول أيها الناس إتقوا الله في أمر هذا الميثاق، واليوم نحن نشاهد يا أبا عبد الله نشاهد تساهلاً كبيراً في أمر أن يتزوج إنسان إمرأة فيقول والله إني أتزوج وأرى ونيتي أني أطلق، يا أخي هذا ميثاق غليظ! وفيه معنى عظيم جداً هل ترضي هذا لإبنتك أن يأتي إنسان قد نوى أن يستمتع منها ليلة أو ليلتين أو إسبوعًا أو إسبوعين ولو كانت الصورة الظاهرة شرعية ولي وشهود وحفلة زواج وغير ذلك ثم في النهاية تذهب وتلقي كلمة الطلاق على المرأة من خلال رسالة جوال أو مكالمة هاتفية وتجعلها بعد هذا الميثاق الغليظ أسيرة الأحزان والطلاق والسمعة السيئة والكلام والقيل والقالة بين الناس. والله إني أظن والله أعلم أن أيَّ إنسان منا تدبر قوله (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) أن يحترم هذا الميثاق وأنه ما يدخل فيه إلا وهو صادق النية. د. الشهري: وهو خطاب للرجال
                            د. الخضيري: نعم خطاب للرجال صادق النية أن يحسن إلى هذه المرأة ، وأنه صادق في رغبته فيها ، وأنا هنا أحذر ويا ليتكم يا مشايخ تشاركوني في هذا الأمر الآن شاع بين الشباب وخصوصاً في الصيف يذهبون إلى بعض الدول الإسلامية المبتلية بالفقر بما آتاهم الله من الغنى ولما يتطلع فيه أولئك أن يعيشوا عيشة كريمة يرضون إرتباط بشباب يأتي الواحد وفي نيته أن يتزوج هذه الفتاة لمدة شهر أو إسبوع أو إسبوعين هذا عبث! .
                            د. الشهري: عبث صدقت وإن كانت صورته الظاهرة صورة مشروعة. لكن لاحظ الآن عندما يؤكد الله على هذه المعاني العميقة في العلاقة الزوجية بين الزوج وزوجته وهو الإشارة إلى قضية الميثاق الغليظ في قوله هنا (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ) لاحظ الآن عندما يستنكر على الزوج الذي يريد أن يأخذ من مال زوجته يستنكر عليه بهذه المعاني الأخلاقية معاني أخلاقية أليس كذلك؟! وكيف تأخذونه ولم يقل وهو حرام عليكم لا قال (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) يخاطب في الإنسان أخلاقه، ويخاطب فيه عاطفته ، ويخاطب فيه إيمانه مما يشير أيها الأخوة إلى أن المؤمن الحقيقي لا يتهاون في مثل هذه القضايا قضية الطلاق ، قضية إهانة المرأة ، قضية عضلها ظلمها خاصةً إذا كان ليس لها من يدافع عنها يتيمة مثلاً ليس لها من يدافع عنها من أب أو من أخ أومن قريب فيتفرد هذا الزوج الظالم بهذه المرأة المسكينة فيظلمها ويتعسف في التعامل معها .
                            د. الخضيري: العجيب يا أبا عبد الله في قضية التبشيع، طريقة التبشيع القرآنى تبشيع وتنفير النفس من فعل هذا الأمر يقول (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) يعني يذكر شيئاً يستبشع الإنسان بعد ما يسمعه أن يرجع فيما أعطاه المرأة حتى إن كان على وجه الهبة ليس من المهر ولا من تكاليف الزواج، يقول(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) يعني وصلت إلى شيء لم يصل إليه أحد غيرك حتى أبوها وأمها ما وصلوا إلي ذلك الشيء وهم أقرب الناس إليها أنت وصلت إليه بعد ذلك تذهب وترجع؟! مثل ما قال النبي صلي الله عليه وسلم (العائد في هبته كالكلب يقيئ ثم يعود في قيئه) يعني خلاص النفس ما عاد يمكن أن تعود، مثل ما قال الله وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ (سورة الحجرات 12) تبشيع تنفر بعده النفس نفوراً تاماً .
                            د. الطيار: قوله هنا (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) أيضاً هذا مرتبط بعادة جاهلية سبقت الإشارة إليها في الآية التي قبل هذه في قوله (لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا (19)) فقد ينكح الرجل زوجة أبيه في أنكحة الجاهلية يلاحظ هنا إنه قد يقع هذا دون أن يكون هناك نوع من الميراث قد يكون طلقها فهذه أعم من الآية الأولى بمعنى أنه قد تكون مطلقة فيتزوجها الإبن
                            د. الخضيري: أو يموت الأب عنها ثم يأتي الإبن فيتزوجها كما يتزوجها سائر الرجال
                            د. الطيار: نعم، بأي صورة من الصور أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج زوجة أبيه وهذا من إحترام الأب لأنه الآن حتى لما أنت تتخيل هذا الأمر تستكرهه
                            د. الشهري: هذا من المحرمات تحريم تأبيدي زوجة الأب إنها تحرم على الولد نعم تحريماً أبدياً .
                            د. الخضيري: تعالى ننظر إلى قضية التخلّص يا أبا عبد الملك كيف أنه جاء إلى هذا الحكم بعد ما ذكر المقدمة في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا) فأشار إلى عادة الجاهلية في إرث النساء بعد موت الآباء يرث الأبناء زوجات أبائهم ثم جاء هنا ليذكر مسألة أخرى وهي نكاح منكوحة الأب أو الزواج على منكوحة الأب وأن هذا أيضاً محرم فخرج من ذاك إلى هذا بهذه الصورة الجميلة.
