إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • برنامج خواطر قرآنية - د. محمد المختار المهدي

    نبدأ على بركة الله تعالى مع حلقات برنامج خواطر قرآنية الذي قدّمه د. محمد المختار المهدي على قناة أهل القرآن في شهر رمضان ويتناول في كل حلقة الحديث عن جزء من أجزاء القرآن.
    ونبدأ مع الجزء الأول من القرآن الكريم الذي يشمل سورة الفاتحة وآيات سورة البقرة (1 - 141)

    تفريغ الحلقات حصريًا لموقع وصفحة إسلاميات

    برنامج خواطر قرآنية
    د. محمد مختار المهدي
    رمضان 1434هـ

    الحلقة الأولى – الجزء الأول


    من أفضل القربات أن نتدبر في آيات كتاب الله العزيز. يبدأ الجزء الأول بفاتحة الكتاب وفاتحة الكتاب تعلّمنا الأدب في بدئنا لأي عمل صالح بأن يكون بحمد الله والثناء عليه واستحضار نعمه وآلآئه واستحضار رحمته التي وسعت كل شيء واستحضار موقفنا أمامه يوم الدين وبتجديد العهد أن نكون عبدة له وحده مستعينين به وحده والدعاء له بأن يهدينا صراطه المستقيم الذي سار عليه من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقاً بعيدين عن هؤلاء المغضوب عليهم الذين عرفوا الحق وحادوا عنه وأولئك الضالين الذين لم يبحثوا عن الحق فتاهوا في طرق الغيّ والضلال.
    ثم تأتي سورة البقرة بادئة ببيان الفِرَق التي يمكن أن تنتفع بهذا الكتاب الكريم وأولها الفرقة التي كان جهاز الاستقبال عندها رائقاً ونظيفاً فتستقبل الهدى من الله ، هذه الفرقة هي التي توصَف بالمتقين. وهؤلاء المتقون حصّلوا مواصفات خاصة أنهم يؤمنون بما يأتي في هذا الكتاب من غيبيات لا يستطيع العقل أن يُدركها ولا الحسّ من أمثال الغيب الماضي في حديث القرآن الكريم عن الملأ الأعلى وعن رسل الله الماضين أو عن الحاضر حين يتحدث عن السموات السبع والأراضين السبع والعرش والكرسي والجنة والنار وعن المستقبل في أهوال يوم القيامة فهم يؤمنون بالغيب كله. ثم إنهم يؤمنون أيضاً بما أنزل الله على محمد وعلى الرسل السابقين جميعاً لا تفرقة بين الرسل أجمعين. ثم هم أيضاً يؤدّون ما أوجبه الله عليهم فيقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، ثم إنهم يوقنون بالجزاء في يوم الدين هؤلاء هم الملفحون وهم المنتفعون بهدي القرآن الكريم. أما غيرهم ممن انطفأ النور في قلوبهم وكان هناك ضلال في عقولهم فجهاز الاستقبال عندهم معطّل فلا يستطيعون أن ينتفعوا بهذا الوحي المبارك. أما أولئك المذبذبون الذين يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويستجيبون لما يمليه عليهم شياطين اليهود من هذه الحيرة التي تنتابهم من أنهم يقولون للمؤمنين ما ليس في قلوبهم ويدعون أنهم مصلحون مع أنهم مفسدون ويستكبرون على خلق الله هؤلاء في حيرتهم واضطرابهم كمن جاء له النور ورأى من أعدائه المتربصين به ثم انطفأ النور وهو لا يستطيع أن يدافع عن نفسه ضد هؤلاء الأعداء. ويخاطب القرآن الكريم كل هذه الأصناف: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ويبين لهم استحقاق الله لهذه العبادة لأنه خلق ورزق وهو الذي سخّر كل ما في السموات والأرض وكرم هذا الإنسان حينما علمه الأسماء كلها وحينما استقبل هذه الأسماء واستوعبها استطاع أن ينقلها إلى الملائكة فكانت له ميزة التعلّم والتعليم وبهذه الميزة كان أهلاً لأن يكرّم فأسجد له الملائكة وأدخله الجنة يتبوأ منها حيث يشاء لكنه اختُبر في هذه الجنة حينما أمره الله أن لا يأكل من هذه الشجرة فأغواه إبليس اللعين وأقسم له بالله أنه من الناصحين فغوى وعصى آدم ربه ثم تاب عليه الله وأخرجه من الجنة خليفة في الأرض خليفة لغيره يعبد الله بما أوحى عليه وما أنزل عليه من الهدى. لكن هناك فريقاً من بني آدم لم يستجب لهذا الهدى وهم بنو إسرائيل بالرغم من أنا أبهم إسرائيل كان نبياً مرسلاً وكان عابداً لله وأوصى أبناءه بأن يكونوا مسلمين عابدين لله ولكن هؤلاء الذرية كانوا على خلاف منهج أبيهم تماماً. ولما أرسل الله إليهم سيدنا موسى ناصبوه العداء وآذوه وطلبوا منه المستحيلات وتباطأوا في تنفيذ أوامر الله وكانت قصة البقرة خير دليل على هذا التلكؤ والتباطؤ، فقصة البقرة التي سميت السورة باسمها تنبيهاً للأمة المحمدية أن لا تكون مثل هؤلاء لأن طبيعتها أن تسمع كلام الله فتنفذه فهي شعارها سمعنا وأطعنا لكن شعارهم كانا يقولون سمعنا وعصينا. أمرهم سيدنا موسى نقل إليهم أمر الله (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً (67))؟ أين الهزو وهم ينقل لهم أمر الله لهم؟! ثم بدأوا يطلبون: ما هي؟ ما لونها؟ إن البقر تشابه علينا، ثم ذبحوها وما كادوا يفعلون! هذه القصة تنبئ عن هذه الطبيعة التي لا تريد أن تستجيب لأمر الله . ووضعوا من الشبهات أمام الإسلام والمسلمين وأمام نبينا محمد كانوا يقولون إن الله قد ختم الرسالات بسيدنا موسى وختم الكتب بالتوراة ولن يأتي بعد موسى رسول ولن يأتي بعد التوراة كتاب فمعجزات الله كانت مع موسى باليد والعصى وتسع آيات ولكن الله رد عليهم وقال (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)). وهنا ينبههم أن الله قد أعطى محمداً من الآيات ما يفوق الآيات التي أعطاها لسيدنا موسى وينبهنا إلى دجلهم وكذبهم وافترائهم بأنهم قالوا عن سيدنا سليمان أنه رجل ساحر وأن ملكه كان عن طريق السحر فينفي رب العزة عن عبده ونبيه سيدنا سليمان هذا الوصف الشائن فقال (وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ (102)) ويحذرنا رب العزة من أن نستخدم السحر لأنه كفر بالله . ثم ينبهنا أيضاً إلى مكائدهم المستمرة على الإسلام والمسلمين وذلك يدعونا إلى أن لا نطمع أن يؤمنوا برسولنا لأنهم زيفوا وكذبوا على الله فهل يكذبون على الله ثم نثق بهم (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75))؟! ثم مع ذلك أيضاً جاءهم موسى بالآيات والبينات فكفروا بها وبمجرد أن تركهم عبدوا العجل (وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92)). ثم بعد ذلك نراه يتحدث إليهم ويذكّرهم بأبيهم يعقوب وبجدّهم سيدنا إبراهيم فيذكّرهم بأن يعقوب حينما جاءته الوفاة جمع أبناءه (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)) وكذلك كان موقفه جدهم سيدنا إبراهيم إذ قال له ربه أسلِم قال أسلمت لرب العالمين (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)). وأرشد المسلمين إلى أن يقولوا نحن نؤمن بنبينا ونؤمن بكل الأنبياء السابقين فإن أردتم أن تدخلوا في هذا الدين الذي يصدّق ما بين أيديكم مما تتلونه من كتب الله فهذا محمد قد تسلم الرسالة لأنكم عجزتم عن حملها وعن تبليغها بهذه المواقف التي وقفتموها ضد أوامر الله وضد رسل الله . هذا هو محمد الذي يصدق ما بين يديه ويكون خاتماً حقيقاً للأنبياء والرسل ويكون رسولاً للعالمين. ندعو الله أن يجعلنا من أمته وأن يستخدمنا لنشر هدايته على العالمين.
    http://www.youtube.com/watch?v=baoLJDBtmq0&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=1
    سمر الأرناؤوط
    المشرفة على موقع إسلاميات
    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

