إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • برنامج رياض القرآن - د. عبد الرحمن الشهري

    رياض القرآن
    د. عبد الرحمن الشهري
    رمضان 1434 هـ
    قناة أهل القرآن الفضائية

    الحلقة الأولى – روضة المسلمين
    http://www.youtube.com/watch?v=uALlOgEftgU

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
    سوف نتوقف في هذا البرنامج في كل حلقة مع روضة من رياض القرآن الكريم نتوقف مع دلالات هذه الآيات ودلالات هذه الروضة من رياض القرآن الكريم وهذا جزء مما أمرنا الله به من تدبر كلامه والتفقه في معانيه والوقوف عند رياضه كما قال في حديث: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا". ولا شك أن رياض القرآن الكريم هي من رياض الجنة لأنها من صلب ذكر الله .
    نبدأ هذه الحلقة بروضة المسلمين ونقرأ آيات من الآيات التي تتحدث عن هذه الروضة من رياض القرآن الكريم.
    الآيات محور السورة:
    (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) آل عمران)
    هذه الآيات من أول سورة آل عمران وسورة آل عمران ركزت بشكل كبير على الحديث عن النصارى وعن نظرتهم إلى عيسى عليه الصلاة والسلام وتأليههم له ونلاحظ في الآيات كيف قال الله (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) في هذه الآية إشارة واضحة إلى أن الإسلام هو دين الحق في السماء وأنه هو دين أهل التوحيد في الأرض وكل ما سواه من الديان باطل. ولو تأملنا أيضاً في الأديان المحرّفة سواء كان أصلها سماوياً أو كانت الأديان المحرفة وضعية من وضع البشر وجدنا أنها تفتقر إلى هذا الشرط وهو التوحيد. فانظر إلى اليهودية، انظر إلى النصرانية، انظر إلى البوذية، انظر إلى المجوسية تجد أنهم أشركوا مع الله إلهاً غيره. والله قد ذرك ذلك في كتابه (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (72) المائدة) (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ (73) المائدة) فنصّ على أنه دين شِركي. فتأمل في قول الله هنا في هذه الآية (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ (18) آل عمران) وأيضاً شهدت الملائكة على هذا وأولو العلم (وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ) فأشهد الله نفسه على أنه واحد لا شريك له وأشهد صفوة خلقة ثم قال بعدها (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) فكأن دين الإسلام هو دين التوحيد ومن ابتغى غير هذا الدين ونهج غير هذا المنهج فلن يقبل منه. بالرغم من بساطة هذا المفهوم وهو مفهوم التوحيد والاستسلام لله والانقياد له إلا أنه قد ضل عنه كثير من الأمم ولذلك الموحدون نسبتهم ضئيلة جداً كما ذكر النبي أن أمته بين الأمم لا تكاد تُذكر من حي النسبة ولكن الله يبارك في هذه الأمة ويجعلهم أكثر أهل الجنة كما أخبر النبي .
    نعود للآيات في قوله (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ) نحن أردنا من هذه الروضة روضة المسلمين أن نتوقف عند مفهوم المسلمين في القرآن الكريم وهذه الايات في سورة آل عمران نموذج من النماذج التي ذكر الله فيها الإسلام في كتابه الكريم. بعض الناس من المسلمين قبل أن يكون من غيرهم لا يفهم مفهوم الإسلام ونحن اليوم ولا سيما مع هذه الهجمة الشرسة على الأديان في ظل العولمة نشعر بالتقصير الشديد في إبلاغ مفهوم الدين بكل بساطة للمسلمين قبل غيرهم. نحن درينا وتعلمنا في الصف الأول الابتدائي ما هو الإسلام وعرفنا بكل بساطة أن أفضل التعريفات له هو القول بأن الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك وأهله.
    الاستسلام لله بالتوحيد ولذلك عندما قال الله (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ثم يقول (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)
    نحن بحاجة أن نتعلم ما يتعلق بالإستسلام والانقياد هذا الإنسان عندما يعيش في هذه الحياة يفترض أن يتذكر هذا الأمر والله يقول (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (65) النساء)
    مفهوم الاستسلام بالرغم من بساطته إلا أنه قليل من ينفّذه ويدركه ولذلك أبو بكر الصديق وإن كان بعضهم يرى أنها ليست في أبي بكر عندما قال ما سبقكم أبو بكر بكثرة صيام ولا قيام ولا عمل ولكنه شيء وقر في صدره. فيقول العلماء هو هذا الإيمان وهذا الانقياد التام لما جاء به النبي حتى أنه جاءه كفار قريش لما قال النبي أنه ق اسري به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء السابعة ورجع إلى مكة من ليلته فجاؤوا إلى أبي بكر وكان غائبناً فاقلوا هل سمعت ماذا قال صاحبك؟ يقولون قال شيئاً لا يدخل العقل قال وماذا قال؟ قال زعم أنه أسري به من مكة إلى بيت المقدس من ليلته ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً حتى نبلغها فقال أبو بكر إن كان قال ذلك فقد صدق. بكل بساطة، هذا مفهوم الإيمان والانقياد والاستسلام، إن كان قال ذلك فقد صدق، أنا أصدقه بأبعد من ذلك، أنا أصدقه بخبر السماء والوحي الذي يأتي به وهو القرآن من السماء وهو أبعد من بيت المقدس. فمفهوم الاستسلام لله سوت الانقياد له ونحن بالمناسبة في زمننا هذا ونحن نزعم أننا في زمن التقدم والتكنولوجيا والتواصل الاجتماعي أصبح العالم قرية واحدة أي خبر يحدث في أنحاء العالم يصل إليك تقرؤه لكننا لم نصل إلى الحقيقة المطلقة أما القرآن الكريم فهو الذي جاء لنا بهذه الحقائق المطلقة أما العقل فلا يستطيع أن يصل بنا إلى هذه الحقائق المطلقة. يأتينا الآن من يتفلسف باسم الفلسفة أو باسم النقد الذاتي للنص الديني ويشكك في مفهوم الاستسلام لله والانقياد له في أشياء غيبية ونحن نقول أن الدين الذي جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو هذا الدين دين الإسلام والاستسلام والانقياد لله لأن الوحي نحن إن آمنا بأن هذا القرآن الكريم وهذا الوحي من عند الله وآمنا بأن الله هو الخالق وأنه هو الذي يعلم الغيب وأنه يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون واستقر هذا الأمر وهذا المفهوم في نفوسنا انسجمنا مع هذه الآيات وأمثالها في التسليم المطلق لله والاستجابة لما جاء به النبي وانشرحت صدورنا وهذه نعمة من نعم الله التي امتنّ بها على خلقه فقال الله للنبي (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) الشرح) وما كان شرح صدر النبي إلا بالوحي وقال (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء (125) الأنعام) نسأل الله أن يشرح صدورنا بالاستجابة لهذا الوحي.
    نتوقف في الآيات: عندما نقول أن الله في سورة آل عمران قد ذكر أن الدين الوحيد الذي أنزله على أنبيائه هو دين الإسلام. وحاول أن أجمع بعض الآيات التي تؤكذ هذا المفهوم حتى في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من نوح إلى محمد .
    وجدت أن الله يقول في سورة يونس على لسان نوح (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) يونس)
    ابراهيم واسماعيل (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ (128) البقرة)
    وفي وصية ابراهيم ويعقوب (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132) البقرة)
    وفي وصية يعقوب لبنيه (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) البقرة)
    وفي قول موسى (وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (84) يونس)
    وفي قول عيسى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) آل عمران)
    وما نقله الله تعالى عن بلقيس ملكة سبأ لما قالت (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) النمل)
    وقول الله (شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) آل عمران) دين الإسلام المقصود به هو التوحيد وهذه الآيات (ونحن له مسلمون) المقصود به الموحّدون.
    الأنبياء عندما ذهبوا إلى أقوامهم الأمر الأول الذي قاموا به هو دعوتهم إلى التوحيد (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) وهذه واضحة في سورة الأعراف في سورة الشعراء.
    من المسائل التي نريد أن نركّز عليها هي قضية ضرورة أن يفخر المسلم بهذا الدين. نحن بإسلامنا نحن الملتزمون الوحيدون بأوامر الله في قضية التوحيد وكل الأديان الأخرى لم تلتزم بهذا الأمر ولذلك ينبغي للمسلم أن يشعر بهذا التميز وأن يفخر بهذا الاستمساك بالتوحيد والانقياد لأوامر الله ويحضرني قول الله (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) فصلت) في قوله (إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) على سبيل الفخر وعلى سبيل الشرف أنني أتشرف بهذا الإسلام وبهذا الانتماء لهذا الدين ولذلك اليوم بالرغم الحملات التي تضاد الإسلام وتتهم الإسلام بالإرهاب أن هذه كلها حملات مغرضة يراد منها تشويه الإسلام ونعرف أن من وراءها هم أعداء الإسلام ممن لا يريدون له الخير والله فصّل تفصيلاً في القرن الكريم (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (120) البقرة) فنحن لسنا عندما نصرّح بهذا قد ارتكبنا محظوراً أو خالفنا بروتوكولاً وإنما هذه حقائق لا ينبغي أن نجامل فيها أن هؤلاء لا يريدون لنا الخير ولذلك قال (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم (109) البقرة) فهذه مسائل واضحة وضّها الله في القرآن. وأنا أقول ينبغي على المسلم أن يعتز بدينه وأن يُظهر هذا الاعتزاز في سلوكه وأيضاً أن يعود ويتدبر الآيات التي نصّت على قضية الإسلام بالذات في القرآن الكريم كما في الآيات التي ذكرناها في سورة آل عمران. وبالمناسبة ذكر الشيخ محمد عبد الله دراز كلاماً جميلاً عندما تناول سورة الفاتحة وقال إن سورة الفاتحة أشبه ما تكون بالإجمال لكل ما فصّله الله في القرآن فعندما قال الله في سورة الفاتحة (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)) فجاء في سورة البقرة ففصل أحوال المغضوب عليهم وهم اليهود وفصّلها تفصيلاً كبيراً وتحدث عن بني إسرائيل وعدم انقيادهم وأن موسى عليه الصلاة والسلام عندما أمرهم بذبح البقرة تلكأوا وأكثروا عليه من الأسئلة التعجيزية التي لا يراد منها التنفيذ بقدر ما يراد منها التهرب من تنفيذ الأمر وأنه ينبغي على المسلمين أن لا يذهبوا في هذا الطريق وصوّر حال الأمة المحمدية الأمة الإسلامية كما في آخر سورة البقرة (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)) هذا هو حال المسلم. ثم جاء في سورة آل عمران التي قرأنا منها هذه الآيات ففصّل الحال عن الضالين وهم النصارى ففصل تفصيلاً تاماً. كنت في زيارة لإحدى الولايات الأميركية والتقيت بقسيس وكان رجلاً وثقفاً وكان معي ترجمة جيدة لمعاني القرآن الكريم باللغة الانجليزية فأعطيته نسخه من الآيات وأكّدت عليه أن يقرأ هذه الترجمة لأني شعرت أنه رجل يبحث عن الحقيقة ويريد أن يقرأ ولم يطّلع من قبل على القرآن بشكل جيد وأنا أزعم أننا في هذا الزمن بالذات لأول مرة يستطيع الغرب أن يقرأوا القرآن الكريم مباشرة وفي العصور المتقدمة كان يحال بينهم وبينه ما كان يطّلع على القرآن الكريم إلا نسبة ضئيلة جداً لا تكاذ تُذكر. في هذا العصر انفتحت المسألة بشكل كبير وأصبح يصل الترجمة الصحيحة إلى الجميع. فقلت له إما أن تقرأ الترجمات للقرآن كاملاً وإن لم تجده فأرجو أن تقرأ سورة آل عمران وسورة مريم فإذا قرأت هاتين السورتين تواصل معي وكانت المفاجأة ويبدو أنه بدأ بسورة مريم وقرأها وذهل وكتب لي رسالة عجيبة قال فيها : أنا صُدمت فعلاً عندما قرأت هذا التكرار وهذا الثناء وهذا الحديث الطويل عن عيسى وعن مريم. فقلت له هناك من سبقك في القرن الثامن عشر عندما جاء يقرأ القرآن قال كنت أظن أنه سيتحدث عن محمدن خديجة، عائشة، زوجات محمد وسيكون ذكر مريم إما معدوماً وإما نادراً فلما اطلعت على القرآن وجدت الحديث عن مريم وعن عيسى أكثر من الحديث عن محمد نفسه وليس هناك ذكر في القرآن الكريم لأي زوجة من زوجات النبي . هذه الحقيقة نحن أحياناً نغفل عن مثل هذه الزوايا التي يتنبه لها هؤلاء مع أننا نحن أهل القرآن ونقرؤه ونكرره.
    نختم بضرورة التركيز على جانب التوحيد في القرآن الكريم والتأمل في آياته. نحن في هذه الروضة تحدثنا عن روضة المسلمين ولا شك أن آيات القرآن الكريم جميعاً هي روضات المسلمين لكن الآيات التي تحدثت عن الإسلام والانقياد لله بالطاعة ووالاستسلام له والاستجابة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) ينبغي لنا أن نكون أكثر استجابة وانقياداً واستسلاماً لأوامر الله . نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الاستمساك بالتوحيد والانقياد لأوامر الله والخضوع لطاعته وطاعة نبيه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
    سمر الأرناؤوط
    المشرفة على موقع إسلاميات
    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

  • #2
    الحلقة الثانية
    روضة العابدين
    http://www.youtube.com/watch?v=lyTtCTLeioY

