إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • برنامج (في صحبة القرآن)

    هذا تفريغ بعض حلقات برنامج (في صحبة القرآن) للدكتور محمد علي يوسف قدمه على قناة أمجاد ولكنه متوقف حالياً ولهذا سأرفع لكم كل يوم بمشيئة الله تعالى إحدى الحلقات المفرّغة والتي ما زلت أعمل على استكمالها.
    كل حلقة تتحدث عن سورة من كتاب الله تعالى بدءاً من سورة الفاتحة ووصل الدكتور إلى سورة طه.
    الحلقات قيمة بالفعل أسأل الله تعالى أن يجزي الدكتور عنا خير الجزاء ويبارك في علمه ويعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا.
    لعلنا نتوقف كل يوم مع سورة نتأملها ونستعرض النقاط التي وردت في الحلقة فنجعل بيننا وبين سورة القرآن علاقة نستحق بها أن نكون من أصحاب القرآن الذين وصفهم الرسول في أحاديثه.
    نبدأ على بركة الله
    بسم الله الرحمن الرحيم

    تفريغ حلقات برنامج في صحبة القرآن
    سورة الفاتحة
    السورة التي نقرؤها في اليوم والليلة أعلى معدل قرآءة لسور القرآن الكريم وهي ليست سورة عادية. في الحديث الصحيح عن أبي هريرة (قالَ أتُحِبُّ أن أعلِّمَكَ سورةً لم يُنَزَّلْ في التَّوراةِ ولا في الإنجيلِ ولا في الزَّبورِ ولا في الفُرقانِ مثلُها قالَ نعَم يا رسولَ اللَّهِ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ كيفَ تقرأُ في الصَّلاةِ قالَ فقرأَ أمَّ القرآنِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ والَّذي نفسي بيدِهِ ما أنزِلَتْ في التَّوراةِ ولا في الإنجيلِ ولا في الزَّبورِ ولا في الفرقانِ مثلُها وإنَّها سبعٌ منَ المثاني والقرآنُ العظيمُ الَّذي أُعطيتُهُ) وتلا عليه سورة الفاتحة. سورة ليس لها مثيل لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور وفي رواية صحيحة لما جاء النبي فقال لأحد الصحابة (ألا أعلِّمُك أعظمَ سورةٍ في القرآنِ قبل أن تخرج من المسجدِ) فأخذ بيديَّ، فلما أردْنا أن نخرج، قلتُ : يا رسولَ اللهِ، إنك قلتَ: (لأعلِّمنَّك أعظمَ سورةٍ من القرآن) قال: (الحمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ هي السبعُ المثاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه))
    هل سبق وتعاملت مع سورة الفاتحة بهذه السورة من قبل؟ هذه هي الصحبة التي نريدها، هل شعرت مرة وأنت تقرؤها أنك تتكلم مع ربك ؟ في الحديث القدسي سمى الله سورة الفاتحة صلاة (قسمت الصلاة بيني وبين عبد نصفين) كل الكلام في هذا الحديث عن سورة الفاتحة، لم يتحدث عن الركوع ولا عن السجود، سميت الفاتحة صلاة (قالَ اللهُ تعالى: قسمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عبدي نصفينِ ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قالَ اللهُ تعالى: حمدني عبدي وإذا قالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالَ اللهُ تعالى: أثنى عليَّ عبدي وإذا قالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قالَ: مجَّدني عبدي (وقالَ مرَّةً: فوَّضَ إليَّ عبدي) فإذا قالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قالَ: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدي ما سألَ فإذا قالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قالَ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) في الصلاة أمور أخرى لكن هناك أمور لا بد أن نقف معها أن هذا حوار والله يرد عليك وأنت تقرأ سورة الفاتحة، لذا علينا أن نتعامل مع سورة الفاتحة من هذا المنطلق.
    ما موضوع سورة الفاتحة؟ ما أهم ما ورد فيها؟ ولماذا سورة الفاتحة في كل صلاة في اليوم والليلة 17 مرة ركن من أركان الصلاة؟ ما هو الموضوع العظيم الذي نحتاجه في هذه السورة؟
    الفاتحة فيها ثناء وفيها معاني عظيمة وأهم ما فيها الذي يريدنا الله أن نكرره في اليوم والليلة أكثر من 17 مرة هو كلمة واحدة (اهدنا) أهم ما نحتاجه في حياتنا أن نهتدي (يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته) لن نفهم أبداً معنى (اهدنا) إلا لو عرفت ضدّها (الضلال). (اهدنا الصراط المستقيم) صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ولن نفهم قيمة هذا الدعاء الذي أمرنا الله أن نكرره لخطورة الحاجة إلا عندما تعرف خطورة صراط الدنيا وخطورة صراط الآخرة. خطورة صراط الدنيا النبي رسم خطاً ّ"ضرب الله صراطاً مستقيماً وعلى جانبي ضربَ اللهُ تعالى مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنْبَتَيِّ الصراطِ سُورانِ، فيهما أبوابٌ مفتحةٌ، وعلى الأبوابِ ستورٌ مرخاةٌ، وعلى بابِ الصراطِ داعٍ يقولَ: يا أيَّها الناسُ ! ادْخُلوا الصراطَ جميعًا ولا تَتَعَوَّجُوا، وداعٍ يدعو منْ فوقِ الصراطِ، فإذا أرادَ الإنسانُ أن يفتحَ شيئًا من تلكَ الأبوابِ، قَالَ : وَيْحكَ لَا تَفْتَحْهُ ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ" ثم فسر النبي المثل فقال: "وَالصراطُ الْإِسلامُ، وَالسُّورَانِ حُدودُ اللهِ، وَالأبوابُ الْمُفتحةُ محارمُ اللهِ، وذلكَ الداعي على رَأْسِ الصراطِ كتابُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وَالدَّاعِي من فوقَ الصراطِ وَاعظُ اللهِ فِي قلبِ كلِّ مسلمٍ" الصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب حرمات الله وكل باب تريد أن تفتحه سنادي مناد لا تفتحه إنك إن تفتحه تلِج. هذا صراط الدنيا، قد يكون الإنسان مهتدياً وقريباً من الله ثم يُفتن والعياذ بالله فإذا به يدخل الباب لشهوة، لشبهة، لشيء من أمور الدنيا، أمراض القلوب فينتهي به الأمر "إنك إن تفتحه تلجه" عندما تشعر بهذه الخطورة وتتذكر أن هذا الصراط الخطير في الدنيا وأنت تصلي وتقول في اليوم والليلة 17 مرة (اِهدنا) قُلها بقلبك واعمل علاقة وصيدة بسورة الفاتحة قُل (اِهدنا الصراط المستقيم) صراط الدنيا وصراط الآخرة وهو أخطر وأخطر. صراط الدنيا خطير والنبي رسم خطاً على الأرض ورسم خطوطاً تقطعه وقال آية من أهم الآيات (وأن هذا صراطي مستقيما سبيله).
    وفي الآخرة قال النبي (الصراط محض مزلّة) الصراط أحدّ من السيف، أدق من الشعرة، عليه كلاليب" الصراط الذي تردد في اليوم والليلة 17 مرة (اِهدنا الصراط المستقيم) استشعر بالخوف فالنبي قال (فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم) يقع على وجهه في النار والعياذ بالله نسأل الله السلامة فتقول (اِهدنا الصراط المستقيم).
    (اِهدنا الصراط المستقيم) وليس اهدنا إلى الصراط المستقيم. المبصِر يطلب منك أن تدلّه وتهديه إلى مكان معين لأنه لا يعرف كيف يصل إليه فتدله لكن الذي لا يُبصر يطلب منك أن تأخذه إلى المكان. أنت تقول (اِهدنا الصراط المستقيم) وليس إلى الصراط لأنك لا تعرف أن تذهب وحدك، وأنت تطلب الهداية بصيغة الجمع وليس بالإفراد وبهذا يعلمنا الله أننا لن نصل لوحدنا ولن نذهب لوحدنا لأنك تريد أن يُهدى كل الناس ورغبتي إليك يا رب أن يهتدي الناس جميعاً وليس أنا وحدي (اِهدنا) اهدنا كلنا يا رب.
    (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) عندنا قاعدة تقول "لا يعرف الحق بالرجال" الله عرّفنا الصراط بمن سلكوه لكن ليسوا أيّ أحد وإنما الذين أنعم الله عليهم، لا يعرف الحق برجاله إلا الرجال الذين زكّاهم الله الذين أنعم الله عليهم كما في قوله تعالى في آية أخرى (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا (69) النساء) هؤلاء الذين أنعم الله عليهم وهذا هو الصراط الذي أمرنا الله أن نتّبعه، الصراط الذي سلكه محمد والذي ألقي فيه ابراهيم في النار والذي سُجن فيه يوسف والذي نُشر فيه زكريا والذي ذُبح فيه يحيى والذي كاد أن يُصلب فيه المسيح لولا أن رفعه الله ، هذا الصراط، هؤلاء هم الذين سلكوه وهؤلاء هم الذين سنتبعهم ونمشي خلفهم، امرأة فرعون السيدة الفاضلة التي صبرت على زوجها وسلكت هذا الصرط، السيدة مريم التي عفّت نفسها، هذا هو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. أنت لست لوحدك وإنما لديك سلف، الأنبياء ومن تبعهم بإحسان تمشي خلفهم على الصراط العظيم، (صراط الذين أنعمت عليهم). وبضدّها تتميز الأشياء، أنت تتعلم كل مرة الولاء والبراء في هذه السورة التي تكررها كل يوم فتقول (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) صراط الذين غضب الله عليهم لأنهم علموا ولم يعملوا بما علموا وصراط الذين ضلوا ووجب أن يعلموا وأراهم الله هؤلاء، أنا لا أريد أن أمشي معهم (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
    لكن قبل الدعاء عندنا أدب وهو أن لا نبدأ الدعاء من غير أن تبدأه بالثناء على الله وهذا ما تبدأ به سورة الفاتحة، تبدأ بحمد الله (الحمد لله رب العالمين) والمكافأة فورية، أن تحس بقلبك أن ربك يرد عليك (حمدني عبدي). الحمد الثناء بحبّ على الله
    (رب العالمين) تذكر ربوبية الله وأسماؤه وصفاته وتبدأ بأول صفة التي كتبها الله على عرشه يوم خلق السموات والأرض (إن رحمتي سبقت غضبي) تبدأ بالرحمة (الرحمن الرحيم) فيقول الله (أثنى عليّ عبدي). ثم تقول (مالك يوم الدين) تذكر ملك الله ، الجلال والجمال، بين الرغبة والرهبة، لما تذكر رحمة ربك يرغب قلبك وتتمنى رحمته ومغفرته ثم تذكر جلاله وملكه وعظمة هذا الملكوت وتذكر جنود هذا الملِك وتفتكر سلطان هذا الملك فيرضخ قلبك وتزداد إسلاماً لله فيقول الله (مجّدني عبدي) وفي رواية (فوّض إليّ عبدي) أي فوّض إليّ الأمر فأنا الملك وهو العبد.
    (إياك نعبد وإياك نستعين) يرد ربك (هذه بيني وبين عبدي) هل تستشعر ما معنى أن يقول لك رب العالمين (هذا بيني وبين عبدي)؟ بينك وبين ربك سرٌّ لا يعلمه إلا هو لا يعلمه ملك مقرّب ولا نبي مرسل، هذا هو الإخلاص الذي بينك وبين ربك لا يعلمه إلا هو وربنا هو الذي يشهد بذلك.
    (إياك نعبد) لا نعبد إلا أنت وتوحيد وجهة لله لكنك لن تعرف أن تعبده بمجهودك لأنك أنت ضعيف (وخلق الإنسان ضعيفا) فتطلب الإعانة مباشرة (وإياك نستعين) فلما تقول هذا الكلام وتتخلى عن حولك وقوتك إلى حوله وقوته وأثنيت وحمد ومجّدت وأصبح بينك وبين ربك سرٌ وهو الإخلاص، عندها يمكن أن تطلب، أنت عملت البداية، اطلب (اهدنا الصراط المستقيم) وتأخذ الهدية مباشرة (هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل) ولهذا أول سورة بعد سورة الفاتحة وهي سورة البقرة (ذلك الكتاب فيه هدى) أنت طلبت الهداية فخُذه في القرآن.
    هذه سورة الفاتحة بإجمال وإلا فسورة الفاتحة كتب ابن القيم كتاباً في (منازل إياك نعبد وإياك نستعين) تقف مع معاني الافتقار، مع معاني الفاتحة في كل آية من آياتها. نحن نريد صحبة مع سورة الفاتحة وهذه بداية الصحبة مع سورة من أهم السور وهي سورة الفاتحة.

    رابط الحلقة على اليوتيوب
    http://www.youtube.com/watch?v=GJWEuc35Tcw
    سمر الأرناؤوط
    المشرفة على موقع إسلاميات
    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

  • #2
    عودة قوية للدكتورة سمر الأرناؤوط ، وكالعادة تتحفنا بمتابعاتها ، التي تنتقيها لكم كانتقاء أطايب الثمر ، بانتظار أن تقتطفوها وتفيدوا منها

    تعليق


    • #3
      جزاكم الله خيراً على ثقتكم وتشجيعكم المستمر. أحب أن أنقل كل ما أجده نافعاً ولم يتطرق إليه من قبل وحلقات هذا البرامج جعلتني أقف مع الآيات بشكل مختلف ولله الحمد.
      موعدنا الليلة في صحبة سورة البقرة إن شاء الله تعالى وسأقوم برفع حلقة جديدة كل يوم بعد صلاة المغرب ليتسنى للجميع قرآءتها والاستماع للحلقة بعد التراويح.
      ملاحظة: في بعض الحلقات أضيف بعض التفاصيل أشير إليها في الحلقة ولم تفصّل كجمع الآيات التي تتحدث عن نقطة محددة أو نحوه مما يسهل الافادة من الحلقة أكثر.
      سمر الأرناؤوط
      المشرفة على موقع إسلاميات
      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

      تعليق


      • #4
        في صحبة القرآن
        سورة البقرة
        "القرآن مأدبة الله" علينا أن نُقبل على هذه المائدة ونُقبل على كتاب الله .
        سورة البقرة هي أطول سورة في كتاب الله، ما علاقة أولها بآخرها؟ ما علاقة القصص الموجودة فيها قصة إبراهيم وقصة بني إسرائيل مع الأحكام، الصلاة والصيام والزكاة والحج؟ ما الرابط بينها؟ ما العلاقة بين آيات الربا وأحكام الصيام؟ ما علاقة السورة باسمها؟ ولماذا سميت هذه السورة تحديداً بهذا الاسم؟ ما العلاقة بين مسار السورة وبين معانيها؟ هذه السورة لها فضل مختلف قال النبي أن هذه السورة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان، الناس تكون في حر وعرق وضنك شديد ومن معه سورة البقرة وآل عمران معه غمامة تظلله، والنبي كان يؤمّر على الجيش من معه سورة البقرة لأن فيها كثيراً من الأحكام. وحتى نفهم سورة البقرة علينا أن نعرف المدة الزمنية التي نزلت فيها، سورة البقرة من أوائل السور المدنية التي نزلت بعد الهجرة أي أول ما بدأ يكون للإسلام دولة والدولة تحتاج لدستور وقانون. سورة البقرة هي بداية هذا القانون.
        سورة البقرة هي السورة التي بدأت ملامح الدولة الإسلامية تظهر فيها بعد أن المسلمون في مكة في استضعاف وفي ضنك وفي المدينة أصبح الإسلام له دولة وظهرت هناك أصناف جديدة بدأ يتعرض المسلمون للتعامل معها كتعاملهم مع اليهود الين لم يكونوا في مكة، القرآن المكي كان فيه كلام عن موسى وحديث عن فرعون وقومه لكن في المدينة ظهر نوع آخر من التعامل المباشر مع أهل الكتاب وخصوصاً اليهود. وبدأ وجود صنف مختلف جداً لم يكن موجوداً في السابق وهم المنافقون الذين يدّعون الإسلام وهؤلاء لم يكونوا في مكة لأن المسلمين كانوا في ضعف.
        أقسام سورة البقرة:
        سورة البقرة هي عبارة عن:
        1- مقدمة فيها تقسيم المجتمع الجديد: مؤمنون، كافرون، أهل كتاب وخصوصاً اليهود ومنافقون. هذه الخريطة الديموغرافية للمجتمع المدني الجديد الذي نزلت السورة فيه.
        2- القصص: ذكرت السورة ثلاث قصص رئيسية هي: قصة سيدنا آدم، قصة بني إسرائيل، قصة سيدنا إبراهيم . وهناك أيضاً قصص فرعية.
        3- الأحكام: اشتملت السورة على عدة أحكام: صلاة، صيام، زكاة، حج، جهاد، ربا، أحكام زواج وطلاق ورضاع وأحكام الدَيْن
        4- خاتمة: الابتلاء الأخير في السورة الذي نزل بشأنه آيات ونُسخت وذكر النبي فيه حديثاً.
        هذه تقسيمات سورة البقرة: مقدمة، قصص، أحكام، خاتمة.
        ما العلاقة والرابط بين هذه الأقسام؟ هذا المجتمع لا يقوم كركيزة أساسية في البداية إلا على الإسلام لله، الاستسلام طوعاً أن تستسلم لحكم الله فيضرب الله مثلاً بقصص لأناس تفاوتت ردود أفعالهم أمام هذا المعنى في مسألة الإسلام لله أو مسألة الطاعة اختلفوا.
        · فمنهم من أطاع طاعة مطلقة بلا أدنى ذرة معصية وهي قصة إبراهيم .
        · وقصة تمرد مطلق -وبالذات في سورة البقرة – تمرّد تام، بنو إسرائيل في بعض القصص في القرآن المكي من تبع موسى وخرجوا معه، معصية وطاعة أما في سورة البقرة فقصتهم فيها تمرد شديد (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) هذا شعار بني إسرائيل في هذه السورة، تمرد على أمر الله بشكل مطلق
        · قصة سيدنا آدم أصلها طاعة لكنه عصى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) طه) عمل معصية، زل زلّة وتعامل مع هذه الزلة بشكل معين
        إذن هناك تفاوت في مسألة الأوامر والنواهي التي هي دستور هذا المجمتع وهذه الأمة. وأمثلة لمن تعاملوا مع هذه الأوامر وهذه النواهي: أناس عصوا معصية مطلقة، يقال لهم (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ (58)) فيقولون (حنطة) استهزاء وتمرداً وعدم امتثال لأمر الله وبدل أن يدخلوا سُجداً كما أمرهم الله حتى يغفر لهم خطاياهم لكنهم دخلوا على إستهم (مؤخرتهم) زحفاً بطريقة فيها استهزاء فيها استكانة ونوع من أنواع الامتهان لله ، هذا تمرد كامل. وتحريف لكلام الله (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ (41) المائدة)، (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً (55)) وتعنتهم في قصة البقرة التي سميت السورة بها وهي من أعجب ما يكون، رب العالمين يأمرهم بأمر يسير لمعرفة القاتل (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً (67)) وهذا ليس بالأمر الصعب لأن المطلوب ذبح أيّ بقرة على العموم (ولهذا جاءت بقرة نكرة) وهذا أمر من الله لهم وليس أمر موسى نبيهم مع أن الواجب أن يطاع النبي أيضاً فقد شهدوا معه شق البحر ونجاتهم وإغراق فرعون وجنوده ورأوا رفع الطور فوقهم وتفجير العيون. لكن موسى قال لهم (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) الأمر من الله والإسلام يكون لله والاستسلام يكون له (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) فكان جوابهم (قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) يقولون هذا لنبيهم الذي رأوا معه كل هذه المعجزات لأنهم قوم متمردون على أمر الله فقال لهم موسى (قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) أيعقل أن أستهزئ وأقول إن الله يأمركم؟! لكنه العصيان المطلق! (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿٦٧﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴿٦٨﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿٧٠﴾) كل مرة يزيدوا ويشددوا على أنفسهم فيشدد الله عليهم بعد أن كانت في البداية بقرة مجرد بقرة أيّ بقرة لكنهم لما شددوا شدد الله عليهم وجاء التشديد فبدل أن تكون بقرة عادية صارت بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها، كل هذه الصفات لدرجة أن العلماء ذكروا أن هذه الصفات لم تنطبق إلا على بقرة واحدة فقط ولما جاؤوا ليأخذوها ليذبحوها طلب أصحابها منهم وزنها ذهباً وهي في البداية كانت مجرد بقرة، وموسى في كل مرة يؤكد لهم أنها مجرد بقرة (إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ) هم لم يشددوا لأن المسألة صعبة ولأنهم لم يجدوا بقرة وإنما الحقيقة ذكرها الله (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) هذأ أهم معنى نركز عليه في سورة البقرة.
        (وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (93)) بئس هذا الإيمان، هم يدّعون أنهم مؤمنين، لو أن الإيمان يأمرهم بهذا العصيان فليس هذا إيمان وبئس هذا الإيمان، الإيمان يستلزم إيماناً واستسلاماً وطاعة لله .
        هذه قصة بني إسرائيل باختصار شديد وهي مليئة بالعصيان وشعارهم المرفوع (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وأوضح مثال لذلك في السورة هو مثال البقرة، قصة البقرة.
        سيدنا آدم قال الله تعالى له (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)) الموضوع بسيط. النهي والأمر ابتلاء واختبار من الله كل أمر من أوامر الله اختبار، أمرنا بالصلاة اختبار، نهانا عن النظر الحرام اختبار، فمن نظر رسب في الاختبار ومن لم ينظر نجح، الذي صلّى نجح في اختبار الصلاة والذي صام نجح في اختبار الصيام (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) الملك) الحياة الطويلة كلها اختبار. فسيدنا آدم اختُبر هذا الاختبار (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) سيدنا آدم نبي مكلّف، مباشرة (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وفي سورة الأعراف (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)) رجع بسرعة، هذا نموذج سيدنا آدم.
        النموذج الثالث نموذج سيدنا إبراهيم (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (124)) طاعة مطلقة بدون أي خلل في كل مرة (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ (131)) مباشرة وبدون جدال (قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ليس (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) التي قالها بنو إسرائيل! وليس إبراهيم وحده وإنما وصى بها بنيه (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٢﴾ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٣﴾) إسلام لله ، هذه قصة سيدنا إبراهيم والتي هي مثال للطاعة المطلقة، يترك زوجه وابنه الرضيع في الصحراء وربنا سينجيهم طاعة لله، يبلغ اسماعيل معه السعي فيأمره الله بذبحه فيطيع الأمر، أُمر بالهجرة فهاجر، أُمر بالاختتان وهو ابن ثمانين سنة كما في الحديث فيطيع، مهما كانت صعوبة الأمر إبراهيم أطاع (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37) النجم). (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) قال لا، أنت يا إبراهيم أتممت فتكون إماماً ويكون الأئمة من بعدك الذين أتموا الذين نجحوا في الاختبار.
        هذه هي القصص الثلاث الرئيسية التي ذكرت في السورة ونقارن بينها، السورة تذكر حال أمة وليدة بدأت المقدمة بذكر كل الأصناف، ذكر المؤمنين في بداية السورة وذكر أوصافهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَالصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْيُنْفِقُونَ ﴿٣﴾وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَوَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَوَبِالْآَخِرَةِ هُمْيُوقِنُونَ ﴿٤﴾أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَهُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾) ثم الكافرين (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾) ثم المنافقين وصفاتهم (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿١٤﴾ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٦﴾ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٠﴾) ثم أهل الكتاب، كل هذه الأصناف في المجتمع المدني ثم ذكرت القصص ثم يأتي ابتلاء الأمة، اختبار الأمة الطويل في الجزء الثاني من سورة البقرة وهو كله أحكام. كل حكم من أحكام الشرع، كل حلال وحرام، كل فرض وواجب، كل أمر ونهي من الله اختبار للمسلم هل ستطيعه أم لا؟ الله يأمرك بالصلاة، هل صليت؟ إذا فعلت تكون قد نجحت (فأَتَمّهُنّ) لكن لو لم تطع، لو عصيت ستفشل في الاختبار وستحتاج أن تتوب مباشرة. اختبار طويل في أحكام طويلة ففي السورة أحكام الصيام وأحكام الوصية وأحكام الحج وأحكام الجهاد. الزواج والطلاق ابتلاء لأن بعض الناس تسيء إذا طلّق زوجه فيعضلها ويؤذي امرأته لكي يأخذ منها ما آتاها، كل هذه اختبارات.
        ثم تختم السورة باختبار مهم الذي يخرج فيه المؤمنون بشعار المسلم، شعار الإسلام لله، كبداية دستور تقوم عليه الأمة، شعار الاستسلام لله، شعار (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) الذي هو عكس شعار بني إسرائيل (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا).
        (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ (284)) هل لو أخفيت أمراً يحاسبني به الله؟! جاء الصحابة للنبي كما في حديث أبي هريرة بسند صحيح: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، ثُمَّ قَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةُ وَلا نُطِيقُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا قَرَأَهَا الْقَوْمُ وَذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أثْرِهَا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى قَوْلِهِ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قَالَ: نَعَمْ
        رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا قَالَ : نَعَمْ، رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ قَالَ : نَعَمْ، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ، قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ وفى رواية قال: قد فعلت.
        على المسلم أن يرتبط بهذا الشعار (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) في كل الأحكام التي ذكرت في سورة البقرة من تغيير القبلة وأحكام الصلاة والصيام والحج والجهاد والوصية والربا والدين، هناك للأسف من المسلمين من يقول كما قال بنو إسرائيل (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) ربما لم يقرأوا سورة البقرة وربما قرأوها ولم يفهموا المعنى الذي يجب أن نأخذه من سورة البقرة. ليس في الإسلام (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) عندما يأتي الأمر من الله (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) لأن المسلم استسلم لله ، (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). والصحابة رضوان الله عليهم لما قرأوا قول الله تعالى (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) وذلّت بها ألسنتهم نُسخت الآية السابقة ونزل قول الله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) لن يحاسب الله على ما يفكّر به الإنسان ولا يفعله ولكن يحاسب على الذي اكتسبه الإنسان وفعله. هذا التخفيف نزل ما استحقه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، لما رأى الله منهم الحرص والطاعة والاستسلام (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) فكان الرد (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) يمكن للإنسان أن يُخطئ كما حصل لآدم الذي أخطأ مرة فتاب مباشرة، الله يعلّمنا (لا تؤاخذنا أخطأنا) فقال النبي "قال الله : قد فعلت. فلا تؤاخذ هذه الأمة بالخطأ والنسيان. (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) الأحكام الصعبة التي فرضت على بني إسرائيل بسبب تشديدهم على أنفسهم كما ورد في قصة البقرة، قَالَ تعالى: قد فعلت، (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) قَالَ الله : قد فعلت.
        هذا المعنى مهم جداً أن نشعر به وهو معنى الإستسلام لله ، الإسلام لله طوعاً.
        سورة البقرة مليئة بالمعاني، لنقرأ سورة البقرة بهذه المعاني ونقرأ قصصها ونختار لأنفسنا هل سنكون مثل بني إسرائيل ونجادل في كل أمر وكل نهي أم أننا سنستسلم لله رافعين شعار إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فوراً، المسلمون (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) لا سمعنا وجادلنا ولن نطيع! المسلم شعاره (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ممكن أُخطئ فأتعلم من قصة آدم فأتوب مباشرة (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وأقول كما قال آدم (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) الأعراف) أو أقول سيد الاستغفار كما علمنا النبي (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. الفرق بين بني إسرائيل والمسلم أن الأول تباهى بالخطأ واستمرأ الخطأ وقال (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) لكن المسلم الذي يقوم على الإستسلام لله ويقوم مجتمعه على ذلك يقول (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا). لماذا نختار أن نكون مثل بني إسرائيل الذين تمردوا؟! لم لا نكون مثل سيدنا إبراهيم ونتمّ الأمر ونتمّ القول ونتمّ التكليف الذي كلّفنا به الله .
        هذه نظرة إجمالية عن سورة البقرة: مقدمة عن حال المجتمع الجديد الناشيء ثم ثلاث نماذج ريسية: آدم ، إبراهيم وبنو إسرائيل وتمردهم ثم الاختبار من خلال الأحكام فاختر النموذج الذي ستكون مثله كمسلم وهو نموذج إبراهيم وارفع شعار (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا).
        المعنى العام لسورة البقرة: الإسلام لله
        سورة البقرة زهرة من الزهراوين ركزت على بناء المجتمع الإسلامي على أساس من الإسلام لله وسورة آل عمران تتحدث عن حماية المجتمع الإسلامي من عوامل نقضه ومن عوامل هدمه.