  • #2
    برنامج خواطر قرآنية
    د. محمد مختار المهدي
    رمضان 1434هـ
    الحلقة الثانية – الجزء الثاني


    http://www.youtube.com/watch?v=TXcohsEUmzY&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=2


    طمعاً في الحصول على أجر التدبر لآيات الله نتحدث اليوم عن الجزء الثاني من كتاب ربنا من سورة البقرة حيث يبدأ هذا الجزي ببيان وفضح المؤامرات التي كانت تحاك لرسول الله وما زالت تحاك من هؤلاء اليهود إلى وقتنا الحاضر وستستمر إلى يوم القيامة. لقد منح الله هذه الأمة ميزة لم تكن لغيرها من الأمم فجعل قبلتها هي الكعبة أول بيت وضع للناس في الأرض وقبل أن يحوّل القبلة إليها كان قد أمر نبينا حين فرض عليه الصلاة بأن يتجه إلى بيت المقدس ليقول للناس جميعاً بأنه يسير في فلك الرسل والأنبياء السابقين ولينزع العصبية للبيت الحرام عند قريش، إنهم يتجهون إلى بيت الله وليس إلى بيت آبائهم (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143)) لكن هؤلاء السفهاء قالوا إذا كان يتبع قبلتنا فلماذا لا يتبع ديننا؟ وحينما حوّل الله القبلة إلى الكعبة قالوا لماذا ترك قبلتنا مع أن هؤلاء الذين يصلّون إليها بطلت صلاتهم فردّ الله عليهم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143)) وحوّل الله الكعبة إرضاء لسيدنا رسول الله (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (144)) وحثّ الأمة كلها أن تتجه إلى البيت الحرام حيثما ما كانوا حتى يقطع حجة بني إسرائيل عليهم.
    ثم بيّن لنا أيضاً أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله لأن الصحابة كانوا يتحرجون من أن يطوفوا بين الصفة والمروة لما كان عليهما من أصنام في الجاهلية فأزاح الله تعالى عنهم هذا العبء وهذا الحرج (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)). ونبههم إلى هذه المخلوقات والملكوت الأعلى أن يتفكروا فيها ليعرفوا عظمة الله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)) فهل من فعل كل هذا نجعل له ندّاً ونظيراً من الأصنام أو من البشر أو ما إلى ذلك (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ (165)).
    ثم تتحدث الآيات عن تيسير الله للأمة المحمدية في أن فرض عليها بعض العبادات التي تزكي نفوسهم من الصيام والصلاة والزكاة والحج إلى بيت الله الحرام وما يسّره عليهم في أداء هذه العبادات. فتحدثت الآيات عن البر وأنواع البر. نعلم أن البر عطاء لكن الله يحدثنا عن أنواع كثيرة من البر ومنها العبادة (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)). (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ليست مسألة الإتجاه إلى القبلة هو البر (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) أركان العقيدة ثم أقام الصلاة وأنفق من ماله للفقراء والمساكين واليتامى وأعطى كل ذي حق حقه (وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ)، هذا هو البر الحقيقي الذي يطلبه الله تعالى من البشر.
    ثم تأتي فريضة الحج التي تزكّي النفس وتجعل كل العبادات والمناسك لله (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ (196)) لا بد أن تكون لله ويفصل تلك المناسك في هذه الآيات الكريمة. ونبينا طبقها في دنيا الواقع وقال لأمته: خذوا عني مناسككم.
    وجاءت بعض التشريعات الأخرى التي تضبط حركة الحياة للمسلم ففرض الله القصاص (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)) والغريب في الأمر أن الله يجعل الهدف من وراء القصاص الوصول إلى التقوى كما يجعل الهدف من الصيام الوصول إلى التقى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)) التقوى هي الأساس أن تتقي الله ، أن تتقي غضبه وأن تتقي عذابه وأن تسعى إلى رضوانه فتنفيذ أوامر الله يوصلنا إلى هذه التقوى وإذا جاءت التقوى جاءت السعادة للمجتمع كله (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (3) الطلاق).
    ثم أرشدت الأمة إلى أن تتخذ من الأهلة ومن منازل القمر مواعيد لأداء العبادات (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (189)) لأننا نصوم في رمضان ولا نصوم في شهر أغسطس ونحج في شهر ذي القعدة وشهر ذي الحجة ولا نحج في شهر أكتوبر فالأهلة الأشهر العربية هي المعتمدة عن الله .
    ثم حرّم علينا الخمر لما فيها من عدوان على العقل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا (219)) وحرّم علينا أيضاً أن نتزوج من المشركات لكن أباح لنا أن نتزوج من الكتابيات من أهل الكتاب من اليهود والنصرى بشرط واحد أن تكون هذه المرأة الكتابية عفيفة وتريد الإحصان ويريد الإنسان المسلم أن يحصّن نفسه أيضاَ فلا مانع إطلاقاً من أن يتزوج المسلم من كتابية.
    وتتحدث الآيات عن العلاقات بين المسلم وأخيه المسلم وغير المسلم.
    وتبين الآيات أيضاً قواع الاستقرار في الأسرة المسلمة فتنهى عن عملية الطلاق المستمر وتعطي فرصتين فقط (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ (229)) ولا بد أن يحرص المرء المسلم على أن يحترم الكلمات الشرعية (وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا (231)) كثير من المسلمين الآن يتهاون في إطلاق لفظ الطلاق ويجعله يميناً مع أن الطلاق لفظ جعله الله للفرقة بين الزوج وزوجه وحدده (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)) وناشدت كلاً من الزوج والزوجة أن يراعي مشاعر الآخر وأن يعيشوا في أمن وأمان واستقرار. ثم أوجبت على من طُلّقت أن تتولى رضاعة أبنائها حتى لو كانت مطلقة (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ (233)) فالرضاعة الطبيعية حق للطفل لا ينبغي أن تتركه الأم حتى لو كانت مطلقة لكن على الأب أو من يتولى أمر هذا الطفل أن ينفق على هذه المرضعة (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ (7) الطلاق) فإذا امتنعت هذه المطلقة عن إرضاع الطفل كان على ولي أمر هذا الطفل أن يسترضع أن يأتي برمضع آخر لأن هذا حق ثابت للطفولة وهذا من إعجاز القرآن الكريم في موضوع التنشئة الصحية البدنية للإنسان. وكذلك في موضوع الرضاعة فيه تنمية للحنان والرحمة التذي يتكتسبه الطفل من ضمه إلى صدر أمه مما ينعكس هذا الأثر على سلوكياته مع الآخرين.
    ثم حدد أيضاً في هذا الإطار أن المطلقة طلاقاً بائناً وأن المتوفى عنها زوجها كلٌ منهما له عدة لا بد من قضائها قبل أن تتزوج من آخر. ومن هنا نجد القرآن يفسّر لنا ويوضح العلاقات الطيبة التي تجعلنا نعيش في أمن وطمأنينة وأن نجعل عبادات الله تزكية لأرواحنا واستقراراً لأوضاع مجتمعنا وهذا هو الإسلام.
    سمر الأرناؤوط
    المشرفة على موقع إسلاميات
    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