    اليوم سوف نتحدث عن روضة من رياض القرآن وهي روضة العابدين سنتوقف من خلالها عن آيات من القرآن الكريم تتحدث عن العبودية لله وعن العبادة وننطلق من خلال هذه الروضة للحديث عن الآيات المماثلة التي تناولت موضوع العبادة في القرآن الكريم.
    (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) الذاريات)
    هذه الآيات من أواخر سورة الذاريات وهذه السورة هي سورة مكية نزلت على النبي في مكة والعلماء دائماً يتحدثون أن السورة المكية دائماً تركز على مفهوم التوحيد وتقرير العقيدة وترسيخ هذا المفهوم في نفوس المسلمين ونحن نستفيد من هذا حتى اليوم من أننا إذا أردنا أن نطّلع على آيات العقيدة وكل ما يدعم ويعزز هذا المفهوم في نفوس الناس فإننا نركز على الآيات والسور المكية هذا ظاهر فيها جداً. هذه الآيات وهذه الروضة روضة العابدين تتحدث عن هذه الآية المفصلية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وهذه الآية على قصرها تختصر العبرة والغاية التي خلق الله من أجلها البشر بل والجنّ لذلك قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ولذلك كثير من الذين يعيشون اليوم في العالم لا يدركون هذه الحقيقة كما يدركها المسلم الذي يقرأ هذه الآيات فلذلك نحمد الله أن هدانا لما اختلف فيه الناس.
    فتأمل في قوله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58))
    نسبة المسلمين في العالم اليوم لا يشكّلون ولا يمثّلون خمس أو عُشر العالم والبقية الباقية على أديان محرّفة مما يدل على فضل الله علينا وعلى المشاهدين الذين هدانا لهذا الدين ولهذه العقيدة ولهذا التوحيد ولذلك ينبغي على الإنسان وهو يقرأ مثل هذه الآيات أن يحمد الله على نعمة الهداية ونعمة العبودية ولذلك الله عندما ذكر النبي في القرآن الكريم في أشرف المواضع ذكره بوصف العبودية. ووصف العبودية لله هو شرف لنا علماً أن العبودية في أصلها هي ذلّة وليست تشريفاً، عندما تقول فلان عبدٌ لفلان فهذه ليست تكريماً له وإنما نوع من الذلّة والانقياد لهم لكن العبودية لله هي شرف وفخر للإنسان أن يفخر بأنه عبد لله ولذلك أجاد أحد الشعراء عندما قال:
    ومما زادني شرفاً وتيهاً وكدت بأخمصي أطأ الثريا
    دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيّرت أحمد لي نبيا
    لذلك لما وصف النبي في القرآن الكريم في أشرف المواضع مثل قوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ (1) الكهف) ذكر النبي وقت نزول الوحي ونزول القرآن الكريم وهذا وقت شرف للنبي ذكره بلفظ العبودية وعندما ذكره أيضاً في موقف الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (1) الإسراء) فذكره في موطن شرف تميز به على كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو موقف الإسراء والمعراج فذكره بوصف العبودية. وأيضاً لما قام النبي يدعو إلى الله ذكره بوصف العبودية فقال (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) الجنّ). هذه الآيات مع الآيات في سورة الذاريات تؤكد على مفهوم العبودية لله وهو غاية الخضوع والتذلل لله باتباع الأوامر واجتناب النواهي وأنه ينبغي على كل واحد منا وهو يعبد الله أن يستشعر هذاالشرف عندما يوفقك الله إلى الصلاة جماعة وإلى المحافظة عليها فقد وفقك إلى عبوديته الحقة وقد هداك في حين حرم غيرك. ولذلك استحضار هذه النعمة العظيمة عليك وأنت تصلي وأنت تسجد وأنت تؤدي السنن الرواتب وتحافظ عليها هذه نعمة اختصك الله بها فحافظ عليها فذلك فضل الله وليحرص الإنسان عليها.
    هل نحن نستشعر ونحن نتحدث في هذه الآيات ونبلّغ عبر هذا البرنامج أو عبر خطبة الجمعة التي تخطبها أو عبر تعليمك لطلابك وأنت أستاذ أننا نقوم بوظيفة النبي وننوب عنه في تبليغ هذا القرآن الكريم وفي بيان معانيه إلى الناس كما كان النبي يفعل. كان النبي يأتي إلى الناس وهم مجتمعون فيتلو عليهم القرآن بغية هدايتهم والنبي لم يكن يتقاضى أيّ مقابل من الناس وهو يدعوهم إلى الإسلام ولذلك قال الله (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) الكهف) النبي كان حريصاً على تبليغ الرسالة ومن الجيد أن نحرص على الدعوة ونبلّغ الدعوة ولكن هل عندنا الحرص الشديد على أن تصل الدعوة بالشكل الصحيح والمطلوب أو أننا نقول (إن علينا إلا البلاغ) وانتهى الأمر؟! لا بد لنا من استشعار هذا المعنى.
    أضف إضافة مهمة جداً وهو أننا عندما نتحدث عن مفهوم العبودية في روضة العبودية في سورة الذاريات هل تعلم أننا نجيب عن أعظم سؤال في الوجود حيّر الملاحدة حيرة شديدة، يجيب الله لماذا خلقنا؟ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) فقط (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57)) لماذا؟ (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)) ولذلك كثير من الباحثين المعاصرين – وأنا أتفق معهم- يرون أن سورة الذاريات موضوعها ومقصدها الأساسي هو الرزق وأن الله قد تكفل به ولذلك تفرّغ أنت للعبادة. كأن الله يقول ركّز على العبودية ودع الرزق علينا. وقد تجد البعض يعترض على رزق غيره لماذا أُعطي مالاً كثيراً وأنا لم أعط؟ فيرد الله (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) الشورى)
    كنت أقرأ في كتاب من كتب التاريخ الروسية التي وضعت في عهد الشيوعية والإلحاد لا تجد في هذا الكتاب ذكر لا لله ولا لخلقه ولا لعبودية الناس له أبداً، يتحدثون عن الخلق وعن الإنسان كأنه خُلق من ذاته وهذا هو الانحراف انحراف الفطرة. ولذلك انظر إلى النظريات العلمية التي نشأت في ظل الإلحاد والكفر والرأسمالية كلها تهمّش مفهوم العبودية لله ولذلك ينبغي على الطالب المسلم ونقولها لأبنائنا وبناتنا وهم يقرأون في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والجيولوجيا والأحياء تجد خلق الإنسان ظاهر في عظمة الله في خلق الإنسان، في خلق السموات والأرض، خلق الجنين في الجهاز الدموي والجهاز التنفسي وكل هذه الأجهزة تؤكد على مفهوم خلق الله للإنسان وأن هناك قوة غيبية خارقة وهو الله هو الذي خلق وهو الذي رزق وهو الذي أعطى لذلك تعظيم هذا المفهوم في نفوس أبنائنا وبناتنا يعزز في نفوسهم حتى لما يتلقون مثل هذه العلوم يتلقونها بروح المؤمن الخاضع لأوامر الله .
    نعود لموضوع العبودية والحيرة في قوله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) يجيب على أعظم سؤال حار فيه الملاحدة والمؤرخون وأصحاب المذاهب الكلامية والأفكار ولذلك قصيدة إيليا أبي ماضي المشهورة التي قالها في مثل هذه الظروف، هو شاعر نصراني عاش في بداية عصر النهضة بالرغم من هجرته إلى أميركا الجنوبية ورأي بداية الحضارة كان يشعر بقلق شديد لأنه غير مسلم ولا يهتدي لماذا خُلق فيقول:
    جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت
    ولقد أبصرت قدامي طريقا فمشيت
    وسابقى سائراً إن شئت هذا أم أبيتُ
    كيف أبصرت طريقي ولماذا جئت لست أدري لست أدري
    ثم يسترسل في القصيدة:
    كم سألت البحر يوماً هل أنا يا بحر منك
    في أسئلة كلها تدل على الحيرة وعلى عدم معرفة سر الخلق ولماذا خلقك الله وإلى أين المصير وما معنى القضاء والقدر وما معنى الإيمان بالغيب وما معنى الإيمان بالجنة والإيمان بالنار والإيمان بهؤلاء الأنبياء والرسل؟
    لو تتأمل في القرآن الكريم كيف يقص الله على النبي قصة نوح وقصة إبراهيم وقصة موسى وعيسى ويونس وسليمان وداوود وهؤلاء القدوات وكل هذا من الغيب بالنسبة للنبي والنبي لم يكن يقرأ ولم يكن عند اطلاع على هذه الثقافات عليه الصلاة والسلم لذلك لما فاجأه جبريل بالوحي زقال له اقرأ، قال ما أنا بقارئ، معنى كلام النبي أنا لا أحسن القرآءة وليس معناه أني لن أقرأ حتى لو أمرتني وإنما لست بقارئ وبالرغم من ذلك لما جاءه هذا الوحي وجاءه بسيَر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أتخيل النبي وهو ينظر إلى هؤلاء الأنبياء الذين سبقوه هؤلاء القدوات بالنسبة له عليه الصلاة والسلام.
    لو ننظر مفهوم العبودية حتى النبي طبق مفهوم العبودية حتى قالت عائشة عندما رأت النبي يبالغ في قيام الليل وفي التعبد حتى تفطرت قدماه من كثرة الوقوف قالت: يا رسول الله ألم يغفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال النبي أفلا أكون عبدا شكورا. هذه المغفرة تقتضي مني المبالغة في الشكر. انظر لهذا الفهم سبحان الله العظيم! أنا أتصور لو وقع مثل هذا عليّ لقلت الحمد لله، ما دام أن الله غفر ما تقدم من ذنبي وما تأخر سأرتاح!
    النبي في سورة العنكبوت جاءت لفتة مهمة وهذه من المسائل التي ينبغي للجميع أن يعتني بها ممن يقرأ القرآن الكريم كيف تأتي إشارات مقصودة من الله في القرآن الكريم تشير إلى مراحل دعوة النبي كما ذكر الله قصة نوح ذكرها الله في كثير من المواضع في السور المكية ذكرها في سورة نوح وفي سورة الأعراف وفي سورة هود، أفاض في قصة نوح ولكن ولا في موضع واحد من هذه المواضع ذكر الله مدة بقاء نوح في قومه وإنما ذكرها في موضع واحد في سورة العنكبوت (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)) يسأل السائل لماذا ذكرت هذه اللفتة من قصة نوح في هذا الموضع من سورة العنكبوت؟ لما تأملت ودرست هذه السورة وجدت أن سورة العنكبوت على أقوال العلماء كانت آخر سورة نزلت في مكة وبعضهم يقول نزلت في الطريق إلى المدينة وبعضهم يقول نزلت أول سورة في المدينة، على الاحتمالات الثلاثة الحكمة واضحة كأن الله يقول للنبي أنت كم لبثت في مكة؟ 13 سنة ولكن كذّبوك وأخرجوك ولم تجد أي مجال للدعوة في مكة فهاجر إلى المدينة، نوح بقي في قومه 950 سنة وأنت بقيت في قومك 13 سنة فكان في هذا عزاء للنبي ولذلك النبي كان يقتدي بهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويرى في سيرهم التي يقصها الله عليه في القرآن الكريم ميداناً للقدوة.
    ولذلك ينبغي علينا ونحن نقرأ القرآن الكريم أن نقتدي بهؤلاء القدوات لأن القرآن الكريم عظّم لنا هذه النماذج البشرية وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين من هذه الأمم التي سبقتنا وهؤلاء الذين ينبغي أن نقتدي بهم لا أن نقتدي بحثالة الناس الذين يحاول الإعلام الغربي أو الشرقي أن يلمع هؤلاء لكي يكونوا نجوماً الذين ينبغي على أبنائنا أن يقتدوا بهم.
    نسال الله أن يرزقنا وإياكم صحة الاقتداء بالنبي وأن يرزقنا صدق العبودية لله .
    سمر الأرناؤوط
    المشرفة على موقع إسلاميات
    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

    تعليق


    • #3
      أسأل الله تعالى أن يجزي شيخنا ويجزيك عنا خير الجزاء، ويبارك في علمكم وعملكم.

      تعليق


      • #4
        رياض القرآن - الحلقة الثالثة
        روضة الصائمين
        http://www.youtube.com/watch?v=95_JWwRzd1s

        (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) البقرة)
        هذه الآيات من سورة البقرة توقفت مع فرضية الصيام ونحن في شهر الصيام والمتأمل في أركان الإسلام التي ذكرها النبي عندما قال بُني الإسلام على خمس يجد أن أحد أركانها الصيام الركن الرابع عندما قال النبي : "بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" نتأمل في هذه الأركان، شهادة أن لا إلا الله وأن محمداً رسول الله هذه باللسان، تقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يكون هذا الركن انتهى، ثانياً قال: وإقام الصلاة، وهذه يومياً خمس مرات وهي لا شك أعظم الأركان. الثالث قال: وإيتاء الزكاة، وهذه إيتاء الزكاة تجب على يملك النصاب أما من لم ليس عنده نصاب يستحق أن يزكّي فليس عليه زكاة، والزكاة هي تطهير للنفس (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِ (103) التوبة). ثم يأتي الركن الرابع قال: وصيام رمضان وقال في الركن الخامس حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.
        تأمل في الصلاة تتكرر يومياً خمس مرات والصيام يتكرر سنوياً مرة واحدة وهو عبادة بدنية تقوم بها بجسمك تمتنع عن الطعام وعن الشراب وعن الجماع لوقت محدد. يسأل الناس في مثل هذه الآية عندما يقول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) يسألون عن وجه كتابة الصيام على الأمم السابقة أي كيف كان كتابة الصيام على الأمم السابقة والمفسرون يذكرون أن الصيام منذ عهد آدم وبعضهم يرى أنه مكتوباً كما هو مكتوب على المسلمين صيام شهر في السنة وبعضهم يقول كان أصل الصيام مكتوباً ولكن الكيفية مختلفة. لكن كما يقول العلماء ما هي الحكمة من هذه الكلمة (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)؟ هل يريد الله أن يخفف علينا هذه المشقة التي نجدها في الصيام؟ فكأن الله يقول: لستم أنتم أول من يصوم هناك من صام قبلكم ولذلك قال الله احتجاجاً للنبي عندما كذّبه قومه (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ (9) الأحقاف) أنا لست أول رسول يرسله الله إلى قومه، هناك رسل قبلي أرسلوا إلى أقوام. فنقول أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلّفين من مشقة هذه العبادة والشيء الشاقّ إذا كان عامّاً على الناس تقل المشقة فيه كما كانت تقول الخنساء عندما قتل أخوها صخر فكانت ترى الناس حولها يبكون على إخوانهم وعلى من فقدوا فتتأسى بذلك ولذلك قالت:
        فلولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي
        فوجدت في عموم المصيبة شيئاً من التخفيف وشيئاً من التسلية. وكذلك عموم كتابة الصيام على الأمم السابقة فيها تخفيف علينا نحن المسلمين وتقليل من المشقة.
        أيضاً كما ذكر ابن كثير في تفسيره يقول: ذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أسوة وأيضاً ليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك كما قال تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (48) المائدة) فكأن فيه نوع من التحفيز لنا نحن المسلمين أن نسابق الأمم السابقة في إجادة الالتزام بموضوع الصيام.
        أيضاً ذكروا من أغراض التشبيه: استكمال هذه الأمم للفضائل التي سبقت إليها الأمم السابقة ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل فالإنسان يصبر على طعامه وشرابه وشهوته من أجل الله سبحانه تعالى ولوجه ولذلك قال الله "كل عمل ابن آدم له يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي" هذا الحديث القدسي يحفّز الإنسان لأن الصوم تكفل الله بالجزاء عليه في حين أن بقية الأعمال الصالحة الحسنة بعشر أمثالها. هل معناها أن الصوم أقل من هذا؟ أن يكون مثلاً بستة أمثال أو سبعة؟ لا يمكن هذا الفهم، بل هو أكثر من بقية الأعمال الصالحة إذن هو أكثر من مضاعفته عشرة أضعاف لأن الله تكفل بالجزاء عليه والله إذا تكفل بالجزاء ولذلك قال (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) الزمر). والله يقول (قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَخَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا (100) الإسراء) لأن ما يعطيه الله من حسنات الحسنة الواحدة تساوي الدنيا وما فيها فلذلك الإنسان إذا كان الأمر بيده ينظر إلى هذه الأجور التي تأتي للإنسان لأمسك (وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا).
        نعود إلى روضة الصيام، إن القرآن الكريم كله رياض بل إن الآية كما قال النبي في حديث في صحيح مسلم: خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ونحنُ في الصُفَّةِ فقال" أيكم يحبُّ أن يغدو كلَّ يومٍ إلى بطحانَ أو إلى العقيقِ فيأتي منهُ بناقتيْنِ كوماويْنِ، في غيرِ إثمٍ ولا قطعِ رحمٍ؟ " فقلنا: يا رسولَ اللهِ! نحبُّ ذلك. قال" أفلا يغدو أحدكم إلى المسجدِ فيُعَلِّمَ أو يقرأَ آيتيْنِ من كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ خيرٌ لهُ من ناقتيْنِ. وثلاثٌ خيرٌ لهُ من ثلاثٍ. وأربعٌ خيرٌ لهُ من أربعٍ. ومن أعدادهنَّ من الإبلِ " .الراوي: عقبة بن عامر المحدث:مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 803 - خلاصة حكم المحدث: صحيح. غنيمة باردة أن يخرج أحدنا مسافة قريبة ويحصل على ناقة سمينة أو ناقتين كوماوين. ونحن نقول هذه آية واحدة من آيات القرآن الكريم فيها هذا الأجر العظيم فكيف إذا اجتمع في رمضان الصيام والقرآن واٌبال على الله . والمتأمل يلاحظ كيف ارتبط القرآن الكريم برمضان وهو كذلك منذ نزل القرآن الكريم على النبي صلهم وهناك تلازم بين القرآن وبين رمضان فلا يُذكر القرآن إلا ويُذكر شهر رمضان ولا يذكر شهر رمضان إلا ويُذكر القرآن ولذلك النبي كان يشعر شعوراً خاصاً في رمضان سواء قبل الهجرة أو بعد الهجرة وإن كان بعد الهجرة أكثر لأنه كان عليه الصلاة والسلام يقول الليل وكان معه الصحابة يصلّون في المسجد ويشعرون بهذا الشعور الإيماني وشعور الجماعة مع القرآن الكريم. اليوم ولله الحمد والمنّة أصبح الناس أكثر إقبالاً على القرآن وأكثر شعوراً بأهمية رمضان فمن ثلاثين سنة كان إقبال الناس على العمرة في رمضان وإقبال الناس على ختم القرآن أقل من ذلك. بل حدثني أحد المشايخ في الرايض يقول أنا أتيت الرياض قبل أربعين سنة ما أذكر أن أحداً كان يصلي التراويح بالناس يقول كانوا كلهم يقرأون من المصحف واستثنى شيخين، كان الشيخ مناع القطان موجوداً في الرياض والشيخ محمد الرواي فاليوم ولله الحمد لا تكاد تجد أحداً يصلي إلا وانتشر الحفاظ على مستوى الأمة وليس على مستوى المملكة فقط ونسأل الله أن يديم علينا هذه النعمة. وأيضاً جانب التدبر والدخول في معاني القرآن والغوص في معانيه ونشعر بهذا من أسئلة الناس خلال الاستشارات القرآنية لمركز تفسير خلال شهر رمضان بحيث نستقبل الأسئلة حول القرآن فقط وكانت الساعات تمر كأنها سؤال واحد من كثرة الأسئلة وكثرة إقبال الناس على القرآن. وهذه نعمة نسأل الله أن يجمها علينا وأن يرزقنا وإياكم الأمن كما نحن في هذا البلد حتى يتفرغ الناس للعبادة ويتفرغوا لتدبر القرآن ويتأملوا في معانيه. والنبي كان يدارس جبريل كما في الحديث أنه كان يدارس جبريل القرآن في رمضان وفي رمضان الذي توفي بعده النبي تدارسه مرتين وتخيل مدارسة جبريل للنبي للقرآن الكريم والذي يغلب على ظني والله أعلم أن جبريل كان يتصور في هيئة بشرية فيدارس النبي القرآن الكريم لأنه لما سُئل النبي كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وهو أشده عليّ، وأحياناً يأتيني على هيئة رجل فأكلمه ويكلمني. فالذي يغلب على ظني والله أعلم أن جبريل كان يتصور في هيئة بشرية فيدارس النبي القرآن الكريم في رمضان وتخيل كيف كانت هذه المدارسة.
        أيضاً الله عندما ذكر آيات الصيام بعد أن ذكر (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) بعدما ساق الله الآيات التي تتعلق بالصيام ذكره الدعاء وهذا يجعلنا نتضرع إلى الله ونكثر من الدعاء لا سيما في هذا الشهر الفضيل المبارك.
        أيضاً من القضايا المهمة التي نريد أن نشير إليها في روضة الصائمين قضية التقوى وأن الصيام هو مدرسة التقوى وأنه ينبغي على المسلم أن يستحضر هذا المعنى حتى يعظم في نفسه جانب تقوى الله وجانب الرجوع إليه والإنابة ومراعاة الله في كل حياته في كل التفاصيل.
        ولو تأملنا لماذا اختص الله بالجزاء على الصيام قال العلماء لأن الصيام أمر بين الإنسان وبين ربه لا يطّلع عليه أحد لأنه بإمكان أيّ واحد أن يختفي عن أنظار أقرب الناس إليه ويشرب ويأكل ولكنه في نظر الناس صائم لكنه بينه وبين الله ليس كذلك. ولذلك لو تأملنا سياق آيات الصيام وأين وردت نجد أنها وقعت بين آيات الشدة وذكر الصبر فجاء قبلها قول الله (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (178)) وهذه شدّة تحتاج إلى صبر، وتقدمها أيضاً قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)) وهذه شدة تحتاج إلى صبر. ثم ذكر بعد آيات الصيام آيات القتال (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190)) ثم قال (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (191)) وقال (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ (193)) ولا شك أن الصوم من المشاقّ والقتال من المشاقّ والقتال يقتضي الصبر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ (200) آل عمران) وبعدها ذكر آيات الحج أيضاً لأن الحج يقع بعد الصيام (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ (197)) فنجد أن موقع آيات الصيام بين آيات الصبر وما يقتضي الصبر وهموم المشقة وهذه فيها لفت نظر إلى تحمل هذه المشقة اليسيرة التي تعتري الإنسان لا سيما في أول أيام الصيام ثم إنها تصبح لذة ويصبح فراق الصيام شديداً على الناس ولذلك نحن في أول الصيام بعضنا يجد مشقة لكن في نهاية الشهر الكل يتمنى أن يتم رمضان ثلاثين يوماً والكل يتمنى أن يستمر رمضان طيلة السنة. نسأل الله أن يرزقنا التقوى ويرزقنا الصبر وأن يعيننا على أنفسنا حتى نستفيد من روضة الصيام ومن مدرسة الصيام ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في ذلك كله.
        سمر الأرناؤوط
        المشرفة على موقع إسلاميات
        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