        سورة البقرة
        ‫ط¨ط±ظ†ط§ظ…ط¬ ظپظ‰ طµطط¨ط© ط§ظ„ظ‚ط±ط£ظ† ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ط¨ظ‚ط±ط© ط§ظ„ط¯ظƒطھظˆط± ظ…طظ…ط¯ ط¹ظ„ظ‰ ظٹظˆط³ظپ 06 02 2013‬â€ژ - YouTube
        سمر الأرناؤوط
        المشرفة على موقع إسلاميات
        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

        تعليق


        • #5
          جزاك الله خيراً كثيراً أختى الحبيبة دكتورة سمر
          على هذه الفوائد الطيبة
          وجزى الله الدكتور محمد على يوسف خير الجزاء
          على هذا البرنامج النافع..
          جيهان غالى
          دبلوم دراسات إسلامية
          دبلوم إعداد دعاة

          تعليق


          • #6
            في صحبة القرآن
            سورة آل عمران
            لا يمكن أن تكون علاقتنا بالقرآن علاقة عابرة بل لا بد أن الإنسان المسلم عندما تُذكر أمامه سورة من القرآن يتلو آيات منها يكون على معرفة وثقية بها.
            الزهرة الثانية من الزهراوين كما صح عن النبي أنه سمّى البقرة وآل عمران بالزهراوين اللتين تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان تذودان عن صاحبهما وفي رواية تضلان صاحبهما. وصاحب القرآن هو الذي يعرفه ويفهمه ويقترب منه وليس الذي يحفظه فقط، كم من أناس يحفظون القرآن ويتلون آياته بمهارة شديدة جديدة ومع هذا هو من المنافقين كما قال أكثر قُرّاء أمتي من المنافقين، قُرّاء هنا ليس معناه الذي يفهم ويعي وإنما يحفظ القرآن كمهنة، أداء واجب. علاقتنا بالقرآن يجب أن تكون مختلفة.
            مع سورة آل عمران وهي الزهرة الثانية مع سورة البقرة ومهي متلازمة معها وكان يؤمّر على الجيش من لديه هاتين السورتين وكان لهما فضل مترابط بهما ببعضهما البعض. سورة البقرة هي أساس بناء الأمة، بداية الدولة الإسلامية ونزلت سورة البقرة بع بداية الهجرة النبوية في بداية العهد المدني وأصبح هناك لأول مرة للإسلام دولة. هذه الدولة ركائزها تقوم على الإسلام لله والتسليم المطلق لشرع الله وذكرت السورة أمثلة لمن لم يمتثلوا لهذا وممن امتثلوا وسورة البقرة تغرس في المسلم وترسّخ فيه هذا المعنى أن يمتثل ويستسلم لشرع الله .
            بعد أن تقوم الأمة على هذا المبدأ وعلى هذه الشريعة وأحكام كثيرة جداً ذكرت في سورة البقرة، أحكام الصيام والصلاة والحج والجهاد وأحكام الزواج والطلاق وأحكام متنوعة من شتى أحكام الشريعة من الفروض والواجبات والأوامر والمنهيات.
            بعد أن قام المجتمع على هذه الدعوة وبعد أن ترسّخ هذا الدستور للأمة لا بد أن يكون هناك عقبات، هذه العقبات ذكرت في سورة آل عمران وفي سورة النساء مع فارق بينهما لا بد أن تأتي حماية لهذا القانون، لا بد أن يكون هناك ما يحميه لأن أيّ كمال لا بد له ممن يحاول انقاصه ويحاول التشكيك فيه ويحاول أن يهدم هذا البنيان. سورة آل عمران ترسّخ فينا كيف نحمي هذا البناء من الأعداء الخارجيين. هناك نوعان من الأعداء: أعداء من دواخلنا نحن وأعداء من خارجنا وكل نوع يحاربنا بطريقة مختلفة ويحاول هدم هذا البناء بطريقة مختلفة عن الآخر. سورة آل عمران تختص بالهجوم الخارجي أو وسائل الهدم الخارجية وهاتان الوسيلتان تدوران حول الحرب العقدية أو حرب الشبهات والحرب المادية التي تكون بالسيف أو أي وسيلة من وسائل القتال. إذن هناك نوعان من أنواع الحرب يحاول أعداء الأمة بكل نوع من هذه الأنواع أن يهدموا الأمة من خلاله. فسورة آل عمران تعلمنا كيف نواجه كل نوع من هذه الحروب: حرب العقيدة، حرب الشبهات، الحرب التي تشكك المؤمن وتفتنه عن دينه والحرب التي تكون عن طريق القتال وذكرت السورة غزوتين غزوة بدر وغزوة أُحد.
            سورة آل عمران الجزء الأكبر فيها مختص بالحرب العقدية في ما يقارب ثلثي السورة يتكلم عن مناظرات وشبهات أهل الكتاب والرد عليها. وكانت لها مناسبة نزول في مناظرة النبي مع نصارى نجران التي تطورت إلى مباهلة (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)) دعاهم النبي لهذه المباهلة لكي يفصل الله بينه وبينهم بعد أن جادلهم بالتي هي أحسن وانتهى الأمر بمعاهدة وأصبحوا في ذمة رسول الله .
            لما نتأمل سورة آل عمران بنظرة عامة نجد أن ثلثي آيات السورة في مسألة الحرب العقدية والكلام عنها وعن الفتنة وعن الشبهات في قول الله (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7)) وثلث السورة الآخر عن الحرب القتالية حرب السيف والقتال وغزوة بدر وغزوة أُحد.
            ونسأل لماذا الجزء الأكبر من آيات السورة عن حرب الشبهات والفتن؟
            لما نتأمل السورة نجد أن ضحابا حرب الشبهات يتحولوا إلى مشككين في دينهم أو يهتز اعتقادهم أو قد يزيغوا ويصلوا إلى درجة الكفر بالله والعياذ بالله! (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ) يزيغ عن شرع الله وعن الاعتقاد السليم، فهذا ضحية يزيغ عن الدين أو يهتز الدين في داخله، أما ضحية حرب السيف أو القتال لما يبدأ أعداء الله يعتدون ويقاتلون المؤمنين يكون ضحايا هذه الحرب شهداء عند الله يرتقوا في أعلى الدرجات وأعلى المنازل (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٧٠﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٧١﴾) لأنهم نازلوا منزلة الشهداء. فالحرب العقدية أخطر مع أن القتال أكثر إيلاماً (وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) النساء) ترجون بعد الألم ما لا يرجوه. أما ضحية حرب الشبهات فهو يتحول إما إلى إنسان شاكٍّ في عقيدته أو غير مهتم رغم أن شكله مسلم أو يقول عن نفسه مسلم لكنه في الحقيقة مهلهل العقيدة من الداخل مهلهل الفهم والسلوك فيتحول إلى نسخة غير حقيقية بعيد كل البعد عن الإسلام إن لم يرتدّ ويترك الدين بالكليّة بسبب شبهة! قد يسمع البعض شبهة من الشبهات فيتحول ويرتد عن دين الله ولهذا كان الترسيخ الأهم والأخطر في هذه السورة لمسألة الحرب العقدية، مسألة المناظرة، مسألة الشبهات ثم يأتي الثلث الأخير من السورة في مسألة القتال والشهادة وتأتي مناسبة مع غزوة قد يظن البعض أنها هزيمة فيقولوا (هزيمة أُحد) ولكنها ليست هزيمة، هي مصيبة لأنه جاء بعدها غزوة حمراء الأسد حيث فرّ المشركون من أمام النبي وجيشه. لكن الفوائد المستفادة من غزوة أُحد هي فضل وفوز كبير جداً لأن أحصاب النبي والأمة من بعدهم تعلموا كيف ينتصرون وكيف يتحول النصر الذي كان في أول غزوة أُحد (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ (152)) لم يكن نصراً عادياً بل كانوا يحسون رقاب المشركين لكن الذي حصل (حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) إلى آخر أحداث غزوة أُحد.
            إذن سورة آل عمران تنقسم إلى قسمين
            القسم الأول: ثلثي السورة تتحدث عن حرب العقيدة والمناظرات والشبهات وكيفية الرد على هذه الشبهات والمناظرات وآداب المناظرات وآداب الحوار مع غير المسلمين والتعامل مع أهل الكتاب
            القسم الثاني: الحرب المادية، القتال تبدأ من (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)) إلى آخر السورة. وقد حصلت إشارة إلى هذا في بداية الأمر (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ (13)) يبدأ التفصيل في مشهد طويل.
            في السورة مشهد طويل في كيفية المناظرة في الرد على نصارى نجران. نلاحظ أيضاً كيفية حماية العقيدة الإسلامية وكيفية الرد على الشبهات بوسائل كثيرة جداً. بعض الناس يظن عندما يتناقش مع أهل الكتاب أو أهل الشبهات ومن يشككون، بعض هؤلاء يكون هدفه التعلّم ولهذا أمرنا الله بمجادلتهم بالتي هي أحسن، نتعلم في السورة كيفية الجدال بالتي هي أحسن، كيفية الجدال العقلي. عندما تناقش أحداً لا يؤمن بدينك وتقول له أن الله يأمر بكذا وأن رسوله قال كذا وهو غير مؤمن بهذا أصلاً! سنجد في آيات السورة أمثلة للحوار العقلي (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)) هذا جدل عقلي لمن يعتقد بألوهية عيسى: كيف يقول على المسيح أنه إله أو ابن إله ولم يقل هذا على آدم وهو في حق آدم أولى لأن آدم ليس له أب ولا أم وخلقه الله بيديه (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ (75) ص) آدم مخلوق بيدي الرحمن ومع هذا لم يقل عنه أحد أنه إله، بينما المسيح لأنه وُلد من غير أب تقولون عليه ابن الله ، هذا جدال بالعقل نتعلمه من آيات السورة، حجة وإقناع، هذا أدب من آداب التناظر مع أهل الكتاب.
            وقبل التناظر تعلمنا السورة لا كما يقال في مبدأ النقاشات أنه يجب أن تدخل النقاش من باب الشك، ضع عقيدتك جانباً وابدأ الكلام! السورة تعلمنا أنه عند الدخول في مناظرة مع أهل الشك لا بد أن تدخل وأنت رافعٌ الرأس معتقد ومجاهر بعقيدتك في هذه المناظرة (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (19)) ابدأ المناظرة ورد الشبهة وأنت معتز بدينك، تعلم العزّة في الإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ). (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)) وسيلة المناظرات ليست وسيلة لأن أترك أنا ديني ويدخل الطرف الآخر فيه! وسيلة المناظرات ومناظرة أهل الكتاب والرد على الشبهات باب من أبواب الدعوة إلى الله وهذا يشعرنا بالحرص على هداية الناس التي لم تعد تمثل لكثير من المسلمين شيئاً! فيقولون هم أحرار!! لا، نحن مكلّفون والله ابتعث هذه الأمة لتهدي الأمم كما قال ربعي ابن عامر "نحن قوم ابتعثنا الله لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. هذه الأمة لها وظيفة ولذلك قال النبي "إنما بُعثتم ميسّرين" كثير لا ينتبه لكلمة (بعثتم) هذه أمة مبتعثة جعلها الله أمة وسطاً لتهدي الناس وتأخذ بأيديهم.
            كذلك نتعلم في هذه السورة من آداب الجدال ورد الشبهات أن نذكر الحق بدل التشكيك في العقيدة المقابلة كما يفعل كثيرون. هي وسيلة يمكن أن تفضح بها التحريف في صحف أهل الكتاب لكن قبل أن تفعل هذا اذكُر ما لديك من حقيقة ناصعة جلية نقية (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٣٣﴾ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٥﴾) تذكر السورة القصة من أولها من أول ما كانت مريم أم المسيح في بطن أمها. تبدأ بذكر الحق كما حصل عندما هاجر المسلمون إلى الحبشة وذهبوا إلى ملك الحبشة ذكروا له الحق الذي بين أيديهم ولم يتحدثوا في عقيدة الملك. ابدأ بذكر ما عندك من الحق وما عندك من العقيدة الناصعة النقية واعرض فالفطرة الإنسانية تميل للحق.
            من وسائل الجدال إظهار اليقين كما في آية المباهلة (فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أظهر اليقين وعدم الشك في ديني .
            ومن الوسائل في السورة الدعوة إلى الاتفاق على الثوابت، ثوابتي أولاً (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)) هذه ثوابت نبدأ بها في الحوار.
            ومن الوسائل: الإنصات وإعطاء كل ذي حقه (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75))
            يختم القسم الأول من السورة، جزء الشبهات والرد عليها بالأمر بألا نطيع من يريد التشكيك بديننا من أهل الكتاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (149)) هذه ثوابتنا لا بد أن نتعلمها حين نحاور وحين نرد على الشبهات.
            القسم الثاني من السورة الخاص بالحرب المادية، حرب السيف والقتال وهي خاصة بغزوة أُحد. ونلاحظ في بداية آيات هذا الجزء ذكر لغزوة بدر وهي غزوة انتصار وغنائم وبداية الانتصارات (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)) (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)) الكلام عن نصر بدر ثم يأتي مباشرة كلام عن المعصية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٣٠﴾ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿١٣١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٣٢﴾ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿١٣٦﴾). ترتيب الآيات: الكلام عن غزوة بدر ثم الكلام عن ربا وعدم طاعة وفواحش وظلم نفس ثم الكلام عن غزوة أُحد (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140))
            نصر عظيم وغنائم وأنفال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1) الأنفال) فلما حصل معصية وعدم طاعة – وهنا إشارة واضحة أن لما تأتي مسألة الفواحش وظلم النفس يتحول النصر إلى مصيبة (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ (165)) لا بد أن ندرك أن النصر من عند الله لمن يستحق النصر إذا ما مرت الأمة بمرحلة لم تعد تستحق النصر لأنها أسرفت على أنفسها وعصت أمر نبيها وخرجت عن أمر ربها فإنها بذلك قد يتحول أعظم الانتصارات إلى هزيمة، قد يتحول أعظم الأمجاد إلى خزي ومقتلة كما قتل في غزوة أُحد أكابر الصحابة حمزة ومصعب بن عمير وغيرهم. في غزوة أُحد نفسها كانت قد بدأت بالنصر (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ (152)) حصل تنازع حين أمّر النبي على رأس الرماة الخمسين عبد الله بن جبير وقال لهم إذا رأيتم الطير تحطّفنا لا يتركنّ أحد مكانه. فلما رأوا الغنائم وتركوا مكانهم لفّ خالد بن الوليد من خلف جبل الرماة وحصلت المقتلة وتحول الوعد الذي صدقهم الله إياه وهذه الأمجاد العظيمة تحولت إلى مصيبة عظيمة جداً لما عصوا أمر النبي .
            الثلث الأخير بدايته (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١﴾) فيها ىية مهمة هي مفتاح هذا الجزء من السورة وهي قول الله (هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138)) هناك نوعان من الناس فرّق الله بينهما في هذه الآية: الناس عامة والمتقين خاصة، بيان للناس عموم الناس، بعد أي مصيبة يحتاج الناس أن يفهموا، الناس ليس عندهم علم ولا فهم للشرع وليس عندهم فهم لسنن الله في أفعاله وقد يهتزّ لذا يجب أن يفهم ولهذا يقول الله (هذا بيان للناس) ووردت في آيات هذا الجزء آيات فيها بيان للناس (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141)) (مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (179)) نفهم الحكمة وهذا مهم للناس عامة أن يفهموا. أما المتقون القريبون من الله تعالى يكون عندهم إحساس آخر وهمّ وجرح شديد لأنهم يحملون همّ الأمة وهذا يحتاج إلى موعظة، فاحتاجوا آيات فيها نوع من المواساة والحنان على هؤلاء وتأتي آيات كثيرة منها (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٧٠﴾) وتأتي توجيهات لهم لأنهم على الرغم من حزنهم على ما أصابهم إلا أنهم حريصون على أن ينصروا دين الله ولطلك فهم بحاة إلى هدى فيقول الله (هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ) أخذوا الموعظة والهدى (وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (143)) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ (144) (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)) توجيه أن تكون من الربيين الذين استجابوا فعندما تحصل الإستجابة كما في سورة البقرة يأتي البلاء فتأتي الإستجابة فيأتي الإكرام والتفريج من الله وفي هذه السورة أيضاً بعد أن قال أبو سفيان لنا العزّى ولا عزّى لكم أمر الله نبيه أن يلحق بالمشركين أن يقاتلهم في مكان عسكروا فيه وهو حمراء الأسد عسكروا فيه ليجمعوا للنبي ويقاتلوا المؤمنين وأمر الله نبيه ألا يخرج معه إلا من خرج معه في أُحد وهم أنفسهم الذين أصابهم القرح استجابوا فأنزل الله هذه الآيات (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿١٧٤﴾) تحولت الهزيمة والمصيبة إلى نصر عظيم. وتستمر الآيات على هذا النسق إما بيان وإما هدى وإما موعظة للمتقين.
            وتختم السورة بتوجيه عظيم جداً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)) تقوى الله وترك الفواحش والمعاصي ومعصية النبي ومعصية الله فمن فعل هذا تتحول المصيبة إلى نصر عظيم إن شاء الله.


            سورة آل عمران
            ‫ظپظٹ طµط­ط¨ط© ط§ظ„ظ‚ط±ط¢ظ† ظ…ط¹ ط§ظ„ط¯ظƒطھظˆط± ظ…ط­ظ…ط¯ ط¹ظ„ظٹ ظٹظˆط³ظپ ط­ظ„ظ‚ط© "ط¢ظ„ ط¹ظ…ط±ط§ظ†"‬â€ژ - YouTube
            سمر الأرناؤوط
            المشرفة على موقع إسلاميات
            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