    تعليق


    • #3
      برنامج خواطر قرآنية
      د. محمد المختار المهدي
      رمضان 1434هـ
      الحلقة الثالثة – الجزء الثالث


      http://www.youtube.com/watch?v=A76dAp1jQls&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=3


      مع الجزء الثالث من كتاب الله من سورتي البقرة وآل عمران. يبدأ هذا الجزء بحديث القرآن عن رسل الله الذين اختارهم ربنا لهداية البشر والله أعلم حيث يجعل رسالته ولكن هؤلاء الرسل متفاوتون وليسوا سواء فقد فضل الله بعضهم على بعض (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ (253)) وحثّنا مباشرة على الانفاق في سبيل الله قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ). ثم تأتي آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله هذه الآية التي يهرب منها الشياطين والتي أوصانا النبي أن نقرأها دائماً في صباحنا ومسائنا وبعد صلاتنا لأنها تتعلق بعظمة الخالق سبحانه وبأسمائه العليا وصفاته السامية (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) ثم من كانت هذه صفاته وهذه أسماؤه وهذه آثاره لا بد أن يُطاع وأن يُعبد لكن هناك أناساً يكفرون بالله فيضع القرآن الكريم أمامهم مصير الكافر ومصير المؤمن ويقول لهم لن أكرهكم على الدخول في الدين ولكن كلٌ يتحمل مسؤولية عمله (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أما أولئك الذين يكفرون بالله فليس لهم إلا عذاب الجحيم. هؤلاء الكفرة الذين لم يعبدوا الله ولم يستجيبوا لوحيه مثلهم كمثل هذا الملك الذي جاءه سيدنا إبراهيم يشرح له عبادة الله فيقول له (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ) فيقول هذا المتغطرس وأنا أحيي وأميت، أحكم على اثنين بالاعدام ثم أعفو عن واحد وأبقي الآخر فأنا أحييت هذا وأمتّ هذا، لم يجادله سيدنا إبراهيم بذكائه وفطرته ولكن قال له فالله الذي ندعوك إليه (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
      ثم يضع أمامنا القرآن الكريم قصة سيدنا إبراهيم في موضوع الإحياء والإماتة فيقول لربه (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى) وهذا السؤال لا ينبغي أن يكون من البشر ومن هنا قال له الله (قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) فكلّفه الله بأن يأتي بأربعة من الطير يعرف مواصفات كل طير منها ثم يقطّعها أجزاء ويضع هذه الأجزاء فوق الجبال المتناثرة ثم يدعوها فإذت بها تأتي إلى سيدنا إبراهيم سعياً وينضم كل جزء إلى الآخر وتأتي هذه الطيور الأربعة إلى سيدنا إبراهيم أحياء هنا يقول سيدنا إبراهيم عن هذه التجربة أنه آمن بالله واطمأن قلبه.
      يدعونا القرآن الكريم ما دام الله هو الذي يحيي ويميت وهو الذي يرزق وهو الذي بيده كل شيء فعلينا أن ننفق مما آتانا الله ويضع أمامنا جزاء لهذا الإنفاق (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي أن الصدقة يمكن أن تصل إلى سبعمائة حسنة ومع هذا أيضاً هناك مضاعفة لهذه الحسنة لكن بشرط أن تكون هذه النفقة من غير ضرر ولا أذى للمتصدَّق عليه فالكلمة الطيبة أفضل من إعطائك مالاً تمنّ به على السائل (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) وإذا منّ الإنسان بما أعطاه للفقير فإن صدقته تُحبط ولا أثر لها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) لأن هذا معناه (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) إذن أنت تعطي ليس لله وإنما لكي يقول الناس عنك أنك كريم وليقول هذا المعطى بأنك سيده وأنت قد أخذت المال من رب العزة وتعطيه لعباد الله .
      ثم تحدث القرآن عن أن الإنسان المسلم ينبغي أن يعطي تلك النفقات سراً أفضل حتى ينجو من مسألة الرياء لكن إذا كانت الصدقات واجبة كالزكاة مثلاً وإعلانها سيشجع غيره على أدائها فلا مانع من الإعلان (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ). ثم أنت عليك نفسك (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) فلا تُذهب نفسك على هؤلاء الضالين حسرات (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء) (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) الله يعطي على الصدقة أمثال أمثالها من فضله العظيم.
      ثم يتحدث القرآن عن المقابل لهذه الصدقة أولئك الذين يرابون يتخذون الربا وزيادة المال في مقابل الزمن هؤلاء عندهم جشع وعندهم سُعار يصل بهم إلى درجة الذي يتخبطه الشيطان من المسّ وقد حرّم الله الربا وأحل البيع، لكنهم في الجاهلية كانوا يقلبون الأوضاع فيقولون إن البيع مثل الربا. الأصل هو البيع لكنهم كانوا يقولون الأصل هو الربا كما يحدث الآن في الرأسمالية الجشعة التي تجعل الربا والفائدة هي الأساس في الاقتصاد فالقرآن هنا يعيب عليهم (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) ويتحدث عن المرابي (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) الذي يتصدق يتصور أنه يُنقص ماله والذي يرابي يتصور أنه يزيد ماله ولكن الله على عكس ذلك يربي الصدقات ويمحق الربا. ثم تأتي الآية الكريمة التي جاءت في نهاية هذا النهي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ثم يهدد ويحذر المرابين بأنهم سيتعرضون لحرب من الله ورسوله (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ). ثم تأتي آية المداينة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) يوصينا القرآن الكريم بالاستيثاق من الدين بالرغم من أن ذكمم الناس وإيمانهم كان عظيماً لكن لا بد من الاستيثاق بالكتابة وبالشهود لكن إن أمن بعضنا بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته. ثم تُختم سورة البقرة بآية تتحدث عن كتابة الله لكل ما يصدر عن الإنسان بل وما يفكر فيه (لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ) هنا يقلق الصحابة لا يستطيعون أن يتحكموا في خواطرهم فيقول الله (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) هذه هي سِمة المسلم.
      ثم تأتي سورة آل عمران لتناقش نصارى نجران الذين كانوا يدّعون بألوهية سيدنا عيسى، فتقول لهم إن عيسى هو ابن مريم ومريم بنت عمران وعمران رجل تعرفوته إذن عيسى من أسرة بشرية ترونها وتعلمونها فكيف يكون إلهاً؟! ومن الذي كان يرعى البشرية قبل أن يأتي عيسى إلى الأرض؟! ولكن هذه السورة تبدأ بتوحيد الله (اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) لم ينزل القرآن فقط بل وأنزل التوراة والزبور والانجيل وكلها كتب من عند الله لكن هناك أناساً يتعمّدون أن يأخذوا من هذه الكتب ما هو متشابه عليهم لا يعقلونه يريدون أن يضلوا الناس (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) وتتحدث الآية أيضاً عن معجزة الله في لقاء نبيه محمد بأعدائه في أهل بدر (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ) وتأتي الآيات بعد ذلك تحدثنا عن قصة سيدنا عيسى ابن مريم (إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) إن الله اصطفى آل عمران لأن منهم السيدة مريم البتول الطاهرة التي حفظت فرجها وجعلها الله خير نساء العالمين وجاءت بسيدنا عيسى روح الله الذي جاء بلا أب تأكيداً لمقدرة الله وطلاقة القدرة الإلهية بأن يأتي بما يشاء بقوله كن فيكون، جاء ليعلّم الناس الحكمة والتوراة والانجيل وليحلّ لبني إسرائيل بعض ما حُرّم عليهم وينبئهم بما تُخبأ عنهم من عالم الغيب وجاء عيسى ولكن أحسّ منهم الكفار (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) من هنا كان هؤلاء الأنصار هم المبلِّغون لرسالة سيدنا عيسى وندعو الله أن يجعلنا من أنصار رسول الله محمد بن عبد الله لنبلِّغ رسالته إلى العالمين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
      سمر الأرناؤوط
      المشرفة على موقع إسلاميات
      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

