• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • سمر الأرناؤوط
      رد
      ملف الحلقات كاملاً للتحميل

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      الحمد لله رب العالمين فقد عثرت على تسجيل الحلقة 21 (خبر الفاسق) من موقع الطريق إلى الله فتم تفريغها وأرفعها لكم للفائدة:

      قصة آية (21)
      خبر الفاسق

      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) الحجرات)
      الآية التي معنا اليوم في غاية الأهمية وهي قاعدة ينبغي علينا جميعاً أن نتفطن لها وهي قضية التثبُّت من الأخبار التي ذكرها الله في سورة الحجرات. نلاحظ أن آيات القرآن الكريم قصيرة ولكنها عميقة المعنى والقرآن الكريم لو كان سيفصّل في كل التفاصيل لما أمكن أن يأتي في هذا المجلّد الذي بين أيدينا الآن ولما أمكن في ستة آلآف آية ومئتين وستة وثلاثين فقط تستطيع أن تذكر كل هذه التفاصيل وكل هذه القواعد العظيمة التي كل دين الإسلام مأخوذ منها. هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) هذه الآية تستحق أن تكون شعاراً لكل وسائل الإعلام ولكل وزارات الإعلام في العالم كله وليس فقط في العالم الإسلامي "التثبت من الأخبار" ليس كل خبر تسمعه تنقله هذا خطأ شنيع ومخالِف وهذه قاعدة ينبغي على كل واحد أن يضعها نصب عينيه "التثبت من الأخبار" وكفى بالمرء كذباً أن يحدّث بما سمع، كل واحد يرسل لك رسالة في الجوالات وفي المواقع الإلكترونية وفي التويتر وفي الفايسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي بشكل مذهل خبر ما يدرى مصدره ولا أصله ويقول انشُر تؤجر! فكم من خبر عن شخص مات أو قُتِل أو فعل وهو لم يحصل وينقل أخبار وإشاعات عن الناس وعن المؤمنين في أعراضهم وفي دينهم وفي وظائفهم وينشرون الأكاذيب بين الناس والناس يتناقلونها. والله نهى عن ذلك وذكر لنا قصة وهي قصة الإفك في سورة النور (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12)) وقال الله (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) النور). هذه الآية التي معنا نفس الفكرة يقول تعالى أنكم تسمعون الخبر تلقونه بألسنتكم حتى أن الإنسان لا يفكر فيه بعقله وإنما (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ) أصبح الإنسان مجرد آلة تسجيل لا يفكر ولا يعرف قيمة عرض أخيه المسلم! هذه الآية تقول لا، تثبتوا (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) وفي رواية (فتثبتوا) وكل واحدة بمعنى الأخرى تزيدها قوة في الدلالة على معنى التثبت الاحتياط والحذر والمراجعة. في وكالات الأخبار العالمية لا ينشرون أيّ خبر وإنما يتأكدون من مصدر الخبر بواسطة المراسل أنه فعلاً وقع ثم ينشرونه على مسؤوليتهم وكالات الأخبار العالمية التي لها مصداقية هذه المصداقية ما جاءت إلا من تحرّيهم للصدق في الأخبار وبعض الوكالات تسمعها فإذا هي وكالات كذب تنقل الأكاذيب.
      قصة هذه الآية وسبب نزولها أن النبي أرسل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط لكي يأخذ الصدقات أو الزكاة من قبيلة من القبائل فخرج الوليد لكي يأخذ هذه الصدقات وكان بينه وبين القبيلة التي أُرسل إليها شيء فكان خائفاً وغير مرتاح لهذه الرحلة فلم يصل إليهم. بعض الروايات تقول أنه بلغه عنهم شرّ وأنهم لن يعطوه الزكاة وسيقتلونه وبعض المفسرين قال غير ذلك لكن الخلاصة أنه رجع من منتصف الطريق وقال للنبي يا رسول الله منعوا الزكاة. فغضب النبي كيف يمنعون الزكاة! ورأى أن هذا مخالفة لأمر الله ورسوله. فأرسل النبي إليهم من يغزوهم ومن العلماء من قال أنه أرسل خالد بن الوليد ومنهم من قال أنه أرسل غيره، لكن المهم أنه أرسل وفداً إليهم. فلما تأخر رسول رسول الله على القبيلة استغربوا لماذا لم يأتي رسول رسول الله لأخذ الزكاة فجاء وفد منهم وقالوا يا رسول الله والله ما جاءنا أحد، قال ألم يأتكم أحد؟! قالوا ما جاءنا أحد! وإذا بهم لم يمنعوا الزكاة وليس عندهم مشكلة ولم يأتهم أحد وجاؤوا مستفسرين يا رسول الله نحن نريد أن ندفع الزكاة فنزلت هذه الآية. وكادت تقع فتنة بسبب هذا الموقف الذي فعله الوليد بن عقبة وكادت تحدث فتنة. والذي يُخاطَب بهذا هو النبي وأنه كادت أن تقع فتنة وكاد النبي أن يرسل إليهم من يقاتلهم ويقتلهم دون أن يتثبت من حقيقة ما قاله الوليد سامحه الله. فالله قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهذه الآيات التي تبدأ بهذا الوصف تنادي في الإنسان وصف الإيمان وتستحث في نفسك أفضل ما فيك من معاني الرجولة والانقياد والاستسلام لأوامر الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يا من اتصفتم بصفة الإيمان بالله وآمنتم بالله ورسوله (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا). قال (فاسق) والفاسق يطلق على من يرتكب الصغائر من الذنوب ويطلق على الكافر بالله فاسق. ولذلك الفسق في اللغة هو الخروج أخذته العرب من قولهم "فسقت الرطبة" إذا خرجت الرطبة من قشرها. ويقولون فسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها للإفساد. فالفسق في اللغة هو الخروج لكن قد يكون الخروج بمعصية يسيرة فيكون خروجاً يسيراً ليس مكفِّراً وقد يكون خروجاً تاماً من الدين فيكون كفراً ولذلك وصف الله الكافرين بالفاسقين ووصف الذين يرتكبون المعاصي بالفاسقين وينطبق على هؤلاء أنهم خرجوا وعلى هؤلاء أنهم خرجوا. كما لو أنك خرجت عن الطريق بسيارتك قليلاً فهذا خروج وإذا خرجت خروجاً مبيناً عن الطريق ودخلت في متاهات هذا خروج أيضاً لكن فرق بين هذا وبين هذا وكذلك الفسق قد يكون يسيراً وقد يكون كبيراً. فالله يقول (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا). وكيف يُعرف الفاسق؟ يعرف من خلال التعامل معه إما أنه يكذب في الحديث مع الناس فهذا فسق وإما أنه لا يلتزم بأوامر الله هذا فسق، الفسق درجات وأنواع. فالله لم يأمر بتكذيبه قال (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) ويمكن أن نستنبط من قوله (نبأ) وهو أنه نبأ كبير. الوليد بن عقبة كان سيودي بالمسلمين في داهية وكان سيدخلهم في حرب وفيها دماء وفيها مشاكل وقتل أبرياء! ولذلك سماه الله (نبأ). والنبأ عند العرب هو الخبر العظيم (عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) النبأ) وقال (وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) النبأ) ليس خبراً عادياً ولذلك يسمونها وكالات الأنباء وليست وكالات الأخبار والنبأ في الأصل مأخوذ من هذا لأن النبأ في اللغة هو المكان المرتفع لأن الإنسان المرتفع يمكنه أن يرى ما لا يراه غيره فكأن الذي يأتيك بالنبأ عنده قدرة أن يرى ما لا يراه الناس، فهذا أصل النبأ في اللغة. لذا قال (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) نستنبط منها أنه لو كان النبأ يسيراً فالأمر فيه يسير، مثلاً إذا جاء ولدك الصغير فقال لك الغداء على السُفرة، هذا خبر بسيط قد يتأكد خبره بمجرد أن تنظر للسُفرة، لكن يأتيك ولدك ويقول مات جدي وتذهب تبلغ إخوانك دون أن تتأكد أنت بنفسك من الموضوع هذا خطأ. وفي بعض الأحيان يكون التراجع عن الخبر مشكلة ولذلك الآن ليس أيّ خبر يعلن في الأخبار الرسمية، أنت ترسل الخبر إلى أي وكالة أنباء عالمية وهم يتأكدون من الخبر بطريقتهم عن طريق مراسلهم ثم يُعلن الخبر على مسؤوليتهم لأنك إذا أعلنت الخبر وكان نبأ بكل معنى الكلمة التراجع عنه صعب. يقول الله هذه الأخبار والأنباء العظيمة التي يترتب عليها أحكام وأمور تثبتوا فيها فكأن الله عفى عن اليسير مع أنه ينبغي عليك أن تتثبت في كل خبر لكن هناك أخبار بسيطة لا يترتب عليها أشياء عظيمة.
      (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) لكن ماذا لو جاءنا ثقة بنبأ رجل ثقة عَدْل هل نتبين أو لا نتبين؟ إذا عرفنا دينه وأمانته نقبل الخبر، هذا معنى الآية الله يقول (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) فكأن الله يقول تبينوا لأنه فاسق فعلّق الأمر بالتبين بصفة الفسق. ويمكن أن نستفيد من الآية فائدة أخرى وهي أنه كلما كان فاسقاً زيادة يجب التبيّن والحذر أكثر فتزيد نسبة التبين والتثبت بمقدار نسبة الفسوق عند هذا الرجل. لكن مفهوم المخالفة أنه إن جاءكم ثقة وعدل بنبأ فصدّقوه واقبلوه ولذلك استنبط العلماء قبول خبر الواحد الثقة سواء في العقائد أو الأحكام لأن الله إنما أمرنا بالتثبت في خبر الفاسق ولم يأمرنا بالتثبت في خبر العدل فدلّ على أن خبر العدل مقبول في ديننا ومقبول في أمور دنيانا. ولذلك النبي لذكائه وبصيرته عليه الصلام والسلام أول ما أُمر بإنذار قريش قام على جبل الصفة فقال يا بني هاشم يا بني عبد مناف يا بني قصيّ يا بني فلان قال أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي تريد أن تغزوكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا ما عهدنا عليك كذباً قطّ، أنت رجل معروف عندنا أنط صادق وأمين. معناه أنه رجل مقبول الخبر عندهم وثقة فقال أنا نذير لكم بين يدي عذاب شديد. وهذه كُررت أيضاً لما جاء النبي إلى المدينة وجاء عبد الله بن سلام وهو عالم من علماء اليهود قال للرسول يا رسول الله اليهود قوم بُهْت سيلبسونني تهماً ليست فيّ لو علموا أني أسلمت لكن إذا دخلوا فاسألهم عني قل كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قبل أن يعرفوا أني أسلمت فقال كيف عبد الله بن سلام فيكم يا معشر يهود؟ قالوا هذا عالمنا وابن عالمنا وحبرنا ومدحوه كثيراً. قال أُشهدكم أني أسلمت وأني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالوا فيك وفيك وما تركوا صفة إلا شتموه بها، قالوا كذّاب! فقال للرسول هذه طبيعتهم!. لذا ينبغي الإنسان أن يتثبت من خبر الفاسق أما خبر العدل الثقة فإنه معفوٌ عن التثبت فيه لأن الله أمر بالتثبّت في خبر الفاسق فقط.
      من فوائد هذه الآية أيضاً قبول خبر الواحد إن كان ثقة سواء في الأحكام أو حتى في العقائد والذين يردّون خبر الواحد في العقائد على غير الصواب والصحيح أن خبر العدْل الثقة مقبول ولو كان واحداً سواء كان في العقائد أو في غيرها لأنه ليس هناك دليل على التفريق بين ذلك.
      من فوائد هذه الآية أيضاً أن خبر الواحد لا يوجِب العلم بدليل أنه أمر بالتثبّت فلو كان يوجِب العِلم لما أمر بالتثبّت، هذا استنباط بعض العلماء وإن كان مردوداً لأن الله أمر بالتثبّت من خبر الفاسق وأما خبر العَدْل فإنك غير مأمور به مما يدل على أنه يوجِب العِلم. لكن يبقى أن التثبّت دائماً من الأخبار سواء من الثقة أو غير الثقة صفة الحازم العاقل وأنك لا تنشر خبراً لم تتثبت منه لا في الفايسبوك ولا في الإيميل ولا في التويتر حتى لا تندم لأن الله قال (فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) وما أكثر الذين يندمون ثم يرسل رسال اعتذار! أسأل الله أن يرزقنا التثبت فيما نقول وفيما ننشر وأن يجعلنا وإياكم من عباده الصادقين المخلصين المتأدّبين بآداب كتاب الله .

      رابط الحلقة الصوتي:
      عبد الرحمن الشهرى - خبر الفاسق (13/8/2012) قصة آية
      وسيتم إضافة الحلقة للملف وإعادة رفعه كاملاً بإذن الله

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      وهذا ملف الحلقات بصيغة pdf ما عدا الحلقة 21 (خبر الفاسق) وسيتم تحديث الملف عندما ترفع الحلقة ويتم تفريغها بإذن الله تعالى.

      اترك تعليق:


    • عمر الخالدي
      رد
      بورك جهدكم -أختاه- ..

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 20 (20حلقة)
      الحلقة 22، 23، 24، 25 (4 حلقات)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)

      مجموع الحلقات المفرّغة: 28 حلقة
      الحلقات المتبقية: حلقة 21 وهي غير متوفرة حالياً على موقع قناة الرسالة وأنتظر الحصول عليها لاتمام التفريغ.
      نفعنا الله جميعاً بهذا البرنامج وجزى الله مشرفنا الفاضل د. عبدالرحمن الشهري على هذا الجهد المبارك تقبل الله منه وجعله في ميزان حسناته.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (25)
      الحذر من فتن الشيطان

      (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (17) الحشر)
      الوقوف مع آيات القرآن العظيم نعمة أسأل الله أن يوزعنا شكرها والوفاء بحقها. معنا اليوم آية من آيات سورة الحشر تقُصُّ علينا قصة الشيطان وحقيقة موقف الشيطان من الإنسان. قصة الشيطان مع الإنسان قصة طويلة وقصة عجيبة والمسلم الذي يقرأ القرآن الكريم لا يشكّ في هذه العداوة التي بينه وبين الشيطان. الله منذ أخبرنا من أول ما خلق أبونا آدم عليه الصلاة والسلام كان الشيطان موجوداً فهو أسبق من آدم في الخَلْق وكان الملائكة موجودين أيضاً فالله عندما قال للملائكة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)) ثم لما خلق آدم ونفخ فيه من روحه أمر الملائكة بالسجود له وكان الشيطان ابليس موجوداً مع الملائكة. المفسرون يقولون لماذا كان الشيطان موجوداً مع الملائكة؟ كيف كان يعيش مع الملائكة؟ لكن نحن لا نعلم عن حقيقة التفاصيل لكن الله أخبرنا أن الشيطان كان موجوداً ولذلك قال في سورة الكهف (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (50) الكهف) فالله يقول في سورة الكهف أن ابليس من الجنّ لكنه كان موجوداً في ذلك الموقف مع الملائكة، لماذا؟ الله أعلم لأن الأقوال في هذا كثيرة، لكن هذا الذي أخبرنا الله به. ثم قال (اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فاستثناه من الملائكة مع أنه ليس من الملائكة لكنه كان معهم. فلما رفض إبليس أن يسجد لآدم وبرّر امتناعه عن السجود بسبب يرى هو أنه سبب وجيه (قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) الأعراف) وإبليس عنده وجهة نظر أن النار أفضل من الطين، هذه فلسفة! ولذلك إبليس زعيم الفلاسفة! الذي يقدّم رأيه ويقدم فلسفته على أمر الله وعلى أمر النبي . ولذلك يقولون أول من قاس إبليس لأنه قاس وقال أنا مخلوق من نار وآدم مخلوق من طين والنار أفضل من الطين. ولذلك ابن القيم ردّ عليه وقال أن الطين أفضل من النار من أكثر من وجه. لكن بغض النظر النار أفضل أو الطين أفضل، أنت ما علاقتك بهذا؟! أنت تستجيب لأمر الله. ولذلك الملائكة قال الله تعالى (اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا) فسجدوا (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) التحريم) ولذلك من أدلة أن إبليس ليس من الملائكة أنه عصى الله والله يقول عن الملائكة (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) فهو ليس من الملائكة. من ذلك الموقف العداوة بدأت بين آدم وبين الشيطان ولحكمة أرادها الله لابتلاء الناس ولابتلاء البشر أنه جعل إبليس عدواً دائماً وأعلن ذلك في القرآن فقال (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) فاطر) ماذا نريد نحن كبشر أكثر من هذا التصريح؟! الله يقول لنا (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) والعجيب أن كثيراً من الناس حتى لا نُعمِّم اتخذه صديقاً لكن هذه حكمة الله وهذه إرادة الله وهذا الابتلاء، نحن نعرف قصة إبليس ويعجبني قول المثقب العبدي يقول لأحد أصدقائه
      فإما أن تكون أخي بحقٍّ فأعرف منك غثّي من سميني
      وإلا فاطّرحني واتخذني عدواً أتقيك وتتقيني
      لأن الذي يتخذك عدواً صريحاً يريحك لأنك تتقيه وتحسب حسابه لكن واحد يدّعي أنه صديقك ومن خلفك يطعنك هذه مشكلة وهذا صنيع المنافقين، المنافق يدّعي أنه معك في الصف ولكن في الحقيقة هو ضدك، أما الكافر فهو واضح العداوة. إبليس قصته مع آدم قصة طويلة جداً من آدم ما تركه من يوم دخل الجنة، ما زال يغريه، الله نهاه عن هذه الشجرة – العلماء يقولون هذه شجرة كذا – ما علينا هل هي شجرة زيتون أو تين، هذا لا يهم، لكن الفكرة هي الابتلاء، أنه قال لا تقرب هذه الشجرة والجنة أمامك بطولها وعرضها لكن لا تقرب هذه الشجرة، لماذا؟! هذا هو الإنسان! الشيطان قال لآدم الله لم ينهك عن هذه الشجرة إلا لأنها شجرة الخُلد إذا أكلت منها فما زال بآدم وقال الله في سورة الأعراف (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (24) الأعراف) آدم وحواء ما كانوا يتوقعون أن أحداً يقسم بالله وهو كاذب، هذا حسن الظن! فلما أكلا منها رسبا في الاختبار. والله قدّر هذا لأنه قال في أول الآية في سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) لم يقل إني جاعل في الجنة، إذن آدم مخلوق للأرض في الأصل، لكن هذه قصة الابتلاء. فلما أكلا من الشجرة وهبط إلى الأرض وابليس موجود معه فنحن من ذلك اليوم إلى أن تقوم الساعة في صراع مع إبليس. الله في الآية التي معنا (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ) يشبِّه حال المنافقين الذين يقولون لليهود حارِبوا محمداً وسوف نقف معكم، فلما انهزم اليهود قال المنافقون ليس لنا علاقة بكم!! فالله يقول هؤلاء مثل الشيطان، الشيطان يفعل هذا بالإنسان يغويه فإذا وقع في الغواية ووقع في الشر قال ما لي علاقة! وهذه ينبغي أن ينتبه لها كل واحد منا هذه طريقة الشيطان من آدم إلى اليوم يزيّن لك الباطل يوقعك في الفاحشة ويقول لك بسيطة يا رجل! كلها 15 مليون تنصب نصبة معينة وتسرق 15 مليوناً والله غفور رحيم! هذه فرصتك فرصة العمر، هذه السيارة فرصة العمر، هذه الفاحشة فرصة العمر، هو يأتيك بخطوات كما سماها الله خطوات الشيطان. وهذه تظهر في القصة التي ذكرها وَهَب بن المنبِّه في قصة هذه الآية. الله يقول الشيطان دائماً يوقع بني آدم في الفخ ثم ينسحب فانتبهوا، وهذه تنطبق على كل موقف يحصل من الشيطان مع الإنسان فإنه يغويك بترك الصلاة ثم يتخلى عنك، يغويك بالوقوع في الزنا ثم يتخلى عنك، يوقعك في السرقة ثم يتخلى عنك، يوقعك في الكفر والإلحاد بحجج كثيرة، بحجج الحرية الأدبية، بحجج النقد الأدبي، بحجج التعبير عن الرأي، بحجج كثيرة ثم يتخلى عنك.
      يذكر وهب بن المنبه قصة وقعت لأحد الرهبان تصلح أن تدخل تحت هذا النموذج وهو أن الشيطان يغوي الإنسان ثم يتخلى عنه. وهي قصة طويلة لكنها جديرة أن الناس يسمعونها. يقول وهب بن المنبه أن عابداً كان من بني إسرائيل وكان من أعبد أهل زمانه وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت وكانت بكراً ليس لهم أخت غيرها، الثلاثة يريدون أن يخرجوا للغزو فأين يتركون أختهم؟ فكروا وتشاوروا وقالوا أفضل حل أن نتركها عند هذا العابد رجل ثقة وعابد ومنقطع للعبادة فأختنا تكون في مأمن بإذن الله عند هذا الرجل. والرجل فعلاً كان ثقة وكان عابداً فما زالوا به حتى أنزلوها في بيت هذا الرجل فبقيت عنده زماناً بجوار منزله، وضعوا لها منزلاً بجوار منزله بحيث أنه ينتبه لها فكانت البنت موجودة في البيت بجواره وطعامها يصلها وهو منقطع في عبادته. لكن الشيطان بدأ يشتغل ويقول له أنت الآن لماذا لا تتواصل معها ولو تكلمها من خلف الباب لتطمئنها؟ لماذا ترسل لها الطعام مع أناس آخرين، لماذا لا تأخذه أنت أليس هذا أفضل وأجبر لقلبها وتجعلها تشعر أنك تهتم بها شخصياً؟! فبدأ يوصل لها الطعام بنفسه وبدأ يسمع صوتها وتسمع صوته ويحادثها وتحادثه ثم قال له الشيطان أنت تحادثها الآن من خلف الباب وقد يراك الناس ويظنون شراً فلماذا لا تدخل؟ فما زال به شيئاً فشيئاً حتى زقع وغياها في فاحشة الزنا ثم جاء لها ابن من هذه الفاحشة فجاءه الشيطان قال أنت الآن رزقت بولد من هذه البنت ماذا ستقول لإخوانها إذا رجعوا وقد ائتمنوك؟ أنا عندي لك رأي، تخلّص من هذا الولد اقتله وفعلاً استجاب العابد للشيطان، الشيطان يوسوس والنبي يقول إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم. والله خلقه بهذه المثابة أن عنده هذه القدرات هو يرانا ونحن لا نراه قادر على أن يوسوس لنا ونحن لا نستطيع أن نردّه إلا بالاستعاذة. فلما قتل الولد قال له الشيطان هل تتوقع أن أم الولد تسكت؟! لن تسكت، الحل اقتلها أيضاً وتخلّص منها وإذا جاء إخوانها قل ماتت . فما زال هذا العابد يتردد وسبحان الله الفرق بين العابد الذي على جهل والعالِم، العلم نور وهذا عابد على عماه! فلما أقنعه الشيطان بأن يقتلها قتلها بعد أن قتل ابنها ودفنها. فجاء الإخوان الثلاثة وسألوا أين أختنا؟ قال ماتت واقتنعوا بهذا العذر لأنه رجل ثقة. فلما ذهب الإخوان الثلاثة وناموا جاء الشيطان لكل واحد منهم وقال لهم أنتم صدّقتم هذا العابد؟ هذا كاذب، هذا زنى بأختكم وجاءه منها ولد وقتلهما وقبرها ليس هو بالمكان الذي أراكم إياه وإنما القبر في المكان الفلاني احفروه إن كنتم لا تصدقوني. والثلاثة رأوا الرؤيا بشكل مستقل فقال بعضعم لبعض رأيت كذا كذا فقالوا ما الحل؟ قالوا هذه أحلام وهذا رجل ثقة. واحد منهم قال يجب أن نبحث فلما بحثوا وجدوا أن كلام الشيطان –وهم لا يعرفون أنه الشيطان ويظنون أنها رؤيا في المنام – فلما كشفوا القبر وجدوا الكلام صحيحاً ووجدوها في القبر ووجدوا معها طفل صغير مقتول معها. فذهبوا للعابد وأخبروه فانهار العابد واعترف بكل الذي وقع منه. وطالبوا بتنفيذ حق القتل فيه فلما جيء بالرجل ليُقتَل قِصاصاً قال الشيطان له: أنت الآن قتلت وزنيت وعملت وعملت لا أقدر أن اساعدك إلا بطريقة واحدة وهي أن تكفر بالله وتسجد لي سجدة واحدة وأنا أخلّصك من كل ما أنت فيه وآخذ على أبصارهم فلا يرونك! تدرّج به الشيطان خطوة خطوة فما زال به حتى سجد العابد للشيطان سجدة فلما كفر العابد وسجد للشيطان قال له: إني بريء منك! لماذا؟ قال: إني أخاف الله رب العالمين! هذا منطق إبليس. هذه القصة ليس سبباً لنزول الآية وإنما ذكرها وهب بن المنبه من الإسرائيليات للإشارة إلى صنيع الشيطان مع الإنسان في بني إسرائيل وفي أمة محمد وفي كل الأمم الشيطان يتدرج مع الإنسان يوقعه في المخدرات، يوقعه في الفواحش، يوقعه في الكفر بالله، يوقعه في الخيانة، خطوات ولذلك قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ (21) النور) خطوة خطوة هو لا يأتيك يقول لك اُكفر مباشرة، لا، إنما يتدرج تدرجاً. من فوائد هذه القصة خطورة أمر النساء النبي يقول: ما تركت فتنة أضر على الرجال من النساء. لا تقول أنا ثقة، أنا عابد، لا، هذه قصص وهذه الحياة والتاريخ وإذا لم يستفد الإنسان من التاريخ ومن العبر فإنه لا عقل له ولذلك يقول الله (لقوم يعقلون) (أفلا تعقلون) (للعالِمين) للإشارة إلى أنه لا يتعظ بمثل هذه القصص والآيات إلا من وفّقه الله وأخذ هذه الفوائد. ومن فوائد هذه الآيات أن الشيطان قد يأتيك من باب النصيحة أحياناً ويأتيك أنه ناصح لك في الاستجابة لأمره فلما تستجيب له مثل آدم عليه الصلاة والسلام جاءه الشيطان على هيئة النصيحة أنه يأكل من الشجرة حتى يخلد فما استجاب وقع في الفخ. أسأل الله لي ولكم الثبات وأن يكفينا شرور أنفسنا وشر الشيطان ونفثه وشركه حتى نلقى الله ونحن على التوحيد وعلى الإيمان غير مبدّلين وغير مغيّرين.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 20 (20حلقة)
      الحلقة 22، 23، 24 (3 حلقات)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)

      مجموع الحلقات المفرّغة: 27 حلقة
      الحلقات المتبقية: 2 حلقتان

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (23)
      سبحان الذي وسع سمعه الأصوات

      (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) المجادلة)
      قصة هذه الحلقة سوف ننقلها لكم من حجرة النبي عندما كان جالساً في بيته ومعه عائشة فإذا بالباب يُطرَق وإذا بصحابية من الصحابيات الكرام ّ تطرق الباب فدخلت على النبي وشكت إليه حالها مع زوجها وسوف نتوقف مع هذا الموقف من النبي كيف استمع إلى هذه المرأة ونتعرف على هذه المرأة.
      هذه أول سورة المجادلة وهي أول الجزء الثامن والعشرين ومنها يبدأ الجزء وقصتها عجيبة هذه الآية. النبي كان مع عائشة فإذا بخولة بنت ثعلبة تطرق الباب، فلما فتح الباب لخولة وهي صحابية وزوجها أوس بن الصامت صحابي جليل وكبرت خولة في السن لكن حصل بينها وبين أوس خلاف فقال لها كلمة قال لخولة: أنت عليّ كظهر أمي. وهذه عبارة يسمونها عبارة الظِهار وهو أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، فكما أن أمي محرّمة عليّ فأنت محرّمة عليّ. وهي أشبه ما تكون بتعليق لا هو يطلقها ولا هو يبقيها في عصمته وإنما يبقيها ولكنه لا يقربها ويهجرها. فخولة شعرت بالإهانة من هذا الموقف بعدما كبرت سني ورقّ عظمي وكما قالت: نثرتُ له بطني يقول لي هذا الكلام! فذهبت خولة إلى النبي ولاحظ كيف كان الصحابة يلجأون إلى النبي حتى في القضايا الاجتماعية البسيطة. من هو الآن من الرؤوساء أو من الملوك الذي يحلّ القضايا الزوجية أو المشاكل بين الأبناء؟! النبي وهو قائد هذه الأمة وهو الرسول الذي يتلقى الوحي من السماء وبالرغم من ذلك يستقبل مثل هذه القضايا الأسرية. ولذلك الإخوة الذين يستقبلون القضايا الأُسرية ويحلون مشاكل الناس قدوتهم النبي في ذلك فهو كان يستقبل مثل هذه القضايا يسعى بالصلح بين الزوج وزوجته لأن هذه من أعظم القربات. فعائشة في طرف البيت وخولة جلست عند النبي فقالت يا رسول الله، أوس نثرت له بطني وأبليت له شبابي ثم قال لي أنت عليّ كظهر أمي. وفي بعض الروايات قال: إن لدي أطفال إن ضممتهم إليّ جاعوا وإن ضممتهم إليه ضاعوا، قضية مشكلة من كل ناحية!. قالت عائشة في الحديث في صحيح البخاري قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات والله لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله وأنا في ناحية البيت – عندما نقول بين رسول الله، بيت عائشة، يظن الناس أننا نتحدث عن فيللا أربعين في أربعين أو ثلاثين في ثلاثين أو دورين! لا، كانت بيوت النبي حجرات صغيرة إن كانت واسعة فهي ربما لا تصل ثلاثة متر في ثلاثة متر لأنه لو كانت كذلك ما كانت عائشة تكفّ رجلها حتى يسجد النبي ثم تمد رجلها في قيامه لأن الغرفة كانت ضيقة وهي نائمة على فراشها وهي ويصلي في الحجرة فتكفّ رجليها حتى يسجد ثم تعيدها فهذا دليل على أنها ضيقة. ولذلك الذين كتبوا في حجرات النبي وفي بيوت النبي وفي تاريخها يتحدثون عن غرف ضيقة جداً فعائشة في طرف من الغرفة الضيقة وخولة في الطرف الآخر. فتقول عائشة : سبحان الذي وسع سمعه الأصوات مما يدل على أن خولة كانت تتحدث بهدوء وإنني أسمع كلام خولة وبعضها لا أسمعه وبالرغم من ذلك يقول الله (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا). فأصغى لها النبي وسكت وهي تصيح وتبكي فلم تبرح حتى أنزل الله هذه الآية في سورة المجادلة فأصبحت خولة بركة على المؤمنين أنزل الله في شأنها قرآناً يتلى إلى يوم الدين وأخبرنا الله عنها فقال (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)) ثم ذكر الله كفّارة الظِهار بسببها وهذا من بركة جيل الصحابة. الناس اليوم للأسف عندما يقال له هذا قول ابن عباس هذا قول عبد الله ابن مسعود، يقول أنتم أزعجتونا بأقوال الصحابة وأقول السلف، هؤلاء جيل غير جيلنا! ولا يعرفون لذلك الجيل قدره ولا فضله في حين أن منهج السلف ومنهج المسلمين ومنهج المؤمنين توقير هذا الجيل وتعظيمه كما عظمه الله وأعطاه حقه ولذلك قال : لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً لم يبلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه. الآن لو أنفقت مثل أُحد جبلاً وهذا مستحيل ومستحيل في حق أيّ ملك من ملوك الدنيا! من يملك مثل جبل أُحد ذهباً؟! لكن على افتراض أن أحدنا أنفق مثل أُحُد ذهباً ما يساوي عند الله مُدّ صحابي ينفقه في سبيل الله ولا نصفه فأي فضل أعظم من هذا؟! ولذلك فهذا جيل عظيم متفرّد له مزيّة على كل الأجيال التي جاءت بعده، فخولة صاحبة فضل في نزول هذا التشريع فهو محفوظ لها إلى يوم القيامة. انظر أولاً عائشة وهي زوجة النبي وهي شديدة الغيرة وبالرغم من ذلك تروي هذه القصة وتقبلت مجيء النساء إلى النبي للاستفتاء والاستشارة وحل مثل هذه القضايا. والأمر الثاني أن الله سارع بإنزال هذه الآية، أذكر شيئاً آخر النبي لما اتهم في عرضه لما جاء عبد الله بن أبيّ قبّحه الله واتّهم عائشة أنها وقعت في الفاحشة كانت من أشد القضايا على النبي وهي ما سميت بحادثة الإفك لأنهم افتروا إفكاً على عائشة . متى نزلت آية الإفك على النبي ؟ بعد شهر، شهر كامل والنبي يلاك عرضه ويطعن في عرضه ويتكلم المنافقون في عرضه، شهر حتى جاء الجواب!. خولة فوراً، لا نقول خولة أهمّ ولكنه البلاء! ابتلى الله النبي بلاء شديداً فصبر عليه الصلاة والسلام وخولة مجرد أن قال لها أوس أنت عليّ كظهر أمي ذهبت إلى النبي ولم ترجع إلا والآيات قد نزلت فيها، فأيّ فضل أعظم من هذا؟!
      نستفيد من الآيات أولاً: رفق النبي بالصحابة ما قال لها ما عليّ منك أنت وزوجك؟! ما عا عندي مسألة غير أنت وزوج أوس بن الصامت؟! لا، ما قال هذا! وأين الوقت الذي يلقاه النبي ليجلس مع زوجاته؟! وهذه المرأة تأتيه وهو جالس مع إحدى زوجاته وبالرغم من ذلك استمع إليها وقال (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) معناه النبي أعطاها وقتاً وحاورها. والمرأة في هذا الموقف غاضبة ومكسورة الجناج وتشعر بالإهانة فأعطاها النبي حظها ثم ما تقوم إلا وقد نزل بها قرآناً سارع لحل مشكلتها وذكر الكفّارة، وهذا لا شك محض فضل من الله .وهذا فيه دروس للدعاة والذين يتصدون للدعوة بين الناس وحل مشاكل الناس أن يفتحوا صدورهم للناس لا يمكن للناس أن يتبعونك ويقبلون منك توجيهك أو نصيحتك وأنت ضيّق الصدر على الناس وتغلق الباب في وجه الناس مستحيل! ولذلك الله ذكر عن النبي وهو النبي قال (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ (159) آل عمران) وحتى ولو كنت رسول الله، فمن باب أولى كل من يسلك طريقه من بعده لا بد أن يكون لين الجانب لين الطبع عفّ اللسان وواسع الصدر ويتقبل شكاوى الناس ويتقبل أسئلة الناس ولا يتذمر ممن يسأل وممن يكرر السؤال هذا ليس من أخلاق النبي وليس من أخلاق من يسير على منهجه.
      من فوائد هذه الآيات أيضاً ضرورة حفظ اللسان فهذا الذي وقع فيه أوس بسبب لسانه حينما غضب وقال أنت عليّ كظهر أمي. فالله نهى عن هذا الأمر وحرّمه لذلك يقولون في الحكم "ما من شيء أحوج إلى طول حبس من لسانك" ونحن للأسف نتساهل في الكلام وتجد الواحد منا يتحدث الساعات الطويلة ويضحك ويسخر وينكّت ويتحدث ونلاحظ الآن أننا أصبحنا نشكو من كثرة الهواتف أصبحت شركات الاتصالات الآن تفاخر أنها استطاعت أن تبيع مثلاً سبعة ملايين خط هاتفي! هذا مؤشر على أن كثرة الكلام وكثرة الانفاق على الكلام والله في تصوري لو لخّصنا كلامنا على الهواتف الذي نصرف عليه كل هذه الأموال لوجدنا أن 99% منه ليس له داعي!. فعلى المسلم أن يحفظ لسانه، هذا من دروس هذه القصة أن أوس عندما زلّ لسانه وظاهَر من خولة وقع فيما وقع فيه وكان فيه هذه الكفارة الغليظة
      أيضاً من فوائد هذه الآيات عظيم إحاطة الله فإن سمعه وسع الأصوات ولا يخفى عليه شيء فهذه خولة عائشة معها في نفس الغرفة وتقول والله إني أسمع بعض الكلام وبعض الكلام ما أسمعه! وبالرغم من ذلك قال (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) فأين تهرب من الله؟ (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)، هذه رسالة.
      من فوائد هذه الآية ومن أعظم المكاسب التي يمكن أن نستفيدها اهتمام النبي بشأن الأسرة، الأسرة هي نواة المجتمع المسلم إذا تفككت الأسرة أين تجد المجتمع؟ ولذلك الشيطان يفرح فرحاً شديداً بالطلاق، أشد واحد يفرح بطلاق المرأة من زوجها. ولذلك يقولون الشيطان يبعث جنوده كل يوم يوزعهم في فرق عمل فإذا جاء أحدهم يقول أن فلان ارتد عن دينه يرى أنه عمل عملاً جيداً لكن يأتيه أحد الشياطين فيقول ما زلت بين فلان وفلانة حتى فرّقت بينهما، فيقول أنت! يحصل على المزايا والترقية! لماذا؟! لأن الشيطان عنده بعد نظر لأنه إذا انهدمت الأسرة انهدم المجتمع ولذلك الغرب يحارب الأسرة المسلمة يحارب المرأة المسلمة يريد للمرأة أن تخرج من بيتها بحجة أنه من حقها أنها تعمل وتقود السيارة، هذه ليست حرية المرأة! انظر هنا كيف اهتم النبي وكيف اهتم الله بالموضوع وأنزل التشريع مباشرة لأن مسألأة انهدام الأسرة من انهدام المجتمع كيف أبني مجتمعاً والنوا مفككة ولذلك علينا أن نحذر أشد الحذر من كل المخططات التي تكيد للأسرة المسلمة فتُخرج المرأة على كيفها وتخرج البنت على كيفها ويخرج الولد على كيفه حتى أن البيت يصبح كفندق! الأب لا يعرف ماذا تصنع الزوجة والزوجة لا تدري ماذا تصنع البنت؟ يعني ساكنين مع بعض وللأسف أن هذا حال كثير من الأسر اليوم حتى صار بعضهم ينادي ابنه أو ابنته للغذاء عبر رسائل الجوال! للأسف الشديد أقول هذا وأنا حزين لكن جرّنا إليها حديث عناية الإسلام بالأسرة التي تتجلى بعناية الرسول بقصة خولة وقصة أوس بن الصامت ومحاولة لمّ هذه الأسرة وإعادتها مرة أخرى وانزال القرآن فيها وتشريع كفارة الظهار كل هذا إشارة إلى أن الأسرة نواة المجتمع المسلم وينبغي أن نحافظ عليها وأن نعتني بها وأن نحاول أن نضيق حالات الطلاق بقدر ما نستطيع لتبقى تصبح أضيق الحدود كعلاج ولا يتساهل الناس والآن أصبحت نسب الطلاق تكاد تفوق نسب الزواج إن لم تتساوى معها وهذه مؤشرات كارثية على الخلل الموجود عندنا. نسأل الله تعالى أن يرزقنا فقه كتابه وأن يجعلنا من العاملين به والمتدبرين له.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (24)
      مدح الإيثار وأهله