        تعليق


        • #5
          رياض القرآن - الحلقة الرابعة
          روضة المتّبعين
          http://www.youtube.com/watch?v=YpkEbk7Pv0I

          إن النجاة الحقيقية هي في اتباع النبي وفي اتباع الوحي والاستمساك به.
          (قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) آل عمران)
          نحن عندما نقول أنه يجب علينا اتّباع الوحي والذي جاء بالوحي هو النبي والاتّباع دائماً فيه معنى التقليد وهو معنى سلبي، عندما تقول لأحد لا تبتكر، لا تُبدع أنت فقط التزم بالتعليمات، اتبع التعليمات فقط، وقد يقول قائل لماذا الاتباع فقط لما تطلبون مني أن أتّبع ألا تتركون مجالاً للابتكار والإضافة؟ وهذا نقول هذا في إدارتنا للأمور. الله عندما أرسل النبي أرسله بهذا الوحي وأرسل الأنبياء السابقين أرسلهم بحقائق لا يمكن الوصول إليها بالعقل أبداً، الإنسان لولا هذا القرآن لا يمكن أن يصل إلى الله، لا يمكن أن يعرف حقائق مجيئه لماذا خُلق وإلى أين المصير وما هو المطلوب منه؟ لا يمكن أن يعرف هذا العقل، العقل له حدود. لذلك الذين ضلوا في المذاهب البشرية أرادوا أن يدخلوا العقل في مسائل لا يمكن للعقل أن يحكم فيها فلا يمكن للإنسان بالعقل أن يكتشف أن هناك جنة ونار؟ الجواب لا، هذه قضايا غيبية لا يمكن للعقل أن يستنتجها، ليست قضايا منطقية كما هي في الأشياء البشري التي نتعامل معها، هذه قضايا غيبية اختص الله بها. أخبرنا الله في هذا الكتاب أن هناك جنة وهناك نار وهناك حساب وهناك عذاب وأيضاً أخبرنا أشياء في الغيب الماضي كيف خلق السموات والأرض كيف أرسل الأنبياء السابقين هذه قضايا لا يمكن أبداً أن يصل إليها العقل ولذلك لما جاء بها الوحي أُمرنا باتباعها لأنها حق لا شك فيه ولا باطل فيه. ولذلك هنا في هذه الآيات (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)) النجاة الحقيقية هي في اتّباع النبي ، عندما يتكلم الله عن قضية الاتباع فهو في القضايا التعبدية التوقيفية أما في أمور الدنيا والمعاش فيأمرك بالابتكار والإضافة. وبعضهم يلبّس على الناس ويقول الدين الإسلامي دين تقليد يأمر أتباعه بالتقليد المحض وهذا صحيح في جوانب العبادة.
          نستطرد في مسألة العبادة، عبادتنا لله العبادة التوقيفية تماماً لا نتعبد الله إلا بما شرع لنا في كتابه الكريم أو في سنة النبي فلو جاء رجل مخلص وصادق وقال أنتم تصلون الفجر ركعتين فقط وأنا سأصلي أربع ركعات لأن أربع ركعات تتيح لي فرصة أن أقرأ أكثر وأركع أكثر أسجد أكثر لن نوافقه ونقول عملك باطل وصلاتك باطلة لأنك أعملت عقلك واجتهدت في مسألة لا تقبل هذا. الرسول قال نصلي ركعتين نصلي ركعتين، نصلي الظهر أربعاً نصليها أربعا ولذلك قال : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ، أي باطل. هذا مفهوم الاتباع، نحن نتبع في هذه القضايا العبادية ولا نجتهد فيها ولا نضيف ولا نذكر الذكر الذي أمرنا النبي أن نذكره في السجود نذكره في الركوع ولا العكس، اتباعٌ تامّ، وهذا من تمام العقل ومن تمام الإسلام ومن تمام الانقياد. ثم لك أن تُطلق عقلك في قضايا المعاش وتبتكر وتبدع كما تحب وكما تشاء أما في القضايا التعبدية فكمال العقل وكمال الفهم هو في كمال الاتباع للنبي ولذلك ما أُرسل الأنبياء إلا لكي يتبعوا (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (64) النساء) والاختبار الحقيقي للمسلم هو في الانقياد وفي الإيمان بالغيب ولذلك في أول سورة البقرة عندما ذكر الله صفة المتقين قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)) ثم ذكر صفاتهم (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)) قال العلماء قدّم الله صفة الإيمان بالغيب لأنها هي المحك الحقيقي في الإيمان لأنك إذا آمنت شيء مشاهد أمامك انتهت القضية كما فعل فرعون لما دخل الماء إلى جوفه ورأى الموت قال (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) يونس) فقال الله له (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) يونس) انتهى وقت القبول. الإيمان بالشهادة يشترك فيه الناس جميعاً لكن الإيمان بالغيب هو الذي يتفرد به المؤمنون الصادقون المخلصون النبي جاءنا بهذا القرآن جاءنا بهذا الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة التدر فيه والتأمل فيه يدعو إلى الإيمان واليقين والتسليم وكلما كان الإنسان أكثر إيماناً ويقيناً بما عند الله كان أكمل إيماناً. (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الأنعام) ولذلك حتى الإنسان عندما ينام نومته هي لله وهو يتعبد الله فيها عندما يسير الإنسان أو عندما يقوم بأداء أي عمل هي عبادة لله كما تعلمنا تعريف شيخ الاسلام ابن تيمية المشهور للعبادة "العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهر والباطن" فلذلك الإنسان يتبع أمر الله وأمر رسوله في كل هذه الأشياء وهذا لا يعني أن الإنسان لا يبتكر ولا يُبدع، بالعكس الإنسان يبتكر ويبدع طالما كله في سياج طاعة الله.
          ونحن نتحدث في روضة المتبعين كمال اتباع الإنسان لسنة النبي دليل على الإيمان ودليل على محبته أيضاً لأن البعض يقول أنتم بهذا تحجّرون لأنه عندما نقول روضة المتبعين نحن في الحقيقة نحارب ونردّ البدعة. والبدعة هي عبادة جديدة لم يأذن بها النبي ، لو جاءنا أحد بعبادة لم ينصّ عليها النبي ولم يشرعها لنا فنحن نقول لهذا المبتدع هذه ليست موجودة في القرآن وهي موجودة في السنة فهي مردودة عليك بعضهم يغضب ويقول أنتم محجّرين وأنتم لا تحبون النبي ولا تحبون الله. على سبيل المثال يأتي من يحتفل بمولد النبي وصار الاحتفال بالمولد كأنه حجّ فنقول هذه بدعة مردودة وليست من الدين فيقال أنتم لا تحبون النبي فنقول بالعكس بل من كمال محبتنا له أننا لا نحتفل بمولده لأن الله يقول (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) وهذا الذي جئتم به شيء في العبادة، إضافة من عندكم في العبادة كما يفعل الصوفية يجتهدون في باب العبادة وباب العبادة توقيفي لا مجال للعقل فيه فكما أنه لا يمكن أن تجعل صلاة الفجر ثلاث ركعات أو صلاة المغرب أربع هذا لا يمكن لأن هذه عبادات لا يدخلها العقل ولا تجتهد فيها. حتى الأذكار التي تقال في الركوع والسجود وفي التشهد كلها منصوص عليها أخبرنا بها النبي ولذلك تلاحظ الناس الآن يسألون هل يجوز أن اقول في الركوع كذا؟ أضيف؟ لا يجوز إذا لم يثبت عن النبي لأننا في جانب العبادة نحن متعبّدون باتباع النبي كما قال عمر لما جاء إلى الحجر الأسود وقال إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي يقبلك ما قبلتك. هذا هو مفهوم الاتباع بكل بساطة.
          ولا يعني عدم الاحتفال بيوم مولد النبي أن يتوقف البعض عن ذكر النبي ويقول أنتم تقولون هذه بدعة ويتوقف عن ذكر الرسول أو ذكر سيرته وهذا غير مطلوب وإنما المطلوب البعد عن الاحتفال.
          وأما ما يتعلق بالأذكار فنجد أن الرسول ذكر لنا أذكاراً كثيرة وهذه الأذكار لو استطاع الإنسان أن يلتزمها لامتلأ يومه كله بالأذكار، " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك"، سبحان الله وبحمده مائة مرة، الأذكار كثيرة فليس هناك داعي بأن نأتي بأذكار أخرى جديدة، لو فقط قمنا بالأذكار التي جاءت في النصوص الصحيحة لاستغرقت وقتاً طويلاً.
          ولذلك ابن الجوزي قال في كتابه "تلبيس إبليس" من وسائل ابليس في إضلال الإنسان أنه يأتي للإنسان المسلم والمستقيم ويرى أنه لم يستطع أن يثنيه عن الصلاة فدخل عليه من هذا الجانب فيشغله بالمفضول على الفاضل ويظهر هذا جلياً في جانب الأذكار. لاحظ الآن الناس الذين في الطواف تجده معه دفتر أذكار الطواف وتجد أن الكثير من هذه الأذكار لم يثبت وإذا بالناس يتركون الأذكار الصحيحة التي ثبتت في البخاري وفي مسلم وفي الكتب الصحيحة ويذهبون إلى أذكار مسجوعة ليس عليها دليل وهذا من تلبيس إبلييس على الإنسان وأنه لو اشتغل الإنسان بالأذكار الصحيحة لكان ذلك فيه كمال الاتباع للنبي والانقياد له والسير في ركابه عليه الصلاة والسلام.
          في قول الله تعالى (قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) إشارة هنا إلى أن عدم الانقياد كفر لأنه قال في ختام الآية (فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) لأن توليهم عن الانقياد لأوامره عليه الصلاة والسلام كفر ولذلك في سيرة النبي وسيرة الصحابة ويحضرني عبد الله ابن عمر كان شديد الاتباع لآثار النبي حتى أنه كان يتتبع مواضع ناقة النبي في الهجرة وفي الذهاب إلى الحج لكي يقلد النبي حتى في هذه التفاصيل ولذلك كان مشهوراً بكمال اتباعه لسنة النبي ونحن نقول اليوم ولله الحمد والمنة وقد حققت كتب الصحيحة من السنة وأصبح صحيح البخاري ومسلم في متناول الجميع، كتاب رياض الصالحين موجود في متناول الجميع بل حتى اليوم وهي حجة علينا الآن أصبح بإمكانك أن تحمل هذه الكتب على الجوال الذي بين يديك ولا أجد الآن مبرراً لاشتغال الناس اليوم بالقرآءة في الجرائد وما يقرأ في المنتديات وفي مواقع التواصل الإجتماعي يقرأ طيلة يومه ثم يغيب عنه أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم ولا يعرفها فتقول له لو قرأت كل يوم وحفظت حديثاً واحداً من الأحاديث في صحيح البخاري ومسلم لكان في ذلك بركة عليك في علمك وفي عبادتك. في يوم من الأيام جاءني طبيب استشاري فدار الحديث حول كتب السنة والأحاديث الصحيحة فسألته إن كان لديه صحيح البخاري فقال لا، وسأل ما ميزة صحيح البخاري؟ قلت هو أصح كتاب بعد كتاب الله وقد تحرّى فيه الإمام البخاري الصحة واتصال السند وذكرت له بعض التفاصيل وأعطيته نسخة من صحيح البخاري في مجلد واحد وغاب عني أشهراً فلما لقيته قال للأسف الشديد كنت في غفلة عن صحيح البخاري وقد وجدت فيه أجوبة على أسئلة طالما سألت نفسي عنها في عبادتي في حياتي في تصور بدء الخلق وإذا بها كلها في صحيح البخاري فضلاً عما في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن. فلا شك أن كمال الاتباع هو في كمال اتباع النبي وكمال اتباع الوحي كما قال الله في هذه الآية (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).
          سمر الأرناؤوط
          المشرفة على موقع إسلاميات
          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

          تعليق


          • #6
            رياض القرآن - الحلقة الخامسة
            روضة المخلِصين
            http://www.youtube.com/watch?v=xq2wqWE0WhQ

            (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) غافر)
            روضة المخلصين ننطلق في هذه الآيات للحديث عن الإخلاص والإخلاص في القرآن الكريم ورد في مواضع كثيرة ليس في هذه الآيات فقط لكننا نختار في كل حلقة من الحلقات روضة من الرياض وإلا فالقرآن كله رياض.الإخلاص من أهم ما أمرنا الله به وقد أمرنا به وأمر الأمم السابقة لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً والإخلاص في اللغة هو الصفاء والنقاء فخلوص اللبن وخلوص الذهب هو نقاؤه وصفاؤه، أما الإخلاص الذي نقصده في الشرع فهو صدق التوجه إلى الله عملاً واعتقاداً أن يصدُق العبد في توجهه إلى الله عملاً واعتقاداً فتكون أعمالك كلها خالصة لوجه الله ما قال (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) الأنعام) خالصة لوجه الله . وأيضاً في العمل نفسه أن تصلي لله مثلاً إذا كنت لا تصلي ثم إذا رأيت مديرك أو رئيسك أو من تخشاه قمت تصلي أو تُحسّن الصلاة. بعضهم ربما لا يصلي إلا إذا رأى الناس أو يصلي ولكن يصلي صلاة غير مكتملة فإذا رأى أن هناك من يراقبه حسّن صلاته فنقول له أنت غير مخلص، المخلص هو الذي يصلي لله ويبالغ في تحسين صلاته وفي تجويدها لله ليس من أجل فلان أو علان. ولا شك أن الإنسان في خلوته أكثر تحرراً من هذه القيود فالذي يصلي بمفرده يصلي بنقاء ويكون أبعد عن الرياء وعن مرآءاة الناس ونقول أن الإخلاص أن تصلي أمام الناس كما تصلي في خلوتك في الإخلاص في تحسين الركوع والسجود وأداء الصلاة كما أمر الله . أيضاً الإخلاص في النفقة لا شك إن تنفق سراً أدعى للإخلاص (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ (271) البقرة) لأنه أدعى إلى الإخلاص ولذلك النبي ذكر من السبعة الذي يظلهم الله في ظل عرشه: رجل أنفق نفقة فأخفاها فلم تعلم شماله ما أنفقت شماله. وهذا لا شك أدعى للإخلاص لكن من جهة أخرى الذي ينفق أمام الناس إذا قصد أن يكون قدوة وأن يفتح باب التبرع للناس وأن يشجع الناس ولذلك النبي عندما طلب التبرع لقوم جاؤوه من بني عبد القيس فرآهم في حالة من الفقر الشديد فتمعّر وجهه النبي وحثّ الصحابة على الإنفاق فلم يأت أحد حتى جاء رجل بصُرّة تعجز عنها اليدين فقال النبي من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها. فلا يعني أننا ندعو دائماً إلى إخفاء الصدقة أننا لا ندعو إلى إظهارها لكن كلٌ بحسبها لكن نقول أن الإخلاص هو أن تريد بعملك وجه الله ولا شك أن هذا ليس بسهل، يحتاج إلى معالجة النية من تكاد منا تسلم له نيته ويسلم له إخلاصه إلا من وفقه الله ؟! ولذلك يقول أحد السلف: ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي. الفضيل بن عياض قال إنه لا يُقبل العمل إلا بشرطين فقال أن يكون خالصاً صواباً خالصاً لوجه الله لا رياء فيه ولا سمعة ولا يريد إلا وجه الله سون وأن يكون صواباً على سنة النبي وهذا هو كمال الاتباع كما تحدثنا عن ذلك في روضة المتبعين سابقاً (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ (31) آل عمران) وهنا نقول كما ذكر الله (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) غافر) وكما قال في سورة غافر أيضاً (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) غافر) قضية الإخلاص وصدق التوجّه وإفراد الله بالعبادة لا تشرك مع الله أحد. ولذلك النبي قال في الحديث القدسي: من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه. وهذا قضية حساسة في عبادتنا وتعاملنا مع الله وتحتاج إلى مراجعة النية وتجديد النية، فالمدّرس الذي يداوم كل يوم إذا لم تكن نيته خالصة لوجه الله لن يكتمل أجره ويحتاج دائماً إلى تجديد النيّة، إذا كان لا يداوم إلا من أجل المدير أو من أجل المفتش أو الموجّه ففي إخلاصه نقص بقدر هذا الإشراك في النية وفي العمل لا سيما أن الله قال (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ (5) البينة)
            والأمر الآخر أن الإنسان إذا اعتراه شيء من عدم الإخلاص يتوب ويستغفر ويكمل أمره ولا يتوقف فبعض الناس يقول وجدت نفسي غير مخلصاً فلا أريد أن أظهر في برنامج لأني أخشى، نقول إذا أتاك شيء من هذا تُب واستغفر وأكمل ولا تتوقف عن عمل الخير لأن الشيطان يدخل عليك من هذا المدخل يوسوس لك أنك غير مخلص ولن يقبل الله منك فتتوقف وهذا الذي يريده هو يريد أن يوقف عملك لكنه يدخل عليك من مدخل الإخلاص فيوسوس أن إخلاصك فيه نقص ولذلك سوف يضر هذا بك فتوقف فيتوقف الخير الذي كنت تفعله ولذلك ينبغي على المؤمن أن يجدد نيته ويحسّن عمله وتأمل في قوله في سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) الملك) وتحدث الفضيل بن عياض وغيره قالوا: أحسنه أصوبه وأخلصه، والحسن هنا مرتبط بالإخلاص بدرجة كبيرة جداً وبالصواب وبالمتابعة النبي فلو تأمل الواحد منا وراجع نفسه بين الحين والآخر لينظر مدى حسن عمله ومدى إخلاصه فيه ولذلك إذا وفّق الله الإنسان إلى عمل ولو كان الإخلاص فيه يسيراً فإن الله يبارك له وينميه له بخلاف الذي يُكثر من العمل وهو فاقد للإخلاص لله فإنه لن ينفعه ولذلك ذكر الله أنه يأتي يوم القيامة على جبال من أعمال الكفار فيجعله هباء منثورا (وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا (23) الفرقان) لأنه لم يكن لوجه الله ولم يكن لله. النبي لما سئل عن عبد الله بن جدعان وهو من قريش وكان من كبار الأجواد في الجاهلية بل إنه كان أجود من حاتم الطائي فسُئل النبي عن عبد الله بن جدعان هل يغفر الله له؟ فقال وهل ينفعه جوده عند الله ؟ فقال إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. لذلك ينبغي علينا أن نستشعر هذا المعنى مع أنه معنى بسيط ولكنه مؤثر جداً في أعمالنا.
            في هذه الآيات من سورة غافر فيها تأكيد على مفهوم الإخلاص وأيضاً في سورة الزمر وفي سورة البينة وفي مواضع كثيرة في القرآن الكريم أُمرنا بالإخلاص لوجه الله ونهينا عن الشرك والله ذكر لنا (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء (116) النساء) وعدم الإخلاص هو الشرك يدخل فيه الرياء، مرآءاة الناس في الأعمال المرآءاة في الإنفاق، المرآءاة في الصلاة، وفي الصيام وفي الأعمال التي يفترض أن تكون خالصة لوجه الله فإن هذا يفسد العمل ويحبط العمل
            ثمار الإخلاص:
            · من ثمار الإخلاص أنه سبب لمغفرة الذنوب ولا شك أننا كلنا نسعى إلى هذا الأمر ولذلك كما قال ابن تيمية : والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمُل فيه إخلاصه فيغفر فيه الكبائر وإلا فأهل الكبائر كلهم يقولون لا إله إلا الله كالبغي التي سقت كلباً فقد حضر في قلبها من الإخلاص ما لا يعلمه إلا الله فغفر الله لها. عمل هذه المرأة مع أنها بتلك الحالة وأيضاً العمل نفسه عمل بسيط إساقء كلب لكنه كان خالصاً لوجه الله فغفر الله لها وأدخلها الجنة. والرجل الذي أزال الأذى عن الطريق. ولذلك هذه نقطة ينبغي أن ننتبه لها وليست العبرة بكثرة العمل قد يعمل الإنسان أعمالاً ضخمة لكنها غير خالصة لوجه الله فلا تنفع وقد يعمل الإنسان عملاً يسيراً لكنه خالص لوجه الله فينفعه عند الله.
            · أيضاً الإخلاص سببٌ لتنفيس الكروب ويحضرني مثال حديث الثلاثة الذين أُغلق عليهم الغار فتوسلوا إلى الله بثلاثة أعمال كان الشيء المشترك بينها أنها كانت خالصة لوجه الله (اللهم إن فعلت هذا ابتغاء وجهك)
            · الإخلاص سبب يرزق الله به الناس الحكمة.
            · الإخلاص سبب للنجاة من الفتن وأن الله يرزق به الإنسان.
            كيف نحقق الإخلاص في نفوسنا؟
            · استحضار أهمية الإخلاص وفضله وثمراته في الآخرة وهذه الآيات وغيرها في القرآن الكريم تؤكد على ذلك والأحاديث.
            · مصاحبة المخلصين والصادقين فإن لصحبتهم تأثيراً عجيباً. بعض الناس عندما تجلس معه تستشعر الإخلاص والصدق من عمله ومن تصرفاته ومن كلماته فينفعك الله بذلك أكثر ما ينفعك أحياناً من القرآءة في عشرين كتاب.
            · نلاحظ كيف يتفاوت بعضنا في بركة العمل بعضنا يعمل أعمالاً بسيطة ولكن ترى بركتها وتوفيق الله له وتيسيره وبعضهم يعمل أضعافه لكنه منزوع البركة وهذا والله أعلم يرجع إلى إخلاص هذا وعدم إخلاص ذاك.
            · أن يكثر من الدعاء بأن يرزقه الإخلاص :اللهم ارزقني الإخلاص في القول والعمل.
            · أن يستحضر النية قبل البدء بأي عمل وأن يبتغي بذلك وجه الله ، نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص ولا نزكي أنفسنا ولكن نحن نجاهد أنفسنا ونحاول بقدر ما نستطيع أن ندل إخواننا وأخواتنا على الخير وعلى ما فيه الخير وهي كلها من كتاب الله وسنة النبي
            · الإكثار من العبادات غير المشاهدة وإخفاؤها، عبادة السر رائعة جداً في تعظيم أمر الإخلاص في نفس الإنسان، فلا تتعب عندها في النية لأنك إذا عملت العمل وأنت وحدك فإن شاء الله أنك لا تريد به إلا وجه الله وإلا أنت لن ترائي وأنت وحدك وأنفقت نفقة وأنت وحدك وعملت عملاً وأنت وحدك لا شك أن هذا أدعى للإخلاص.
            · الاجتهاد في إخفاء الطاعات وعدم التحدّث بها، اتركها بينك وبين الله بقدر ما تستطيع إلا إن كان إظهارها فيه فائدة للغير.
            هذه الوسائل تعين الإنسان على الإخلاص
            سمر الأرناؤوط
            المشرفة على موقع إسلاميات
            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