      تعليق


      • #4
        برنامج خواطر قرآنية
        د. محمد المختار المهدي
        رمضان 1434هـ
        الحلقة الرابعة – الجزء الرابع


        http://www.youtube.com/watch?v=QRD6s_J7lrk&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=4


        الجزء الرابع في سورتي آل عمران وآيات من سورة النساء. يبدأ هذا الجزء بالحديث عما وضعه بنو إسرائيل أمام رسول الله الذي كان يقول إن ملتي هي ملة إبراهيم فقالوا له إن إبراهيم كان يحرّم لحوم الإبل وألبانها وأنت تُحلّ لحوم الإبل فكيف تكون على ملّته؟! فكذبهم الله في ذلك وأرشد إلى أن من حرّم لحوم الإبل هو يعقوب، هو إسرائيل نفسه هو الذي حرّم على نفسه هذا الطعام وكان أحبّ شيء إليه فحرّمه الله تعالى عليهم (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) ثم تحداهم وقال (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ). ثم تحدث عن إبراهيم الذي ينتسبون إليه أنه أول من رفع قواعد البيت الحرام، الكعبة المشرفة (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) البقرة) اسماعيل وليس اسحق اسماعيل هو الذي ساعد أباه في رفع قواعد البيت مع أنهم كانوا يبنون بيت الله إلا أنهم كانوا في نهاية الخضوع لله وكانوا يدعون أن يتقبل الله منهم وأن يجعلهم من المسلمين (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) البقرة). ولكن بني إسرائيل هؤلاء الذين كان المفروض أن يسيروا على نهج آبائهم يقفون بالمرصاد أمام دعوة رسول الله فيريدونها أن تكون عوجا (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا) (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ (211) البقرة) ولكنهم يبدّلون آيات الله ، يعاتبهم الله ويسألهم لماذا يصرّون على أن يجعلوا طريق رسول الله عوجاً وأنهم يضعون العراقيل في سبيل وحدة المسلمين ويفرقون بينهم. ثم إن هؤلاء الذين يسعون في آيات الله وفي دعوة رسول الله لن يبلغوا ما يريدون مطلقاً لأن الله هو ناصر الرسول وناصر دعوته. ثم إن هؤلاء كانوا فِرَقاً أكثرهم فاسقون لكن ليسوا سواءً، كيف تكون الأمة حذِرة أمامهم من هذه المكائد وهذه المؤامرات؟ أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم) لكنهم لم يؤمنوا فيحذّرنا ربنا من مكرهم وأنهم قد ضربت عليهم الذلّة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس، إذا سألنا عن حبل الله قال الله في آية أخرى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ) فحبل الله هو كتاب الله لو أن يدنا قد تهاونت في الاعتصام بحبل الله ثم هم مدّوا حبل الناس والدول الأخرى وأغروهم بالمال وبالإعلام انقلبت ذلتهم إلى عزة فعلى الأمة إذن أن تتخذ من الوسائل ما يجعلهم أذلة والوسائل هي أن تعتصم بكتاب الله وأن تُخذّل بينهم وبين القوى الأخرى التي تساعدهم لأنهم جبناء لا يستطيعون أن يقفوا أمام المسلمين فيستعينون بغيرهم، ومع هذا يقول القرآن (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).
        وتضع الآيات القرآنية أمام المسلمين قصة غزوة أحد التي لم يسمعوا فيها كلام رسول الله ولجأوا إلى البحث عن الغنائم فهُزموا شر هزيمة وعصوا ثم أدركهم الله في نهاية الأمر بعد أن استفاقوا وعلموا خطأهم وتاب عليهم (إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) هكذا القرآن الكريم يدعوهم إلى هذا الاعتصام ليأتي النصر لأن النصر ليس إلا من عند الله . ويذكّرهم بما حدث منهم من هرج ومرج عندما أشاعوا أن النبي قد قُتِل فبدأ بعضهم يهرب ويفرّ من المعركة فيقول الله (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) هذه الآية الكريمة التي تمثّل بها سيدنا أبو بكر بعد وفاة رسول الله ليردّ على عمر الذي لم يكن مصدقاً أن النبي قد مات فقال سيدنا أبو بكر: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. ثم أن من كان مؤمناً بمحمد فليقاتل على منهج محمد كذلك كان المناصرون لرسل الله (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ). وفي هذا الإطار يضع القرآن الكريم أمامنا نهاية الشهداء وأنهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) وهذا تطمين لأهالي الشهداء الذين استشهدوا في غزوة أحد فهم قد اختارهم الله عنده أحياء في جنة ربهم. ثم يتحدث القرآن الكريم عن الابتلاءات التي تنتظر الأمة من أهل الكتاب ومن المشركين فيقول (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا) ولكن عندكم العلاج (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ). ثم يضرب الله لنا الأمثال فيمن كان يخاف من عدوّه فأماته الله من غير قتال وتتحدث الآيات في ختام هذه السورة الكريمة عن فضل التدبر والتفكر في خلق الله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ) فشأن المؤمن دائماً أن يكون ذاكراً لله بقلبه وبلسانه وبأعماله (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ويستمر المؤمن داعياً ربه أن يتقبّله وأن يجزيه على إيمانه خيراً.
        ثم تأتي سورة النساء وسورة النساء مهمة جداً في هذا المجال لأن الأسرة المسلمة متوائمة منسجمة متوادّة متراحمة يكون المجتمع كله قوياً ويكون متحابّاً أيضاً. ولأن بني إسرائيل كانت فتنتهم الأولى في النساء فجاءت السورة لتبين لنا كيف تكون المعاملة مع النساء وسيلة للمتعة ووسيلة أيضاً للاستقرار ومحضناً صالحاً لتربية الأطفال. وتحدثت السورة عن اليتامى وعن حقوق اليتامى وتحدثت عمن يريد ظلم اليتامى بأن يكون هو وليّ أمر لهذه الفتاة فيريد أن يزوّجها لابنه حتى يهضمها حقها فيقول الله لماذا تصرّ على الزواج من هذه اليتيمة وقد أبحتُ لك أن تتزوج اثنين وثلاثاً وأربعاً من غيرهنّ فلماذا تظلم هذه الفتاة اليتيمة؟ لا بد أن تعطي ما لليتامى من من حقوق وأن تتقي الله في ذلك لأن من يأكل مال اليتيم كأنما يأكل النار. ثم بعد ذلك تأتي الآيات لتنظم حركة الميراث وتعطي كل وارثٍ حقّه وتجعله فريضة محكمة لا يتحكم فيها أحد سوى رب العزة (فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)) هذا هو ما شرعه الله للأمة حتى تكون خير أمة أخرجت للناس.
        سمر الأرناؤوط
        المشرفة على موقع إسلاميات
        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

        تعليق


        • #5
          برنامج خواطر قرآنية
          د. محمد المختار المهدي
          رمضان 1434هـ
          الحلقة الخامسة – الجزء الخامس


          http://www.youtube.com/watch?v=N0quuX0wr0I&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=5