      (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) الحشر)
      نتوقف اليوم مع الآية التي تتحدث عن الأنصار في سورة. رضي الله عن هؤلاء الأنصار وجزاهم عن المسلمين خير الجزاء. نحن نتحدث في هذه الآية عن أجدادنا الأنصار والأنصار هم الذين نصروا النبي ووقفوا معه في بداية الإسلام حتى نصره الله ولذلك أحبهم النبي حباً شديداً وكان في قسمة الغنائم يقسم للمؤلفة قلوبهم الحشر ويقسم للقبائل الأخرى ويترك الأنصار في حنين فلما شعر النبي أن الأنصار جمع الأنصار وقال يا معشر الأنصار والله لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار والله لولا الهجرة لكنت امرءأ من الأنصار اللهم ارض عن الأنصار وأبناء الأنصار فالنبي كان يحبهم حباً شديداً لأنهم وقفوا معه ونصروه وأوصى بهم فقالوا المنة لله ورسوله وبكوا بكاء شديداً لكن حظوظ الناس أحياناً وقع في أنفسهم وهم يرون الناس يقتسمون الغنائم وهم الذين أعطوا معظم الجيش منهم لكن الرسول قال أما رضيتم يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله؟ لهم النيا ولكم الآخرة. هؤلاء الأنصار ضحوا بكل شيء في سبيل نصرة هذا الدين وهذه الآية تتحدث عن الأنصار وهذه الصفة من صفاتهم . والله في هذه الآية يقول (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ) من الصحابة من الذين جاؤوا من مكة وغيرها (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا) يعني يعطون ويبذلون بكل أريحية ولا يشعرون بأي حسرة ولا حزن لما يعطونه وينفقونه في سبيل الله قال (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وهذه الآية لها قصة.
      روي في سبب نزول هذه الآية روايات من أصحّها ما رواه البخاري ومسلم أن رجلاً جاء إلى رسول الله فقال إني أصابني جوع، فالرسول أرسل إلى بعض نسائه عائشة، أم سلمة، حفصة، هل عندكم شيء؟ فكل واحدة منهن تقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك حتى قلن كلهن مثل ذلك. وقد ذكرنا في حلقة ماضية أن الرسول كانت حياته بهذه الطريقة، كفاف، بل كانت عائشة تقول كان يمر علينا الهلال وفي رواية أخرى يمر علينا الشهر والشهران والثلاثة لا يوقد في بيتنا نار. وفي رواية أخرى: ما هما إلا الأسودان الماء والتمر. فالنبي وقع في حَرَج من هذا الضيف المسكين الجائع، بيوت النبي كلها ما فيها شيء! فقال النبي لمن كان معه من الأنصار من يُضيف هذا الليلة ؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فاصطحبه إلى بيته فلما دخل إلى بيته قال لامرأته هل عندك شيء؟ قالت لا والله، إلا طعام صبياني. قال فدعيهم يتلهّون بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه بأنا نأكل وضعي الأكل عنده فقط فقعدوا وأكل الضيف. فلما أصبحوا غدا للرسول الضيف والأنصاري فقال الرسول للأنصاري: قد عجِب الله من صنيعكما بضيفكما البارحة، وفي رواية البخاري فأنزل الله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ). في بعض الروايات تذكر أن هذا الصحابي الأنصاري هو أبو طلحة الأنصاري . هذه قصة هذه الآية، لاحظ كيف أنهم آثروا ضيفهم على أنفسهم بالرغم من هذا الفقر وهذه الخصاصة وهذه الحاجة. فمعنى قوله تعالى (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) يعني لو كان بهم حاجة لو كان بهم فقر فإنهم بالرغم من هذا الفقر وهذه الحاجة نفوسهم طيبة ببذل ما يملكون. ولذلك ليس بالضرورة أن تكون غنياً حتى تنفق وليس بالضرورة أن تكون ثرياً جداً حتى تتصدّق، لا، وإنما تصدّق الإنسان بريال أو ريالين أو ثلاثة قد تفوق مليارات! وسبق درهم ألف درهم. والعبرة هي بالنيّة الطيبة ويصدق الإقبال على الله والثقة في وعد الله ولذلك ينبغي أن يكون هذا الأنصاري والصحابي الجليل قدوة لنا جميعاً أنك تقدّم أمر الله وتقدّم ما عندك لوجه الله وهذا الذي كان يصنعه أبو بكر، أبو بكر لما دخل في الإسلام أصبح يقدم ماله للنبي ينفق كل ما عنده ولذلك لما جاءت الهجرة أخذ كل ماله وجاء به إلى النبي وقال يا رسول الله هذا في سبيل الله لك وللهجرة، فقال وماذا تركت لأهلك؟ قال تركت لهم الله ورسوله. لذلك عمر يقول يوماً حاولت أني أسابق أبا بكر فجاء عمر بنصف ماله ونظر أن أولاده وأهله لهم حق فترك لهم النصف من المال وأخد النصف وهذا كثير فجاء به إلى النبي فما جاء أبو بكر جاء بماله كله فقال عمر لا أسابقك بعد اليوم! فالشاهد أن هؤلاء سواء من المهاجرين أو الأنصار كانت هذه أخلاقهم لكن هذه الأخلاق تجلّت في الأنصار لأنهم هم كانوا أصحاب الأرض في المدينة وكانوا أصحاب الدار فلما جاءهم المهاجرون ظهر خلق الإيثار في الأنصار فجاء الأنصار فأسكن معه المهاجر في منزله وأسكن أولاده معه وقسم له بيته وقسم له ماله فبلغوا في هذه الصفة مبلغاً وضُرب بهم المثل. عبد الرحمن بن عوف خيّره الأنصاري بين زوجاته قال له أطلقها وتتزوجها وهي مضرب المثل في مسألة الإيثار ولذلك خلّدها الله في القرآن الكريم وقال (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) . والحقيقة الدين لا يقوم إلا على أمثال هؤلاء الرجال ولذلك سمّاهم الله الأنصار عندما قال الله (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ (117) التوبة) وسُموا الأنصار لأنهم نصروا الله بنصرتهم للنبي ونصرهم الله نصرهم في المعارك ونصرهم في خدمة الدعوة وكانوا مادة الإسلام ولذلك لا بد أن يُعرف فضل الأنصار وأبناء الأنصار حتى اليوم وحتى يوم القيامة لأنهم نصروا النبي ووقفوا معه وجاهدوا دونه بالسيوف ولذلك النبي كان يريد أن يسمع رأي الأنصار عندما يستشير الناس لأنهم هم أصحاب الدار وهم الذين سيقفون ويحاربون ولذلك في إحدى المناسبات قام النبي يستشير الناس في خروجه لمقابلة المشركين من عدمها في المدينة فلما استشار الناس قام من المهاجرين في بدر فقالوا كلهم يا رسول الله نحن معك، من المهاجرين، فقال أشيروا عليّ أيها الناس ففهم الأنصار أنه يقصدهم يعني ما هو رأيكم أنتم أيها الأنصار أريد أن اسمع رأيكم لأن المهاجرين الذي يؤيدونني جاؤوا معي من مكة يؤيدونني لكن أنتم أصحاب الأرض هل تؤيدونني فعلاً في أن ندخل معركة مع قريش؟ فقام سعد بن معاذ وفي مناسبة أخرى قام المقداد بن الأسود وكلهم من الأنصار فقالوا يا رسول الله والله لو خُضت بنا برك الغِماد (وهي منطقة بعيدة عنهم في ذلك الوقت) لخضناها معك والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول إنا معك مقاتلون نحميك مما نحمي منه أنفسنا وأموالنا ونساءنا فقال النبي أما الآن فنعم. فالأنصار كان النبي يعتني برأيهم وبدعمهم ولذلك سعد بن معاذ وهو من كبار الأنصار والذي اهتز لموته عرش الرحمن كما في الحديث الصحيح كان مؤيداً للنبي وكان النبي يحب أن يسمع رأي سعد وتأييده. ولذلك في قصة بني قريظة المشهورة عندما غدر بنو قريظة بالنبي وأراد النبي أن يحكم فيهم فاستشار سعد بن معاذ وقال اليهود نرضى بحكم سعد بن معاذ. سعد بن معاذ شيخ من شيوخ الأنصار الكبار واليهود يعرفون له كلمته ووزنه. فقال النبي لسعد بن معاذ ماذا تحكم فيهم يا سعد؟ فسعد بن معاذ أراد أن ينتقم من هؤلاء اليهود الذين غدروا به وغدروا بالنبي وهو صاحب خبرة طويلة في التجربة مع اليهود ويعرف كيف يتعامل معهم. فقال سعد بن معاذ لليهود: ترضون بحكمي؟ قالوا نعم، لأن بينه وبينهم تعاملات طويلة وأشار إلى النبي ومن معه من الصحابة : من هنا يرضون بحكمي؟ ويقول علماء السيرة أنه لم يقل هل يا رسول الله ترضى بحكمي الذي أحكم به؟ ولكنهم يقولون أنه نظر إلى النبي وهو مُطرِق تأدباً وقال: ومن هنا أترضون بحكمي؟ قال النبي نعم، فقال أما أنا فأحكم قتل مقاتلتهم كل واحد فيهم يحمل السلاح يُقتَل وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم. حكم دموي! حكم دموي وقاسي جداً لكنه حكم الله فقال النبي حكمتَ بحُكْم الله من فوق سبق سموات، هذا الحكم الذي حكمت به يا سعد هو حكم الله وهذا الذي نُفِّذ فيهم وقُتِل منهم في ذلك اليوم من اليهود الذين غدروا بالنبي سبعمائة رجل وغنمت ذراريهم وسُبيت نساؤهم. فالأنصار لهم في الإسلام ميزان عظيم وهذه الآية في سورة الحشر تبين لنا صفة من صفاتهم وهي صفة الإيثار
      والفائدة التي نخلص بها من هذه الآية هو أنه ينبغي على المسلم أن يكون فيه هذا الخلق وهو خلق الإيثار أنك تؤثر غيرك في مسائل الدنيا كرماً منك وخُلُقاً منك فتؤثره بالمال وتؤثره بالركوب وتؤثره بالمقعد وتؤثره بما يدخل على نفسه السرور وأن هذا من مكارم الأخلاق. ولكن في العبادات وفي القُربات فإن العلماء يتوقفون في هذا ويقولون أن الإيثار في القربات مكروه وأنه ينبغي عليك أن تسارع إلى الطاعات فلا تؤثر أحداً بالصف الأول وترجع أنت إلى الصف الثاني مثلاً بعض العلماء ينهى عن هذا وبعض العلماء يقول حتى في هذه فهي من مكارم الأخلاق إذا كان له عليك فضل، تقدّم والدك في الصف الأول وترجع أنت إلى الصف الثاني إذا لم يكن هناك مكان ولكن تبقى صفة الإيثار من صفات ومن مكارم الأخلاق التي لا يختلف عليها ولذلك الله ذكرها هنا. وأيضاً من فوائد هذه الآيات معرفة حق الأنصار وفضلهم وسابقتهم في الإسلام وأيضاً سابقة أبنائهم وأحفادهم حتى اليوم وأن هذا من ديننا وإكرامهم وإكرام أبنائهم أنه من إكرام الله لهم كما في هذه الآية العظيمة في سورة الحشر وهناك آيات أخرى تحدثت عنهم في سورة التوبة وغيرها تشير إلى مكانتهم وتعظيم الله لجهدهم ولموقفهم الذي وقفوه مع النبي في بداية الإسلام بعد أن ذهب النبي إلى الطائف ورُدَّ من أهلها وقريش رُدّ من أهلها فلما ذهب إلى المدينة آواه الأنصار ونصروه ولذلك النبي قال للأنصار عندما عاتبهم في ذلك الموقف: والله لو شئتم لقلتم يا معشر الأنصار فلصدقتم ولصُدقتم جئتنا طريداً فآويناك وجئنا فقيراً فأعطيناك ولكن لم يقولوا ذلك فقالوا يا رسول الله المنّة لله ورسوله. لكن بالرغم من ذلك أثبت الله لهم هذه الصفات. ولا شك أن الاعتراف لصاحب الفضل بفضله هو من حُسن الخلق ومن الوفاء، والقرآن الكريم لو تأملته لوجدته أنه يحث على مكارم الأخلاق بالتوازي مع توحيد الله والإيمان بالأنبياء والرسل والإيمان باليوم الآخر فمزج الأخلاق بالعقيدة مثل (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾ المؤمنون) تجد أنها صفات شيء عقيدة وشيء أخلاق ممزوجة مع بعضها، تقرأ سورة الحجرات فإذا بها العقيدة مع الأخلاق فديننا هو دين الأخلاق وقام على الأخلاق وفي الحديث "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاستقامة على أمر الله وأن يجعلنا ممن يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة اقتداء بالأنصار .

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 20 (20حلقة)
      الحلقة 22 (حلقة)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)

      مجموع الحلقات المفرّغة: 25 حلقة
      الحلقات المتبقية: 4 حلقات

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      الحلقة 21 بعنوان (خبر الفاسق) المرفوعة على قناة الرسالة هي نفس الرباط للحلقة 20 بعنوان (البعث والنشور) لذا لم أتمكن من تفريغها وسأنتظر إعادة رفعها حتى يتم تفريغها.
      وهذا تفريغ الحلقة 22

      قصة آية (22)
      خشوع القلب
      (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ
      قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) الحديد)

      نتوقف اليوم مع آية سورة الحديد ونذكر قصة هذه الآية. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله كما روى مسلم في صحيحه: "ما كان بين إسلامنا وبين معاتبة الله لنا بهذه الآية إلا أربع سنين" (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ). أولاً نلاحظ أسلوب هذه الآية والاستنكار (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) ألم يحن الوقت بعد للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق؟!. ثم يحذّر من أن يكون فينا صفة من صفات أهل الكتاب وهي قسوة القلوب والإعراض. وسبحان الله العظيم نلاحظ كيف أن القرآن الكريم من أوله لآخره تجد فيه حديثاً طويلاً جداً يحذِّرنا من قصص بني إسرائيل وقسوتهم وقسوة قلوبهم وتكذيبهم لأنبيائهم وقتلهم لأنبيائهم وإعراضهم ويكفي في هذا قصة البقرة وتعنّتهم! ما لونها؟ ما هي؟ إن البقر تشابه علينا! تصرفات إنسان لا يريد أن ينفّذ!!. بالمقابل في آخر سورة البقرة إشارة إلى استجابة المؤمنين (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)). تأمل في قوله هنا (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) طال عليهم الوقت والزمن (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وأصبحت أقسى من الحجارة كما قال الله في سورة البقرة (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ (74) البقرة). هنا في هذه الآية يذكر المفسرون قصة طريفة وبعض كتب التراجم وتذكر أن هذه الآية كانت سبباً في هداية بعض التابعين وبعض الزُهّاد من أمثال الفُضيل بن عياض وكان من الزُهّاد المشهورين في التاريخ الإسلامي كان في أول حياته قاطع طريق، لصّ، شاطر (الشُطّار عندنا الآن هم المتميزون في الدراسة في حين أنهم في اللغة الشُطّار هم اللصوص وإن كان اللصّ يحتاج إلى مهارة وشطارة!). فالفضيل بن عياض كان مشتغلاً بقطع الطريق وإيذاء الناس وذات يوم تسلّق على أحد البيوت يريد أن يسرق في هدأة الليل فإذا به يسمع صاحب البيت يقرأ هذه الآية (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) فوقعت سبحان الله هذه الآية في نفس الفضيل فقال: آن يا رب، آن يا رب. وسبحان الله تجليات الهدى والحق في نفوس الناس لها أوقات، بعض الناس تراه موغلاً في العصيان حتى يقول الناس أنه لا يمكن أن يهتدي كما كان بعض الصحابة يظنون بعمر بن الخطاب في أول الإسلام فكان هناك من يقول: لعله يهتدي عمر بن الخطاب، لعله يُسلِم، فقال أحدهم والله لا يُسلم عمر حتى يُسلم حمار الخطاب. لماذا؟ كان عمر شديداً على النبي وشديداً على المسلمين ولكن الله يهدي من يشاء. أصبح عمر بن الخطاب بعد أن كان حِربة في نَحْر المسلمين وضد الإسلام أصبح عمر بن الخطاب! أنت الآن إذا ذكرت عمر بن الخطاب تشعر بالعزّة وتشعر بالشرف وتشعر بالقوة وأنت تذكر عمر بن الخطاب ، فلا تيأس من هداية أحد. ولكن السؤال هو متى يريد الله بالإنسان الهداية؟ الإنسان يدعو الله ولذلك بعض الآباء يشعر بالإحباط من هداية ابنه فيدعو عليه وما ينبغي والمفترض أن يكون المربي طويل النفس يصبر على الناس فالنبي جلس ثلاث وعشرون سنة يدعو وأعجب من النبي نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً! من يصبر هذه المدة؟! هم يضربون المثل بصبر أيوب ويذكرون في بعض الروايات أنه صبر على المرض 18 سنة ونوح صبر على دعوة هؤلاء المكذّبين 950 سنة وهم يتفنّنون في السخرية منه وهو يتفنّن في دعوتهم (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴿٥﴾) (ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٨﴾ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴿٩﴾ نوح) مارس كل الأساليب، ابتكر أساليباً جديدة وجاءهم في أوقات مختلفة وبالرغم من ذلك (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴿٦﴾) (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ) والله ما دعوتهم لنفسي ولا لمصالحي الشخصية إنما لتغفر لهم (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿٧﴾) وبالرغم من ذلك صبر. ولذلك في سورة العنكبوت ذكر الله تعالى إشارة إلى قصة نوح (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) العنكبوت) ما ذكر من قصة نوح في هذه السورة إلا المدة التي بقيها في قومه، سورة نوح لم تذكر فيها المدة، سورة هود ما ذكرت فيها المدة، لماذا ذكرها في سورة العنكبوت؟ يظهر لي فائدة وهي أن سورة العنكبوت كما يقول العلماء بعضهم يقول هي آخر سورة نزلت في مكة وبعضهم يقول هي أول سورة نزلت في المدينة وبعضهم يقول هي نزلت في الطريق في الهجرة كأن الله يريد أن يقول للنبي يا محمد كم جلست! في مكة؟! 13 سنة واعتبرتها مدة طويلة والناس ما استجابوا لك فانظر إلى نوح (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) 950 سنة ناقص 13 كم الفرق بينكم؟! الفرق شاسع ولا مجال للمقارنة! ونوح ما آمن معه إلا قليل! ولذلك النبي بحاجة إلى التثبيت. قصص الأنبياء السابقين تثبته ولذلك عندما نسمع هذه القصص (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) قصة الفضيل بن عياض قصة ابراهيم بن أدهم، قصة مالك بن دينار يزيدنا هذا ثباتاً ويقيناً وتصديقاً لما أنزل الله تعالى في كتابه. هذه الآيات منذ نزلت على النبي اهتدى بها آلآف، قرأها ملايين من الناس، استجاب لها ملايين من الناس أعرض عنها ملايين من الناس، فهذه نعمة. نحن عندما نتدبر في كلام الله قدوتنا في ذلك النبي أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أُبيّ بن كعب، عبد الرحمن السلمي الذي روى رواية حفص وهو الذي يقول عندما أرسل عثمان المصحف من المدينة إلى الكوفة وأرسل عبد الرحمن يُقرئ وكان في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره فجلس يُقرئ أكثر من أربعين سنة وهو راوي حديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلّمه" وقال هذا الحديث هو الذي أجلسني هذا المجلس منذ أربعين سنة. فنحن نقتدي بهؤلاء الأشراف وأنت تقرأ القرآن وتستجيب له وهذه دعوة مني لنفسي وللجميع أن يقوي علاقته بكتاب الله وأن يتذكر أن طريق الهداية وطريق التوفيق في الدنيا والآخرة تنطلق من هذا القرآن وأنه منذ نزل الوحي على النبي جاءت الهداية فجعل الله القرآن الكريم هدى وجعله روحاً وجعله نوراً، من الذي يكره هذه الأشياء؟! وأنت تتأمل في ما هو ضد الهدى؟ الضلال (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ (32) يونس) وضد النور الظلمة.
      لفتة في (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) الذين آمنوا بحاجة إلى الخشوع وفي سورة الأنفال قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا (2)) فالمسألة ارتباط، المؤمن من صفاته الخشوع ولا قدّر الله الواحد لو ابتعد أو جنح قليلاً عن الخشوع يعاتبه الله وعتاب الله للمؤمن هو عتاب المحب لا يعاتبك إلا لأنه يحبك. وهي لفتة أن الإنسان إذا شعر بقسوة في قلبه أن يرجع والمؤمن رجّاع وأسرع وأقصر طريق كلام الله فالإنسان لو أخذ آية ورددها. وهذه الآية مما ررده كثير من السلف وعاش معها وهي آية مبكية لمن يتأملها ةكثير من آيات القرآن الكريم تستحق الوقوف عندها وكان كثير من الصحابة يقفون عندها ويرددونها وربما يقوم الليل بهذه الآية (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)؟ سؤال استنكاري والجواب بلى يا رب آن لنا أن تخشع قلوبنا لذكرك. قال (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) والآية التي بعدها يقول (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)) فكما أن الله يحيي الأرض بعد موتها بالمطر فكذلك بهذا الذكر وبهذا القرآن يحيي القلوب وتنتعش ويصبح الإنسان الذي كان مسودّ الوجه من المعاصي والإعراض يتهلل وجهه نوراً وصدره انشراحاً. زارني الشيخ يوسف استيس المشهور والله يتهلل وجهه نوراً وأنا ما كنت أعرف تفاصيل حياته فزارني في مكتبي في الرياض وتبادلنا الحديث وأنا انبهرت من النور الذي في وجهه ما هذا النور سبحان الله! وإذا بالرجل داعية فذهبت لى الانترنت ورأيت صورته قبل الإسلام وصورته بعدها، لا إله إلا الله! لا تصدق أن هذا الرجل هو هذا الرجل! كان قسيساً وكان داعياً للنصرانية ووجهه مسودّ ثم الظلمة في الوجه ليس لها علاقة بالجمال فقد يكون الإنسان أبيضاً وجميلاً ولكن وجهه مظلم من المعاصي والكفر وتجد الإنسان أحياناً يكون أسمر البشرة ولكن النور في وجهه يتهلل نور الإيمان ونور الهداية. فالله عندما يقول (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) يخاطب في نفس المؤمن هذه النزعة وهذه الفطرة للعودة وللهداية وللإقبال على الله وهي فرصة ما دام الإنسان لديه فرصة أن يتأمل القرآن ويقرأ فيه ويرجع إليه وأن يكون حظه من القرآن أوفر الحظ والنصيب. من يحفظ القرآن ويقول الليل بالقرآن أي لذة تعادل هذه اللذة؟! الإنسان يقرأ غيباً من كتاب الله حيث شاء ويتدبر ويكرر لا شك هذه من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان أسأل الله أن يبارك لنا في القرآن وأن يرزقنا الإخلاص والتوفيق. علينا أن نحرص على العناية بكتاب الله وليس هناك عذر لأحد في التقصير بكتاب الله أن يتعلّمه ويتلوه ويتدبره ويحفظه، حفظ آية من كتاب الله غنيمة من الدنيا خير من الدنيا وما عليها كما قال النبي في الحديث الصحيح: " خرج علينا رسول اللهِ ونحن في الصفة فقال أيكم يحب أن يغدو إلى بطحان أو العقيق فيأخذ ناقتين كوماوين زهراوين بغير إثم بًالله ولا قطع رحم قالوا كلنا يا رسول اللهِ" كلنا يرغب في ذلك فقال: " قال فلأن يغدو أحدكم كل يوم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير له من ناقتين وإن ثلاث فثلاث مثل أعدادهن من الإبل". لو تُخيِّر بعضنا الآن في أن يحصل على منحة أرض أو يحصل على سيارة أو يتعلم آية ما عنده مجال للمقارنة فيذهب إلى عاجل الدنيا ويفرّط في الغنيمة الحقيقية التي أعد الله لصاحبها في الآخرة ما لا عين رأت فما أحوجنا لى تذكرة أنفسنا بين الحين والآخر وخاصة في شهر القرآن حيث كان النبي يتدارس القرآن مع جبريل فنحتاج أن نتدارسه مع أنفسنا وأزواجنا ووالدينا ونربي أنفسنا وأبناءنا على هذا، لم لا يكون لنا برنامجاً يومياً مع القرآن لو نصف ساعة في اليوم نتدبره. أحياناً بعضهم يقول أنها لزيادة العلم فقط ولكن والله حتى حياة القلب والله إن حياة القلب الحقيقية هي مع كتاب الله أسأل الله تعالى أن يحيينا حياة طيبة وأن يحيي قلوبنا بالقرآن والإيمان.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 20 (20حلقة)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)

      مجموع الحلقات المفرّغة: 24 حلقة
      الحلقات المتبقية: 5 حلقات

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (20)
      البعث والنشور

      (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴿٧٧﴾ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴿٧٨﴾ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴿٧٩﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴿٨٠﴾ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١﴾ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٨٢﴾ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٨٣﴾ يس)
      سنتوقف إن شاء الله في هذه الحلقة مع قصة آية من الآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر. سوف نعود لكم بالذاكرة إلى قصة أحد صناديد قريش الكبار أول ما نزل الوحي على النبي وكيف سخِر أن الله سوف يبعث الناس من قبورهم وسوف يحاسبهم وسوف يدخلهم إما إلى جنة وإما إلى نار أنزل الله في هذا الرجل آية أو قرآناً ما زلنا نتلوه حتى اليوم.
      هذه الآيات من أواخر سورة يس هذه السورة العظيمة التي نزلت على النبي في مكة. الإنسان إذا لم يهتدي بنور الله يعيش في ضلال ويعيش في تيه وكثير من الناس ومن الخلق في زماننا هذا يعيشون في هذا التيه، نحن عندما نقول اليوم هذه الآية نزلت في العاص بن وائل السهمي أو نزلت في أُبيّ بن خلف كثير العاص بن وائل وكثير أبي بن خلف أمثالهم كثير ينكرون هذه الحقيقة. هذه الآية لها قصة جاء العاص بن وائل كما تذكر بعض الروايات وفي بعض الروايات أنه أُبيّ بن خلف وكلاهما من صناديد قريش ومن كبارهم الذين عارضوا النبي معارضة شديدة. والعاص بن وائل هو والد عمرو بن العاص وهم للإنصاف والتاريخ كانوا من كبار العرب عقلاً ورجاحة ولكن الهداية بيد الله، الهداية ليست بالعلم ليست بالنسب ليست بالجاه ليست بالمال، أبداً، وإنما هي محض اصطفاء واختيار. ولذلك لو تأملنا فيها أبو لهب عمّ النبي ، أبو طالب عمّ النبي حال الله بينهم وبين لا إله إلا الله مع أن الذي جاء بها ولد أخوهم الذي هو محمد كانوا هم أولى الناس أن يستفيدوا من ابنهم ويؤمنوا به ويدخلون الجنة ولكن الله قال أنت يا العباس، أنت يا أبا طالب، أبو طالب يقف مع النبي ويدافع عنه ولكنه يُحرم من الإسلام، أبو لهب يعادي النبي ! يُذكر أبو لهب باللعنة والخسران في القرآن إلى يوم القيامة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) المسد)، أبو طالب إلى آخر لحظة والنبي يحاول معه بلا فائدة، يقول له يا عمّ قُل كلمة أحاجج بها أمام الله! لكن لا فائدة! العباس وحمزة استجابوا، فانظر إلى اختيار الله وإلى الهداية كيف أن الله يوفِّق إليها من يشاء، صهيب الرومي وفقه الله، سلمان الفارسي وفّقه الله، بلال الحبشي وفّقه الله، أبو طالب القرشي لم يوفقه الله، هذا يدل على أن أحدنا يسأل الله الثبات لأنه لا عاصم من أمر الله إلا من رحم.
      يقول العلماء أن المشهور في سبب نزول الآيات التي معنا أن أبيّ بن خلف جاء إلى الرسول هذا في أول الإسلام وفي يده عظم رميم، عظم تفتّت وهو يفتّه ويذروه في الهواء وهو يقول: يا محمد أتزعم أن الله يبعث هذا؟! كأنه يقول له أين عقلك؟ تزعم أن الله يعيد هذا العظم ويبعثه بعد الموت؟! فقال النبي نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار والعياذ بالله! وفي بعض الروايات أن العاص بن وائل أخذ عظماً من البطحاء ففتّه في يده ثم قال للنبي : تزعم أن ربك يحييى هذا بعد أن كان رميماً؟! فقال نعم ويُدخلك النار والعياذ بالله! وسواء نزلت في أُبيّ بن خلف أو في العاص بن وائل فهي عامّة في كل من أنكر البعث والنشور على مر الأزمان وما أكثرهم! ولذلك أنبّه نفسي وإخواني إلى أن نعمة الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر نحن ما رأينا اليوم الآخر ولا رأينا فيلماً وثائقياً عن اليوم الآخر ولا نعرف إلا من خبر الله وخبر الرسول ولذلك نحن نؤمن به كما نؤمن بالشمس في رابعة النهار تصديقاً لله وتصديقا للنبي وإلا ما شاهدناه، ولذلك جعلها الله من أول صفات المؤمنين المتقين في أوائل سورة البقرة (الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) اللهم اجعلنا منهم. فإنكار الغيب وإنكار اليوم الآخر انكار القيامة، والبعث والنشور كما أنكره العاص بن وائل وأنكره أُبيّ بن خلف وأنكره أبو جهل وأنكره أبو لهب وماتوا ومهم مكذبون معاندون ما زال ينكره فئام كثيرة من الناس. الإلحاد منتشر في العالم بشكل لا يُتصور! ومقولة "لا إله والحياة مادة" تجتاح الناس والموفّق الذي هداه الله ولذلك أنت عندما ترى نفسك وترى الناس تظن أن هؤلاء اختارهم الله الصفوة، هؤلاء الملايين الذين تراهم من الذين هداهم الله للإسلام هؤلاء الصفوة وإلا فالغالبية العظمى لا يؤمنون لا بالله ولا باليوم الآخر ولا يدينون لله دين الحق. عندما كذبوا بالبعث وكذبوا بالبعث بعد اليوم الآخر وما يترتب عليه نلاحظ في القرآن الكريم الحديث عن اليوم الآخر والحدث عنالبعث حديث طويل وكأنه هو المحور الرئيسي للحياة، بل حتى أنه يدخل ذلك في القضايا الاجتماعية مثلاً عندما يقول الله في سورة المطففين (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾) ما علاقة التطفيف في المكاييل والميزان باليوم الآخر؟! قال الله العلاقة بينها وثيقة جداً لأن هذا الذي يطفف في المكيال والميزان لو كان استقر الإيمان باليوم الآخر في قلبه ما يفعل هذا لأنه سوف يخاف من الحساب ولذلك المؤمن الذي يؤرِّقه دائماً ضميره ويخاف القيامة لا يُقدِم. عمر بن الخطاب له مقالة كان يقول لبعض أصحابه: "والله لولا القيامة لرأيتم مني ما يسوؤكم" لأنه خائف من القيامة. ولذلك حتى سلوكياً الإيمان باليوم الآخر يردّ الإنسان عن أشياء كثيرة، فإنه يخاف، تخاف من الحساب فتتوقف عن المعصية تخاف من الحساب فتتوقف عن أكل المال الباطل، تتذكر يوم القيامة فتكف عن ظلم اليتيم، تتذكر يوم القيامة فتتوقف عن أكل الربا ولذلك يذكرها الله ويكررها (يؤمنون بالله واليوم الآخر) كأن الإيمان باليوم الآخر قسيم للإيمان بالله مع أنه من لوازمه.
      ففي هذه الآيات التي يذكر الله فيها قصة العاص بن وائل وإنكاره للبعث بعد الموت ثم يقول الله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا) بهذا العظم الذي في يده (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) نسي أن الله خلقه من طين وخلقه من ماء مهين (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ) فإذا به بعد أن كبر (فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ) يخاصم بنا. ثم يقول الله (قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) رميم مفتتة والرميم أشبه ما يكون بالشيء المفتّت مثل التراب. قال (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) نحن مقصرون في التأمل في الدلالات العقلية في القرآن الكريم، بعض الناس يظن أن القرآن الكريم مجرد أدلة نقلية في حينأن معظم الأدلة التي استدل الله بها على المخالفين أدلة عقلية يستوي في الاستدلال بها المؤمن والكافر فالله يقول أنت الآن تنكر أني أبعث هذا العظم بعد موتك؟! من هو الذي خلقه أول مرة؟ هم يؤمنون بأنه الله (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (25) لقمان) وفي آية أخرى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الزخرف). (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ثم جاءت الآية بعدها (الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) الشجر الأخضر في العادة ليس هو مظنة الاحتراق وإنما الحطب اليابس لكن الله يجعل النار تشتعل في الشجر الأخضر فالله على كل شيء قدير ولا يعجزه شيء. لذلك أشير إلى مسألة مهم يجب أن نستحضرها نحن المسلمين، نحن مع هذا القرآن العظيم في نعمة لا يعلمها إلا الله، نحن في طمأنينة نفسية لا يعلمها إلا الله واستقرار نفسي لا يتصوره ولا يعرف قيمته إلا من لا يعرفه من هؤلاء الكفاروالملحدين عندما يعيش الواحد منهم في تيه فكري وضلال والإلحاد انحراف فكري فظيع. الإلحاد والكفر تيه وخسران وضِيق لكن عندنا يستقر في نفسك الإيمان بالله . القرآن الكريم يأتي بالحقائق أولاً حقائق الخلق كيف خلق الله الخلق ومتى خلقهم ومِمَّ خلقهم وأصل الخلق. قضية أصل الخلق قضية مشكلة عند الأمم والشعوب، ما هو أصل الإنسان؟ ولذلك نظرية اليهودي داروين عندما قال أن أصل الانسان هو تطور كان أصله حيواناً وحيد الخلية ثم ثنائي الخلية ثم إلى أن وصل إلى القرد ثم إلى أنوصل إلى إنسان وشاعت هذه النظرية! وفسدت كثير من العقول بسبب هذه النظرية. الله في أول سورة البقرة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾) يعطينا القصة من أولها وذكر لنا أنه خلق آدم من صلصال ومن تراب ثم نفخ فيه الروح ثم أسجد له الملائكة ثم خلق له حواء، المسألة بالنسبة لنا ليس فيها شك. أليس هذا طمأنينة؟! أليس هذا يقيناً؟! ولهذا نحن عندما نؤمن باليوم الآخر ونؤمن بالبعث ونؤمن بالنشور ونؤمن بكل الأنبياء السابقين ونؤمن ببدء الخلق ونعرف كيف تطور الخلق وقصص الأنبياء في القرآن الكريم ما أكثرها! تاريخ! ثم تلاحظ التيه الذي كان فيه العاص بن وائل وأمثال العاص بن وائل اليوم فالإلحاد يضرب بأطنابه والذين يسخرون من الأدينان ويسخرون من الأنبياء لا يزالون بين الناس ولكن هذا ليس بجديد! (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) لذلك أكرر آيات القرآن الكريم ليست مجرد حوادث ماضية وإنما هي قوانين جارية تتكرر حتى نرجع دائماً للقرآن. وهذا من أسرار إعجاز القرآن الكريم أنه ليس كتاباً في التاريخ وإنما هو كتاب للزمن والفهم له، كتاب حيّ كأنه نزل أمس، دائماً نشعر كأنه نزل أمس. لكن الموفق من يوفقه الله للوصول إلى تدبره وفهمه وإلا الذي يتأمل فيه كأنه يحكي واقع الناس. المنافقون في عهد النبي والمنافقون اليوم (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (30) محمد) نفس الصفات ولذلك لو تأملنا القرآن الكريم لم يُذكر في القرآن الكريم اسم واحد من المنافقين، عبد الله بن أبيّ لم يذكر في القرآن بالرغم أنه كرر القرآن التحذير منهم لكنه لم يذكر أحداً باسمه لأن المسألة ليست أسماء ليس عبد الله بن أبيّ وغيره إنما هي صفات موجودة وتتجدد وتتكرر فلذلك نحن لا ننظر إلى أشخاص وإنما ننظر إلى صفات فحيث وجِدت فاحذر. وكذلك صفات المؤمنين أبو بكر لم يذكر في القرآن الكريم ولا عمر وتقدّم معنا أنه لم يذكر من الصحابة إلا زيد بن حارثة وهذه من أعظم العبر ومن أعظم الدلالات على أن هذا القرآن الكريم كتاب للأمم حتى تقوم الساعة. يقول شوقي الشاعر يمدح النبي
      جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بكتاب غير منصرم
      آياته كلما طال المدى جُدُدٌ يزينهُنّ جمال العتق والقِدَم
      أين هي عصا موسى؟ لم نرها ولم نرى صورتها، لم يحفظها التاريخ لنا. احتفظت المتاحف المصرية بجثة فرعون ولكن عصا موسى غير موجودة. فلذلك عصا موسى ما رأيناها ولولا أنها ذُكرت في القرآن ما عرفناها لكن القرآن الكريم الذي نزل على النبي هو نفسه الذي نحفظه اليوم ونحفّظه للطلاب وهو نفسه الذي نتحدث عنه وهذا من أعظم النعم، نسأل الله أن يرزقنا الإيمان به والعمل به.