            تعليق


            • #7
              رياض القرآن - الحلقة السادسة
              روضة الموحّدين
              http://www.youtube.com/watch?v=XudczIAqi9I

              نتحدث في هذه الروضة عن توحيد الله وأهميته ومعنى تحقيق التوحيد لأن كثيراً منا ربما يجهل حقيقة توحيد الله وأهميته في حياة المسلم وسوف نتعرض لهذا المفهوم من خلال آيات القرآن الكريم.
              (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) الحشر)
              هذه الآيات في آخر سورة الحشر ربما أكثر الناس يحفظونها ولله الحمد وقد امتلأت بأسماء الله وصفاته. وقبل أن ندخل في تفاصيل موضوع روضة الموحدين في هذه الآيات أريد أن أقرأ كلاماً أعجبني جداً للشيخ محمد الأمين الشنقيطي يتحدث عن هذه الآيات الثلاث في آخر سورة الحشر يقول مشيراً إلى قضية التوحيد التي اشتملت عليها هذه الآيات فقال: جاءت في هذه الآيات ذُكر كلمة التوحيد مرتين كما ذُكر فيها أيضاً تسبيح الله مرتين وذُكر معهما العديد من أسماء الله الحسنى وصفاته العليا فكانت بذلك مشتملة على ثلاث قضايا هي أهم قضايا الأديان كلها مع جميع الأمم ورسلهم لأن دعوة الرسل كلها في توحيد الله تعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وتنزيهه والرد على مفتريات الأمم على الله تعالى فاليهود قالوا عزير ابن الله (جزء من اليهود قالوا هذا) والنصارى قالوا المسيح ابن الله والمشركون قالوا (وَقَالُوا اتَّخَذَاللَّهُ وَلَدًا (116) البقرة) (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِإِنَاثًا (19) الزخرف) (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَالَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) ص) فكلهم ادّعى الشريك مع الله وقالوا (ثالث ثلاثة) وغير ذلك وفي قضية التنزيه قال اليهود (لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَفَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ (181) آل عمران) وقالوا (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِمَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ (64) ) والمشركون قالوا (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَاوَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) الفرقان) ونسبوا لله ما لا يرضاه أحد لنفسه (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِإِنَاثًا (19)) في الوقت الذي إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ظل وجه مسوداً وهو كظيم فكانت تلك الآيات الثلاث علاجاً في الجملة لتلك القضايا الثلاث: توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات وتنزيه الله مع إقامة الأدلة عليها وقد اجتمعت معاً لأنه لا يتم أحدها إلا بالآخرين ليتم الكمال لله تعالى (كلام الشيخ في أضواء البيان كان رائعاً جداً والشيخ كان يعتني بقضية بيان القرآن للقرآن يعني الآيات التي وردت في هذا الموضع (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)) جمع الآيات التي تناظرها وتماثلها في بقية القرآن الكريم فوجد أن قضية التوحيد في القرآن الكريم هي أمّ التوحيد بل ربما نصف القرآن في هذا الموضوع وحتى قصص الأنبياء تورد لبيان حقيقة التوحيد ودعوة التوحيد التي جاؤوا بها وقصص الأمم السابقة والآيات الصريحة الواضحة في هذا الموضوع تستغرق ربما أكثر من نصف القرآن الكريم للدلالة على أهميته. ولذلك نقول الأشياء التي يركز عليها القرآن ينبغي أن تكون هي أولويات في حياتنا قضية التوحيد ركّز عليها القرآن الكريم تركيزاً عظيماً وجعلها هي لبّ دعوة الرسل من عهد آدم إلى عهد النبي أفلا تستحق هذه القضية أن تكون في رأس أولويات الدعاة؟! بالتأكيد. لأن البعض يقول أزعجتونا بالتوحيد تتحدثون معنا كأننا مشركون نقول لا، نحن نركّز على القضايا التي ركّز عليها الله وركّز عليها النبي ، وأن تجعل أولوية من أولى الأولويات هي قضية التوحيد.
              بعض الناس يرى أن فهم قضية التوحيد معقد، قسم إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء صفات، لماذا هذا التقسيم؟ وهل هناك حاجة له؟
              لنبحث أولاً ما معنى هذه الأقسام الثلاثة؟ ما معنى توحيد الألوهية؟ ما معنى توحيد الربوبية؟ ما معنى توحيد الأسماء والصفات؟ الفكرة أو الخلاصة من هذه التقسيمات هو إفراد الله بالعبادة، لا تُصرف إلا لله وأيّ مظهر من مظاهر صرف العبادة لغير الله فهو يضاد التوحيد ويدخل في الشرك ولذلك لما نظر العلماء في القرآن الكريم وسنة النبي وجدوا أن مظاهر التوحيد يمكن تقسيمها إلى ثلاث أنواع لا تخرج عنها.
              النوع الأول هو توحيد الألوهية وتوحيد الألوهية هو توحيد الله بأفعال العباد بمعنى أنك لا تصلي إلا لله ولا تسجد إلا لله ولا تدعو إلا الله ولا تستغيث إلا بالله، يعني توحّد الله بأفعالك ولا تفعل أياً من الأمور العبادية إلا لله، لا تصرف العبادة إلا لله.
              وتوحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله هو، لا ينزل المطر إلا الله ولا يرزق العباد إلا الله ولا يحيي إلا الله ولا يميت إلا الله، هذه أفعال اختص الله بها.
              والنوع الثالث هو توحيده بالأسماء والصفات بمعنى أنه لا يُثبت لله من الأسماء والصفات إلا ما أثبته هو لنفسه ووما أثبته نبيه .
              هذه هي أنواع التوحيد الثلاث: توحيد الألوهية وهو توحيد الله بأفعال العباد ، وتوحيد الربوبية وهو توحيد الله بأفعاله وتوحيد الله بالأسماء والصفات وهو ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، مهما بحثت في أنواع أخرى من التوحيد فلن تجد، وهذه لن تخرج عن هذه الأنواع الثلاث.
              تأتي عند النوع الأول توحيد الربوبية تجد أن هناك من نسب أفعالاً اختص الله بها إلى غيره فيأتي أحدهم لقبر ميت ويسأله أن يرزقه ويطلب منه النفع ويطلب منه الولد، هذا وقع في الشرك في توحيد الربوبية من جهة أنه زعم أن هذه الأفعال يقدر عليها غير الله. ووقع في توحيد الألوهية لأنه صرف العبادة التي هي من حق الله فقط وصرفها لغيره. وعندما تسأل البعض يقول: لا، أنا أعلم بأن النافع والضار هو الله ولكني أتخذه وسيلة لله يقول الله (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ (3) الزمر) ذكر هذا الأمر عند المشركين، هم أقروا بالعبودية (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ) ونحن لا نقرّ بالعبودية فيقول الله عندما أتى بها بصيغة العبادة أى بها بصيغة الدعاء (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) الجن) (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا (117) النساء). الأمر الآخر إذا كنت تعتقد أن الله هو النافع الضار الذي سيقوم بهذا الفعل هل تضمن بأنه سيقول هذا القول الذي تقوله أنت؟! أم أنه سيتوجه إلى ذلك القبر ويعتقد فيه الاعتقاد الكامل بأنه هو الذي ينفع ويضرّ.
              هناك كتاب رائع جداً أنصح بقراءته عنوانه "دمعة على التوحيد" مليء بالقصص التي تدمي القلب من مظاهر الإنحراف التي وقعت في الأمة الإسلامية من صرف العبادة لغير الله ومظاهر الشرك. النبي عندما جاء جاء لكل يحارب هذه المظاهر جاء وإذا بدعوة إبراهيم قد اندرست مُحيَت، وإبراهيم جاء بالتوحيد الخالص ولذلك يسمونه شيخ الموحّدين عليه الصلاة والسلام هو الذي هدم الأصنام بيده في قصته مع قومه ونراها تتكرر على مدى التاريخ كلما ابتعد الناس عن القرآن وابتعدوا عن السنة الصحيحة وقعوا في الشرك والناس في قديم الزمان كالناس اليوم ليس هناك فرق. بعض الناس يقول نحن متطورون وعندا تكنولوجيا، لا، فالإنسان هو الإنسان والشيطان هو الشيطان. والله قد قال (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142) الأنعام) الخطوة الأولى لن يقول لك الشيطان اعبد هذا الصنم، قوم نوح عندما صنعوا الأصنام ما صنعوها لكي يعبدوها وإنما كان الناس الذين سميت الأصنام بأسمائهم كانوا أناساً صالحين في قوم نوح فقال بعض قوم نوح: لو جعلنا لفلان وفلان تمثالاً حتى إذا تذكّرناه تذكرنا عبادة ذلك الرجل فنزيد في العبادة فكان المقصد الذي ابتدأوا به مقصد صالح لكنهم لما طال بهم الزمن عبدوا هذه الأصنام من دون الله وقس على ذلك كل الأصنام التي عُبِدت في التاريخ إلى اليوم هي تُعبَد بهذه النية قضية أن تكون زلفى لعبادة الله في حين أنها هي وجه الشرك الحقيقي وعبادة غير الله .
              أهمية تحقيق التوحيد في حياة الإنسان. أولاً فطرة الإنسان سبحان الله العظيم الله فطر الإنسان على التوحيد، هي الفطرة ولذلك النبي : ما من مولود إلا ويولد على الفِطرة (قال العلماء يعني على التوحيد) فأبواه يهوّدانه أو يمجّسانه أو ينصّرانه، فقال العلماء ولم يقل أو يمسلمانه لأنه هو دين الفطرة. إذن تحقيق التوحيد هو الغاية التي من أجلها خُلق الناس، وتحدثنا في روضة العابدين عن قوله تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) والتوحيد هو الغاية التي بعث من أجلها الأنبياء، محمد إبراهيم، موسى، عيسى، جاؤوا من أجل تحقيق التوحيد لأن الناس انحرفوا عن التوحيد فجاؤوا من أجله بل حتى كما يذكر المفسرون في قصة شعيب الذي هيمن على قصته نقص المكيال والميزان الذي يفعله قومه قال (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ وَلَاتَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ (84) هود) فبعض الناس يظن أنهم كانوا موحدين ولكن لديهم انحراف في قضية الميزان والظلم فيه، تقول لا، هم كانوا على الشرك فجاء يأمرهم بالتوحيد وأيضاً كان يأمرهم بقضية العدل في المكاييل والموازين لأن الفساد المالي كان موجوداً عندهم بشكل كبير فقضية التوحيد هي قضية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولذلك قال الله (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (36) النحل)
              أيضاً جميع الأعمال من صلاة وصيام وجهاد وغيرها قبولها متوقف على تحقيق التوحيد لذلك قال الله (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) الأنعام)
              ومن المسائل أن البعض يوحد الله وهو بعيد عن الشرك ونسي بأنه قد يُشرك مع الله في قلبه إلهاً غير الآلهة التي نعرفها من قبر أو نحوه لذلك يقول الله (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ (23) الجاثية) هذه مصيبة أن يتبع الإنسان هواه في بعض الأعمال أو أن يقدم أشياء من أشياء الدنيا المحسوسة والملموسة والموجودة على الله وهذا يأتي الإنسان ونعرّج على الشرك الأصغر أو الشرك الخفي وكيف أنه يدبّ على الإنسان من حيث لا يشعر بهذا الشيء ولو ترك الإنسان هذا الأمر في نفسه يزداد حتى قد يصل إلى شرك أكبر.
              لذلك نقول أنه ينبغي على الداعية ألا يفتر عن التذكير بأهمية التوحيد بل إن تحقيق التوحيد والأمر به هو أول أعمال الداعية إلى الله أول ما أمر به النبي صلهم معاذ بن جبل لما أرسله إلى اليمن فقال: (يا معاذ إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى فإن هم أجابوك إلى ذلك.. ثم ذكر له بقية الفرائض. لذلك أول ما ينبغي على الداعية أن يحرص عليه أن يدعو إليه ويركّز عليه. بل إنني أقول للإخوة الدعاة ينبغي أن نبتكر طرقاً جديدة وأساليب جديدة ومفيدة تحبب الناس في التوحيد وتشرح للناس معنى التوحيد وتقرّب للناس معنى التوحيد، ما معنى توحيد الربوبية؟ توحيد الألوهية؟ توحيد الأسماء والصفات؟ كيف تبسطها للناس. وأنت تقرأ في قوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)) هنا قدّم عالم الغيب لأنه انفرد به لا يعرفه إلا هو فقدّمه. أيضاً (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)) أسماء وصفات لو توقف الداعية مع أسماء الله وصفاته وبيّن معانيها للناس، هذا الإله الذي تصف بهذه الصفات يستحق أن يُعبد. ثم أنت عندما تستشعر عظمة هذا الإله وعظمة هذه الأسماء والصفات التي وصف الله بها نفسه تزيد محبتك.
              سمر الأرناؤوط
              المشرفة على موقع إسلاميات
              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

              تعليق


              • #8
                رياض القرآن - الحلقة السابعة
                روضة المحسنين
                http://www.youtube.com/watch?v=LrZGHV-2SEg