                            د. الشهري: لكنه صرّح في هذه الآية بالزواج نفسه فقال (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) ما معنى إلا ما قد سلف يا شيخ؟
                            د. الخضيري: يعني إلا شيئاً قد مضى في الجاهلية
                            د. الشهري: وليس معناها إلا ما قد وقع منكم قبل هذا الحكم إفرض إنه قد تزوجها قبل هذه الآية فيبقي على زواجه منها؟
                            د. الخضيري: لا لا، بل يجب عليه أن ينزع وهذا لأن الله قال (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً) ومثل هذا لا يمكن أن يكون يجوز إستمراره، فاحشة منكرة عقلاً مستقبحة عقلاً وشرعاً. (ومقتاً) قالوا لأنه يورث البغضاء بين الأقارب لأنه من عادة الزوج الثاني أنه يبغض الزوج الأول بسبب أن الزوجة تذكره بما كان من زوجها الأول أو الغيرة التي تحدث بين الأزواج مع الزوجات. (وساء سبيلاً) أي ساء طريقاً من طرق الإتصال بين الرجال والنساء أو الوصول إلي ما أحل الله . فالحقيقة هذه الآية يا إخواني هي أول آية في ذكر المحرمات من النساء، وهي مذكورة طبعاً في الآية التي تأتي بإذن الله لكن أول واحدة (ولا تنكوا ما نكح أباؤكم). طبعاً آباؤكم يقصد بها كل أب لك وإن علا
                            د. الشهري: الأب وأب الأب
                            د. الخضيري: أبوك وأبو أبيك وأبو أبي أبيك وأبو أبي أمك وأبو أمك كل هؤلاء من دخل من هؤلاء من عقد من هؤلاء على إمرأة حرمت على كلٍ ابن له وإن نزل. فلننتبه لهذه الكلمة (أباؤكم) يعني أباؤكم وإن علوا وأبناؤكم وإن نزلوا. (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ) طبعاً كلمة (ولا تنكحوا) يقصد بها العقد
                            د. الشهري: ومن باب أولى ما بعده ..
                            د. الخضيري: نعم، قصدي يمكن بعض الناس يقول إذا عقد عليها ولكنه لم يدخل بها نقول خلاص حرمت تحريماً مؤبداً بالعقد
                            د. الطيار: نعم ..
                            د. الخضيري: والنكاح إذا أطلق في القرآن يا أبا عبد الملك يدل على ماذا؟
                            د. الطيار: على العقد
                            د. الخضيري: ولا يستثنى من هذا إلا قول الله فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ( سورة البقرة 230 ) تنكح هنا بمعنى الوطأ الجماع وإختلفوا في قول الله الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ( سورة النور 3 ) هل هو العقد أم الوطأ؟
                            د. الشهري: يأتي الآن تعديد المحرمات أي المحرمات الآتي يحرم نكاحهن (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ) الحقيقة هذه الآيات فعلاً فيها إشارة إلى
                            د. الخضيري: دعونا نعدها أولاً حتى يتابع معنا الإخوة: أولاً منكوحة العقد تقدمت، ثم هنا قال (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ)، هذه كم؟ عشر (وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ) إحدى عشر، (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) إثني عشر ، (وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ) ثلاثة عشر ، (وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) أربعة عشر ثم جاء بعده إلى قوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)
                            د. الشهري: هم خمسة عشر نوعًا حرم الله نكاحهن. هنا في قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ يدخل فيها الأم كما تفضلت الأم وإن علت يعني الأم و وأم الأم وأم أم الأم وهكذا
                            د. الخضيري: و أم الأب وأم أب الأب و أم أبي الأم كل من كانت أم لك وإن علت فهي محرمة عليك وبناتكم كذلك بنتك وبنت إبنك وبنت بنتك وبنت إبن إبنك و بنت إبن بنتك كل من كانت بنتًا لك خرجت منك فهي محرمة.
                            د. الشهري: وأخواتكم
                            د. الخضيري: كذلك. طبعًا هذا الترتيب مقصود أول شيء بدأ بمنكوحة الأب ثم بدأ بالأم لبشاعته وعظمه كيف تعود إلى أمك فتنكحها بعد أن خرجت منها؟! ثم البنات ثم الأخوات ثم العمات عمتك شقيقة الوالد
                            د. الشهري: أو أخته لأب أو أخته لأم ..
                            د. الخضيري: خالاتكم كذلك خالتك الشقيقة أو خالتك لأب أو خالتك لأم . بنات الأخ بنات الأخ الشقيق
                            د. الشهري: أو الأخ لأب أو الأخ لأم ..
                            د. الخضيري: البنات بناته وبنات إبنه وبنات بنته و بنات بنت بنته وبنات بنت إبنه
                            د. الطيار: كل من قالت له يا جد فهو داخل في ذلك
                            د. الخضيري: وبنات الأخت ، الأخت الشقيقة والأخت لأب و الأخت لأم والبنات مقصود بها أيضاً بناتها وبنات إلي آخره . وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم جاء الآن إلى سبب آخر من أسباب التحريم و هو الرضاع، الأول كان النسب والآن جاء إلى الرضاعة. أمك التي أرضعتك وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ
                            د. الشهري: لاحظ هنا أنه وصفعها بأنها أم ..
                            د. الخضيري: وذكر الرضاع والرضاع طبعاً لا يحل إلا ما كان في حولين وبلغ خمس رضعات وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ أيضاً نفس العملية وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ أم الزوجة، والزوجة المقصود بها من عقدت عليها أيَّ إمرأة عقدت عليها حرمت عليك أمهاتها من هم أمهاتها؟ أمها وأم أمها وأم أبيها وأم أم أمها وأم أبي أمها وإن علت كل هؤلاء يحرمن بالعقد . وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ الربيبة من هي يا دكتور عبد الرحمن؟
                            د. الشهري: هي بنت الزوجة من غير الزوج أن يتزوج الرجل إمرأة وعندها بنت من غيره فهذه البنت تحرم على الزوج لا يجوز له أن يتزوجها. لكن لاحظ أنها في الآية هنا فيها قيد غير مقصود وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم أولاً أن تكون تربت في حجرك في بيتك يعني فهل معنى هذه الآية أنه لا يجوز لك أن تتزوج بنت زوجتك التي تربت معك في البيت فيجوز لك أن تتزوج إبنتها التي تربت عند غيرك؟
                            د. الطيار: الجواب لا ..
                            د. الشهري: لا يحل لك أن تتزوج إبنه زوجتك مهما كانت هل تربت عندك في البيت أو تربت عند غيرك ..