      اترك تعليق:


    • الفجر الباسم
      رد
      أحسن الله لك يا دكتوره سمر.. وشكر لك سعيك، وبارك في علمك وعملك، وجعل عاقبتك من خير لخير.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 19 (19حلقة)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)

      مجموع الحلقات المفرّغة: 23 حلقة
      الحلقات المتبقية: 6 حلقات

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (19)
      وجوب طاعة الله ورسوله

      (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (38) الأحزاب)
      بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حيّاكم الله أيها الإخوة المشاهدون الكرام في برنامجكم قصة آية، هذا البرنامج الذي يأتيكم من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية. الوقوف مع آيات القرآن الكريم نعمة عظيمة لا يعرفها حق المعرفة إلا من وفّقه الله إليها وذاقها وتدبرها وعاش في ظلالها ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم أيها الإخوة المشاهدون وجميع من معنا أن يجعلنا من هؤلاء فهذا محضُ فضلٍ وتوفيق من الله . سنتوقف اليوم مع آية من آيات سورة الأحزاب، وهي قصة طريفة وقعت لزينت بنت جحش ، وهي ابنة عمة النبي .عندما خطبها النبي وظنّت زينب أنه يخطبها لنفسه، فلما علمت أنه يخطبها لزيد بن حارثه رفضت. كيف أقنعها النبي ؟ وما هي الآيات التي نزلت فيها؟
      النبي قبل الإسلام وهو رجل معروف بأمانته، ومعروف بنَسَبِه عليه الصلاة والسلام .وهذا الشاب الصغير زيد بن حارثة قد جاء إلى النبي ، وجاء إلى مكة فتبنّاه النبي حتى أصبح يقال له زيد بن محمد وهو أهل الطائف تقريباً .فلما بلغ والده وعمه أنه موجود في مكة، وأنه عنده محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام جاءوا إلى النبي يريدون ابنهم زيد، فالنبي نادى زيد وقال هل تعرف هؤلاء؟ قال نعم هذا والدي وهذا عمي، ففرحوا وقالوا سيقبلنا .لأنهم جاءوا الي النبي يقولون ما نعطيك ما تشاء من المال نريد ابننا. فقال النبي تذهب مع أبيك ومع عمك، أو تبقى معي؟ طبعاً هم ما شكّوا أنه سيختارهم .فقال لا، أبقى معك. فالنبي قال طبعاً بعد هذه الحادثة قال لقريش وقال للناس أشهدكم أن زيد ابني يرثني وأرثه، وأصبح يعرف بزيد بن محمد .وهذا كان معروفاً قبل الإسلام مسألة التبني، أن يتبنى الرجل الابن فيصبح ابنه يرثه ويرثه. فزيد بن حارثة أصبح يُنسَب إلى النبي وعاش سنين طويلة وهو مع النبي . أراد الله أن يُبطِل هذه العادة الاجتماعية، عادة متأصلة عند العرب، وهي التبني .عادة قديمة وهذه العادة متأصلة، والناس يتبنون الأطفال ثم يعيشون بينهم، وهم ليسوا من أبنائهم، وليسوا من أصلابهم، ويختلطون ببناتهم. كيف يُبطِل الله هذه العادة؟ انظر سبحان الله العظيم! كيف المنهج التشريعي كيف أنه يـأتي فيُبطل التشريع المخالِف بواسطة النبي ويصبح هو يكون هو القدوة في إبطال هذه العادة الجاهلية .ولذلك حتى النبي كان يمارس هذا عندما قال في الحجّ "ألا إن كل ربا موضوع، إلا أن ربا الجاهلية موضوع، وأول رباً أضعه ربا عمي العباس" يبدأ بنفسه. وعندما قال "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ما في مجاملات .فالله أمر النبي بأن يزّوج زينب بنت جحش الأسدية بنت عمة النبي وكانت امرأة جميلة وشريفة ونسيبة، أن يزوجها بزيد مولاه. فلما خطب النبي زينب بنت جحش ظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد امتنعت، قالت كيف أتزوجه وأنا أرفع منه حسباً ونسباً؟! فأنزل الله هذه الآية (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا) لو نظرنا في القصة نفسها بظاهرها، الحقيقة فيها نوع من الإهانة لزينب وأرضاها، كيف أتزوج مولى؟! وليس من رؤوس العرب، وليس نسبه من نسبها؟! ولكن العاقبة عظيمة وحميدة. الله أراد أن يبطل هذه العادة الجاهلية، فاستخدم فيها زينب وزيد والنبي .فلما تزوجت زينب، لما نزلت هذه الآية رضخت لأمر الله، وهذه فائدة الصحابة كانوا ينقادون لأمر الله وقّافين عند حدود الله، وإلا هذه أن تقبل امرأة أسدية نسيبة شريفة، بنت عمة النبي أنها تتزوج مولى، ما هي سهلة والله! لا هي عليها ولا على أهلها وسبحان الله! الناس اليوم يرفضون أنهم يزوجون من قبيلة أخرى أو في كذا، أو في كذا .
      النبي مستجيب لأمر الله، لما نزلت الآية سمعتها زينب قالت سمعاً وطاعة وأرضاها وتزوجت زيداً. فلما تزوجت زيد وبقيت معه مدة شعر زيد أنها تتعالى عليه وساءت العشرة بينهما، فكان زيد يشكو للنبي فهو بمثابة والده، وأسرّ للنبي أنه لم يبقَ له رغبة في الاستمرار مع زينب بنت جحش، فالنبي يقول له اتق الله وأمسك عليك زوجك، ولذلك الآية (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) الحقيقة أن الرسول قد أخبره جبريل أنه سوف يُطلق زيد زينب، وسوف يزوّجه بها، سوف يتزوج بزينب بنت عمته بأمر من الله . طبعاً النبي يعني سيكون لهذا الفعل ردة فعل عنيفة في المجتمع لأسباب، ليس لأنه تزوج زينب بنت عمته فهذا شيء طبيعي، لكن أنه يتزوج زوجة مولاه وهو أصبح يُعرف عند الناس بأنه زيد بن محمد، كيف تتزوج زوجة ابنك؟!
      أولاً هذا ليس ابن النبي وإنما هو متبنيه تبنياً والله يريد أن يُبطِل عادة التبني تماماً، ويقول للناس ابنك هذا من التبني هذا أجنبيٌ عنك، يحلّ لك أن تتزوج زوجته إذا طلّقها .طبعاً الحقيقة كان هذا فيه شدة على النبي وشعر أنه سيكون لها ردّة فعل في المجتمع. فهذا معنى قوله (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) متخوف النبي من ردة الفعل هذه وإلا ما زال بعض الذين يذهبون مذهباً خاطئاً في فهم هذه الآية يقولون أن النبي كان يحب زينب بنت جحش، وأنه كان يتمنى أن تتطلق من زيد ويتزوجها، أبداً، فهو الذي خطبها لزيد ابتداءً عليه الصلاة والسلام ولو شاء لخطبها ابتداءً وهي بِكر. لكن النبي ما يريدها كان يريدها لزيد، فلما طلقها زيد فعلاً، ولاحظ سبحان الله العظيم، القرآن الكريم عجيب، يعني لم يُذكر أحدٌ من الصحابة الكرام باسمه في القرآن الكريم، إلا زيد وأرضاه إكراماً له في هذه الآية (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا). فلِأن زيد شعر بنوع من الإهانة من تصرفات زينب وأنه هو أقل منها نسباً، فالله إكراماً له ماذا صنع؟ ذكره في القرآن الكريم، وذكره باسمه، لم يذكر في القرآن أبا بكر، ولم يذكر عمر، ولم يذكر عثمان، ولم يذكر عليّ، أبداً، كل هؤلاء لم يذكروا وذكر زيداً وأرضاه لأن الله إبتلاه في هذه القصة، لكي يبطل هذه العادة الجاهلية، وإلا زيد تزوج بعد ذلك. فلما طلقها زيد وتزوجها النبي بأمر الله ولذلك نصّ الآية (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا) ماذا فعلنا؟ (زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا)، هذا الهدف. ولذلك حتى من مقاصد نكاح النبي لزوجات أكثر من زوجة، لها مقاصد تشريعية، يعني مثلاً نكاحه لزينب كان لهذا المقصد العظيم، أولاً جبر الله فيه خاطر زينب أنها بعد أن تزوجت زيداً من هو الذي تزوجها بعده؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، ليس أكرم على الله منه لا نسباً ولا مكانة. ولذلك هي كانت تفخر على زوجات النبي وتقول زوّجكن أهاليكنّ وأنا زوّجني الله. الأمر الثاني أن الله جبر خاطر زيد أيضاً عندما ذكره وصرّح باسمه في القرآن. الأمر الثالث أن الله أبطل عادة التبني هذه تماماً، تسامع الناس ونزل القرآن بشأنها فبطلت تلك العادة بطلاناً وما أجمل أنك تبطل العادة بواسطة القدوة التي يقتدي الناس به. يعني لو كان الله ذكر هذا تشريعاً فقط مجرداً، وجاءت آية وقالت ما ينبغي لكم أنكم تتبنون، ويجوز لكم أن تنكحوا أزواجهم، آية في القرآن، ولكنه لم يفعل ذلك وإنما ابتلى النبي وابتلى زينب بنت عمته، ومولاه زيد، وكانت هذه القصة بهذه الطريقة فرسخت .
      قد يسأل أحدهم سؤالاً في هذا الجانب بالنسبة يعني زينب رضي الله تعالى عنها وابتليت وكون الأمر يأتيها من الله بأن تقبل بزيد، لكنها يعني ترددت أو كانت في معاشرتها لزيد كان فيها نوع من قسوة ما قد يأتي إنسان يدخل من هذا المدخل والعياذ بالله، فيقول حتى زينت صحيح رضيت به زوجاً، لكنها ما أحسنت معه العشرة! فهنا ممكن نقول أن هذا طبع النساء، فبالعكس استوصوا بهن خيراً، لهن الحق ذلك يعني سبحان الله العظيم تعامل النبي هو مدرسة أولاً يعني حال المرأة وغيرة المرأة وتصرفات المرأة، وسلوك المرأة، يعني يكاد يكون متطابق، ولذلك كان يعاني النبي من غيرتهن، ومن أحياناً نزاعات تقع بينهن، وذكرها الله في القرآن الكريم في سورة التحريم. زينب أيضاً عندما كانت تتعامل مع زيد مثل هذا التعامل لحكمة يريدها الله وإلا زينب ، من خيرة زوجات النبي لكن لحكمة أرادها الله ساءت العشرة بينها وبين زيد لهذه الحكمة التي أرادها الله وذكرها في القرآن الكريم .
      ما هي ذريعة أن النساء يسئن العشرة لا قدّر الله مع أزواجهن .والمرأة دائماً تمدح بحسن عشرتها، وتبعلها لزوجها، وطاعتها لزوجها، ويكفي زينب يعين شرفاً، أنها استجابت لأمر الله عندما رأت أمراً. ولذلك قال الله نعود للآية (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)
      أولاً عندما يذكر الله بالوصف هنا، ما قال "وما كان لإنسان مؤمن" وإنما قال ( وما كان لمؤمن ) فدل هذا على أن كمال الإيمان يقاس بمدى انقيادك لأوامر الله فكلما كنت أيها الإنسان أكثير إنقياداً لأوامر الله كنت أكثر اتصافاً بصفة الإيمان .وهذه المقصود به هنا تحديداً في الآية زينب كونها سمعت وانقادت لأمر الله واستجابت لأمر النبي .وتزوجت بزيد ورضيت بهذا أنها تتزوج مولى، وهي امرأة حسيبة شريفة، استجابة ً لأمر الله ، وقد تكرر هذا في حياة الصحابة ، عندما أمر النبي إحدى الأسر الشريفة، إما من قريش أو من غيرهم فزوجوا بلالاً أيضاً .وجليبيب فانكسرت هذه العادات الجاهلية، والتمايز الطبقي، بناءاً على اللون أو على الجنس، لا، الله يقول (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات)
      ولذلك الآن الطبقية الموجودة في المجتمعات الإسلامية هي من الجاهلية، وليست من الإسلام في شيء .وهذا المنهج الذي أرساه الدين هو المنهج الصحيح في التعامل وأنه يقاس الإنسان بدينه وبتقواه وباستقامته، ولا يقاس لا بحسبه ولا بنسبه ولا بماله. أذكر في هذا بيت شعر : -
      الناس من جهة التكوين أكفاءُ أبوهم آدم والأم حواء
      فإن يكن لهم من أصلهم شرفٌ يتفاخرون به فالطين والماء
      والحقيقة نحن أحوج ما نكون إلى الوقوف مع هذه الآيات وجعلها قواعد، وما أجملها كيف ترسخ أكثر عندما نطبقها واقعاً في حياتنا، ولذلك عائشة عندما سئلت عن أخلاق النبي فقالت للسائل هل تقرأ القرآن؟ قال نعم، قالت كان خُلُقُه القرآن .يعني لو تأتي الآن عند هذه الآية وتذكرها للنساء الآن وأنها تتزوج من رجل ترى أنه أقل منها نسباً ولكنه رجل صاحب طاعة وصاحب ودين، فترضى بذلك، تطبِّق هذا واقعاً عملياً .
      الحمد لله المجتمع ما شاء الله فيه بصراحة نماذج رائعة ومشرفة، ولكن أيضاً عندنا صور أخرى بخلاف ذلك، تدل على أن ما زال هناك بقايا من الجاهلية في نفوس بعض الناس، ولكن نسأل الله ان يرزقنا وإخواننا المسلمين الانقياد بأوامر الله والاستجابة والاستسلام لأوامر الله ، إذا سمعناه سمعنا وأطعنا، ولذلك قال (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) النور) نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المفلحين وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته في الدنيا والآخرة .

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 18 (18حلقة)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)

      مجموع الحلقات المفرّغة: 22 حلقة
      الحلقات المتبقية: 7 حلقات

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (14)
      آفاق الحج
      (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) الحج)
      اليوم سوف نتوقف إن شاء الله مع آية تتعلق بفريضة الحج ونرجع بالذاكرة إلى ابراهيم عليه الصلاة والسلام عندما كان يبني البيت ثم طلب الله منه أن يؤذِّن وينادي الناس لكي يأتوا لحجّ بيت الله الحرام. ابراهيم عليه الصلاة والسلام وقصة ابراهيم عليه الصلاة والسلام وآثار ابراهيم عليه الصلاة والسلام مرتبطة بتوحيد الله ولذلك هو سيد الموحدين عليه الصلاة والسلام. شعائر ابراهيم عليه الصلاة والسلام ومواقفه تذكرك بالتوحيد وقال بعدها (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ (31)) ولذلك هذه الآيات عندما تعود بنا إلى قصة الحج وإلى بناء الكعبة وهذه الملايين التي تأتي سنوياً إلى مكة وهذه الجموع وهذا الازدحام وهذه الملايين التي تأتي من كل فجّ عميق كما ذكرها الله، قصتها في هذه الآية أن ابراهيم عليه الصلاة والسلام جاءه الوحي أُمر بأن يبني البيت ولهذا قال تعالى (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ (26) الحج) أي حدّدناه له وبيّنا له معالم البيت (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) استجاب ابراهيم عليه الصلاة لهذا الأمر وأعانه في ذلك ابنه اسماعيل جدُّ النبي وبنى البيت هو واسماعيل (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة). بعدما بنى البيت أمره الله أن ينادي لأن الأذان في اللغة هو النداء، ينادي الناس في أصقاع الدنيا أن يحجوا إلى البيت: أن الله قد كتب عليكم الحج فحجّوا وهذه الرواية ذكرها ابن حجر في "المطالب العالية" بسند حسن عن ابن عباس فقال: لما فرغ ابراهيم من بناء البيت قيل له أذّن في الناس بالحج قال يا ربي وما يبلغ صوتي؟ قال الله أذّن وعليّ البلاغ. يقال كيف؟ أقول والله ما أدري، لا توجد مكبرات صوت ولا انترنت! فنادى ابراهيم أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فحُجوا قيل فسمعه ما بين السماء والأرض ولذلك قال أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبّون؟ كلهم يجيئون يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك يعني استجبنا لك، كيف بلغكم النداء؟ بلغنا النداء. وقد قيل لما نادى الخليل بالحج أسمع من في الأرحام وأجابه كل شيء. الآن هذه قصة الحج كثير من الناس لا يعرفها وكيف أن ابراهيم عليه الصلاة والسلام بنى البيت ثم نادى في الناس بأمر الله كما في القرآن (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا) يمشون على أرجلهم (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) يأتون راكبين جمالاً ضُمّر قد أصابها الهزال من طول المسرى ولذلك الآن يأتون من حيث نعرف ومن حيث لا نعرف! جنسيات ربما لا نعرفها ونسمع بها لأول مرة ونشاهد مشاهد عجيبة ولا تكاد تصدق القصص التي تسمعها أناس يأتون أعمارهم فوق السبعين وتجد امرأة عجوز أو رجل كبير في السنّ لمجرد أنه يأتي إلى مكة يقال له بينك وبين مكة ساعة من الزمن لا يستطيع أن يعبّر إلا بدمعته وبعضهم يسجد في مدرّج المطار. وبعض الحجاج يموتون قبل أن يؤدّوا فريضة الحج يصلون إلى مطار جدة فيموتوا وبعضهم يتمنى أن يموت في الحَرَم (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ (100) النساء). نحن نحج هنا وما بيننا وبين الحرم سوى أمتار! هذه الجنسيات التي تأتي ولا زالت تأتي وستستمر تأتي وكلها استجابة لنداء ابراهيم عليه الصلاة والسلام. وسيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام قال (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (37) ابراهيم) حبٌ وغرام لهذا البيت. هل كان ابراهيم عليه الصلاة والسلام ومعه ابنه اسماعيل في هذه المنطقة المقفرة هل كان يتوقع أن يأتي كل هؤلاء الناس ليحجوا البيت؟! عندما نتوقف عند هذه الآية وتمر علينا ربما كثرة مرور الآيات القرآنية على مسامع الإنسان تفقده التوقف عندها والتدبر فيها والتأمل أن هذه الآية كانت هي بداية لأحداث عظيمة جداً ما زالت هي أعظم أحداث التاريخ إلى اليوم ولذلك موسم الحج سنوياً من أعظم الأحداث السنوية في العالم لا يشبهه لا أولمبياد كرة قدم ولا مسابقات دولية يجتمع الناس مليونان أو ثلاثة ملايين في مكة في مكان محدد في زمن محدد يلبسون ثياباً محددة ويتجهون إلى مكان محدد ويدعون بدعاء محدد، هذا أمر رباني لا يمكن أبداً للبشر أن يتصوروه! ولذلك الآن بعد أن انفتحت الفضائيات وأصبحت وزارة الشؤون الاسلامية الآن تبثّ هذه الشعائر على القنوات الفضائية أصبح العالم الآن يتجه ويتابع هذه الأحداث وأحداث هؤلاء الملايين الذين يأتون من كل فج عميق كما ذكر الله (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ). الحج يُطلق في العربية على القصد مطلقاً فيقال حجّ فلان إلى مكة بمعنى أنه قصدها ثم يقولون قبل الإسلام أصبح يطلق الحج على القصد المُعظّم فيقولون حجّ إلى الخليفة بمعنى قصد عظيماً ثم لما جاء الإسلام أصبح الحجّ يُطلق على قصد بيت الله الحرام لأداء هذه الشعيرة في وقت محدد في السنة يسمى حجاً. وفائدة في القرآن الكريم ينبغي أن نركز عليها أن القرآن الكريم جاء بألفاظ شرعية ومعاني إسلامية جديدة، الحج معروف عند العرب أنه القصد إلى معظّم لكن هل العرب يعرفون أن الحج هو القصد إلى مكة لأداء شعيرة؟ كلا، إذن جاء القرآن بهذا المعنى الجديد للحج كما جاء به للصيام كما جاء به للصلاة وهكذا. هذه معاني جديدة حملتها هذه الألفاظ ولذلك نحن عندما نجد الحج في القرآن الكريم أول ما يتبادر إلى الذهن أن المقصود بالحج هو المعنى الشرعي لأن القرآن الكريم جاء لبيان الشرع فالله يقول هنا (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ) أي بفريضة الحج والقصد إلى بيته الحرام لأداء هذه النُسُك قال (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) والله قدّم الحج للراجلين الذين يأتون على أقدامهم لحِكَم منها أولاً بيان فضلهم وعظم أجرهم وكثرتهم والأمر الثاني أنه قال (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أنه يأتي أيضاً للحج من يركب المراكب واليوم يأتون بالبحر وبالجو وبالسيارات وكانوا إلى عهد قريب يذهبون على أقدامهم. وأذكر أبي وبعض عمومتي يأتون من الجنوب من النماص إلى مكة والمسافة طويلة ربما خمسمائة كيلومتر ويأتون مشياً على الأقدام وأذكر أحد كبار السنّ في القرية كان اسمه عثمان يقول أنه حجّ أكثر من ستين مرة على قدميه! طبعاً أنت لما تقيسها بمن يأتي من الصين ومن الهند ومن الشام تعتبر خمسمائة كيلومتر مسافة قليلة لكن في مقاييسنا اليوم تعتبر مشقة كبيرة! فقصة الحج هي قصة عظيمة ينبغي علينا أن نتأملها ونتدبرها وخاصة مع هذه الآيات التي هي تبين الشرارة الأولى التي انطلقت منها هذه الشعيرة عندما نبين هذا لأبنائنا ولبناتنا الصغار وللأجيال وللعالم في كل مكان وللملسمين وخاصة مثل هذه البرامج التي يشاهدها كل الناس وإلى الآن الناس في مصر يتشوقون للحج ولا يصلون إليه إلا بمشقة، الناس في المغرب يتشوقون لبيت الله الحرام، الناس في أوروبا، الناس في الصين، الناس في الهند، يتحرّقون شوقاً إلى بيت الله الحرام. بعضهم يقول مجرد أن ينظر الواحد إلى الكعبة عبر شاشة التلفزيون لا يملك نفسه من أن يبكي! هو شعور ليس بسهل! تقف في حضرة الرب الكريم وفي بيته الحرام وأمام الكعبة وهذا منظر مهيب ومشهد مهيب لكن الذي تعوّد عليه وهو قريب منه لا يشعر بمثل هذا إلا الذي يتكلف ذلك ويستحضر هذه العظمة. لكن الذي يأتي من مكان بعيد مثل إخواننا المسلمين من كل مكان لا يلامون على هذه الدموع وعلى هذه المشاعر وهنا تسكب العبرات شوقاً إلى بيت الله وشوقاً إلى هذا الأجر العظيم، الصلاة الواحدة بمئة ألف صلاة، أين تجد مثل هذا الأجر؟ لا يمكن أن تجده إلا في الحرم. والعجيب وهذا من المفارقات هو أن بعض أهل الحرم يزهدون في الحرم، وربما ليس بعضهم فقط بل أصبحوا كثرة للأسف، هو يدور حول الحرم طيلة السنة وربما لا يكلِّف نفسه عناء أن يدخل أو يصلي أو يتعبد أو يطوف وهذا من الحرمان! في حين يأتيك هذا المسلم من أقصى الدنيا ويموت على أعتاب الحرم شوقاً ومحبة وأنس اً بلقاء الله. والأدهى من ذاك من يتجرأ على الله في حرم الله فإذا كنا نُهينا عن تنفير الطير ونُهينا عن قطع الشجر فما بالك بالذي يحصل في حرم الله؟! هذه أمور نسأل الله أن يعافينا ويسلّمنا قد يفقد الإنسان بقربه من بيت الله الحرام تعظيمه وكان بعض السلف كان يهاب سُكنى مكة يخشى من أن يقع في ذنب (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) الحج) وكما يقال الغُنم بالغُرم، على هذا الفضل العظيم إلا أن المخالفة فيه عظيمة.
      قال تعالى (وَأَذِّن فِي النَّاسِ) لم يقل في المؤمنين وآيات سورة الحج النداء فيها (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يدل على أنها شعيرة عالمية المخاطب بها العالم كلها. ومن دلالة هذه الكلمة أيضاً أنه ينبغي أن نعولم شعيرة الحج وهذا الذي يحدث الآن والحمد لله عندما تنقل شعائر الحج للعالم كله ليرى حقيقة الحج وأنه توجه إلى بيت واحد وقبلة واحدة وتعظيم لشعائر الله كما أمر الله من عهد ابراهيم عليه الصلاة والسلام إلى عهد نبينا إظهاراً للتوحيد، عرفة، حتى يقول قائل أنا تأملت في عرفة، الناس يخرجون من الحج ويتركون الحرم والمطاف والمقام ويذهبون إلى عرفة أرض لا يوجد فيها أي مَعْلَم مقدّس، جرداء، إنما يقولون لا إله إلا الله، قال إشارة إلى التوحيد الخالص لأن الحج لُبُه هو التوحيد. أسأل الله أن يجعلنا من الموحدين وأن يرزقنا اتّباع سيد المرسلين.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      جزاكم الله خيراً دكتور على التشجيع المستمر والحمد لله الذي أنعم عليكم وعلينا بهذا البرنامج فكرته طيبة وعرضه سهل ميسر والناس تحتاج لمثل هذه البرامج لفهم آيات كتاب الله والناس بطبيعتها تحب القصص والتعرف على أسباب النزول. ولو أمكن تسجيل مزيد من الحلقات لرمضان القادم أو لعرضها بشكل مستمر لانتفع به الناس أيضاً.
      وأقترح تحضير برنامج يوضح فيه آيات الأحكام فهي إن عرضت بشكل ميسر على غرار هذا البرنامج لأحدث تغييراً في فهمنا للأحكام وتطبيقها على الطريقة الصحيحة. أسأل الله تعالى أن يتقبل منكم هذه الأعمال وأن يمد في عمري وصحتي حتى أتابع توثيق مثل هذا المادة العلمية القيمة لآخر يوم في عمري فهذه نعمة وفضل من الله عليّ لا أستطيع أن أشكره عليها حق شكرها.
      بعد أن أنتهي من باقي الحلقات سأرسل لكم الملف كاملاً بصيغة وورد وpdf بإذن الله تعالى.

      اترك تعليق:


    • عبدالرحمن الشهري
      رد
      جزاكم الله خيراً يا دكتورة سمر على هذا الجهد وأسأل الله لكم القبول .
      البرنامج لقي قبولاً طيبا عند كثير ممن لقيتهم ، ووردتني الكثير من رسائل الشكر التي تذكر استفادتها منه ، ولعل سبب ذلك انتشاره في عدد من القنوات في رمضان ، وهو يلقي الضوء على أسباب نزول الآيات وعلاقتها بمعنى الآية بسهولة . كما انتفعنا بتفريغه هنا في بعض المقالات والمشاركات الأخرى فجزاكم الله خيراً .
      نسأل الله العلم النافع ، والإخلاص في العمل .

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 13 (13حلقة)
      الحلقة 15 و16 و 17 و18 (أربع حلقات)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)

      مجموع الحلقات المفرّغة: 21 حلقة
      الحلقات المتبقية: 8 حلقات

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (11)
      الثلاثة الذي خُلِّفوا
      (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119) التوبة)
      قصة آيتنا في هذا اللقاء هي قصة التوبة وقصة الصدق مع الله عندما رجع النبي من غزوة تبوك فجاءه الناس يعتذرون إليه فهذا يقول انشغلت بأهلي وهذا يقول بأولادي وهذا يقول بأموالي يعتذرون للنبي كلٌ يعتذر بعذر والنبي يسكت إلا ثلاثة من الأنصار لم يكن لهم عذر واعترفوا للنبي أن ليس لديهم عذر وصدقوا في ذلك فكانت هذه الآيات.
      هذه الآيات هي من أواخر سورة التوبة وسورة التوبة فيها هذا الجو جو التوبة وجو الصدق وفيها الكثير من الحديث عن المنافقين بالعكس تماماً الذي هو الكذب والنفاق وإخفاء الحقيقة لكن في آخر السورة عندما يقول الله (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ (111) التوبة) ما الثمن؟ قال (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التوبة). نلاحظ في الآيات التي معنا (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) ساعة شدة، متى كان ذلك؟ كان في غزوة تبوك. جاء النبي وقال للصحابة والنبي من عادته إذا أراد أن يغزو غزوة حول المدينة قريبة غير بعيدة يورّي بغيرها فمثلاً ما يقول أنا ذاهب إلى ينبع يقول أنا ذاهب أبحُر أو جدّة لا يصرّح حتى يباغت إلا في تبوك. تبوك منطقة بعيدة عن المدينة ومشوار ويحتاج تزوّد فالنبي صرّح وقال أنا أقصد الروم. وكان الحرّ شديداً وسط الصيف والمدينة ومنطقة تبوك في أيام الصيف تصل الحرارة إلى خمسين درجة والمسافة بعيدة والعدو شديد وقوي والظروف صعبة. فأمر الناس أن يتأهّبوا فتأهّب الناس للخروج مع النبي وتخلّف كعب بن مالك ومعه اثنان من الأنصار هلال بن أمية ومَرارة بن الربيع. هلال بن أمية ومرارة من الربيع أكبر من كعب بن مالك كبار في السن وهم أيضاً نفس قضيته ما كان عندهم عذر. يقول كعب بن مالك ما كنت أوفر حالاً ومالاً مني في ذلك الوقت، يعني كانت ظروفي مناسبة جداً ومهيأة أن أسافر معهم لكني ما سافرت. ويقول كنت أحاول اليوم الثاني الثالث الرابع أني ألحق بهم لكن الشيطان كسّله وبقي. مرّت الفكرة وذهب النبي وخرج بالجيش إلى تبوك. طبعاً في الحديث الذي جاء عند البخاري مفصلاً يقول كعب بن مالك: فقال رجل سأل النبي عني أين كعب بن مالك؟ يقول كعب وهو يروي القصة فيما بعد: فقال رجل يا رسول الله حبسه بُرداه ونَظَرُه في عِطْفِه- يعني ما التمس له العذر، يقول أنه جالس ينظر في المرآة ما عنده عذر!!- فقال معاذ : بئس ما قلت والله - يدافع عن كعب- بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمت عنه إلا خيراً. ولذلك أين هم الذين يدافعون عن أعراض المؤمنين؟ عندما تذبّ عن عرض أخيك، مثل معاذ عندما سمع الكلمة أن كعب بن مالك جلس في المدينة ما عنده عذر ينظر في عِطفه في المرآة ويتهندم فقال معاذ: والله يا رسول الله ما علمنا عنه إلا خيراً لعله حَبَسه عذر، ولذلك حفظها كعب بن مالك لمعاذ . يقول كعب بن مالك: فلما رجع النبي وبلغني أن النبي رجع المدينة من غزوة تبوك ركبه الهمّ ماذا أقول للنبي ؟!! ما عذري؟! قال فجاء الناس للنبي يعتذرون إليه هذا يقول شغلني مالي وهذا يقول أنا مريض وهذا يقول أنا كبير في السن قال كعب: فعلمت أنني لا أخرج بعذر ألتمسه إلا ويكشفني الله فيفضحني. وسورة التوبة تسمى الفاضحة (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ (75) التوبة) (ومنهم) (ومنهم) كما قال ابن عباس: فَضَحَتْ المنافقين حتى لم تَدَع أحداً. فكعب كان عاقلاً وعرف أنه لا ينجو أحد من الله إلا بالصدق، تكذب على من؟!! فيقول: حضرني همّي وطفقت أتذكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سَخَطِه غداً؟! يعني كيف أخرج من سخط النبي ؟! فلما قيل أن النبي حلّ بالمدينة قادماً زاح عني الباطل وعلمت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب فأجمعت على أن أصْدُقَه في الحديث. فيقول جاء المخلّفون وكانوا بضعاً وثمانين فطفقوا يعتذرون ويحلفون للنبي ويأخذ منهم النبي علانيتهم ويَكِلُ سرائرهم إلى الله مع أنه يعلم أنهم كذابين، كيف نقول ذلك؟ لأنه لما جاء كعب بن مالك قال له: ما منعك يا كعب؟ قال والله يا رسول الله ما عندي عذر، فقال النبي : أما هذا فقد صَدَق. معنى هذا الكلام أن النبي يعرف أن أولئك كاذبين لكن لم يجابههم عليه الصلاة والسلام وكان يأخذ ظواهر الناس ولا يدخل في السرائر وهذا منهج نبوي. قال: فلما جئته تبسَم تبسُّم المُغضَب فلما جلست بين يديه قال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ أما عندك راحلة تركب عليها؟ قلت: بلى والله لئن حدثتك بحديث كذب ترضى به عليّ ليوشكنّ الله أن يُسخِطك عليّ ولئن حدّثتك حديث صِدْق تجد عليّ فيه (تزعل عليّ يا رسول الله وتغضب) إني لأرجو أن يعفو الله عني ويقبل. فقال النبي : أما هذا فقد صَدَق، فقُم حتى يقضي الله فيك. يقول كعب: فلما قمت لامني الناس، لماذا تقول هذا الكلام؟! لماذا لم تعتذر كما اعتذر الناس؟! سبحان الله أحياناً المخذّلون كثير! نحن نؤمن أن الصدق منجاة وأحياناً الصدق يوديك في داهية قد تخسر وظيفتك بسبب الصدق وقد تخسر صديقك وقد تخسر مالك ولكنه منجاة بالرغم من ذلك، والكذب مَهْلَكة وإن ظننت أن فيه ربحاً عاجلاً. قال كعب: فلما قمت لامني الناس وقالوا لي يسعك ما وسع غيرك ويكفيك استغفار النبي ، فقلت: هل قال قولي أحد؟ يعني هل جاء إلى النبي صدقوا وقال مثل كلامي؟ قالوا نعم هلال بن أمية ومرارة بن الربيع فقال الحمد لله. لاحظ الذين كذبوا بضعاً وثمانين والعياذ بالله وفقط ثلاثة الذين صدقوا وهذا دليل على أن أولاً الصدق قليل ونادر قديماً وحديثاً والأمر الثاني أنه صعب ليس أيّ واحد يستطيعه لكنه هو الصواب وهو المنجى. والحديث طويل[1] قال النبي للصحابة لا تكلّموه، اُهجُروه. طبعاً هو يقول مرارة بن الربيع وهلال بن أمية كبار في السن وجالسين في بيوتهم بينما أنا كنت شاباً أذهب وآتي فشدّ عليه هجران الناس له هذا يسلم عليه لا يرد عليه أحد السلام، ولد عمه لا يرد يأتي للصلاة يسلم على النبي السلام عليك يا رسول الله ولا يردّ فيقول ما أدري هل حرّك شفتيه بالرد أم لا، ولا شك أن هذه شديدة على نفس كعب . لكن قال فلما مضى أربعون أو نحوها جاء رسول النبي وقال: لا تقربوا زوجاتكم. قال هل نفارقهن يا رسول الله، نطلقهنّ؟ قال لا، وهذا أيضاً حصار آخر وأشد! أما هلال ومرارة كانوا كباراً في السنّ، أما كعب!. فلما مضت خمسون وصدق فيّ ما قاله الله (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) الأرض واسعة لكنها ضيقة مع هجران الناس كل الناس يتنكرون لك والعجيب سبحان الله قال (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ) وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه يظن البعض أن معناها ظنّوا من الظنّ وهو الشك وهذا غير صحيح ولكن ظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه يعني تيقنوا لأن الله لا يمدح أحد أنه يشك في قدرته وإنما يمدحك باليقين به. يقول كعب بن مالك وأنا جالس أتمشى في أزقة المدينة جاء رسول من الروم يسأل أين كعب بن مالك؟ وكعب شاعر معروف مشهور- قال أنا كعب بن مالك، قال: تعال أنا عندي لك رسالة فلما فتحها فإذا هي رسالة من ملك الروم: فإنه قد بلغنا أن صاحبك قلاك وهجرك وأنت ما جعلك الله في دار هوان ومضيعة، إلحق بنا نواسك. فقال كعب فقلت هذا من البلاء وأخذتها وسجرتها في التنور حتى لا تراوده نفسه فيتراجع. قال فلما مضت خمسون ليلة وهو في هذا الحصار النفسي سمع البشير ينادي: يا كعب بن مالك، يا كعب بن مالك، يسمعه وهو في بيته، أبشر بتوبة الله عليه فخلعت له ثوبي الذي عليّ ووالله ما أملك غيره – ومن عادتهم أن يُهدوا للبشير- فأخذت ثوبين وذهبت للنبي في المسجد فأول ما دخلت قام طلحة بن عبيد الله يحتضني ويهنئني قال فما نسيتها لطلحة وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. قال فجلست النبي صلهم ووجهه يتهلل من السرور فقال أبشر يا كعب بخير يوم منذ ولدتك أمك. فقال يا رسول الله منك أو من الله؟ قال من الله. قال يا رسول الله إن من تمام توبتي ومن كمال توبتي ألا أحدِّث إلا صِدقاً ما حييت لأن الله ما نجّاني ولا تاب عليّ إلا بسبب الصدق وإلا كان بإمكاني أن أكذب كما كذب المنافقون وتمشي الأمور. لكن خمسين يوماً من العناء النفسي والحصار النفسي والهجران وجاءت التوبة بعد ذلك. ولذلك قال الله (لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ) وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع. خُلّفوا يفهمها الناس أنهم تخلّفوا عن غزوة تبوك وهذا خطأ والصحيح أنها وعلى الثلاثة الذي خلفوا أي أُرجئ أمر الله فيهم وتوبة الله عليهم حتى هذا اليوم بعد خمسين يوماً (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)) ثم يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119)) نحن عنونّا لهذه الآيات أنها آية الصدق، التوبة مع الصدق أن الصدق منجاة.
      ومن فوائد هذه الآيات العظيمة لزوم الصدق مهما كانت الظروف، تقول والله هذا الصدق يوديني في داهية سأخسر وظيفتي! هذه قصة كعب بن مالك هي النبراس النبي بقي غاضباً عليه وهاجراً خمسين يوماً ولكن الله تاب عليه ووفى بوعده. هذه الآيات مليئة بالفوائد ومليئة بالعبر ومليئة بالحكم ولكن لو لم نخرج منها إلا بجزاء الصدق مع الله والصدق مع النبي وأن الله قد قبل توبة كعب بن مالك وهلال ومرارة بسبب صدقهم مع النبي بالرغم مما تعرضوا له من جراء هذا الموقف وهو لزوم الصدق أسأل الله أن يرزقنا الصدق وأن يجعلنا لسان صدق في الآخرين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