                (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) النجم)
                من الإحسان إحسان تلاوة القرآن.
                يقول الله هنا (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) الجزاء من جنس العمل، هذه الآية قاعدة في هذا المفهوم أن الجزاء من جنس العمل (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا) (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) أي أفضل من عملهم.
                المتأمل في قضية الإحسان في القرآن الكريم يجد أن الآيات التي وردت في الإحسان كثيرة جداً والنبي عندما جاءه جبريل فسأله عن الإسلام (كما في الحديث)
                حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب. شديد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي . فاسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد ! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله :”الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا”قال: صدقت. قال فعجبنا له. يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال:”أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره”قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال:”أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك”. قال: فأخبرني عن الساعة. قال:”ما المسؤول عنها بأعلم من السائل”قال: فأخبرني عن أمارتها. قال:”أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان”. قال ثم انطلق. فلبثت مليا. ثم قال لي:”يا عمر ! أتدري من السائل؟”قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"
                لما قال أخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. المبالغة في تجويد وتحسين العمل كأنك ترى الله وهو يراك سبحانه. لو كنت تصلي ووزير التربية والتعليم يشاهدك ستجوّد العمل بشكل كبير لأنك ترى أن شخصاً مهماً يراقبك وتريد أن يأخذ عند انطباعاً حسناً فالنبي أجاب بوحي من الله وقال: أن تعبد الله كأنك تراه. (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) المجادلة) هنا ترسيخ لمسألة أن الله ناظرّ إليك ومطّلع على ما في سرائرك.
                المؤمن الصادق يشعر بطمأنينة إذا استصحب معية الله فعندما شعر موسى بخوف وهو متجه إلى فرعون قال الله له (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) فشعر بالطمأنينة. المحسن أو المؤمن إذا شعر أن الله يراه سيجوّد العمل كما ينبغي والنبي قال: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، هذا هو الإحسان.
                الله عندما وعد في سورة النجم أنه سوف يجازي الذين أحسنوا في عبادتهم وفي حياتهم بالحسنى. لذلك نتوقف مع هذه الآيات:
                يقول الله في صفات المحسنين في القرآن الكريم وقد ذكر الله لهم صفات لكن هنا في هذه الآية قال (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) هذه من صفات المحسنين أنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. إذن من صفات المحسن أنه لا يرتكب كبيرة لأنه حاضر في ذهنه بأن محرّمة هذه كبيرة من الكبائر، لكن هل معناها أن المحسن لا يقع في معصية أبداً؟ لا يكاد مسلم ولا يكاد أحد يخلو من الوقوع في خطأ كما قال النبي : كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون. بل إنه وقد تحدثنا في حلقات سابقة عن توحيد الله وأسمائه وصفاته لو لم يكن المسلم والمؤمن يقع في الخطأ ما كان هناك معنى لوصف الله تعالى نفسه أنه تواب وغفار وغفور لأنه غفور لمن يُخطئ ويستغفر، وغفار لمن يذنب فيستغفر فيغفر له وتواب على من يُخطئ فيتوب إليه فيقبل توبته وهكذا. فالله يقول إنهم يحتنبون ويبتعدون عن هذه الفواحش ولا يتصلون بكبائر الفواحش. واللمم يقول العلماء هي صغائر الذنوب التي يقع فيها الإنسان ثم يستغفر ويتوب منها، وقد طال كلام العلماء في معنى اللمم ويبدو والله أعلم أنها ما يلمّ به الإنسان من غير إصرار عليه ثم يتوب منه وأنه لا يكاد يسلم من ذلك أحد وأنه لا ينبغي أن يكون وقوع الإنسان في مثل هذه الذنوب الصغيرة مانعاً له من الاستغفار والتوبة والإنابة ومن أن تهبط عزيمته في طاعة الله . وهذا يدعونا للإحسان في كل شيء الإحسان في صلاتنا الإحسان في صيامنا والإحسان والاتقان في أعمالنا " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" هذا الإتقان يعتبر من الإحسان فنحتاج إلى الإتقان في أعمالنا. كل إنسان منا لديه عمل يقوم بأدائه فلا بد أن يتقن هذا العمل ويقدمه على أفضل وجه لأن هناك البعض يهتم بالإحسان في صلاته وفي صيامه وفي حجه ولكن يغفل عن هذا الجانب وكأنه يفصل هذا الدين عن هذه الحياة.
                وفي قوله (وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) البقرة) هذه عامة في كل عمل ويقول النبي : إنَّ اللهَ كتب الإحسانَ على كلِّ شيٍء فإذا قتلتم فأحسِنُوا القِتْلَةَ وإذا ذبحتم فأحسِنُوا الذبحَ وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه فليُرِحْ ذبيحتَه، هذا حديث عجيب وهو منسجم مع معاني الآيات التي معنا. العلماء يقولون أن النبي عندما ذكر هذا المثال لأن الإنسان لا يخطر على باله أن يكون في القتل إحسان فالذبح والقتل معروف أنها أشياء قبيحة وفيها بُعد عن الإحسان إلا أن النبي قال حتى الذبح وحتى القتل فيه إحسان فقال: ليحدّ أحدكم شفرته، لأنه أن تذبح الذبيحة بشفرة مثلّمة فيه إساءة للذبيحة وفيه تأليم لها وفيه تعذيب لها لكن عندما تحدّ الشفرة وتريح الذبيحة ثم تذبحها بسرعة فإن هذا فيه راحة لها وفيه إحسان في الذبح فإذا كان الرسول ضرب بهذا المثل الذي يُستبعد أن يكون فيه إحسان فكيف بما هو أولى بالإحسان. وأيضاً حتى لا ترى الذبيحة المذبوحة أختها التي تذبح قبلها.
                هذا التنبيه بالأدنى على الأعلى في حديث النبي موجود في القرآن الكريم وموجود في السنة وموجود في الإسلام بكثرة لكن انظر إلى قضية أن الله قد أمر بالإحسان في كل شيء، في صلاتك، في زكاتك، في أخلاقك، في تعاملك مع الآخرين، في تعاملك مع ربك في تعاملك مع أبنائك، حتى في تعاملك مع نفسك، كلها أنت مأمور بالإحسان فيها. ويكفي أن الله قال (إن الله يحب المحسنين)
                وفي قوله (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (2) الملك) وأن الإحسان هو غاية الإتقان للعمل وأن الله في الآخرة يحاسبنا أّيُنا أحسن عملاً وأن إحسان العمل يُشترط فيه شرطان: الإخلاص لوجهل اله ومتابعة النبي وأنه لا تغيب هاتان الخصلتان عن أي عمل من أعمال الإنسان. وأنت تصلي تذكر هل أنت مخلص في صلاتك، هل أنت متّبع للنبي في هذا العمل؟ وهكذا في كل عمل في صلاتك في صيامك في حجّك، في الحج والصوم عل سبيل المثال أحياناً تغلب العادة على العبادة وتظهر في الصلاة ربما أكثر فيفقد الإنسان استشعار الإخلاص لله واتباع النبي ويصبح همّ الواحد أن يلقي هذه العبادة عن كاهله ويتخلص منها، صليت لكن هل صليت كما أُمرت وهل كان قلبك حاضراً. يقول ابن القيم : إثنان يصليان بجانب بعضهما البعض بين صلاة هذا وبين صلاة هذا كما بين السماء والأرض بسبب النية وبسبب الإخلاص والإحسان الذي اتصل به أحدهم وعدم الإحسان الذي اتصل به الآخر. ولذلك اشتهر في كتب الحديث حديث المسيء في صلاته
                أنَّ رجلًا دخلَ المسجدَ ورسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ في المسجدِ فصلَّى ثمَّ جاءَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فسلَّمَ فردَّ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ ارجع فصلِّ فإنَّكَ لم تصلِّ فرجعَ فصلَّى كما صلَّى ثمَّ جاءَ فسلَّمَ فقال لهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ ارجع فصلِّ فإنَّكَ لم تصلِّ فرجعَ فصلَّى كما صلَّى ثمَّ جاءَ فسلَّمَ فقال لهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وعليكَ السَّلامُ ارجع فصلِّ فإنَّكَ لم تصلِّ ففعل ذلِك ثلاثَ مرَّاتٍ فقال الرَّجلُ والَّذي بعثَك بالحقِّ ما أُحسِنُ غيرَ هذا فعلِّمني فقال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قمتَ إلى الصَّلاةِ فَكبِّر ثمَّ اقرأ ما تيسَّرَ معَك منَ القرآنِ ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا ثمَّ ارفع حتَّى تعتدِلَ قائمًا ثمَّ اسجُد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا ثمَّ اصنع ذلِك في صلاتِك كلِّها
                صلى الرجل صلاة لم يرضها النبي مسرع مستعجل وهذا إشارة إلى أن هذه العجلة موجودة من أيام النبي فلما قضى الرجل صلاته ناداه النبي فقال ارجع فصلّ فإنك لم تصلي فرجع فصلّى والرجل رجل صالح ما عاند ولا قال صلاتي ممتازة فعاد فصلى صلاة مثل الأولى فقال النبي ارجع فصلّ فإنك لم تصلي فقال والله لا أحسن غير هذا، فقال له النبي كيف يصلي. هذه الصلاة: الطمأنينة ومتابعة النبي ويمكن لأي واحد أن يقرأ كيفية صلاة النبي توجد منشورات ومطويات كيف يصلي النبي كثير من الناس يصلي لا يُحسن الصلاة، وكثير منهم لا يطمئن في الركوع ويحني ظهره قليلاً وإذا سألته لم لا تركع بطمأنينة؟ يجهل هذه الحقيقة.
                ذكر ابن القيم أن المؤمن الذي يلج المسجد كالسمك في الماء يطمئن لا يريد أن يخرج منه ولكن المنافق كالعصفور في القفص يريد أن يخرج منه بأية وسيلة.
                الإحسان والإخلاص والإتقان في العبادة هي مسألة تربوية وواجب الآباء والأمهات والدعاة أن يعينوا الناس على تحسين عبادتهم وتجويدها وتخليصها من شوائب الرياء ومن شوائب الاستعجال ومن شوائب الجهل لأن بعض الناس صادق ومخلص ونيته طيبة ولكنه جاهل يجهل كيف يصلي كيف يصوم ويجهل أمام مَنْ يصلي. لذلك كانوا يقولون في آداب المربين: لولا المربي ما عرفت ربي. لولا ما تعلمناه من أساتذتنا كيف نصلي والنبي معلم والصحابة معلمون والدعاة معلمون فإذا أعنّا الناس على أنفسهم كيف يحسنون أعمالهم، كيف تكون صلاتك في غاية الإحسان، الذي إذا استمع الأذان بادر إلى الصلاة لا تفوته صلاة الجماعة سوف يُدرك ويصلي الصلوات النوافل وسوف يقرأ من القرآن إذا أقيمت صلاة الفريضة سيكون متهيأ نفسياً ومرتاحاً ويصلي بطمأنينة أما لا يذهب إلى المسجد إلا إذا أقيمت الصلاة ففي العادة أنه يفوته الركعة الأولى والركعتين ثم يدخل في الصلاة وهو مرتبك ومسرع فيدخل الخلل على الفريضة لأنه أخل بالنوافل التي قبلها والتي بعدها وإذا فُهِّم الناس أن المحافظة على النوافل والمحافظة على الأذكار من الإحسان ومن كمال العبادة لله لن يتخلف عنها وكم من واحد كان سبب محافظته على الصلاة موعظة من أحد، دلالة على الخير لأن الدعاة وظيفتهم الدلالة على الخير كما أن الأنبياء كذلك ولا يمكن لأي منا أن يصل إلى مرحلة الإحسان إلا بالتعلم والتعليم والاستفادة من السنة النبوية والقرآن الكريم في الدلالة على هذا الخير ونحن كل يوم نتعلم من القرآن جديداً ونتعلم معرفة من فعل النبي والاقتداء به فينبغي لنا نحن كمربّين وكمعلمين أن نعظم في نفوس أبنائنا وطلابنا وطالباتنا مفهوم الإحسان والإتقان والعناية بإتقان العمل وللأسف نحن فرّطنا في هذا المفهوم وأخذه غيرنا فاليوم هذه الصناعات والابتكارات والإتقان بالصناعات لم يجئ إلا بالإحسان وبالإتقان ولذلك هذا ما يحبه الله قضية إتقان العمل سواء كان عملاً من أعمال الآخرة أو عملاً من أعمال الدنيا.
                لا يقول أحد لا أستطيع أن أُتقن أو أُحسن لأن الله قال (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) يجتهد الإنسان بالإحسان والله مسؤول عن النيّات.
                سمر الأرناؤوط
                المشرفة على موقع إسلاميات
                (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                تعليق


                • #9
                  أعتذر عن تفريغ الحلقة الثامنة لظروف منعتني من متابعتها وقت عرضها وتسجيلها.

                  رياض القرآن - الحلقة التاسعة
                  روضة المُحبّين
                  http://www.youtube.com/watch?v=OZ9hO_XXL8g