          من آيات سورة النساء وقد حددت سورة النساء في أولها ما يباح للإنسان بالزواج من اثنتين وبثلاث أو بأربع بشرط العدل بين هذه الزوجات فإن خاف الإنسان من عدم العدل فعليه أن يكتفي بواحدة وفي هذا الجزء ينبهنا القرآن الكريم عن المحرّمات من النساء سواء كان عن طريق النسب أو عن طريق الرضاعة أو عن طريق المصاهرة فيبدأ أولاً بتنبيهنا على حرمة زوج الأب (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) ثم يثنّي بمحرّمات من النسب (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ) ثم من الرضاعة (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ) فمن ناحية المصاهرة تحرُم على الإنسان أم زوجته وزوجة ابنه والربيبة التي هي بنت زوجتك من رجل آخر وتنتهي المسألة بالمحصنات من النساء لأن من كانت متزوجة بآخر فهي محرّمة عليك أيضاً. ثم يحث الإسلام كلٍّ من الرجل والمرأة بالزواج العفيف الطاهر ويحدد واجبات الرجل وواجبات المرأة فعلى المرأة أن تطيع زوجها وأن تكون قانتة لله أولاً ثم لأبيها وأمها فيما قبل الزواج فإذا تزوجت انتقل القنوت وهو الطاعة في خضوع ورضى وسعادة إلى زوجها (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ) فإذا خرجت المرأة عن طبيعتها الأنثوية والتي فيها هذه الطاعة وبدأت تقف على نشز من الأرض وتدعي لنفسها ما ليس لها إن خاف المرء من نشوزها فعليه أن يتدرج في علاج هذا النشوز فعليه أولاً بعظتها وتبيين الجزاء الأخروي والدنيوي على طاعة زوجها التي قال عنها نبينا : إذا صلّت المرأة خمسها وصامت شهرها وأطاعت زوجها دخلت جنة ربها من أيّ أبواب الجنة شاءت". ويحذرها أيضاً من أن هذا العصيان فيه غضب الله فإذا فاءت ورجعت إلى طبيعتها فبها ونعمت وإلا هجرها في المضجع وليس هجر المضجع لا بد أن تكون معه في فراش واحد ويُعرض عنها فذلك ضرب لأنوثتها ثم إن لم تستجب فعليه أن يضربها ضرباً غير مبرح تنبيهاً لها على أنها بسلوكها ذاك ستهدم الأمر كاملة فإذا لم تستجب أيضاً فلا بد من حكم من أهله وحكماً من أهلها ليتبين كلٌ منهما من المخطئ ومن المصيب فإن كان لديهما نية للإصلاح يوفق الله بينهما.
          ثم تتعرض الآيات الكريمة إلى العلاقات الإنسانية التي تبدأ بعد عبادة الله بالإحسان إلى الوالدين وإلى ذي القربى واليتامى والمساكين والجيران الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب أياً كان هذا الصاحب الصديق سواء كان في سفر أو في زمالة في العمل كل هؤلاء لهم حقوق وهذه الحقوق تأتي مباشرة في درجتها بعد عبادة الله . ويتوجه القرآن الكريم إلى بني إسرئيل وهم أهل الكتاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً) تهديد ووعيد لأهل الكتاب الذين يمتنعون عن الإيمان بمحمد الذي جاء مصدّقاً لما معهم.
          ثم تأتي الآيات بعد ذلك مشيرة إلى مبدأ خطير في كيان الأمة المحمدية وهو تحقيق العدالة في المجتمع بمعنى أن يحرص المرء على أن يعدل بينه وبين زوجته، بينه وبين أولاده، بينه وبين غيره فهذه إرادة الله وأمره (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ) فإذا حدث خلاف فالمردّ والمرجع هو الله أيّ اختلاف بين المؤمن وأخيه المؤمن أو بين المؤمن وغيره فالمرجع هو الله كتابه وسنة رسوله . ثم علينا الطاعة لأولياء الأمور وهنا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) لم يقل القرآن ووليّ الأمر وهذا معناه أن الإسلام لا يشجع أن يكون هناك فرد واحد يُلزم الناس جميعاً ديكتاتور ولكن لا بد أن تكون قيادة الأمة لأولي الأمر وأولي الأمر يشمل فيما يشمل العلماء والحكماء وأهلّ الحل والعقد ورئيس الدولة إذا كان ملتزماً بأمر الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم يشير القرآن الكريم أن طاعة رسول الله هي من طاعة الله فما أرسل الله الرسل إلا ليطاعوا بإذن الله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ) (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) ثم إن هذه الطاعة لا بد أن تكون عن رضى وقناعة (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا) (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (51) التوبة) هذا هو مسلك المؤمن مع أوامر الله . ثم حتى لو أطعتم ربكم وتمسكتم بسنة نبيكم فإن أعداءكم لن يتركوكم فلا بد أن تحافظوا على كرامتكم وعلى عزتكم واستقلالكم (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ما دام مدافعاً عن دينه وعرضه ووطنه فهو شهيد وهو عند الله حيٌّ يُرزق.
          ثم إنه وعد الله بأن كيد الأعداء كيد ضعيف وكيد الشيطان أيضاً ضعيف مع المؤمن التقي المرتبط بربه .
          وتستمر الآيات في عرض ما عند المنافقين من مؤامرات وكيد لهؤلاء المؤمنين بالله فالقرآن الكريم يحثنا على أن نحذر هؤلاء المنافقين (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ) وهنا تنبيه من الله أن نكون يقظين لما يجري في المجتمع من هؤلاء المنافقين الذين يتولون أعداء الله ويتقربون إليهم ويلتمسون العزة عندهم ويلتمسون المال عندهم وهؤلاء المنافقون تجد عندهم أمراضاً قلبية يشتهون المنصب، يشتهون الغنى والثروة هؤلاء الذين في قلوبهم مرض. ثم عندهم وصف آخر وهم أنهم يشيعون الفساد في الأرض ويرجفون ويثيرون الشائعات التي تتسبب في الحيرة والاضطراب والقلق والبلبلة في المجتمع فالقرآن الكريم يحذّرنا من هؤلاء المنافقين.
          ثم يحدثنا القرآن الكريم عن أهمية الكلمة وآثارها (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) ثم إن الإنسان إذا وجد نفسه في أيّ بيئة من البيئات ذليلاً لا يستطيع أن يقيم حدود الله فعليه أن يهاجر (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) وحينما يحافظ الإنسان على الكلمة التي تخرج منه لا بد أن يستغلها في الإصلاح بين الناس ومن هنا كانت الآية (لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ) كلمة الإنسان لا بد أن تكون هادفة إلى خير يقدّم للأمة وللوطن إما بالإصلاح وإما بالأمر بالصدقة والحض على إطعام المساكين وما إلى ذلك. ومن هنا تأتي صفة المؤمن في أنه من البررة، البررة مع الله والبررة مع المجتمع ومع إخوانه ومع كل العالمين لأن دينه هو دين الرحمة للعالمين كما قال رب العزة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107) الأنبياء).
          سمر الأرناؤوط
          المشرفة على موقع إسلاميات
          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

          تعليق


          • #6
            برنامج خواطر قرآنية
            د. محمد المختار المهدي
            رمضان 1434هـ
            الحلقة السادسة – الجزء السادس


            http://www.youtube.com/watch?v=1JQwMLgLZes&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=6