                            د. الطيار: ذكر هذا القيد لماذا؟
                            د. الشهري: يبدو لأنه قيد الغالب من جهة وأيضاً من جهة أخرى يبدو أنه قيد أخلاقي أنه ينبغي على الرجل أن يكرم زوجته التي يتزوجها إذا كان عندها بنت أن يقيمها مقام ابنته يربيها ويكرمها إكراماً لزوجته وكأن هذا نوع من أنواع حث الأزواج على إكرام بنات زوجاتهم وإقامتها مقام بنته.
                            د. الخضيري: لو قال قائل أنتم الآن إدعيتم دعوة وهي أنكم تقولون إن الربيبة إذا كانت في غير الحجر فهي مثل الربيبة إذا كانت في حجر الإنسان يعني في بيته والآية قيدت فيها قيد فمن أين لكم أنكم أخرجتم هذا القيد؟ أنا ذكرت في مرة ماضية أقول سبحان الله طبعاً هنا جماهير العلماء سلفاً وخلفاً على ما ذكرتم أن هذا القيد غير معتبر من أين ذلك؟ الحقيقة ما وجدت جواباً إلا عند شيخنا العلامة ابن عثيمين وكان هذا الأمر أشكل علي كثيراً قديماً فالشيخ أجاب عنه بإجابة بسيطة جداً مع إني سألت هذا السؤال بعض طلاب العلم فما عرفوا الجواب إلا أنهم قالوا هذا خرج مخرج الغالب وأن هذا هو الواقع ولذلك لا يعتبر هذا الشرط. قال لأنه لما أراد أن يستثني قال وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ ولم يقل فإن لم يكن في حجوركم،. لما أهمل هذا دل على أنه إنما جاء وصفاً وبياناً للواقع، دل على أن هذا الشرط غير معتبر لأنه لما جاء إلى قوله فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ ولم يذكر قوله فإن لم يكن في حجوركم فدل على أن هذا القيد الذي ذكر لا مفهوم له ..
                            د. الشهري: استنباط جميل!
                            د. الخضيري: طبعاً هنا لاحظوا حكمة عجيبة جداً وهي قوله وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم) ثم قال (مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ولم يقل نكحتموهن لو قال نكحتموهن لكانت الربيبة تحرم بمجرد العقد ولكن لما قال دخلتم بهن الربيبة لا تحرم إلا بالدخول فلو عقد على أمها ثم طلق الأم قبل أن يدخل بها فالربيبة حلال له يعني التي هي بنت زوجته فهي حلال له . هنا يمكن أن يأتي السؤال يا دكتور مساعد الأم تحرم بمجرد العقد على البنت ، والبنت لا تحرم إلا إذا دخل على أمها فما هي الحكمة في ذلك؟؟ أو لماذا فرق بين الصورتين ؟ يقولون أن الأم ما تغار من إبنتها بينما البنت قد تغار من أمها ..
                            د. الطيار: عجيب
                            د. الخضيري: نعم، يعني لو جاء رجل إلى إمرأة خطبها و عقد عليها ثم لما رأى البنت عجبته فطلق الأم و طلب البنت الأم مهما كانت لعظم شفقتها ورحمتها لن يبقى في صدرها على ابنتها شيء.
                            د. الشهري: لأنها هي التي أخذت الزوج من الأم ..
                            د. الخضيري: نعم، لكن إعكس المسألة لو أنه عقد على البنت ثم أعجبته الأم فطلق البنت وأراد أن يعقد على الأم البنت في هذه الأحوال قد تغار من أمها تشعر أن أمها قطعت الطريق عليها ولا تملك من الحنان مثل ما تملكه الأم .. الأم قد تفدي إبنتها بنفسها
                            د. الطيار: جميل
                            د. الخضيري: نعم، وهذه حكمة عظيمة جداً . قال وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ يا أبا عبد الملك الحلائل من هن ؟؟
                            د. الطيار: زوجات الأبناء، زوجات الأبناء من أبناء الصلب من أبنائكم أنتم ..
                            د. الشهري: هل هناك ولد إبن من غير الصلب ( الذين من أصلابكم )؟
                            د. الخضيري: نعم، هنا قد يقال التبني. والعجيب أن التبني كان أصيلاً في الجاهلية فالقرآن إستعمل أساليب كثير جداً لنزع هذا التبني حتى إن هذا النزع وصلت آثارة إلى رسول الله عندما أمره الله أن ينكح زوجة متبناه وهو زيد بن حارثة زينب بنت جحش رضيَّ الله تعالى عنها وأرضاها وكان هذا شديداً على النبي لما قال الله وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ( سورة الأحزاب 37 ) فجعل إزالة ونزع هذه القضية عادة التبني في شخص رسول الله فزالت إلى اليوم ولا يعرف لها أثر بين المسلمين و لله الحمد ..
                            د. الطيار: سبحان الله ..
                            د. الشهري: هذا يدلك على أن القدوة ينبغي أن يصبر في مثل هذه المواقف لأنه ينبغي أن يكون هو العبرة ويكون هو المثال وهو النموذج يحتذي، ولذلك فعلاً القدوة تذكرهم في الإمام أحمد رضيَّ الله عنه عندما صبر في محنة خلق القرآن ولم يترخص كما ترخص غيره وفعلاً كان في صبره خير كثير
                            د. الخضيري: قالوا لا تقية لقدوة
                            د. الشهري: لذلك القدوة ينبغي أن يتحمل ويصبر على ما لا يصبر عليه غيره من الناس .
                            د. الخضيري: وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ هذه آخر واحدة من المحرمات في هذه الآية معناها يا أبا عبد الملك؟
                            د. الطيار: يكون الجمع الآن هنا قيد الجمع أن يجمع بين أختين يتزوج أختين في وقت واحد أن يعقد على هذه وهذه أو يعقد على واحدة ثم يدخل الأخرى هذا لا يحل حتى يتخلص من إحداهما
                            د. الشهري: سواء كان أختين شقيقتين أو أختين لأب أو أختين لأم. ويقاس على الجمع بين الأختين، الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها لأنه ثبت في السنة النهي عن ذلك لأن المفسدة التي تترتب على الجمع بين الأختين هي المفسدة أيضاً على الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها لأن المرأة في الغالب أو دائماً تكره ضرّتها فلو كانت أختها فهذه ستصبح قطيعة رحم
                            د. الخضيري: ستفضي إلى قطيعة رحم والإسلام حريص جداً على أن الأرحام هذه ما يصلها شيء من القطيعة . قال وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ يعني إلا ما قد سبق في الجاهلية.