      [1] أن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي، قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حين تخلف عن قصة تبوك، قال كعب : لم أتخلف عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوة غزاها الإ في غزوة تبوك، غير أني كنتُ تخلفت في بدر، ولم يعاتب أحدًا تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟يلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها، كان من خبري : أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عِندَي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يريد الديوان . قال كعب : فما رجلٌ يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي الله، وغزا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟لك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، وتجهز رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقضى شيئا، فأقول في نفسي : أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، فقُلْت أتجهز بعده بيومَ أو يومَين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم، وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلًا مغموصا عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بلغ تبوك، فقال، وهو جالس في القوم بتبوك : ( ما فعل كعب ) . فقال رجلٌ من بني سلمة : يا رسولَ اللهِ، حبسه برداه، ونظره في عطفيه . فقال مُعاذٍ بن جبل : بئس ما قُلْت، والله يا رسولَ اللهِ ما علمنا عليه الإ خيرا . فسكت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم . قال كعب بن مالك : فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول : بماذا أخرج من سخطه غدا، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فيركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، قُلْما فعل ذلك جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال : ( تعال ) . فجئت أمشي حتى جلست يديه، فقال لي : ( ما خلفك، ألم تكن قد ابتعت ظهرك ) . فقُلْت : بلى، إني والله - يا رسولَ اللهِ - لو جلست عِندَ غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليومَ حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله، ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك ) . فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي : والله ما علمناك كنتُ أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟ك . فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قُلْت لهم : هل لقي هذا معي أُحُدٍ ؟ قالوا : نعم، رجلان قالا مثل ما قُلْت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقُلْت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلٌين صالحين، قد شهدا بدرا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشب القوم وأجلدهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أُحُدٍ، وآتي رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقُلْت : يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال : الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . قال : فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشأم، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة، يقول : من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان، فإذا فيه : أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك . فقُلْت لما قرأتها : وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأتيني فقال : إن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقُلْت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا، بل اعتزلها ولا تقربها . وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقُلْت لامرأتي : الحقي بأهلك، فتكوني عِندَهم حتى يقضي الله في هذا الأمر . قال كعب : فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقالتْ : يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه ؟ قال : ( لا، ولكن لا يقربك ) . قالتْ : إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومَه هذا . فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امرأتك، كما أذن لامرأة هلال بن أميه أن تخدمه ؟ فقُلْت : والله لا أستأذن فيها رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذنته فيها، وأنا رجلٌ شاب ؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع، بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر، قال : فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بتوبة الله علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجلٌ فرسا، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومَئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فيتلقاني الناس فوجا فوجا، يهونني بالتوبة يقولون : لتهنك توبة الله عليك، قال كعب : حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؟الس حوله الناس، فقام إلى طلحةَ بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إلي رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحةَ، قال كعب : فلما سلمت على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو يبرق وجهه من السرور : ( أبشر بخير يومَ مر عليك منذ ولدتك أمك ) . قال : قُلْت : أمن عِندَك يا رسولَ اللهِ، أم من عِندَ الله ؟ قال : ( لا، بل من عِندَ الله ) . وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسول الله، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ) . قُلْت : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقُلْت : يا رسولَ اللهِ، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أُحُدٍث إلا صدقا مالقيت . فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى يومَي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت . وأنزل الله على رسوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار - إلى قوله - وكونوا مع الصادقين . فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا - حين أنزل الوحي - شر ما قال لأُحُدٍ، فقال : سيحلفون بالله لكم إذا انقُلْبتم - إلى قوله - فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين . قال كعب : وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله : وعلى الثلاثة الذين خلفوا . وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، إنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه .
      الراوي: كعب بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 4418 خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 10 (10حلقات)
      الحلقة 12 و13 (حلقتان)
      الحلقة 15 و16 و 17 و18 (أربع حلقات)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)
      مجموع الحلقات المفرّغة: 20 حلقة
      الحلقات المتبقية: 9 حلقات

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (18)
      وفاء المؤمنين

      (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴿٢١﴾ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴿٢٢﴾ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿٢٣﴾ الأحزاب)
      الآية التي سنتوقف معها في هذه الحلقة هي متعلّقة بأحد الشهداء من الصحابة الكرام الذين استشهدوا في معركة أُحُد وكانت له قصة روتها كتب التراجم وكتب السيرة ونزلت هذه الآية في هذه القصة.
      هذه الآيات من سورة الأحزاب وسورة الأحزاب نزلت في المدينة في حادثة الأحزاب وهي يسمونها في بعض كتب السير معركة الأحزاب وبعضهم يسميها يوم الأحزاب وبعضهم يسميها معركة الخندق أو غزوة الخندق وكلها مسميات لشيء واحد عندما تجمعت قريش وبنو قريظة والأحزاب من حول المدينة لمحاربة النبي وأصحابه الكرام. وهذه الآية تقف بنا عند مشهد من مشاهد هذه الأحداث التي مرت بالنبي في المدينة تتحدث عن الثبات في الفتن وفي المواقف. والدين منذ كان من عهد آدم عليه الصلاة والسلام إلى اليوم لا يقوم إلا على جماجم الصادقين المخلصين وعلى أكتافهم ولاعلى دمائهم والنصر لا يُجنى بالأماني ولا يجنى بالكسل ولا يجنى بالأوهام وإنما يُجنى بالصبر التضحية والبذل والجهاد وكم من دماء سالت على الأرض في سبيل الله، في سبيل الدفاع عن الدين في سبيل الدفاع عن الأراضي وعن المقدّسات وعن الحُرُمات في تاريخ المسلمين منذ كان آدم إلى اليوم ولذلك الله يذكر لنا في هذه السورة فيقول (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) لاحظ كيف يقول (من المؤمنين) الحديث عن الصفوة من المؤمنين لأن المؤمنين هم صفوة الناس وهؤلاء صفوة الصفوة ومعنى الآية أن ليس كل المؤمنين فيهم هذه الصفة والله يذكر صفة الرجولة في مواضع في القرآن الكريم بالمدح عندما يقول الله (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ (37) النور) فيسميهم رجالاً هنا على وجه المدح والثناء وهنا أيضاً يقول (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ) يستحقون وصف الرجولة بكل معنى الكلمة، ماذا فعلوا يا رب؟ قال (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) وقد سبق معنا قضية الصدق وأنها مبدأ من مبادئ الدين لا يتنازل عنه، المؤمن لا يكذب، لا يكذب في حديث ولا يكذب في وعوده ولا يكذب في عهوده ولذلك الله وثّق العهود والمواثيق وأكثر من ذكرها في القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ (1) المائدة) (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً (91) النحل) هذه أساسيات في دين المسلم. فالله يصف هؤلاء الرجال المخلصين مع الرسول يقول (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) عاهدوا الله على ماذا؟ عاهدوا الله على الثبات وعاهدوا الله على الصبر وعاهدوا الله على حماية النبي والدفاع عنه وفعلاً وفوا بذلك. هذه الآية نزلت في أنس بن النضر وهو عمّ أنس بن مالك من عمومته فيقول أن عمه أنس بن النضر فاتته معركة بدر لأنها لم يكن مخططاً لها أن تكون معركة ولكنها في بدايتها كانت خروجاً لاعتراض قافلة قريش أشبه ما يكون بحرب اقتصادية كان يريدون أن يستولوا على القافلة ويضرون بقريش باعتبار أنها محارِبة لكن الذي حصل أن نجت القافلة وقريش جاءت فوجدت أن القافلة نجت فقالوا ما دام أننا جئنا لن نرجع حتى نحارب محمداً ومن معه. وكان عددهم ألف والذين كانوا مع النبي ثلاثمئة وأربعة عشر، عدد قليل والمشكل في الموضوع أن عدداً من الصحابة لو كانوا يعلمون أن هناك حرباً ما تخلفوا في المدينة وكان منهم أنس بن النضر. فلما فاتته ندم وقال لو كتب الله معركة أخرى ليرينّ الله ما أصنع ولم يقل غير ذلك. فلما جاءت معركة أُحد وفى بوعده. ولما جاءت معركة أحد وجاء المشركون ووقع من الصحابة الذين كانوا على جبل الرماة مخالفة لأمر النبي فالتفّ خالد بن الوليد بمن كان معه من جيش المشركين وقتلوا من المسلمين فكان ممن قُتِل وثبت أنس بن النضر وحمزة بن عبد المطلب وسعد بن معاذ أيضاً أصيب في تلك المعركة إصابة قتلته بعد ذلك. يقول أنس أنه لما انتهت معركة أحد وأخذوا يبحثون عن الجرحى والقتلى ما وجدوا أنس بن النضر ولم يستطيعوا أن يتعرفوا على جثته لأنهم وجدوا فيه بضع وثمانون ضربة بالسيف والرمح والسهام قال أنس فما عرفه إلا أخته الربيّع بنت النضر عرفته ببنانه أي بأحد أصابعه عرفت أن هذا أخاها أنس بن النضر فأنزل الله هذه الآية (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) وهذا فيه إشارة أن الله يحبّ الوفاء بالعهد ولو كان في ذلك إزهاق الروح في سبيله وإلا الله في غنى عن أن يسيل أحدٌ دمه من أجل الله ، الله قادر على أن ينتصر بأن يقول كن فيكون ولذلك قال الله (وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ (4) محمد) وهذه حقيقة يجب أن ندركها: الهدف من الجهاد والعمل والدعوة الابتلاء يبلو الله بعضنا ببعض. نحن نتحدث العربية ونتحدث عن التفسير والقرآن ونتحدث في هذا البرنامج ولا ندري أين يبلغ هذا الصوت، يبلغ شرق الأرض وغربها، مسؤولية عظيمة جداً مسؤولية إبلاغ هذا العلم وهذا الدين إلى الأمم كلها بكل طوائفها وبكل ألسنتها والدول الإسلامية ولله الحمد مليئة بالدعاة الذين أرجو أن يتحقق فيهم هذا المعنى الذي ذكره الله هنا (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) يدعون الله في شرقها وغربها وزارات الشؤون الإسلامية تبذل جهوداً رائعة بهذا الصدد ولا يمكن أن ينتشر هذا الدين ويبلغ ما بلغ الليل والنهار إلا بواسطة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. الصحابة لما توفي النبي حملوا هذا الدين وبلغوا به ما بلغوا وجاء من بعدهم فأوصل الرسالة. ولا أنسى يوماً كنت في مدينة اسمها سكوبيا تقع في دولة مقدونيا محاذية لكوسوفا ومناطق شرق أوروبا منطقة وعرة ما وصلت إليها إلا بشق الأنفس فلما وصلت كانت عندي سيارة فلما وصلت إلى رأس جبل هناك وقفت بالسيارة فإذا بي اسمع في منطقة نائية جداً أسمع أذان العصر وإذا به يقول: أشهد أن محمداً رسول الله فوالله ما تمالكت دمعي أن بكيت وقلت في نفسي: اين محمد ؟ أين قبره وأين وصلت دعوته في هذه المناطق الوعرة الصعبة واحد ينادي ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وغيري رأى في أدغال افريقيا وفي أقصى الهند وأقصى السند وفي كل مكان بلغته هذه الدعوة. ولا يمكن أن يتحقق هذا أبداً إلا بفض الله بالتأكيد لكن لا بد أن يكون هناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه قاموا ويقومون ولا زالوا يقومون بواجب الدعوة إلى الله ويبلغونها إلى هؤلاء وهذه أمانة ولذلك الله قال (فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ) منهم من قضى نحبه أي منهم من أدركه الموت مثل أنس بن النضر وعد الله قال لأرينّ الله ما أصنع في الدفاع عن النبي وعن الدين وفعلاً بذل كل ما عنده حتى قُتل ومثله حمزة ومثله سعد والصحاب منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وعد الله ويسأل الله الثبات ونحن نقول نسأل الله أن يرزقنا الصدق فيما عاهدنا الله عليه ويجعل ما علّمنا حجة لنا حنى نبلّغ ولذلك الله عندما قال في سورة الزخرف (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)) هذه مسؤولية القرآن الكريم شرف للعرب وشرف للنبي وشرف لقريش أنه نزل بلغتنا وبلغة قريش، كيف نفعل؟ (وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) كيف نصنع بها؟ هذا تكليف، هذه أمانة عظيمة. ماذا صنعت بهذا الدين؟ ولذلك كثير من يسلم الآن بعضهم يسلم وعمره خمسيت وستين سنة وقد قرأت كثيراً من هذه القصص ورأيت بعضها في التلفزيون يسلم أحدهم وعمره سبعين فيقول أين كنتم عنا من سنوات؟! ماذا نفعل؟ أين أنتم؟ لماذا لم تذكروا هذه الدعوة؟ لماذا لم تذكروا هذه الحقائق؟ وإذا به هو يتحمس للدين أكثر من حماسنا نحن. نحن مقصرون في واجب الدعوة إلى الله وإبلاغها وهذه تحتاج إلى رجال. وأذكر أول ما بدأنا في حلقات هذا البرنامج تحدثنا عن قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2)) وقلنا أن الله قال للنبي قُم وفهم النبي الرسالة وبقي قائماً بأعباء الرسالة حتى مات وينبغي على أتباعه ونسأل الله أن نكون منهم أن نقوم بأعباء هذه الدعوة وأن نصدق فيما عاهدنا الله عليه حتى نلقى الله ونحن على ذلك.
      أيضاً نلاحظ في سورة الأحزاب أن الله ذكر المنافقين يقول في أول السورة (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (3)) السورة حديثها عن المنافقين كثير لكنها جاءت في هذه الآية فعادلت الكفّة المنافقون يبطنون ما لا يظهرون ويمكرون لكن يقابلهم فئة وإن كنت أحياناً تكون قليلة لكنها مؤثرة ومباركة وهم الصادقون المخلصون فقال الله (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) هؤلاء هم صمام الأمان في مجتمعات المسلمين هم الذين حملوا رايات الجهاد هم الذين نصر الله بهم الأمم ولو رجعنا إلى تاريخ الإسلام هل نجد معركة من معارك المسلمين كان المسلمون فيها أكثر عدداً وعدة من المشركين؟ لا يوجد. وأحياناً أتأمل في قصة حنين في معركة حنين كان عدد المسلمين كثير 12 ألفاً لكن هل كانوا أكثر من المشركين أو موازين لهم؟ لا أذكر لكن قال بعض المسلمين لن نغلب اليوم من قلة فوقعت فيهم الهزيمة وكادوا يهربون لولا أن ثبت الله النبي ومن معه فالمسلمون دائماً ينتصرون بفئة قليلة مخلصة وهذا يشير إلى أن الإخلاص مع القلّة أبلغ أثراً وأعمق أثراً في واقع الناس وعند الله من الكثرة التي تفتقد لهذه الصفات وهذا من فوائد هذه الاية في قوله (فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) فالثبات على المنهج والدفاع عنه حتى يسقط الإنسان كما قال تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الحجر) ونسأل الله أن يثبتنا لأن الثبات على طريق الدعوة والاستمرار عليها توفيق من رب العالمين من الناس من يوفق إليه ومنهم من ينقطع عنه نسأل الله أن يجعلنا من الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأن يتوفانا جميعاً ونحن على ذلك غير مبدّلين ولا مفرّطين.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      بعد أن رددت على تعقيبك أخي الفاضل أبشركم أن الحلقات مرفوعة على موقع فرسان الحق وهذا هو الرابط بحمد الله تعالى
      ۩۞۩ البيان القرآني ۞ لفضيلة الشيخ : محمد صافي المستغانمي ۞ الحلقة (18) ۩۞۩ رمضان 1433 ۩۞۩ - منتدى فرسان الحق :: فرسان السُـنة :: خير الناس أنفعهم للناس ::
      إن شاء الله سأقوم بإضافة روابط الحلقات في مشاركة مستقلة قريباً ليطلع عليها الجميع.
      ويبدو أن البرنامج عرض في رمضان هذا العام. لعل الله ييسر تفريغ حلقاته بإذن الله بحسب ما تسمح به ظروفي الصحية وهذه دعوة لمن يرغب من الأخوات في المشاركة في التفريغ.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      جزاك الله خيراً أخي الفاضل د. محمد على حسن ظنك هذا من فضل ربي فله الحمد.
      الدكتور المستغانمي جزاه الله خيراً قدم حلقات ضمن برنامج لمسات بيانية منذ أعوام على قناة الشارقة وقد قمت بتفريغها بحمد لله وقد آتاه الله علماً نفعنا الله تعالى به وزاده وإياكم جميعاً علماً وفهماً وتدبراً لكتابه العزيز.
      أرجو أن تذكر لي موعد عرض البرنامج وإعادته لعلي أتمكن من متابعته وتفريغ ما أمكن منه أو الطلب من الأخوات المساعدة إذا قدرن على ذلك.
      وأنا بدوري أطلب من الأخت الفاضلة أم الحارث تسجيل حلقات البرنامج ورفعها على قناة الملتقى على اليوتيوب.

      اترك تعليق:


    • محمد الصاعدي
      رد
      الأخت سمر والأخت ام الحارث وفقكن الله
      جهودكن مشكورة ونشاطكن ظاهر.
      في قناة المجد العلمية عرض برنامج البيان القرآني مع الدكتور البلاغي محمد صافي المستغانمي وقد أجاد وأفاد،فليتكن تقمن مشكورات بتفريغ الحلقات مقروءة ؛حتى تعم الفائدة ويحصل النفع.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 10 (10حلقات)
      الحلقة 12 و13 (حلقتان)
      الحلقة 15 و16 و 17 (ثلاث حلقات)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)
      مجموع الحلقات المفرّغة: 19 حلقة
      الحلقات المتبقية: 10 حلقة

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (17)
      لا خيار للمؤمنين

      (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) النور)
      بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
      حياكم الله أيها الإخوة الكرام في برنامجكم قصة آية هذا البرنامج الذي يأتيكم برعاية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته وأن ينفعنا ويرفعنا وإياكم بالقرآن العظيم .
      اليوم سوف نتوقف مع آية من آيات سورة النور تشير إلى موقف الصحابة الكرامة من أوامر الله وأوامر رسوله وكيف بلغ الصحابة الكرام والسلف الأوّلون هذه المنزلة الرفيعة الإسلام في استجابتهم وانقيادهم لأوامر الله ، وما ينبغي علينا نحن الأتباع من الاقتداء بهؤلاء السلف الكرام .
      الصحابة الكرام تميزوا بصفة الانقياد التام للنبي صلى الله عليه وسل.م والمتأمل لآيات القرآن الكريم يجد هذا واضحاً جلياً من البقرة إلى سورة النور التي ذكرتها هنا ويجد على ضد من ذلك بنو إسرائيل كانوا يرفضون، كلما قال لهم موسى عليه الصلاة والسلام طلب منهم طلباً أو أمرهم بأمر تلكأوا، حتى بعضها طلبات بسيطة يعني ليست طلبات لا جهاد ولا أشياء تحتاج إلى مشقة وبالرغم من ذلك تلكأوا. على سبيل المثال في سورة البقرة، قال الله عندما قتل أحد بني إسرائيل ولم يستطيعوا أنهم يتعرفوا عليه فأوحى الله إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن اذبح بقرة واضربوا هذا الميت ببعض هذه البقرة وسوف يحييه الله، وهذا من فضل الله عليه. قال لهم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أول شيء فيهم قلة أدب مع أنبيائهم وسوء أدب، والأمر الثاني تلكؤ عن الاستجابة للأوامر، فلسفة! قال (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ). تجاوزوا النقطة (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) يعني وسط لا هي كبيرة في السن فارِض ولا بكر حديثة الولادة (فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ) (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لونهَا ) نريد أن تحدد اللون بدقة. (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) قالوا لا، نحتاج لمزيد إيضاح (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا) يعني ما بقي إلا أن يحددها لهم بنفسه، يقول هذه هي اذبحوا هذه! فهذا من علامات تلكؤ بني إسرائيل وعصيانهم لأنبيائهم. ولذلك سورة البقرة مائتان وستة وثمانون آية اختُصرت حكمتها في قصة البقرة، ما معناها؟ معناها اُنظروا يا أمة محمد إلى صنيع بني إسرائيل مع أنبيائهم كيف كانوا يفعلون، يتمرّدون على الأوامر، يتلكأون في التنفيذ، يسخرون، يستهزئون، وما المطلوب منا يا رب؟ قال اجتنبوا هذا الأسلوب، وأطيعوا، وانقادوا للنبي ولذلك جاء في آخر سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ) لأنه لا يخلو إنسان من تقصير (رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير) فالله إكراماً لهم قال لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أبشِروا استجابتكم هذه وانقيادكم أنا لن أكلفكم إلا ما تستطيعون والذي لا تستطيعونه معفوٌ عنه (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ) ثم ألهمهم هذا الدعاء الذي لم يلهمه أمة من الأمم في قوله (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ). ما أجمل الاستجابة والانقياد لأوامر الله، وترك الفلسفة، وكثرة التنطع، وكثرة التلكؤ! وكذلك في الآيات التي في سورة النور (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) بنو إسرائيل في آيات أخرى قالوا سمعنا وعصينا. ولذلك هذا درس عظيم لنا نحن المسلمين وحتى اليوم والله إنك تجد الآن أحياناً أوامر الله ورسوله واضحة جداً في القرآن الكريم، وفي السُنة في البخاري ومسلم، ثم تجد من بيننا من يقول: لكن الحديث فيه كلام هو في نفسه هوى لا يريد أنه ينفِّذ، يقال له ما الحكم في قضية الحج؟ في الطواف؟ وفي السعي؟ فيقال له هذه الدليل وهذا صريح قول النبي يقول لا، لكن هناك قول لأحد العلماء، يحاول أنه يتملص ويتخلص من أوامر الله ورسوله، ويقول قال فلان وقال علّان، حتى تجرأ الناس على التملّص من أحكام الله ورسوله. وإلا الموقف الصحيح والسليم الذي أثنى الله عليه وعلى أهله هو الانقياد التام، ولذلك نعلّم طلابنا وأبناءنا في أولى ابتدائي المقصود بالإسلام، وما هو الإسلام أصلاً؟ الاستسلام .قالوا: الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله. فتقول إنك مسلم وأنت لا تنقاد لأوامر الله؟! ما هو الإسلام إذن؟! تقول أنك مسلم وأنت لا تستسلم لأوامر الله وتطيعه؟! طبعاً ليست كل أوامر الله على هواك، الله سيأمرك بالجهاد، ما هو على هواك ولكنه الخير ولذلك قال الله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) واضحة الأوامر هذه. الله يأمرك بالزكاة، طبعاً قد يقول قائل الزكاة طبعاً نصابها اثنين ونصف في المئة لا يؤثر على المال القليل، لكن واحد عنده مليارات فإذا رأى أن الزكاة مائتين وخمسين مليون زكاة؟! قال والله مائتين وخمسين هذه كثير!! قال ما يجوز!! انظر كيف نظر إلى مائتين وخمسين مليون التي هي نصاب الزكاة، وغفل عن المليارات التي رزقه الله بها، فيُقنعه الشيطان أن مائتين وخمسين مليون لا، دعنا نطلع خمسين مليون، والمئتين أعمل بها مشروعات فيدخل عليه الشيطان من هذا الجانب، هذا لم يستسلم لأوامر الله ورسوله ولم ينقد .
      وأذكر أحد كبار التجار حدثني يوماً يقول: غفر الله لي في يوم من الأيام رأيت نصاب الزكاة كبيرة، فقلت للعمال والموظفين، يعني لو تحاولون تغيرون في الحسابات بحيث أن مبلغ الزكاة يقلّ يصير بدل مائتين وخمسين مليون يصير يعني أربعين ثلاثين وأنا أتصرف في الباقي، قال سبحان الله العظيم عوقبت عقاباً عاجلاً، قال فاحترقت المخازن، عنده مخازن كبيرة جداً، قال أصيبت بحريق والله يقول ما أدري ما هو، هل كان التماس كهربائي، قال أنا أول ما سمعت قالوا لي حاصل حريق قلت خذ أخرج المائتين وخمسين مليوناً .قال أول قرار اتخذته أن أُخرج الزكاة هذه مباشر، واستغفرت الله ، وقال وتم إطفاء الحريق، وعرفت مباشرة أن العبث في هذه الأشياء، أنت تتعامل مع رب ولا يمكن أن تضحك عليه! ما هو بهذا مصلحة الزكاة والدخل وأنت تتعامل بصدق، الله يقول رزقني ومبارك لي وأعطاني وأني أضعف في اللحظة الضعيفة هذه لأني تكابرت المبلغ وأحسست أن هناك فرصة أنني أعبث بها، وقس على ذلك، فلاستسلام والانقياد لأوامر الله ورسوله يجب أن يكون في نصف عيناك دائماً، وأن هذه هي صفة المؤمنون ولذلك قال (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ) انظر الحصر يعني لم يقل لهم قول غيره أبداً وصدق الله ورسوله، أبشِر أطعنا سمعنا وأطعنا، يدعون إلى الجهاد، أبشِر بل ويتنافسون بالمال يدعون إلى البذل فيتنافسون، يدعون إلى الصدقة فيتنافسون ولما جاء المهاجرون إلى الأنصار يتنافسون في إيوائهم وهكذا، ويؤثر بعضهم على بعض، هذه صفة المؤمن الصادق الإيمان كامل الإيمان، أنه يقول سمعت وأطعت لأوامر الله ورسوله ولو خالَفَت هواك. ولذلك زينب بنت جحش لما قال لها النبي يا زينب تزوجي زيد بن حارثة، هي امرأة شريفة ونسيبة وهي بنت عم النبي .أتزوج مولى؟!! غير مقبولة في العرف الاجتماعي أبداً، فلما أمرها النبي بذلك تزوجت زيداً، أبشِر، سمعنا وأطعنا. فلما تزوجت زيد وقدّر الله وطُلِّقت من زيد زوّجها الله بالنبي مكافأة لاستجابتها لأمر الله ورسوله. ولذلك أم سلمة تقول في كلمة جميلة "مات أبو سلمة" والنبي قال: "من أصيب بمصيبة فقال إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم آجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها" يقول النبي إلا أبدله الله خيراً منها. قالت: فأنا قلت هذا الدعاء وأنا أقول في نفسي ومن هو الذي يأتي خيراً من أبي سلمة؟ كانت تحب زوجها قالت: فأبدلني الله بالرسول أفضل من أبي سلمة ففضل الله عظيم والانقياد لأوامر الله آثاره ستنعكس على حياة المسلم وعلى أخلاقه وعلى أولاده وعلى ماله وعلى علمه بشكل مبارك يلمسه في تفاصيل حياته. ولذلك الصحابة كان ثمن انقيادهم وتسليمهم لأوامر الله أن جعل الله درجاتهم عالية جداً عنده وجعل النبي فضلهم لا يمكن لأحد بعدهم أن يدركه، ولذلك قال يوماً لما بلغه أن بعضهم يسب بعض الصحابة، فقال: لا تسبوا أصحابي فوالله لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهب ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. مع أنه لا يمكن ويستحيل أن أحداً يستطيع أن ينفق مثل أُحد ذهباً!، من هو الذي يملك مثل أُحُد ذهباً أصلاً؟ مثل جبل أحد، جبل أحد جبل ضخم جداً ثم يكون ذهباً هذا مستحيل! لكن لو حصل أن أحد أنفق مثل هذا الإنفاق فهو لا يوازي نصف مُدّ أحد الصحابة فليتوقف الذين يسبّون الصحابة الكرام فإنهم لن يستطيعوا أن يبلغوا مبلغهم. والعجيب أن هناك من الذين ينتسبون للإسلام وهم هؤلاء الرافضة الإثنا عشرية يتقربون إلى الله بسب أبي بكر وهو أفضل الصحابة، وبسب عثمان، وبسب أم المؤمنين عائشة ،انظر إلى هذا الدين الباطل الذي ليس من الإسلام في شيء، يتقربون إلى الله بسب هؤلاء الصحابة الكرام فهؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء! والرسول يقول لو أنفق أحدكم لن يبلغ مدّ أحدهم فكيف الذي يسبهم ويقع في أعراضهم، ويقيم دينه على سب هؤلاء الصحابة الكرام الذين وصفهم الله في هذه الآية وقال (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). هذه الآية العظيمة في الحقيقة معناها متكرر في مواضع كثيرة في القرآن الكريم من الانقياد والسمع والطاعة، وتأمل أنت حتى في القصص السابقة الأنبياء السابقين كيف كان يتعامل هؤلاء الأقوام مع أنبيائهم؟ اُنظر مثلاً في قوم نوح وصنيعهم مع نوح، اُنظر إلى الأتباع دعك من الذين كذّبوا ولكن حتى الأتباع الصالحين، انظر مع موسى عندما خرج ببني إسرائيل من فرعون ومن مصر، ولما أنجاهم الله أخرجهم الله وأنجاهم بمعجزة عجيبة وهي أن الله شق لهم البحر، هم رأوا هذا بأنفسهم، ورأوا فرعون وهو يغرق وما أن خرجوا من البحر ما جفّت أقدامهم إذا بهم يقولون يا موسى، اجعل لنا إلهاً كما لهم آله، يطلبون الشرك بالله ! يقول لهم موسى ادخلوا بيت المقدس، أراد بهم أن يدخل بهم إلى فلسطين ويحاربون أهلها ويتمكنون، قالوا اذهب أنت وربك فقاتل إنا هاهنا قاعدون! هذا الخذلان، ولذلك عاقبهم الله فبقوا في تلك الصحراء أربعين سنة، ومات موسى وجاء بعده تلميذه يوشع بن نون ودخل بهم. فالشاهد انظر إلى بني إسرائيل، انظر أيضاً إلى قصة أصحاب طالوت معاهم، عندما قال الله (إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ (247) البقرة) واليهود أصحاب فلوس وأصحاب اقتصاد دائماً هي الفلوس مقدمة عندهم والمال، فأيضاً خذلوا وتخاذلوا عنه وقال (فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ (249) البقرة) هؤلاء الصفوة، شربوا أكثرهم والله يقول (قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) قال (فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ) حتى الخذلان وعدم الطاعة والعصيان وعواقبها! الصحابة الكرام كانوا أهل انقياد، وأهل طاعة، وينبغي علينا نحن أن نكون كهذا، وينبغي أن يكون المؤمن أن يقدّم أمر الله وأمر رسوله على كل أمر وعلى هواه في الصلاة، وفي الزكاة، وفي الحج، وفي الصدقة، وفي البذل، وفي الجهاد، وفي الدعوة، دائماً قدِّم أمر الله على أمر نفسك، قدِّم حاجة الدين وحاجة الدعوة على حاجتك الشخصية، وستجد ثمرة ذلك بركةً في علمك وفي وقتك وفي مالك وفي أبنائك. بعض الناس يتردد أنه ينفق ألف ريال أو ألفين ريال ويقول هذا أدفعها قسط في كذا ولا يعلم أنه لو أنفقها في سبيل الله لأخلف الله عليه ولبارك الله له في أولاده، بعض الناس يمنع حق الله، فيبتلى في أمراض في زوجته وفي أولاده ينفق الآلاف وهو يعالج. ولذلك عندما يقال داووا مرضاكم بالصدقة، وأنفق في سبيل الله، يكفيك الله أموراً لو فتحها عليك لما وسعتها أموالك. والذي يتعامل مع الله بالإخلاص، والنية الطيبة والصادقة في الإنفاق، وفي البذل، وفي الدعوة إلى الله يكفيه الله ما أهمه، وفي إحدى الحلقات كنا تكلمنا عن قوله تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) الطلاق) نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التقوى، والإخلاص، والاستجابة لأمر الله ، والانقياد له في كل ما أمرنا به والانتهاء عن كل ما نهانا عنه، وأن يجعلنا مخلِصين له حتى نلقاه، ونستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (16)
      ألا تحبون أن يغفر الله لكم
      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢١﴾ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٢﴾ النور)
      بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.حياكم الله أيها الإخوة الكرام في كل مكان في برنامجكم قصة آية الذي يأتيكم من وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، هذا البرنامج رغبة في أن نعود إلى لتحلق حول آيات القرآن الكريم لتدبر ما فيها ومعرفة سبب نزولها، وقصص هذه الآيات العظيمة، وكيف كانت تنزل على نبينا محمد ومتى كانت تنزل ولماذا نزلت وآياتنا في هذا اللقاء نزلت في سيدنا أبي بكر الصديقحامل لواء الصدق والصدقة والتصديقوهو رجل الإسلام الثاني بعد النبي.وهذه الآية التي معنا هذا اليوم هي من الآيات التي وردت في سياق قصة الإفك في سورة النور، التي نزلت على النبيفي المدينة.
      هذه الآية (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لها قصة وهي تأتي طبعاً في سياق قصة الإفك التي نزلت على النبيبعد اتهام أم المؤمنين عائشة بالفاحشة من المنافقين، ومن وقع في حبال المنافقين من المؤمنين، فكان من ضمن من اتهم عائشة بهذه التهمة الشنيعة ممن نقل الكلام وتهاون فيه مِسْطَح بن أُثاثه. ومِسْطَح بن أُثاثه قريب لأبي بكر الصديق، والد عائشة ، فلما نزلت آيات الإفك (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ) وتبين لأبي بكر الصديق أن مسطح بن أثاثه كان من ضمن الذين يتهمون ابنته عائشة وكان أبو بكر الصديق ينفق على مسطح يعطيه، يحاول أن يصرف عليه وينفق عليه لأنه فقير وهو ابن عمته قريب له فلما عرف أبو بكر أن مسطح ممن يقع في عرض ابنته عائشة أقسم بالله أن لا ينفق عليه بعد اليوم ولا ينفعه بنافعة، فأنزل الله هذه الآية فقال الله (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ) يأتلِ يعني يحلف (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) يعني أصحاب السعة والغنى والمال (أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أبو بكر الصديق هو مدرسة في الاستجابة لأمر الله ورسوله، ومدرسة بكل معنى الكلمة. يعني إذا أردت أن تجعل لمدرسة الاستجابة لله ولرسوله والانقياد والتسليم والخضوع التام فسمِّها مدرسة أبو بكر الصديق .ولذلك بعض الناس عندما يأتي إلى الأحاديث النبوية يجد أن أبي بكر الصديق هو أطول شخص صحب النبيمن بعثته إلى وفاته، ولكنه لا يجد له من الأحاديث التي رواها الكثير. أبو هريرة صاحب النبيربما ثلاث سنوات أو أقل أو يعني ما يقارب ثلاث سنوات وزيادة ولكنه روى خمسة آلاف وأربع مئة وثلاثة وسبعون حديثاً تقريباً، ما يقارب هذا الرقم، بينما أبو بكر الصديق لم يروي مثل هذا العدد. كذلك في تفسير القرآن الكريم تجد ابن عباس له أقوال كثيرة في التفسير، وعلي بن أبي طالب له أقوال، عبد الله بن مسعود، أبو بكر الصديق لا تجد له إلا أقوالاً محدودة جداً. لكن بالرغم من ذلك هو رجل الإسلام الثاني، إذا غاب النبييحضر أبو بكر في كل المناسبات. ولذلك كان يقول أحد الصحابة قال ما كان أكثر ما يقول النبي"دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر"، يقول لعمر. فأبو بكرنزلت فيه عدة آيات منها هذه الآية عندما أقسم أن لا ينفق على مسطح بن أثاثه بعد ذلك الفعل الذي فعله ووقع في عرض ابنته عائشة، فخاطب الله في أبي بكر الصديق عاطفة الإيمان هذه وقال (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا) ذو القربى وقدّم وذكره بقرابته منه (الْمَسَاكِين وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا) فمباشرة أبو بكر الصديقوتحدثنا في إحدى اللقاءات عن قول الله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ )، لا، أبو بكر ليس من هذا النوع، أبو بكر مجرد أن سمع الآية (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) قال بلى والله، إي والله، بلى والله أحب أن يغفر الله لي، فأرجع النفقة على مسطح ولم يقطعها حتى مات. انظر الموقف الذي كان فيه أبو بكر الصديق، ابنته عائشة زوج النبييتهمها المنافقون بأنها وقعت في الزنا ويشيعون هذا، تأذّى النبيأذىً لا يعلمها إلا الله من هذه التهمة، ولا أشدّ على المؤمن بأن يتهم في عِرْضه. يهون على المسلم- بل وأقول يهون حتى على العرب قبل الإسلام- أن يُتّهم الإنسان في ماله أو أن يُصاب في جسمه ولكن يسلم عِرْضه، أما أن يصاب في عِرْضه، فهذا هو الصعب ولذلك يقول الشاعر يقول:
      يهون علينا أن تُصابَ جسومنا وتسلم أعراضٌ لنا وعقول
      ويقول حسان بن ثابت:
      أصون عرضي بمالي لا أدنّسه لا بارك الله بعد العِرْض في المال
      ويقول السموأل بن عاديا وهو شاعر يهودي قبل الإسلام:
      إذا المرء لم يدنس من اللؤم عِرْضه فكل رداءٍ يرتديه جميل
      وإن هو لم يحمِل على النفس ضيمَها فليس إلى حُسْنِ الثناء سبيل
      فلاحظ أهمية العرض عند المسلم وعند العربي. فهذا يُتهم في عرضه عليه الصلاة والسلام وهي ابنة أبي بكر الصديق! فأبو بكر الصديق الآن يعني من مصاب من جهتين، مُصاب من جهة الرسوللأنه أحب الناس إليهومُصاب من جهة ابنته. ثم من هو الذي يفعل ذلك؟! قريبه، وليس مجرد قريب وإنما الذي أحسن إليه، يعني العودة إلى الإحسان إلى هذه النوعية صعبة جداً لكن بالرغم من ذلك قال أبو بكر الصديق: بلى والله أحب أن يغفر الله لي. وهذا درس لي ولك ولكل من يشاهدنا في الاستجابة لأمر الله ورسوله، هنا الاختبار عندما يكون مراد الله مخالفاً لهواك ولحظّ نفسك تستجيب، هنا المقياس. أما إذا صار هواك أنت يوافق أمر الله ورسوله فأتيت أمر الله وأمر رسوله لأنه وافق هواك ما صنعت شيئاً! لكن عندما يكون أمر الله وأمر رسوله مخالفاً لهواك، فتقدِّم أمر الله وأمر رسوله على هواك هنا يظهر حقيقة الإيمان. وأبو بكر الصديق ما شاء الله تبارك الله لا يدخل اختباراً من هذا النوع إلا ويحصل فيه على الدرجة الكاملة، ولذا سمي الصديق، لأنه كان يسارع إلى تصديق النبي .
      ومن الطرائف أن النبيلما جاء في مكة أُسريَ به إلى بيت المقدس وعُرِج به إلى السماء ونزل ورجع قبل الفجر، فالرسولأخبر الناس بهذا ولم يبلغ هذا أبا بكر بعد، فقال له بعض المشركين هل سمعت ماذا قال صاحبك؟ قال: ماذا قال؟ قال: يقول أنه أُسري به إلى بيت المقدس وإلى السماء وعاد من ليلته ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً حتى نصل إلى بيت المقدس! فقال كلمة جميلة تدل على منهجية أبي بكر في المسألة، فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق، لكن أهم شيء أنه يثبت أنه هو الذي قال ذلك.إن كان قال ذلك فقد صدق، قالوا وكيف؟ قال أنا أصدقه بما هو أبعد من ذلك، أنا أصدقه بخبر السماء، القرآن الوحي الذي يأتيه يأتيه من السماء، ألا أصدّقه إلى بيت المقدس؟!انظر منهجية الانقياد والاستسلام لأمر الله ورسوله إذا ثبت عندك ما أسهلها على قلوب المؤمنين الصادقين. ولكنها لبعض الناس فتنة والعياذ بالله، يعني التردد والشك والريبة، هذه ما عند أبي بكر الصديق، أبو بكر الصديق ما عنده إلا التسليم والانقياد ومتابعة النبي وعدم التقدّم بين يديه، وعدم رفع الصوت عنده، سبحان الله العظيم! ولذلك حتى في يوم الحديبية يحاول عمر أنه يغيّر البنود، هذه بنود قاسية التي كتبها علينا المشركون، أنه إذا أسلم أحدٌ منهم نردّه إليهم, وإذا ارتدّ أحد منا فإننا لا نطالب به، فقال: يا رسول الله كيف نعطي الدنيّة في دينه؟!! فقال أبو بكر لعمر: يا عمر هذا رسول اللهولن يضيّعه الله، اللهم صلِّ وسلم عليه. أنا أقول لنفسي وللإخوة الكرام ليتنا نقرأ سيرة أبو بكر الصديق مرة أخرى، وأنا أنصح بقراءة كتاب الشيخ علي الطنطاوي "أبو بكر الصديق"، وهناك كتب كثيرة في سيرة أبي بكر الصديق. أبو بكر الصديق عند كثير من الناس مجهول، كل الذي نعرفه أنه الخليفة الأول للنبي،أنه أمير المؤمنين، لكننا لا نعرف هذه التفاصيل عن سيرة حياته.هذه الآية هي تذكر لنا جانباً من جوانب شخصية أبي بكر الصديق وهي سرعة الاستجابة والانقياد لأمر الله ورسوله. أن رجلاً يقع في عرض ابنته ويتهمها بالوقوع في الفاحشة، وأنه قد أحسن إليه من قبل ذلك ثم يطعن في عرض أبي بكر ويسيء إليه، ثم يعود أبو بكر ويرغم نفسه ويدعس على مشاعره ويعيد النفقة لمسطح بن أثاثه حتى يموت أبو بكر الصديق وهو ما زال ينفق على مسطح أجمعين.
      هذا درس لنا جميعاً أن الإنسان يخالف هواه مقابل أنه يطيع أمر الله ورسوله وأن يستجيب لأمر الله ورسوله، ولذلك قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وقال الله في أول سورة البقرة عندما قال الله (ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى) لمن؟ قال (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ثم ذكر صفاتهم فقال (الَّذِينَ َيُقِيمُونَ الصَّلاة ويؤتِون الزكاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4))
      الشاهد منها (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة ). الإيمان بالله ليس سهلاً، تؤمن بالجنة، وتؤمن بالنار، وتؤمن بالملائكة، وتؤمن بكل التفاصيل بالغيب، وأنت لم ترى شيئاً إلا مجرد الإيمان والتصديق! ولذلك ديننا قائم إذا صدّقت وآمنت بالنبيوآمنت بأنه كل ما جاء به وحي، فأنت ملزم بكل التفاصيل والإيمان بها، وفيها الكثير من الغيوب. أبو بكر الصديق أنا اعتبره النموذج رقم واحد في الإيمان بالغيب، كاننموذجاً، يعني كان موجوداً في عصر الصحابة ولمن بعدهم في التسليم للنبيوالانقياد له.تعريف الإسلام أخذناه في أول ابتدائي "الإسلام هو الاستسلام للهبالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشك". والله اليوم إن الواحد منا يراجع نفسه في هذه الحقائق البسيطة نجد عندنا خللاً فيها، ألا وهو الاستسلام لله ولانقياد لأوامره، الآن أصبح الانقياد فيه أسئلة كثيرة، ما هو بالاستجابة الصحيحة، يعني نطعن في الأحاديث الصحيحة لأنها تخالف أهواءنا، ونردّ الفهم الصحيح للسلف في الآيات القرآنية لأنها تخالف أهواءنا، ونحاول أن نلتف على هذه الأحاديث وهذه الأدلة بحجج ذكية أحياناً وبطرق مختلفة لأننا لا نريد أن ننقاد ولا نسلِّم ولا نستجيب .
      أبو بكر الصديق أذكى وأعلم وللعلم أبو بكر الصديق من أعلم الصحابة ومن أعلم قريش بالأنساب، لكنه كان مع النبي صامتاً يتلقّى ويستجيب ويدفع ويدافع وإلا لو شاء أبو بكر الصديق أن يكون أروى الصحابة للحديث لما غلبه أحد لأن علم الأنساب من أصعب العلوم لكثرة تشابكه، وبالرغم من ذلك كان هو أنسب قريش، وعائشة استفادت من أبيها في هذا الجانب وكانت من النسّابات أجمعين. نعود ونلخِّص قصة هذه الآية وهي قول الله (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) أي لا يحلف بالله ويقسم بالله العظيم ذو الفضل منكم وذو السعة في المال قال (أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أن يعطوهم ويتصدقوا عليهم وينفقوا عليهم، وذكرنا أنها قصة مسطح بن أثاثه عندما وقع في عرض عائشة، وبالرغم من ذلك رجع أبو بكر وأعاد النفقة استجابةً لأمر الله وأمر رسوله . نسأل الله أن يجعلنا وإياكم والإخوة المشاهدين في كل مكان من المستجيبين المنقادين لأوامر الله وأوامر رسوله وأن يتوفّانا ونحن على ذلك غير مفرّطين