            من أهم ما ينبغي تدبره في الجزء السادس من القرآن الكريم ما ورد فيه من الحقائق الآتية:
            للمظلوم أن يجهر بمظلمته حيت تُغلق أمامه أبواب الإنصاف أما الجهر بأعمال الخير فإن كان له تأثير في الاقتداء والانتشار فهو مطلوب وإن كان يُخشى منه الرياء والسمعة فالإسرار أفضل.
            مبادئ الرسالات السماوية كلها واحدة ومتكاملة والرسل جميعاً أمناء فيما يبلّغون عن الله فمن كفر بأحدهم أو شكّك فيما جاء به أيُّ رسول فهو من الكافرين حقاً.
            تعنَّتَ المكذّبون بالرسل وطلبوا أن يروا الله جهراً وعبدوا العجل ونقضوا الميثاق وقتلوا الأنبياء وافتروا على مريم بهتاناً عظيماً وادّعوا أنهم قتلوا المسيح ابن مريم وصلبوه وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم ورفعه الله إليه وسيؤمنون به قبل موته وسيشهد عليهم يوم القيامة، ومن أجل ذلك حرّم الله عليهم طيبات كانت حلالاً لهم.
            ما أوحى الله به إلى محمد هو ما أوحى به إلى نوح والنبيين من بعده وإلى كل من أرسله الله ممن جاء ذكره في القرآن الكريم وممن لم يجئ ذكره، والله بجلالة قدره يشهد لمحمد وبما أنزله عليه والملائكة كذلك يشهدون معه وكفى بالله شهيداً فمن كفر به وصدّ عنه فقد ضلّ ضلالاً بعيداً.
            على الناس جميعاً أن يعلموا أن ما أنزل الله على محمد هو الحقّ من ربهم وعلى أهل الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ) وليس هناك آلهة ثلاثة ولن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله والملائكة المقرّبون.
            القرآن برهان ونور من اعتصم به سيُدخله الله في رحمة منه وفضل ويهديه إليه صراطاً مستقيماً.
            من أحكام الإسلام ميراث الكَلالة والكلالة هو الرجل الذي توفي ولم يترك أصلاً ولا فرعاً فإن كان له أخت فلها نصف ما ترك وإن كان له أختان فلهما الثلثان وإن كان له إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين (يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
            بهذا تنتهي سورة النساء وتبدأ سورة المائدة.
            تبدأ بالأمر بالوفاء والعقود وبالعهود وبالوعود فالوفاء صفة الإسلام. ثم بيان ما أحلّ الله من الطيبات وما حرّم من الخبائث ومنالخبائث العدوان على حجاج بيت الله الحرام وعلى الشعائر والمشاعر ومن الخبائث أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به ومن الميتة المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما أُدرك وذُبح وسال منه الدم. ومن الخبائث أيضاً التشاؤم والتطيّر والكهانة والاستقسام بالأزلام فذلك كله فِسْق.
            وفي يوم عرفة من حجة الوداع نزّل الله وسام هذه الأمة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) وفي هذا اليوم أيضاً أحلّ الله الطيبات وأحلّ أيضاً طعام الذين أوتوا الكتاب وأحلّ لغير المسلمين طعام المسلمين كما أحلّ للمسلمين أن يتزوجوا من الكتابيات بشرط التأكد من عفّتهن وبشرط أن يكون الغرض الأساسي هو إحصان كلٍّ من الطرفين.
            ثم حينما يريد المرء أن يلقى ربه في الصلاة فلا بد أن يتطهر ويتوضأ ويغسل الأعضاء المحدّدة في كتاب الله الوجه واليدين والرأس والرجلين إذا كان ذلك متيسراً بالماء فبها ونعمت وإلا فليمسح على الوجه والكفين بالتراب الطهور وذلك تيسيرٌ من الله فما جعل في الدين من حرج.
            إقامة العدل بالنسبة للمؤمنين أمرٌ إلهي لا بد من أن يكونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسهم أو الوالدين والأقربين بل وعلى من يكرهونهم (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). تأتي هذه الآيات الكريمة تذكّر المسلمين بقصة موسى حينما طلب من قومه أن يدخلوا الأرض المقدّسة فجَبَنوا عن ذلك (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) فضرب عليهم رب العزة سبحانه الذلّ وجعلهم يتيهون في الأرض أربعين سنة. وذلك إشارة من القرآن الكريم إلى الأمة المحمّدية أن لا تكون من أخلاقها مثل هؤلاء.
            ثم جاءت قصة ولدي آدم حينما تقدّم كل منهما بقربان فتقبل الله من التقيّ فاغتاظ الآخر وطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فجعله الله تلميذاً للغراب ليواري سوءة أخيه وأصبح من النادمين. ومن أجل ذلك شرع الله القصاص ليظل المجتمع في أمن وأمان.
            ثم جاءت عقوبة الحِرابة أولئك الذين يفسدون في الأرض ويروّعون الأمناء جزاؤهم عند الله أن يُقتّلوا أو يُصلبوا إذا قتلوا وأن تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا سلبوا ونهبوا وروّعوا وأن ينفوا في الأرض إذا أخافوا الناس ولم يقتلوا ولم يسلبوا أولئك لهم خزي في الدين ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا من تاب قبل أن يقبض عليه فإن الله غفور رحيم.
            وتأتي عقوبة السارق والسارقة بقطع اليد التي امتدت إلى أموال الآخرين (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
            ثم يأتي الحديث عن رِدّة كثيرٍ من الناس بأن الله سيبعث من خلقه من يكون مُحباً لله ويُحبه الله من أخلاق النبي أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ).
            ينبئنا القرآن الكريم عن أن اليهود سيزيدهم وجود القرآن الكريم طغياناً وكفراً وأنهم كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله وأن الله ألقى العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة.
            ثم تنتهي الآيات في هذا الجزء بلعن أولئك الذين لا يتناهون عن منكر فعلوه يقول سبحانه (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79)).
            سمر الأرناؤوط
            المشرفة على موقع إسلاميات
            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

            تعليق


            • #7
              برنامج خواطر قرآنية
              د. محمد المختار المهدي
              رمضان 1434هـ
              الحلقة السابعة – الجزء السابع


              http://www.youtube.com/watch?v=kqxVlawbISA&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=7