                            د. الشهري: لكن هل معنى (ما قد سلف) أيضاً كما إنه إذا قد تزوج رجل أختين قبل نزول هذه الآية فهل معنى الآية أنه قد يبقي على ما تزوج؟ لا، ما دامت نزلت هذه الآية ينبغي أن يطلق واحدة منهما
                            د. الخضيري: مثل أيضاً من كان عنده أكثر من أربع ونزلت آيات التحديد بأربع نساء فإنه أُمر أن يستبقي أربعًا ويفارق سائرهن. قال إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا طبعاً هذه مناسبة يظهر والله لبعض لما حدث من أنكحة مخالفة لأمر الله في الجاهلية يقول (كان الله غفوراً رحيماً ) إذا أقلعتم وإستقمتم على أمر الله . كلمة (كان) يا أبا عبد الملك ما هي دلالتها في هذه الآية ؟
                            د. الطيار: طبعاً سبق أن نبهنا عليها أنها كان هذه بمعنى كان ولم يزل وأنها للدلالة على تأصل وثبوت إسمها لخبرها لثبوت إسمها لفظ الجلالة لخبرها (كان الله غفوراً رحيماً) وطبعاً يلاحظ أن المغفرة فيها جانب ما يسمى بالتخلية الإزالة والرحمة فيها جانب التحلية. وكما ذكرت أنه هناك بعض الأنكحة التي ذُكرت قد يكون وقع فيها بعض من نزل عليهم الخطاب فأشار الله إلى أن ما سلف لا حرج عليكم فيه وعفى الله عنكم وأزاله عنكم .
                            د. الخضيري: ألا تلاحظون يا إخواني إهتمام الإسلام بالأنساب من خلال هذه الآيات؟ وهو أن الإنسان يضبط نسبه من هم أخواله وأعمامه وإخوانه لئلا يقع منه شيء من هذا الأمر المحرّم. حتى الرضاع ينبغي أن يضبط لأنه قد يخطب الإنسان إمرأة و يتبين أنه قد صار أخاً لها في الرضاعة
                            د. الطيار: والناس يتهاونون في تقيده وضبطه .
                            د. الشهري: وكم سمعنا مثل هذه الحوادث يتزوج الرجل المرأة يبقى معها ربما حتى ينجب أطفال عشرة ستة سبعة ثم يكتشف أنها أخته من الرضاعة لشهادة إمرأة عابرة فيترتب على ذلك الفراق
                            د. الخضيري: وهنا نقول الحقيقة قول النبي [ تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ] فالأنساب مذكورة في القرآن الأم والأخت والخالة و بنت الأخت والعمة وغير ذلك وهذا يجعل الإنسان دائماً حريصًا على معرفة هذه الأشياء وضبطها وتوريثها لأبنائه
                            د. الشهري: لأنه لا يمكن أن تضبط الأرحام إلا بصلتها لأنه إذا أحييت في أبنائك وفي بناتك معرفة أرحامك هذه خالتك هذه عمتك
                            د. الخضيري: هذه خالة أمك هذه خالة جدتك، والله أنا أزور مع أبنائي خالات والدي، تصور! هي تصير خالة جدهم لاحظ، يقولون من هذه؟ أقول هذه أبي هذه أخت أمه فطبعاً هذه خالة جدهم فيبقى في نفوسهم أن هذا أمر يجب أن يراعى وأن يحفظ
                            د. الشهري: وسبحان الله هي مسألة مترابطة فالأمر بصلة الرحم يترتب عليه معرفة هذه الأرحام وإتقاء هذه الشبهات.
                            د. الخضيري: الحديث مع هذه الآيات التي هي من آيات الأحكام حديث ماتع ونحن نوصي إخواننا بأن يتفقهوا فيها نسأل الله أن يبارك لنا ولهم في القرآن العظيم ونستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
                            بُثّت الحلقة بتاريخ 12 رمضان 1431 هـ
                            سمر الأرناؤوط
                            المشرفة على موقع إسلاميات
                            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                            تعليق


                            • #14
                              الحلقة الثالثة عشر:
                              د. الخضيري: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مشاهديِّ الكرام ما زلنا في سورة النِّساء نتحدّث عن آياتها ونقبِسُ من أنوارها. وقد وصلنا إلى آية المحرّمات من النّساء(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ)إلى آخر الآية، وبقي علينا من المحرّمات ما ورد في الآية التي تليها وهي قولُ الله عزّ وجل(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).سيكون حديثنا إن شاء الله في هذه الحلقة المباركة حول هذه الآية وما يليهامن آيات، قبل أن نُفيض فيها، وأن نتحدّث عنها نحب نحن وإيّاكم أن نشترك فيالاستماع إلى تلاوتها فإلى هناك:
                              تلاوة للشيخ/ محمد صِدِّيق المنشاوي تعالى من الآية (24-25) من سورة النِّساء
                              وَالْمُحْصَنَاتُمِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِعَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوابِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْبِهِ مِنْهُنَّ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَعَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْطَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْأَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُبِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِأَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَمُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْأَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَالْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواخَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
                              بعدأن استمعنا إلى هذه التلاوة العطرة لهذه الآيات الكريمة، ندخل الآن إلىمعالم هذه الآية ونحاول أن نُقرِّب معانيها، نسأل الله أنيفتح لنا من أبواب رحمته، ومن فُيوض رحمته جلّ وعلا ما يعينُنَا على فهمكلامه. يقول الله عزّ وجل: (والمحصنات من النّساء)، أبا عبد الله هلاّ بيّنت لنا معنى المحصنات؟
                              د. الشِّهري:بسمالله الرَّحمن الرّحيم، الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلىآله وصحبه وسلّم تسليماً كثيراً. طبعاً هذه الآيات في سورة النِّساء جمعالله فيها المحرَّمات من النِّساء، وسَردها في ثلاث آياتمتوالية، فبدأ بتحريم زوجةِ الأب أيّ منكوحة الأب، ثمّ ثنّى بالأمّهاتوالبنات والعمّات والخالات، إلى أن وصل إلى هذه الآية التي ابتدأ بهاالجزء الخامس من القرآن الكريم في قوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) والمقصودبالمحصنات من النِّساء هنا هم النّساء المتزوّجات، المرأة المتزوجة يحرمنكاحُها ما دامت في عِصمة زوجها، ولا يحل نكاحها إلا إذا طلَّقها زوجهاثمَّ اعتدت عِدَّة المطلّقة أو تُوفِّي عنها زوجها ثمّ يحِلُّ نكاحها بعدذلك، فقال(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أيحُرِّمت عليكم أيضاً الـــمُحصنات من النِّساء إلاّ ما ملكت أيمانكم. ومُلك اليمين سَبق أن تحدّثنا عنه أيضاً وهو أنّ النِّساء المسبيات،فالمرأة المتزوجة إذا كانت من الكُفّار فوقعت في الأَسر في حربٍ مشروعةبين المسلمين وغير المسلمين ولو كانت متزوجة ووقعت فيالسّبي فإنّهاتحِلُّ بذلك أن تتزوج بعد استبراء رحِمها فهذه تُستثنى من المتزّوجات.