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة 10 (10حلقات)
      الحلقة 12 و13 (حلقتان)
      الحلقة 15 و16 (حلقتان)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)
      مجموع الحلقات المفرّغة: 18 حلقة
      الحلقات المتبقية: 11 حلقة

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      من تفريغ الأخت الفاضلة أم جعفر جزاها الله خيراً هذا نص الحلقة السادسة

      الحلقة السادسة
      فضل الهجرة في سبيل الله
      وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100) النساء)
      اليوم سأروي لكم قصة ضمرة ابن جندب، فهل سمعتم بضمرة ابن جندب والآية التي نزلت في شأنه؟ هذه هي الآية التي سنتحدث بها في هذه الحلقة. هذه الآية في سورة النساء وهي الآية رقم 100 وكثير منا ربما لا يعرف ضمرة ابن جنذب الذي نزلت فيه هذه الآية. هو رجل كبير في السن آمن بالنبي ولم يهاجر إلى المدينة وبقي في مكة لكِبَر سنه، ونحن نعلم أن الله قد عذر الرجال كبار السن والنساء من الهجرة وأما القادر على الهجرة فأوجب الله عليه الهجرة وقال (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ (98) النساء). فضمرة ابن جنذب جلس في مكة فعلاً ولكنه لم يتحمل البقاء في مكة وهو رجل كبير في السن والسفر مُتعِب له فتحامل على نفسه وخرج من مكة متوجهاً إلى المدينة. والمسافة بين مكة والمدينة طويلة تقريباً (450 ــــ460) كيلومتر خاصة في زمنهم، فيها جبال وهي شاقة جداً، وفعلاً أدركته منيّته في الطريق. أصلاً هو كبير في السن ولا يتحمل السفر فلما وصل إلى منتصف الطريق وشعر بدنوّ أَجَلِه ضرب كفّاً بكفّ - طبعاً ليس ندماً كما يضرب أحدنا كفاًّ بكفّ ندماً على فعل أو تصرف- لا، وقال: اللهم يا رب هذه كفّي مبايعة لرسولك . سبحان الله العظيم! القرآن يتنزل من العزيز الحكيم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهذا الرجل الكبير في السن الله في غنى عن هجرته وفي غنى عن الجهد الذي بذله وأدّى إلى وفاته في الطريق والأجل غير مرتبط بالمرض ولا بالسنّ. سبحان الله العظيم، هذه القصة نُقِلَت مباشرة إلى النبي . النبي جالس في المدينة وهذا ضمرة مات وحيداً في الطريق في الوسط فأنزل الله هذه الآيات يقول الله (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) يعني الذي يخرج من بلاد الكفر ويخرج مهاجراً "إلى الله"، هذا هو القيد، يعني لا تهاجر لأنك لا ترتاح في المنطقة أو مثلاً لم ترتح للجيران أو لم ترتح للخدمات "البنية التحتية" تريد أن تهاجر لأنك تريد أن تحصل على خدمات أحسن، هذه ما صارت هجرة إلى الله ولذلك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". لم يقل "فهجرته إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امرأة" بل قال فهجرته إلى ما هاجر إليه حتى لا تستحق أن تكررها مرة أخرى! أما بالنسبة من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله وكذلك هنا (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) وهذا الذي حصل لضمرة، فماذا يا رب؟ فقد حبط عمله؟ قال لا، فقد وقع أجره على الله. فقد وقع أجره على الله يعني أخذ الحساب مقدّماً بمجرد خروجه من البيت، لا يُشترط لكي تُقبل هجرتك أنك تصل إلى النبي وتوقّع حضورك أنك وصلت وهذه بطاقتي وهذا رقمي، لا، أنت خرجت من بيتك مهاجراً إلى الله ونيتك صادقة اِنتهى أمرك، تأخذ حسابك مقدّماً فقد قال الله (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وهذا يمكن أن نسميها تأمين على الحياة، المهاجر في سبيل الله مؤمِّن على حياته. ونحن نفرح لما يؤمِّن أحد منا تأميناً شاملاً على سيارته التي لا يفوق سعرها أحياناً 30000 ريال و يفرح إذا جاءته أي صدمة أو حادث ليس عنده مشكلة مطمئن لأنه عنده تأمين من شركات أحياناً يمكن بعضها لا يدفع لك شيئاً! لكن الله يقول لا، الذي يخرج من بيته مهاجراً إلى الله مؤمّن على حياته، فقد وقع أجره على الله يصل أم لا يصل هذا ليس له علاقة بالموضوع. ونحن نتعامل مع الله بالنيّات الصادقة والنيات الصالحة فإذا صدقت نية المؤمن في جهاده وفي دعوته وفي علمه فإن الله يبارك في القليل ويتقبل ولو لم يتقبل الله من الإنسان إلا حسنة واحدة فإنه يضاعفها له. إذا تأملنا حديث الرجل صاحب البطاقة الذين يقولون أنه جاء يوم القيامة فطاشت موازين سيئاته من كثرة أعماله السيئة فقال الله اُنظروا هل بقي لعبدي من عمل صالح؟ فقالوا ما بقي له إلا بطاقة مكتوب فيها لا إلله إلا الله - وهذا حديث البطاقة حديث صحيح- فقال الرجل ماذا ستفعل هذه البطاقة أمام هذه الفظائع والسيئات؟!!! فلما وضعت في ميزانه رجحت بكل السيئات ففضل الله عظيم إذا صدقت النيّات وخلُصت لوجهه . ولذلك نلاحظ الآية عندما يقول (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) معناها المسألة مبنية على الإخلاص التام لوجه الله لا تشرك فيها أحداً من خلقه ولا تشرك في عمل لله أحداً من أهل الدنيا لذلك يقول في الحديث القدسي: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاء عَنْ الشِّرْك، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْته وَشِرْكه". لذلك هذه رسالة لي وللإخوة المشاهدين: إياكم والشرك فإن هذا هو أظلم الظلم أنك تشرك مع الله غيره في عمل من الأعمال أو في عبادة وهو لا شريك له.
      ثم يقول (ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ). يدركه الموت فيها إشارة أن الأجَل هنا مقدّر ولا علاقة له بسفر ولا علاقة له بهجرة ولا علاقة له بحرب، أن الموت هو الذي أدركك ولذلك قال اللَّه في سورة النساء نفسها (أيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ (78)) ولذلك أحياناً بعض الناس عندما يُدعى إلى الهجرة - طبعاً الهجرة فيها صعوبة تخرج من بلدك وتخرج من بيتك، ولاحظ في الآية قال (مَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ) فيها إشارة إلى أنه ضغط على نفسه حتى خرج، لأنه مَنْ هو الذي يترك بيته؟! وإلى أين يذهب؟!! المهاجر في ذلك الوقت يذهب إلى المجهول لأنه ليس لديه بيت يذهب إليه وليس لديه مال يأخده معه وإنما كان المشركون إن سمحوا لك بالخروج فإنك تخرج بثيابك التي عليك فقط حتى صهيب الرومي كان تاجراً من تجارهم خرج بثوبه الذي عليه وسيأتي معنا إن شاء الله في إحدى القصص .
      هنا ضمرة ابن جندب خرج وأدركه الموت في الطريق فقال كما قلت أنه ضرب كفّاً بكفّ فأخبر الله نبيه وقال "اللهم هذه بيعتي لنبيك" فنقلها الله للنبي فقال (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) هنا عندما يقول (فقد وقع أجره على الله) إبهام الأجر يدل على عظمته. أنت تفرح لو قال لك رئيسك في القسم مكافأتك عندي مثلاً لو أعطى لزملائك أنت خذ 5000 وآخر 5000 ولكن أنت مكافأتك عندي، يشعر أحدنا بنوع من الثقة ما دام رئيس القسم هو الذي يتكفّل بمكافأتي سوف تكون بالتأكيد أحسن من زملائي فكيف إذا كان الملك؟! لو قال لنا الملك يا فلان إن مكافأتك عندي كيف سيكون شعور العبد حينها؟!!! أكيد سيكون شيئاً عظيماً لأن المكافأة ستكون مكافأة مجزية، ولله المثل الأعلى، فكيف الله في القرآن الكريم ذكر مثل هذا (فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) يعني أجره عليّ، تسألني عن عظمته يذهب الذهن في تخيّل عظمة الأجر كل مذهب. ولذلك عندما قال الله (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) الزمر) لن تستطيع التكلم عن هذا الأجر، كيف بغير حساب؟ يعني بغير حساب. وأيضاً عندما قال الله عن الصائمين في الحديث القدسي الصحيح: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" معناه أن أعمال بني آدم محددة الأجر، هذا فله عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى آخره لكن الصيام أجره على الله مفتوح يقدّره والله أكرم الأكرمين. فهنا الذي يخرج من بيته مهاجراً أولاً: خرج من بيته، ملكه الذي عاش فيه ومَلَكَه وخرج طوعاً واختياراً في سبيل الله ثم الأمر الثاني أنه مخلص في سبيل الله، والهجرة إلى الله معانيها عظيمة والخروج في سبيل الله والنبي هاجر وأيضاً سيدنا إبراهيم هاجر ومعظم الأنبياء هاجروا وخرجوا من بلادهم .فالله هنا عندما تكفّل بالجزاء دلّ ذلك على عظمته. الأمر الثاني أن الهجرة مرتبطة في الأذهان بالغربة والفقر والحاجة أنت الآن عندما تخرج وتترك بيتك وبلدك وأهلك وتخرج إلى بلد مجهول وليس لديك مكان تأوي إليه لا شك أنها مظنّة العَوَز ومظنّة الفقر ومظنّة الانقطاع ومظنّة الموت لكن الله أزال كل هذه التوهمات وقال لا، الهجرة إلى الله باب انفتاح الرزق فقال الله في أول الآية (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) مراغماً كثيراً أنه سيجد تحديات وسوف يجد عقبات ولكنه سيجد سعة أيضاً. حتى أن كلمة "سعة" كلمة جميلة فيها معنى الرزق ومعنى الخير في كل شيء وهذا الذي حدّث النبي عندما خرج مهاجراً من بيته فتح الله عليه وآمن الناس به وكوّن له دولة وأتباعاً وجيشاً ونشر الله دعوته بعد أن كان مُطارَداً في بلده.
      أيضاً من فوائد هذه الآيات أن العلماء تكلموا في تفسير هذه الآية أنها ليست خاصة بمن يهاجر في سبيل الله بمعنى الهجرة الإصطلاحي وهو الخروج من بلد الشرك إلى بلد الإيمان وإنما كل من خرج في طلب العلم أو في حج أو في طاعة فإنه يناله نصيب من هذا وأنه يصح فيه أنه خرج مهاجراً إلى الله ورسوله. ومن فوائد هذه الآيات أيضاً أن الرزق وسعة الرزق والنجاة من الإضطهاد لمن يهاجر في سبيل الله ولنصرة دينه وهذا وعد من الله للمؤمنين والله لا يُخلف الميعاد ولكن المشكلة هي في نيّاتنا وفي مدى صدقنا مع الله والتزامنا بهذا الوعد، وإلا انظر كيف خرج ضمرة ابن جندب ثم مات في الطريق! هو لم يعلم بهذه الآية التي نتحدث عنها اليوم ولم يكن يتوقع ضمرة أن قصته هذه سوف تبقى تُروى في كتب التفسير وأنها نزلت في القرآن الكريم وأن الله قد نقل قصته وأخبر بها النبي وأنها أصبحت نمودجاً يُحتذى في التحامل على النفس والخروج في سبيل الله مع أن الله قد عذره في الهجرة ولكنه قال لا، لن أبقى في بلاد الشرك ويريد الذهاب إلى النبي . ويذكرون في بعض القصص أنه كان يبكي ويتحسّر ويقول الناس يجالسون النبي ويستمعون إلى القرآن وأنا هنا بين المشركين وبين الأصنام فلذلك دفعته غيرته فهاجر ومات في الطريق لكنه بقي خالداً في صفحات التاريخ بصدق نيته. ولذلك أقول وأكرر أسأل الله أن يرزقنا إخلاص النيّات كما ذكر السلف "ما عالج المؤمن شيئاً أشدّ من النيّة" لأن الإنسان يحبّ الدنيا ويحبّ حظّ النفس والشيطان يكمن في التفاصيل ويغريك بعَرَض الدنيا، فإذا وفِّق الإنسان إلى خلوص النية وتقبل الله منه عمله فقد وقع أجره على الله. ضمرة ابن جندب ليس قصة تاريخية نرويها وإنما هو نموذج لكل من يهاجر في سبيل الله مخلصاً صادقاً فإن الله قد بشّره وضمن له ضماناً لا شك فيه أنه قد وقع أجره على الله. أسأل الله أن يرزقنا جميعاً الإخلاص لوجهه وأن يكفينا شرور أنفسنا وأن يجعلنا من عباده المخلصين.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (15)
      بين الخوف والرجاء