            تعليق


            • #7
              في صحبة القرآن
              سورة النساء
              كثير من الناس يتعامل مع سورة النساء تعاملاً خاطئاً فهم يحملون همّها لأنها سورة طويلة ومليئة بالأحكام الفقهية والمواريث ويعتقدون أنها سورة لن تغير سلوكياتهم أو أخلاقهم والبعض يعتقد أنها تتحدث عن النساء فقط كما يوحي اسمها ولكن من إجلال الله وتقديره للنساء سميت سورة كاملة باسم النساء وسميت سورة باسم مريم.
              سورة النساء ليست مجرد سورة أحكام وإنما هي سورة لها معنى أخلاقي خطير جداً ومعنى قلبي فالنبي لما طلب من عبد الله بن مسعود وأرضاه أن يقرأ عليه شيئاً من القرآن فقال: أقرأه عليك وعليك أُنزل يا رسول الله؟ قال النبي اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عبد الله بن مسعود سورة النساء حتى بلغ موضعاً قال له النبي حسبُك فنظر عبد الله بن مسعود فوجد النبي وقد غرق وجهه بالدموع وهذا الموضع هو قول الله (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا) لأن النبي استشعر هذه المعاني الجليلة العظيمة في سورة النساء وما فيها من المسؤولية فكل أمة ستأتي بشهيد ويأتي شهيداً عليهم. إحساس النبي وحبه لأمته كان يجعله في مثل هذه الآيات يبكي.
              فسورة النساء ليست مجرد سورة أحكام، ابن عباس كان يقول: فيها ثمان آيات خير مما طلعت عليه الشمس وغربت منها: (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) و(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا) و(إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا)
              آيات كثيرة في هذه السورة المباركة فيها هذه المعاني الجليلة تجعل بعض الصحابة عندما سمعوا قول الله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) بكوا جميعاً وحرّكت المشاعر والتأثر في قلوبهم وفي مكنون أنفسهم.
              هذه مقدمات تجعلنا نشتاق للسورة وتشعر أنك بحاجة أن تتأثر بها. آيات الأحكام في السورة تظهر عدل الله الواضح في السورة، العدل الإلهي الذي يأمر الله به عباده (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)) ليس فقط بين المؤمنين والمحبين وإنما بين الناس. أحكام سورة النساء وأحكام سورة البقرة تُشعر بعظمة العدل وعظمة التشريع المعجز وكمال هذه الشريعة وإحكامها. ومن أسماء الله الحكيم العزيز عزة الله وحكمته نستشعرها من خلال آيات الأحكام.
              ذكرنا أن سورة البقرة بناء عظيم جداً للأمة الجديدة بعد أن اصبح لها دولة في المدينة المنورة وسورة آل عمران سورة لحماية هذه الدولة وهذه الأمة من الأعداء الخارجيين الذين يتربصون بالأمة وذكرنا حرب الشبهات والعقيدة من غير المسلمين وحرب السيف أو الحرب المادية التي يعتدي بها أعداء الله على عباده. سورة النساء سورة تحمي المجتمع من نفسه ومن العدو الداخلي وأخطر عدو داخلي يهدم الأمة من أساسها هو الظلم (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا) وأيّ مجتمع ينتشر فيه الظلم فهو مجتمع على شفا جرف هار، على شفا الانهيار. الإنسان الذي يُظلم في بلده ومجتمعه وأمته ستختلجه مشاعر لا يمكن أن تسمح له ببناء أمة ولذلك قال شيخ الاسلام ابن تيمية : "إنَّ اللَّهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً ؛ وَلَا يُقِيمُ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً" في دولة الظلم تشعر أنك لن تنال حقوقك ولن يكون لك مقام ولا مال يوازي ما فعلته والظلم مدعاة للكراهية والحقد والبغضاء والغل والحسد ويورث اليأس. فالطالب المجتهد الذي حصل على مجموع كبير في الجامعة وكان من أوائل الطلبة ثم يجد من عُيّن مكانه فيشعر بالظلم وييأس ولن يُبدع ولن يُنتج ولن ترتقي الأمة على أكتافه بما أن الذي يرتقي هو الذي عنده شفاعة سيئة وقد ورد ذكر الشفاعة السيئة في آيات سورة النساء (وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا) كما نسميها في عصرنا (الواسطة) التي تجعل الإنسان يأخذ حقاً غير حقه. آيات سورة النساء تعلمنا إعطاء كل ذي حق حقه، العدل مع كل طوائف البشر (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ) كل الناس، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)) هذه الآية تصدرت جدار محكمة كبيرة في الويات المتحدة الأميركية لما فيها من العدل الشامل المطلق على كل الناس، العدل على الأقربين، على الضعفاء، على كل الناس كما قال "أتشفع في حد من حدود الله والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها" قالها لزيد عندما جاءه يشفع في حد من حدود الله على المرأة المخزومية التي سرقت. العدل شامل وقيمة مطلقة على الجميع، لا يمكن أن تكون دولة مسلمة وتظلم! والعدل يكون حتى على الأعداء كما ذكرت بعض آيات السورة، العدل مع أبغض الناس إليك ومع أشد الناس عداوة للذين آمنوا، عدل مع اليهود لأن العدل قيمة جعلها الله في عباده.
              هذه المعاني واضحة جداً في سورة النساء كما أبرزت السورة معنى الظلم وخطورة هذا الظلم ونهي الله عنه (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ (40)) قال أحد المفسرين لو أن العرب يعرفون مقداراً أدنى من الذرة لنفى الله ما يوازيه من الظلم عن نفسه، فالله يعلمنا (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)) ونحن نتعلم من السورة هذه القيمة وهذا المعنى العظيم من معاني العدل.
              العدل أربع أنواع في هذه السورة:
              أول نوع من أنواع هذا العدل هو العدل مع الضعفاء وسميت السورة باسمه. سميت السورة بسورة النساء تقديراً للمرأة وقيمتها والنساء هنا رمز للكائن المستضعف من حيث البنية والقوة والقوامة (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (34)) وهذا قد يغري بعض الرجال أن يظلموا المرأة ويأخذوا حقها كما فعل العرب في الجاهلية فكانوا يعضلون النساء ويذروهن كالمعلقة ويظلموهن فالأصل أن المرأة كائن رقيق فكان لا بد أن يؤتى بحقها وحق الضعفاء وتسمى السورة باسمها كرمز لمن تغريه قوته ويغريه بطشه أن يظلم الضعيف أو المرأة أو العبيد والجواري فتأتي السورة تدعو للعدل مع الضعفاء، إياك أن تغريك قوتك أن تظلم مثل هؤلاء. ضعف المرأة جِبِلّي ولا بد من حفظ حقوقها، يقول الله (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)) لكل واحد حقه. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3) وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ (19)) وللأسف هذا لا يزال موجوداً. المؤمن يجب أن يعدل مع الضعفاء. من الضعفاء الذين أكدت السورة على حقهم حق البنت في الميراث فهي لها حق لا بد أن تأخذه. ومن الضعفاء اليتامى (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ (3)) للأسف كثير يحفظ القسم الثاني من الآية (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) ولا ينتبه لما قبلها (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى) هذا أساسه للقسط في اليتامى وللعدل في اليتامى ورعاية هذا النوع من الضعفاء (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ (6)). شرع الله القتال نصرة لدين الله ، سورة النساء فيها سبب آخر شُرع لأجله القتال (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75)) القتال يكون أيضاً لنصرة المستضعفين ولإنقاذهم من الاستضعاف حتى تحقق لهم العدل (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) عندما تشعر بهول الظلم الذي حلّ بقوم وجب نصرتهم لأنهم مظلومين وضعفاء.
              النوع الثاني من أنواع العدل: العدل مع الأعداء.وهو أصعب أنواع العدل لأن طبيعة الإنسان والشنآن والكراهية يمكن أن تغريه أن لا يعدل خصوصاً مع أشد الناس عداوة لذين آمنوا، الذين ذاق المسلمون من أفعالهم الأمرّين وهم اليهود (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ (8) المائدة). العدل مع الأعداء نجده في سورة النساء بشكل واضح جداً في قصة نزلت آيات الله يوجه كلاماً للنبي وأصحابه ويعلمهم قيمة العدل حتى مع اليهود. القصة باختصار تروى سرقة قام بها رجل أنصاري يسمى بشير بن أبيرق لدرع رجل من الأنصار يسمى رفاعة بن النعمان لكن هذا الرجل اتضح فيما بعد أنه منافق لكنه أمام الناس رجل من الأنصار، فما ذاع الخبر بدأ الناس تشك أن هذا الرجل سرق درع رفاعة بن النعمان فقام بشير بن أبيرق وبعض أنصاره بخدعة فأخذوا الدرع الذي سرقه من رفاعة بن النعمان ووضعوه في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين - ليس له دية لكن في المجتمع المسلم العادل له ديّة وله قيمة ويأخذ حقه رغم العداوة بين اليهود والمسلمين- هذه قيمة لا بد أن نتعلمها. وجد الدرع في بيت اليهودي زيد بن السمين والمفترض أن يعاقب بالسرقة لكن تنزل آيات من الله تبرئ يهودي على حساب رجل أنصاري ارتد فيما بعد واتضح أنه كان منافقاً لكنه أمام الناس من الأنصار ومن عائلة كبيرة (بني أبيرق) ومع هذا لأنه عصى واقترف سوءاً ورمى به بريئاً نزلت آيات تبرّئه وتجده يسمى في هذه السورة (بريئا) (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا (112)) البريء هو اليهودي. علينا أن نتعلم من الآيات (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً (105)) هذا كلام للنبي أن يحكم بالحق ولا يكن للخائنين خصيماً (وَاسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً (106)) لأن النبي حكم بما رأى، وجد الدرع في بيت اليهودي، لكن العدل الإلهي تنزل الآيات به (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنتُمْ هَـؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109)) الآيات تبرئ اليهودي (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا (112) وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113)) موقف عجيب، موقف عدل مع أشد الناس عداوة لنتعلم أنه مهما بلغ الكره لأحد لا بد من العدل معه لا بد من التعامل معه من منطلق أخلاق الإسلام لا من منطلق العداوة معه، وهذا ما نتعلمه من هدي النبي ومن هدي أصحابه عندما جاء الرجل اليهودي احتكم إلى عمر بنالخطاب ضد علي ابن أبي طالب وحُكم لليهودي لأن هذا عدل مطلق مع الناس جميعاً.
              النوع الثالث من العدل هو العدل مع الأولياء الأقربينكما في قول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)) وفي قول النبي "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"
              النوع الرابع من العدل: العدل مع أصحاب الحقوق، صاحب الحق يأخذ حقه ولصاحب الحق مقال " إن لصاحب الحق مقالاً". السورة تعطي كل ذي حق حقه فتقسم المواريث. بعض الناس للأسف يشكك ويقول كيف يكون للذكر مثل حظ الانثيين؟ لكن غفلوا عن الآيات قبلها (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ (34)) الرجال هم الذين ينفقون فالمرأة إما لها أب ينفق عليها أو ابن ينفق عليها أو زوج ينفق عليها أو أخ ينفق عليها وإن لم يكن لها أحد سترث لوحدها، في الأصل إن كانت المرأة غير معيلة فلا بد أن يكون لها من يصرف عليها، وليّ لها، فالمرأة عندما ترث النصف لا ترثه لأنها مكلفة بأن تصرف منه ولكن هذا قمة العدل أن المرأة في الإسلام ليست مكلفة بالإنفاق إلا ما طابت به نفسها. أما الرجل ينفق على زوجه وابنته ومن له ولاية عليهم. وهذا المعنى أهم من معنى فكرة المساواة التي يحاول بعض الناس نشرها، فكرة المساواة المطلقة خطأ، إذا كانت أمام القانون والحدود فهي واجبة حتى لو كانت مع أقرب الناس لكن كيف تكون المساواة في الحقوق بين من يتعب ويعمل وبين من لا يعمل؟! العدل الموجود في سورة النساء هو إعطاء كل ذي حق حقه لا مساواة مطلقة. العدل حتى مع الناس الذين أعتقوا بعد فترة (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)) حتى الذي يحضر قسمة الميراث (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (8)) أعطوهم وأعينوهم على ذلك.
              نتعلم من السورة أن أخطر ما يقوم عليه المجتمع المسلم هو العدل ومن أخطر الأعداء الداخليين الظلم. وذكرت السورة أعداء داخليين آخرين منهم المنافقون وعلاقتهم باليهود وبمن يريد أن ينخر جسد الأمة من الداخل فنجد في السورة كلاماً عن النفاق (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (27)). من الأعداء الداخليين أيضاً مسألة التفكك الأُسري وهي موجودة في السورة.
              أهم قيمة نقف معها في السورة قيمة العدل المطلق مع الجميع بأنواعه الأربعة العدل مع الضعفاء ومنهم النساء والعدل مع الأولياء الأقربين حتى الوالدين والعدل مع الأعداء والعدل مع كل صاحب حق. هذه القيمة يقوم بها المجتمع المسلم فإن لم توجد يكون الظلم والحقدد والغل والحسد الذي هو أساس نخر المجتمعات وهدمها.

              سورة النساء
              ‫ط¨ط±ظ†ط§ظ…ط¬ ظپظ‰ طµط­ط¨ط© ط§ظ„ظ‚ط±ط£ظ† ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ظ†ط³ط§ط، ط§ظ„ط¯ظƒطھظˆط± ظ…ط­ظ…ط¯ ط¹ظ„ظ‰ ظٹظˆط³ظپ 27 02 2013‬â€ژ - YouTube
              سمر الأرناؤوط
              المشرفة على موقع إسلاميات
              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

              تعليق


              • #8
                في صحبة القرآن
                سورة المائدة
                http://www.youtube.com/watch?v=Z5UONzsNY78

                "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته"
                سورة البقرة سورة الإسلام لله والاستسلام لأمره لشرعه وأحكامه وطاعته مهما كانت الطاعة صعبة لا بد من السمع والطاعة (سمعنا وأطعنا)
                سورة آل عمران سورة مواجهة الحرب على أمة الإسلام من أعداء الداخل والخارج، حرب مادية وحرب شبهات
                سورة النساء سورة العدل والإحسان ومعنى إعطاء كل ذي حق حقه حتى مع أبغض الناس
                سورة المائدة قام النبي ليلة كاملة بآية من آياتها خوفاً على أمته (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)) الحديث
                في السورة آيات مهمة قال بعض أهل العلم أنها آخر آية نزلت على النبي وبكى عند سماعها بعض الصحابة لأنهم شعروا أن الأمر تم وسينقطع الوحي (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3))
                سميت السورة بالمائدة ليس لمجرد ذكر المائدة التي أنزلها الله تعالى على بني إسرائيل ولكن لأن المائدة نفسها فيها معنى العقد (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)) سينزل الله تعالى عليهم المعجزة لكن بشرط، في المقابل لو كفر أحد بعد أن يرى الآية فإن الله سيعذبه وهذا بمثابة عقد، الله واثقهم ميثاقاً في هذه الآيات ولذلك أول آية في سورة المائدة وآيات كثيرة في السورة تكلمت عن العقود، لكن ليست أيّة عقود وإنما نوع آخر من العقود وهي العقود والمواثيق مع الله ، والله يأخذ ميثاقاً على الناس ولهذا تتكرر في السورة (أوفوا بالعقود)
                (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)) الميثاق عقد
                (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12))
                (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (14))
                (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70))
                ذكرت كلمة العهد والميثاق مع الله هذا ميثاق مختلف إذا استشعرت أنه مع الله تعالى.
                ذكرت في السورة من أسماء الله الحسنى اسم الملك وذكرت صفة القوة (القدير). عندما يحصل عقد بين البشر في الدنيا لو لم يكن لدى المتعاقد وازع ديني والآخر ليس عنده القوة ليثبت حقه فقد يحصل نوع من أنواع الغبن وينفض العقد بطريقة مهينة وفيها إغفال لحق الإنسان الذي تعاقد، هذا في حق البشر ولله المثل الأعلى. كلما أدركت أن هذا الميثاق وهذا العقد مع ملك قدير كلما كان ذلك أدعى للإلتزام بشروط العقد والخوف من الشروط الجزائية. أنت تتعامل مع ملك الملوك ليس ملكاً من ملوك الدنيا، تتعامل مع الملك والقدير الذي له الملك المطلق والقدرة المطلقة وهذا أدعى أن تلتزم بالعقود والموايثق مع الله . ولهذا تكرر في السورة اسم الملك
                (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)) (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18)) (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)) (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)) الملك والقدرة هذه المعاني تترسخ في آيات السورة، الملك القدير له القدرة وله القوة وله الملك وله الجبروت فكيف إذا أمر لا يُطاع؟! وكيف إذا نهى العبد عن أمر لا ينتهي؟! ألا يجب أن يكون له الولاء؟!
                في السورة عقود عندما تستشعر قيمة الملك والقوة والقدرة المطلقة لله فهذا أدعى بالإلتزام بالعقود والمواثيق مع الله .
                يمكن تقسيم العقود والمواثيق في السورة إلى ثلاثة أنواع، يجب علينا مراجعة مدى التزامنا بهذه العقود أم أننا سنكون مثل النماذج التي ذكرتها السورة لمن نقضوا عقودهم:
                1. عقد التحاكم لشرع الله والسمع والطاعة
                2. عقد الولاء لله ولأحبائه وأوليائه والبراء من أعدائه (الولاء والبراء)
                3. عقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحرص على أن يلتزم الناس جميعاً بالعقود مع الله، لست وحدك والعقد الأساسي قبل هذا كله هو عقد التوحيد لله .
                نتيجة هذه العقود أن تعترف أن الله هو الملك الذي يُسمع ويُطاع، الملك الحقيقي لله وحده (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ (114) طه) نتيجة الإيمان باسم الملك القدير الذي تكرر في السورة الذي له القدرة على أن يقتص ممن اخترق عقده ولم يطعه فمن الطبيعي أن تطيع وتلتزم بقانون هذا الملك وتتحاكم له لأنه صاحب الأمر والنهي في ملكوته الذي تعيش فيه وأن تسمع وتطيع. ومن النتائج المنطقية لهذا أن توالي هذا الملك وهذا هو العقد الثاني عقد الولاء والبراء المذكور بكثرة في السورة، الولاء لهذا الملك والبراء من أعدائه خصوصاً، خيانة لله أن يوالى عدوه ويُنصر على حبيبه ووليه. ومن نتيجة العقود أيضاً أن يلتزم الناس بحيث لا يخترق أحد عقود مواثيق وأوامر ونواهي هذا الملك الجليل فيكون لدى كل إنسان غيرة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
                العقد الأول: عقد التحاكم لشرع الله والامتثال لأمره والسمع والطاعة
                (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7)) ميثاق الإستسلام لله هو عقد لا بد من الالتزام به وفيه أوامر ونواهي يجب أن نلتزم بها فالإسلام ليس مقتصراً على شعائر فقط وإنما هو منهاج حياة كامل برمجة كاملة للحياة، فيه أحكام، حلال وحرام، فروض وواجبات، منهيات وأمور لا بد أن يسيطر هذا النظام على حياتك. وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ليست كلمة جافة، لا بد أن يكون لها مدلول من خلال هذه الطاعة. من خلال هذا المعنى تذكر السورة أحكام، حلال وحرام، واجبات وفروض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)) لا بد أن تمتثل لهذا الحكم
                (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)) هذه عقد بينك وبين الله
                (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) قوانين للملك لا بد من الإلتزام بها والامتثلال لهذه الأحكام لأنك تعيش في ملك الله تحت ظلال شريعته. ذكرت الآية المحرمات من اللحم
                (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)) تذكر الآيات ما أُحلّ
                (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)) أحكام وقوانين الملك التي يجب أن تلتزم فيها.
                وتذكر السورة عقوبات كثيرة فرضها الملك (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)) حد الحرابة
                (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)) حد السرقة
                هذه أحكام الملك في مملكته، أحكام الملك التي جعلها ميثاقاً.
                ثم يضرب الله مثلاً لمن لم يلتزم بهذه الأحكام وهذا واضح في السورة بعد كل نوع من العقود يذكر نماذج لمن لم يلتزموا بالعقد. (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ (13)) نقضوا الميثاق ولم يعترفوا بالعقد بينهم وبين الله تعالى. الله يأمرهم (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)) قالوا (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)) أمر واضح لكنهم لا ينفذوه لأنهم لم يعترفوا بالميثاق (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ) مرة بعد مرة إلى أن قالوا (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)) غاية التمرد!! يعملنا الله أن جزاء عدم الالتزام بهذا الميثاق (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)) (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)) كلام واضح وصريح الذي لا يحكم بما أنزل الله ولا يلتزم بقوانين الملك في مملكته يكون كافراً بهذا القانون، ظالماً لا يريد أن يمتثل لهذا العقد (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (104)) يريدون أن يستبدلوا شرع الله، وأي استبدال لشرع الله فهو حكم جاهلي (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)) شرع الله هو أحسن ما يحكم به (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا (50)) يقابله حكم الجاهلية فالذي لا يبتغي حكم الله يبتغي حكم الجاهلية. آية صريحة وواضحة ولا تحتاج لجدال. وقد تكرر في القرآن دعوة النبي (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)) (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49))
                العقد الثاني: عقد الولاء لله وأوليائه وعقد البراء من أعدائه
                يجب أن توالي الملك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)) الولاية هنا هي النصرة على حساب المسلمين، المحبة من دون المؤمنين، هذا أمر مرفوض. يمكن أن تُحسن وتبرّ لكن لا أن توالي أعداء الله من دون المؤمنين. (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
                ثم يذكر الله نموذجاً ممن اخترق هذا العقد (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)) هذا أمر واضح وقاعدة صريحة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (57))
                ويضرب الله أمثلة بأهل الكتاب الذين والوا ولم يفعلوا ما أمرهم الله به من موالاة الله وإنما والوا أعداءه.
                العقد الثالث عقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
                إذا التزمت بشرع الله وواليته وواليت المؤمنين لا بد أيضاً أن تغار على شرعه وعلى حرماته كما قال النبي "إن الله يغار تنتهك محارمه". عليك أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بقدر ما تستطيع وتحرص على هداية الناس قدر وسعه، قال النبي : عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا فَاسْتَقَيْنَا مِنْهُ وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا جَمِيعًا" من يخترق حدود الله قد يغرق الجميع بسببه كما قال النبي لما سُئل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث. فعلينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر كي ننجو جميعاً ليس فقط أن ننجو وحدنا ولهذا تأتي آية مهمة في السورة تركز هذا المعنى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79)) لأنهم كانوا يتركون هذه الشريعة التي يحاول كثيرون الآن تشويه صورتها وهي واجبة على كل مسلم (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) آل عمران) هذا واجب حياة، المسلم يحب لأخيه ما يحبه لنفسه فلذلك يأمره بالمعروف ويقول له اتق الله إذا فعل منكراً، هذه شريعة مهمة يجب أن لا نغفل عنها. وقد يتفاوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين أصحاب السلطة وبين الناس بعضهم بعضاً فالناس بين بعضهم يكون على سبيل النصيحة والجدال بالتي هي أحسن أما الحاكم فيمكنه تغيير المنكر باليد. لا نستحيي من قول الحق، هذا ديننا الذي علمنا الله إياه والذي لعن من لم يفعلوه (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79)) فاستوجبوا اللعنة بسبب ذلك.
                كل هذه مواثيق واضحة في السورة وأهمها ميثاق التوحيد الذي خُتمت به السورة عندما سأل الله المسيح وأمه (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ) أقر عيسى بميثاق التوحيد لله (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)) وسميت السورة بميثاق المائدة التي أنزلها الله على بني إسرائيل باشتراط (قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)) وبيّن المسيح أنه التزم بهذا العقد فصدق الله عليه وعلى كل صادق صدق بالتزامه بالعقد والميثاق مع الله لا يعاهد الله كل مرة على عدم المعصية والفاحشة والالتزام بالأمر ثم بعد ذلك ينقض ميثاقه مع الله، أكد الله جزاء الوفاء بالعقود الذي أمر به في السورة (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119))
                وتختم السورة بالملك ( لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120))
                هذه السورة مواثيق وعقود تعلمنا أن نلتزم بها وتوضح لنا مصير من لم يلتزم بالعقود والموايثق وماذا حصل لهم فعلينا أن نتخذ قراراً أن نوفي بالعقود مع الله (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) حتى نكون ممن قال الله عنهم (يوم ينفع الصادقين صدقهم).
                سمر الأرناؤوط
                المشرفة على موقع إسلاميات
                (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                تعليق