                  روضة المحبين لربهم والمحبين لنبيّهم والمحبين للوحي.
                  (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) البقرة)
                  روضة المحبين نتحدث فيها عن محبة الله ونحن في زمان استخدمت فيه لفظة الحب استخداماً سيئاً حتى تشوّهت هذه المفردة فيظن بعض الناس أننا عندما نتحدث عن الحب نشير إلى تلك العلاقات الغرامية التي حرّمها الله والتي تقع بين الرجال والنساء من غير المحارم، في حين أن الله ذكر في القرآن الكريم والنبي لفظة الحب ومحبة العبد المؤمن لربه وتعلّق العب المؤمن بربه وهذه الآية كما يقول الرازي : اِعلم أنه لا نزاع بين الأمة في إطلاق هذه اللفظة وهي أن العبد قد يحب الله تعالى والقرآن ناطق به كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍيُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) المائدة) وكذا الأخبار: روي أن إبراهيم قال لملك الموت وقد جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلاً يميت خليله؟ فأوحى الله تعالى إليه هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟! فقال يا ملك الموت الآن فاقبضني. وجاء أعرابي إلى رسول الله وقال يا رسول الله متى الساعة؟ فقال: ما أعددتَ لها؟ قال ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أني أحب الله ورسوله، فقال عليه الصلاة والسلام المرء مع من أحبّ فقال أنس : فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك.
                  قضية حب الله تعلق العبد بالله وأحب لقاءه "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" وأنت إذا أحببت الله وتعلقت به أحببت الطاعة وأحببت الصلاة وأحببت الزكاة وأحببت الحج وتعلقت بالعبادة وأما إذا لم يكن بقلب الإنسان من الحب لله يقوم إلى الطاعة متثاقلاً كسولاً ولذلك ذكر الله عن المنافقين هذه الصفة فذكر في سورة محمد (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28)) هم كرهوا ما أنزل الله فكرهوا الإنفاق وكرهوا الصلاة وكرهوا الجهاد وكرهوا الزكاة فأصبحوا يتهربون منها فأحبط الله أعملهم. ويقول الرازي أيضاً: واعلم أن الأمة وإن اتفقوا في إطلاق هذه اللفظة فقد اختلفوا في معناها. ما معنى محبة الله ؟ نحن بدون فلسفة وأنا أميل إلى تبسيط المفاهيم وإيصالها للناس بسهولة، ألم نقرأ في روضة المتبعين قول الله (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِييُحْبِبْكُمُاللَّهُ (31) آل عمران) ونحن نقول إن محبة الله هي كمال اتباع النبي فكلما كنت أكمل اتباعاً للنبي كلما كنت أكثر حبّاً لله وحباً للرسول هكذا فقط بدون فلسفة.
                  الإنسان يضحي ويعمل من أجل الله وهذا دليل على المحبة ولذلك عبد الله بن حرام الأنصاري عندما دخل أرض المعركة وقُتل وقيل أنه كلمه الله من غير ترجمان، قال عبدي تمنّى فقال يا رب أريد أن أعود للدنيا مرة ثانية فأُقتل في سبيلك.
                  يقول ابن القيم : اعلم رحمك الله أن المحبة لله لا تُعرّف بتعريف أوضح منها فالحدود والتعاريف لا تزيدها إلا خفاء فلا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة ومن تكلم عن تعريف المحبة إنما تكلم عن علاماتها وشواهدها وثمراتها. نحن لا نريد أن نتفلسف على الناس محبة الله كمال اتباع النبي وسوف تظهر آثارها وثمرتها على الإنسان يجدها في قلبه، يجدها في إقباله على الله، يجدها في تعلقه بكتاب الله ولذلك الإنسان التائب عندما يُقبل على الله تجده في بداية إقباله على التوبة وعلى طاعة الله يجد لذة عظيمة كان محروماً منها، يجد صفاء في نفسه، يجد إقبالاً على ربه، يجد انشراحاً في صدره يبحث عنه كل الناس بل حتى الكفار يبحثون عن السعادة وعن انشراح الصدر ولا تكون هذه السعادة إلا بالذكر والله قال (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الرعد) أي لا تطمئن القلوب إلا بذكر الله وكل من يبحثون عن انشراح الصدر وعن السعادة في غير هذا الأمر لا يجدونه.
                  أيضاً البعض يستحي من قول كلمة الحب وهذه الكلمة واردة في القرآن الكريم فلذلك الإنسان الذي يحب الله تجده يتلذذ في الطاعة والشخص إذا أحبّ عبداً يقول له أحبك في الله، حب الأم، لفظ الحب هذا لفظ شرعي والمفترض أن يكون متداولاً لكن للأسف الشديد أن البعض الذي مال إلى الطريق غير الصائب أخذ لفظ الحب وأصبح يسير في الطريق غير الصحيح.
                  الأسباب الجالبة لمحبة الله : ما هي الأشياء التي تجلب محبة الله لعبده وتجلب محبة العبد لربه.
                  ابن القيم في كتابه روضة المحبين قال:
                  1. أحدها قرآءة القرآن بالتدبر لمعانيه وما أريد منه. ولا شك أن هذه من أقوى أسباب جلب محبة الله لأنك تتعرف على ربك من خلال القرآن ومن خلال تدبره تتعرف على صفاته وأسمائه ووالله ما تعرف أحد على الله بأسمائه وصفاته إلا أحبه لأنك تجد من صفاته الرحمة والمغفرة والتوبة والعزة والرزاق والمحيي، هذه صفات يُحَبّ صاحبها .
                  2. التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض كما في الحديث القدسي (ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أُحبه) رواه البخاري. ولو لم يكن في الإكثار من هذه النوافل إلا طلب المحبة. البعض يقول سأتنفّل لكن متى أعرف أن الله أحبني؟ نقول لا علاقة، أكثِر من النوافل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً وأنت في نيتك أن تصل إلى هذه المرتبة (فإذا أحبته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه)
                  3. دوام ذكر الله على كل حال باللسان، وتكلمنا في روضة الذاكرين عن ذكر الله والشخص الذي لا يذكر الله قال الله تعالى (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) الزخرف) فأنت إما أنت تكون ذاكراً لله ومع الله وإما أن تكون ذاكراً مع الشيطان والعياذ بالله!
                  4. إيثار محابّ الله على محابّك. تجد نفسك بين خيارين: خيار يحبه الله وخيار تحبه أنت قدِّم ما يحبه الله. هذا من علامات محبتك لله ، أحد الصحابة كان يُكري الأرض "أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَكري أرضَه حتى بلغه أنّ رافع بنَ خَديجٍ الأنصاريَّ كان ينهى عن كِراءِ الأرضِ. فلقِيَه عبدُ اللهِ فقال : يا ابنَ خَديجٍ ! ماذا تحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في كِراءِ الأرضِ ؟ قال رافعُ بنُ خَديجٍ لعبدِاللهِ : سمعتُ عمي (وكان قد شهد بدرًا) يحدِّثانِ أهلَ الدار؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نهى عن كِراءِ الأرضِ. قال عبدُ اللهِ: لقد كنتُ أعلمُ، في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، أنَّ الأرضَ تُكرى. ثم خشيَ عبدُ اللهِ أن يكون رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحدَث في ذلك شيئًا لم يكن علِمَه. فترك كراءَ الأرضِ. الراوي: سالم بن عبدالله بن عمر المحدث:مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 1547، خلاصة حكم المحدث: صحيح" فقال عبد الله رضي الله لقد نُهينا عن شيء كان لنا فيه نفع ولكن اختيار النبي أحبّ إلينا من اختيارنا لأنفسنا. يكفي أن تعرف أن هذه هي السُنّة لكي تحبها وتعمل بها ولذلك تقديم محبة الله ومحبة النبي على محبة نفسك وعلى هواك هذه ميزة وعلامة من علامات صدق محبتك من عدمها كما يقول الشاعر
                  تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا قياس في الغرام بديع
                  لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
                  5. مطالعة معاني أسمائه وصفاته ومشاهدتها وكيف تتحقق في عالم الإنسان. نحن نقرأ الحديث (إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) والناس تسأل هل هي تسع وتسعون؟ هل هي مائة؟ كم تحفظ من هذه الأسماء وماذا تعرف من معانيها ومن دلالاتها؟ وكيف تتحقق في حياتنا اليوم؟ تأمل فيها وأكثِر من التأمل فيها وستجد أثر ذلك في قلبك.
                  6. مشاهدة برّ الله وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة. هذه أظهر من أن يدل عليها الإنسان ولكن نحن لكثرة ما نراها نغفل عنها، انظر إلى الشمس مثلاً لو انقطعت عن الناس أسبوعاً كي يكون حالهم؟ لكن لأنها تظهر كل يوم فالناس في غفلة ولذلك تقول العرب كثرة الإمساس تقل الإحساس. ولذلك يقول العلماء: إذا شرقت الشمس من مغربها انتبه الناس وهذه تعتبر من علامات الساعة الكبرى فلماذا لا ينتبه الإنسان لهذه النعم العظيمة ويتفكر فيها حتى يحبّ الله .
                  7. من أعجب ما ذكره ابن القيم من أسباب جلب محبة الله انكسار القلب بين يديه. ما أجمل الانكسار بين يدي الله في الخلوة، بينك وبين الله تشكو إليه همومك وتعرض عليه حاجتك. ولذلك يقول أحد السلف : هنيئاً لك يا ابن آدم لم يجعل الله بينك وبينه حجاب إذا أردت أن تناجيه تقرأ القرآن وإذا أردت أن تناديه تدخل في الصلاة
                  8. الخلوة به وقت النزول الإلهي آخر الليل وتلاوة كتابه
                  9. مجالسة المحبين الصادقين والتقاط أطايب ثمرات كلامهم
                  10. مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله من المعاصي والذنوب
                  11. وذكر من الأسباب الجالبة لمحبة الله : التقوى (فَإِنَّ اللَّهَيُحِبُّالْمُتَّقِينَ (36) آل عمران) الصبر (وَاللَّهُيُحِبُّالصَّابِرِينَ (146) آل عمران) الإحسان (إِنَّ اللَّهَيُحِبُّالْمُحْسِنِينَ (195) البقرة) التوبة (إِنَّ اللَّهَيُحِبُّالتَّوَّابِينَ (222) البقرة) الطهارة (وَيُحِبُّالْمُتَطَهِّرِينَ) التوكل (إِنَّ اللَّهَيُحِبُّالْمُتَوَكِّلِينَ (159) آل عمران) العدل والقسط (إِنَّ اللَّهَيُحِبُّالْمُقْسِطِينَ (42) المائدة) القتال في سبيل الله (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4) الصف) لو يعمل كل واحد منا هذه الأعمال وهو يقول في نفسه لعل الله يحبني. عندما يداوم أحد على الوضوء فإذا سأله أحد لماذا تتطهر يقول لأن الله تعالى يحب المتطهرين، هذه تكفي. لا شك أن هذا يتعرض لمحبة الله .
                  العبد يعلم أنه يحب الله لكن هل الله يحبنا؟ لذلك الإنسان يُكثر من الدعاء: اللهم إني أحبك فأسألك أن تحبني. فيحتاج الإنسان أن يستشعر هذا المعنى.
                  أما موانع محبة الله فهي عكس الأسباب التي تجلب محبته مثل هجر القرآن الكريم، هذا من أسباب البعد عن محبة الله . ولذلك يذكر العلماء علامات محبة العبد لله أن يحب ما يحبه الله ورسوله ولا يمكن أن تتعلق بغير ما يحب الله ورسوله ثم تقول أنك تحب الله ورسوله (ورجل قلبه معلّق بالمساجد) يحب ما يحب الله، هذه الأماكن الشريفة التي هي أماكن الصلاة والدعاء وذكر الله تعلق الإنسان بها دليل على أنه يتعلق قلبه بما يحبه الله وما يحبه رسوله .
                  سمر الأرناؤوط
                  المشرفة على موقع إسلاميات
                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                  تعليق


                  • #10
                    بدء رفع حلقات رياض القرآن فيديو وصوت على وقع منتدى فرسان الحق على هذا الرابط

                    http://www.forsanhaq.com/showthread.php?t=368268
                    سمر الأرناؤوط
                    المشرفة على موقع إسلاميات
                    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                    تعليق


                    • #11
                      رياض القرآن – الحلقة العاشرة
                      روضة المصلّين
                      http://www.youtube.com/watch?v=vZAVaWAKbTk

                      (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١﴾ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴿٢٢﴾ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴿٢٣﴾ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴿٢٤﴾ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿٢٥﴾ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٢٦﴾ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٢٧﴾ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴿٢٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٢٩﴾ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٣٠﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٣١﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٣٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ﴿٣٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٣٤﴾ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴿٣٥﴾)
                      هذه الآيات من سورة المعارج بدأت (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) والحديث هنا عن جنس الإنسان ولذلك يذكر المفسرون أن هذه الآيات حديث عن الإنسان في صورتيه السلبية والإيجابية ونحن نريد أن نركّز في هذه الروضة عن روضة المصلين ولكن قبلها دعنا نتحدث عن هذه الفكرة فكرة صفات الإنسان السلبية والإيجابية. هنا جعل الله استجابة الإنسان لدعوة الله والالتزام بها هي قمة الإيجابية في سورة الإنسان ورفضه لها وابتعاده عنها هي الصورة السلبية له. ففي الآيات الثلاث الأولى إشارة إلى ما انطبع عليه الإنسان من أنانية وحرص وسرعة تأثّر فهو سريع التهييج مما يُلمّ به وهو أناني لا يفكّر إلا في نفسه فإذا أصابه شرّ وجزع اضطرب وإذا انفرجت أموره ونال خيراً فبخل ولذلك قال هنا (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١﴾). يُراد بالهلع الجزع والبخل ولذلك يقول عمر : لو لم يخبرنا الله ما معنى الهلوع ما عرفنا معنى الهلوع. ولذلك هذه من الآيات التي جاء تفسير القرآن فيها بالقرآن وهذا أعلى أنواع بيان القرآن الكريم للقرآن وهو أن ياتي البيان متصلاً في نفس السورة فهنا قال (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) ما معناها؟ قال (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١﴾) إذن هذا هو تفسير الهلوع، اجتمع فيه الجزع والبخل، الجزع يُقصد فيه التسخّط من المصيبة ومن القضاء والقدر وإذا أصابه الغنى والمال بخل، وهذه من الصفات المذمومة في الإنسان وهي من مظاهر ضعف الإنسان التي ذكرها الله (وخلق الإنسان ضعيفا) (الذي خلقكم من ضعف) هذه من مظاهرها أنه سريع الجزع وبخيل. ولذلك قال النبي : عجبًا لأمرِ المؤمنِ إن أمرَه كلَّه خيرٌ وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له.
                      الإنسان في صفاته الإيجابية، الخصال التي تعالج طبع الإنسان تذكر الآيات الكريمة صفات الأشخاص الإيجابية وتبين تسع صفات إيجابية يتقدمها صفة الصلاة وأيضاً يختمها بصفة الصلاة مما يدل على من أبرز صفات المسلم الإيجابي محافظته على الصلاة. تدور صفات المؤمن الإيجابية كلها حول الصلاة ولذلك هي مقياس إن كانت مقاييسنا نحن البشر أو المقاييس الشرعية أن محافظة الإنسان على الصلاة في جماعة دليل على صحة دينه واستقامته. ولو جاء من يتقدم لخطبة ابنتك أو أختك أول ما تسأل عنه إن كان يصلي فإذا قيل إنه يصلي تشعر بطمأنينة فإذا قيل يحافظ مع الصلاة مع الجماعة تشعر أن كثيراً مما كنت تخاف منه ذهب فإذا وجدت أنه لا يدخن وأنه يصحب الصالحين ومحافظ على عمله ودوامه رأيت أنه رجل مناسب وكفء. لذلك الصلاة والمحافظة عليها مهمة عند الله وعند خلقه. يقول العلامة ابن عاشور في التحرير والتنوير: وهذه صفات ثمان هي من شعار المسلمين فعدل عن إحضارهم بوصف المسلمين ما قال إلا المسلمين ذكر ثمان صفات من صفات المسلمين وكما يقول العلماء في البلاغة أن الإطناب في المدح هو من صفات البليغ أما الذمّ فلا يطنب فيه ويختصر. فقال فعدل عن إحضارهم بوصف المسلمين إلى تعداد خصال من خصالهم إطناباً في الثناء عليهم لأن مقام الثناء مقام إطناب، وتنبيهاً على أن كلّ خصلة من هذه الخصال الثمان هي من أسباب دخولهم في الجنة.
                      قوله (إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴿٢٢﴾ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴿٢٣﴾) وصف المصلين في أولها وقال في آخرها (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٣٤﴾) فقال في الأولى على صلاتهم دائمون ووصفهم بالجملة الإسمية وعلماء البلاغة يقولون أن الجملة الإسمية تدل على الاستمرار وقال في آخرها (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) فعبّر عنها بالجملة الفعلية (يحافظون) والجملة الفعلية تدل على الحدوث والتجدد فجمعت بين المسألتين. قضية الصلاة هم يحافظون عليها كلما حان وقتها وهي صفة تتجدد بتجدد الدعوة إلى الصلاة وفي نفس الوقت هم عليها دائمون فهي من الصفات المستمرة عندهم والمتجددة ولذلك جعلهم (أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ).
                      في فضائل الصلاة ونحن نتحدث في هذه الروضة من رياض القرآن الكريم وانتخبنا هذه الآيات من سورة المعارج التي تحث على الصلاة ولا شك في من أصلح الآيات لأهمية الصلاة لأنه جعلها من أهم صفات المسلم الإيجابية، وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تتحدث عن الصلاة، في قوله (الذين يقيمون الصلاة) كثيرة جداً في القرآن الكريم ولا تجد في القرآن الكريم آية واحدة "يؤدّون الصلاة"، ليس في القرآن آية يمدح الله المؤمنين أنهم يؤدوا الصلاة بل يمدحهم بأنهم يقيموا الصلاة (والمقيمي الصلاة) (وأقاموا الصلاة) (على صلاتهم يحافظون) (على صلاتهم دائمون) مما يشير إلى أنه ليس المقصود فقط تأدية الصلاة وإنما المقصود إقامة الصلاة على وجهها بأركانها وواجباتها وسننها ومسحباتها وتجد أن هذه الروضة روضة المصلين فعلاً روضة والنبي كان يسمي المكان في مسجده الروضة ولا شك أن المصلي في صلاته في روضة من رياض الجنة وأنه ينبغي على المسلم أن يعتني بتفاصيل التفاصيل عندما يتعلق الأمر بالصلاة يدرسها دراسة ويتعلمها تعلماً والنبي عندما رأى أحد الصحابة دخل إلى المسجد وصلى صلاة مستعجلة فناداه وقال ارجع فصلِّ فإنك لم تصلي، اعتبر الصلاة التي صلاها غير محسوبة أصلاً قال أنت لم تصلي، وهذا لا يسمى صلاة فلما رجع المرة الثانية فعل نفس الأمر وفي المرة الثالثة قال له واللذي بعثك بالحق لا أحسن غير ذلك. فالمسألة تحتاج إلى تعليم، نحن أول ما نعلم أبناءنا الصلاة كيف يتوضأ كيف يسجد كيف يركع وبعض الإخوان أحياناً يقول أزعجونا الأطفال في المسجد. وأذكر أني أجريت مسابقة في المسجد في رمضان وأبناؤنا والأطفال يحرصون على الفوز ونحن نجعل هذه المسابقات لتحبيب أبنائنا بالمسجد فأصبح الصغار والشباب والأطفال يبكرون إلى الصلاة فيصلون في الصف الأول يمتلئ فجاء أحد الإخوان من كبار السن وهو غاضب وقال هؤلاء أزعجونا نريد أن نوقف المسابقة، فقلت يا أخي الكريم ابنك من أسبقهم ألا يسرّك ذلك؟ قال بلى ولكن نحن نأتي لا نجد مكاناً في الصف الأول! قلت إن كنت تريد أن تحصل على مكان في الصف الأول فتعال باكراً لكن لا نمنع أبناءنا من هذا الخير ونعلمهم كيف يسابقون إلى الصلاة لعل الله يهديهم إلى الالتزام بالصلاة. تعليم الأبناء محبة الصلاة والـتأدب في الصلاة لا يمكن أن تأتي بالإكراه، يحتاج إلى وقت، والتربية تحتاج إلى طول نفس. بعض الآباء دائماً يراقب ابنه في الصلاة ويؤنبه لم لا تركع جيداً؟ لم لا تسجد جيداً؟ لماذا لا تأتي مبكراً؟ فهو من حيث لا يشعر يُكرّه الابن في الصلاة لأن الإبن يشعر أنه مراقب والأصل أنه يصلي لله. والأنباء يحبون أن يعلمهم أبآؤهم بلطف وبطريقة غير مباشرة بدل إشعار الأبناء بالجهل دائماً. بعض الرسائل السلبية تصل من الآباء لأبنائهم بدافع المحبة لكنها تصل بطريقة خاطئة.
                      والأبناء يحتاجون إلى قدوات فهم إذا رأوا آباءهم وأجدادهم دائماً في الصف الأول وكيفية تأديتهم الصلاة يتأثرون بهم. علي بن الحسين بن علي كان عندما يتوضأ يصفرّ لونه فلما سألوه قالوا أتعلمون بين يدي مَنْ سأقف؟ سأقف بين يدي الله لأنه تربى على أنه سيقف بين يدي الله ويتذكر عظمة الله بين كل سماء وسماء وحجم السموات والأرض وعظمة العرش وعندما يستحضر الإنسان عظمة الله يهابه ولذلك عمر بن عبد العزيز عندما كان يصلي بالناس صلى فكان يقرأ (والليل إذا يغشى) فوصل إلى قوله تعالى (فأنذرتكم ناراً تلظى) لم يستطع أن يكمل فأعاد السورة مرة ثانية وثالثة ولم يستطع أن يكمل فقرأ سورة أخرى. ومن قبل كان أبو بكر الصديق رجلاً أسيفاً لا يتحمل إذا قرأ وعمر لما يسمع (والطور وكتاب مسطور) فإذا به يُزار في بيته مدة شهر! وكل ذلك من تعظيمهم لله.
                      (والذين هم على صلاتهم يحافظون) أعجبني كلام للزمخشري يقول عند تفسيره لهذه الآية (هذا أسلوب الزمخشري: إن قلت، قلت، يسمونها فنقلات الزمخشري) فإن قلت كيف قال على صلاتهم دائمون ثم على صلاتهم يحافظون؟ قلت معنى دوامهم عليها أن يواظبوا على أدائها لا يخلّون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل ومحافظتهم عليها أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ومواقيتها وسننها وآدابها فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة والمحافظة تعود إلى أحوالهم.
                      والوصف الأخير (والذين هم على صلاتهم يحافظون) يؤدونها غير منقوصة لا في خشوعها ولا في القرآءة فيها ولا في شيء من أركانها ولا شك ولا ريب أن هذا الاقتتاح بها والاختتام بها يدل على شرفها وفضلها. وكما يقول ابن عاشور أن الإسلام والقرآن في الأركان العظيمة لا يكتفي بآية واحدة وآيتين وإنما يذكر عدداً كبيراً من الآيات والأحاديث ولذلك نقول الآيات التي تدل على عظمة الصلاة وفضلها والأحاديث كثيرة جداً ولذلك صنّف المروزي كتاباً رائعاً جداً سمّاه "تعظيم قدر الصلاة"، ذكر فيه من الآيات والأحاديث وآثار عن السلف ما يدل على تعظيمهم لأمر الصلاة وكيف كانوا يجدون من الرهبة والهيبة والمحبة في اقبالهم وانطراحهم بين يدي الله في الصلاة ونحن في حاجة ماسة إلى أن نحيي في أنفسنا تعظيم الصلاة، المسألة ليست واجباً تريد أن تتخلص منه وتلقيه عن كاهلك، المسألة ليست هكذا وإنما هي محبة وتعظيم لهذه الروضة الي ينبغي للمؤمن أن يرتع فيها ويدخل فيها ولذلك النبي كانت عائشة تقول يكون بيننا يضحك ويكلمنا فإذا أذن للصلاة خرج كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه ويقول لبلال أرحنا بها يا بلال ولا يقول هذا الكلام إلا محب صادق لربه وعبادته.
                      سمر الأرناؤوط
                      المشرفة على موقع إسلاميات
                      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                      تعليق