              تحدث القرآن الكريم في الجزء السادس من هذا الكتاب العزيز عن أن مناصرة أعداء الإسلام من اليهود والنصارى نفاق وخيانة لأنهم يعتمدون على الخلق وينسون الخالق ويقولون نخشى أن تصيبنا دائرة. وأنكر اليهود حد الرجم للزاني المحصن الذي باشر العلاقة الجنسية في زواج صحيح مع أن ذلك موثّق في توراتهم وجاؤوا إلى رسول الله ليحكم بغير ما أنزل الله ولكن الله أخزاهم وبيّن أنه حكم الله في التوراة وفي القرآن ,ان ما جاء في القرآن هو مصدّق لما كان في التوراة والإنجيل من هدى ونور وأنه مهيمن على كل ما نزل من كتب السماء السابقة وأن الحكم بما أنزل الله في هذا القرآن واجب بحيث من لم يحكم بما أنزل الله فيه فهو كافر ظالم فاسق.
              وجاء الجزء السابع من القرآن بادئاً بأن عداوة اليهود والمشركين مستمرة متجددة أما النصارى فمنهم قسيسون ورهباناً وهؤلاء لا يستكبرون عن قبول الحق وأنهم إذا سمعوا ما أُنزل إلى رسول الله آمنوا به ورجوا رحمة الله .
              ثم جاءت الآيات الكريمة تبين للمؤمنين رحمة الله بهم حيث لا يؤاخذهم باللغو في أيمانهم وهذا اللغو الذي لم يقصده الحالف أساساً ولم يعزم عليه فإذا عقّد اليمين ثم خالف ما حلف عليه فعليه أن يكفّر عن يمينه بإطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم أهله أو يكسوهم فإذا عجز فعليه أن يصوم ثلاثة أيام فتلك كفارة الأيمان إذا قام بها الإنسان ولم يفِ بما وعد به.
              ثم جاء الأمر للمؤمنين أن يجتنبوا الخبائث وأمّ الخبائث وهي الخمر التي تستر العقل وتعتدي على أهم ما ميّز الله به الإنسان وأضاف إلى هذه الجريمة الميسر والأنصاب والأزلام وجعلها رجساً من عمل الشيطان وأن الشيطان يستغلها في إحداث العداوة والبغضاء بين المسلمين وإلهاء الناس عن ذِكر الله وعن الصلاة، وطلب من المؤمنين أن ينتهوا عن هذه الخبائث وأن يكونوا من العقلاء المتدبرين.
              ثم حرّم عليهم إذا كانوا مُحرمين بالحج والعمرة أن يصطادوا من صيد البر أماناً لهذا الحرم واكتفاءً بأن اباح لهم صيد البحر ما داموا حرماً وعليهم حينما يكونون في هذه الأراضي المقدسة أن يحترموا شعائر الله وأن يعظّموا الكعبة والهدي المقدّم إلى فقراء الحرم وأن يكونوا مُثُلاً ونماذج لأخلاق الإسلام.
              ثم نبّههم إلى أن سؤالهم عن ما لم يبينه الله في كتابه الكريم وسنة النبي لم يكن ذلك إلا تجاوزاً منهم حيث أن الله لم يكن ناسياً ولكنه ترك ذلك رحمة بهم. وبناء على ذلك لا ينبغي للإنسان أن يسأل ما لم يرد في كتاب الله أو سنة رسوله. والحلال هو ما أحلّه الله والحرام ما حرّمه أما المشركون الذين حرموا مما أحلّه الله بعض الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فكل ذلك افتراء على الله . على كلٍّ منا أن يقوم بما أوجبه الله عليه من مسؤوليات وإذا اهتدى فلن يضرّه أحد ممن خالفه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105)).
              ثم إذا مات الإنسان في مكان مجهول ووصّى ببعض أمواله وهناك من شهد على هذه الوصية فعلينا أن نستوثق من هذه الوصية بالإشهاد عليها وبمواجهة الشهداء بعضهم مع بعض حتى نستوثق مما وصى به الميت حيث لا بينة على ذلك إلا بالشهود.
              ونبّه القرآن الكريم عن أن الله سيجمع الجميع ومنهم الرسل يوم القيامة ليسألهم عما بلّغوه إلى أقوامهم (يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)) وسيسأل سيدنا عيسى ويذكّره بنعمته عليه وبما آتاه من معجزات في نفخه في صور الحيوان والطير فإذا به يحيى بإذن الله وفي إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وبهدايته للحواريين أن يؤمنوا به ومع ذلك فإن الحواريين قد طلبوا من سيدنا عيسى أن يُنزل الله عليهم مائدة من السماء يأكلون منها وتطمئن بها قلوبهم وتكون آية يشهدون بها ويجعلونها معجزة باقية. ومع استغراب الطلب لجأ سيدنا عيسى إلى ربه أن يُنزل عليه مائدة من السماء تكون لهم عيداً لأولهم وآخرهم ونزلت المائدة ولكن ترتّب على ذلك أن من يكفر بعد ذلك فإن الله سيعذبه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. ثم ينبّه القرآن الكريم أنه سيسأل عيسى ابن مريم يوم القيامة عما ادّعاه اتباعه بأنه أمرهم أن يعبدوه هو وأمه فسيقول سيدنا عيسى (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)) وبهذا تنتهي سورة المائدة وتبدأ سورة الأنعام.
              تبدأ سورة الأنعام بحمد الله خالق السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور خالق الإنسان من طين محدداً له أجلاً في الدنيا يتركها إلى الآخرة ومحدداً له أيضاً أجلاً آخر للحساب والجزاء في يوم الدين. ولقد طلب المكذبون بهذا أن ينزل القرآن الكريم في كتاب مسجّل من السماء مع أنهم حاقدون رافضون ولو نزل الكتاب كما أردوا ولمسوه بأيديهم لقالوا هذا سحر مبين. طلبوا كذلك أن يكون مع الرسول ملك ولو نزل الملك مع محمد لجاء في صورة بشر ولجاء اللَبْس عليهم أنه ملك أو بشر لأن الملك لا ينزل بصورته الحقيقية.
              وقد أوحى الله إلى محمد بهذه الرسالة لينذر بها قومه ومن بلغته الرسالة إلى يوم القيامة وسيحشر الجميع ويسالهم عن كل ما كُلِّفوا به . لقد كان الأولى بهم أن يسألوا أنفسهم عمّن يرزقهم ويُطعمهم وهو لا يُطعم، ألا يخافون عذاب الله وهو القاهر فوق عباده؟! ليس محمد أول من كذّب وليس في مقدوره أن يأتي بمعجزات ولو خرق الأرض أو صنع سلماً في السماء لأن ذلك كله بإرادة الله وحده، من هنا كان على الجميع أن يؤمن وأن تكون الرسالة مبلّغة إلى الجميع بالرغم أن المترفين لا يريدون الضعفاء في مجلسهم مع أن الله قد جعل هؤلاء الضعفاء جنوداً للحق فأمر نبيه ألا يطرد هؤلاء الضعفاء.
              ثم تأتي بعد ذلك قصة سيدنا إبراهيم مع الكواكب ذلك أنه وجد أناساً يؤمنون بالكواكب فوقف أمام النجم واتفق معهم على الإله لا ينبغي أن يغيب عن الخلق فلما ذهب هذا النجم وأفل قال إني لا أحب الآفلين ثم جاء القمر وأفل وجاءت الشمس وأفلت فإذا به يتوجه إلى الله (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)) وألزمهم الحجة وآتاه الله الفنّ في مخاطبة وجدال المخالفين.
              ثم يأتي بعد ذلك حديث عن قدرة الله وهيمنته الذي فلق الحب والنوى والذي فلق الإصباح والذي أنزل من السماء ماء وأنبت بهذا الماء ما يطعم به الإنسان ويعيشه فعيلنا جميعاً أن نعود إلى رب العزة الذي خلق ورزق وهيمن وأنزل ما يهدينا إلى الطريق المستقيم.
              سمر الأرناؤوط
              المشرفة على موقع إسلاميات
              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

              تعليق


              • #8
                برنامج خواطر قرآنية
                د. محمد المختار المهدي
                رمضان 1434هـ
                الحلقة الثامنة – الجزء الثامن


                http://www.youtube.com/watch?v=1QVCoV4Vj6g&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=8