                • #9
                  في صحبة القرآن
                  سورة الأنعام
                  الجنّ أول ما تلقى القرآن تفاعل معه وانفعل به ونحن علينا أن نتغير بالقرآن، نعيش بالقرآن لعلنا نكون ممن قال فيهم النبي "اقرأ وارق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية " صاحب القرآن من صاحبه في الدنيا.
                  سورة الأنعام من أعظم سورة القرآن لأنها تتحدث عن معنى عظيم هو تعظيم الله ، تعظيم الله الذي هو شعور إن وجد في قلب المؤمن تختلف مشاعره وعلاقته بالناس تختلف وعلاقته بالحلال والحرام تختلف لأنه معظّم لله . هذه السورة تغرس فينا هذا المعنى، هذا المعظِّم لله لا بد وأن يتفاعل مع من لا يعظّمون شرع الله لأن هناك أناس في الأرض لا يعظّمون الله فهذا الذي يعظّم الله لا بد أن يجد في قلبه شيئاً ممن لا يعظّمون الله، هذا ما ستبينه سورة الأنعام.
                  سورة الأنعام موضوعها يتلخص في الآية الأولى التي تبدأ بها هذه السورة. وهذه السورة لها مهابة من شدة العظمة في آياتها، ومن يفسرها يشعر بالمهابة إذ كيف يمكن له أن يوصل معاني العظمة المُبهرة في هذه السورة؟ كيف يمكن له بكلام البشر العاجز أن يشرح سورة بهذه العظمة. قال صاحب الظلال سيد قطب تعالى عن هذه السورة حين شرع في تفسيرها: :" إنها في كل لمحة منها وفي كل موقف، وفي كل مشهد، تمثل " الروعة الباهرة " الروعة التي تبده النفس، وتشده الحس، وتبهر النفس أيضاً؛ وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعها وموحياتها مبهوراً! نعم! هذه حقيقة! حقيقة أجدها في نفسي وحسي وأنا أتابع سياق السورة ومشاهدها وإيقاعاتها وما أظن بشراً ذا قلب لا يجد منها لوناً من هذا الذي أجد. إن الروعة فيها تبلغ فعلا حد البهر حتى لا يملك القلب أن يتابعها إلا مبهورا مبدوها! وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة، تبلغ حد " الروعة الباهرة "التي وصفنا - مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد كما سنبين - وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة، وبالحيوية الدافقة، وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي وبالتجمع والاحتشاد ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة! ونحن - سلفاً - على يقين أننا لسنا ببالغين شيئاً في نقل إيقاعات هذه السورة إلى أي قلب إلا بأن ندع السورة ذاتها تنطلق بسياقها الذاتي، وإيقاعها الذاتي، إلى هذا القلب، لسنا ببالغين شيئاً بالوصف البشري والأسلوب البشري ولكنها مجرد المحاولة لإقامة القنطرة بين المعزولين عن هذا القرآن - بحكم بعدهم عن الحياة في جو القرآن - وبين هذا القرآن!"(انتهى كلامه )
                  كلام يعبر عن إحساس بهذه السورة، إحساس بهذا التعظيم!
                  سورة الأنعام لما نزلت على النبي كان لها جو خاص جداً، هي لم تنزل كباقي سور القرآن متقطعة، نزلت سورة الأنعام كما قال ابن عباس : " نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح" رواه الطبراني وصححه العلامة أحمد شاكر. لنتخيل المشهد: سورة الأنعام تنزل حولها هذا الموكب الرباني السماوي من الملائكة يسبحون الله والسبيح تنزيه لله، الملائكة تسبح الله جلّ وعلا، تنزه الله جلّ وعلا. وفي رواية أنس قال" نزلت مع موكب من الملائكة سدَّ ما بين الخافقين لهم زجل من التسبيح والأرض بهم ترتجّ "وليست الأرض وحدها التي ترتج بل كما في رواية أسماء بنت يزيد أن عظام الناقة التي كان يركبها النبي لما نزلت عليه هذه السورة كادت أن تتكسر. هذا لعظمة هذه السورة كادت عظام الناقة أن تتكسر لشدة عظم وهول ومقام هذه السورة.
                  سورة الأنعام كان النبي يجأر بالتسبيح عندما نزلت عليه كما في بعض الروايات لما وجد كل الكون حوله يسبح والملائكة بهذا الكم الرهيب يجأرون بالتسبيح لله يشعر أن الناقة تهتز به لم يسع النبي إلا أن يشارك هذا الموكب الكوني الذي يعظّم الله (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (44) الإسراء) سبّح معهم النبي قال من روى هذه الرواية أن النبي ظل يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم إجلالاً وتعظيماً لمعاني هذه السورة وهذا هو المعنى الذي تتكلم عنه هذه السورة التي من خصائصها جملة واحدة، دفقة بل دفقات متتالية من الآيات كلها تغرس في القلب هذا المعنى، أسلوب متوالي. ولذلك هي أكثر السور التي ورد فيها (وهو) اسم الإشارة، وتجد حرف العطف (الواو) متكرر باستمرار، متوالية وراء بعضها وتجد تكرار (قل) فتشده شعور الإنسان حينما يسمعها. كذلك تمثل هجوماً كاسحاً على من لم يتلقوا هذه العظمة ولم يتلقوا هذه الآيات لأن الإنسان فُطر على هذا. نضرب مثالاً بسيطاً ولله المثل الأعلى لما ترى مشهداً جميلاً أو لوحة جميلة أول ما تنطق به حيال جمالها (الله! ما هذا الجمال!) تلفظ لفظ الجلالة من غير أن تشعر، هذه فطرة في الإنسان حتى لو كان هذا الإنسان بعيداً كل البعد عن العلم الشرعي لكن الكلمة تخرج مباشرة من لسانه لأنه مفطور على حب الجمال وعلى عشق هذه المعاني فيستشعر بها ويتأثر بها فيقول (الله) مستشعراً بالتعظيم فما بالك بخلق الله ؟ (هَٰذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11) لقمان).
                  السورة تضعنا أمام هذه المشاهد المتوالية من العظمة الكونية والآيات الربانية المتتالية حتى لا يطيق أن تحبس هذا الشعور، لا تطيق أن تسكت عن تعظيم الله . بل أحياناً تجد الإنسان يعظّم شيئاً من الجنّ لدرجة أنه يخاف منهم والأولى به أن يعظّم الله فلا يعظّم كلام الله تعالى كما يعظّم الجنّ ولا تجده يتأثر عندما يتطاول أحد على الله ، هذا ليس تعظيماً حقيقياً لأن المعظِّم الحق الصادق لا يملك أن يسكت عمن يتطاول على من يعظّمه، ولا يملك أن يكتم هذا التعظيم في قلبه ولذلك غلام الأخدود لما عرف الله بدأ يتكلم عنه فقال له – كما في حديث صهيب – عندما كان الراهب يعلم الغلام والغلام تعلم عن الله وبدأ يدلّ الخلق على الله جلّ وعلا فقال له الراهب "أنت اليوم أفضل مني" لأنه بدأ يتكلم عن ربه ولم يكتم هذا التعظيم بل دلّ الخلق على الله ويعرفهم بالله ويكلمهم عن الله جلّ وعلا.
                  هذه السورة توجه أنظارنا لذلك ويلخص موضوعها ودفقاتها المختلفة أول آية (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) كلام عن الله وخلقه وآياته خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور. والمقابلة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) عندما تستشعر خلق الله تستشعر عظمة الله ثم تجد من يفترض أن تكون ردة فعله عندما يعرف الله ولما يرى آياته (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) يعدل به شريكاً، يعدل به مثيلاً لأنه لم يعرف الله حق المعرفة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ). لما تجد آيات السورة تعظّم الله فترتفع عظمة الله تعالى في القلب تجد أن الذي يجحد هذه العظمة لا بد أن يكون الكلام في وجهه شديداً لأنه لا ينفع أن تواجه هذه العظمة بالسكوت، عندما تسمع (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) ثم (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) كيف استطاعوا أن يفعلوا هذا؟! (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ) تجادلون بعد كل هذا الخلق والملكوت؟! (وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)) معرضين عن آيات الله .
                  آيات السورة كلها تسير وفق هذا النسق: آيات ودفقات من الآيات تبدأ بعرض لهذا الجمال ولهذا الجلال وهذا العرض لقدرة الله ثم تُذكر المقابلة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ).
                  السورة في إطارها العام عن تعظيم الله وفي المقابل من لم يعرفوا هذه العظمة ومن لم يقدروا الله حق قدره (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَحَقَّ قَدْرِهِ (91))، هذه السورة تعرض هذه المقابلة وتضع الإنسان المؤمن أمام هذا الخيار الذي ليس له غيره وهو أن يسبح الله وأن يعظّم الله وأن يوحّده قبل ذلك كما يدل عليه مشهد إبراهيم في السورة وهو يعرض للمشركين ويعرق لقومه هذا الملكوت الواسع ثم لا يجد إلا كلمة واحدة (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)) الذي فطر هذا الكون ولا يستطيع إبراهيم أن يسكت على محاججة قومه ويحاججهم.
                  السورة لها خصائص هي عبارة عن دفقات متتالية من الآيات كل مجموعة لها نسق معين تبدأ بكلام عن الله عن صفاته، عن أسمائه، عن نعمه وآلآئه ثم تأتي بعدها المفاجأة (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) (ثم أنتم تمترون) كيف تواجهون هذه العظمة بهذا الجحود وهذا النكران عياذاً بالله تعالى؟!
                  نسق السورة شبيه جداً بنسق سورة النحل مع اختلاف أن سورة النحل تركّز على النِعم بينما تركز سورة الأنعام على معنى الخلق والملكوت الواسع في هذا الكون.
                  ثم أن أسلوب الكلام مع الكفار الذين لم يعظموا الله ولم يقدروه حق قدره أسلوب هجومي فيه نوع من الاستنكار (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19)) (فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ (43)) أسلوب فيه عتاب. وأسلوب فيه تهديد كما قال الله (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (5)) (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)) تهديد ووعيد لأنه عندما تعرض الآيات المبهرات في الكون الدالة على عظمة الله لا يصح أن تقابل بما فعله أهل مكة وقوم النبي بالجحود والنكران.
                  عرض للدفقات المتتالية والموجات المتتالية من الآيات التي تسير بنفس النسق:
                  الدفقة الأولى من الآيات وتبدأ من أول السورة إلى الآية الثانية عشر حيث تستهل بالكلام عن الله وصفاته وأفعاله كما في قوله تعالى:
                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ 6/1 هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ 6/2 وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) الكلام عن الخلق
                  ثم يأتي بعد ذلك ذكر الجاحدين والمنكرين
                  (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ 6/4 فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ)
                  ثم يبدأ الهجوم الكاسح والتهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين بسبب ما فعلوه من تكذيب بهذه الآيات وبهذا الخلق العظيم، قال الله
                  (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ 6/6) أهلكناهم بجحودهم بهذا الخلق العظيم المبهر. (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ 6/7) القضية قضية تكذيب حتى لو أنهم أمسكوا الكتاب الذي نزل من السماء في قرطاس سيقولوا إن هذا سحر مبين. (وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ 6/8) هذه الموجة الأولى بداية الكلام عن تعظيم الله وعن خلق الله ثم ذكر للجاحدين ذلك.
                  الدفقة الثانية من الآيات :وتبدأ من الآية الثانية عشر بذكر ملك الله في السموات والأرض:
                  (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 6/12 وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
                  (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ 6/17 وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ 6/18) كلمة (القاهر فوق عباده) لم تأت في القرآن إلا في سورة الأنعام في موضعين (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)) و (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61))
                  أمام عرض هذه الآيات وأمام هذا الملكوت المطلق وهذا القاهر العظيم تكون النتيجة الطبيعية التسليم كما قال الله لنبيه :
                  (قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ) هل يعقل بعد هذا الملكوت وهذه العظمة أن أبحث عن وليّ آخر؟! أبحث عن آلهة من دونه وهو الذي يُطعم ولا يُطعَم؟! (قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ 6/14 قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ 6/15 مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ 6/16) هذه هي الإجابة السليمة لكن للأسف نجد أناساً لم يفعلوا ذلك بل جحدوا فتأتي الآيات التي تتكلم عن الجحود: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى) بعدما سمعت أنه هو القاهر فوق عباده وبعدما سمعت أنه هو الذي يُطعِم ولا يُطعَم وبعد ما سمعت أنه هو الذي يكشف عنك الضرّ؟! قولوا كما تقول الآية (قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ 6/19 الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ 6/20) ثم يبدأ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) كذب بالآيات التي يراها. (وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ 6/29)
                  يبدأ بعدها التهديد: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ 6/22 ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ 6/23 انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ)
                  (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) كلما ينهى عن التوحيد كلما يبتعد ويزداد غيّاً في معاصيه (وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ 6/26 وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 6/27)
                  (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ 6/30 قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ) لن ينفعهم شيء لأنهم جحدوا بآيات الله فهم موتى وصُمّ قال عنهم الله (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ 6/36) فهم كالموتى صمّ وعمي لا فائدة منهم ولا قيمة لتكذيبهم (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ 6/50)
                  ثم يأتي التسفيه لعقولهم الناقصة وفطرهم المنكوسة وقطع الطمع عنهم
                  (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ 6/33 وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ 6/34 وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ 6/35)
                  جزء جدالي من 33 الى 58
                  الدفقة الثالثة من الآيات يبدأ بكلام عن قدرة الله وعظمته:
                  (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) تأمل هذا المثال جيداً، تسقط ورقة في مكان ما في الليل لا يراها أحد في مكان لم تطؤه قدم بشر ولا حيوان ومع ذلك يعملها الله وهي في كتاب أنها ستسقط في هذا الوقت تحديداً وفي هذا المكان تحديداً.
                  (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
                  (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ) صفة القهر والقوة والجبروت والبطش.
                  (ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64)) بعد كل هذه الآيات يظهر الجحود (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)) هذا كله يفعله الله ومع هذا تأتي المفاجأة والتكذيب في نسق بديع في السورة بعد ذكر آيات العظمة:
                  (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يخوضون ويكذبون في أمور واضحة لكل عين ترى ولكل أذن تسمع ومع ذلك يخوضون في آيات الله (حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71))
                  الدفقة الرابعة آيات سيدنا إبراهيم واختلف العلماء هل سيدنا إبراهيم وهو يتأمل في آيات الكون (هذا ربي) اختلف العلماء على رأيين في هذه المسألة:
                  منهم من يقول أن هذا تدبراً من سيدنا إبراهيم وكان يتأمل في الكون ويتدبر ويصل إلى هذه الحالة من اليقين من خلال النظر وكلمة النظر وتوجيه المسلم أن ينظر ويتدبر في خلق الله تكررت في السورة كما في قوله (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ (99)) التوجيه للنظر في كون الله
                  والرأي الثاني يقول أن إبراهيم لم يكن ناظراً وإنما كان يناظر قوه ويثبت عليهم الحجة من خلال هذا الكون، من خلق هذا الكون؟ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (74)) وسواء كان إبراهيم يناظر أو يتدبر فالعرض والحجة كان من خلال آيات الله في الكون نتعلم منه التأمل والنظر في آيات الكون (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)) عندما عرف عظمة الله تبرأ من الشرك (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ) المعظّم لا يمكن أن يسكت عمن يحاججه في الله الذي يعظّمه (وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا) المعظِّم لله لا يمكن أن يخاف (فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)) الحجة والروية والنظر في الكون.
                  وتأتي المفاجأة:
                  (وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91))
                  (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94))
                  الدفقة الخامسة من الآيات: الجمال والقدرة
                  (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99))
                  ثم تأتي المفاجأة:
                  (وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100))
                  الدفقة السادسة من الآيات:
                  (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103))
                  ثم يأتي التكذيب على النسق الذي تميزت به السورة:
                  (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107) وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113))
                  الدفقة السابعة: نعمة الوحي والهداية للخير
                  (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122))
                  ثم التكذيب والعصيان وسلسلة جرائم واجهوا نعمة الله بالهداية أن جعلوا لله شركاء إذا رزقوا نعمة من الله يجعلون لله شركاء
                  (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (124) فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (140))
                  الدفقة الثامنة من الآيات من الجمال والنعم
                  (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142))
                  ثم تحرّم النعم وتستعمل في الشرك:
                  (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148))
                  ثم تأتي خاتمة توجيهية كاسحة:
                  (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (157) هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159) مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (160))
                  وتأتي الآيات الجامعة عندما تتلخص في قلبك عظمة الله قُل:
                  (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)) وحّد وجهتك وتوحد الله وتنبذ كل شريك لا شريك له (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)) تخرج من سورة الأنعام بهذا التعظيم وهذا الإجلال لله وهذا الإحساس المهول. تدبر سورة الأنعام واستشعر عظمة الله وانظر إلى خلق الله وإلى بديع صنع الله لعلنا نصل إلى هذه الدرجة من التعظيم.
                  والخاتمة الجميلة التي تلخص العظمة والجمال والجلال وعقوبة من كذّب
                  (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165))
                  تدبر سورة الأنعام لتخرج منها بـ:
                  · تعظيم رهيب
                  · معرفة لله
                  · حب شديد واحساس بالنعم
                  · افتكار من ينجيكم (أرأيتم إن ذهب الله بسمعكم)
                  · غضب وبغض لمن اشرك واستهان
                  · توحيد عملي
                  · استسلام وطاعة


                  سورة الأنعام
                  ‫ط¨ط±ظ†ط§ظ…ط¬ ظپظ‰ طµط­ط¨ط© ط§ظ„ظ‚ط±ط£ظ† - ط³ظˆط±ط© ط§ظ„ط£ظ†ط¹ط§ظ… - ط§ظ„ط¯ظƒطھظˆط± ظ…ط­ظ…ط¯ ط¹ظ„ظ‰ ظٹظˆط³ظپ 13-03-2013‬â€ژ - YouTube
                  سمر الأرناؤوط
                  المشرفة على موقع إسلاميات
                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                  تعليق


                  • #10
                    في صحبة القرآن
                    سورة الأعراف
                    http://www.youtube.com/watch?v=qPtLzbZhQoU
                    كلما عايشت القرآن أكثر كلما فُتح عليك بمعاني ومبادئ قرآنية تتحرك في الكون من خلالها.
                    سورة الأنعام السابقة كانت بداية السور المكية ووسورة الأعراف أيضاً سورة مكية بعد شوط من السور المدنية البقرة وآل عمران والنساء والمائدة مليئة بالأحكام. سورة الأنعام وقفنا مع معاني تعظيم الله وهذا التنزيه الذي امتلأت به السورة والتسبيح، هذه السورة الطويلة التي نزلت على النبي جملة واحدة في موكب رباني جميل من الملائكة سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح.
                    سورة الأعراف ترسخ معنى آخر وهو معنى الاختيار ويظهر من اسمها، الأعراف موقف ذكره الله في هذه السورة (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ ﴿٤٥﴾ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ) أول مرة تذكر هذه الكلمة في القرآن (الأعراف). من أهل الأعراف؟ أهل الأعراف هم أناس لم يحسنوا الاختيار، ناس لم يكونوا كفار ولم يختاروا السيء الذي فيه الفجور والفحش والبعد عن الله ولم يكونوا أيضاً طائعين لله ولهم أعمال صالحة تسارع بهم إلى الجنة، إنما هم أُناس في الوسط على الأعراف بين الجنة والنار، بين المؤمنين والكفار ينظرون إلى أهل الجنة ويطمعون أن يدخلوها. هذا الموقف يلخص معنى من أم معاني سورة الأعراف، هو ليس المعنى الوحيد في السورة لأن معاني القرآن لا تنضب ولكن نركز على معنى الاختيار، ثلاثة أصناف من البشر أساسية:
                    1. صنف اختار الجنة عرف طريقه واختار طاعة الله سبيله واضح لا يجد حرج في نفسه منه كما ذكرت بداية السورة (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) عرف طريقه، يريد الجنة ويعمل لأجلها.
                    2. وصنف آخر اختار الطريق الآخر كإبليس اختار الفجور والإسراف على النفس والكفر بالله
                    3. وصنف غافل ومعنى الغفلة يتكرر في سورة الأعراف كثيراً.
                    هذا المعنى - معنى الاختيار – هو من أهم الوقفات التي سنقف عندها في السورة، ماذا اخترت؟ أهل الأعرف الذين سميت السورة باسمهم وقفوا في الوسط لم يعرفوا إلى أين يذهبون (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)) (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ (46)) يعرفون الصنفين بسيماهم لأنهم كانوا يختلطون معهم في الدنيا ( وَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) يطمعوا أن يدخلوا الجنة (وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَابِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)) يخافون من هذا المكان، يخافون أن يدخلوا النار! (وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)) كانوا يرددون في الدنيا أنهم أصحاب المال والمنصب (أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ اللّهُ بِرَحْمَةٍ) ينتقل الكلام إلى أهل الجنة (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) بعدما تكلموا مع أهل النار نظروا لأهل الجنة وقالوا (ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) أنتم الفائزون اليوم بعد أن كنا نقسم أنكم لن ينالكم الله برحمة! (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿٥١﴾).
                    التوجيه الرئيسي والأساسي في سورة الأعراف الذي نريد أن نقف معه هو الذي يظهر في هذه الآية في السورة (كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) لا تتردد ولا تفكر كثيراً بل اختر أن تتبع هذا الكتاب (لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ) دعوة للاختيار (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) السورة تدعوك أن تختار، (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٨﴾ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ﴿٩﴾) سورة الأعراف تقول ( يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٥﴾)، سورة الأعراف تقول لك لا يكفي أن تكون صالحاً وإنما يجب أن تكون مؤمناً مصلحاً لك إيجابية، لك وجود وبذل لهذا الدين ولهذا تأتي الآية في السورة (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٧٠﴾) التمسك بالكتاب وإقامة الصلاة هذا صلاح، تمسك بطاعة الله وتنفيذ أوامره (يمسّكون) وليس يمسكون وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى يعني شديد التمسك بكتاب الله، وقيل يمسّكون غيرهم. وأقاموا الصلاة ليس فقط أداء الصلاة وإنما يقيمونها (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) لا يكفي أن تكون صالحاً وإنما يجب أن تكون مصلحاً ولهذا ذكرت السورة قصة شعيب (إِنْ أُرِيدُ إِلَّاالْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ (8) هود) يريد أن يصلح ويغير، اختار طريقه ومشى فيه وبذل فيه ولم يقف في الوسط.
                    للأسف أناس كثيرون لا يدركون خطورة أهل الأعراف. أذكر موقفاً في الجامعة كان أحد الأساتذة لا يحب الطلبة المتدينين المتمسكين بهدي النبي فاستهزأ يوماً وقال أنا أرضى أن أكون من أهل الأعراف. فاستغربت جداً، هل يعي هذا معنى أهل الأعراف؟! هل يعرف قدر يوم القيامة (فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) المعارج) من يستطيع أن يقف في الوسط خمسين ألف سنة، أو ألف سنة أو سنة؟! وهو يسمع أن فلاناً بن فلان سيسعد سعادة لن يشقى بعدها أبداً ويسمع أن فلاناً بن فلان شقي شقاء لن يسعد بعده أبداً، وهو ينتظر أن يسمع اسمه، عذاب الانتار وعذاب عدم معرفة المصير هل سيكون في الجنة أم سيكون في النار والعياذ بالله! (لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ) وقوفه يوم القيامة في الوسط على الأعراف لأنه في الدنيا كان في الوسط أيضاً، كان بين بين (مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ (143) النساء) صفة من صفات المنافقين، يعرف أهل الحق الذين كانوا يدعونه إلى الهدى (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا (71) الأنعام) لكنه لم يختر أن يكون معهم ويعرف أيضاً أهل الباطل لكنه لم يختر لنفسه فسيتعذب عذاب الانتظار والتربص مع من سيكون؟!!!
                    سورة الأعراف مليئة بالقصص بعضها مفصّل كقصة أصحاب السبت التي ذكرت في سورة البقرة مجملة، وقصة المنتكس الرجل الذي أوتي آيات الله فانسلخ منها ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾) واختار أن يكون مع الكفار والفجار بعد أن جاءته الآيات. سورة الأعراف سورة مليئة بالاختيارات. وفي قصصها نجد فيها ثلاث أنواع من البشر النوع الذي اختار أن يكون من الفجار والنوع الذي اختار طريق الحق وأن يكون من المؤمنين ونوع وقف في الوسط. وبعض القصص يذكر الله فيها قصة من اختار وعرف طريقه ومشى فيه وسلكه.
                    سورة الأعراف سورة مليئة بالقصص قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴿١٠٢﴾).
                    النوع الأول: أكثر الناس الفاسقون، أهل النار الذين اختاروا خطأ (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ﴿٤٠﴾) لا يفتّح، فيه معنى الطرد والإهانة (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) مستحيل دخولهم الجنة (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ). ثم يذكر الله قائد هذا الصنف قائد المجرمين من خلال ذكر قصة إبليس في السورة وتفاصيلها وبداية ضلال إبليس وبداية اختياره.
                    سورة الأعراف فيها ثلاثة أنواع من القصص، ثلاثة أنواع من البشر نوع اختار طريق الشر ونوع اختار طريق الحق وطريق الخير صراط الله المستقيم وسار فيه وكان من المصلحين وممن يأخذون بأيدي الناس الذين يهدون بالحق وبه يعدلون ونوع ثالث مذبذب يقف في الوسط وهو النوع الذي سميت السورة باسمه موقف الأعراف.
                    قصة إبليس قائد النوع الأول وإمامهم، إمام المجرمين عليه من الله ما يستحق. قصته قصة انتكاس وسوء اختيار. إبليس كان يعبد الله مع الملائكة ولم يكن منهم وإنما هو من الجنّ وكان يعرف الله وهو يختلف في هذه النقطة عن الملحدين لأنه لا ينكر وجود الله فهو يعلم أن هناك إله ويعلم أن لله عزّة يقسم بها (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) ص) ويعرف أن الله حقّ لكن قضيته قضية تكبّر وبدأت قصته قصة انتكاس كما سيأتي أيضاً في قصة الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها. إبليس كان يعرف الله لكنه اختار اختياراً خاطئاً، أمر الله بالسجود لآدم فلم يسجد إبليس (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴿١٢﴾ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿١٣﴾) المؤمن الحق لا يتكبر "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر" (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴿١٣﴾ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤﴾) لماذا أنظرني؟ ليكون له همّة في الباطل، اختياره في الفجور اختيار إيجابي لدرجة أنه سيقود جموعاً كبيرة أن تكون معه في نفس مصيره، اختار وتمادى في اختياره وعلت همّته وعزيمته في الباطل (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٤﴾ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ﴿١٥﴾ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾) يقسم، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾) يتوعد الجنس البشري أنه سيحاصره حصاراً كاملاً لأنه يريد أن ينتقم، له همة وعزيمة في الباطل فقال الله (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ﴿١٨﴾) الذي سيسير على نهجك ويسير في طريقك (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ) وسنجد في قصص الأنبياء التي في السورة أن هناك قوم اتبعوا إبليس ومشوا على خطاه. سيدنا آدم عصى ولكن معصيته كانت زللاً خطأ نسياناً لكن لم يكن فيها من الكبر الذي أظهره إبليس ولذلك كل أمة من التي اتبعت طريق إبليس لا بد أن تجد فيها الكبر والاستكبار على طاعة الله والامتثال لأمره، قال قوم نوح (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٦٠﴾ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦١﴾ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٢﴾ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿٦٣﴾ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴿٦٤﴾) قوم عاد ( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿٦٦﴾) (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٧٢﴾) ثمود قمة الفجور قتلوا آية من آيات الله وهي الناقة (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿٧٥﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿٧٦﴾ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٧٧﴾) فجور! وقوم لوط فجورهم أكبر (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ ﴿٨٠﴾) ابتكروا في الباطل! (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿٨١﴾ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ) لماذا؟ (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴿٨٢﴾) اختاروا النجاسة وأخرجوا آل لوط لأنهم يتطهرون وكذلك أهل الباطل لا يطيقون الطهارة ولا يطيقون الأطهار. وهكذا أهل مدين قوم شعيب (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴿٨٦﴾) ويهددوا أهل الحق ( قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ) استكبروا أن يأخذوا طريق الحق (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴿٨٨﴾ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴿٨٩﴾ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴿٩٠﴾) كذلك قصة فرعون (قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿١٢٣﴾ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿١٢٤﴾) قصص كثيرة جداً منها قصة أصحاب السبت وفيهم أنواع ثلاثة، منهم الذين اعتدوا في السبت، الله طلب منهم أمراً ألا يصطادوا في يوم السبت، أمر واحد فتحايلوا ووضعوا الشباك يوم الجمعة كأنهم لم يصطادوا يوم السبت! وكذلك قصة الذي انسلخ عن آيات الله وقيل أنه بلعام بن باعوراء قيل أنه كان لديه اسم الله الأعظم، ذكر الله قصته وهذه كلها آثار (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا) كان اختياره جيداً (فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾) الانسلاخ قد يكون تدريجياً يتدرج في تقليل أعمال الطاعات والخير ويتهاون في المعاصي حتى يحصل الانسلاخ الكامل وفي هذا فائدة أن آيات الله كالجلد على اللحم، علاقتك بآيات الله لا بد أن تكون مثل علاقة الجلد باللحم لا يمكن أن ينسلخ عنه (فَانْسَلَخَ مِنْهَا) عدوه ينتظره (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) تغير اسمه فبعد أن كان عالماً صار من الغاوين (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا) هذا الكتاب يرفع الله تعالى به أقواماً ويضع آخرين (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴿١٧٦﴾)
                    النوع الثاني المذبذب، أهل الأعراف، الذي لم يختر اختياراً واضحاً وطريق واضح وسار فيه. أهل الأعراف وبنو إسرائيل نموذج واضح لهذا النوع. بنو إسرائيل اختاروا فيما بعد لكن في الوقت الذي ذكرت فيه قصتهم في هذه السورة تجد كلامهم مع موسى غريباً يقول لهم موسى نبيهم الذين رأوا الآيات التي معه (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٢٨﴾) فردوا عليه (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) قال (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٢٩﴾) يروا آية أخرى (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨﴾) بعدما رأوا الآيات يريدون إلهاً!! (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴿١٤٨﴾) إلى آخر الآيات. وفي قصة أصحاب السبت تجد أمراً غريباً: نوع لم يصطاد ولم يدع الذين ينهون عن المنكر ينهون عنه (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا) إذا لم تأمر أنت بالمعروف ولم تعظ دع الذين يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾). النوع الذي في الوسط أو الغافلين يتكرر كثيراً في السورة ويتكرر ذكر الغفلة (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿٥١﴾) (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦٩﴾) (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴿١٧٩﴾) من هم؟ (أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ).
                    النوع الأخير هو النوع الذي ندعوا الله عو أن نكون منهم وهم أصحاب الجنة. (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾) اللعنة على الكافرين لأنهم اختاروا طريق الباطل أما أهل الجنة فاختاروا طريق الحق.
                    نجد في كل قصة من قصص سورة الأعراف أناساً اختاروا طريق الحق واتبعوا أنبياءهم من بداية قصة آدم الذي زلّ زلة لكنه اختار التوبة بسرعة (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾) ليس كإبليس الذي اختار أن يزداد في الجحود أما أهل الإيمان فيرجعون بسرعة لأنه ليس لهم سبيل إلا سبيل الله . سيدنا نوح أنجاه الله ومن معه في الفلك (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴿٦٤﴾)، هود (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴿٧٢﴾)، صالح (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٧٨﴾ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ﴿٧٩﴾) صالح ومن معه، لوط (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ﴿٨٣﴾)، شعيب (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴿٨٨﴾ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ) إصرار على الحق وثبات (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴿٨٩﴾) واختيار السحرة رغم تهديد فرعون لهم (قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ ﴿١٢٥﴾ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ﴿١٢٦﴾) قوم موسى منهم أمة اختاروا طريق الحق (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴿١٥٩﴾) وفي قصة أصحاب السبت لما نهوا عن المنكر نجت هذه الطائفة (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٥﴾)
                    سورة الأعراف تطلب منك أن تكون مصلحاً وليس صالحاً فقط، اختر طريقك وامش فيه إلى الآخر وخذ الكتاب بقوة فالذي ينجح في النهاية هم الذين سلكوا مع الأنبياء طريقاً أو الذين نهوا عن السوء (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٥﴾) ولم يذكر مصير الناس المذبذبين في الوسط في هذه القصة قال العلماء إما أنهم عُذبوا مع من عُذّب وإما لأنهم حقروا أنفسهم ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر احتقرهم الله ولم يذكر أين ذهبوا بعد ذلك.
                    في سورة الأعراف توجيهات كثيرة توجيهات إيجابية (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٧١﴾) (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴿١٨١﴾) حق وثبات عليه وسير في طريقه (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٩٦﴾) لو ساروا في طريق الحق لأتتهم البركات (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴿١٩٦﴾)
                    ثم تختم السورة بالنهي عن الاستكبار الذي هو سبب في سلوك طريق الباطل (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ) سورة الأعراف تقول لك اختر طريقاً واضحاً طريق أهل الجنة ولا تكن من أهل الأعراف المذبذبين ولا من الفجار الفاسقين الذين اختاروا طريق الباطل بل اختر طريق الحق وطريق الصواب وسر عليه وكن من الذين قال الله فيهم (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٧٠﴾)
                    سمر الأرناؤوط
                    المشرفة على موقع إسلاميات
                    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                    تعليق