                      • #12
                        رياض القرآن – الحلقة 11
                        روضة البارّين
                        http://www.youtube.com/watch?v=6o_odhDHbSs

                        البارّين وهم أهل البرّ.
                        (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) البقرة)
                        هذه الآية من سورة البقرة اشتملت على ما يسميه العلماء أصول البرّ في الإسلام لأنها جاءت بعد الآيات التي تحدثت عن تحويل القبلة ولذلك اختلف المفسرون إلى من يتوجه الخطاب في هذه الآية، هل هو موجه إلى أهل الكتاب من اليهود الذين بالغوا في اللوم في تغيير القبلة وفي تعديلها أم هو موجه للمؤمنين الذين اغتبطوا بالانتقال إلى مكة المكرمة بعد بيت المقدس أم أن الخطاب للجميع؟ وقد اشتملت هذه الآية على أصول البرّ والبرّ مأخوذ من السعة والكثرة فالبرّ هو الخير الكثير الواسع والله قد وصف نفسه (إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) الطور) لأنه كثير الخير وكذلك الإنسان البارّ هو الإنسان الذي كثر خيره وبركته ونفعه للناس. والآية تقول (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) يعني ليس الخير الحقيقي هو أن تتجه إلى هذه القبلة أو تلك القبلة لكن البرّ الحقيقي هو في الذي ذكره الله في الآية (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ) ولذلك يمكن أن نتوقف عند ما يسميه المفسرون أصول البر انطلاقاً من هذه الآية:
                        الأصل الأول من أصول البرّ هو الإيمانقال الله (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) هذا هو الأصل الأول ولذلك يبالغ العلماء في شرح وبيان المقصود بالإيمان في هذه الآية في كتب التفسير وأذكر للشيخ ابن عثيمين تفصيل واسع في قضية الإيمان في هذه الآية بالذات. ثم ذكر الله الإيمان بالله والإيمان اليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وهذه كلها من الإيمان بالغيب، تحدثنا في حلقة سابقة عندما تحدثنا عن صفات المتقين كما ذكرهم الله تعالى في أوائل سورة البقرة بدأها بالإيمان بالغيب (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) البقرة) لأن الإيمان بالله والإيمان بصفاته والإيمان بربوبيته وألوهيته كل هذا إيمان بالغيب. نحن نؤمن بذلك تصديقاً لما جاءنا به النبي . أضف إلى ذلك الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالله واليوم الآخر دائماً يكون ملازماً للإيمان بالله لأن الإيمان باليوم الآخر بالذات تجد (من آمن بالله واليوم الآخر) ويقتصر عليهما فقط ويكرر هذا كثيراً وقد يتساءل الناس لماذا التركيز على الإيمان باليوم الآخر؟ لو تأملنا كما قال أحد علماء النفس الذين يكتبون بعلم النفس الإسلامي يقول: التلويح باليوم الآخر في القرآن الكريم له أبعاد نفسية لأنه يذكّرك بيوم الحساب ويوم الاختبار والذي لا يشعر أن هناك يوم للحساب والإختبار سوف يتجاوز. ولذلك يذكّرني هذا بقوله في سورة المطففين وهو سبحانه يعيب على من يطفف في المكيال والميزان فيقول (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾) ذكّرهم باليوم الآخر مع أن المسألة التي يقومون بالمخالفة فيها هي مسألة دنيوية في قضية المكاييل والموازين. أيضاً هذا الأمر يبين عظم العلاقة بين ما نقوم به به من أعمال في الدنيا وبين ما نقوم به من أداء لمقابلة الله يوم القيامة فهذا الأمر يعتبر عند الله عظيماً ولذلك هذه الآية هنا يمكن أن نضع لها عنواناً الفساد المالي وكيف أن الفساد المالي إذا استشرى كيف تكون العاقبة له.
                        أيضاً الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين جعلها الله وهي كلها تدخل كلها تحت الإيمان بالغيب وبما أخبرنا به النبي هذه كلها أصل من أصول البر ولذلك قضية تعظيم الإيمان في نفوس الناس هذه أصل من أصول البر، لا يمكن أن ينمو البرّ وأن يصبح الإنسان باراً حقيقياً وهو يفتقر إلى الإيمان مع أنها قضايا قلبية.
                        الأصل الثاني من أصول البر هو الإنفاق فقال الله (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) فجعل إنفاق المال أصلاً من أصول البرّ حتى يكون الإنسان بارّاً كما ينبغي أن يكون ينبغي أن يكون منفقاً. والمقصود بالإنفاق هنا الإنفاق النافلة وليس الإنفاق الواجب لأنه سيذكره في الآية وقدّم هذا الإنفاق بعد الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة مباشرة. (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) الإنفاق في سبيل الله ليس سهلاً لأن النفوس متعلقة بحب المال ولذلك ذكر الله تعالى من صفات الإنسان أنه يحب المال حباً جماً (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) الفجر) وهذه صفة تكاد تكون مشتركة بين حنس الإنسان وجعل الله هنا إنفاق المال على حبه أصلاً من أصول البرّ ولذلك قال الله في آية أخرى (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) لأنك عندما تنفق وأنت مُحبٌّ لهذا المال وأنت صحيح شحيح كما ذكر النبي ولكنك تضغط على كل هذه الضغوط النفسية التي تواجهها وتنفق في سبيل الله فإن هذا يدلّ على أنك صادق في برّك وصادق في إيمانك. وأيضاً الله يفتح عليك بركة المال كما ورد في الحديث "اللهم أعط منفقاً خلفا" وكما في قصة أبي الدحداح لما نزل قول الله (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92) آل عمران) فجاء إلى النبي وقال يا رسول الله إني سمعت هذه الآية –ولاحظ كيف كان الصحابة يتعاملون مع القرآن-وإن أحب مالي إليّ بئر رحاء قطعة بستان له كان فيه نخل كثير وإنني قد تصدقت بها فضعها يا رسول الله حيث شئتفالنبي قال له ضعها في الأقربين. الشاهد أنه فهم مباشرة هذه الآية أن الله يحب أن ينفق أحدنا مما يحب. ولذلك كان بعض الصحابة إذا أحب مالاً وتعلق قلبه فيه تصدّق به ولذلك العشرة المبشرين بالجنة ستة منهم تجار، عبد الرحمن بنو عوف وعثمان وأبو بكر وطلحة أجمعين.
                        عندما عددت الآية الأصناف التي يُنفق عليها (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) قسمهم وذكر بالدرجة الأولى ذوو القربى ثم اليتامى والمساكين ثم أولئك الذين اعترتهم الحاجة مؤقتاً كابن السبيل المسافر المحتاج ثم تذكر الآية بعد ذلك السائلين إشرة إلى أن المحتاجين ليسوا جميعاً أهل سؤال ولذلك في سورة البقرة قال الله (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ (273) البقرة) بعض الناس محتاج وفي أقسى درجات الحاجة ولكنه لا يسأل ولذلك يأتي البر الحقيقي عندما تتتبع أمثال هؤلاء وتنفق عليهم. ولذلك ذكر العلماء الفرق بين الغني الشاكر والفقير الصابر وحصل جدال كبير فيها ونقاش إلى أن وصلوا إلى أن أفضلهم عند الله هو أتقاهم لله .
                        الأصل الثالث: إقامة الصلاة (وَأَقَامَ الصَّلاةَ) والملاحظ أن الله قدّم الإنفاق المستحب على هذه الأصناف، قدمه على الصلاة مع أن الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الإيمان بالله والشهادتين وهذا فيه إشارة إلى فضل الإنفاق خاصة إذا كان في مكانه وعلى محبة للمال وحاجة إليه ورغم هذا ينفق الإنسان. (وَأَقَامَ الصَّلاةَ) وتحدثنا في روضة المصلين أن الله لم يعبّر في القرآن الكريم بأداء الصلاة وإنما التعبير دائماً بإقامة الصلاة (والمقيمي الصلاة) (يقيمون الصلاة) (أقاموا الصلاة) مما يشير إلى أن هذا يدخل فيه الفرض والنفل وأنه لن يقبل من الإنسان صلاة إلا إذا أقيمت كما أمر النبي ولذلك نحن بأمس الحاجة إلى التفقه في أداء الصلاة وأعجب من بعضهم الذي يفرّط في مسائل الصلاة وفقه الصلاة والقرآءة في الصلاة والثقافة فيما يتعلق بالصلاة ماذا تقرأ؟ ما هي الأذكار التي تقرؤها قبل الصلاة وبعد الصلاة وبعضهم يصلي صلاة الاستسقاء فلا يعرف ماذا يقرأ فيها أو صلاة الجنازة مما يدل على أنه لدينا خلل في مسألة فقه الصلاة والعناية بها. وبعضهم سألني مرة بعد أن رأى عندي كتاباً عن فقه الصلاة فقال هل تحتاج الصلاة إلى كل هذه المجلدات حتى نعرف التفاصيل؟ فقلت دعني أسألك بعض الأسئلة فسألته بعض الأسئلة التي نحتاج إليها فلم يُجب فقلت هذا هو السؤال. ولذلك جاء رجل إلى الإمام ابن حنبل يسأله عن مسألة وهي هل أبناء المشركين يُعذّبون في الآخرة إذا ماتوا وهم أطفال؟ أسئلة افتراضية! فقال له ماذا تقول في دعاء الاستفتاح؟ فلم يعرف وسأله أسئلة فلم يجب فقال له عليك بما تحاجه في يومك وليلتك ودعك من مثل هذه الأسئلة الافتراضية.
                        الأصل الرابع: أداء الزكاة (وَآتَى الزَّكَاةَ) مما يدل على أن قوله (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) مقصود بها الإنفاق المستحب وقدّمه على الصلاة والزكاة.
                        الأصل الخامس: الوفاء بالعهود (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ) ومعنى الآية أنهم يوفون بكل عهد قطعوه على أنفسهم.
                        الأصل السادس: الصبر (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ) البأساء هي الشدة والضراء في حين المرض وحين البأس في وقت القتال.
                        نلاحظ كيف جمع الله أصول البر في آية واحدة وهذا لا يمكن أن تجده في أيّ كتاب بشري أبداً ولذلك بعض الأعراب عندما يسمع هذه الآيات لا يملك إلا أن يقول: هذا الكلام لا يمكن أن يقوله بشر! لأن الله جمع لنا في آية واحدة أصول البر في الإسلام لو تفقهنا بها وعملنا بها لكفتنا ولذلك كان الإمام الشافعي رحمه يقول لما قرأ سورة العصر لو لم ينزل على الناس إلا سورة العصر لكفتهم. ونحن نقول مثل هذا في هذه الآية لو لم ينزل علينا إلا هذه الآية لكفتنا فهي أصول جامعة تنير طريق المؤمن الذي يريد الله به الخير. ولذلك الأعرابي لما سمع قول الله (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا (80) يوسف) سجد لله لبلاغة هذه الآية وقال لا يستطيع أحد أن يجمع شتات هذه القصة في كلمتين مثل هذه (خلصوا نجيا).
                        ونحن نتحدث في روضة البرّ نختم بالقول أن كل واحد من المسلمين يحرص أن يكون باراً بربه شاكراً لفضله وأنعمه عليه، باراً بإخوانه المسلمين، باراً بوالديه وإن كان المشهور بالبر دائماً أنه بر الوالدين والمقصود ببر الوالدين أن يكثر خيرك على والديك كما كثر خيرهم عليك بأن تصبر عليهما وتعطيهما وتقدمهما على نفسك وهما يستحقان ذلك وقد أمرنا الله بذلك. لكن كيف بالله الذي هو الخالق الرازق المعطي المحيي المميت، ألا يستحق العبادة والشكر ألا يستحق الثناء؟ ألا يستحق الذكر؟ فجمع هذه الآية لأصول البر جدير بكل مسلم أن يحفظ هذه الآية وأن يتدبر معانيها وأن ينظر كيف تخلق النبي بها ولو أخذنا مثالاً واحداً في كرم النبي وإنفاق النبي علماً أنه لم يكن غنياً مترفاً يملك الأموال وبالرغم من ذلك لما أسلم بعض الناس فأعطاه فرجع يقول لقومه يقول إن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر لأن النبي كان يمتثل هذه الآيات ويعطي وينفق حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي وكان بإمكانه أن يترك لأهله الأموال الطائلة. ولذلك مفهوم البر لا يقتصر على البر بالوالدين مع أهمية الوالدين فهو مفهوم واسع جداً وله أركان مثل هذه الأركان. وفي المعنى اللغوي البَرّ هو المكان الواسع والبِرّ هو الخير الواسع. نسأل الله أن يرزقنا البر في الدنيا والآخرة.
                        سمر الأرناؤوط
                        المشرفة على موقع إسلاميات
                        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                        تعليق


                        • #13
                          رياض القرآن – الحلقة 12
                          روضة المستقيمين وأهل الاستقامة
                          http://www.youtube.com/watch?v=JLE8lAdzURU