                              د. الخضيري: الاستبراء ما معناه دكتور عبدالرّحمن؟.
                              د. الشَّهري: استبراء الرحم معناه أن تنتظر حتى تحيض.
                              د. الخضيري: فيُعرف أنّها ليست حاملاً من زوجها، لأنّه لا يحل للإنسان أن يسقي بمائه زرع غيره.
                              د. الشِّهري: فهذا هو المقصود بالمحصنات من النِّساء. ولاحظوا كيف وصف الله سبحانهوتعالى المرأة المتزوجة بأنّها مُحصنة، وهذا فيه تصوير رائع جِدّاً للزّواجبأنَّه حِصن للمرأة وللرَّجل أيضاً، وهذا يُشعر الزّوج والزّوجة بأنّهميعيشون في هذا المعنى وهو الحِصن الحصين من الشَّهوات، وأنّه ينبغي عليهمأيضاً أن يُحافظوا على هذا الحصن.
                              د. الخضيري: الحقيقة أنت أشرت إلى معنى أنا ما سبق مرّ بي، رائع جِدّاً في قضية أنّ هذهالأسرة التي تفتتح هذا البيت بالزّواج وتتحصَّن به، أنَّ هذا الزَّواجعصمة وحِصن وينبغي لهم أن يُحافظوا عليه، العَجيب الآن تَتعَالى صيحات فيالعالم الغربي على أنَّ الزّواج قُيود وآصار، خُصوصاً إذا أُضِيف إليهمذهبهم في الطَّلاق في أنَّهم يُحرِّمون الطَّلاق طبعاً، وهم مُضطَّرونإليه لكن لا يَعرفون كيف يتجاوزون أحكام الكنيسة، فيقولون زواج نصراني، أوكَنَسي، دائم أبدي لا يُمكن أن يتعرّض لطلاق حتى ولو كان الزّوجان أنكد مايكونون، وهذه دعوى والعِياذ بالله إلى الخروج من هذا الحِصن الفِطريوالعقلي والاجتماعي. بالله عليك كيف تُبنى الأُسَر؟!، كيف تنشأ المجتمعات؟!،كيف تُرَّبى الأجيال؟! كيف يتعاون النّاس على توريث هذه العلوم والآدابوالأخلاق للأجيال الأخرى إلاّ عبر هذا الحِصن؟! لاحِظ، وأنَّه متى ما هدَّالنَّاس هذا الحِصن فإنَّ حياتهم في جحيم.
                              د. الشِّهري: وهذا حقيقة لعلمك، حتى الآن الحياة الزَّوجية للزَّوج العاقِل يستشعرفعلاً أنَّ زوجته وما يُكوِّنه من الحياة الزّوجية بينه وبين زوجته هيفعلاً حِصن، تحميه من الوقوع في الحرام، ومن النَّظر الحرام يضع شهوته في غير موضعها ، تأنس إليهويأنسُ إليها في خِضم هذه الحياة المليئة.
                              د. الخضيري: ليسكُنَ إليها.
                              د. الشِّهري: نعم، هذا معنى رائع جِدّاً جِدّاً من المعاني التي عبَّر الله بها سبحانهوتعالى عن الزَّواج في القرآن الكريم، أنّه حِصن وسمّى المرأة بأنَّهامُحصنة، وقال (والذّين يـَرمون المحصنات)يعني كيف أنت تتجرأ على أن ترميها وهي في هذا الحِصن الحصين الذِّي جعلهامُحصَّنة ممنوعة من أن يُتطاول على عِرضها؟! فاختيار كلمة الحِصن عبارةرائعة جِدّاً ومُعبِّرة.
                              د. الخِضيري: أبا عبدالملك إذا قُلنا: الــمُحصنة، والإحصان وأحصن في القرآن تَرِد على معاني هل تذكُر شيئاً منها؟
                              د. الطيَّار: أنا سبحان الله، كنت أفكر في هذا أنّ المحصنات أو الإحصان ورد من أكثر منوجه، فالإحصان هنا بمعنى النِّكاح الزّواج، ويأتي الإحصان بمعنىالمتزّوجات، ويأتي الإحصان بمعنى العِفَّة.
                              د. الخضيري : كما في قوله(والذّين يرمون المحصنات الغافلات)ليس المقصود به المتزوجات وإنَّما المقصود به العفائف.
                              د. الشِّهري: و إن كان يدخل فيه المتزوِّجات.
                              د. الطيّار: هو أعم، وإن كانت المتزوجة تدخل في الإحصان هذا، ولكن ليس كل محصنة تكون متزوجة بالمعنى الثاني هذا.
                              د. الخضيري: ويأتي الإحصان بمعنى الحُرَّة كما في قوله تعالى(ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمِّمَا ملكت أيمانكم)فالمحصنات المؤمنات هُنّ الحرائر.