                    • #11
                      في صحبة القرآن
                      سورة الأنفال
                      سورة الأعراف فيها معنى أن يختار الإنسان طريقاً في حياته وتوجيه القرآن لاختيار الطريق الحق وأنه السبيل الوحيد للنجاة كما ورد في قصة أصحاب السبت كيف أن الذين نجوا هم الذين نهوا عن السوء (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (165) الأعراف) والذين اصطادوا بعد منعهم عُذبوا وأما الذين قالوا (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا (164) الأعراف) هؤلاء الذين لم يحددوا طريقهم وخياراتهم لم يذكر القرآن مصيرهم لأنهم لم يختاروا وحقروا أنفسهم وكانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
                      في سورة الأنعام تعظيم الله ، سورة النساء تعلّمنا معنى العدل، سورة المائدة تعلمنا الوفاء بالعقود والعهود مع الله ، سورة البقرة تعلمنا الإسلام والاستسلام لله وسورة آل عمران تعلمنا معنى الدفاع عن الدين والوقوف على الثوابت ومواجهة الحرب سواء كانت حرب شبهات أو حرب مادية.
                      سورة الأنفال سورة مدنية، سورة عبارة عن بيان بعد النصر. سورة آل عمران كان هناك بيان بعد مصيبة أُحد (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (138) آل عمران) بعد أي حدث جلل يمر بالأمة لا بد من توجيهات، لا بد أن نعرف كيف نسير؟ بعد المصيبة عرفنا أسبابها، عرفنا طاعة النبي ، عرفنا التكالب على الدنيا والنزول إلى الغنائم (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا)، عرفنا أسباب الهزيمة وعرفنا الأسباب التي تؤدي بالمؤمنين إلى ضياع النصر ففي أُحد كانت البداية نصراً للمؤمنين (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ (152) آل عمران). سورة الأنفال هي سورة البيان بعد النصر، يجب أن نعرف كيف نحافظ على النصر وما هي أسباب هذا النصر وكيف يستمر لتكون الأمة دائماً منصورة والتحذير من أسباب ضياعه. سورة الأنفال كان بعض الصحابة يسمونها سورة بدر وهي بالكامل نزلت في شأن غزوة بدر وغزوة بدر من أعظم انتصارات المسلمين، إنتصار كانت الأمة الوليدة في أمس الحاجة له، الأمة الفتية الجديدة التي يتربص بها الأعداء لا يريدون أن يكون لها شوكة فتبدأ بداية الإنتصارات وبداية الأمجاد بهذه الغزوة العظيمة وكان لا بد من بيان للحفاظ على هذا النصر، للحفاظ على هذا الفرقان، يوم بدر له اسم آخر هو الفرقان (يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ (41)) جمع كبير أضعاف المسلمين، هذا اليوم العظيم لا بد من أن ندرسه وأن نفهمه.
                      اسم السورة الأنفال، لم تسمى بسورة النصر مع أنها سورة نصر، وفي القرآن سورة أخرى اسمها (سورة النصر) ولم تسمى أيضاً بسورة بدر أو بأي اس آخر يعبر عن المجد العظيم الذي حدث في هذا اليوم لكن الله يختار لها اسماً آخر وهو (الأنفال). والأنفال هي الغنائم التي تعبّر عن الدنيا لنحذر، إياكم إذا فُتحت عليكم الدنيا أن تستدرجكم، إياكم أن تظنوا أن النصر نهاية الطريق، أنتم في حاجة دائمة إلى الجهاد، لا تستعجلوا الثمرة. الثمرة الرئيسية التي يجاهد من أجلها المسلم ليست في الدنيا، هو يبذل كل جهده ليمكّن لدين الله في الأرض ويعلي راية الإسلام خفاقة لكن الأهم أن المسلم ثمرته الحقيقية ليست في الدنيا وإنما ثمرته مرضاة الله وجنته في الآخرة لذلك لا تنشغلوا بهذه الأنفال.
                      واختيار اسم الأنفال تحديداً له فائدة، كان من الممكن تسمية السورة الغنائم وهي كلمة عربية فصيحة (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ (41)) والرسول يقول: أحلت لي الغنائم. فما الحكمة من تسمية السورة بالأنفال؟ الأنفال من النفل والنفل من الزيادة، الذي يأتي من النصر أو من الدين أو من الدعوة إلى الله لا بد أن يُنظر إليه على أنه نفل، زيادة. الحرب في سبيل الله ليست لهذه الزيادة والدعوة إلى الله ليست لهذه الزيادة والنفل، كل ما يأتي بعد النصر من شهرة ومنصب ومال إنما هي أنفال، ليست هي الهدف وليست هي الأصل. الصلاة النافلة هي الصلاة الزائدة لكن الصلاة المفروضة هي الأصل. فلا بد أن ندرك هذا المعنى من اسم السورة.
                      سورة الأنفال سورة بيان النصر وتبدأ بهذا الموقف (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ) سورة النصر التي تتكلم عن نصر بدر تبدأ بعتاب. بعد ما حصل النصر العظيم بدأ بعض الناس تتنازغ في الغنائم كما ورد في بعض الآثار الصحيحة "فلما تنازعنا في الغنائم وساءت فيها أخلاقنا" بدأ البعض ينظرون للدنيا وهم حديثو عهد بالإسلام فنزلت الآية (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ) مشوار النصر طويل وغزوة بدر هي أولى الغزوات (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) وهذه نقطة مهمة. إياك أن تظن أن النصر هو نهاية المطاف، جرت العادة عند أهل الدنيا لما يحصل نصر يبدأ كلام التعظيم لبطولات الجيش والقائد. أنتم في رباط ولن تنتهوا من الرسالة بمجرد أنفال (فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) من أسباب النصر التآلف بينكم (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)) فهل بعد الغنائم تسوء أخلاقكم، يحدث بينكم ذات بين التي هي الحالقة التي تحلق الدين؟! ذات البين أي البغضاء التي تكون بين المؤمنين والحقد والحسد في قلوبهم هذه تحلق الدين من القلوب وتغيّر الإنسان على إخوانه.
                      (فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) يجب أن تتعلموا الطاعة وعدم التنازع على الغنائم، هذه رسالة أن ما حصل في أحد لم يكن ينبغي أن يحصل والأربعون رامياً الذين جعلهم النبي على جبل الرماة وقال لهم لو رأيتم الطير تخطّفنا لا تتركوا أماكنكم لكنهم بمجرد أن رأوا الغنائم ظنوا أن الأمر انتهى وكان خالد بن الوليد ينتظر هذه الثغرة، عبد الله بن جبير كان من الرماة ولكنه ثبت على أمر النبي وقال لهم أنسيتم أمر النبي ؟ فلم يسمعوا له. لو أنهم تذكروا هذه الآية؟! القرآن كتاب عملي يوجهنا إلى أحداث الواقع. لو اسقطنا هذا الكلام على واقعنا اليوم لما حصلت الثورة وحصل أن الظالم زال والله أخبرنا (قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الأعراف) ولم تمر أيام حتى بدأت النزاعات وبدأ الخلاف وبدأت التسميات وبدأ الشقاق والكل يريد الغنيمة ويريد نصيباً من الحكم فحصلت مشاكل وأمور لا ترضي الله . مباشرة ذكرت الآية (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ) حتى لا يحصل التنازع على هذه الأنفال.
                      بعد مقدمة السورة ذكرت الآيات صفات المؤمنين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4))
                      سورة الأنفال كبيان للنصر توجهنا لأمرين مهمين هما خلاصة السورة. وهذان الأمران بعض الناس يظن أنهما متعارضين أو متناقضين لكنهما لا بد أن يتكاملا. بعض الناس يظن أن الأخذ بالأسباب ينافي التوكل على الله ، سورة الأنفل ترسخ بيان النصر وكيفية المحافظة عليه وأسباب النصر ومن أين يأتي النصر وكيف كان هذا النصر تضعنا أمام حقيقتين همتين للغاية:
                      1. الحقيقة الأولى: النصر من عند الله (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)) (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى (17)) النصر من عند الله . علّقوا قلوبكم بالله (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ).
                      2. الحقيقة الثانية "لا للتواكل".وهذا لا ينافي (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) هناك أسباب للنصر لا بد من الأخذ بها، هناك وسائل للنصر، هناك سُبُل، هناك إعداد (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60)).
                      هذان المعنيان يترسخان في آيات السورة كلها، لا تعبد الأسباب، أنت لست عبداً للأسباب ولكنك عبد لله لكن عليك أيضاً أن تأخذ بالأسباب وأن تعِدّ وأن تفعل الذي عليك وهذا هو الحل وإذا فعلت ذلك إن شاء الله تكون مستحقاً للنصر.
                      المعنى الأول الذي ترسخه هذه السورة سورة الأنفال (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) النصر صنيعة الله وليس منكم أنتم.
                      آيات كثيرة في السورة تعلمنا أن الله هو الذي فعلها في هذه الغزوة: مكان الغزوة وزمانها والعدو الذي سيُحارَب وكيفية الحرب وإمدادات الغزوة، كل هذا صنيعة الله . عندما نثق تماماً أن هذا النصر كان من عند الله نتوكل عليه ومعنى التوكل متكرر في السورة: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)بعض الناس يستهزئون بك إن كنت موقناً بنصر الله ، هؤلاء غرّهم دينهم. (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(26)) يذكّرنا الله بأيام الضعف وكيف أيدكم بنصره هو لا نصركم أنتم، نصر الله (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ) (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَاغَالِبَ لَكُمۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) آل عمران)
                      عندما نتأمل آيات سورة الأنفال نجد أن كل أمر في غزوة بدر نُسِب لله إلا مسألة واحدة فعلها المسلمون وذكرت في السيرة أن النبي ظل يقوم بها طوال الليل (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ (9)) المسلمون حاربوا وقاتلوا وأبلوا بلاء حسناً لكن ما ذكره الله من قتالهم وتسديد رميهم نسبه لنفسه لأنه قد يقاتل الإنسان وتكون الحسابات المادية ممتازة وليس فيها خلل ومع ذلك تحدث الهزيمة لكن لما يأتي التسديد من عند الله ويرمي الله بيدك (وما رميت إذ رميت رمى) الله هو الذي يسددك في هذا ويأتي من هنا النصر. أهم ما فعله المسلمون في هذه المرحلة (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ) فيأتي المدد من عند الله (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) الله هو الذي أمدّ المؤمنين بنصره. وقبل الغزوة نسب الله لنفسه كل تفاصيل الغزوة، الإعداد النفسي للمعركة من صنع الله :
                      أولاً: قبل المعركة، الإعداد النفسي
                      (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَام (11)) (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ(44)) أنتم ترونهم قليلاً فتجترئوا عليهم وهم يظنون أنكم قليلون فيجترئوا عليكم أكثر وفي هذا نوع من أنواع الموازنة.
                      ترتيبات المعركة
                      (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6)) هو الذي أخرجك.
                      من سنحارب؟ (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)) البعض يريد النصر السهل، أن يأخذوا العير ويتركوا النفير لأن فيهم فرسان وسلاح.
                      أين سنحارب؟ (مكان المعركة)(إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ(42)) الله هو الذي اختار مكان المعركة.
                      نفقات المعركة(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ(36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(37))
                      ثانياً: أثناء المعركة
                      لم تفعلوا شيئاً.
                      الإمدادات(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)) الملائكة حاربت مع المؤمنين كما روى الصحابة، وهذه الإمدادت كلها من عند الله .
                      القتال وأحداثه(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(17))
                      (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)) الثبات كان من عند الله .
                      (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (50)) الملائكة تضربهم.
                      (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (51)) رب العالمين هو الذي وقاك منهم
                      (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ (52))
                      (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ(62))
                      (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(71)) الله هو الذي أمكن منهم.
                      هيمنة تامة من الله الملك الذي يقدّر الأمور هو الذي كان النصر من عنده (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) حتى القلوب في هذا اليوم وفي كل يوم ملك لله (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)
                      ثالثاً: بعد المعركة يأتي الإعلان الرباني لهذا المبدأ - البيان الختامي
                      (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) إياكم والغرور، اِنسبوا الفضل لله جلّ وعلا بعد النصر واعلموا أنه من عند الله (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ) اغترّوا، (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ(48))هذا المعنى الأول في السورة.
                      المعنى الثاني: التوكل على الله وتعلّق القلب به
                      المعنى الثاني يظن البعض أنه عكسه ولكنهما يتكاملان قلبك معلّق بالله، النصر من عند الله، يدك تعمل، قلبك مع الله، وعقلك وجنانك وفكرك وإبداعك وقوتك تعمل بها بالأسباب ولا تقصّر فيها أبداً. ترسخ السورة هذا المعنى وتوضح صفات جيل النصر المنشود، بيان الانتصار، من الذي يستحق النصر ولذا تتكرر في السورة (أولئك هم المؤمنون حقاً) تُذكر مرة مع العبادة ومرة مع الهجرة والجهاد لكي نعلم أن هناك تكامل بين العبادة والصلاح. أول صفات النصر أن نكون صالحين نطيع أمر الله ونطيع أمر الرسول . من أول السورة
                      (فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) هؤلاء الذين يستحقون النصر، قلوبهم متعلقة بالله، متوكلون على الله وقلوبهم مع الله صالحون مصلحون.
                      (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) كأنها إشارة في السورة أن هؤلاء الذين هذه صفاتهم هم الذين يستحقون النصر.
                      وتتكرر كلمة الطاعة في السورة كثيراً، طاعة الله وطاعة الرسول :
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ(20) وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ(21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ(22))
                      الصفة الأولى من صفات جيل النصر المنشود أن تكون قلوبهم على درجة من الصلاحقلوبهم وجلة من ذكر الله ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، هذه أولى صفات الجيل الصالح للنصر.
                      (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(46))
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24) وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(25))
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ(29))
                      الصفة الثانية من صفات جيل النصر المنشود: العمل والمجاهدة والتضحية والفداء.قال الله أيضاً عمن يفعلها (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) ليتم التكامل بين العبادة والعمل. (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ(74) وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(75))
                      الصفة الثالثة من صفات جيل النصر المنشود: الرجولة والقوة
                      (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ(57)) يجب أن تكون مجاهداً قوياً إذا ما ضربتَ في جهاد أوجَعْت. (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19))
                      الصفة الرابعة من صفات جيل النصر المنشود: الثبات
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ(15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(16))
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(45))
                      (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)). من صفات الجيل المنصور أنهم ثابتون لا يتزحزحون
                      الصفة الخامسة من صفات جيل النصر المنشود: الإعداد المادي والأسباب
                      (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُون) رباط الخيل القوة المادية من دبابات وطائرات وغيره.
                      (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(61))
                      الصفة السادسة من صفات جيل النصر المنشود: التحريض على الصبر والقتال والثبات
                      (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ(65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ(66))
                      الصفة السابعة من صفات جيل النصر المنشود: طاعة القيادة والجندية
                      (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(1))
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ(20))
                      (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ(46))
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24))
                      الصفة الثامنة من صفات جيل النصر المنشود: الأخوة والتآلف والمحبة ونبذ الخلاف وموالاة المؤمنين
                      (فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ (1))
                      (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)) بعد التنازع يحدث الفشل مباشرة. الصبر ليس فقط على الأعداء وإنما حتى على الإخوة فقد يصدر عنهم ما يضايق وممكن يؤذيك ولكنه أخوك فلا تتنازع معه أنت في معركتك مع الباطل لا بد أن تكون مع أخيك كالبنيان المرصوص (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4) الصفّ)
                      (هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ(62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(63)) الألفة بين المؤمنين.
                      ولا بد أن نوالي المؤمنين (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(64))
                      (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(72) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ(73))
                      الصفة التاسعة من صفات جيل النصر المنشود: الولاء والوضوح ونبذ الخيانة والخونة.
                      (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27))
                      (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ(58))
                      الصفة العاشرة من صفات جيل النصر المنشود: عدم التنازع على الدنيا الزائلة
                      (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1)) هذه الأنفال إن فرّقتم بينكم فألقوا بها ولا تنظروا إلى الدنيا وإنما ينبغي أن تنظروا إلى ما عند الله وإلى تآلفكموقوتكم.
                      (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28))
                      (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(67)) لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(68) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(69)).
                      سورة الأنفال باختصار ترسّخ هذين المعنيين: الأسباب وصفات جيل النصر المنشود بالتكامل مع التوكل على الله والثقة في أن النصر من عند الله وحده.

                      سورة الأنفال

                      http://www.youtube.com/watch?v=XXXutuV16FA
                      سمر الأرناؤوط
                      المشرفة على موقع إسلاميات
                      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                      تعليق