                          روضة المستقيمين وأهل الاستقامة وكيف وصفهم الله في آيات القرآن الكريم وأثنى عليهم.
                          (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴿٣٢﴾ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿٣٦﴾ فصلت)
                          في سورة فصلت أول ما بدأت السورة ونذكر لما جاء عتبة بن ربيعة أبا الوليد النبي يريد أن يقنعه بالرجوع عن الدعوة في أول الإسلام. ولاحظ كيف كان خطاب أبو الوليد للنبي فقال له: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ (يقصد أنت خير أم والدك؟) فسكت النبي فقال يا محمد إن كانوا خيراً منك فقد عبدوا ما نعبد وإن كنت خيراً منهم فقل لنا ما تريد والله ما ننتظر إلا صيحة حتى يثور بعضنا على بعض فأخذ يتحدث ويظهر في حديثه البلاغة والفصاحة يا محمد إن كان بك حب النساء زوجناك عشراً، لذلك الرسول سكت حتى قال أفرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، فقال اسمع: (حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾) ففتح فاه وجعل يديه خلفه ثم بعد ذلك قال أُنشدك بالله والرحم لما وصل النبي إلى قول الله تعالى (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿١٣﴾)
                          ثم ذكر الله هذه الآيات والتي فيها ذكر مصير الكافرين والمكذبين تشوّق السامع أن يعرف مصير الصادقين المؤمنين فجاءت هذه الآيات (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) آيات في غاية البشرى وفي غاية التشويق إلى الآخرة.
                          ما المقصود بالاستقامة في قوله (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)؟
                          معنى قوله (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ) هذا التوحيد يعني أنهم يوحدون الله ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم يستقيمون على هذا الدين ولهذا لما جاء رجل إلى النبي وهو سفيان الثقفي كما في صحيح مسلم قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، فقال له : قل آمنت بالله ثم استقم. قرأت لأحد شرّاح الحديث أنه على وجازة هذا الحديث إلا أنه من أعظم الأحاديث لأنه اختصر أن العبرة هي بالاستقامة على الدين حتى الممات.
                          الاستقامة كما ذكر ابن رجب: هي سلوك الطريق المستقيم وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة وترك المنهيات كذلك.
                          الله ذكر في القرآن الكريم صفات للمستقيم فذكر منها الاستمرار والثبات أولاً كما في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102) آل عمران) إشارة إلى الاستقامة على هذا الطريق. وأيضاً في حديث النبي في صحيح مسلم "من أحبّ أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه"، هذا معنى الاستقامة. الشنقيطي في كتابه أضواء البيان جمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم عن الاستقامة - وهناك رسالة قيمة لأحد الزملاء الاستقامة في القرآن الكريم جمع فيها كل آيات الاستقامة في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية ثم قسمها على حسب محاورها- يقول الشنقيطي في كتابه أضواء البيان: ما تضمنته هذه الآية الكريمة في سورة فصلت مما أعده الله في الآخرة للذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ذكره الله تعالى بالجملة في قوله في سورة الأحقاف (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)) لأن انتفاء الخوف والحزن والوعد الصادق بالخلود في الجنة المذكور في آية الأحقاف هذه يستلزم جميع ما ذكر في الآية الكريمة في سورة فصلت. وقال الله تعالى (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ (112) هود) والأمر هنا للنبي ولأتباعه (وَمَن تَابَ مَعَكَ). وقوله (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) د. محمد عبد الله دراز في مقالة له عن سورة الفاتحة يقول أن سورة الفاتحة أشبه ما تكون بالايجاز والتفصيل في بقية سور القرآن الكريم كأنها هي موجز -وتكلم قبله ابن القيم وأفاض فيه- وجاءت بقية سور القرآن تفصّل هذا الموجز. لكن أضاف د. دراز وقال إن سورة الفاتحة هي خطاب من البشر إلى الله وبقية سور القرآن الكريم خطاب من الله إلى البشر وقال إن هذه السورة بين يديد القرآن الكريم أشبه ما تكون بالاستدعاء أو خطاب استدعاء فوق القرآن فكأن الله أنزل القرآن كله استجابة لما طلبه الناس في سورة الفاتحة لأنهم قالوا (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) فجاءت أول آية في سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) أنتم تطلبون الهداية وهذه الآيات بدأت تفصل الهداية التي طلبت في سورة الفاتحة.
                          أيضاً في قوله (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ (6) فصلت) وقوله (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ (112) هود) وفي سورة يونس قال (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89)) وقال في سورة الشورى (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ (15)) وقوله تعالى في سورة الجن (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (16)) وغيرها من الآيات التي فيها الحث على الاستقامة ولزوم طريق الحق والاستمساك به حتى تأتي منية الإنسان وهو على دين الإسلام. ولذلك الآية في سورة آل عمران (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (102)) تؤكد هذا المعنى وتقويه.
                          والملاحظ في أسلوب الشيخ الشنقيطي وهو أسلوب سلكه العلماء المتقدمون فيقضية تفسير القرآن بالقرآن فمثلاً لما تتحدث عن الاستقامة تأتي فتنظر في آيات الاستقامة في القرآن الكريم كاملاً تتضح لك أولاً حجم عناية القرآن بهذه المسألة، بعض المسائل تجد فيها عشرات الآيات وهذا يوحي أن هذه أولوية من الأولويات التي اعتنى القرآن الكريم بها وأكّد عليها فإذا وفقت ودرست السياقات التي وردت فيها الآيات وجدت أنها في سياقات مهمة فأيضاً يضفي عليها المزيد من العناية والاهتمام. بعض القضايا أيضاً تجد أنها ذكرت في القرآن مرة أو مرتين وهذا يفيد أن تضعها في نصابها فلا تبالغ في بعض القضايا التي لم يتعرض لها القرآن إلا مرة واحدة وتغفل جوانب ذكرها القرآن الكريم ألف مرة مما يدل على أن هناك خلل في الأولويات لدى البعض.
                          والإنسان لا يأمن على نفسه ويحتاج أن يسأل الله الثبات دائماً والرسول كان يردد "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" وهو رسول الله فالإنسان ينبغي دائماً أن يردد هذا الدعاء ويسأل الله الثبات والاستقامة أمر عظيم ويحتاج أحدنا حتى يلتزم هذه الإستقامة أن يردد هذا الدعاء.
                          الآيات ذكرت ثمرات الاستقامة، قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) وذكر ثمرات الاستقامة التي التزموا بها:
                          أولاً تنزل الملائكة بالبشرى فالله يقول هنا (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) والمفسرون يقولون أنها تتنزل عليهم في ثلاثة مواطن وتبشرهم في ثلاثة مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث. وهذه المواطن الثلاثة هي أشق المواطن على الإنسان، لحظات الموت، كل الذين حول الإنسان يبكون ويقيمون العويل والحزن عليه، إذا كان من أهل الاستقامة ففي هذا الموطن تتلقاه الملائكة وتبشره (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) والموطن الثاني في القبر إذا دخل القبر واستوحش ورجع أهله عنه والموطن الثالث عند البعث وهي كلها مواطن هلع ومواطن خوف ومواطن جزع، الله يقول أن أهل الاستقامة لهم وضعهم الخاص في هذه المواطن الثلاثة تتنزل عليهم ملائكة الرحمة بالبشرى والتطمين ونفي الخوف.
                          من ثمار الاستقامة الطمأنينة والسكينة في قوله في هذه الآيات (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا) في هذه المواطن الثلاثة الإنسان أحوج ما يكون إلى الطمأنينة والسكينة والناس كلهم في خوف وهلع وجزع ورعب من البعث أو من الموت أو من القبر وأهل الاستقامة في طمأنينة وسكينة.
                          من ثمار الاستقامة البشرى بالجنة (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ). وهنا في قوله (الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) نحن في الدنيا نؤمن بالغيب ونؤمن أن هناك جنة وأن هناك نار وأن هناك بعث ونؤمن بالأنبياء السابقين وكل هذا تصديق للنبي وإلا فنحن لم نرى شيئاً ونسأل الله أن يثبتنا على الإيمان لأن البعض لا يؤمن إلا بالشيء المحسوس ويرى أن الإيمان بالغيب نقصان بالعقل وهرطقة ودروشة ولذلك يقولون ما وراء الطبيعة أو ما ما يسمونه الميتافيزيقا لا يؤمن بها إلا الدراويش والجهلة أما هم فكما يرون أنفسهم أنهم يؤمنون بالأشياء المحسوسة التجريبية ويقول أحدهم: أنا لا أؤمن بما لا يدخل معي المعمل، الشيء الذي لا يمكن يجري عليه تجربة لا يؤمن به! الله يقول (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) لم تروها من قبل ولم تلمسوها بأيدكم ولا اطلعتم على شيء منها وإنما هو إيمان بالغيب فكان الجزاء في هذه المواطن الأمان من الفزع. أما هؤلاء المشككين اللاأدريين كما يسمون أنفسهم عندما يُسألون في القبر من ربك؟ يقولون هاه، هاه، لا أدري، من نبيك؟ قال لا أدري، فيضربه الملك بمزربة ويقول له لا دريت ولا تليت في القصة المعروفة التي ذكرها النبي . ومن الأشياء الجميلة التي ذكرها الشيخ الزنداني عندما كان يتناقش مع أحد الملاحدة فسأله هل تستطيع أن تسير في الشمس والحرارة الشديدة من دون حذاء؟ قال لا، فقال الحذاء خلق لحكمة؟ قال نعم الحذاء خُلق لحكمة بحيث أنه يبعدني عن رمضاء الشمس في الصحراء فقال له الشيخ إذا كان الحذاء خُلِق لحكمة أنت لم تُخلق لحكمة؟! يعني حذاؤك خيرٌ منك!
                          من ثمرات الاستقامة سعة الرزق في الدنيافي قوله في سورة الجن (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (16) الجن) أي كثيراً
                          ومن ثمرات الاستقامة وهذه من أعظم الثمار: انشراح الصدر والحياة الطيبة كما قال الله (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (97) النحل) ومن جاء بالاستقامة واستقام على أمر الله لقي هذه الثمار في الدنيا والآخرة. العديد من الناس اليوم يأخذون دورات النجاح والتطوير والتحسين والله النجاح الحقيقي هو في الاستقامة على أمر الله وإنها تأتيك الدنيا وتأتيك هذه الثمار التي ذكرها الله عند الموت وعند القبر وعند البعث. نسأل الله أن يرزقنا الاستقامة في الدنيا وأن يثبتنا عليها حتى نلقاه .
                          سمر الأرناؤوط
                          المشرفة على موقع إسلاميات
                          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                          تعليق


                          • #14
                            [QUOTE=سمر الأرناؤوط;206176][B][U][COLOR=#7030A0] لكن أضاف د. دراز وقال إن سورة الفاتحة هي خطاب من البشر إلى الله وبقية سور القرآن الكريم خطاب من الله إلى البشر وقال إن هذه السورة بين يديد القرآن الكريم أشبه ما تكون بالاستدعاء أو خطاب استدعاء فوق القرآن فكأن الله أنزل القرآن كله استجابة لما طلبه الناس في سورة الفاتحة لأنهم قالوا (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) فجاءت أول آية في سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) أنتم تطلبون الهداية وهذه الآيات بدأت تفصل الهداية التي طلبت في سورة الفاتحة.[/FONT]
                            ممن قال نحو هذه المقالة الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن سعيد المقرئ العماني في كتابه الأوسط في علم القراءات ص672، قال: والخاصية الأخرى أن حكم هذه السورة خالف حكم سائر سور القرآن في النظم، وذلك أن ألفاظ سور القرآن كلها متصورة في السمع بصورة مخاطبة الخالق للمخلوقين، بأمر أو نهي، أو وعد أو وعيد، وغير ذلك من المخاطبات التي إليها تنقسم معاني القرآن.
                            فأما ألفاظ هذه السورة فإنها خرجت بكليتها في صورة مخاطبة المخلوقين للخالق بالتحميد والتمجيد والدعاء ...

                            تعليق


                            • #15
                              رياض القرآن – الحلقة 13
                              روضة السائلين
                              http://www.youtube.com/watch?v=QSVtTfm1lmo

                              السائلين عن الحق والطالبين للحقيقة والباحثين عن العلم.
                              (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴿٦١﴾ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٦٢﴾ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٦٣﴾ العنكبوت)
                              هذه الآيات من سورة العنكبوت نلاحظ من خلالها النبي كيف كان يثير الأسئلة ويطرح الأسئلة على هؤلاء المشركين الذين كانوا يعارضون، وفقه السؤال في القرآن الكريم موضوع واسع سواء الأسئلة التي كان يطرحها النبي على هؤلاء المشركين أو الأسئلة التي كان يطرحها المشركون على النبي أو الأسئلة التي كان يطرحها الصحابة على النبي وكلها موجود في القرآن الكريم. وهذه الأسئلة التي نتحدث عنها في هذه الحلقة أسئلة النبي التي كان يوجهها للمشركين فالآية تقول (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ) أي لئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وسخر الشمس والقمر؟ قال الله (لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) توحيد الربوبية (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) ما دام تؤمنون بأن الله هو الخالق وهو الرازق وهو الذي سخر الشمس والقمر فلماذا لا تعبدونه وتوحدونه؟! (فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) فأنى يُصرفون عن هذا الإيمان وعن هذا التوحيد؟. (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) هذه الآيات تتحدث عن هذا الأسلوب الذي كان يتبعه النبي في الدعوة وهذا أسلوب رائع جداً. ذكررنا في إحدى الحلقات أن الشيخ عبد المجيد الزنداني سأل أحد الملحدين الذي كان لا يؤمن بإله فقال له أن تلبس هذا النعل فلماذا تلبسه؟ قال حتى تقيني من حرارة الشمس ومن برودة الثلج، فقال إذن هي موجودة لحكمة؟ قال نعم، فقال: أنت، هل خلقت عبثاً؟! هكذا يظن الملاحدة! والله يرد عليهم (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) المؤمنون). الأمر الثاني هو أسلوب يتبعه الداعي في إقناع الآخرين وهو من أجود وأفضل الأساليب في الدعوة إلى الله أن يطرح السؤال بطريقة مناسبة وفي مكانه المناسب. والنبي استفاد من سيدنا إبراهيم وكيف كان يطرح الأسئلة حتى يريهم الإسلام (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ (258) البقرة) هي في هيئة سؤال: هل تستطيع أنت أن تحيي وتميت؟ قال نعم ولكن مفهومه للإحياء والإماتة مفهوم خاطئ فسأله إبراهيم (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) فما استطاع!. كذلك هنا الآيات تشير إلى مسألأة مهمة جداً وهي موجودة في القرآن بكثرة وهي الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله هو التي لا يقدر عليها غيره فلا تنسب إلا له، الإحياء، الإماتة، الرزق كما قال تعالى في الآيات (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ) الرزاق، الرازق، هذا الأمر لا ينسب إلا إلى الله . فالاستدلال بهذا النوع من التوحيد ما دام أنك تؤمن بأن اللهو هو الخالق وأنه خلق السموات والأرض وهو الذي يبسط الرزق وهو الذي نزل من السماء ماء فلماذا لا تعبده؟! هنا السؤال. ونلاحظ أن أسماء الله وصفاته كثيرة في القرآن وكل هذا الحشد الهائل من أسماء الله وصفاته من أجل إقناع الناس بأنه هو الذي يستحق العبادة، فمن غير المعقول أن تؤمن أنه هو الخالق والرازق ثم تصرف العبادة لغيره، لا تستقيم منطقياً! فالله استدل كثيراً في القرآن الكريم بهذا لأنها طريقة عقلية لا يتجادل فيها أحد ولذلك يقول الشنقيطي : وهذا النوع من التوحيد (توحيد الربوبية) جُبِلت عليه فِطَر العقلاء قال تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الزخرف) وقال (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (31) يونس) وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله (قَالَ فِرْعَوْنُوَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) الشعراء) تجاهل من عالم أنه عبد مملوك بدليل قوله (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ (12) الإسراء) وقوله (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا (14) النمل) وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله كما قال تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) يوسف) والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً. ولذلك لم تكن معركة الرسل مع أقوامهم في توحيد الربوبية وإنما كانت معهم في توحيد الألوهية.
                              يفترض من الإنسان وهو يقرأ القرآن أن يتدبر هذه الآيات القرآنية ويستنبط من هذه الآيات بشكل جيد حتى يكون له أثر إيجابي في حياته العملية. من الأشياء التي ذكرها الشيخ الزنداني قال أنه اتصل على وكالة ناسا الفضائية فقال ما هو أصل السموات؟ فقالوا أصل السموات هو عبارة عن غبار، فقال لهم أصل السموات هو عبارة عن دخان وليس غباراً ثم اتصل عليهم بعد فترة وسألهم ماذا وجدتم أصل السموات؟ فقالوا وجدنا أصل السموات هو عبارة عن دخان، فقال هذا الشيء موجود عندنا في القرآن والله يقول (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (11) فصلت) وكذلك (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَاعَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا (53) الفرقان) هذه الأشياء الموجودة وتم اكتشافها من قبل الملاحدة عندما يُستعرض لهم القرآن ويوضح لهم القرآن العظيم الذي أنزل على النبي هذا يزيدهم قرباً من الإسلام.
                              مثل هذه القضايا تزيدنا نحن طمأنينة وتفتح آفاقاً للبحث العلمي في هذه القضايا التي يعمل فيها العلم الحديث بأدواته وقدراته ولكن ينبغي أن يكون الباحثون على حذر شديد لسبب بسيط وهو أن تحميل القرآن معاني غير صحيحة ولا يحتملها إساءة للقرآن الكريم ولذلك بعض المتسرعين أحياناً يسارع ويرى أن هذا فيه خدمة للإسلام عندما يقول الإسلام سبق في هذا ويكون هو قد أخطأ في فهم الآية وحمّلها ما لا تحتمل ثم أيضاً حمل عليها معاني غير محققة مثلاً قد تكون نظرية لم تثبت بعد، فهذه خطيرة!.
                              في قوله (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106) يوسف) أقوال السلف من المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم تؤكد على أن المقصود بهذه الآية هو أنهم يؤمنون بتوحيد الربوبية ويكفرون بتوحيد الألوهية فيقولون (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ) يقرّون له بالرزق والإحياء والإماتة ولكنهم يجحدون جدارته للعبودية وتوحيده بالعبادة.
                              ونحن نتحدث عن روضة السائلين نتحدث عن أهمية الحوار والأسئلة في الدعوة إلى الله قد حاولت أن أجمع من أحاديث النبي بعض القصص فوجدت في مسند الإمام أحمد النبي طرح أسئلة على أحد المشركين اسمه حصين، فقال يا حصين كم إلهاً تعبد اليوم؟ قال سبعة في الأرض وإلهاً في السماء فقال النبي فإذا أصابك الضيق فمن تدعو؟ قال الذي في السماء، قال فإذا هلك المال فمن تدعو؟ قال: الذي في السماء، قال فيستجيب لك وحده وتشركهم معه؟! هذه لا يقبلها العقل! طالما هو الذي يستجيب لك فلماذا تُشرك معه الذين في الأرض؟! قال أما رضيته أو (كلمة نحوها) تخاف أن يُغلب عليك؟ قال حصين لا واحدة من هاتين وعرفت أني لم أكلِّم مثله فقال يا حصين أسلِم تسلم قال إن لي قوماً وعشيرة فماذا أقول لهم؟ قال قل اللهم إني أستهديك إلى أرشد أمري وأستجيرك من شر نفسي علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علماً ينفعني، فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم (هذه القصة في مسند الإمام أحمد وفي سنن الترمذي). وهذه الحادثة ولها نظائر وأذكر أني وجدت كتاباً عن أدب السؤال في السنة النبوية تكلم عن السؤال الذي كان يطرحه النبي على الصحابة كان يطرح عليهم الأسئلة بعد الصلاة وكان يطرح الأسئلة على الأطفال لأن أسلوب طرح السؤال والنقاش والحوار يفتح لك منافذ ويجعل المسؤول يتشوق للجواب مثلاً عندما يقول النبي : شجرة مثل المؤمن ما هي هذه الشجرة؟ فالصحابة كل واحد ذهب فكره إلى شجرة فذهب الناس في شجر البوادي (كما قال عبد الله بن عمر) فلما قال النبي هي النخلة فقال عبد الله بن عمر لأبيه والله كدت أن أقولها، فقال لو قلتها. فقه السؤال وأسلوب السؤال والحوار موجود في القرآن الكريم بكثرة كما في هذه الآيات التي معنا، النبي كان يسأل المشركين من خلق السموات والأرض؟ وهذا أسلوب رائع حتى عند الملحدين، يكفي أن تشكك الملحد في إلحاده وتلفت نظره إلى أن الله هو الخالق وهو الرازق وهو الذي يدبر الكون وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، هذا في حد ذاته يكفي لأن تدفع هؤلاء إلى البحث والسؤال والذي يقرأ في كتب الفيزياء والأحياء يجد نظريات الإلحاد منتشرة في هذه الكتب وتجد أنهم يقولون دائماً: غضب الطبيعة، الطبيعة فعلت، الطبيعة تريد أن تنقي نفسها بنفسها ويحاولون أن يطمسوا أيّ أثر يدل على أن الله هو الخالق. ولذلك تعجبني أبيات لأبي نواس بمجرد أن نظر إلى الطبيعة الجميلة يقول:
                              عيونٌ من لجينٍ شاخصاتٌ بأهداب هي الذهب السبيك
                              على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك
                              خلق الله والله يقول في سورة لقمان (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ (11))
                              وأيضاً الأبيات المشهورة:
                              فيا عجباً كيف يعصي أم كيف يجحده الجاحد
                              وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
                              نسأل الله أن يرزقنا الإنابة والتوحيد له وأن يوفقنا للإجابة عن هذه الأسئلة الكبرى التي حيرت البشرية ونجدها في القرآن الكريم (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) الذاريات) هذا سؤال حيّر البشرية حتى جاءهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ودلوهم على الطريق ولا يمكن أن نصل إلى الحق إلا من هذا الطريق. نسأل الله أن يهدينا جميعاً للحق.
                              سمر الأرناؤوط
                              المشرفة على موقع إسلاميات
                              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                              تعليق

                              19,937
                              الاعــضـــاء
                              231,681
                              الـمــواضـيــع
                              42,451
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X