                              د. الطيَّار: وهذا يدل عليه السِّياق.
                              د. الخضيري: هذا يدل عليه السِّياق، هذا ما يُسمّى العلم؟
                              د. الطيّار: هذا يُسمّى علم الوجوه والنَّظائر.
                              د. الخضيري: الوجوه كيف؟ والنَّظائر كيف؟
                              د. الطيَّار: الوجوهالآن مثلاً عندما أقول: المحصنات في القرآن على ثلاثة أوجه: المحصنة: الزَّوجة، المحصنة: العفيفة، المحصنة: الحُرّة. ويقابلها النّظائر لمّاأقول : (والمحصنات من النِّساء)هذه بمعنى الزَّوجة ما نظيرها من الآيات الأُخر التي وردت فيها المحصنةبمعنى الزّوجة، فإذا وردت آية أخرى بمعنى الزّوجة فتكون هذه الآية نظيرهذه الآية.
                              د. الخضيري: نعم، لأنّ بعض النّاس يظن أنّ كلمة الوجوه والنّظائر إسمان لشيء واحد،الحقيقة من الأشياء التي تعجبّت منها أنّه وردت المعاني الثلاثة في آيةواحدة وهي الآية التي تلي هذه الآية(فَمِنْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُأَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِأَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ(أيّ عفيفات) غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ) أيّ تزوَّجن) فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ(أيّ الحرائر)مِنَ الْعَذَابِ).فاجتمعت المعاني الثَّلاثة في الآية الخامسة والعشرين وأنا أظن والله أعلمأنّه ما يوجد نظير ذلك في القرآن،
                              د. الشهري: أن ترد كل الوجوه في آية واحدة، ما أتوقع!
                              د. الخضيري: وهذا يؤُكِّد لنا الحقيقة أهميةالاعتناء بهذا العلم خُصوصاً طالب العلم، وأيضاً للعاميّ أن يعرف ما هيحقيقة اختلاف المعنى في هذا الباب. بالمناسبة يا دكتور عبدالرَّحمن هليعني هذا أنَّ الكلمة بهذا المعنى وهذا المعنى وهذا المعنى مختلفة تماماًمن كل وجه؟
                              د. الشِّهري: لا طبعاً، لا بد أن يكون بينها معنىً مشترك، يعني الإحصان وهو مأخوذ منالمنعة، مثل الحصن وهو البيت المنيع، كما في قوله (وظنُّوا أنَّهم مانِعتهم حُصونهم من الله)فالحِصنهو المكان الآمن الحَصين الذي يمنعك من أعدائك. فهذا المعنى وهو معنىالــمَنعة موجود في هذه المعاني كلِّها، المرأة المتزَّوجة هي في حصنبزواجها، هي في حِصن حصين في أسرتها، والمرأة العَفيفة أيضاً هي منعَفافها في حِصن حَصين، وكأنَّ هذا العَفاف وهذا الخُلُق، وهذا الحَياءالذي يمنعها أشبه ما يكون بالحِصن الحَصين الذِّي يمنعها من الوقوع فيالحرام، والوُقوع فيما يُخالف هذه العِفَّة ، وأيضاً حُرَّة ولا شكَّ أنَّالحُرِّية حِصن يمنع الحُرّة من أن تُمتهَن ومن أن يُتعَدى عليها بخلافالأمَة التي تكون أقل من هذا الجانب.
                              د. الخضيري: فصار هناك جامع لهذه المعاني مختلفة تجتمع في معنى المنعة. في قوله(إلا ما ملكت أيمانكم)بيَّنا أنّ فيها شرف اليمين، كيف أنّه نُسب الــمُلك إلى اليمين، والمقصود أنّ الإنسان ملكها جميعًا، قال(كتاب الله عليكم)ما معنى ذلك؟ .
                              د. الشِّهري: في قوله (حُرِّمت عليكم، حُرِّمت عليكم، حُرِّمت عليكم)لا شك أنّ هذه الحقيقة أحكام يترتَّب عليها كما تفضَّلتم بِناء أُسَر،ويترتَّب عليها أنساب فالله بعد أن انتهى من سَرد هذهالمُحرّمات قال(كتاب الله عليكم)أي أنَّ هذا الذِّي تقدَّم هو فرضٌ مِن الله عليكم،وكتابٌ كتبه عليكم ، يعني كتب عليكم تحريم نكاح هذه الأصنافكلِّها .
                              د. الخضيري: ويمكن أن تكون بمعنى إلزموا كتاب الله عليكم .
                              د. الطيّار: نعم هذا من جهة الإعراب، يعني كما قال كأنّه فرض الله عليكم فيما سبق لأنّه أتى بعدها (وأحِلّ لكم ما وراء ذلكم).
                              د. الخضيري: (وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا من النِّساء).
                              د. الشِّهري: طيب قد يقول قائل ما الذِّي بقي؟
                              د. الخضيري: كُلِّ النِّساء.
                              د. الشِّهري: جميل، هل الذين بقوا بعد هذه الأصناف الخمسة عشر أكثر؟
                              د. الخضيري: طبعاً بلا شك.