                      • #12
                        في صحبة القرآن
                        سورة التوبة
                        علمنا النبي أن علاقة المسلم بالقرآن علاقة صحبة (صاحب القرآن) (البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة تشفعان لصاحبهما) هذا المعنى الذي نريد أن نصل إليه.
                        سورة الأنفال سورة النصر والتعليق على نصر بدر، هذا النصر العظيم الذي منّ الله به على الأمة وتعلمنا من السورة أن النصر من عند الله وليس من أي شيء آخر مهما كانت الأسباب ومهما كانت الظروف المحيطة بالنصر إلا أن الأساس الذي ترسخه السورة في نفس المسلم وعقيدته أن النصر من عند الله ولكن جنباً إلى جنب مع هذا التوكل على الله هناك أسباب للنصر فالمسلم يوقن أن النصر من عند الله ويوقن أنه مع هذا كلّفه الله أن يعد العدّة (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60)) مع كل ترسيخ اليقين والعقيدة بأن النصر من عند الله (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)) إلا أن هذا لا يقلل من الإعداد ومن البذل.
                        سورة التوبة لا يفصل بينهما وبين سورة الأنفال بالبسملة. والسورتان مرتبطتان لأنهما يتحدثان عن معنى الجهاد والقتال مع أن فرق التوقيت في النزول ليس بقليل فسورة الأنفال نزلت بعد بدر يعني في أوائل العهد المدني وسورة التوبة تكاد تكون من آخر السور التي نزلت على النبي وفيها آخر غزوة خرج فيها النبي غزوة تبوك أو غزوة العسرة التي تتكلم سورة التوبة عنها.
                        بين سورتي الأنفال والتوبة نوع من أنواع الوحدة الموضوعية. نلاحظ أن سورة التوبة من أكثر السور التي لها أسماء كثيرة جداً، لها أسماء بعض العلماء أحصاها بأربعة عشر اسماً وعادة العرب أن الشيء الذي له أسماء كثيرة فهذا يدل على أن له قدراً معيناً. كل اسم من أسماء سورة التوبة له علاقة بمواضيع في السورة ومواضيع لها قيمة كبيرة جداً في هذه الرسالة التي يمكن أن نطلق عليها الرسالة الختامية التي يوجهها الله وتليت على النبي نزلت عليه في آخر حياته . من هذه الأسماء الذي سنتوقف عنده طويلاً الفاضحة. من أسمائها أيضاً المخزية وسورة العذاب والمقشقشة (اسم يقال قشقش الدواء الجرَب أي نزعه من مكانه) فكأن هذه السورة تزيل الجرب من على القلوب جرب القلوب النفاق أعاذا الله منه. ومن أهم أسمائها سورة التوبة وهو المشهور جداً ونجد ارتباطاً بين اسم التوبة والفاضحة، هناك فضح شديد جداً لأن هذا الفضح سيُلزمنا بأمر مهم جداً أننا جميعنا بحاجة إلى التوبة، الكل بحاجة إلى التوبة، السورة مليئة بالفضائح التي لو عرضنا أنفسنا عليها يمكن أن نجد في أنفسنا شيئاً منها نسأل الله السلامة. ليس شرطاً أن تنطبق كل صفات النفاق على الجميع فقد تجد في صفاتهم التقصير (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102)) نحن هكذا نخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وكلنا مطالبون بالتوبة.
                        ولأهمية موضوع السورة تكلم العلماء عن الحكمة من عدم ورود البسملة فيها كباقي السور القرآنية، علي بن أبي طالب يقول: البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف، لا أمان فيها. لا أمان للمنافقين، لا أمان للمجرمين، نحن في مرحلة مفاصلة تحديد مصير وحسم. فالموضوع لأهميته يبدأ من غير مقدمات (بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) أمر شديد يحذّر الجميع، يقول حذيفة بن اليمان: "إنكم تسمونها التوبة وإنما هى سورة العذاب ما تركت أحداً من المنافقين إلا نالت منه" لم ينجو أحد من هذه السورة لأنها بيان ختامي لا بد أن يتضح الأمر ولا بد أن يعرف الجميع صفات المنافقين ولا بد أن ينتهي هذا النفاق وإن لم ينتهي فلنحذره ولذلك يقول تعالى (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ) وخرج هذا في هذه السورة التي نزلت بموازاة هذه الغزوة الخطيرة غزوة العسرة، غزوة تبوك وهي ليست غزوة عادية غزوة تكشف، ومن ضمن أسماء السورة الكاشفة، ومن ضمن أهم خصائص غزوة تبوك أنها تكشف الجميع، الكفار ينكشفون على حقيقتهم (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)) (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12)) تعرض السورة جرائم الكفار وجرائم المنافقين وجرائم المعذّبين الذين يكذبون على أنفسهم ويلتمسوا أعذاراً ليتركوا العمل للدين، هذه السورة تضعنا أمام قول حاسم (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)) سورة حاسمة لأنها كأنما هي رسالة ختامية ولما ينكشف الأمر كله ولما تظهر كل مسألة وتتضح وتنكشف الفضائح يعرف كل واحد أنه محتاج إلى التوبة إلى الله . ومن المفارقات في السورة أن من أواخر ما ينزل على النبي في هذا المقام دعوة عامة للجميع إلى التوبة في هذه السورة (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) آية رقيقة كأن الله يخاطبك (ألم يعلموا) الدعوة للتوبة عامة، عن عباده عن الجميع وتتكرر التوبة في السورة 17 مرة لأن بعد كل فضيحة بعد كل كشف لهذه الجرائم العظيمة باب التوبة مفتوح لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، مهما كانت الجريمة فظيعة ومهما كانت الفضيحة قاسية ومهما كان الكشف مريعاً لا بد أن تدرك دائماً في هذه السورة في هذه الرسالة الختامية على النبي أنه ما زال هناك فرصة للتوبة (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) استبشروا وتوبوا إلى الله ،
                        دعوة عامة للجميع بالتوبة
                        تجد التوبة:
                        مع الكفار: (وأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) الكلام للمشركين (فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وقول الله (فإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) يدركوا التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها فصاروا إخوانكم وفُتح لهم الباب.
                        مع المنافقين: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) بعد كل جرائمهم، بعد النفاق وإظهار الإيمان وإبطال الكفر، بعد اللمز للنبي ؟ تكررت في السورة (ومنهم) كل صفات المافقين ذكرت في السورة ولم يكن متبقياً إلا أن تُذكر أسماؤهم. عندما نسمع الآات تتحدث عن صفات المنافقين لا ينبغي لنا أن نغفل عنها ونتركها وفي قصة عمر بن الخطاب عندما سأل حذيفة بعد أن كان النبي أطلعه على أسماء المنافقين فكان يسأله عمر: أوسماني لك رسول الله؟ هذا عمر يسأل وهو خائف على نفسه من النفاق وعلينا نحن أن نخاف على أنفسنا منه ومن أمراضه التي تتسرب إلى القلوب والعياذ بالله. يقول ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي كلهم يخشى على نفسه النفاق. فينبغي أن نعرض هذه الآيات التي ذكرت صفات المنافقين على أنفسنا هل فيها خصلة من خصلات النفاق؟ وقد ذكر لنا النبي بعض خصائص المنافقين: آية المنافق أنه إذا حدّث كذب وإذا اؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر فمن كانت فيه خصلة منهم كان فيه خصلة من خصال النفاق حتى يدعها ومن اجتمعت فيه فهو منافق والعياذ بالله! فعلينا أن نعرض أنفسنا على آيات المنافقين في سورة التوبة. ورغم كل هذا يقول الله لهم (فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) توجيه للمنافقين بالتوبة.
                        مع المترددين الذين لم يتخذوا قراراً: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
                        مع كل العباد: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الرسالة الختامية دعوة للتوبة لكل الناس (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) الزمر) حتى الذين أسرفوا على أنفسهم.
                        مع المقصرين: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
                        حتى مع النبي ومع المهاجرين والأنصار: (لَقَد تَّابَ اللَّه عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)
                        ومع الثلاثة: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
                        دعوة للجميع بالتوبة حتى النبي أفضل الخلق جميعاً والمهاجرين والأنصار والصحابة وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، كلهم يتوبون وكان النبي يستغفر في المجلس الواحد أكثر من سبعين مرة، كل هذه الدعوات لنتعرف على قيمة التوبة وهذا لن يكون إلا حينما نتعرف على حاجتنا لها وهذا ما ترسخه السورة من خلال عرض الفضائح مع النفس وسنتسعرض بعض الفضائح التي ذُكرت في سورة التوبة.
                        سورة التوبة هي السورة الفاضحة الكاشفة التي تكشف الجميع تكشف كل واحد منا أمام نفسه، يعرض هذه الآفات على نفسه حتى نشعر بقيمة التوبة ومدى احتياجنا لها يجب أن نتوقف أمام هذه الفضائح التي لا بد أن يقع أحدنا في شيء منها حتى الفضائح النفسية الخفية.
                        عرض لبعض الفضائح في السورة إسقاطها على واقعنا
                        أولاً: فضيحة القعود عن نصرة الدين.
                        البعض يظن أن نصرة الدين ترف، هذه السورة تضعنا أمام خيار أساسي مختلف وتضعنا أمام آية في غاية الخطورة: خدمة الدين فرض والنفير واجب وإلا فالعذاب (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) في السورة عقاب والعذاب علامة من علامات التحريم وأن الفعل الذي ذكر قبله أياً كان نوع العذاب سواء كان العذاب في الدنيا بحدّ من الحدود كحد السرقة والزنا أو العذاب في الآخرة. الله يقول (إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) إذا دُعيتم للنفير – وقد ورد النفير في سورة التوبة بصور متعددة ليس فقط النفير إلى القتال وإنما ورد أيضاً النفير في طلب العلم (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)) – فعندما يُخاطب الإنسان بالنفير وهو لا ينفر والله يقول أن هذا الإنسان معرّض للعذاب إن لم ينفر فلا بد أن نقف ونسأل أنفسنا هل نحن ممن إذا استُنفر نفر؟ والله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ) كلمة (اثاقلتم) توحي بالثقل والتثاقل الشديد. (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) رضيتم بالدنيا مع أن الله اشتراها منكم كما ورد في الآية (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) العهد الذي بيننا وبين الله عهد شراء وبيع. أنت بعت والله اشترى منك فلا ينبغي أن يعطلك ما اشتراه الله منك!
                        وتذكر السورة الأسباب التي تدفع الذي يقعد عن نصرة الدين ويتثاقل ويتخاذل عن نصرة الدين:
                        الشهوات والشبهات: (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) هذا السؤال الذي يكشف الأسباب، دعيت لتخدم دين الله أو تُخرج من مالك وجهدك وتطلب العلم وتدعو إلى الله وإذا دعيت للجهاد في سبيل الله سواء بالمال أو بالنفس، أساس القعود "الدنيا وشهواتها" (أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ) شهوات الدنيا وملذاتها ولذلك ذكر النبي في حديث "لا يتبعني رجل من ثلاث": غزى نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها ولمّا يبن بها ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات و هومنتظر ولادها." كل هؤلاء لديهم ما تعلقوا به في الدنيا لأن هذه قد تقعدهم عن نصرة الدين.
                        ولهذا عرضت الآية في سورة التوبة المحبوبات الثمانية لا يخلو منها إنسان وهي مباحة لكن إذا ما أوقفت الإنسان عن نصرة الدين فهو معرّض للعذاب (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) هذه كلها مباحات بل والبعض منها فرض كحب الوالدين والعلاقة بالأبناء والزوجة ولكن لو كانت هذه المباحات أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا (وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) لأنه لو يقم بهذه الأمور وهنا نذكر قصة سيدنا حنظلة بانبهار شديد جداً، حنظلة في يوم بنائه والمنادي ينادي يا خيل الله اركبي فترك زوجته وهو في ليلة بنائه بها ولم يمهل نفسه حتى يغتسل ولما استشهد في سبيل الله غسلته الملائكة. ماذا لو تكاسل حنظلة عن داعي الجهاد؟ كان سيكون من أهل هذه الآية وستكون زوجه أحب إليه من الجهاد في سبيل الله. سورة التوبة تضعنا أمام هذا المعنى المهم أن علينا أن نخدم هذا الدين وأن نقف وننصر هذا الدين بأية وسيلة.
                        ومن الأمور التي تقعد بالناس عن نصرة الدين: الشبهة
                        يدّعي الإنسان أنه لا يعلم ماذا يفعل، لكن الآية في سورة التوبة توضح أن النفير يكون على كل حال (انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) كل ما تستطيع أن تجاهد به، عمار بن ياسر وهو في التسعين من عمره لما سمع منادي الجهاد أراد أن يخرج فقال له أبناؤه اُقعد يا أبانا نحن نكفيك، قال:و هل أبقت لنا آية النفير جنباً ننام عليه؟! الله قال (انفروا خفافاً وثقالاً) هذا معنى مهم في السورة. فيها:
                        الجهاد بالمال (إن اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم) (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)
                        الجهاد بالكلمة: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جهاد الكفار بالسيف وجهاد المنافقين نعلم أن رسول الله لم يقاتل المنافقين حتى أنه لم يقتل عبد الله بن أبي بن سلول "لا يقولنّ أن محمداً يقتل أصحابه". فجهاد المنافقين يكون جهاد الكلمة والدعوة والحجة والمناظرة وكشف الشبهات. وإياك أن تقول لا أعرف أو لا أقدر على الجهاد لأن سورة التوبة لم تدع لأي إنسان مجالاً للقعود عن الجهاد.
                        الجهاد بالعلم: وسماه نفيراً (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
                        (إلا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ) الدين سينتصر بك سواء قعدت أو لم تقعد، لكن السؤال ماذا فعلت أنت؟
                        ثانياً: فضيحة الكذب والأعذار والاستئذان.
                        هذه الفضيحة يتبعها فضية أخرى: الكذب على النفس وعلى الناس وعلى الله: بعض الناس يقعد وتكذب وقد تكذب على نفسها وليس على الناس ولذلك يقول الله (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) هذه فضيحة الكذب على الله وعلى الناس وعلى المؤمنين فيبحث عن مبررات وأعذار والله يذكر أنهم يستأذنون (عفا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ) ويستثني (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (77))
                        الإعداد والعمل معيار الصدق (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ) لو صدقوا بالخروج فعلاً لأعدّوا له العدة وبذلوا (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)) هذه الآية تنطبق على كل حياتك وعلاقتك بالدين:
                        لو أردت الجنة لأعددت لها عدة، لو أردت التوبة أعدد لها عدة، لو أردت الالتزام لأعددت له عدّة، كل حياتك الدينية وصدقك يُفضح بهذه الآية: هل أعددت؟ هل فعلت ما ينبغي أن تفعله؟! هذه فضيحة حقيقية لكن للأسف بعض الناس تحب أن تكذب على نفسها وتخدّر عقلها وتتفنن في اختلاق الأعذار.وغزوة تبوك فضحت هذه الأعذار فالذي يبحث عن عذر يبرر به قعوده ويبرر لنفسه كل عمله سيجد أعذاراً له وغزوة تبوك تكشف لنا هذا المعنى صحيح أن الغزوة كانت صعبة جداً فهي كانت في مكان بعيد مسيرة شهر (كانت في الشام) مكان بعيد عن المدينة المنورة، وكانت في حرّ شديد (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) والعدو قوة جبارة (الروم) لا قبل لهم بها ولم يسبق لهم أن قاتلوا جيشاً نظامياً مسلّحاً مدرّعاً، حتى أن البعض اعتذر بنساء الروم فقال للنبي (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) أظهرها على أنها حجة شريعة كما قالوا في سورة الأحزاب (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)) يذكروا أمراً شرعياً حتى يتركوا الجهاد، يكذبون حتى بالدين! كما قال الذي بسببه نزلت الآية الذي جاء للرسول فقال يا رسول الله إني لا أطيق نساء بني الأصفر فقد لا أتحمل الفتنة فردّ الله عليه (أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) يحتج ويعتذر حتى لا ينصر دين الله ! وآخر يقول ليس عندي نفقة!
                        كان في غزوة تبوك أسباباً كثيرة تجعلهم يبرروا ويعتذروا لكن المؤمن الحقيقي لا يعتذّر بل يتحرّق للغزو (لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) المؤمن يتحرّق للغزو وكما قال النبي : من مات ولم يغزو ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من شعب النفاق. لأن الجهاد شرف.
                        الصادقون في الخروج والجهاد لما جاؤوا إلى النبي (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91) وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92)) الوضع كان صعباً جداً ومع أنهم معذورون إلا أنهم تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً، صدق رهيب في حالهم، يريدون أن يخدموا الدين.
                        ثالثاً: فضيحة الاستهزاء بالدين.
                        عندما استُهزئ بالقُرّاء: ما رأينا مثلَ قُرَّائِنا هؤلاءِ أرغبَ بطونًا ولا أكذبَ ألسُنًا ولا أجبَنَ عندَ اللقاءِ . فقال له عوفُ بنُ مالكٍ : كذَبتَ ، ولكنك منافقٌ ، لأُخبِرَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فذهب عوفٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لِيخبِرَه ، فوجد القرآنَ قد سبقه ، فجاء ذلك الرجلُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقد ارتحلَ وركب ناقتَه ، فقال : يا رسولَ اللهِ ، إنما كنا نخوضُ ونتحدثُ حديثَ الركبِ نقطعُ به عنا الطريقَ . قال ابنُ عمرَ : كأني أنظرُ إليه متعلقًا بنسعةِ ناقةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وإن الحجارةَ تنكُبُ رجلَيه ، وهو يقولُ : إنما كنا نخوضُ ونلعبُ . فيقولُ له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ما يلتفتُ إليه وما يزيدُه عليه يعني رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأصحابَه القراءَ.
                        أنزل الله (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) لم يقبل النبي اعتذارهم كما أمره الله .
                        ولنسقط هذا على واقعنا ونرى الاستهزاء بالدين والاستهزاء بالشيوخ وبالعلماء للأسف.
                        الفضيحة الرابعة: انعدام الغيرة على حرمات الله.
                        (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
                        السورة مليئة بالكلام عن حرمات الله حرمة الزمان وحرمة المكان وحرمة حدود ما نهى الله عنه وحرمة حدود ما أنزل الله وحدود الحلال والحرام وحرمة الأيمان وحرمة الدين وما يفعله الكثيرون في الدين (وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ) الطعن في الدين.
                        حرمات عديدة عرضتها السورة:
                        حرمة المكان (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)
                        حرمة الزمان (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)
                        حرمة حدود الله وما نهى عنه (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29))
                        حرمة المال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
                        حرمة التوحيد (وقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
                        حرمة الأيمان (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13))
                        حرمة الدين (وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ)
                        حرمة الرسول والصحابة وأهل العلم (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ)
                        الغيرة على حرمات الله موجودة في السورة والكل يُفضح في هذه السورة:
                        الكفار يُفضحوا وتظهر فواحشهم بالمؤمنين (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13)) (كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)
                        يُفضح المنافقون: كل الآيات التي فيها (ومنهم):
                        (ومِنْهُمَ مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)
                        (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ)
                        (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ)
                        (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)
                        (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58))
                        (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
                        (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ)
                        (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
                        (ومنهم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) (فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّوْا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ)
                        (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
                        (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
                        (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ)
                        (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون)
                        اِعرض نفسك على هذه الآيات واسأل نفسك هل ينطبق هذا الكلام عليك؟ وهل أنت تقصّر في حق الله وحق ديني وحق نصرته؟ هل فيّ صفة من صفات النفاق أو من صفات القعود؟! وهل فيّ صفة من صفات التقصير؟!
                        ذكرنا أربع فضائح في السورة ولكن السورة فيها فضائح كثيرة جداً ذكرنا:
                        · فضيحة القعود عن نصرة الدين
                        · فضيحة الكذب وإيجاد المبررات الكاذبة والأعذار
                        · فضيحة الاستئذان عن هذا الفضل الكبير
                        · فضيحة انعدام الغيرة على حرمات الله
                        · فضيحة الاستهزاء بالدين
                        · فضيحة لمز المؤمنين (وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58)) (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)) يلمزون المؤمنين ويستهزئون بهم.
                        هذه الفضائح كلها في سورة التوبة ينبغي أن نعرض أنفسنا عليها هل فيها شيء منها؟. موقف كعب بن مالك والثلاثة الذين خُلفوا (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)) لم يكن عنده عذر لكن الله تاب عليه لأنه كان صادقاً ولذلك قال الله (وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119)) علينا أن نكون مع الصادقين ونعرض أنفسنا على هذه الفضائح في السورة وإذا ما وجدنا شيئاً منها عندنا فهذه السورة بعد كل الفضائح هي سورة التوبة وهذا الاسم التوقيفي لهذه السور فكلنا مخاطبون بهذه السورة وعلينا أن نعرض هذه الفضائح وهذه المقشقشات على أنفسنا ثم نتوب إلى الله ونجعل هذه الآية نبراساً لنا في حياتنا (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الكل مخاطب بالتوبة.

                        سورة التوبة

                        http://www.youtube.com/watch?v=x4cmKBUvYfs
                        سمر الأرناؤوط
                        المشرفة على موقع إسلاميات
                        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                        تعليق


                        • #13
                          في صحبة القرآن
                          سورة يونس
                          رسائل في زمن الأزمة
                          سورة التوبة هي السورة الفاضحة، المخزية، الكاشفة، المقشقشة وغيرها من الأسماء والتي تصب كلها في هذا المعنى المهم جداً: فضائح الإنسان في علاقته بالله ، ولذلك سميت السورة الكائفة لأنها تكشف الحقيقة وتكشف آفات قد يكون الإنسان في حياته لا ينتبه لها. والسورة هي من أواخر السور التي نزلت على النبي فكان لا بد أن يكون فيها هذا الكشف فالذي يعرض نفسه على سورة التوبة لو كان صادقاً في عرضه ينكشف حاله تماماً مع الله ، حاله مع المؤمنين، حاله مع نصرة دين الله جلّ وعلا ومن ثمّ له خيار واحد وهو التوبة (وهو الاسم التوقيفي الأساسي لسورة التوبة) له خيار أن يستقيم وأن يتوب إلى الله ولهذا ورد في السور توجيه ودعوة عامة للجميع بالتوبة، كل مخاطب مدعو للتوبة (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
                          سورة يونس وهي بداية للسور المكية من جديد بعد سورتين من السور المدنية الأنفال والتوبة وهكذا القرآن مراوحة بين المكي والمدني وكل منهما له خصائص معينة.
                          سورة يونس من ضمن السور التي نزلت في أحداث وفي زمان في غاية الخطورة، نزلت على النبي قيل أنها نزلت في العام العاشر من البعثة وقيل في العام الحادي عشر وقيل في العام التاسع وأغلب أهل التفسير على أنها نزلت ما بين السنة التاسعة إلى الحادية عشر. هذا التاريخ له مدلول معين، نزلت السورة في أصعب فترة مرّ بها النبي من ضمنها هذه الفترة ما يسمى بعام الحزن، في هذه الفترة كانت هناك أحداثاً في غاية الخطورة منها شعب أبي طالب لما قاطع كفار مكة النبي واصحابه وحبسوهم في شعب أبي طالب وبدأوا يتعرضوا لظروف اقتصادية واجتماعية في غاية الصعوبة من المقاطعة والتقشف لدرجة أن بعضهم وصل به الأمر أن يأكل من ورق الشجر، ولا يكاد ينقطع أنين الأطفال. في هذا الوقت ماتت السيدة خديجة رضي الله تعالى عنها ومات أبو طالب عم النبي وكان فيها المحن المتوالية منها محنة الطائف لما قُذف النبي بالحجارة قد أدميت قدماه وآذاه السفهاء والأطفال والصبية، كانت ثلاث سنوات صعبة جداً نزل خلالها سور منها سورة يونس. سنوات كانت قاسية جداً على النبي بفقد أحبابه ومن بقي منهم هاجروا (هجرة الحبشة الأولى والثانية) وبدأ النبي يرسل البعثات إلى المدينة من بداية هذه الفترة لأن الوضع كان صعباً جداً، حرب إعلامية (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) مقاطعة كاملة. هذه الفترة نزلت فيها هذه السورة. هذا جو نزول السورة الذي له علاقة كبيرة جداً بموضوع السورة لأن هذا الإغلاق وصل لمرحلة إغلاق دنيوي، تقريباً لا وجود للدنيا، لا مكانة، لا سمعة لا مال، لا جاه بحيث تجعل أحداً مذبذباً يثبت، تجعل أحداً يشاور نفسه يُسلم أم لا، الموضوع في غاية الصعوبة فعلاً، حالة إغلاق وأصعب سنين مرت على النبي في مكة هي هذه الأعوام القاسية وفي هذه الظروف وفي هذه الأحداث لما تكون الدنيا منقطعة بهذه الطريقة وهذا الاستضعاف وهذا العذاب من الطبيعي أن تجد الناس تتفاعل معها بشكل معين، فتجد أربع طوائف من البشر في هذه الظروف القاسية:
                          الطائفة الأولى: أول ما تجد هذا الاستضعاف تحزن وتُحبط وتصاب بالإحباط وقد تقعد عن العمل وعن البذل لشدة الظروف الصعبة التي تعيش فيها.
                          الطائفة الثانية تبدأ بالتنازل والتفريط وتفكر في إعطاء العدو بعض ما يسأله (نعبد إلههم يوماً ويعبدون إلهنا يوماً) يبدأ لديها نوع من أنواع التمييع للثوابت بسبب الاستضعاف.
                          الطائفة الثالثة تنهار تماماً ليس فقط تحبط أو تميع الأمور وقد يرتد الإنسان في ظل هذه الظروف الصعبة جداً.
                          الطائفة الرابعة وكانوا هم الأغلبية وهم أصحاب النبي . المعالجة الإيمانية والتربوية التي سنتعرض لها في السورة بفضل الله ثبتتهم (كذلك لنثبت به فؤادك) المعاني الإيمانية التي غرسها فيهم النبي والتي نحتاج أن نتذكرها في أيامنا هذه ثبتتهم جعلتهم يصمدون أمام هذه الهجمات الشرسة.
                          السورة توجه رسائل للأنواع الأربعة وسنستسعرض سورة يونس من خلال أربع رسائل رئيسية. سورة يونس أول سورة باسم نبي من الأنبياء سيدنا يونس واسم السورة فيه ملمح وإشارة قصة سيدنا يونس نختم بها السورة.
                          الرسالة الأولى: رسالة الثبات.
                          وهذه رسالة للطائفة التي ستتقاعس عن العمل وتقعد وتتكاسل ولن تثبت وتهتز. رسالة الثبات ليس فقط على الدين لكن رسالة ثبات على العمل والدعوة فمع كل ما يمرون فيه ستكرر كما في سورة الأنعام كلمة (قل) تكلم لا تيأس ولا تسكت لأنك مطالب في عزّ هذا الاستضعاف أن تدعو إلى الله وستتكلم عن الله وستعرف الناس عليه . فالرسالة الأولى إذن رسالة ثبات على العمل.
                          الرسالة الثانية: رسالة الحسم. لا يوجد ما يسمى بأنصاف الحلول، لا تمييع، هم يريدون منك أن تهتز في عقيدتك ولهذا ذكرت الآية (فائت بقرآن غير هذا أو بدله) (قل ما يكون لي أن أبدله) الدين ليس ملكاً لأحد ولا يمكن لأحد أن يجتزئ منه، هو دين الله (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ) فسورة يونس تعلمنا الحسم في هذه الرسالة رسالة الحسم
                          الرسالة الثالثة: رسالة التحذير لأن ناك أمراض معينة لو وجدت في الأمة وهي في حال الاستضعاف لن تثبت ولذلك تعرض السورة تحذيراً من أمراض وأصناف من البشر يجب الحذر منها ومعالجتها والسورة تعرض العلاج لكل صنف تحذّر السورة منه.
                          الرسالة الرابعة: رسالة البشرى وهي متعلقة باسم السورة واختيار اسم سيدنا يونس .
                          رسائل سورة يونس:
                          الرسالة الأولى: رسالة الثبات
                          هي رسالة موجهة لضعاف القلوب والمحبطين والقاعدين، هذه الرسالة تقول: اثبت على العمل، ادعُ إلى الله ولا تدع هذا الاهتزاز وهذا الاستشعاف والإيذاء يُقعدك عن العمل ويمنعك من البذل في سبيل الدين ومن التعليم للناس. مهما فُعِل بك قُل ولذلك تتكرر كلمة (قل) كثيراً في السورة. تتكرر (قل) وتوجيهات دعوية:
                          (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) أنتم محرومون في هذه الشِعب، محرومون في هذا الاستضعاف والمقاطعة الاقتصادية التي فرضتها قريش. يعلمك الدعوة بعد كل هذا قل (أَفَلاَ تَتَّقُونَ) أفلا تتقون الله .
                          (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) عرّفهم بالله
                          (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) يكلمهم ويدعوهم إلى الله.
                          (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)
                          (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ )
                          (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ)
                          (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون)
                          (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ)
                          (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
                          (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ)
                          آيات كثيرة جداً في سورة يونس تعلمنا أنه مهما حدث وفي ظل الظروف الخطيرة والعصيبة التي ترون بها لا بد من الدعوة (قُل) تكلم ولا تسكت عن الحق، توجيه مهم جداً.
                          التوجيه للانتظار والصبر والثبات، كلمة الانتظار تكررت في السورة:
                          (وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ)
                          (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ)
                          (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) واصبر دعوة للثبات.
                          ويضرب الله لنا مثلاً بسيدنا نوح عليه والسلام وثباته الطويل ألف سنة إلا خمسين عاماً وعدم خوفه ويقول لقومه
                          (يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ) شجاعة وقوة وثبات وعدم خوف منهم وعدم الحاجة لهم (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لا أطلب منكم شيئاً إن أجري إلا على الله.
                          وكذلك قصة سيدنا موسى يعلمنا (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) توجيه للثقة وعدم الحزن. فالسورة توجه ليس إلى الثبات فقط وإنما إلى عدم الحزن أيضاً بل فيها دعوة للفرح (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) دعوة للفرح في أعوام الحزن والصعوبة وحصار الشعب دعوة للفرح وهناك فضل آخر وهو فضل القرآن (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) أولئك معهم المال والأكل والشرب والمتاع لطن الذي معكم أعلى، معكم كلام الله فلتفرحوا أمر بالفرح. ليس مجرد الثبات وعدم الحزن بل الفرح (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) لا تخافوا ولا تحزنوا لكن بشرط:
                          (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
                          (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
                          (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) المهم القلب يكون منشرحاً بكلام الله . (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ).
                          هذه هي الرسالة الأولى رسالة الثبات ليس فقط على الدين وإنما ثبات على العمل ودعوة أيضاً للفرح وعدم الحزن لأن معك فضل الله تعالى ومعك الإيمان والقرآن هذا هو الفضل. تغرس فينا السورة العوامل الأساسية والقيم التي نفرح بها قيمة الإيمان وفيمة القرآن الذي رزقنا الله بها.
                          الرسالة الثانية: رسالة الحسم والتمسك بالحق الكامل حيث لا مجال للتمييع ولا لأنصاف الحلول
                          بعض الناس نتيجة الضغط الشديد والاستضعاف والمشاكل والأذى سواء الإعلامي والتشويه تجد بعض الناس تفرّط وتميّع. هناك في الدين ثوابت لا يمكن التفريط فيها وليس فيها أخذ ورد، قد توجد أمور خلافية خلاف التعدد وخلاف التنوع لكن الثوابت والعقائد لا يمكن التفريط بها. ويكثر وقت الفتن نموذج المفرط والمداهن وقد ذكرها الله (ودوا لو تدهن فيدهنون) يريدونك أن تداهن وتفرّط بالشريعة، هذا التمسك رسالة من رسائل السورة في الظروف الصعبة والقاسية التي نزلت فيها سورة يونس تعلمنا هذا المعنى أنه رغم كل الظروف أنت تتّبع أنت لا تفرّط من عندك لأن الأمر ليس ملكك وإنم هو شرع الله وكلام الله وهذا من عند الله لا يمكنك التفريط بشيء منه. وتأتي الآية الحاكمة (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) السورة تضعنا بين اختيارين: حق وضلال ولذلك تأتي الآية الفاصلة بوضوح شديد: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) لا يحق لأحد أن يبدّل أي جزئية من هذا القرآن والله تعالى يعلمنا في هذه الظروف الصعبة يقول للنبي (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ليست من صلاحيات النبي أن يبدّل شيئاً في القرآن لأنه ليس ملكه، النبي له حدّ مع الله لا يمكنه أن يتخطاه والتشريع لا يكون إلا لله الحق الملك ، الثوابت لله، العقيدة من عند الله . ولهذا أكثر ما يكرهه المميعون أن يقال لهم: قال الله، وقال رسوله، يعترضون مثلاً على بعض آيات القرآن ولكنه ليس كلامنا نحن وإنما هو كرم الله (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) ليست المسألة بمزاجي أنا إنما أنا متّبع (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) محمد أحب الخلق إلى الله ومع ذلك يقول (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ). هذا معنى مهم ومن أهم مواطن القوة في هذه الرسالة: الأمر ليس بمزاجي وليس من خصائصي ولا من خصائص أحد من البشر أن يبدّل أو يداهن، الدين لله (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) أتفتري على الله وتؤلف في الدين على هواك؟! (قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) ويعلمه الله (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) كلام ثابت واضح.
                          (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)
                          كلام ثابت واضح وحقيقة ثابتة ليس فيها تمييع (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ)
                          هذه ثوابت لا تفاهم فيها وهذه هي الرسالة الثانية للمميعين والمفرّطين الذين في زمن الفتن والاستضعاف والأزمات يفرطوا في دينهم وعقيدتهم ورسالتهم.
                          الرسالة الثالثة: رسالة التحذير من أمراض توجد في أوقات الفتن وأصناف تنخر جسد الامة ولا تسمح بوجود الطائفة الثابتة أو تخلخلها ولا تتحمل الفتنة وعلاج كل نوع
                          1. الصنف الذي لا يعرف الله حق المعرفة. هذا الذي لا يعرف الله حق المعرفة ما الذي سيجعله يتحمل؟ لو أن أحداً لا يعرف الله ولا يعرف أن هناك آخرة وحساب وجزاء ما الذي يجعله يتحمل الإيذاء والاستضعاف بل بعضهم ينتحر عند الأزمات لأنه يائس من رحمة الله فلو عرف الله لثبت وأكمل. هذا الصنف لا يتحمل ولذلك تجد آيات كثيرة في السورة تكلمنا عن معرفة الله ومن أكثر السور التي تحدثنا عن الله بشكل كبير وظاهر
                          (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ )
                          (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ)
                          (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
                          (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ)
                          (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ)
                          (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (32))
                          (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36))
                          (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ)
                          (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)
                          (وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
                          (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)
                          (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
                          الذي لا يعرف الله لن يتحمل الابتلاء، سيدنا أيوب قال (إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) تحمل سنوات عديدة في الابتلاء لمعرفته أن الله هو أرحم الراحمين. لو فقد إنسان كل شيء لن يتحمل إن لم يكن يعرف الله ولذلك الملحد الذي لا يعرف ربه لا يتحمل الحياة إن واجهته ظروف صعبة أما المؤمن فعنده أمل دائماً أن الله سيفكّ كربه فيدعوه أما الملحد فليس عنده أحد يدعوه وليس عنده من يرجو لقاءه ولهذا يأتي النوع الثاني:
                          2. الذي لا يرجو لقاء الله
                          هناك من يعرفون الله معرفة سطحية فلا يرجون لقاءه ولا يعملون لهذا اللقاء وهناك آخرون لا يريدون لقاء الله وتتكلم السورة كثيراً عن هذا المعنى وتكررت (الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) ثلاث مرات في صفحة واحدة من السورة:
                          (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ)
                          (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
                          (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)
                          الآية مهم جداً (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (8))
                          بداية المشكلة أنهم لا يريدون لقاء الله ، عندما تكون موقناً أن لديك لقاءً معيناً – ولله المثل الأعلى – تُعدّ لهذا اللقاء لأنك ترجو هذا اللقاء وترجو ما وراء هذا اللقاء. وهناك أناس لا ترجو لقاء الله إنما الذي يرجو لقاء الله يُعدّ له.
                          والسورة تعالج مشكلة الذي لا يرجو لقاء الله فتجد في السورة آيات كثيرة عن الآخرة وعن الجنة وعن النار للترغيب بلقاء الله فتشتاق للقائه ولذلك كان من دعاء النبي : اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك.
                          (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)
                          (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
                          (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
                          (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
                          (وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون)
                          (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)
                          ونسأل: لماذا لا يرجوا هؤلاء لقاء الله ؟ لأنهم من النوع الثالث:
                          3. الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها (وَرَضُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) نفس الأسباب التي ذكرت سورة التوبة أنها أقعدت بعض الناس عن نصرة الدين "الدنيا" رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا باسبابها، هذا مبلغهم من العلم الدنيا وشهواتها، اطمأنوا بالدنيا وكل ارتباطهم بالدنيا فتعالج سورة يونس هذه المشكلة وتذكّر بالآخرة لكي نرغب بلفاء الله وما عنده وتذكر لنا هؤلاء الذين رضوا بالحياة الدنيا وتذكر حقيقة الحياة الدنيا في الآية:
                          (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
                          تذكر الآية الأسباب (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا) والشهوات (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ) لكن الدنيا فانية (كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) تفكّر في الدنيا لتفهم هذا المعنى.
                          4- صنف الغافلين والبعيدين عن آيات الله مصدر الثبات والقوة (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7)) الذي يغفل عن القرآن لا يمكن أن يتحمل الأذى ولهذا يجب أن يبقى قلباً يقظاً دائماً، الغافل ينسى وهو كالذي لا يرجو لقاء الله مع فارق بسيط لكنه نسي أنه سيكون هناك لقاء مع الله ستلقى الله ليس بينك وبينه ترجمان وستكون هناك دار آخرة ستكون هناك جنة وستكون هناك نار. تعالج السورة هذه الغفلة وتبين أهم علاج للغفلة بالقرآن فتجد من أول آيات السورة توجيه للقرآن:
                          (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)
                          (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ) الوحي القرآن
                          (ائت بقرآن غير هذا)
                          (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
                          (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)
                          (كذلك لنثبت به فؤادك)
                          نحتاج لموعظة حتى تعالج الغفلة وتشفي الصدور من هذه الأمراض.
                          5-المهتز الشاكّ في دينه: لن يتحمل إلا الموقنون. ويتكرر الكلام في السورة عن الحق، وتتكرر كلمة الحق في السورة كثيراً لترسيخ اليقين ٢٣ مرة أعلى معدل في القرآن يليه في أطول سورة في القرآن البقرة ١٧ مرة. الحق واليقين عليه.
                          (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ)
                          (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (30))
                          (فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32))
                          (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35))
                          (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36))
                          (فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (76))
                          (وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82))
                          (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94))
                          (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108))
                          رابعاً: الرسالة الأخيرة: رسالة البشرى واسم السورة وقصة يونس وفوائدها
                          (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) رسالة إلى النبي وأصحابه: أنتم في الشعب وفي الاستضعاف في مكة وننزل عليك أيها النبي رسالة فيها بشرى هذا النبي يونس كُشف عن قومه العذاب ولم يعذّبوا لكن بشرط (لَمَّا آمَنُواْ) فيها بشرى لأن النبي أن قومه سوف يؤمنوا ولن يعذّبوا. وتأتي البشارات في السورة:
                          (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ)
                          ثم يأتي ختام السورة بعد بشرى سيدنا يونس لما آمن قومه نجاهم الله وكشف عنهم عذاب الخزي ومكّنهم بعد الاستضعاف. ثم تأتي النهاية:
                          (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) الصبر أهم حتى يحكم الله .
                          رسائل في سورة يونس للمبتلين للمعذبين للمستضعفين لنتعلم هذه الرسائل.