      (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾ المؤمنون)
      نتوقف مع آيات كتاب الله الكريم نتدبر هداياتها ونقصّ عليكم قصة هذه الآيات. نتوقف في هذه الحلقة مع الآيات التي في سورة المؤمنون التي سألت عائشة النبي قالت: يا رسول الله هل هؤلاء الذين ذكروا في الآية هم الذين يسرقون ويزنون ويتصدّقون ويخافون؟ قال: لا، وفسّر لها الآية. وهذا نموذج من تفسير النبي لما يُشكل على الصحابة من آيات القرآن الكريم.
      هذه الآياتا من سورة المؤمنون وسورة المؤمنون تسري فيها هذه الروح الدعوة للإيمان وصفات المؤمنين وقصص المؤمنين. هذه الآية عائشة وهذا فيه فائدة كيف كان النبي يفسّر القرآن للصحابة، هل كان يفسر كل الآيات؟ أم كان يفسر الآيات التي تشكل عليهم أم كان يصحح أخطاء الفهم التي يقع فيها الصحابة؟ الصحيح فعلاً أنه لم يفسّر كل القرآن لأن القرآن نزل على قوم فُصحاء الألسنة، عرب، فالقرآن عربي يفهمه العربي، هناك أحياناً أخطاء في الفهم يصوّبها. مثلاً عندما أنزل الله (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) قبل أن تنزل كلمة (مِنَ الْفَجْرِ) ففهم بعض الصحابة مثل عديّ بن حاتم فهماً خاطئاً لمعنى الآية. الآية تقول كلوا واشربوا في رمضان حتى يظهر الصبح ثم توقفوا. فعديّ بن حاتم فهم الآية (وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) أن المقصود أن تأخذ معك خيطان واحد لونه أبيض وواحد لونه أسود وتجعلها بجانبك عند رأسك في النوم وتنظر فيها كل وقت فإذا استطعت أن تميز بين الخيط الأبيض والأسود معناه أن هذا الوقت الذي تتوقف فيه عن الأكل فأنزل الله تكملة الآيات (مِنَ الْفَجْرِ) كما يقول العلماء (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) لإزالة هذه الشبهة ولذلك النبي ضحك لما بلّغه عدي أنه فهم هذا الفهم فقال "إنك لعريض القفا" وبيّن له المعنى الصحيح. أيضاً عندما جاء عبد الله بن مسعود وأشكل عليه آية في سورة الأنعام فقال يا رسول الله الله يقول (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) الأنعام) ففهم عبد الله بن مسعود من هذه الآية أن أيّ واحد مسلم يرتكب شيئاً من الظلم فإن الله لن يمنحه الأمن ولا الهداية لأنه قال (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) لم يخلطوا إيمانهم بظلم. فهو فهم منها أنه مطلق الظلم والحقيقة حتى قواعد أصول الفقه تؤيد فهم عبد الله بن مسعود لأن الأصوليين والنحويين يقولون أن النكرة في سياق النفي أو النهي أو التمني تدل على العموم فالله يقول (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم) هذا نفي (بِظُلْمٍ) نكرة في سياق النفي فهي تدل على العموم. فقال أيُّنا لا يظلم نفسه يا رسول الله؟ يعني سوف نخرج من معنى الآية لأنه لا يسلم أحدنا أن يظلم نفسه أو يظلم غيره! فقال له النبي مصححاً للفهم قال: ليس الذي تعنون، يعني ليس المقصود مطلق الظلم ظلم الإنسان لنفسه وإنما للظلم المقصود في الآية هو الشرك بالله فمعنى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) أي بشرك (أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) هذه لا شك تبعث الأمل في نفوس الناس لأن الشرك الحمد لله الناس لا يقعون فيه لكن ظلم الصغائر لا يكاد يسلم منه أحد. ثم استشهد لهم بقول لقمان لابنه في سورة لقمان: ألم تسمعوا قول العبد الصالح (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) لقمان)، هذا من منهج النبي في التفسير كيف أنه يفسر القرآن بالقرآن ويبين بعض الآيات المشكلة للصحابة ومنها هذه الآيات. قالت عائشة وهو سؤال وجيه قالت: يا رسول الله الله يقول هنا (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا) ينفقون ما ينفقون من الصدقة ومن المال (وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) وهم يخافون ألا تقبل منهم هل هؤلاء يا رسول الله الذين يسرقون ويزنون ويشربون الخمر؟ قال لا. ونصّ الحديث كما في الصحيح أن أم المؤمنين عائشة قالت: يا رسول الله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ثم يتصدق ويخاف ألا يقبل منه؟ قال لا يا ابنة أبي بكر أو يا ابنة الصديق ولكنه الرجل يصوم ويصلّي ويتصدّق ويخاف ألا يُقبل منه. وفي رواية أخرى وهو الذي يُذنب الذنب وهو وجل منه؟ فقال: لا، ولكن من يصوم ويصلي ويتصدق وهو وجل. ولذلك يقول ابن عباس في معنى هذه الآية قال: المؤمن ينفق ماله ويتصدق وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع -أسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء- يجمع الإنسان مع الإيمان ومع الطاعة ومع الخشوع ومع الإنفاق الخوف، يخاف ألا يُقبل لأنه ما بيننا وبين الله نسَب! وهذا لا يدخل في باب إساءة الظن بالله ولكن قد يفهم هذا ولذلك يقولون أن الخوف والرجاء كالجناحين للمؤمن لا يمكن أن يطير إلا بهما، فأنت يتوازن عندك جانب الخوف وجانب الرجاء، الخوف من الله ألا يقبل منك والرجاء في رحمة الله ألّا يردّك لكن في بعض الحالات يجب أن تغلّب أحدهما ففي مثل هذه الحالة وأنت تنفق وتتصدق تبلغ جانب الحذر والخوف ألا يقبل منك فتبالغ في إخفاء الصدقة ولكن إذا أقبلت على الله ولذلك يقال لا يلقينّ أحدكم ركبه إلا وهو يحسن الظن. أنت مقبل على الله فتحسن الظن بالله ولذلك يقول عبد الله بن مسعود أو غيره: إن المؤمن يخاف ألا يقبل عمله ويُردّ عليه وفي الوقت نفسه المنافق يسيء ويأمن ولذلك يجمع المؤمن بين العمل الصالح والخوف والمنافق والعاصي يجمع بين إساءة العمل وحسن الظنّ.
      فمن فوائد هذه الآيات في قوله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) ونسب الخوف والوجل، والوجل هنا هو الخوف والاضطراب إلى القلوب ولو تأملت القلب في القرآن الكريم وكيف ذكره الله أنه أنزل القرآن على قلب النبي قال (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) الشعراء) وذكر الله القلب في مواطن كثيرة من أعمال القلوب قال (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ (18) الفتح) علم ما في قلوبهم من الإخلاص. عندما تتأمل في هذا الحقيقة أن الواحد منا يخاف ويُغلّب هذا الجانب الذي ذكره الله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) ألا يقبل الله منهم لأن الله ليس بينه وبين أحد من الخلق نسب فلا مجاملة فإذا أشرك الإنسان أو رآءى بعمله تركه الله وشرك ولذلك قال: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" ولهذا ينبغي على الواحد دائماً وهو يعمل وهو يدعو وهو يخطب وهو يصلي بالناس وهو يكتب ويؤلّف أن يراعي هذه المسألة الحساسة "إنما الأعمال بالنيات" وهذا الحديث العلماء يقدّمونه في كتبهم وفي أعمالهم "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" والحقيقة أن هذا نبراس وهو مكرر في القرآن الكريم كثيرة الأمور بمقاصدها وبالنيات وكم يتفاوت العمل! أحياناً يصلي الاثنان بجانب بعض وبين عمليهما كما بين السماء والأرض بسبب النية، يعلم الله من نية هذا ومن الاقبال والخشوع والانكسار ويعلم من نية هذا من الغرور والاستكبار وفرّقت بينها النيّة (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ (51) الأحزاب) (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) محمد) (وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ (1) الممتحنة) المسألة محط نظر الله . ولذلك من فوائد التفسير الموضوعي عندما تأتي إلى الآيات التي تتحدث عن القلب في القرآن الكريم والأعمال فتجمعها في مكان واحد ثم تنظر حجمها الكبير وكيف ركّز الله عليها وكأنه يريد أن يجعلها أمامك في كل مكان حتى تنتبه أن عملك لا يُقبل إذا كان مفتقداً لعنصر الإخلاص مهما عملت إذا كان لا يوجد الإخلاص في هذا العمل باطل وأيضاً فوق الإخلاص لا بد أن يكون منهج النبي وعلى السنة وعلى المتابعة فلا بد أن يكون خالصاً لوجه الله وصواباً على منهج النبي ويمكن أن يُقبل! ولذلك عائشة رضي الله فهمت وهي الفصيحة العالمة قال: يا رسول الله هم الذين يسرقون ويزنون ويشربون الخمر؟ قال: لا، بل هم الذين يصومون ويصلّون ويتصدقون ولكن بالرغم من كل هذا ينفقون ويخافون ألا يُقبل منهم. ما أجمل أن يكون الخوف بقلوب المؤمنين من ألا يقبل الله تعالى لهم في هذه الدرجة التي يبالغون فيها في محاسبة النية وفي مراجعة النية وفي النظر فيها وأعجبتني كلمة لأحد السلف عندما قال: ما عالج المرء شيئاً أشد عليه من نيّته. لأن الإنسان يدخل أحياناً في العمل وينهمك في العمل وينسى النية وينسى الاحتساب وينسى ما ينبغي عليه ألا ينساه من حسن التوجه والقصد إلى الله وأن يقصد بكلمته وجه الله تعالى وأن يراعي هذا في كلامه ويراعي هذا في كتابته ويراعي هذا في عمله لعل الله أن يقبل.
      الإنسان لا يتكلف مسألة أنه يُظهر خشوعه أمام الناس بقدر ما يربي نفسه فيما بينه وبين ربه فننظر إلى مثلاً الربيع بن الخثيم هذا الرجل عجب حتى عبد الله بن مسعود دخلت عليه أمه وهو يصلي الليل فوجدته يبكي يبكي يبكي فلما انتهى قالت يا بني مه والله لكأنك قتلت نفساً! فقال نعم يا أمّ والله لقد قتلت نفساً فصاحت وقالت عجبي! قال قتلت نفسي يقصد بالذنوب والمعاصي . هي تقول والله لو علموا بك أهل من قتلت لعفوا عنك! قال قتلت نفسي بالمعاصي!. يزيد الرقاشي أحد الأئمة رحمة الله عليه كان كلما سمع لفظة النار كان يبكي ولا يستطيع أن يتمالك نفسه فقال له ولده معاتباً: يا أبتِ كلما سمعت لفظة النار في القرآن أُغشي عليك كأن النار ما خُلقت إلا لك! فنظر إليه وقال ويحك ثكلتك أمك وهل خُلقت النار إلا لأجلي ولأمثالي فما زال يبكي يبكي حتى غشي عليه. أولئك القوم كانوا مدرسة في الخوف من الله !.
      التأمل في آيات القرآن الكريم يعظّم في نفسك هذه المراقبة لأن آيات القرآن الكريم واضحة في التحذير وواضحة في الإنذار وواضحة في كشف الحقائق في الآخرة وواضحة في بيان عداوة الشيطان بالإنسان وماذا يريد منه فالذي يتأملها حقيقة لا يملك إلا أن يُكثر البكاء ولا يملك إلا أن يُكثر المحاسبة ولا يملك إلا أن يتهم دائماً نيته ويتهم نفسه ويحاسبها محاسبة شديدة لعله أن ينجو! ولذلك توقفنا عند هذه الآية لهذا السبب أنهم بالرغم من إحسانهم وصلاتهم وصيامهم وقيامهم وإنفاقهم إلا أنهم وقلوبهم وجلة (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) خائفون من الحساب وخائفون من السؤال ومن أمثال هؤلاء الربيع والفضيل بن عياض وابراهيم بن أدهم والصحابة الكرام قبل ذلك وأرضاهم كان الواحد منهم يقوم الليل بهذا القرآن ويبكي وقدوتهم في ذلك النبي يقوم الليل ويبكي يقرأ عليه عبد الله بن مسعود بحسب طلب النبي فيبكي، يأتي أبو بكر يقرأ القرآن فلا تُسمع تلاوته من نشيجه رضي الله وهو من أعلم الأمة بالقرآن وبالنبي فيبكي فهؤلاء هم القدوة. والحقيقة أن الوجل وقيامه بقلب المؤمن ليس تصنُّعاً وإنما هذا هو الصواب والذي يفعل ذلك فقد عرف الحقيقة ولذلك لما جاء إلى النبي أحد الصحابة عندما دلّه على الفرائض وقال: لا أزيد عليها ولا أنقص، فقال: عَرَفت فالزم. هذا هو الطريق لكن اصبر والتزم به لعل الله ينجيك يوم القيامة ولو تأملنا الآيات التي وردت في القرآن الكريم في القيامة يطير النوم من عين المؤمن لهول هذه المواقف وفظاعتها وشدّتها نسأل الله أن يرزقنا الإنابة والخوف والوجل منه .
      عبد الله بن المبارك أتاه رجل قال والله إني أعرف فلاناً قام البارحة بالقرآن كله في ركعة فقال ابن المبارك وأنا أعرف إنساناً قام البارحة بـ (ألهاكم التكاثر) ما استطاع أن يكملها!! نسأل الله أن يرزقنا وإياكم حسن التدبر في كتابه والتفقه فيه والعمل به.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة الخامسة (خمس حلقات)
      من الحلقة السابعة إلى الحلقة 10 (أربع حلقات)
      الحلقة 12 و13 (حلقتان)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)
      مجموع الحلقات المفرّغة: 15 حلقة
      الحلقات المتبقية: 14 حلقة من ضمنها الحلقة السادسة وهي قيد التفريغ مع الأخت أم جعفر جزاها الله خيراً.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      تحديث جدول الحلقات المفرّغة والتي لم تفرّغ بعد:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة الخامسة (خمس حلقات)
      من الحلقة السابعة إلى الحلقة 10 (أربع حلقات)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)
      مجموع الحلقات المفرّغة: 13 حلقة
      الحلقات المتبقية: 16 حلقة من ضمنها الحلقة السادسة وهي قيد التفريغ مع الأخت أم جعفر جزاها الله خيراً.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (10)
      خطورة الاستهزاء بالله ورسوله
      (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) التوبة)
      المنافقون يُظهروا الإيمان ويُبطنوا الكفر والمخالفة وهذا أخطر عليك من الكافر المُظهر لكفره وعداوته لأن الكافر المظهر لعداوته تستطيع أن تدافع عن نفسك، تتقيه لكن المنافق الذي يعمل معك داخل الصف هو الذي يطعنك من الظهر ويستطيع أنه يهدم الإسلام من داخله وللأسف الشديد أن هؤلاء المنافقين أضروا بالمسلمين عبر التاريخ إضراراً لا يعلمه إلا الله ولذلك حذّر الله منهم في القرآن الكريم تحذيراً شديداً ولو تأملنا في سورة البقرة، أول البقرة أن الله ذكر لنا ثلاثة أصناف من الناس فتكلم عن المؤمنين وتكلم عن الكافرين وتكلم عن المنافقين فلما جاء عن المؤمنين تكلم عنهم في خمس آيات ربما فقال ﴿ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿٣﴾وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾﴾. لما جاء عند الكفار آيتين فقط قال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾﴾. جاء الآن عند المنافقين، المؤمنون خمس آيات والكفار آيتين وجلس يتكلم عن المنافقين ثلاثة عشر آية فقال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾) ثم جاءت سورة التوبة ففضحتهم بالتفصيل ثم جاءت سورة خاصة بهم اسمها سورة المنافقون فأعطتهم أيضاً. والعجيب الأعجب من هذا أنك لا تجد في القرآن الكريم اسم منافق واحد، لا يوجد أحد من المنافقين ذكر اسمه في القرآن، عبد الله بن أبي زعيم المنافقين هل يوجد اسمه في القرآن؟ أبداً، غريبة! يعني ما دام أنهم خطيرين لهذه الدرجة لماذا لا يصرح بأسمائهم؟! قال هؤلاء لا يستحقون أن يصرح بأسمائهم لأنني لا أريد أن أذكر الأسماء وإنما أنا أذكر الصفات والمنهج وهذا المهم. وهذا درس لنا أنت لا تهتم أن تذكر ولا علان من المنافقين ولا الساخرين من الله ومن رسوله وهذا هو مجرد مثال لكن العبرة بالمنهج هذا أن المنهج مُحارَب وأن هذه الصفات صفات منافقين من توفرت فيه فهو يستحق صفة النفاق وليست وظيفتك أنك تأتي تقول والله فلان أو علّان، لا، لكن يحذر من هذه الصفات أن هذه صفات المنافقين ولذلك النبي قال "آية المنافق ثلاث" حتى النبي لم يصرح بأسماء المنافقين إلا لــحذيفة بن اليمان وحذيفة بن اليمان لم يصرح بها لأحد ولم يُخبر إلا عمر عندما سأله بإلحاح هل عدّني رسول الله من المنافقين؟ وبعد إلحاح قال لا، ولا أخبر أحدًا بعدك. ولذلك حتى المنافقين أسماؤهم ما كانت معروفة عند الصحابة بالأسماء لأنها ستفرّق الصف ولكن كانوا يتابعون حذيفة إذا رأوا حذيفة بن اليمان يصلي على الشخص صلوا عليه وإذا رأوه لا يصلي عرفوا أن من المنافقين فلا يصلون عليه. لكن متى يعرفون أنه منافق؟ إلا بعد وفاته. ولذلك التصريح بأسمائهم غير مناسب وغير منهجي لأن الفكرة هو المنهج نفسه هذه واحدة.
      والأمر الثاني تأتي إلى الآية التي معنا جاءت في سياق قصة، دعنا نقرأ قصة هذه الآية. قصة هذه الآية وقعت في معركة تبوك، سافر النبي ومعه الصحابة وكان معه عدد من المنافقين يعني الإنسان لا يملي على نفسه النفاق هؤلاء مشاركين مع النبي في الجيش وما هو بجيش عادي جيش العسرة وذاهب إلى منطقة تبوك وبالرغم من ذلك للأسف الشديد وقعوا في النفاق. فماذا حدث؟ بينما هم جالسين في تلك المعركة أو في ذلك السفر لأنه لم تقع معركة طبعاً في تبوك لكن تسمى غزوة تبوك لأنه سافر النبي إلى هناك ثم رجع ولم يشتبك مع الروم .
      هؤلاء المنافقون يغلي في صدورهم بُغض للنبي وبغض للدين ولكنهم دخلوا في الإسلام نفاقاً كما قال عبد الله بن أبي عبد الله بن أبي كان ينتظر قبل مجيء النبي إلى المدينة كان مرشحاً نفسه أن يصير هو زعيم المدينة وفجأة جاء النبي ولخبط عليه الأمر وصار النبي هو الزعيم وهو السيد فمات كاد يموت غيظاً. فلما نظر رأى الأنصار كل الأنصار وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة زعماء الأنصار كلهم وقريش فماذا قدّر؟ قال والله هذا موضوع اتّجه ومحاربته بشكل ظاهر ما فيها فائدة فنحن ندخل في الإسلام حتى نحمي أنفسنا وأموالنا يحلّها حلال، أرأيت الفكرة؟ فدخل في الإسلام على نفاقه ومعه ثلة كبيرة من أمثاله من أمثلهم هؤلاء مجموع ثلاث أو أربعة من المنافقين جالسين يتحدثون مع بعض بكل بساطة ولذلك لا نتهاون في موضوع السخرية والاستهزاء بالدين أو بأمر الله أو بأمر رسوله لأن هذا كفر، ليست سواليف، كفر وخروج من الملة والعياذ بالله. ولذلك قال الله يقول بن عمر قال رجلاً من المنافقين في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قُرّاءنا هؤلاء أرغَب بطوناً ولا أكذَب ألسنة ولا أجبَن عند اللقاء. من يقصد؟ - يقصد النبي والصحابة الكرام الذين هم حوله يقول والله هؤلاء مشايخنا هؤلاء قرّاءنا هؤلاء كذابين وفقط يأكلون عند الأكل يعني أبشر بهم عند الأكل ما شاء الله! ولا أجبن عند اللقاء إذا جاء الجدّ جبناء، كلمات قبيحة جداً جداً وفي حق النبي ومن معه!! "ما رأينا مثل قراءنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء". كان معهم في المجلس واحد من صغار الصحابةما أعجبه هذا الكلام قال: كذَبْت بل أنت منافق وسأخبر النبي بما تقول. ارتبك هو وذهب الشاب إلى النبي قال يا رسول أنا كنت مع فلان وفلان يقولون كذا وكذا وكذا فتردد النبي في قبول هذا الكلام من الرجل أو من الصحابي فنزلت هذه الآية. فلما بلغهم أن النبي بلغه الخبر ذهبوا إليه وقالوا والله يا رسول الله إنما كنا نسولف والله كنا نخوض ونلعب والله نقطع عناء الطريق، والله ما نقصد، ويحلفون والمنافقون أسهل شيء عندهم الحلف كذباً! والله ما نقصد والله وتالله وبالله ولذلك (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) المجادلة) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ (96) التوبة) وهكذا. وسُمي الرجل أنه قال بعض الروايات أنه عبد الله بن أبيّ لكن الصحيح أنه ليس عبد الله بن أبيّ لأن عبد الله بن أبيّ لم يشهد تبوك وكان ممن تخلف لكن الصحيح أنه وديعة بن ثابت لكن بغض النظر عن المسميات ما علينا من عبد الله بن أبيّ أو غيره المهم أن هذه الموقف حصل. ولذلك كانوا يخافون من القرآن قال الله ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾. ثم قال الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ لماذا تقولون هذا الكلام عن الرسول؟ لماذا تقولون عن كذا ما تعرفون إنه حرام؟ قالوا والله ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ سبحان الله! هذا العذر عذر كل المستهزئين عبر التاريخ إلا قلّة، كل ما قيل لهم يعني بعضهم يكتب روايات أدبية فيسخر فيها من النبي ومن زواجه بتسع نساء ومن لحيته عليه الصلاة والسلام، من صحابته، من شعائر الدين، ومن النبي ويحمّل هذا الاستهزاء وهذه السخرية على شخوص الرواية يقول والله هذا فلان الذي في الرواية هو الذي قال الكلام هذا ليس أنا، أنا أنقل الكلام هذا على لسان فلان الذي في الرواية. مثلاً يأتي واحد يكتب قصيدة وهكذا يستهزئون ويحمّلونها بشكل أو آخر ويقولون والله نحن نريد أن نمارس الإبداع الأدبي، نمارس الحرية الأدبية وهكذا نفس عذر هؤلاء ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. واعتذروا للنبي يعني هم استهزأوا بالنبي واعتذروا، الله لم يقبل عذرهم مع أن صاحب الشأن موجود وهو النبي وهو النبي الذي يُستهزأ به موجود وبالرغم من ذلك الله قال ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. فكيف بمن يستهزأ اليوم بالنبي ثم يعتذر فيقال له خلاص يا ناس ما دام أنه اعتذر الإسلام دين العفو والإسلام دين الصفح! صدقت، نعم الإسلام دين العفو والإسلام دين الصفح لكن هذا الحق حق للنبي ولا يملك أحد بعد وفاته أن يُسقطه ولذلك الحكم فيمن يستهزئ بالنبي هو القتل. هل المقصود الاستهزاء قصداً أو مجرد الاستهزاء؟ الاستهزاء مطلقاً ولذلك العلماء لا يفرّقون بين الهزل والجدّ وأنها كلها حكمها واحد فكيف إذا كان جدّاً؟! لذلك هؤلاء ما كانوا يتوقعون أنها تبلغ المسألة أن ينزل فيهم قرآن ولذلك قالوا ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وتعلقوا بأن نسعي ناقة النبي والأرض تضرب أقدامهم والدماء تجري وهم متعلقون خائفون والله والرسول لا يزيد على أن يقول أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟! هذه خط أحمر! ويجب على ولاة الأمر في البلاد الإسلامية أن يقفوا وقفة جادة أمام هذا وإذا لم يقفوا وقفة جادة أمام هؤلاء الذين يستهزئون بالنبي فلا يستغربون أن يخرج من بين المسلمين من يقتل هؤلاء ثم تقع الفتنة .ينبغي للمسلمين أن يكونوا مثل هذا الصحابي الذي خرج يفضح هؤلاء المنافقين لأنه بعد انقطاع الوحي لم يعد هناك وحي ينزل في فلان أو علّان من المستهزئين. لكن ينبغي على المسلم أن يكون غيوراً على عِرْض النبي وغيوراً على دين اللهأن يُنتهك أن يسب الله ورسوله بين المسلمين ثم لا ينتصرون لله ولرسوله فلا خير فيهم. ثم حكم هؤلاء واضح في هذه الآيات ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾.
      أيضاً من فوائد هذه الآيات تعداد قبايح المنافقين وهي أنهم كثيرون الإيمان والكذب. ومن أيضاً صفاتهم الاستهزاء دائماً بالله وبرسوله وبالنبي وبالمؤمنين وبالشعائرفإذا لم ينفّذ فيهم حكم الردّة فإنه لن يتوقف هذه الاستهزاء والسخرية من دين الله ولا من الرسول . ولاحظ هنا أنه لا يقبل الهزل في الدين وفي أحكامه ويعتبر الخوض في كتاب الله وفي رسوله وفي دينه هزلاً أو جدّاً فإنه يعتبر رِدّة عن دين الله والسخرية منه ولا يُقبل فيها العذر وأجمعوا على ذلك. وأيضاً أن الله حكم عليهم بالكفر وقال الله ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ مع أنهم منافقون لكنه كأن حالهم قبل أن يقولوا هذه الكلمة كأن الله قال أنتم كنتم على الإيمان ولكن بقولكم هذه المقولة قد كفرتم. ولذلك يستدل بعض العلماء بأن الكفر يتجدد كما أن الإيمان يتجدد ويزيد وينقص فكذلك الكفر. فهم كانوا في النفاق ولكن عندما سبّوا الله واستهزأوا به وبرسوله كفروا قال ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فهذه كلها واضحة الدلالة على أن من استهزأ بالله أو برسوله فقد كفر وقد ارتدّ عن دين الإسلام وأنه لا ينفع فيها مجاملات والاعتذار غير مقبول في هذه القضايا وأنه ينبغي على ولاة الأمر أن يقاضوا هؤلاء وأن ينفذوا فيهم حكم الله قضاءً ونصرة للإسلاموقد كان يفعل ذلك ملوك الإسلام عبر التاريخ ويقتلون من يستهزئ بالله وبرسوله ولذلك هاب الناس هذا الأمر وتوقفوا. وفي زماننا هذا ينبغي أن يحدث هذا حتى تستقر أمور الدين وأما أن يبقى الدين وأن يبقى النبي يُسخر منه أو يستهزأ بحجة أن والله هذا رسم كاريكاتوري هذه مسألة فنية ,هذه قصيدة إبداعية، هذه رواية أدبية، لا بد أن يحسم هذا الموضوع ولا يحسم هذه القضايا إلى حكم الله فيهم وهو القتل حتى يبقى للناس ويسلم للناس دينهم ويسلم للناس عقائدهم وتستقيم حياة الناس. لأن الناس إذا شعروا أن دينهم ونبيهم يُنتقص ولا ينتصر الولاة لهم فإنهم سيخرج منهم من يقتل وتقع الفتنة بين الناس. نسأل الله أن يرزقنا وإياك نصرة دينه ونصرة نبيه وأن يجنبا شرّ المستهزئين والله قد تكفّل فقال للنبي ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ وقال ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ولكن نحن نقول هذا حتى نبرِّئ ذمتنا نحن أمام الله ونبين أن هذا هو الحكم الشرعي في مثل هذه القضايا فإن وقع من ولاتنا تنفيذ فهذا شأنهم وهذا بينهم وبين الله ونسأل الله أن يوفقهم لتطبيق أحكام دينه وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (9)
      التجارة الرابحة
      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) التوبة)
      اليوم سوف نتوقف حول آية من آيات سورة التوبة، آية عظيمة تتحدث عن مسألة الولاء لله والولاء لنبيه ولدينه ولأتباعه المؤمنين ومنابذة كل من خالفهما وهذه مسألة في غاية الأهمية لكل مؤمن لأنه ينبغي أن يكون المؤمن لله ولرسوله ولدينه.
      هذه الآيات من سورة التوبة وسبق في حلقات ماضية أن ذكرنا أن هذه السورة لها أسماء أخرى غير اسم التوبة وتسمى بالفاضحة وتسمى بالكاشفة وتسمى بالمقشقشة وكل هذه الأسماء مأخوذة من هذه الآيات القوية التي وردت فيها في فضح المنافقين وفي كشف أسرارهم.
      الله في هذه الآية يقول للنبي (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ) وفي الآية التي قبلها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) هل عند الواحد منا أعزّ من والده وأقرب؟ والدي الذي ربّاني وكان سبباً مباشراً في جودي وعشت في كنفه ولا أعرف إلا هو يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) قوية ومعناها بكل بساطة العلاقة بينك وبين والدك وبينك وبين إخوانك مبنية أنت كمسلم على الدين أنت تحب والدك صحيح لأنه أباك ولكن لأنه مسلم فإذا كفر بالله فلا ولاية بينك وبينه، التحذير واضح. قد يقول قائل غير معقول أن يحرّم الله عليّ موالاة والدي أو إخواني إن اختلفوا معي في الدين، نقول هذه حقيقة الإسلام وحقيقة الدين ولذلك ابراهيم عليه الصلاة والسلام ماذا صنع مع والده؟ حاول فيه وقال (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾ يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾ مريم) لكن لا فائدة (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴿٤٦﴾) آيس ابراهيم عليه الصلاة والسلام من والده والعجيب أنه كان يستغفر لوالده قال (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴿٤٧﴾) الله نهاه بعد ذلك عندما تيقن أن والده سوف لا فائدة منه وأنه على الكفر نهاه الله عن الاستغفار لوالده. ولذلك تلاحظ أن الله قد أمرنا بالاقتداء بابراهيم إلا في هذا الموضع قال لا تقتدوا بابراهيم في هذا الموضوع ولذلك الله قال (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)) في نفس السورة، قد يقول قائل ابراهيم استغفر لوالده! قال لا، (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ) وفي قرآءة شاذّة (إلا عن موعدة وعدها أباه) بأن يستغفر له. فالعلاقة بين المسلم وبين أخيه وبين أبيه وبين والدته هي مبنية على الدين قبل أن تكون مبنية على النَسَب. ولذلك نحن الآن نحب بلال بن رباح ونُبغض أبا لهب مع أنا أبا لهب عمّ النبي وبلال من الحبشة وليس من قريش وليس من أقارب النبي ولا شيء. يقول عمر عندما دخل أبو بكر الصديق فقال مرحباً بسيدنا وأعتق سيدنا، فقالوا أنه يقصد أبا بكر لأنه سيد الصحابة وأعتق سيدنا يعني أعتق بلال فنحن لا ننظر إلى النَسَب إلا بعد الدين، النسب يأتي في مرحلة متأخرة لكن قرابة الدين هي الحقيقية بين المسلمين. وهذه الآيات هي في غاية القوة والصرامة الله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) هذا الوصف، أنتم تدّعون أنكم مؤمنون (لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) اِقطعوا العلاقة ولتبقى العلاقة علاقة ودّ ورحم، الأب حتى لو كان كافراً تُحسن إليه وتبرّه والوالدة أيضاً لكن أنك تبغضه لأنه على الكفر (إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ).
      ثم قال في الآية التي بعدها (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ) أخذ الأقارب حسب الدرجات، ماذا بقي من القرابات؟ ما يكاد يخرج منها أحد الأب والابن والأزواج والإخوان والعشيرة، كلها. قال (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا) الثروة التي تملكون (وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا) مصالحك الاقتصادية إن كنت تاجراً (وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا) الوبر الذي أنت فيه وبيتك الذي أنت فيه، كل ما سبق هو الشرط، أين جواب الشرط؟ قال (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ) الله يقول لك قدّم أمر الله وقدّم أمر رسول الله على كل هؤلاء. مثل قصة عبد الرحمن بن عوف مع والدته لما أسلم عبد الرحمن بن عوف رفضت أن تأكل أضربت عن الطعام فقال لها لو كانت لك مئة نفس ثم خرجت نفساً نفساً ما رجعت عن ديني. ومثل هذا وقع لأم مصعب بن عمير عندما كان مرفّهاً وكان مدلّلاً عند والدته فلما دخل في الإسلام حرمته من الطعام لكنه لم يرجع عن دينه واستمر يُحسِن إليها. فالله يقول قدّم أمر الله وقدّم أمر رسوله واجعلهما أحبّ إليك من كل أحد. الحمد لله الأصل أن تبر بوالدك وبوالدتك وبزوجك وأبنائك وإخوانك ما كانوا على دينك لكن إذا تعارض أمر الله مع أمر هؤلاء أو محبته مع محبة هؤلاء فقدّم أمر الله وقدّم أمر رسوله ولذلك الله يقول إذا كانت هذه التجارة وهؤلاء الآباء أحب إليكم من الله وأحب إليكم من الرسول وأحب إليكم من الجهاد في سبيل الله فتربصوا أي انتظروا عذاب الله وعقاب الله على هذا التفضيل وعلى هذا الاختيار.
      وهذه الآية لها قصة وهي أنه ذُكِر أن الرسول لما أُمر بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه ولأخيه وامرأته إنا قد أُمرنا بالهجرة فمنهم من يُسرع إلى ذلك ويعجبه أمر الهجرة ويخرج ومنهم من يتعلق به زوجته وأولاده وعياله ويقولون ناشدناك الله أن تدعنا هنا ويرقّ ويجلس معهم مع قدرته على الهجرة فنزلت هذه الآية تعاتب هؤلاء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ثم ذكر قاعدة (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) هذه قصة هذه الآية.
      من فوائدها أن قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ) عامة لجميع المؤمنين وليست خاصة بمن نزلت فيهم الآيات في أول الإسلام. وهذه من القواعد المهمة في فهم القرآن الكريم أن العبرة في القرآن الكريم بعموم اللفظ وليست بخصوص السبب، صحيح أن هذه الآيات نزلت ابتداءً في هؤلاء لكن يدخل تحتها كل من يقدّم أمر والديه على أمر الله ورسوله ويقدّم أمر زوجته على أمر الله ورسوله وأنه ظالم لنفسه بذلك وأنه متوّعَد ومن يوالي الكافرين فهو منهم ولذلك قال الله في سورة المائدة (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (51)) قال العلماء أي مثلهم في الكفر والحُكم. ولا شك أن الذي يختار الكافرين وموالاتهم ومحبتهم أنه مُلحقٌ بهم وإلا كيف نميز الكافر من المؤمن إذن؟ فمن قدّم أمر الكافرين ومحبتهم على الله ورسوله فإنه منهم والله خصّ هؤلاء الأقرباء المقربين لأن الإنسان بفطرته ينزع إليهم الإنسان بفطرته ينزع إلى محبة والده ووالدته وزوجته وأبنه وأخيه وعشيرته ولم يذكر البعيد لأنهم من باب أولى لكن الله نهاك عنهم حتى قدّم الأقرب فالأقرب، فقدّم الآباء ثم الأبناء ثم الإخوان حتى يقول لك أشدّ العلاقات الأُسرية والرحم قوة هي الأبوّة أخِّرها وقدِّم أمر الله ورسوله ثم تأتي هي بعدها. إن وافَقَتْ أمر الله ورسوله فأنت مأمور بالمحافظة عليها وصلة الرحم والإحسان إليهم وإن تعارضت فأمر الله مقدّم وهذا الذي صنعه الصحابة وضربوا فيه أروع الأمثلة بل أن من الأمثلة المشهورة أن أبا عبيدة عامر بن الجراح والده كان مشركاً وهو الجرّاح وكان مناصباً العداء للنبي وللمسلمين وجاء في معركة بدر - إن لم أكن واهماً معركة بدر أو معركة أحد لكنها إحدى المعركتين – فجاء في جيش المشركين وأبو عبيدة ابنه في جيش المسلمين وإذا به يريد أن يقتل ابنه بالذات عامر فما زال أبو عبيدة يشيح بوجهه هنا وهنا يريد أن فقُتِل والده في هذه المعركة وأثبت أبو عبيدة أن أمر الله وأمر رسوله مقدّم على والده ولذلك نزلت الآيات تؤيّد أنه لا اتصال ولا علاقة بين الكافر والمؤمن ما دام مُحارباً لله ورسوله حتى ولو كان أباك أو ابنك أو أخاك وهذه في الحقيقة شديدة على النفوس شديدة جداً أنك ترى والدك في صف المشركين وأنت في صف المؤمنين وأنت مأمور بمحاربته! موقف ليس سهلاً! نحن نذكرها في التاريخ لكنها في الواقع من أشد ما يكون، لكن الوحي فصلها، لا علاقة لك بها، الكفر قد فرّق بينكما ولذلك لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن حتى في المواريث ما يتوارثون لأن الإيمان قد انتفى بينهم ولا توارث بين الكافر وبين المؤمن.
      من فوائد هذه الآية أيضاً وجوب حب الله ورسوله يعني ليس حب الله ورسوله اختيارياً ولا باللسان فقط وإنما يتعرض الإنسان الذي يدّعي حب الله وحب رسول إلى ابتلاءات وإلى اختبارات ولذلك عندما تخالف أمر الله وأمر رسوله وتدّعي أنك تحبه حبك هذا كاذب ولذلك يقول الشاعر
      يا مدّعي حب طه لا تخالفه الخُلْف يحرُم في دنيا المحبينا
      أراك تأخذ شيئاً من شريعته وتترك البعض تدويناً وتهوينا
      خذها جميعا تجد خيراً تفوز به أو فاطّرحها وخذ رجز الشياطينا
      ولذلك يقول أيضاً الشاعر أيضاً
      تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس بديع
      ثم يقول: إن المحبَّ لمن يُحبُّ مُطيع
      فالعلامة الحقيقة لاتباع الله ومحبته ومحبة رسوله هي اتباعه فإذا ضعف الاتباع فإن في المحبة دخَن.
      وأيضاً من فوائدها أهمية الجهاد وتقديمه على أمر النفس.
      ومن فوائدها أيضاً أن يكون حبك الأول والأخير لله ولرسوله كل ما يتعارض معه أن تلغيه مقابل حب الله وحب رسوله.
      أسأل الله لي ولكم أن يجعلنا من المحبين لله والمحبين لرسوله وأن يجعلنا ممن يقدِّم حبّ الله وحبّ رسوله.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (8)
      حماية الاستغفار لأهله
      (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) الأنفال)
      اليوم سنتوقف عند آية في سورة الأنفال تتحدث عن الاستغفار وأن الاستغفار أمانٌ للمجتمعات المسلمة من وقوع عقاب الله تعالى وعذابه. قصة الاستغفار قصة جميلة في القرآن الكريم ولو أتينا نستعرض الآيات القرآنية التي أمر الله فيها بالاستغفار وذكر فيها فوائد الاستغفار وذكر فيها عاقبة المستغفرين لطال بنا الحديث. لكن من الآيات المشهورة في في هذا في قوله في قصة نوح (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ نوح) وفي قوله (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ (3) هود) فكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمروا قومهم بالاستغفار والتوبة والرجوع والإنابة والله يحب المستغفرين، يحب أن عبده يستغفره "استغفر الله، أستغفر الله" الله يحب هذا. والاستغفار ليس بالضرورة أن يكون عن ذنب فإن الإنسان لتقصيره في حق الله لا يكاد ينفك عن الذنب لأنه لا يملأ كل لحظة من لحظات حياته بطاعة يتقرب بها إلى الله. ولذلك كان النبي يستغفر في المجلس الواحد ويستغفر في اليوم أكثر من مئة مرة وفي روايات يستغفر سبعين مرة وكان النبي يستغفر للمؤمنين والملائكة يستغفرون لمن في الأرض. فقصة الاستغفار قصة طويلة نسأل الله أن يغفر لنا جميعاً وأن يعيننا على الاكثار من الاستغفار.
      هذه الآية في سورة الأنفال لها قصة، النبي واجه من المشركين شدّة لا يعلمها إلا الله وإهانات ومضايقات، يُراد له بأيّ وسيلة أن يتوقف عن هذه الدعوة ولكن لم تفلح كل المحاولات في صدّه عليه الصلاة والسلام واستمر، ولو حصل أنه توقف عليه الصلاة والسلام هذه الدعوة لما بلغنا نحن الإسلام! لكن صبر عليه الصلاة والسلام وأدّى الرسالة وجاهد وصبر ولذلك يقال لنا اليوم أنا وأنتم مسلمون والمسلمون في أنحاء الأرض بالملايين وكلهم في موازين حسنات النبي . أيّ استغفار حتى الكلام الذي أقوله للناس الآن عبر الشاشة في موازين النبي لأننا كلنا نأخذ منه عليه الصلاة والسلام بل المزية إن كان لنا مزية ولكلامنا مزية فهو لأننا أخذنا منه ولأننا تلاميذ في هذه المدرسة وهذا هو الفخر الحقيقي للمسلم أن يكون تلميذاً في مدرسة محمد يتلقى هذا القرآن الذي جاء به محمد وهذه السُنة (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴿٣﴾ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴿٤﴾ النجم) ولذلك نحن نشعر بالثقة نحن نتكلم ونحن واثقون من أنفسنا وواثقون مما نقول لأننا أخذناه من هذا المصدر الموثوق.
      يقول الله (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ) يعني المشركين (وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فجعل أمانين لهؤلاء: وجود النبي صمام أمان لا يمكن أن يأتي عذاب يستأصل الناس والنبي فيهم. ولذلك لم تعذّب أمة من الأمم ورسولها فيها وإنما يؤمر النبي بأن يخرج حتى يقع العذاب "فاخرج أنت وأسرتك أو أنت وأتباعك" ثم يأتيهم العذاب. ولذلك نوح عليه الصلاة والسلام أمره الله بأن يصنع السفينة وأن يركب فيها ومن معه من المؤمنين وأن يأخذ فيها من كل زوجين اثنين ثم جاءهم العذاب فهلكوا كلهم حتى زوجته وولده. هود عليه الصلاة والسلام أيضاً جاءتهم الصيحة، خرج، صالح، لوط، كلهم خرجوا فوقع العذاب ولو بقي النبي فيهم ما أصابهم العذاب لأن النبي أمَنَة لقومه والنبي كان كذلك. ولذلك أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قصة هذه الآية وقبلها البخاري ومسلم رووا عن أنس بن مالك قال أبو جهل بن هشام: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، انظر هذا المغفل!! بدل أن يقول اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، لكن خذلان والعياذ بالله! حتى يعلم الإنسان أن المسألة ليس فيها ذكاء ولا فيها وجاهة وإنما توفيق وهداية من الله وإلا أبو جهل بن هشام كان من شيوخ قريش الكبار فدعا بهذه الدعوة فقال الله (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فلما خرج النبي من مكة وهاجر إلى المدينة وجاء أبو جهل ومن معه من المشركين في معركة بدر قضى الله تعالى عليه بتلك المعركة ولذلك من اللطائف الجميلة أن معاوية بن أبي سفيان قال لرجل من سبأ من اليمن فقال له من أين أنت؟ قال من اليمن، قال أنت من قوم سبأ؟ قال نعم، قال ما أجهل قومك حين ملّكوا عليهم امرأة – يقصد بلقيس بلقيس عندما آمنت وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين، فردّ عليه الرجل اليمني رداً مفحماً فقال له: بل أجهل من قومي قومك قريش عندما قالوا (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) هلّا قالوا فاهدنا إليه.
      الشاهد أن هذه الآية لها قصة وهي أن أبا جهل ومن معه كانوا يقولون (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فقال الله لا يمكن أن نفعل بهم ذلك يا محمد وأنت فيهم، حتى وأنت بين هؤلاء المكذبين المشركين أنت أمانٌ لهم فلما أن خرج النبي إلى الهجرة وهاجر هزمهم الله في بدر وقتلهم. وانظر إلى رحمة الله وحلمه بالرغم من قولهم (وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) الأنفال) إلا أن الله لطف بهم وترك لهم مجالاً حتى يرجعوا إلى الحق ولذلك أسلم كثير منهم، أسلم كثير من كبار قريش وأيضاً أسلم كثير من أبنائهم وعلى سبيل المثال أبو جهل هذا يعتبر فرعون هذه الأمة مناصبة العداء للنبي وتعذيباً لأتباعه ابنه عكرمة دخل في الإسلام وأصبح من قوّاد الإسلام الكبار عكرمة بن أبي جهل وهو من قوّاد الإسلام الكبار. خالد بن الوليد أبوه الوليد بن المغيرة الذي نزل فيه (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾ المدثر) ولكن ابنه خالد بن الوليد هو سيف الله المسلول. فالله أخرج من أصلاب هؤلاء المشركين الكافرين صحابة كراماً هم الذين فتحوا بلاد الإسلام. خالد بن الوليد كان له دور بارز في معارك الإسلام في معركة اليمامة وفي حروب الردّة نفع الله به نفعاً عظيماً وانتصر الجيش الإسلامي بوجود خالد وحنكته وخبرته فهو رجل قائد عسكري معروف. في معركة اليرموك كان له دور بارز في قيادة الجيوش الاسلامية وهزيمة الروم، في معركة القادسية أيضاً لكن لأن عمر رأى رأياً يدل على حكمته ورأى الناس كأنهم بدأوا يغترون بخالد ويقولون ما دام خالد موجوداً لا عليكم، فقال تعالى يا خالد اِرجع وابق في الجيش وتعال يا سعد بن أبي وقاص قُد الجيش فقاد سعد بن أبي وقاص معركة القادسية وانتصر المسلمون. ولذلك يقولون قال عمر: خشيتُ أن يتعلق الناس بخالد. عمر ذكي ومُلهم، خالد بن الوليد نفع الله به مع أن والده هو الوليد بن المغيرة كافر مات على الكفر. فلذلك هذا يفتح الأمل للدعاة أنك لا تيأس بل إذا رأيت الإنسان رأساً في الشر فترفّق لعل الله يجعل له رأساً في الخير وقد حدث هذا كثيراً وهناك كثير من الدعاة الآن المشهورين كانوا رؤوساً في الضلال بل وبعضهم رؤوساً في الكفر في النصرانية وفي اليهودية ثم هداه الله للإسلام بدعوة أحد من المسلمين المترفقين الطيبين الذين استطاعوا أن يوصلوا الإسلام له بطريقة أو بأخرى فأصبح هذا الذي كان رأساً في الضلال أصبح من كبار الدعاة وأصبح يتحمس بشكل لا تتصوره. والله قد لقيت رجلاً من كبار الدعاة المعروفين الآن كان رأساً في الكفر وفي النصرانية وفي التثليث وصباح مساء يقول إن الله له ولد والله ثالث ثلاثة ثم هداه الله للإسلام، والله ربما ينام في اليوم ثلاث أربع ساعات على الأكثر وباقي وقته في الدعوة إلى الله بشكل، سألته كم لك منذ أسلمت؟ يقول سبع سنوات فقط والله إن له من الجهود والتأثير تقول أن له سبعين سنة. فالداعية البصير الموفق يستثمر مثل هذه الإشارات الموجودة في القرآن الكريم والنبي قدوتنا في التلطّف والترفّق بالناس (وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ولذلك نذكر آية في قوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ (159) آل عمران). في سورة الجمعة ذكر الله تعالى حال بعض الصحابة عندما قال (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا (11) الجمعة) كانوا مجتمعين ومتحلقين حول النبي ثم انفضوا كلهم. فالله يقول لولا أنك يا محمد لطيف مع الصحابة وطيب ومتواضع ولين الجانب تبتسم وتحسن القول لهذا، أحياناً بعض الأعراب يأتي للنبي يريد أن يدخل في الإسلام فيغلظ القول فيثور الصحابة فيقول الرسول خلّوا بيني وبينه أنا أتفاهم وإياه. وجاء رجل أعرابي للنبي ودخل وبال في المسجد، موقف لا يُحتمل! تخيل الواحد الآن يترك المنطقة كلها ويتبول داخل المسجد، ضاقت عليك الدنيا! فالصحابة قاموا عليه وأرادوا أن يضربوه فقال النبي لا تزرموه، اُتركوه حتى يقضي حاجته، ثم قال له يا أعرابي إن هذه البيوت ليست لهذا وإنما هي للصلاة وذكر الله وقرآءة القرآن وأمرهم أن يأتوا بدلو ماء ويرهقوا عليه وانتهى الأمر بكل بساطة. هذه المدرسة التي نريد أن نتعلم فيها ونجعلها قدوة ولا ننفّر الناس من الدين ونأخذ الناس بالتي هي أحسن. أولاً هذا هو أمر الله والأمر الثاني أن هذا هو الذي ينفع أما الشدة والقسوة والعنف ما تنفع خاصة أنك تدعو الناس لأن يعتنقوا شيئاً بقلوبهم والناس لا يعتنقوا شيئاً بقلوبهم بالعصا تضربه تقول له غصباً عنهم ولذلك قال الله (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ (256) البقرة) هذه قاعدة (قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) قد تبين والإنسان يختار ثم يصبر على ما يختار إن اختار الحق يبشر بالخير وإن اختار الباطل قيصبر على ما يترتب عليه. أيضاً قوله (وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) هي رسالة لكل من يقرأ القرآن الكريم أن يُكثر من الاستغفار وقتك لا بد أن تعمره بالاستغفار والنبي عظّم من شأن الاستغفار وقال والله إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة والصحابة كانوا يرون هذا منه وعائشة تقول ما أكثر ما كان النبي يستغفر وذكرت أنه منذ أن نزل عليه قول الله تعالى (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿٣﴾ النصر) والله يقول (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ (43) الأنعام) الله يحب أن يرى العبد يتضرع ويستغفر ويلجأ ويُكثر من الاستغفار لكي يغفر له ولذلك يقول النبي في الحديث القدسي أن رجلاً أذنب فقال استغفر الله، فقال الله عبدي وعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا أنا اِشهدوا أني قد غفرت له. ولذلك الشيطان يريد أن يظفر منك يقول لك أنت استغفرت مرة وستستحي من ربي أذنب واستغفر ودّ الشيطان أن يظفر منا بهذا أن يقول الإنسان أنا أذنبت واستغفرت أكثر من مرة فلتستحي ما عدت أستغفر، لا تترك الاستغفار ولو أذنبت مليون مرة فإن الله يغفر الذنوب وإن كانت مثل زبد البحر. وفوائد الاستغفار (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ نوح) الكل يطلب الخير والرزق فهو من نتائج الاستغفار وأيضاً من قول النبي من لزم الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجاً ووالله إنها مجرّبة، أحياناً تضيق على الإنسان بعض الظروف والإنسان لا ينفك عن كربات في الدنيا ما دمت تعيش في الدنيا تتوقع المصاعب والكربات والمشاكل في الاختبارات في الوظيفة في الزوجة في الولد الإنسان مبتلى لكن والله أن الاستغفار سبحان الله العظيم يفرّج الله به الكربات ويقضي به الحاجات وتشعر بتيسير الله من حيث لا تحتسب فصدق الله وصدق وعده ونسأله أن يلهمنا الاستغفار وأن يجعلنا من المستغفرين وأن يكفينا شرور أنفسنا وشر النسيان ولذلك يلزم الإنسان الاستغفار حتى يقول الناس عنه موسوس من كثرة ما يستغفر الله خاصة وأنت في سيارتك، في مكان انتظار، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم اللهج ولزوم الاستغفار حتى نلقاه وقد غفر لنا ذنوبنا ولو كانت مثلزبد البحر فإنه يغفر الذنوب جميعاً والحمد لله على هذا الفضل العظيم.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      الحلقة السابعة
      قصة آية (7)
      (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (177) الأعراف)
      سوف نتحدث في هذا الحلقة عن آية عظيمة سمّاها المفسرون أشدّ آية على العلماء، فيها وعيد شديد للعلماء. هذه الآية يذكر الله لنا فيها قصة رجل من بني إسرائيل كان عالماً بالتوراة وكان يعلّم الناس ويعرف ما في التوراة من الأوامر ومن النواهي وقامت عليه الحُجّة ثم ترك كل هذه وانقلب على عقبيه. وترك كل هذه الهدايات التي يعرفها والحجج والأدلة والبراهين وكفر بها فضربه الله مثلاً، أصبح مثلاً. وبعض المفسرين وبعض الروايات الإسرائيلية تسميه بلعام ابن باعوراء، يقولون هذا اسمه، هذا الرجل من بني إسرائيل آتاه الله العلم وآتاه الحجة وكان الناس يرجعون إليه في أمورهم ثم انتكس والعياذ بالله وضلّ بعد هدى فضربه الله مثلاً فقال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ) يا محمد عليه الصلاة والسلام (نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا) وهذا فيه إشارة إلى أن ما آتاك الله من العلم هو محض فضل من الله وهي تحذير لكل من آتاه الله شيئاً من العلم أن لا يكون حجة عليه وأن لا ينقلب على عقبيه بعد أن يبين الله له الحق ويعرف الحق ولذلك قال (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا) حتى التعبير بكلمة (فَانسَلَخَ مِنْهَا) تعبير في غاية الجودة وهو يدل دلالة على أنه لم ينحرف انحرافاً بسيطاً وإنما ارتدّ تماماً وكأنه كان مرتدياً ثوباً ثم سلخ هذا الثوب كما ينسلخ جلد الحية عنها فهي تسلخه كله لا تترك منه شيئاً قال (فَانسَلَخَ مِنْهَا). قال الله (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) يعني فأتبعه الشيطان فأدركه واستطاع أن يجعله من أتباعه فكان من الغاوين فقال الله (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) وقلنا أن كل المخالفين لمنهج الأنبياء يريدون الدنيا فالله يقول لو كان في قلب هذا الرجل خير لرفعناه بما بقي فيه من الخير (وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ) وأخلد إلى الأرض معناه التصق بالأرض التصاق الراغب في الخلود فيها والمقصود أنه اتبع شهواتها أغراه مالها وانحرافها وظن أن هذه هي الشهوة الحقيقية (وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ). ثم شبهه تشبيهاً لا تكاد تجد مثله في القرآن الكريم، الله يختار له أخسّ الحيوانات الكلب ثم ما شبهه بالكلب العادي وإنما شبهه الكلب اللاهث (فمثله) أي مثل هذا العالم لذي عرف الحق وسلك طريقه ثم انقلب على عقبيه وكفر بما كان يعرفه ويعلمه شبّهه قال (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) إن تحمل عليه إن تطرده الكلب لو رميته بشيء أو طردته يلهث وإن تركته يلهث فهذا مثله كمثل هذا الكلب أصبح كَلَبَه على الدنيا وانهماكه فيها كما قال (وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) فالله شبهه بالكلب اللاهث (إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) اختار الدنوّ قال (ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
      القرآن العظيم جعله الله نبراساً وهدى لنا وكيف الله ركز فيه كل خبرات الأمم السابقة وجمع الله فيه خير كل الكتب السابقة وجاء لنا به على شكل أمثال وومضات ولذلك انظر القرآن الكريم ستة آلآف ومئتين وست وثلاثين آية على عدّ حفص عدد محدود وبالرغم من ذلك مليء بالمعاني والحِكَم والكنوز. انظر هذا المثل عندما يضربه الله لمن كان على هدى وعرف الحق ثم انتكس على عقبيه وما أكثرهم للأسف انحرافات الناس الآن عن الحق بعد معرفته للأسف كثرت، انتشرت الشبهات في مجتمعات المسلمين فأصبحت الشبهات تتخطف الناس بشكل لا تتصوره وأصبحت تروج كتب الإلحاد وكتب الفسوق والفجور فأصبحت ترى الرجل المستقيم الذي كان من أهل الصلاة وأهل المساجد فإذا به يسب الله ويسب الدين ويسب الرسول بسبب هذه الشبهات تناقلتها وسائل الإعلام واصبحت في متناول الجميع (قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ (43) هود). ولذلك شبه الله هؤلاء بأخس الحيوانات لأنهم عرفوا الحق وتيقنوا منه ثم تركوه وراء ظهورهم وبدأوا يحاربون هذا المنهج ويسخرون من حملته فالله شبه هذا العالم بالكلب لأنه لا يستحق أن يشبه إلا بهذا الحيوان الخسيس.