                              د. الشِّهري: جميل جِدّاً. لأنّ بعض النّاس قد يظن أنّ هذا التعداد حُرِّمت عليكمأمّهاتكم، وبناتكم، وأخواتكم، وعمّاتكم، وخالاتكم، يقول ما الذّي بقي؟
                              د. الخضيري: نقول له أُنظر إلى الشّارع الذي تسكن فيه من أوّله إلى آخره الأكثر فيه من النِّساء الموجودات أنّهُنّ حلالٌ لك. قال تعالىوأُحِلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم)الحقيقة فيه ملحظ، لـــمّا عدّد المحرّمات دلّ ذلك على أنّ هذا العددقليل، في العادّة ما يُعدّد إلاّ القليل، ولذلك لمّا قال الله عزّ وجلمثلاً في تحريم المطعومات: (حُرِّمت عليكمالميتةُ والدَّم ولحم الخِنزير وما أُهِلَّ به لغير الله) وفي المائدة قال(حُرِّمت عليكم الميتة والدَّم ولحم الخنزير وما أُهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذةُ والمتُردِّية)عدَّد تسعة تقريباً، ما وراء ذلك كثير جِدّاً فلمَّا عدَّده الله دلَّ علىأنّه محصور ويمكن ضبطه، وهذه قاعدة عظيمة جِدّاً وهو أنّ المحرّمات فيالغالب في شريعة الإسلام معدودة. يمكن يقول قائل يا دكتورعبدالرّحمن أنتم تقولون أنّه معدودة ونحن نسمع كثيراً كلمة هذا حرام، هذاحرام، هذا حرام!. لمّا تأتي إلى التفاصيل مثلاً تقول العمّات حرام، نعمترى عمّتك زينب ، وفاطمة ، وخديجة ، وصالحة ، ومُنيرة يعني جنس العمّاتكلهم لما تأتي للتفاصيل يكون العدد أكبر، فالجنس معدود ومضبوط ويمكن للإنسان معرفته وتعلُّمهحتى لا يُتعدّى على شيء من حدود الله عزّ وجل.
                              د. الشِّهري: طبعاً تُلاحظون في هذه الآيات يا مشايخ أنّه جاءَ بالتَّحريم والتّحليل باللّفظ المبني للمجهول، فقال(حُرِّمت عليكم)من هو الذّي حرّم؟ ، وقال: (وأُحِلّ لكم)من هو الذّي أحلّ؟
                              د. الخضيري: الله
                              د. الشهري: فلماذا أضمره؟
                              د. الخضيري: للعلم به لانّه ليس هناك أحد له الحقّ في ذلك إلا الله
                              د. الشِّهري: جميل، يعني التَّحليل والتحرّيم من صلاحيات الرَّب ، ولا يتدَّخل فيه أحد.
                              د. الخضيري: ألا له الحُكم والأمر. قالLأن تبتغوا بأموالكم)لمّا قال بأموالكم دلَّ ذلك على أنَّ المرأة لا تُستَحل إلا بمهر، ولذلكمن قال : أنا أبداً أنا أزوِّج بنتي من دون مهر نقول ما يحلُّ لك لابد انيكون هناك مهر للمرأة، ولو أسقطه الوليّ ما سقط يبقى للمرأة مهر مثلها.
                              د. الشِّهري: إذا أسقطه الوليّ وتكَفّل أن يدفعه؟
                              د. الخضيري: في هذه الحالة إذا قال أنا سأدفعه ورضي الزّوج بذلك فهذا صلح بينهم. ومثلهلو أنّ الزّوج دفعه ثمّ قالت المرأة هو لك، فهنا قد دُفِع، (فإن طِبن لكمعن شيءٍ منه نفساً). وقال(أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين)يعني طالبين الإحصان ولستم باغين لطريق الزّنا الذِّي هو السِّفاح.
                              د. الطيَّار: لأنه قد يكون الزّنا ببدل مثل الزّواج، ولهذا قيّد فقال(مُحصنين)أيّ طالبين لِلعفّة(غير مُسافحين)
                              د. الشِّهري: يعني المقصود بها الزّواج، (وأحلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين)يعني متزّوجين(غير مسافحين)على وجه الزّنا.
                              د. الطيّار: طبعاً لا شك أنَّ الاستطراد في هذا لِكَي يُخرج هذه الصُّورة، وقريب منها قال(إنّما البيع مثل الرِّبا)فليس الزِّنا مثل الزَّواج، فليس مجرّد مسألة البدل أو العِوض والله أناأدفع مهر لزوجتي إذًا هناك دفع مهر للبغي، فلا يستوي هذا مع هذا، ولذلكجاء الاستطراد والإطالة في التفصيل فقال(محصنين غير مسافحين).
                              د. الخضيري: طبعاًهذا الحقيقة يُشير إلى مقصود عظيم جِدّاً في الزَّواج يمكن ذكرهأبو عبد الله في أوّل الكلام، وهو أنّ الإنسان عندما يفتتحهذا البيت يُريدبه المنعة، ما يُريد به المفاخرة أو الجاه والمنزلة، إنّما يُريد به أنيتحصَّن.
                              د. الشهري: نعم، وهذا من أعظم مقاصد الزّواج "الإحصان."
                              د. الخضيري: نعم ، ولذلك قال النَّبي صلى الله عليه وسلّم: ثلاثةٌ حقٌّ على اللهعونهم، انظر حقٌّ على الله يعني الله أوجب على نفسه أن يُعينهموذكر منهم- النَّاكح يُريد العَفاف، بعض النّاس يقول هذا الزّواج ما جلبلي إلاّ المشاكل والدُّيون: فأقول له: عندما أردت النِّكاح هل تريد بذلكالعَفاف أم أمر آخر؟ إنتبه، إن أردت العفاف فالله سيعينك لأنَّ النّبي صلىالله عليه وسلّم قال: حقٌّ على الله عَونهم، فلننتبه للنِّية في هذاالباب. بعض النّاس يقول أنا تزوجت لأنّها جميلة مثلاً ، أو لأني أريد أن أنتمي لهذه الأسرة أو أصاهرهم فيفخر بأنّ زوجته بنت فلان
                              د. الشِّهري: لو تأملناها والله لاستقامت أحوالنا في كل التفاصيل.
                              د. الخضيري: نعم والله ، ولاكتفينا بهذا الكتاب العظيم والله عن كلِّ كتاب سواه. قوله(فما استمتعتم به منهنّ فآتوهُنّ أجورهُنّ فريضةً)تفضّل أبا عبد الملك؟
                              د. الطيّار: يعني هذا الآن الذّي هو المهر، فإذا أردتم الاستمتاع بهنّ فلا يجوز لكم ذلك إلا بمهر.
                              د. الشهري: الأجور يعني المهر؟
                              د. الخضيري: انظر المهر كيف سمّاه أجراً، مما يدل على أنّه في مقابل الاستمتاع.
                              د. الطيّار: مثل ما ذكرتم في أول اللقاء(وآتوا النّساء صدُقاتِهنّ نِحلة).