                          سورة يونس
                          ‫ط±ط³ط§ط¦ظ„ ظپظٹ ط²ظ…ظ† ط§ظ„ط£ط²ظ…ط© ط§ظ„ط­ظ„ظ‚ط© ط§ظ„ط¹ط§ط´ط±ط© ظ…ظ† ط¨ط±ظ†ط§ظ…ط¬ ظپظٹ طµط­ط¨ط© ط§ظ„ظ‚ط±ط¢ظ† ظ„ظ„ط¯ظƒطھظˆط± ظ…ط­ظ…ط¯ ط¹ظ„ظ‰ ظٹظˆط³ظپ ظˆظ…ط¹ ط³ظˆط±ط© ظٹظˆظ†ط³â€¬â€ژ - YouTube
                          سمر الأرناؤوط
                          المشرفة على موقع إسلاميات
                          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                          تعليق


                          • #14
                            في صحبة القرآن
                            سورة هود
                            أمر الله (وجاء أمر ربك)
                            تكلمنا عن سورة يونس التي نزلت في ظروف صعبة مر بها النبي مع أصحابه، ظروف الشِعَب، ظروف الاستضعاف، ظروف المقاطعة، ظروف الحزن الشديد الذي مرّ به النبي بعد وفاة السيدة خديجة ووفاة عمه أبو طالب وهذه الآلآم التي مر بها النبي وسورة اليوم سورة ثانية باسم نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً نزلت أيضاً في نفس الفترة الزمنية والحقبة التي نزلت فيها سورة يونس.
                            سورة هود هي السورة الثانية من سور ثلاث نزلت متتالية بأسماء أنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً (يونس، هود، يوسف). هذه السور الثلاث نزلت في حقبة زمنية واحدة من السنة الثامنة إلى السنة الحادية عشر من البعثة في مكة نزلت على النبي في أحوال قاسية جداً من الاستضعاف، لكن سورة هود بالذات كان لها أثر على النبي مختلف، أثر سورة هود على النبي كما روي عن بعض الصحابة لما سألوه: قالوا: يا رسولَ اللهِ! قد شِبْتَ؟! قال: شيَّبتني هودٌ وأخواتُها. وفي روايةٍ: شيبتني هود وأخواتها قبل المشيب وفي رواية: شيَّبتني هودٌ، والواقعةُ، والمرسلاتُ، وعمَّ يتساءلونَ، وإذا الشمسُ كُوِّرتْ. وهذا الحديث صححه الشيخ الألباني
                            ما الذي يجعل الإنسان يشيب قبل الأوان؟ التفت الصحابة إلى أن هنالك أمر مختلف فقد يشيب الإنسان وهو شاب لأن الشيب ليس له ضابط عمري معين ولكن يبدو والله أعلم أنه حدث فارق مفاجئ لاحظه أصحاب النبي فسألوه عمّا حصل، شبت يا رسول الله! فقال: شيبتني هود. وهذا يدلنا على علاقة النبي بكتاب الله ، وكيف كان النبي يتعامل مع القرآن؟ القضية أننا لما نقرأ في كتاب الله لا تقرأ كلاماً نظرياً جامداً، النبي كان يعيش مع كتاب الله كان يتأمل كتاب الله وكان يتأمل ما فيه على أنه واقع حادث فكان يتفاعل معه لدرجه تجعله مثل هذا الأثر. فما الذي يجعل الإنسان يشيب قبل المشيب؟ الجواب في آية وهي قول الله (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) المزمل) وهو يوم القيامة، هذا يدلنا على أن الشيب قبل المشيب قد يكون بسبب انفعال عنيف جداً، فزع ما، أمر أثار شيئاً في نفسه فظهر ذلك على حاله وهو ما أجاب به النبي . ونعود للسؤال: ما الذي يجعل في سورة هود هذا الفارق هي وأخواتها يجعل النبي يقول أن هذه كانت هي السورة التي سببت هذا التغير الذي لاحظه أصحابه ؟ الجواب تكلم فيه العلماء كثيراً والمسألة فيه أقوال:
                            بعضهم قال شيبه في هود مصارع الأمم لأن الله ذكر في سورة هود مصير كثير من الأمم التي كذّبت وذكرنا أن سورة هود نزلت في وقت الأمة التي بُعث فيه النبي لبلاغها مكذّبة، أمة كذبت برسالة النبي وآذته وقاطعته وحاصرته في شعب أبي طالب وذكرنا في سورة يونس ما لقيه النبي في تلك الفترة. فتأتي آيات سورة هود يسمع فيها النبي عما لقيه القوم الذين أشركوا، القوم الذين كذبوا لدرجة أن قوم لوط كان عذابهم (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)) ويتبعها قول الله تعالى (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) هذه الآية للظالمين وقد لا نتأثر نحن بهذه الآية لأنه للأسف كثير منا لا يحمل الهمّ الذي كان يحمله النبي في صدره، فقد كان كان يحمل في صدره همّ هداية الأمة (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف) النبي يريد لهذه الأمة الهداية لا يريد لها العذاب، فلما يسمع آيات كهذه:
                            (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) ضع نفسك مكان النبي وأنت حريص على الأمة وحريص على هداها وتسمع (أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (19) أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ (20)) فبعض العلماء قالوا أن هذا هو السبب الذي شيّب النبي ، أنباء القرى (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ) أنت تعلم يا محمد ما حدث للأمم من قبلك وهذه الأمة ما تفعله اليوم ليست ببعيدة عما هلك به الأمم التي سبقتهم. ويسمع النبي الآية التالية (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) هل أهل قرية النبي (مكة) مصلحون؟ بالعكس، كانوا مفسدين، والنبي يحب الأمة وهو حريص على الأمة وخائف على الأمة كما خشي إبراهيم على أمته وظهر عليه هذا الأثر لما عرف أن الملائكة الذين نكرهم عليه الصلاة ما جاؤوا إلا بعذاب قال الله (نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً (70)) ثم قال (يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)) لم يكن يريد أن يعذّبوا لأنه حريص على الأمة حريص على ألا يعذّب أحد.
                            بعض العلماء قال أن النبي شاب لسورة هود والواقعة والمرسلات وعمّ والتكوير لأن فيها ذكر الدار الآخرة، ومع أن هناك سوراً أخرى فيها ذكر الدار الآخرة إلا أن هذه السورة بالذات ذكر الدار الآخرة فيها في آياتشديدة جداً كقول الله
                            (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) يسمع النبي هذه الآية وهو الذي يحب أمّته ويحرص على أمته وذكرنا في سورة المائدة كيف قام النبي ليلة كاملة وهو يكرر قول الله (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) المائدة) النبي حريص على الأمة حتى أن الله أرسل له جبريل يبلغه أنا سنرضيك يا محمد في أمتك ولا نسوؤك لأنه حريص على أمته فلما يسمع قول الله (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) ويسمع قول الله (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) وقول الله (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (21) لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (22)) لاجرم أي لا شك أن هذا سيحدث لا محالة، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106))
                            اسمع هذه الآيات وضع نفسك مكان النبي وتفاعل معها كأنها رأي عين، النبي كان يعيش مع آيات الآخرة ويتفاعل معها كأنها رأي عين كما قال حنظلة : نكون عندك فتحدثنا عن الجنة والنار وكأنها رأي عين. ينبغي أن نتأمل في آيات سورة هود كأنها رأي عين حتى يتأثر القلب على الأقل إن لم تشب قبل المشيب، ظهر التأثر على بدن النبي لدرجة أن الصحابة سألوه عن سبب هذا التأثر فقال شيبتني هود قبل المشيب.
                            بعض العلماء قالوا أن هذه السورة شيبت النبي لشدة التكاليف والتوجيهات الشخصية للنبي وأمته كقول الله (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) الناس تستهين بمعنى الاستقامة على مراد الله لكن لما يكون القلب حاضراً كقلب النبي فلا بد أن يشيبه هذا الأمر (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) لست وحدك وإنما (وَمَن تَابَ مَعَكَ) إحساس بالقول الثقيل (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) يقول الله له (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113)) في السورة توجيهات كثيرة جداً قال بعض أهل العلم أنها هي التي شيبت النبي .
                            بعد هذه المقدمة المهمة للسورة حتى نتعلم معنى التفاعل نعود لموضوع السورة وهو: أمر الله وأكثر كلمة تكررت في سورة هود (حتى إذا جاء أمرنا) جاء أمر الله سواء في الدنيا عقوبة عاجلة أو يأتي بأمر من عنده بعقوبة في الآخرة، الأمر القدري أمر ا في الدنيا والآخرة والأمر الشرعي، أوامر الله (ألا له الخلق والأمر) هذه السورة امتلأت بهذا المعنى وامتلأت بمعنى إتيان أمر الله الذي لا معقب لحكمه. السور تمتلئ بهذا في الدنيا والآخرة وهذا الأمر سنقف معه بالتفصيل.
                            سورة هود تحدثنا عن معنى عظيم هو أمر الله سواء في الدنيا أو في الآخرة وفي السورة محوران رئيسيان:
                            محور أمر الله إذا جاء للقرى (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيد) أنباء القرى وذكر مصارع الأمم التي ذكرها الله في هذه السورة. وأيضاً ما فعله الأنبياء في مواجهتهم وسورة هود مدرسة من مدارس الأنبياء ونتعلم منها معاني لا حصر لها نمر عليها مروراً سريعاً كيف تعامل الأنبياء مع أمر الله وماذا حصل لما جاء أمر الله وجاءت مصارع الأمم وكيف تعامل الأنبياء مع ذلك.
                            والمحور الثاني التوجيهات للنبي في هذه الفترة العصيبة بعد أن يستعرض له مصارع الأمم وما يمكن أن يحدث لقومه وما يمكن أن يحدث لهؤلاء المكذبين لكن أنت عليك واجبات.
                            المحور الأول: قصص الأمم السابقة ومصارعها وكيف حلّ بهم بعد هذا التكذيبفي قول الله في الآية الجامعة (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)) هذا المحور مهم جداً، أمر الله إذا جاء، أمر الله لا يُردّ، أمر الله الذي له خصائص.
                            نستعرض الآيات التي جاء فيها قول الله (أمرنا) أو (أمر الله)
                            (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ) جو تهديد ضمني، الأمر سيأتي كما جاء لأمم من قبلك، لقوم عاد وقوم ثمود وقوم شعيب جاءهم أمر الله فكان ما كان من مصارع هذه الأمم وفي هذا تهديد ضمني للقوم الذين كذبوا بالنبي . ولهذا نجد كلمة (إذا جاء أمرنا) تتكرر في السورة كثيراً:
                            في قصة نوح : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ)
                            في قصة هود : (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ)
                            في قصة صالح : (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)
                            في قصة إبراهيم لما بشروه بالغلام فعجبت امرأته فأرسل الله تعالى لها ملائكته (قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) لا يقف شيء أمام أمر الله إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون، هذا هو أمر الله.
                            في قصة إبراهيم لما جادل الملائكة في قول لوط قالوا له: (يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ)
                            في قصة قوم لوط: (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) قرية سدوم وعمورية الذين كانوا يفعلون الفاحشة ويأتون الرجال شهوة من دون النساء، قلبت الدنيا.
                            في قصة شعيب: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ)
                            قصة موسى مع قومه (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)
                            وتأتي الآية الجامعة (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ (123)) الأمر كله من عند والنتيجة (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) الأمر بالعبادة من أهم توجيهات هذه السورة فينبغي أن تتوجه لله بالعبادة وبتوحيده وتتوكل عليه وحده كما فعل من سميت السورة باسمه سيدنا هود وقصته وكلمته العجيبة (إن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55)) يقول لأقوى أمة على الأرض قوم عاد الأولى قوة عظمى التي قال الله عنها (التي لم يخلق مثلها في البلاد) قوتهم المادية لا مثيل لها على الأرض يقول لهم: افعلوا أقصى ما بدا لكم (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)) الأمر كله إليه وإليه يرجع الأمر كله.
                            نتعلم من السورة ومن أوامر الله نتعلم خصائص أمر الله
                            خصائص أمر الله :
                            أولاً: أنه نافذ (إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)) أمر الله نافذ والمسألة منتهية إذا جاء أمر الله لا يُردّ، لا يُمنع، لا يؤخّر، لا عاصم من أمر الله.
                            في قصة نوح لما دعا ابنه ليكون معه (قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) أول خاصية من خصائص أمر الله أنه لا عاصم من أمر الله. السورة تعلمنا المشيئة المطلقة ولذلك يأتي الاستثناء – نحن نعرف أن أهل الجنة يخلدون فيها أعلمنا الله بذلك- ومع هذا نجد في السورة لاتمام إطلاق المشيئة يأتي في السورة الاستثناء (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ) هذا لا يعني أن أحداً سيخرج من الجنة لأن الله قال بعدها (عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ) ربنا وعد أن لهؤلاء الخلود لكن لا بد من هذا الضابط (إلا ما شاء)
                            مطلق المشيئة: لا ينبغي لأحد أن يقدّم مشيئته على مشيئة الله ولذلك النبي رفض لما قال له أحدهم: م شاء الله وشئت، فقال له: أجعلتني لله ندّاً؟! المشيئة مطلقة لله .
                            مُلكٌ قاطع وأوامر قيادية: تشعر في السورة أن أوامر الله قيادية (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أوامر قيادية وأمر الله نافذ. ومن خلال هذا الأمر تجد قصص الأنبياء التي يخبرنا الله أن مقصدها في هذه السورة في الظروف الصعبة التي يمر بها النبي أن يثبت بهذه القصص. ولهذا تبدأ القصص (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ) والعلّة (مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) في هذه المواقف العصيبة وهذه الفتن (وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)).
                            خصائص مدرسة الأنبياء
                            وتجد مدرسة الأنبياء في هذه السورة فيها خصائص مهمة جداً نتعلم منهم:
                            الربانية والتوكل المطلق على الله كما قال نوح (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30)) بعد أن طلب منه قومه أن يطرد المؤمنين، ربانية كاملة! يستعجلوه بالعذاب فيقول (قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ) من عنده هو.
                            نتعلم الربانية من الأنبياء
                            من هود: (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)) كيف أخاف من الناس وأنا توكلت على الله؟! وقد قالها إبراهيم في سورة الأنعام (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا (81)) أنتم الذين تخافون.
                            نتعلم من لوط لما آوى إلى ركن شديد قال عنه: رحمة الله على لوط إنه كان يأوي إلى ركن شديد. لما قال لقومه (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80))
                            نتعلم من الأنبياء الحرص على أممهم.
                            نوح قال لقومه (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) حرص على الأمم وحرص على قومهم
                            هود: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ)
                            صالح: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)
                            إبراهيم: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) ابراهيم أصابه الروع من حرصه على قومه لا يريد أن يعذّب الناس.
                            لوط: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) خائف على أمته ونحن نريد أن نتعلم الخوف على الأمة من مدرسة الأنبياء في سورة هود.
                            شعيب: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) (وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ)
                            نتعلم منهم الزهد فهم لا يريدون شيئاً (إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّه) كل واحد من الأنبياء قالها لقومه (يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا (51)) والأجر أوسع من المال، هو لا يريد مالاً ولا اتباع لشخصه وإنما اتباع للحق، هو لا يريد شيئاً إلا أن يهتدوا. نتعلم من مدرسة الأنبياء التجرّد المطلق، زهد شديد جداً لا يريدون الدنيا كما ورد في الآية الجامعة حرب على إرادة الدنيا وعدم جواز إرادة الدنيا وحب الدنيا لأن الوضع صعب ويحتاج إلى زهد في القلب. الآية الجامعة (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15)) وفي سورة يونس (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7)) هؤلاء رضوا بالحياة الدنيا والآية في سورة هود (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15) أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16)) وهذه الآية خطيرة جداً لأنه ليس فيها أي ذنب غير كلمة واحدة (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) قال الله تعالى عن هؤلاء أولئك مأواهم النار قال تعالى عنهم (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ) إذن ماذا نفعل في الدنيا؟ الدنيا لا تُراد إنما الإنسان يريد الآخرة أما الدنيا (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (77) القصص) فلا تكون الدنيا مبلغ علمك ومنتهى أملك وهذه السورة تقطع هذه المسألة تماماً وتعلمنا هذه الدروس الربانية والثبات والقوة لما يقول سيدنا شعيب (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)) ثبات وقوة.
                            فوائد من مدرسة كل نبي من الأنبياء المذكورين في السورة:
                            ومن كل نبي نتعلم خصائص متفردة خاصة به وحده وما ذكرناه سابقاً هي أمور عامة مثل الربانية والثبات في الحق والتجرد والزهد في الدنيا هذه أمور مشتركة بين الأنبياء ولكن نتعلم من كل نبي منهم خصائص متفردة:
                            فنتعلم من نوح حرصه على أهله، القضية ليس أن ينجو وحده وإنما يحرص أن ينجو أهله معه، الله أمر النبي (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا (132) طه).
                            نوح كان حريصاً على أهله وعلى ابنه لكن لما جاء الأمر الفصل انتهت المسألة (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)) لكن في البداية كان حريصاً على ابنه.
                            ونتعلم من نوح إنكار الذات والتواضع (وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31))
                            ونتعلم منه عدم الأمن من مكر الله (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ)
                            ونتعلم منه الصبر فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم ولم يملّ ولم يفتر عن الدعوة وصبره على استهزائهم به (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)).
                            تتعلم من سيدنا هود القوة الرهيبة في الحق وثبات القلب (إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55)) ونتعلم منه التوكل على الله (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56))
                            نتعلم من صالح الاحترام في قومه والسمت (قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا (62))
                            نتعلم من سيدنا إبراهيم الكرم (فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)) ونتعلم منه الحلم (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75)) ونتعلم منه الحرص على قومه (نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)) (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74))
                            نتعلم من سيدنا لوط الطهارة (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ)
                            نتعلم من شعيب الفصاحة و البيان في أسلوب دعوته لقومه، والبدء بالنفس (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) والرغبة في الاصلاح (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) والاحترام الدنيوي والسمت بين قومه (إنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)
                            نتعلم من كل نبي خصائص مهمة خاصة بالنبي نفسه ونتعلم خصائص عامة.
                            التوجيهات الختامية في السورة
                            وتختم السورة بتوجيهات للنبي وأهم التوجيهات في الآيات من 113 إلى 115 ربنا يعلمنا في هذه السورة أنه في زمن الفتن قد يتطرف الناس جداً أو تتميع جداً فيعلمنا الله هنا (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) ابقَ على الحق وافعل الصواب (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113)) وللحسن البصري كلام رائع في هذه الآية، حيث يقول: (سبحان الذي جعل اعتدال هذا الدين بين لاءين) وهي ]لاَ تَطْغَوْاْ[ و]لاَ تَرْكَنُواْ[ لا تتشدد أكثر من المطلوب وتفعل أشياء ينفّر الناس بأمور قاسية جداً فيغلوا الناس كردة فعل وتواجه الأمر بشدة فيقول الله تعالى (وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) لكن في نفس الوقت لا تتميع وتترك دين (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) لا تتنازل عن دينك وإنما استقم كما أمرت.
                            والتوجيه العام في السورة: الأمر بالعبادة.عرفت الله وعرفت قدرته وعرفت مآل الذين كذبوا ومآل القوم المجرمين فتعبد هذا الرب ويأتي الأمر بالعبادة في الايات (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)) لا تركن ولا تطغى وفي نفس الوقت تعبد الله وتتكرر الآيات التي تدعو للعبادة في السورة:
                            (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ)
                            (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي)
                            (إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)
                            وفي ختام السورة أمرٌ بالعبادة (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)).
                            ثم يختم الله السورة (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) تتعبد لله ولا تفرّط في العبادة مهما كانت الظروف والضغوط (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
                            نتعلم من هذه السورة قيمة الإصلاح من شعيب عندما علم قومه (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ (88)) ويعلمنا الله في هذه السورة قيمة الإصلاح (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ (116)) الذين ينهون هم الذين نجوا (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)) لا ينجو إلا المُصلِح الإيجابي.
                            وفي السورة توجيه بالصبر والانتظار:
                            ومن شدة التكذيب، تأتي الآية (12) لتقول للنبي : (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) فهل تخلَّى الرسول عن بعض وحي الله، أو ضاق صدره عن تبليغ الدعوة؟ لا! وحاشا لله أن يحدث هذا، ولكن هذه الآية تهدف إلى تثبيته ، وتثبيت المؤمنين من بعده في كل زمان ومكان. فالمعاندون المكذِبون يجادلون الدعاة جدلاً بلا جدوى، ولكن أيُّها المُحب لدين الله (إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَٱلله عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ (12)) فأنت تعمل أجيراً عند الله، وعليك أن تبلِّغ ما أُمرت به دون أن تنظر إلى النتائج، فالله وحده هو الذي بيده تحقيق النتائج (وَٱلله عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ) وتمضي أول 24 آية من هذه السورة لتكون رسالة واضحة للدعاة: التكذيب شديد، وله تأثير عليكم، فاثبتوا على دعوتكم، وابذلوا جهدكم، ثم دعوا الأمر لله وتوكلوا عليه!!
                            (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115))
                            (إلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)
                            (وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (112))
                            نخلص من هذا كله أن هذه السورة تعلمنا أن أمر الله إذا جاء لا يُردّ وأن أمر الله واقع لا محالة فنتوكل على الله ونعبد الله لا نطغى ولا نركن، كل هذا العرض العظيم نراه رأي العين لن نشيب كما شاب النبي لكن على الأقل تعي القلوب ذلك المعنى.