      العلماء قالوا أن هذه الآية أشد آية على العلماء لأنها مخيفة لكل عالم ولكل طالب علم أن يُبتلى بمثل هذا المصير. ولذلك كان النبي وهو درس لنا يكثر أن يقول في سجوده "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" لا تثق بقلبك ولا تثق بنفسك ولكن ثق بالله تعالى واستمسك به. نتوقف مع هذه الكلام ولابن القيم كلام جميل في هذه الآية، فيقول أن هذا الذي ضربه الله في هذه الآية عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه وقد تضمنت الآية من ذمّه وجوهاً منها أولاً أنه ضل بعد العلم واختار الكفر على الإيمان عمداً لا جهلاً، لا تستطيع أن تعتذر بالجهل، بعض الناس قد يقع في الضلال في الفسوق في الفجور جهلاً وهذا غريب، ممكن أن تقنعه وتبين له الحق فيرجع بأبسط طريقة أما الذي فعل ذلك عن عمد فهذا يصعب رجوعه. قال ابن القيم وثانيها أنه فارق الإيمان مفارقة من لا يعود إليه أبداً لأن ابن القيم أخذها من قوله تعالى (فَانسَلَخَ مِنْهَا) معناه فارقها بالكلية ولا يريد أن يرجع لها ولا يريد أن يذكر أمامه هدايته واستقامته قبل ذلك والعياذ بالله!. الثالثة الشيطان أدركه ولحقه وظفر به بدلالة قوله تعالى (فَأَتْبَعَهُ) لم يقل الله فاتّبعه الشيطان، لا، إنما قال فأتبعه وهذه تدل على أنه أدركه ومُكّن منه. والرابعة أنه غوى بعد الرشد والغيّ هو الضلال في العلم والقصد. وخامسها قال أنه أن الله لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه لأنه لم يرفع به رأسه فصار وبالاً عليه ولهذا قال (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).
      الرازي يقول كلمة جميلة قال إن الله لم يمثّله بجميع الكلاب وإنما وقع بالكلب اللاهث وأخس الحيوانات هو الكلب وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث فمن آتاه العلم والدين فمال إلى الدنيا وأخلد إلى الأرض كان مشبهاً بأخس الحيوانات وهو الكلب اللاهث. هذا المشهد في الآية مشهد جديد وصورة لم تألفها العرب والقرآن الكريم جاء بلغة العرب ولكنه جاء لهم بصور جديدة وقفوا أمامها مبهورين وعاجزين ولم يملك بعضهم إلا أن يُسلم وبعضهم لم يسلم ولكنه اعترف بجلالة هذا الكلام.
      فانظر إلى هذا التشبيه العظيم في هذه السورة وأن الله ذكر لنا رجلاً آتاه الله العلم وآتاه الهداية وآتاه النور ثم انسلخ منه وما أجمل دلالة التعبير ما قال فتركه، لا (فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) والعياذ بالله!. نحن في هذه الآية نريد أن نرسل رسالة إلى أنفسنا وكل من آتاه الله علماً ودلّه الله عليه ونحن عندما نقول آتاه الله علماً لا نقصد المتخصص في الفقه أو التفسير، لا، وإنما يدخل تحت كل من آتاه الله العلم، كل مسلم عرف الحق وآمن بالله وبكتابه وبنبيه أياً كان تخصصه طبيب مهندس مفسّر كلنا داخلون في هذه الآية فكل من عرف الحق واهتدى إليه وعرفه بالأدلة ثم انحرف عنه فهو يدخل تحت مسمى هذه الآية والعياذ بالله! لذلك ينبغي أن يلهج الواحد منا في سجوده وفي صباحه وفي مسائه وفي غدوه ورواحه "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" انظر إلى هذا كان عالماً وكان مطاعاً وكان رئيساً في قومه ثم انسلخ من كل هذا العلم وهذا النور أصبح مثلاً يضربه الله لنا في سورة الأعراف للعالم الذي انتكس وضلّ بعد هدى فشبهه الله بأخس الحيوانات وشبهه بالكلب.
      من فوائد هذه الآية العظيمة أن الدنيا مُفسِدة لدين المرء (وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) فذكر الله أن من أسباب انحرافه وإصراره هو اتباعه هواه وإخلاده إلى الأرض والمقصود بإخلاده إلى الأرض تعلقه بالدنيا وفعلاً عندما تجد أن حظوظ الدنيا قد كثرت في يد الإنسان فإنها علامة خطر ونذير شؤم أن يقع الإنسان فيما وقع فيه هذا الرجل لأن الإنسان ضعيف عندما يرى الأموال والملايين أمام عينيه فإن الشيطان يقنعه أن يتنازل عن عقيدته وعن دينه مقابل هذه الدنيا وكم رسب في هذا الاختبار من أناس ومن خلال استقرائي للقرآن الكريم كل الذين دخلوا الاختبارات المالية رسبوا إلا القلة مثل داوود وسليمان وذو القرنين وإن كانت ليست مالاً وإنما هي جيش وقوة لكن معظم الذين دخلوا في القرآن الكريم اختبارات مالية رسبوا فشلوا لأن المال يغري ولذلك بنو إسرائيل رسبوا في كل الاختبارات التي دخلوا فيها بسبب المال ولذلك الإنسان لا يزكي نفسه وليحذر أشد الحذر من هذه الدنيا لأنها مضرة بدين الإنسان وتنتقص منه وبقدر ما تزيد الدنيا في يد الانسان فإنها تنتقص من آخرته، تشغله عن صلاته، تشغله عن ذكر الله تشغله عن القرآن ولذلك حتى في تاريخ العلماء تجد أن الفقر صفة ملازمة لكل العلماء حتى قال أحد الشعراء:
      إن الفقيه هو الفقير وإنما راء الفقير تجمّعت أطرافها
      وقال آخر
      قلت للفقر أين أنت مقيم قال لي في عمائم الفقهاء
      فالدنيا إذا كثرت في يد الإنسان فإنها مظنة الإنحراف كما وقع لهذا الرجل الذي ضربه الله لنا نسأل الله أن يثبتنا على الحق وأن يجعل الدنيا في أيدينا ولا يجعلها في قلوبنا وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه غير مغيّرين ولا مبدّلين.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      مجموع ما عرض على قناة الرسالة 29 حلقة قمت بفضل الله تعالى بتنقيح الحلقات التالية:
      من الحلقة الأولى إلى الحلقة الخامسة (خمس حلقات)
      من الحلقة 26 إلى الحلقة 29 (أربع حلقات) (وعذراً للخطأ في ترقيم الحلقات الأخيرة المرفوعة فمن المفترض أن تكون الحلقة 26 بدل 27 وهي الحلقة بعنوان ثمرات التقوى فقد ظننت أن مجموع الحلقات ثلاثون بينما هي فقط 29 حلقة)
      تقوم الأخت أم جعفر جزاها الله خيراً بتفريغ الحلقة السادسة
      وسأعمل بإذن الله بما تسمح به حالتي الصحية على تفريغ باقي الحلقات ورفعها تباعاً ولذك لضمان توثيق هذه الحلقات القيمة النافعة بإذن الله تعالى فاصبروا معي حتى أنجز ما تبقى وعذراً للتأخير ولا تنسوني من دعواتكم الصادقة جزاكم الله خيراً.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (30)
      تبّت يدا أبي لهب وتبّ
      (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿٢﴾ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿٣﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿٥﴾ المسد)
      قصة آية هذا اللقاء تعود بنا لقصة معاناة النبي مع قومه وكيف كان قومه يحاربونه في بداية دعوته ويصدّونه عن الدين ويريدون هذا الدين أن يخمد في بدايته (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) الصف).
      النبي عندما نزل عليه قول الله تعالى في سورة الشعراء (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)) قبلها كان النبي يدعو بشكل سرّي تقريباً ويدعو الرهط المقرّبين منه دعا أبا بكر وهو صديق له ودعا خديجة ودعا علي بن أبي طالب لأنه كان يعيش معه في نفس البيت. ثم لما نزل قول الله تعالى (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) قام النبي فصعد على جبل الصفا - بداية السعي من ذلك المكان - فصعد النبي على الصفا وقريش كلهم في منطقة قريبة يبلغهم الداعي يصيح الواحد على الجبل فيأتون جميعاً وهذه كانت حياة الناس في القرى وإلى وقت قريب أنهم يجتمعون في مكان صغير قرية صغيرة إذا دعا الواحد منهم يستمع أهل القرية جميعاً لأنهم يحتاج بعضهم بعضاً فيعيشون في قرى ومناطق متقاربة واليوم أصبح الناس يعيشون في مدن وفي فلل وأصبحوا معزولين عن بعضهم البعض حتى لو يصيح الواحد بصوت قوي جداً ما يسمع جاره!. فلما صعد النبي على جبل الصفا قال: يا صباحاه، يا صباحاه، فطبعاً الناس دفعهم الفضول وهذه كانت علامة يعرفها الناس فيجتمعون يعلمون أن الذي يهتف بهذا الهتاف لديه أمر عظيم. اجتمع الناس من هنا ومن هنا والنبي ، من هذا الذي يهتف؟ قالوا محمد . والنبي قبل الإسلام كان شخصية وقورة معروفة بأمانتها وصدقها ثم إن النبي من عائلة شريفة عائلة هي لها السيادة ولا القيادة في قريش وهو ليس من غِمار الناس عليه الصلاة والسلام. ولذلك لما سأل هرقل أبا سفيان عن النبي قال: هل هو فيكم ذو نسب؟ قال نعم، فقال وكذلك الأنبياء يُبعَثون في نسب من قومهم. فالنبي شخصية معروفة في قريش، فلما اجتمعوا على النبي لأنه نادى: يا بني عديّ، يا بني عبد مناف، لم يدع بطناً من بطون قريش إلا وناداه باسمه. اجتمع الناس حوله وتخيل الموقف فيهم عمه أبو طالب فيهم عمه أبو لهب، فيهم أبو جهل وفيهم الضعفاء اجتمع الناس فقال لهم النبي وسألهم سؤالاً: قال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل (يعني تغيّر عليكم) أكنتم مصدّقيّ؟ قالوا جميعاً: ما عهدنا عليك كذباً قطّ وهذا دليل أن الداعية يجب أن يكون معروفاً بنزاهته وبحسن سمعته وسيرته بين الناس، ما ينفع أن تكون إنساناً ملوثاً وسمعتك سيئة وتاريخك أسود ثم فجأة تأتي وتعظ الناس! الناس ما يقبلون منك! لكن عندما يأتيهم رجل نزيه طاهر صادق يعرفون صدقه وأمانته ونسبه ثم يدعوهم فقالوا ما عهدنا عليك كذباً قطّ - وهذا من إعداد النبي - فقال الناس كلهم بصوت واحد: ما جرّبنا عليك كذباً. فقال لهم كلمة فقال لهم النبي ، طالما ما جربتم عليّ كذباً قطّ أنا جمعتكم لسبب، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فسكتوا. قد يقول قائل ماذا فيها؟ ما قال شيئاً! الناس أصحاب فهم، وأصحاب عقول وأصحاب لغة يفهمون ماذا يقصد "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" يعني أدعوكم إلى الإيمان ونبذ الشرك. فانظر الخيبة والخسران والحرمان والعياذ بالله! فبادر عمه وكان المفترض أن هذا ابن أخيه إن كنت لا تريد أن تنفعه فعلى الأقل لا تضرّه لكنه الحرمان! وهي درس لنا أن الدعوة إلى الله قد يعارضك فيها أقرب الناس إليك فلا تتوقف. وقد يختلف معك ولذلك في التاريخ نوح عليه الصلاة والسلام زوجته لم يؤمن به وابنه لم يؤمن به وتحسّر على هذا (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) هود) أيضاً لوط زوجته لم تؤمن به، ابراهيم عليه الصلاة والسلام والده لم يؤمن به، فالنبي على نفس المنوال، عمه أبو لهب – وحتى اسمه أبو لهب كان اسماً جميلاً كان رجلاً وجهه مضيء جميل وكان اسمه عبد العزّى ويقول بعض المفسرين أن الله لم يقل تبّت يدا عبد العزى لأنه منسوب إلى صنم يعني عبد الصنم فالله ذكره باسمه الذي كانت تعرفه به قريش وبعض الناس يظن أن تسميته بأبي لهب سب له وفي الحقيقة هي مدح له لأن كان جميلاً وضيئاً أحمر الخدود فكانوا يقولون له أبي لهب لأنه مورّد الوجه ولكن الله ذكره هنا بأبي لهب إشارة إلى مصيره والعياذ بالله لأنه كذّب النبي وعارضه ومن هذا الموقف بدأ يناصب النبي العداء فقال للنبي تباً لك ألهذا جمعتنا؟! يعني جمعتنا كلنا وتركنا أشغالنا لتقول لنا هذا الكلام السخيف؟! فأنزل الله هذه الآيات (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) وكان رجلاً ثرياً (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ) وهذا متناسبة مع اسمه (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) زوجته أم جميل مشهورة كانت أيضاً تناصب النبي العداء (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿٤﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿٥﴾). هذه القصة فيها إشارات:
      أولاً إشارة إلى مدى العنت والشدة التي واجهها النبي من قومه بل من أقرب الناس إليه وهذا فيه درس أن الداعية الصادق لا بد أن يتحمل وأن يصبر ما دام معتقداً وما دام متيقناً أنه على الحق لا بد أن يتحمل عوائق الطريق، يأتيك أبوك يعارضك عندك سَلَف، يأتيك أخوك، يأتيك ابنك، تأتيك زوجتك، الأنبياء كلهم تعرضوا لمثل هذا وأنت من باب أولى. ولاحظ أن أبا طالب وهو عمّ النبي وأخو أبو لهب ووقف مع النبي ولكنه لم يؤمن به، فهذه مفارقة! تقف معي وتساندني وتدافع عني ولكنك لا تستجيب لي؟! عجيب! ولذلك النبي قال لعمّه في مرض موته: يا عمّ قُلْ كلمة واحدة، قل لا إله إلا الله، كلمة أُدافِع بها عنك، ولكنه لم يستجب!. أيضاً مثال آخر العباس وهو عمّ النبي آمن به وصدّقه والله لا يغلقها من كل الجهات، واحد كذبك وناصبك العداء وواحد لم يؤمن بك ولكنه ساعدك وهذا ساعدك وآمن بك فهذا العباس آمن بالنبي وهذا حمزة آمن بالنبي وساعده وهذا أبو طالب ساعد النبي ولكنه لم يؤمن به وهذا أبو لهب ناصبه العداء ولم يؤمن به. بل إنه يذكر طارق المحاربي أنه قال: بينا أنا في سوق ذي المجاز وسوق ذي المجاز سوق من الأسواق التي كان أهل مكة يرتادونها في ضواحي مكة قال بينا أنا بذي المجاز – يعني جالس في السوق- إذا أنا بشاب حديث السن يقصد النبي يقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وإذا رجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول: يا أيها الناس إنه كذّاب فلا تصدّقوه! فطارق المحاربي استغرب هذا من هو هذا الشاب ومن هو الذي خلفه يكذّبه ويرميه؟ قال فسألت فقالوا: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أنه نبي ويقول للناس قولوا لا إله إلا الله، وهذا الذي وراءه عمه أبو لهب يزعم أنه كذّاب. لما تنظر لها تخيل الناس ما يعرفونك وتأتي تدعوهم ويأتي عمك الذي يعرفك يقول لا تصدّقوه إنه كذّاب، من الذي سيصدقك؟!! الناس سيقولون هذا عمه هو أعرف به. من أشد ما لقيه النبي من الأذى أنه وقف عمه يؤذيه ولذلك الله قال له (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) هو يقول للنبي تباً لك والتبّ هو الهلاك (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) يعني هلكت. وهذه الآيات فيها إعجاز وهي أن الله حكم على أبي لهب في حياته بأنه من أهل النار وأنه لن يُسلم وأنه سيموت كافراً وسيدخل جهنم! وبالرغم من ذلك لم يستطع أبو لهب أن يخالف ذلك لو كان أبو لهب يريد أن يكذب النبي لكان دخل في الإسلام لأن هذا سيكون تكذيباً للقرآن وتكذيب لكلام الله، يقول محمد يقول تبت يدا أبي لهب أشهد أن محمداً رسول الله. ولكن هذا دليل قاطع على أن هذا القرآن من عند الله ولذلك لم يؤمن أبو لهب ومات على الكفر وهو من أهل النار ومثله زوجته أم جميل. وهذا يعطي المؤمن الذي يقرأ القرآن ثقة مطلقة بالله وبوعده الذي وعده في هذا الكتاب.
      هذه الآيات تضمنت الإخبار عن ثلاثة أوجه من الغيب:
      الأول الإخبار عن أبي لهب أنه سوف يخسر ويهلك وبوقوع ذلك فعلاً، (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) هذا خبر (وَتَبَّ) أي أنه سيقع يتحقق.
      الأمر الثاني أخبر الله عنه أنه لن ينتفع بماله ولا بولده ووقع ذلك فعلاً قال (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) ما نفعه ماله ولا ما كسبه في دنياه.
      أيضاً الإخبار عنه بأنه من أهل النار وقد كان كذلك لأنه مات على الكفر ولو شاء أن يكذب هذا القرآن لآمن ولكنه لم يفعل الله حال بينه وبين الإيمان وهذا من الأدلة القوية على أن القرآن الكريم من عند الله.
      وأيضاً من الأدلة المهمة دفاع الله عن نبيه وهذا أمر غفل عنه بعض الناس اليوم وأصبح الناس اليوم يقعون وبعضهم يشتم النبي وبعضهم يستهزئ بالنبي وبعض شبابنا للأسف يتحدث عن النبي كأنه يتحدث عن حارس مرمى باستهزاء وعدم توقير وتعظيم!. ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا كيف تولى القرآن الكريم الدفاع عن النبي (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (22) التكوير) (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) النجم) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ) وتأمل في قوله (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا (38) الحج) فكيف بالنبي لا شك أن الله يتولى الدفاع عنه ولذلك قال الله (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴿١﴾ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴿٢﴾ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴿٣﴾) وصدق الله العظيم فما عادى النبي أحد إلا بتر الله ذكره في الدنيا والآخرة ومن أولهم عمه أبو لهب. نحن نصلي في الصلوات نقرأ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿١﴾ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) وأصبحنا نحن نتعبد لله بقرآءة هذه الآيات التي فيها دعاء على أبي لهب وشتيمة له وإهانة له لأنه تجرأ وقال للنبي أمام الناس "تباً لك ألهذا جمعتنا؟".
      أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يفقهنا بكتابه ويرزقنا توقير نبيه وأن يجعلنا من أتباعه في الدنيا والآخرة وأن يحشرنا في زمرته.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (29)
      عبس وتولى
      (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾)
      اليوم بإذن الله تعالى سوف نتوقف مع قصة آيات كريمات نزلت على النبي في أول الإسلام وهو يتصدى لدعوة قومه ويبالغ عليه الصلاة والسلام في التلطف مع كبارهم رغبة في دخولهم إلى هذا الدين العظيم. وذات يوم جاءه أحد الصحابة الكرام الضعفاء يرغب في الجلوس مع النبي والاستماع إلى ما عنده من العلم ويسأله وكان النبي منشغلاً بدعوة كبار قريش في ذلك الموقف فكأن النبي رغبة في هداية هؤلاء الكبار تلكأ في الاستماع إلى هذا الصحابي الجليل فعاتبه الله عتاباً لطيفاً.
      هذه الآيات العظيمة يحسن بنا أن نذكر سبب نزول هذه الآيات، المشهور في سبب نزولها أن النبي كان منشغلاً بدعوة بعض صناديد قريش كما يقول ابن الجوزي ويقول أن الرسول كان يناجي عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف وأبا جهل بن هشام فجاءه عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ولم يكن يعلم من هم الذين بين يدي النبي وقال علمني يا رسول الله مما علمك الله وجعل يناديه ويكرر النداء فالنبي ظهرت الكراهية في وجهه لقطعه لكلامه فأعرض عنه رسول الله وأقبل على القوم يكلّمهم فنزلت هذه الآيات. هذا الموقف فيه فوائد:
      أولاً النبي لا يلام في كونه كان منشغلاً بدعوة هؤلاء لأن أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة هم فعلاً كبار قريش وحرص النبي على دعوتهم في مكانه لأن هؤلاء إذا أسلموا أسلم بإسلامهم قومهم وهذا شيء طبيعي والنبي عندما حرص على دعوة أبي بكر كان يقصد هذا المقصد لأن أبا بكر هو من كبار قريش في فضله وفي علمه وفي تجارته ومكانته وفي نسبه فنحن نتجاوز هذه النقطة ليست هذه الآيات لعتاب للنبي لأنه دعا كبار الناس، أبداً حتى الله لما أرسل موسى لم يرسله إلى صغار القوم وإنما أرسله إلى فرعون قال (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) طه) لأنه إذا اهتدى فرعون فالبقية يهتدون لأنهم ينقادون ولا زال الناس إلى اليوم عندما تذهب إلى القرى والقبائل في أفريقيا تذهب إلى شيوخ القبائل فالأتباع يسهل بعد ذلك أن يدخلوا في الإسلام. فلا يعاتب النبي في كونه توجه إلى هؤلاء لكي يهتدوا ولذلك لما اهتدى عمر بن الخطاب كان لاهتدائه وإسلامه أثر كبير لم يكن في الحقيقة لاسلام بلال أو ضعفاء الصحابة وقد كفى ذلك المسلمين شراً كثيراً وكان حرزاً وكان منعة للمسلمين بعد أن أسلم كبار الصحابة مثل حمزة ومثل عمر بن الخطاب وأبو بكر تشعر أن الرسول صار معه جزء من كبار قريش، أبو طالب على أنه كان مشركاً وهو من كبار قريش لم يستطيع قريش أن ينالوا النبي بأذى وهو موجود فدعوة هؤلاء الكبار في مكانها وهي أسلوب صحيح. النبي اجتهد - ومن فوائد هذه الآيات - إشارة إلى أن النبي مرد مبلِّغ لهذا القرآن فقط يتلقاه من جبريل ويبلغه لنا وإلا لو كان كما يقول المشركون أو كما يقول بعض المستشرقين أن القرآن الكريم هو من عند محمد ما كان محمد عليه الصلاة والسلام عاتب نفسه لكنه من عند الله وأنه كان أميناً في إبلاغ الوحي لنا كما قالت عائشة لو كان النبي مخفياً شيئاً من الوحى لأخفى هذه الآيات ولذا قال (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ (37) الأحزاب) قالت كان سيخفي هذه الآيات لأن فيها عتاب شديد حتى الشيء الذي كان يخفيه في نفسه الله أظهره في القرآن الكريم.
      الأمر الثاني النبي نحن نعلم أنه أفضل الخلق عند الله وأنه أكرم الخلق على الله وأنه سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام وبالرغم من ذلك لم يجامله الله في هذا الموقف وقال له (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ولاحظ الأسلوب الجميل في العتاب لم يقل الله للنبي (عبست وتوليت) وإنما قال (عَبَسَ وَتَوَلَّى) وكأنه يتحدث عن غائب والخطاب للنبي (عَبَسَ وَتَوَلَّى) ولذلك قال في سياق الآيات (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾) رجع بالخطاب إلى الحاضر. فقال (عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾) وهذا يسمونه -وهو من أساليب العرب الجميلة وقد وردت في القرآن الكريم بكثرة من الفاتحة إلى هذه السورة وتخللها في عشرات المواضع، يسمونه الالتفات وأسلوب الالتفات هو أسلوب جميل من أساليب البلاغة. ما أجمله هنا في مقام العتاب أنك لا تجابه أحداً بالنقد لأن الناس لا يحبون النقد المباشر وهذا جزء من طبيعة البشر أنا لا أحب أن تهاجمني وتشتمني لكن إن كان ولا بد فليكن بأسلوب جميل .هنا لم يقل الله عبست وتوليت يا محمد، لا، وإنما قال (عَبَسَ وَتَوَلَّى) فالذي يسمع الآيات ينصرف ذهنه أن المخاطب شخص آخر ثم يقول بعدها (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾). مثله أيضاً في سورة الفاتحة عندما يقول (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿١﴾ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٣﴾ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾) يتحدث عن غائب ثم يقول (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿٥﴾) يتحدث عن مخاطب. مثلها أيضاً في الشعر وقد استفاد منه الشعراء قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته اللامية المشهورة هو يخاطب نفسه لكنه فعل مثل هذا الفعل فقال:
      لا خيل عندك تهديها ولا مال فليُسعد النطق إن لم تسعد الحال
      هو يخاطب نفسه فلم يقل لا خيل عندي أهديها وإنما قال لا خيل عندك كأنه يتكلم عن غائب، ثم يقول
      وما شكرتُ لأن المال فرّحني سيان عندي إكثار وإقلال
      لكن رأيت قبيحاً أن يُجاد لنا وأننا بقضاء الحال بُخّال
      انتقل من الحاضر إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الحاضر فكأنه بهذا الأسلوب التفت من جهة إلى جهة فيسمونه الالتفات فالله استخدم أسلوب الالتفات في مخاطبته النبي على اعراضه عن هذا الضعيف الذي جاء مقبلاً. (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى) يعني كان في غنى عن دعوتك ومُعرض عنها (فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى) تحرص أن تتصدى لدعوته وتجلس معه. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾) وهذا الضعيف (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) هذا غير مقبول. ولاحظ من أول نزول القرآن الله يربي النبي ويربينا معه، هذه القصة ليست للنبي فقط وهذا التوجيه وإنما هي لكل داعية لله أنه لا يصرف وجهه عن الضعفاء والمساكين بمثل هذه الأعذار وإنما من جاءك مقبلاً فأنت ملزم بأن تتصدى لتعليمه ودعوته والتلطف معه وقد يكون ردك هذا سبب في إعراضه وإذا كان النبي قد عوتب في هذا الإعراض فمن دونه أولى. وهذه فائدة دعوية حتى المجاملة نحن نتكلم عن الرفق في الدعوة إلى الله والرفق في التعامل مع الناس وفي نفس الوقت هنا في هذه السورة ليس هناك مجاملات، كيف توازن بين أن تكون رفيقاً وأن تجامل الناس؟ موازنة ليست سهلة! قد يقول قائل لماذا لم يترفق الله مع النبي أكثر من ذلك؟! يقول (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾) إشارة أنها تذكرة لك يا محمد ولكل الدعاة بعدك لا تُعرض عن الضعفاء والمساكين بحجة دعوة هؤلاء المكذبين ولذلك جاء في سورة الكهف في قوله (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)). وهؤلاء الكبار مثل أبو جهل في كل مكان وليس فقط في عهد النبي حتى في عهد نوح وقوم صالح كلهم يقولون أعطنا مجلساً خاصاً لا يمكن أن نأتي نحن مع الفقراء والضعفاء ونجلس مجلساً عاماً، نريد مجلساً خاصاً لأنهم يرون أنهم أكبر من هؤلاء الضعفاء والمساكين. حتى لما سأل هرقل أبا سفيان في الحديث المشهور عندما أرسل الرسول رسالة إلى هرقل يدعوه فيها إلى الإسلام فقال هرقل لمن حوله وكان هرقل في سوريا وقريش كانوا يسافرون إلى سوريا يبيعون ويشترون في أسواقها فقال هرقل ابحثوا إن كان هناك أحد من جماعة هذا الرسول محمد نسأله ما قصة الدعوة فوجدوا أبا سفيان ومعه مجموعة من قريش يبيعون ويشترون ويبدو أنه كان في موسم الصيف لأن قريش كانت متعودة أن تسافر رحلة الصيف إلى الشام باعتبار الأجواء جميلة في الصيف بينما في الشتاء البرد شديد والناس يذهبون إلى تهامة فسأل هرقل أبا سفيان من هم الذين يتبعون هذا الرسول الذي بعث فيكم هل هم كبار القوم أم ضعفاؤهم؟ فقال ضعفاؤهم، فلما جاء يبين له أسباب هذه الأسئلة قال أنا سألتك وقلت هل يتبعه كبار القوم وساداتهم أو ضعفاؤهم فقلت لي بل ضعفاؤهم وكذلك أتباع الأنبياء فإن أتباع الأنبياء في العادة هم ضعفاء الناس. طبعاً كبار الناس وسادات الناس تتعارض دعوات الأنبياء مع مصالحهم الشخصية حتى اليوم لأن كبار الناس لهم مصالح اقتصادية مثلاً الرسول عندما جاء لقريش وقال أنا رسول لكم من الله وطبعاً أبو سفيان وأبو جهل وأمية بن خلف هؤلاء هم شيوخ الوادي، ومعنى هذا الكلام أنهم سيفقدون هذه الامتيازات ويصبح الرسول الزعيم الوحيد، لا يمكن هذا فرفضوا هذا، هذه واحدة. والأمر الثاني أن لهم مصالح اقتصادية يدفعون لهم أموالاً لأنهم هم سدنة البيت وأصحاب الرفادة والسقاية فيها مصالح اقتصادية، أضف إلى ذلك ما كتبه الله عليهم من الضلال وكذلك قوم نوح وقوم هود وكبراؤهم ولذلك في القرآن الكريم قالوا (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) الأحزاب).
      من فوائد الآيات أيضاً أنه يلزم الداعية الاحتفاء بكل مقبل صادق بغض النظر عن لونه، جنسيته، لغته، مستواه الاجتماعي. قد يأتيك وأنت داعية وزيراً فتحرص وتقبل ليس رغبة في هدايته وإنما لما معه من الدنيا والوجاهة ويأتيك رجل فقير ضعيف فلا تتحمس كثيراً لهدايته، هنا يتهم الإنسان نيته لأنه لو كانت النية صادقة لكان الحرص عليهما سواء أو كان على الضعيف أكثر لأنه يطلب وراءه من الأجر أكثر مما يُطلب من أهل الدنيا
      أيضاً لا ينبغي الأسف على إعراض الجاهلين والمستكبرين، النبي كان يأسف على أن هؤلاء عتبة وابا جهل يفوتهم الهداية وكان حريص على هدايتهم ولا يلام في ذلك ولذلك قال الله له (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) فاطر) (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف) فالله كلّفه بالدعوة لكنه قال له ترفّق بنفسك أنت عليك البلاغ وأما الهداية والتوفيق فعلى الله
      من فوائد هذه الآيات أنها توجيهات عامة وليست خاصة بالنبي فقط وإنما هي له ولأمته من بعده فأنه ينبغي العناية بالضعفاء المقبلين المخلصين الصادقين في إقبالهم على الدعوة والتعلم وعدم الحرص والأسف على فوات هداية هؤلاء المعاندين المستكبرين ما داموا مصرين على عنادهم وما دمت قد أبلغت الدعوة. عندما يقول القرآن الكريم (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18) العنكبوت) فالمطلوب هو البلاغ المبين أحياناً قد يكون البلاغ غير مبين أو يكون بأسلوب غير مناسب فيلام المبلِّغ لأنه هناك تقصيراً في الدعوة أما إذا لم يكن هناك تقصير وأبلغه البلاغ المبين فليس عليه بعد ذلك ملام.
      إذن هذه هي قصة هذه الآيات، (عَبَسَ وَتَوَلَّى) عبس تغير وجهه إلى العبوس وعدم الرضى بهذا الموقف (أَن جَاءهُ الْأَعْمَى) والأعمى هو عبد الله بن أم مكتوم وقد ذكره الله هنا بصفته ليس على سبيل التعيير وإنما على سبيل التمييز ولم يكن يغضب من هذا الاسم وهو مؤذن النبي وله شأن عظيم في الإسلام وأرضاه وكان النبي يحتفي به إذا جاء بعد ذلك ويقول مرحباً بمن عاتبني فيه ربي.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (28)
      جزاء التكذيب بآيات الله
      (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴿٢٨﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾)
      سوف نتوقف اليوم مع قصة آيات من سورة المدثر نزلت في أحد صناديد قريش وكبار قريش الذين عارضوا النبي ووقفوا للدعوة الإسلامية في بدايتها وحاربوها بكل طريقة. يقص الله علينا قصة هذا الرجل المتكبر وهو الوليد بن المغيرة. سورة المدثر هي تكاد تكون السورة الثانية أو الثالثة نزولاً على النبي فنحن نتحدث عن أول الإسلام وإن كان آخر الآيات قد تأخر قليلاً إلا أنها من أوائل ما نزل على النبي وهي تحكي لنا الصراع الذي عاشه النبي والمعارضة الشديدة من قومه. هذا الوليد بن المغيرة المخزومي والعجيب أنه هو أبو خالد بن الوليد ، إذا ذكر خالد ذكر الجهاد وذكر الانتصار وذكرت العزة وإذا ذكر والده المغيرة، الوليد المخزومي ذكر الاستكبار والكفر والجحود فشتّان بين الوالد والولد! يخرج الحيّ من الميت. وهذا دليل على أن الهداية بيد الله وإلا فإن الوليد بن المغيرة من كبار بني مخزوم وبنو مخزوم هم من كبار بطون قريش وكانوا يتفاخرون فيما بينهم بنو هاشم وبنو مخزوم وبنو التيم وغيرهم. يقول الوليد بن المغيرة للنبي كان أولاً الوليد بن المغيرة يرى نفسه يُفاخر بنفسه ويفاخر بوالده المغيرة يقول أنا الوحيد بن الوحيد ليس لي في العرب نظير ولا لوالدي في العرب نظير وكان يفاخر بكثرة الأبناء ولذلك يقول (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾) كان عنده ثروة طائلة (وَبَنِينَ شُهُودًا) يشهدون معه المحافل وكان يجعل خمسة على يمينه وخمسة على يساره وكان أبناؤه فيهم من الشهامة وفيهم ما فيهم ويكفيك خالد بن الوليد هو من أبناء هذا الرجل! إلا أنه طغى واستكبر وتجبر وكذب النبي وناصبه العداء بل وكان يسخر من النبي ومن دعوته وقد نقلت كتب السيرة كثيراً من أخبار الوليد بن المغيرة ومحاربته للإسلام وإصراره على ذلك فأنزل الله هذه الآيات (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾) يقولون أنه كان يسمي نفسه "الوحيد" فالله ذكره بهذه الصفة إشارة أنه خلقه وحيداً ليس معه هؤلاء الأبناء وأنا الذي رزقته بهؤلاء الأبناء وبهذا المال لكن الله يتهدده (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا) يقولون لم يزل في نقص منذ ذلك اليوم، نقص في الأبناء ونقص في المال ونقول نقص في الذكر ويكفيه قبحاً أننا ما زلنا نقرأ هذه الآيات التي فيها هذا الوعيد الشديد له (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾) نعوذ بالله! وهذا الحقيقة جزاء المكذبين المعرضين في كل زمان وهذا ليس جزاء خاصاً بالوليد بن المغيرة وإنما هو جزاء لكل من عارض الدين وكذبه وناصبه العداء فإن الله سيرهقه صعوداً وسيعذبه وسوف ينتقم منه وهذا سنة الله . ولذلك لاحظ في القرآن الكريم كيف قصّ الله قصص الأنبياء على النبي من نوح إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، قصص النبي موسى عليه الصلاة والسلام كما قال ابن عباس كاد القرآن أن يكون لموسى من كثرة قصص بني إسرائيل وكثرة أخبار موسى وكلها للاعتبار بها، قصص القرآن ليست للمتعة والتسلية وإنما للاعتبار. الآن تقع حوادث في زماننا هذا ثم تقرأ القرآن فوالله كأنها نزلت البارحة، أذكر مرة من المرات لما وقعت حوادث ضرب اليهود لإخواننا في غزة وخذلان المسلمين لإخواننا في غزة كما هو واقع الناس اليوم، الآن نحن تخاذلنا عن نصرة المسلمين وإخواننا في كل مكان وهذه عواقبها وخيمة فقلت لأحد الزملاء من الأساتذة ليتك تكون ضيفي نتحدث عن سورة الأحزاب وكنت أقصد اختيار سورة الأحزاب بالذات ولما بدأنا نتحدث قلت في نفسي والله كأنها نزلت البارحة ما نزلت على النبي في غزوة الخندق! تعالج أوضاعنا اليوم كما تعالج أوضاع الناس في عهد النبي . ولذلك القصص القرآني وقصص الأنبياء السابقين قصّها الله على النبي لتكون عبرة له ويرى أن الذي يحدث لك يا محمد قد سبقك إليه أناس، طردك قومك؟ ابراهيم عليه الصلاة والسلام طرده قومه وخرج وأمثاله كثير وموسى. أدموا ظهرك أو كسروا رباعيتك؟ قد قُتِل بعض الأنبياء وقِس على ذلك. رفض عمك أبو طالب أن يستجيب لك؟ هذا ابراهيم والده رفض وهذا لوط زوجته رفضت وهذا نوح ابنه رفض فلك فيهم عبرة ولذلك كأني أنظر إلى النبي وهو تنزل عليه هذه الآيات وتثبت قلبه . تأملت في سورة هود فإذا قد ذكر الله فيها ست حضارات كلها تحمل بذور فنائها في داخلها، ذكر الله نوح وقوم نوح كان فيهم جبروت وعندهم امكانيات لكن الله أهلكهم بتكذيبهم. قوم هود، قوم صالح، قوم ابراهيم، نفس القضية، قوم موسى وهكذا فكل هذا عندما يقرأه النبي وهو يقوم الليل بهذه الآيات وختمها بقوله (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود) وفي نهايتها (وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121)) الحق أبلج (وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122)) خاتمة عجيبة! وكأنك تنظر إلى النبي وهو تنزل عليه الآيات (وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)) القرآن حيٌّ سبحان الله وكأنه نزل البارحة.
      ذكرت في إحدى الحلقات قول أحمد شوقي:
      آياته كلما طال المدى جُدُدٌ يزينهن جمال العتق والقِدَم
      كأنها نزلت أمس وهذا لو كان من عند غير الله لوجدنا فيه اختلافاً كثيراً. كلام الله يتحدث عن النفس البشرية ولذلك عندما تصف شيئاً أنت تصفه بما عندك من العلم وبما عندك من الجهل أيضاً لأن الإنسان منا الجهل يكتنفك من كل مكان فأنت تكتب وتصف وأنت محاط بالجهل. الله عندما يصف شيئاً يصفه بعلم ولذلك لا يختلف على مرّ الزمان أنزله بعلم والملائكة يشهدون ولذلك لا يتغير مع مرور السنين والدهور ولا تغيره الأحداث ولذلك حفظه الله لنا الآن نتلوه ونتمتع به كما تمتع به النبي والصحابة وهذا من أعظم النعم وأعظم المعجزان ولهذا قال (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ (51) العنكبوت) معجزة النبي معجزة موسى عليه الصلاة والسلام العصا ولذلك قال (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) النازعات) عيسى عليه الصلاة والسلام آيته الكبرى أن يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ابراهيم عليه الصلاة والسلام رمي وسط النار فأنجاه الله، ناقة صالح، كلها راحت وما أبقاها لنا إلا القرآن يذكرها. وحتى موسى عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يقيم الحجة على فرعون وعلى السحرة وعلى الناس اختار وقتاً الشمس ساطعة والمكان واسع (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) طه) لماذا؟ حتى يرى الناس لأن المعجزة التي عنده معجزة تعتمد على المشاهدة، يرمي العصا فتتحول إلى حية ليس هناك شاشات تنقل وإنما تشاهد مباشرة لذا يجب أن يكون الضوء كاملاً في الضحى والناس في اجتماع كبير. تعالَ عند القرآن الكريم، القرآن الكريم هو معجزة عقلية وليس معجزة حسية بخلاف معجزات الأنبياء السابقون كلهم معجزاتهم حسية، العصا، الحية، كلها. ثم مسألة أخرى وهي أن النبي معجزته هي نفسها الشريعة فالقرآن الكريم هو آية النبي الكبرى وفي نفس الوقت متضمن للشريعة فمصدر التشريع عندنا القرآن والسنة وأيضاً الدليل على أن السنة مصدر للتشريع هو من القرآن نفسه كما قال ابن مسعود -وهذه فائدة مهمة لو يتأملها الإنسان - عندما جاءت امرأة إلى عبد الله بن مسعود فقالت بلغني أنك تلعنني وكانت تنمص شعر الحواجب، فقال لها وكيف لا ألعن من لعنه الله؟ قالت وأين لعنهم الله؟ قال في القرآن، قالت لقد قرأت القرآن من الجلدة إلى الجلدة فما وجدت فيه ما تقول أن القرآن يلعن النامص، قال إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، قالت أين؟ قال ألم تسمعي قول الله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا (7) الحشر)؟ قالت بلى، قال والنبي لعن النامصة والمتنمصة. فأعجبني هذا الحديث أنه نسب لعن النبي للنامصة نسبه لله واعتبر لعن النبي هو لعن من الله مباشر واعتبر أن لعن النبي لها في السنة أنه لعن في القرآن بدلالة آية واحدة (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) أي شيء تجده في السنة تستطيع أن تقول هذا في القرآن بدلالة هذا وأنت مقلد لعبد الله بن مسعود وإذا قلدته فاطمئن فهو من أعلم الصحابة بكتاب الله.
      نعود إلى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا) وهذا الكبر وهذا العتو الذي كان يمارسه الوليد بن المغيرة، أين ذهب الوليد بن المغيرة؟ ذهب وأصبحنا لا نذكر إلا هذه اللعنة وهذا التقبيح له ووعيد الله له في النار (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) يقول المفسرون أنه جبل في جهنم يرهقه الله في الصعود والنزول فيه تعذيباً له. وقد كانت الهداية بين يديه والنبي يدعوه وهو من كبار زعماء قريش ولو أسلم لكان له شأن في الإسلام ولكن الله لم يرد هدايته (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا (41) المائدة) (وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) الزمر) وهذا في الحقيقة كما أنه توبيخ للوليد بن المغيرة فإنه تحذير لنا أن الإنسان لا يأمن على نفسه ويسأل الله الثبات في صباحه وفي مسائه لأن الله ليس بينه وبين أحد نسب ولو كان النسب ينفع الوليد بن المغيرة المخزومي من أعلى قريش نسباً لكنه لم ينفعه نسبه "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ولذلك سبق بلال وسبق صهيب وسبق سليمان وتأخر أبو طالب القرشي وتأخر الوليد بن المغيرة المخزومي وتأخر العاص بن وائل السهمي وتأخر أبو جهل وهؤلاء رؤوس قريش ولو أسلموا لكانوا من رؤوس المسلمين. عمر بن الخطاب ما هو شيء مقارنة بهؤلاء في قيادة القوم ولكن هذا محض اختيار واصطفاء (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ (68) القصص). أسأل الله أن يفقهنا بكتابه وأن يزيدنا يقيناً فيه وأن يرزقنا الثبات عليه وعلى العمل به وعلى تدبره ومن أثمن الفرص أن يجد الإنسان فرصة يجلس ويتناقش في آيات كتاب الله وينتفع بها والمسلمون.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      قصة آية (27)
      ثمرات التقوى
      (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) الطلاق)
      هذه الآية من سورة الطلاق وسورة الطلاق سورة مدنية وعنوانها يتحدث عن العلاقات الاجتماعية وكما يسمونها اليوم الأحوال الشخصية قضية الطلاق وما يقع بين الرجل وزوجته وهي قضايا تقع بين الناس بكثرة. الله يتحدث عن ثمرة التقوة يقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) والحديث عن التقوى هو حديث عن الإسلام كله ولذلك جاءت الوصية بالتقوى في مواضع كثيرة في القرآن الكريم منها في سورة الحشر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)) كررها في نفس الآية مرتين، ومنها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) الأحزاب) وغيرها كثير في سورة البقرة وفي سورة النساء تكرر الحديث عن التقوى في مواضع كثيرة في القرآن الكريم ولو تتبعنا المواضع التي وردت في التقوى والسياق الذي وردت فيه والآية التي معنا اليوم ورد الحديث عن التقوى في سياق الحديث عن الطلاق وعن المحيض ويأتي في وسطها فيقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا).
      ما هي التقوى؟ قال العلماء هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية ويعجبني تعريف علي بن أبي طالب لما سأله رجل: ما التقوى؟ قال هل سرت في أرض ذات شوك؟ قال نعم، قال فماذا تصنع؟ قال أشمّر وأنظر موضع أقدامي، فقال: تلك التقوى. أن تتقي الله فلا يراك إلا حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك ولذلك يقول أحد الشعراء وأظنه ابن المعتز:
      خلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
      واصنع كماشٍ وسط أرض الشوك يحذر ما يرى
      لا تحقرنّ صغيرة إن الجبال من الحصى
      هذه هي التقوى وأنت عندما تلتزم بهذه الآية فأنت ستستقيم على أوامر الله. لاحظ أنه يقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) المخرج لا يكون إلا من ضيق، فهو يصوّر حال ذلك الرجل الذي يعيش في ضيق وفي ضنك لكن الله يسهّل له مخرجاً من هذا الضيق ما كان يظن أنه سيخرج منه فالله يعرض هذا العرض أنه من التزم بالتقوى فإن الله سيفرّج همومه ويجعل له من كل ضيق مخرجاً يخرج منه، لا تسأل كيف فالله على كل شيء قدير لكن أنت اِصنع ما أُمرت به (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) هذه مسألة الخروج من الضيق لكن التي بعدها قال (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الآن الراتب لا يدخل في هذه الآية لأنك أنت تحتسب الراتب في أول الشهر ستعلم أن في نهاية الشه سيأتيك الراتب لكن الله يقول لك (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) ثم من الذي تكفّل لك بهذا الرزق ومن الذي تكفل بهذا المخرج؟ الله وأنت تعلم أن الله على كل شيء قدير وتعلم أنه لا يعجزه شيء في السموات والأرض وتعلم أن عنده خزائن السموات والأرض فكل هذا يدفعك أن تأخذ هذه الآية على محمل الجد (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). ثم يقول (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) الطلاق) فكل هذه ضمانات وتأمينات إن صح التعبير أن الله يؤمن لك تأميناً على الحياة وعلى الرزق وعلى النجاة لكن العجيب من الناس أنهم ينشغلون ويكدحون فيما ضمنه الله لهم! تجد الإنسان يبالغ ويستهلك حياته في طلب الرزق ويفرط في الفرائض ويفرط في السنن ويفرط فيما أُمر به من عبادة الله، نحن لا نقول انقطع في المسجد للعبادة واترك طلب الرزق، لا، لكن على الأقل توازن فأعط العبادة حقها والانقطاع لها وأعط الرزق حقه فلا تبالغ في الانقطاع للرزق على حساب دينك ولا تنقطع عن الدنيا بسبب الانقطاع للدين فتصبح عالة على الناس لكن بالرغم من ذلك لا يأتيك مهما كدحت ومهما تعبت إلا ما قدّره الله لك، ما اتقى الله فيه بارك الله له فيه. أن الشاهد التوازن في حياة المسلم هذه الآيات تأمر به وتدل عليه ولكن من هو الذي يوفق له إلا القليل.
      مذكر قصة هذه الآية: يقول الحاكم النيسابوري أخرج الحاكم في مستدركه عن جابر أن هذه الآية (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) نزلت في رجل من أشجع كان فقيراً خفيف ذات اليد كثير العيال، فأتى رسول الله فسأله، - ورسول الله ما كان دائماً عنده شيء يعطيه فقد كان يعيش عيشة المساكين في بيته عليه الصلاة والسلام النبي لم يكن في يوم من الأيام أنه كان يملك أكثر من قوت يومه ويخطئ من يظن أن الآية التي في سورة الضحى تدل على ذلك (ووجدك عائلاً فأغنى) فيظن البعض أن المقصود بـ(أغنى) هنا أنه جعله غنياً كالأغنياء المترفين، الغنى المقصود في الآية هو الكفاف ولذلك ابن كثير في تفسيره أراد أن يبعد هذا الظن وهذا الوهم من نفوس من يقرأ التفسير فيظن أن معنى (ووجدك عائلاً فأغنى) أي مترفاً ذا غنى وذا مال وذا ثروة فأورد قول النبي "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس" ليدل على أن الغنى المقصود في الآية ليس كثرة المال – فالنبي لما جاءه هذا الرجل ما عنده شيئ يعطيه فقال له: اتق الله واصبر- فأمره بالتقوى علاجاً للفقر والحاجة التي هو فيها- فلم يلبث إلا يسيراً حتى جاء ابن له بغنم وكان العدو أصابوه فأتى رسول الله فأخبره خبرها فقال: كُلْها، فنزلت هذه الآية. بمعنى هذا الرجل كثير العيال وقليل المال وأسر العدو ابنه فوجد ابنه هذا غِرّة من العدو فهرب وكانوا مشركين وهو مسلم فهرب منهم وأخذ غنمهم فجاء بها إلى والده ووالده محتاج فجاء رسول الله فقال له ابني حصل له كذا وكذا فقال له رسول الله كُلها، غنيمة، ففتح الله عليه ووسع عليه بما لزمه من التقوى ولما استجاب من أمر النبي الله .
      نحن نقول آيات القرآن الكريم ليس بالضرورة أن تكون كل آية لها سبب نزول خاص، سواء كانت هذه القصة سبب نزول مباشر لهذه الآية أو كانت مما يدخل في معنى الآية أن من لزم التقوى سيجعل الله له من كل هم فرجاً وسيجعل له من كل ضيق مخرجاً هذه لا نشك فيها ولا نتردد فيها لأن القائل هو مالك الملك لن يذكر المفسرون هذه القصة كسبب لنزول هذه الآية. وآيات القرآن الكريم من حيث النزول ومن حيث أسباب النزول يمكن أن نقسمها قسمين: آيات نزلت ابتداء دون أن يكون لها قصة أو سبب نزول مباشر نزلت من أجله وهذه معظم آيات القرآن الكريم ولو شئنا لقلنا أن هذه الآيات نزلت لهداية الناس، يمكن أن تقول أن أي آية نزلت هي لهداية الناس لأن الله قال في أول سورة البقرة بل في سورة الفاتحة (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)) فسورة الفاتحة أشبه ما تكون بخطاب استدعاء في أول القرآن الكريم كتبها المؤمنون طلباً من ربهم الهداية (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) وحددوه قالوا (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فالله في الصفحة الثانية أبشروا (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)) ولذلك القرآن الكريم لو تلمست أي آية أو أي مفردة من مفرداته لوجدت الهداية حتى في قصص الأنبياء تجد الهداية والعبرة حتى في الآيات التي معنا (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)) هداية أيضاً، هذا سبب عام يصلح أن يكون سبباً لنزول كل آيات القرآن الكريم لكن هناك آيات لها أسباب نزول مباشرة وأسباب النزول المباشرة لها فائدة في قبول هذا الحكم قبول هذا التوجيه مثلاً على سبيل المثال عندما وقعت قصة الإفك لعائشة والنبي ابتلي بهذه القصة ابتلاء شديداً اتهم في عرضه عليه الصلاة والسلام وجلس شهراً ينتظر الوحي والناس يلوكون عرض النبي ويتهمون عائشة والنبي يقول يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي أو نحو ذلك. تخيل هذا الموقف، موقف صعب وعصيب ولكن بعد شهر نزل قول الله (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) النور) كيف كان وقع الآيات على النبي وعلى الصحابة؟ وقعها عظيم، الله أنزل وحياً يبرّئ فيه عائشة ويطهّر عرض النبي ويفضح المنافقين كيف لو كانت هذه الآيات نزلت ابتداء دون أن يكون لها هذه القصة؟ ولذلك القصة عندما ينزل الوحي (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا (1) المجادلة) جاءت مسكينة ومهمومة فنزل الوحي وهذه قد ذكرناها في إحدى الحلقات. فالشاهد أن آيات القرآن من حيث أسباب النزول تنقسم إلى قسمين: قسم نزل ابتداء لهداية الناس وهذه معظم آيات القرآن وقسم ما كان لقصص خاصة وهذه أكثرنا منها من برنامج قصة آية وذكرنا لكل آية قصتها التي وقعت وكانت سبباً في قبولها وهذه الآية فيها من الفوائد أن كل من لزم التقوى فالله ضمن له ما ضمنه في هذه الآية أن يخرجه من كل ضيق وأن يرزقه من حيث لا يحتسب وهذه هي التي يطلبها الناس، ماذا يريد الناس أكثر من أن الله يفرج عنهم الكربات ويوسع له في الرزق حتى لا يحتاج للناس والله ضمنها له مع التقوى وقصص كثيرة لو أردنا أن نفصلها قصص كثيرة في كتب التفسير والسيرة كيف أن من لزم التقوى فتح الله عليه من حيث لا يحتسب في الرزق والمال والقصص في القرآن كثيرة كيف أن الله بارك لمن شكر وانتقم ممن كفر وأعرض ونجّى أتباع الأنبياء وأهلك أعداءهم في قصص كثيرة من نوح إلى محمد قصص كثيرة تكررت كثيراً وكلها تؤكد هذه القناعة أنه من لزم التقوى وصبر واستقام على أمر الله وانقاد لأمر الله لأن بعض الناس يتردد في قبول أمر الله يسمع الآية تتلى عليه فيتردد ويشاور كأنه عرض عليه هذا الأمر من بشر ولذلك قال الله (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا (36) الأحزاب) المسألة هذه يجب أن تكون محسومة عند كل مؤمن أن يقدّم أمر الله وتقوى الله على كل أمر ويراعي تقوى الله في كل التفاصيل في حياته ويُبشر بما ضمنه الله له ولذلك روى أحمد والنسائي أن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البرّ. وأيضاً ليس المقصود بالتقوى والتوكل على الله التواكل والانقطاع عن الدنيا والانقطاع للعبادة وإنما المقصود منها العمل الدؤوب والتوكل على علّام الغيوب، تعمل وتجتهد ولكنك تتوكل على الله وترضى بقضاء الله وتسلم بأمر الله وتتوازن ولذا أنا أنصح بقرآءة التوكل على الله وحقيقته وأنه ليس المقصود به التواكل والانقطاع عن العمل أسأل الله أن يرزقنا فهم كتابه على الوجه الذي يرضيه عنا.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      بدأت قناة الرسالة الفضائية بإعادة بث حلقات برنامج قصة آية واليوم كانت أولى الحلقات ومواعيد البث بحسب القناة هي:
      الساعة العاشرة ليلاً (بث أول)
      الساعة الرابعة فجراً (إعادة أولى)
      الساعة الثانية عشر ظهراً (إعادة ثانية)
      المواعيد بتوقيت مكة المكرمة
      وإن شاء الله تعالى نتمكن من متابعة تفريغ الحلقات لأن قناة الرسالة توقفت عند تفريغ الحلقة الثالثة فقط.
      متابعة طيبة نافعة للجميع