                              د. الخضيري: نعم، سمّاه هناك نِحلة لمناسبته للمقام، وهنا سمَّاه أجراً لمناسبته أيضاًللمقام. لكن بعضهم إستدل بهذه الآية يا إخواني على أنّها قد تكون إشارةإلى ما كان عليه الأمر في أوّل الإسلام من جواز نكاح المتعة(فما استمتعتم به منهُنّ)يعنيإشارة إلى نوع من أنواع الأنكحة التي كانت موجودة ثمّ نُسِخَت. وقد أجمعالمسلمون على أنّ هذا منسوخ، ولا يُعرَف في أهل الإسلام من يُبيح نِكاحالمتعة إلا ما يُذكر عن الشِّيعة، وهم محجوجون بالإجماع ومحجوجُونبالأحاديث الواردة في نسخ هذه المتعة إلى الأبد. فبعضهم يحمل هذه الآية علىنكاح المتعة، ولكن ما ذكرت دكتور مساعد أيضاً هو الأوجَه في هذه الآية.
                              د. الطيَّار: طبعاً هذا يُدخلنا الحقيقة إلى قضيّة مهمّة جِدّاً وهي: وقوع الشُّبهةعند بعض الأقوام من خلال اللَّفظة. وأنا أتعجب أنّ بعض هؤلاء الرّافضة أنّعمر بن الخطّاب هو الذِّي منع المتعة، وعمر إنّما منع متعة الحج،فيُلبِّسون على النّاس.
                              د. الخضيري: ما هي متعة الحج يا أبا عبد الملك؟
                              د. الطيَّار: هو المعروف بالتمتع الإتيان بعمرة كاملة، ثم التَّمتع بالحجّ والإتيان بالحج في أشهرالحج. فعمر نهى عن متعة الحجّ فأخذوا هذا اللّفظ وجعلوه في متعة النِّساء.
                              د.الخضيري: لعلَّ بعضَ الإخوة المشاهدين يستغرب يسمع صوت الأذان الآن، فنحن نقول الآننحن نسمع صوت أذان صلاة الفجر، وهذه الحلقات تُسَّجل في هَزيع من اللَّيل،نسأل الله أن يتقبَّلها نحن نُسَجِّلها الحمد لله في تَنومة وفي استراحةلأَحدِ إخواننا الأفاضل تُسمّى استراحة الجنادرية، والحقيقة لا نـــملكإلاَّ أن ندعوَ له على أن وفَّر لنا هذا المكان الطيّب، ونقول نسأل اللهأن يتقبّل منّا في هذا الوقت المبارك ومن إخواننا المشاهدين، نعم. فالمقصوديا أبا عبدالملك؟
                              د. الطيّار: فالمقصود بالمتعة يعني متعة الزّواج، هذه أبيحت ثمّ نُهي عنها ثمّ أبيحتثمّ نهي عنها نهياً مطلقاً، لكن بعض علماء المسلمين (أفراد) نُسِب إليهم جواز نكاحالمتعة لكنّهم أفراد كما رُوِيَ عن ابن عبّاس وغيرهم ولكن يُقال في بعضهمأنّه رَجِع على أساس أنّه رُوي، ممّا يدل على أنّ هذه المسألة ووقوعالإشكال فيها محتمل، لكن البقاء على الإشكال بعد البيان هو المشكل، لو أنّأحدهم فهم من هذه الآية أنه لماذا لا تدل هذه الآية على متعة الزّواج؟ نقول: وقوع الإشكال عندك ممكن ومحتمل، ولكن بعد البيان بعض الصّحابة مجمعون إلاابن عبّاس في قوله هذا -وقد رجع عنه- على أنّ نكاح المتعة ممّا حرّمه اللهونُسِخ.
                              د. الشّهري: في قوله تعالى(فما استمتعتم به مِنهنّ فآتُوهُنّ أجورهُنّ فريضة)قد يَفهم بعض النَّاس من الآية أنّ المقصود أنّ المهر يكون بعد الدُّخولبالزّوجة، أنّه يدخل بالزّوجة ويستمتع بها ثم يُعطِيها المهر بعد ذلك، فيحِين أنَّ المهر يُدفع للزّوجة قبل ذلك كُلِّه، فالإشارة هنا(فما استمتعتم به)كأنّمجرّد العقد على الزَّوجة كأنّه تمليك لها واستمتاع بها، إشارة إلى أنَّهذا أيضاً وهذا من حقوق الزَّوج على زوجته- تمكينه من هذا الأمر. الأمرالثّاني: نأتي ونكرِّر ما قُلناه في سبب تسمية سورة النِّساء بهذا الاسموهو موضوع إنصاف النِّساء، والإصلاح للنساء كل ما تحدّثنا عنه الآن منحُرّمت، حُرّمت، حُرّمت عليكم فيه معنى الإصلاح للمرأة وفيه معنى الإنصافلها، فإنَّ تحريم نكاح الأُمّ وتحريم نكاح الأخت، وتحريم نكاح البنت كلّهذا من الإنصاف لها، ومن الإصلاح لها وللمجتمع.
                              د. الخضيري: لكن هنا سبحان الله تُلاحظ أنّ هذه الأحكام على أنّ أنّها تأتي واضحةوحُدود من الله إلاّ أنَّها بعد ما تُحَد وتُرسّم وتُوضّحتُوضع هناك مجالات للنّفوس للسِّمو والرِّفعة، مثل ما قال الله في سورةالبقرة(فإنطلقتموهنمن قبل أن تمسُّوهُنّ وقد فرضتم لهٌنّ فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفونَأو يعفُوَ الذّي بيده عقدة النِّكاحُ وأن تعفوا أقربُ للتَّقوى ولا تنسَواالفضل بينكم)انظر سبحان الله!، بعد ما حدّ الحُدود ورسمها قال بعد ذلك تَسَاموَالتتبارَوا في ميدان الفَضل، التَّباري في ميدان الفَضل في مَواطِن كثيرة(ولا تنسوا الفضل بينكم).
                              د. الشِّهري: (ولا تنسوا الفضل بينكم)سبحان الله ما أجمل التَّعبير!،كأنَّه في غمرة الأخذ أعطني حقِّي وخُذ حقّك.