                            سورة هود
                            http://www.youtube.com/watch?v=FeaNIykAhcE
                            سمر الأرناؤوط
                            المشرفة على موقع إسلاميات
                            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                            تعليق


                            • #15
                              في صحبة القرآن
                              سورة يوسف
                              اِفعل الصواب
                              نحاول من خلال البرنامج أن نكوّن علاقة وصحبة مع سور القرآن الكريم.
                              سورة يوسف يظن البعض أنها مجرد قصة وعلاقتهم مع سورة يوسف أنه (تاه ووجدوه) لكن لسورة أعمق من هذا بكثير ونحن نحاول أن نصنع علاقة صحبة مع السور والحبة ليست فق بالحفظ ولكن حت لو عندك فهم عام لمعاني السورة. عندما يُذرك أمامك صاحب لك تأتي في نفسك وفي صدرك أشياء عنه أخلاقه، شكله، ذكريات بينكم، هذه هي الصحبة.
                              تكلما عن سورة هود وذكرنا أنها شيبت النبي والسورة ذكر فيها مصارع الأمم وكيف واجه الأنبياء هذه الأمم المكذبة الظالمة.
                              سورة يوسف امتداد لمدرسة الأنبياء ولكن بشكل مختلف. أغلب قصص الأنبياء في القرآن تكون كلاماً مجملاً سريعاً لكن في قصة يوسف سورة بالكامل تتكلم عن قصة نبي، كل السورة تتحدث عن قصة سيدنا يوسف ما عدا آخر صفحة أو صفحتين لكن القصة بشكل عام كلها في تفاصيل دقيقة جداً في حياة النبي يوسف . وهذا له علاقة بتوقيت النزول. سورة يونس وسورة هود وسورة يوسف هذه السور الثلاث التي سميت بأسماء أنبياء وهي متتالية نزلت في فترة واحدة وقيل أن سورة يوسف نزلت في عام الحزن الذي توفيت السيدة خديجة وتوفي فيه عم النبي ابو طالب وحصل فيه الاستضعاف الشديد وكانت الأحزان شديدة جداً على النبي وأصحابه فكانوا بحاجة إلى تثبيت وهذا من أحد مقاصد ذكر قصص الأنبياء كما ذكرنا في سورة هود (وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) هود) هذا تثبيت للنبي خصوصاً هذه السورة التي بين أيدينا التي فيها قصة ابتلاء شديدة جداً قصة سيدنا يوسف ، أيّ مبتلى ينظر إلى ما حلّ بيوسف من جفوة بينه وبين إخوته ومن ظلم وقع عليه ومن وِحدة أصابته في البئر. كثيرٌ منا يقرأ قصة يوسف ولا يتخيل نفسه لحظة أنه هو نفسه في البئر المظلم وكان يوسف في ذلك الوقت غلاماً صغيراً في بئر مظلم قد يكون فيه ما فيه من دوابّ الأرض والظلام وما إلى ذلك ويكفيه جفوة الأهل أن إخوته هم الذين رموه في البئر وأبعدوه عن حضن أبيه. ابتلاءات وراء ابتلاءات وهو الكريم ابن الأكرمين يصبح عبداً يُباع ويُشترى، كل هذه ابتلاءات لما نعرض كيف تعامل معها سيدنا يوسف يمكن تلخيص سورة يوسف بكلمة (إعمل الصحّ) سيدنا يوسف عمل الصح في كل موقف، مواقف صعبة جداً وُضع فيها سيدنا يوسف وابتلاءات شديدة جداً وفتن شديدة جداً سواء فتن سرّاء أو فتن ضرّاء، سواء فتن شهوات أو فتن ابتلاءات وفي كل مرة كان يوسف يفعل الصحّ.
                              قصة سيدنا يوسف قصة نموذج ناجح، موضوع السورة يتجاوز مسألة سرد قصة بأحداثها للتسلية، لا، (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ (111)) وقصة سيدنا يوسف قال الله الله في نفس السورة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3)) هي أحسن القصص لا تقال للتسلية، وإنما القضية أكبر من هذا، نحن نتعلم العقيدة عملياً وهذه هي مدرسة الأنبياء التي تحدثنا عنها في سورة هود، مدرسة الأنبياء تخرّجك عالم بالعقيدة بشكل عملي. قد تسمع كلاماً طويلاً عن التوكل وفضائل التوكل لكن هذا الكلام يمكن أن يُختصر عندما ترى مشهد توكل حقيقي وتستشهده وتعيشه، مثلاً لما تعيش قصة سيدنا هود التي ذكرت في سورة هود وهو واقف أمام أقوى قوة على الأرض في ذلك الوقت ويقول لهم (فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) هود) تتعلم من هنا القوة في الحق، تتعلم قوة موسى وهو يواجه فرعون، كل هذه مدرسة، مدرسة الأنبياء تعلم عقيدة عملية، مدرسة أناس عملوا الصحّ ومن ضمنهم قصة يوسف .
                              كلنا يعرف تفاصيل قصة يوسف وهي من أكثر السور التي فيها فوائد لكننا سنمر على نموذج النجاح في كل شيء، يوسف ناجح في دينه، ناجح في عمله، ناجح في فهمه، ناجح في كل الابتلاءات التي تعرض لها وكان يلخص لنا هذا المعنى في كل تصرف من تصرفاته. تجد دركاً شديداً وأمراً محزناً للغاية ثم فجأة يرتفع بك سيدنا يوسف إلى أعلى السحاب لما ترى تصرفه وكلمته في مواجهة كل فتنة وكل شيء محزن. لن نسرف في الإسرائيليات كما يفعل البعض وهم يتحدثوا عن قصة يوسف وإنما نحن سنكتفي بالقرآن، نحن نتعلم سورة يوسف وليس فقط قصة يوسف.
                              معاني نتعلمها من سورة يوسف
                              سورة يوسف تعلمنا معاني ودروس عظيمة:
                              الدرس الأول: الثبات على العمل مهما كانت الفتم.
                              أول معنى نقف عليه في معاني هذه السورة العظيمة: معنى الثبات على العمل مهما كانت الفتن. مهما كانت الفتن أنا أعمل، سيدنا يوسف عمل الصواب في كل موقف، في كل موقف وفي كل مغريات أو ابتلاءات القصة تجد سيدنا يوسف واقفاً مشهد عظيم جداً. في السورة خمس مواقف ليوسف تظهر الثبات على العمل وكيف أنه يعمل الصواب في هذه المواقف:
                              الموقف الأول: موقفه مع المراودة من امرأة العزيز ومن النسوة. من أعظم مشاهد السورة التي يمكن للإنسان أن يُشده لما يراها مشهد امرأة العزيز وهي تراوده عن نفسه. ولنتخيل الموقف: سيدنا يوسف شاب بلغ أشدّه (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا (22)) في ريعان الشباب، جميل جداً وجمال يوسف يضرب به الأمثال والنسوة قطّعن أيديهن لما رأوه، غريب ليس من مصر، عبد والعبد عقوبته ليست كعقوبة الحرّ. كل هذه الظروف تدعوه أن يعضي. ليس هذا فقط في المقابل امرأة العزيز امرأة ذات منصب ذات جمال غلّقت الأبواب حتى لا يراه أحد، تهدده (وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)) وليست هي الوحيدة التي راودته وإنما كل نسوة المدينة يراودنه يدل عليه قول الله (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (33)) وهناك رجال أيضاً يدعونه رجال نُزعت عنهم الرجولة لما رأى سيدها لدى الباب أي كان واقفاً هناك. ما هذا الجو المقيت المظلم جو الشهوة المستعرة، امرأة تغلّق الأبواب وتريد أن تفعل الفاحشة فنجد سيدنا يوسف يصعد بنا إلى أعلى عليين بعد أن كنا ننظر إلى دركات من الشهوة والمعصية يقول يوسف كلمة واحدة تطيش بكل هذه الشهوات (معاذ الله) كلمة رقيقة وجميلة وبسيطة. كثير من الناس يتعرضون لشهوات وفتن ولا يتمكنوا من قول هذه الكلمة لكن سيدنا يوسف قالها (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)) لا يفعل إلا الصحّ. قد يصل الإنسان إلى مرحلة من مراحل ولاية الله أن يكره المعصية ولا يطيق فعلها. لكن أن يصل بغض المرء للمعصية أن يفضّل السجن عليها هذا سيدنا يوسف . وصل يوسف إلى مرحلة قال (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ) لو فكّرنا في معنى هذه الكلمة أن السجن أحبّ إليه، في الوقت الذي نجد فيه بعض الشباب يبحث عن المعصية ويبذل كل وسعه ليعمل المعصية. سيدنا يوسف تُعرض عليه المعصية ويُهدد حتى يفعلها ويؤذى لأجل ذلك ومع هذا يقول: لا، السجن أحب عندي من أن أعصي الله، هذه درجة عالية من المعرفة معرفة الله ومن التقرب إلى الله ومن تقوى الله . هذا هو الموقف الأول. سيدنا يوسف مع كل المغريات والفتن ثبت على الصواب وثبت على الحق ولم يزلّ ولم يأخذه اإغراء ولا التهديد.
                              الموقف الثاني: موقفه مع الملك والرؤيا
                              يوسف سُجن وأوذي في الله جاءه الملك يريد تأويل رؤيا، لو كان مكان يوسف إنسان عادي كان ممكن أن ينتقم ويتشفّى لأنه أوذي وهُدد وراودته عن نفسه واتهموه لكن سيدنا يوسف لما جاءه الرجل الذي كان معه في السجن يريده أن يعبر له رؤيا الملك لما رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لم يفعل يوسف أياً من الأمور التي كان من الممكن له أن يفعلها كالتشفّي أو الانتقام أو المساومة على خروجه من السجن أو حتى الرفض. لكن سيدنا يوسف كان يفعل الصواب ويقدّم منفعة الناس على منفعته هو، ففسّر لهم الرؤيا وليس هذا فقط وإنما دلّهم على طريق النجاة من المجاعة (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47)) (فَذَرُوهُ) فعل أمر وسيدنا يوسف يوجههم ويضع لهم برنامجاً وليس يفسر لهم الرؤيا فقط. (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48)) توجيه، (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)) هذه ليست في رؤيا الملك، هذه السنة الإضافية توجيه من يوسف . سيدنا يوسف لم يفسّر الرؤيا فقط. تفسير الرؤيا أن هناك سبع سنين فيهم خير وفيهم مطر وزرع وسبع سنين مجاعة، هذا هو تفسير الرؤيا. لكن سيدنا يوسف عمل الصواب وعرّفهم كيف ينجوا من المجاعة وكيف ينفعوا الناس وعلمهم ما هو الحل وعملهم ماذا يفعلوا (فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ) يعطيهم توجيهات علمية أن يخزّنوا الحب في سنبله حتى لا يفسد. (إِلاَّ قَلِيلاً) توجيه بالاقتصاد في الأكل لأنها ستأتي أيام مجاعة فيخزنون شيئاً لأيام المجاعة وحتى في أيام المجاعة سيحصنوا (إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ) لأنهم لو أكلوا كل الحب والثمر لا يجدوا ما يزرعوه. ثم يأتي العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ويعلمهم سيدنا يوسف أن هذا العام سيأتي وستحل فيه مشاكلهم. سيدنا يوسف فيهذا الموقف فعل الصواب وعرّفهم وعمل لهم خطة خمس عشرية لينجوا من المجاعة.
                              الموقف الثالث: موقفه مع رسول الملك
                              كان من حق يوسف بعد أن أنقذ الناس من المجاعة وقال الملك ائتوني به (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي (54)) لأنه يحتاجه ويأتيه رسول الملك وأول كلمة يقولها يوسف له (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)) أنا قضيتي ليست قضية دنيا وليست مجرد خروجي من السجن فقط لكن كيف أخرج؟ أنا داعي إلى الله وأنتم شوهتم سمعتي وأدخلتوني السجن بتهمة مخلّة بالشرف (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) إذا كنت سأخرج من السجن أخرج بريئاً (فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) يجب أن يظهر الحق أولاً وليس مجرد خروج فقط.
                              النبي قال كلمة جميلة جداً في هذا الموضوع " لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبتُ الداعي" يعرّفنا النبي قيمة الكلمة التي قالها سيدنا يوسف كلمة (ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) ليس مجرد خروج من السجن ولكن كداعية يجب أن يبرّئ ساحته ولا يقال عنه كلمة مخلّة بالشرف.
                              الموقف الرابع: موقفه مع إخوته بعد كل الذي حصل منهم
                              استرجع مشهد إخوة يأخذون أخاهم ليرموه في البئر فتخيل كيف كانوا يكلموه وكيف يتعاملون معه، موقف فيه كراهية. سيدنا يسوف يسترجع كل هذا الموقف وإخوته أمامه، ويتذكر أحواله وهو في البئر وأحواله وهو يباع ويُشترى، ومع ذلك ورغم كل هذه الدركات من الكراهية يرتفع بنا سيدنا يوسف بكلمة جميلة جداً (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)) يدعو لهم أيضاً. موقف ثبات على الصواب. أول درس نتعلمه من قصة يوسف "الثبات". كان بإمكانه أن ينتقم لكنه قال (لاَ تَثْرَيبَ) لا لوم ويحافظ على وعده إلى آخر لحظة لما استرجع اللام عما حصل قال (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (100)) مع أن إخوته هم الذين رموه في البئر ينسب الأمر للشيطان لأنه قال لهم (لاَ تَثْرَيبَ).
                              الموقف الخامس:موقفه مع صاحبي السجن ودعوتهما
                              الدرس الثاني: شهود نعمة الله بالقلب
                              الدرس الثاني الذي نتعمله من قصة يوسف : شهود نعمة الله بالقلب. سيدنا يوسف نموذج لهذه القيمة، قيمة الإحساس بنعمة الله دائماً. لم يُبتلى أحد كما ابتلي سيدنا يوسف، قصة ابتلاءات شديدة ورغم هذا نجد كمية شكر متكرر في هذه القصة غريبة جداً وهو في السجن وصاحبي السجن يكلموه قال لهم (ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (38)). في السجن في الابتلاء في الأسر في العبودية في المراودة فيظلم الإخوة وجحودهم ورغم هذا كله رأى النصف الممتلئ من الكوب ولم ير إلا نعمة الله (ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ) أنني أوحد الله (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ (38)) هذا التوحيد وهذه العقيدة وهذه القيمة التي يحمد يوسف ربه عليها (ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ) نحن لا نُشرك (ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ) لكن أنت يا يوسف لست من هؤلاء، أنت تشكر حتى وأنت في قعر السجن. حتى في آخر السورة سيدنا يوسف يشكر، كان ممكناً في آخر السورة أن يقول سيدنا يوسف كلمة مثلاً (وقد ابتلاني) فقد حصل له ابتلاءات شديدة جداً لكنه رغم هذا يقول (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي) مع أن لو قال "وقد ابتلاني" فقد صدق لكنه لم يقل هذا وقال (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)) كلام جميل. المعنى الذي نركّز عليه هو شهود نعمة الله في القلب ما دام الدين سليماً لا يوجد ما أحزن عليه. كان عمر بن الخطاب لما تحصل مصيبة أو ابتلاء فيقول: وتذكرت مصيبتي في رسول الله فحمدت الله لأنها أهون وتذكرت أنها ممكن أن تكون أكبر فحمدت الله وتذكرت أنها لم تكن في ديني. ما دام الدين سليماً لا يهمّ ما سواه "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا" لندعو الله بهذا الدعاء. مع كل الذي حصل لسيدنا يوسف قال (ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ) لأنه موحّد لله، لأنه يعرف الله لأنه كل ما حصل له في ناحية وأن يخدش توحيده في ناحية ولذلك قال (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (33)) أدخل السجن لكن لا يُصاب ديني وما دام ديني سليماً (ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ). ويتذكر يوسف دائماً نعمة الله عليه فيقول (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)) نتعلم من تواضع يوسف فلم يكن يزكّي نفسه، سيدنا يوسف رغم كل هذا يقول (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) وبعض الناس في يومنا هذا غافل ومع هذا ضامن لنفسه الجنة! عنده إحساس دائم أنه بعيد عن الفتنة! أما يوسف فيدعو الله أن يبقه مسلماً ويدعوه أن يُلحقه بالصالحين. يريد أن يلتحق بالصالحين فمن تواضعه لا يعتبر نفسه منهم. نتعلم من سيدنا يوسف هذا التواضع الجمّ وهذا الأدب الشديد.
                              نتعلم من سيدنا يوسف الحرص على الدعوة إلى الله. فهو في السجن لم يترخص بل دعى صاحبي السجن (أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39)) هم جاؤوا إليه يسألوه عن رؤيا ولكنه استغل الفرصة ليدعو إلى ربه لأن مهمته ليست تفسير رؤى للناس ولكن مهمته أن يدعو إلى الله ..
                              الدرس الثالث: سبيل الأنبياء
                              هذه السورة فيها معنى من أهمّ المعاني وهو معنى سبيل الأنبياء، سبيل الأنبياء الذي ظهر في قصة يوسف والذي أمر الله رسوله في هذه السورة أن يقولها وأن يقولها من اتّبعه. سبيل الأنبياء الذي نتعلمه في السورة هو الدعوة إلى الله. الدين ليس علاقة روحانية بين العبد وربه كما يقول العلمانيون، الدين علاقة متفاعلة، دعوة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإصلاح في الأرض وجهاد في سبيل الله، الدين ليس محبوساً داخل الصدر، يقول النبي (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي) سبيلي وطريقي (أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) على علم وليس وحدي (أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي). يقول ابن القيم: لا يكون الرجل تابعاً للرسول حق الاتباع حتى يدعو بما دعا إليه. أين نحن من الدعوة إلى الله ؟! نتعلم من سورة يوسف .
                              نتعلم من سورة يوسف أن لا نيأس (وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)) (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)) نتعلم من سورة يوسف الأمل، سيدنا يوسف لم يفقد الأمل قطّ لأن الأمل في الله لا ينقطع.
                              الدرس الرابع: معرفة الله باسمه اللطيف
                              آخر قيمة نأخذها من قصة يوسف والقصة مليئة بالقيم ووقصة عميقة. نختم بالدرس الأخير وهو اسم الله اللطيف. نتعلمه من سؤال واحد: ما الذي مكّن سيدنا يوسف؟ سيدنا يوسف أصبح عزيز مصر في نهاية القصة وصار ممكّناً وجُمع مع أهله، كيف بدأ الفضل العظيم؟ ما هي البداية لتمكين سيدنا يوسف من هذه المكانة ومن هذه النهاية السعيدة في القصة؟
                              قد يقال هي رؤيا الملك وتأويل سيدنا يوسف لهذه الرؤيا، لكن هل كان الملك سيعرف أن يوسف يأول الرؤيا لو لم يدخل السجن؟ فهل يكون إذن دخوله السجن هو بداية التمكين؟ وهل كان سيدخل السجن لو لم تتم مراودته من نسوة المدينة وامرأة العزيز؟ إذن هل المراودة التي كانت شهوة وإغراء هي بداية التمكين؟ وهل كان سيحصل هذا لولا العبودية وأن يوسف استُعبد؟ فهل يكون الاستعباد بداية التمكين؟ وهل كان سيُستعبد من غير أن يُلقى في البئر؟ هذا هو المعنى: (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) النساء) هذا هو معنى اسم الله اللطيف الذي يفعل ما يشاء من مصلحة العبد دون أن يعرف العبد من طرق قد تكون خفية على البعض، من طرق قد تكون مكروهة من البعض (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ (216) البقرة) لكن الله اللطيف لطيف بعباده الذي يعرف ما يُصلحك ويعرف ما هو خير لك ولا تعرفه أنت. ولذلك تختم السورة بكلمة سيدنا يوسف في آخر القصة (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء) بعد أن ذكر إحساسه بشهود نعمة الله (وَقَدْ أَحْسَنَ بَي) قال (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)).
                              دروس كثيرة من قصة يوسف :
                              · الثبات على العمل، الثبات على عمل الصواب
                              · الثبات في الفتن
                              · شهود نعمة الله في القلب
                              · التواضع الشديد
                              · عدم الأمن من مكر الله
                              · عدم تزكية النفس
                              · التدبر في معنى اسم الله اللطيف
                              هذه القصص ليست للتسلية لكنها كما قال الله في ختام السورة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111))
                              خلاصة التجربة
                              ونصل في نهاية السورة إلى قاعدة محورية، قالها سيدنا يوسف بعد أن انتصر وبعد أن تحققت جميع أمنياته: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱلله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ (90)).
                              إن قصة يوسف تعلّمنا أن من أراد النجاح ووضع هدفاً نصب عينيه يريد تحقيقه فإنه سيحققه لا محالة، إذا استعان بالصبر والأمل، فلم ييأس، ولجأ إلى الله (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ ٱلله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ (90)). إن سيدنا يوسف - في هذه الكلمات - يلخص لنا تجربته في الحياة، والتي هي كما قلنا، تجربة إنسانية بشرية.


                              سورة يوسف
                              ‫ظˆظ‚ظپط§طھ ظ…ط¹ ط³ظˆط±ط© ظٹظˆط³ظپ ظپظ‰ طµط­ط¨ط© ط§ظ„ظ‚ط±ط§ظ† ط§ظ„ط¯ظƒطھظˆط± ظ…ط­ظ…ط¯ ط¹ظ„ظٹ ظٹظˆط³ظپ‬â€ژ - YouTube
                              سمر الأرناؤوط
                              المشرفة على موقع إسلاميات
                              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                              تعليق

                              19,938
                              الاعــضـــاء
                              231,696
                              الـمــواضـيــع
                              42,457
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X