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      للأسف قناة الرسالة توقفت عند تفريغ الحلقة الثالثة ولا أعلم السبب لذا من أراد المشاركة في استكمال تفريغ الحلقات أرجو التواصل معي لترتيب ذلك وتقسيم الحلقات بيننا ليتم تفريغها وتوثيقها جزاكم الله خيراً.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      هذا تفريغ الحلقة الخامسة

      الحلقة الخامسة
      المصائب من عند أنفسنا
      (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) آل عمران)
      نتحدث عن آية من الآيات التي نزلت على النبي بعد معركة أُحُد، هذه المعركة التي وقع فيها على جيش المسلمين والنبي معهم فيهم بعض الجراحات وبعض الانكسارات وهذه الآية التي معنا سوف تتحدث عن هذه المسألة.
      تأمل هذه الآية عندما نزلت على النبي في أعقاب معركة أحد وهذه المعركة هي المعركة الثانية في الإسلام وكان النبي في معركة بدر قد نصره الله وانتصر وأصيبت قريش بخيبة أمل وانكسار ولذلك أرادت بمعركة أُحد أن تُرجع هيبتها في الجزيرة العربية وأن تُقنع العرب بأن قريش ما زالت قادرة على بسط هيمنتها في الجزيرة. فالنبي مع الصحابة عندما شهدوا هذه المعركة والنبي وزّع أقسام الجيش وترك الميمنة والميسرة ووضع كلٌ في موضعه وكان ممن وضعهم عدد من الصحابة فوق جبل الرماة والقصة معروفة ومشهورة وكيف أن هؤلاء عندما رأوا بشائر النصر ورأوا الغنائم والنبي قال لهم لا تبرحوا هذا المكان ولو تخطفتنا الطير. ولكن سبحان الله العظيم لأمر الله رأوا أن النبي كان يقصد في حالة الحاجة أو إذا كان هناك ميل للكفة للمشركين ولا بد من الوقوف في هذا المكان لكن رأوا أن المسألة حُسِمت، سبحان الله العظيم. أحياناً قد يتهاون الإنسان في أمر الله أو يرتكب شيئاً ويرى أنها مخالفة يسيرة ويترتب عليها إنكسار كبير جداً. والنبي موجود وكبار الصحابة موجودون وقع هذا الذنب والمخالفة والرسول وكبار الصحابة وأهل بدر كلهم موجودين. فتركوا أماكنهم وذهبوا ليجمعوا الغنائم. خالد بن الوليد كان في ذلك الوقت مع جيش المشركين وخالد ذكي ولهم يهزم في جاهلية ولا في اسلام فلما رأى المسألة رأى من المناسب جداً الالتفاف عليهم والصعود على جبل الرماة وينكشف ظهر الجيش المسلم وهذا الذي حدث. فقام خالد وكان على جزء كبير من جيش المشركين والتف وجاءت المقتلة وجاءت الجراحات وأصيب النبي بجراحات عظيمة كسرت رباعيته وقتل من الصحابة سبعون صحابياً منهم حمزة بن عبد المطلب تأثر النبي بموت عمه حمزة تأثراً شديداً وكان يعتبره ذراعه اليمين وكان يتقي به هؤلاء. لو نظرت إلى المخالفة التي وقعت من هؤلاء في نظرهم بسيطة يعني الغنائم انكشفت وهؤلاء انهزموا ولكن سبحان الله كانت عاقبتها شديدة جداً. الحسن البصري يقول: لا تنظر لحجم المعصية ولكن انظر لعظمة من عصيت. وفعلاً الله ما دام أمرك ونهاك فانظر إلى الآمر والناهي ولا تنظر إلى الأمر، لا تقول هذه بسيطة، ليس هناك حاجة بسيطة. فالله يقول على لسان الصحابة (أَنَّى هَـذَا) من أين جاءتنا الهزيمة؟ من أين جاءنا الانكسار؟ والنبي معنا؟ ولذلك الله بمثل هذه الحوادث مع شدتها على النبي وهو أحب الناس إليه وأحب الخلق إليه ما زال أثرها إلى اليوم وسنبقى نكرره لأنه ليس حادثة عابرة يعني قاعدة.
      كاد النبي يُقتل في هذه المعركة. ابن قمئة الذي قال لا نجوت إن نجا محمد فدعا النبي فتردّى من الجبل. الشاهد أن الله تعالى سماها معصية (وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ (152) آل عمران)
      نعود لأول الآية (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ) سماها الله مصيبة (قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا) أنتم الآن قتل منكم سبعون أنتم قتلتم ضعف هذا العدد وأصبتم مثله والله قد أراكم ما تحبون من بشائر النصر والغنائم. لو تتأمل في سيرة النبي وفي أسباب نزول هذه القصص ونحن في برنامج قصة آية لوجدت أن هذه القصص ليست هي قصص للتاريخ وإنما هي نبراس ينبغي لنا أن نهتدي به. ولذلك عندما يقول الله (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا) وهذا في الحقيقة لسان حالنا جميعاً أو لسان حال أكثرنا حتى لا نُعمم، عندما يقع مصيبة يتسخط على القضاء والقدر ويقول من اين أتتنا هذه الأمراض؟! من أين جاءتنا هذه الحوادث؟! فيقول الله (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)
      فاطمة بنت النبي وأرضاها أنها كانت لما تصاب بالصداع كانت تعصب رأسها وتقول: بذنبي ويعفو عن كثير. وهذا من فقههم وفهمهم للقرآن. لو يتتبع أحد المتتبعين القصص عن الصحابة كيف يفهمون القرآن وكيف فهمت وهي بنت النبي وفيها منه من ذكائه وفهمه عليه الصلاة والسلام قالت: بذنبي ويعفو عن كثير. لكن كثير منا يلجأ ويقول من أين جاءتني المصائب؟!
      فالل تعالى يقول (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) وفي الحقيقة هذا نبراس لنا جميعاً أن الواحد يلوم نفسه أول ما يلوم ولو تأمل الواحد منا في حقوق الله عليه لوجد أن هناك خلل كبير جداً جداً في طاعة الله وفي الاستجابة لأمر الله وفي الوقوف عند حدوده وفي الانقياد لأوامره وهؤلاء الصحابة خالفوا مخالفة يسيرة ترتب عليها هذا الخطر العظيم فالله جعلها درساً وقال تعالوا الإنكسار الي حدث هو من عند أنفسكم بمخالفة أوامر النبي وفي هذه الآية من الفوائد مكانة النبي العظيمة والله جعل مقامه مقام نفسه في الأمر وفي النهي فمخالفة أمر النبي مخالفة لأمر الله (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (31) آل عمران) (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ (80) النساء) وهذه الآيات واضحة جداً نقول لمن يحب النبي أن كمال محبة النبي في اتّباعه وأنه يظهر مقدار حبك الحقيقي للنبي بقدر اتباعك لسنته واستجابتك لأوامره ولذلك من ياتي الآن في ذكرى مولد النبي يقيم الحفلات ويقيم الاحتفالات بذكرى الني ويذكرون سيرة النبي ومفاخر النبي من السنة إلى السنة لكن عندما تأتي إلى هؤلاء إذا بهم في منأى عن تطبيق سنته واتباعه والاستجابة لأوامره. نقول المحبة الحقيقية ليست في مثل هذه الاحتفالات والمظاهر التي تأتي في كل سنة لكن المحبة الحقيقة هي في اتباعه عليه الصلاة والسلام والانقياد لأمره ولذا قال تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) ولاحظ انكسارات الأمة وأثر المعاصي على هزائم الأمة عبر التاريخ تجد أن هذه الآية تتكرر في المواقف كلها. ولذلك عمر وهو من فقهاء الصحابة كان يقول للجيش والله ما أخشى عليكم من كثرة أعدائكم ولا من قلة عددكم ولكني أخشى عليكم من ذنوبكم. سبحان الله ما أفقهه. نحن لما نذكر هذا الآن بعض الناس يظن أنه من الدروشة وأن الإعداد والاستعداد بالأسلحة والذخيرة وكل ما يتعلق بها هو العامل الحقيقي للنصر، لا والله. ولذلك الله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) محمد) ويثبت أقدامكم الآن يتحدثون عنها بالعسكرية يسمونها الروح المعنوية مهما كان عندك من أسلحة إذا ما كان عنك روح معنوية قوية لا تأتي النصر.
      في الاية (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (60) الأنفال) ما استطعتم من قوة والأمر كله لله ومن جهة أخرى لم يخض المسلمون معركة في التاريخ كانوا هم أكثر من أعدائهم عدداً وعدّة إن وجدت في التاريخ فهي نوادر إنما الأصل المضطرد أن الأعداء دائماً أكثر منا لكن تحققت انتصارات تحققت في بدر وفي الخندق وفي حنين وفي فتح مكة وفي اليرموك في القادسية في حطين ولكن الله عندما كلفنا بما نستطيع لكن المفاتيح كلها بيده ولذلك قال (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ (10) الأنفال) مهما بذلت هل تظن أنك تضمن النصر؟ لا. ولذلك لما جاء المسلمون في حنين وكانوا اثنا عشر ألفاً تقريباً قال أحدهملن نُهزَم اليوم قال الله (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) التوبة) وفيهم النبي . كل الحوادث التي تقع في عهد النبي أشبه ما تكون بقواعد لنا وإلا لو كان القرآن الكريم شرح كل التفاصيل ما كان يمكن أن يكون في هذا المجلد الصغير لكن كل آية فيه اشبه ما تكون بقاعدة. ولذلك نحن لما نتوقف مع قصة هذه الآية ونذكر أن سبب هذا الانكسار الذي وقع في الجيش وعلى رأسه وكان الملائكة يؤيدون النبي ومن معه كانت بسبب معصية بسيطة ولو حققت مع الصحابة الذين فعلوا ذلك لما وجدت عنهم نية سيئة تأولوا واجتهدوا لكن الله تعالى أراد أن يقول لنا ولهم أن هذه المخالفة للنبي أحدثت هذا الشرخ الكبير قد كادت أن تودي بحياة النبي فكيف بمخالفاتنا لأوامر الله الصريحة؟! وكيف يمكن اننا ننتصر ونحن نرتكب الكبائر ونجعلها مشرّعة قانوناً الربا يشرّع في بلاد الإسلام ولا يجد من يردعه وترتكب الموبقات ثم نستغرب لماذا نُهزم؟! الغريب كيف ننتصر على أعدائنا ونحن نخالف أوامر الله جهاراً نهاراً؟!! ولكن نحن مستبشرون ومتفائلون برجوع الأمة في أنحاء الأرض إلى دين الله . يقول أحد السلف: رب معصية تكون سبباً في دخول الجنة لأنه تورث الانكسار والندم والتوبة والاستغفار ما يجعل الإنسان يرتفع في درجته عند الله وليست نهاية المطاف ورب حسنة كانت سبباً في دخول النار لأنها أورثت الكبر والتعالي والغرور والاعتزاز بالعمل مما جعل صاحبها يترك العمل أو يضل. ونحن نقول هذه المعاصي وهذه الذنوب لا تحتقرها فربما تكون سبباً في انكسارة عظيمة وفي هزيمة عظيمة وأيضاً لا تجعلها نهاية المطاف لأن الله يقول هنا (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) حتى في خواتيم الآيات أن الله يختم الآيات بخواتيم، المتدبر لكلام الله يجد فيها حكمة متناسبة مع ما تتحدث عنه (إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لما ذكر أن هذه الهزيمة وهذا الانكسار بسبب هذه المعصية الصغيرة وأن الله جعل لنا هذا الدرس الذي ما زلنا نتدارسه حتى اليوم نسأل الله أن يرزقنا الفقه في كتابه وأن يرزقنا التوبة وأن يكفينا شر ذنوبنا وشر سيئاتنا.

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      ثمرات التقوى (2012-08-21)

      الحذر من فتن الشيطان (2012-08-18)

      مدح الايثار واهله (2012-08-16)

      سبحان الذي وسع سمعه الاصوات (2012-08-15)

      خشوع القلوب (2012-08-14)

      خبر الفاسق (2012-08-13)

      البعث والنشور (2012-08-12)

      وجوب طاعة الله والرسول (2012-08-11)

      وفاء المؤمنين (2012-08-09)

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      ألا تحبون أن يغفر الله لكم

      موقع قناة الرسالة الفضائية

      اترك تعليق:


    • سمر الأرناؤوط
      رد
      بين الخوف والرجاء

      http://www.alresalah.net/index.jsp#p...d=5658&pid=414

      اترك تعليق:

    20,173
    الاعــضـــاء
    231,047
    الـمــواضـيــع
    42,397
    الــمــشـــاركـــات
    يعمل...
    X