                نتدبر في الجزء الثامن من كتاب الله ما ورد فيه من الحقائق الآتية:
                شياطين الإنس والجن يتعاونون في عداوة الأنبياء وما جاؤوا به ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفتروه ذلك أن الله جعل ذلك فتنة لعباده لتصغى أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون وفي النهاية مثواهم النار وبئس مثوى الظالمين.
                أنزل الله تعالى القرآن الكريم مفصّلاً حكماً بين الخلق وأهل الكتاب يعلمون ذلك ويعلمون أنها سنة الله ولا تتبدل ولكن المؤمنين ينظرون إلى أنفسهم فيجدونها قلة والقلة لا تضر المؤمنين فأكثر أهل الأرض لا يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحلق شيئاً والله أعلم بمن يستحق الهداية. فليست المسألة إذن بالكمّ والكثرة.
                لقد أحل الله للمؤمنين كل الطيبات فأحل لهم أن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ذلك أن من يذبح ما أحلّه الله يقول في بدء ذبحه: بسم الله والله أكبر، أي أنه قد أخذ الإذن ممنا خلق الحيوان ومن خلق الإنسان فليس معتدياً على هذا الحيوان والله أكبر من الإنسان والحيوان. فإذا ذكر اسم غير اسم الله وهو غير خالق لهذا الحيوان ولم يأذن به كان ذلك عدواناً على هذا الحيوان. وقد فصّل الله ما حرّم على المؤمنين إلا عند الضرورة القصوى فقد أحلّ لهم ما يحفظ حياتهم حتى ولو مما حرّم الله عليهم.
                فعليهم إذن ألا يستمعوا إلى جدال أولياء الشياطين في اعتراضهم على المؤمنين حينما يقولون كيف تحلّون ما قتلتم وتحرمون ما قتل الله ؟ لقد أحيا الله قلوباً أضاء فيها نور الإيمان وأمات بالكفر قلوباً تنكر وتتمنى أن تُعطى مثل ما أُعطي رسل الله مع أن الله يعلم حيث يجعل رسالته إن هؤلاء الذي يتمنون ما لا يستحقون سيصيبهم صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يكفرون ويمكرون ومن يرد الله به خيراً يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. إن من التزم صراط الله المستقيم له دار السلام عند ربه وما قدروا المكذبون ربهم حق قدره ولو شاء لأهلكهم ولاستخلف من بعدهم ما يشاء وكل ما توعدهم الله به آتٍ لا محالة وما يعجز الله عن شيء في الأرض ولا في السماء وسيعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون.
                لقد قسّم الكفرة الحرث والأنعام بين آلهتهم وبين رب العزة (وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا (139)) كل ذلك افتراء على الله فهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أُكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه وأحلّ لنا ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين لم يحرّم من ذلك شيئاً إلا الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير الله به ولكن الكفرة لا يرضيهم ما أحلّه الله وجزى الله اليهود ببغيهم وعدم التزامهم بما حرّم الله فحرّم عليهم ما له أظفار وشحوم البقر والغنم إلا شحوم الظهور والحوايا وما اختلط بعظم فإن أنكروا ذلك فكفى بالله شهيداً.
                ويتعلل المشركون بالقدر كما تعلل من قبلهم ولكننا نتساءل معهم هل عندهم علم بهذا القدر الذي يتعللون به أم إنهم يخرصون ويكذبون على الله ؟!
                إن هناك عشر وصايا تواترت بها كل الرسل والأنبياء: عدم الإشراك بالله ، الإحسان بالوالدين، قتل الأولاد من أجل الفقر هذا محرّم في كل الديانات، عدم القرب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق حرام في كل الديانات، عدم القرب من مال اليتيم واجب، الوفاء بالكيل والميزان فرض، العدل ولو على الأقربين من أخلاق الرسل أجمعين، الوفاء بالعهد وبالوعد، الالتزام بصراط الله المستقيم. هذه الوصايا العشر كما جاءت في كتاب الله جاءت أيضاً في كتب الرسل السابقين ولقد أوتي موسى الكتاب تماماً وتفصيلاً لكل شيء وهدى ورحمة ولكنهم حرّفوه وجاء القرآن الكريم عربياً مبيناً ليقطع حجة العرب الذين كانوا يقولون إنما أُنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين، عليهم إذن بعد أن جاءهم القرآن أن يتحدوا عليه. إن الذي فرّق الدين وجعل الأمة شيعاً ليس من الإسلام في شيء. قل يا محمد وقل يا مسلم بفخر وعزو إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملّة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين، إنه لا تكسب كل نفس إلا عليها وإلى الله المرجع والمصير.
                إلى هنا تنتهي سورة الأنعام وتأتي بعد ذلك سورة الأعراف. تبدأ بالإشادة بهذا الكتاب الذي أنزله الله لينذر به الكفرة وليذكّر به المؤمنين فعلى المؤمنين أن يتبعوه وأن يحذروا مخالفته فكم من قرية خالفت فأُهلكت وسيأتي الوزن الحق يوم القيامة فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم.
                عليهم إذن أن يحذروا من عداوة إبليس وعليهم أن يتكروا قصة بدء الخلق حينما كرّم الله آدم وأسجد له الملائكة وأبى إبليس أن يسجد فلُعِن وتوعّده الله بالجحيم فإذا به يتوعّد بني آدم (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾) إذن فهو العدو وبناء على ذلك استطاع أن يُغري أبانا آدم في الجنة وأن يجعله يأكل من الشجرة وكان هدفه الأساسي أن يُبدي لهما سوءاتهما ولكنه لم يقل لهم ذلك ولكن قال لهم إنه لا يريد لهم إلا الخير وفعلاً هبط آدم إلى الأرض ومعه إبليس العدو. يريد أيضاً أن ينزع من بني آدم هذه الزينة التي أنزلها الله لباساً من السماء وقال رب العزة لبني آدم (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا) ومن هنا استطاع إبليس أن يغري بني آدم ويغريهم بالعُري حتى إنهم طافوا بالبيت عرايا مع أن الله جعل الزينة في لقاء الله أن يلبس الإنسان أفضل ما عنده فقد أباح له كل زينة الدنيا وطيباتها ولم يحرّم عليه إلا الفواحش ولم يحرّم عليه إلا ما يفسد الأرض بعد إصلاحها.
                إن البلد الطيب يُخرج نباتاً بإذن ربه والذي خبُث لا يخرج إلا نكدا فعلينا إذن أن نجعل هذا البلد الطيب يسعد بتنفيذ أوامر الله وقد سبقت الرسل بدعوة التوحيد وكذبهم المترفون ونالوا جزاءهم في الدنيا وكذلك في الآخرة. فهذا نوح نجّاه الله وأهلك أهله بالطوفان. وهذا هود نجاه الله وأهلك قومه بالريح وهذا صالح مع قومه ثمود نجاه الله وأهلكهم بالصيحة والرجفة وهذا لوط جعل الله على قومه عاليها سافلها، وشعيب ومدين فأخذتهم الرجفة. كل هذا إنذار لمن كذّب وعاند وخالف شرع الله فلنكن جميعاً مع رب العزة ومع آياته البينات لنسعد في دنيانا وفي أخرانا والله وليه والقادر عليه.
                سمر الأرناؤوط
                المشرفة على موقع إسلاميات
                (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                تعليق


                • #9
                  برنامج خواطر قرآنية
                  د. محمد المختار المهدي
                  رمضان 1434هـ
                  الحلقة التاسعة – الجزء التاسع


                  http://www.youtube.com/watch?v=vUFSineJFp4&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=9


                  يبدأ الجزء التاسع من القرآن الكريم بقصة سيدنا شعيب مع قومه حينما هددوه بأن يخرجوه من قريته ما لم يترك دينه ويدخل في دينهم وكان هذا هو حال كل المكذبين للرسل السابقين (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴿٨٨﴾ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴿٨٩﴾ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴿٩٠﴾ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٩١﴾ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ ﴿٩٢﴾) وفعلاً أهلك الله قوم شعيب كما أهلك مَنْ قبلهم فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وهكذا كان أخذ ربنا للمكذبين بغتة وهم لا يشعرون مع أنهم لو آمنوا واتقوا لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذهم بما كانوا يكسبون. إنهم لا يأمنون مكر الله يمكن أن ينزل العذاب عليهم بياتاً وهم نائمون أو ضحى وهم يلعبون (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ﴿١٠١﴾). وتبعهم في هذا الضلال فرعون وملؤه وما طلب منه موسى إلا أن يحر قومه من الذلّ وطلب منه آية على صدقه فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين فاتهمه فرعون بالسحر وبأنه يريد قلب نظام الحكم وحشر السحرة وأغراهم بالمكافأة (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴿١١٦﴾ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴿١١٧﴾ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١١٨﴾ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ﴿١١٩﴾ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴿١٢٠﴾) وصمدوا أمام تهديد فرعون بقطع الأيدي والأرجل وبصلبهم في جذوع النخل وبدأ ينتقم من قوم موسى وممن آمن معه. وطلب موسى من قومه أن يصبروا والعاقبة دائماً للمتقين ولما شكوا إليه قال لهم (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴿١٢٩﴾) وأخذ الله فرعون وقومه بالسنين وبنقص الأموال والطوفان والجراد والقُمّل والضفادع والدم فاستكبروا فانتقم الله منهم وأغرقهم وأورث المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها ودمر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون لكن قوم موسى لم يشكروا نعمة الله عليهم فبمجرد نجاتهم من بطش فرعون ومجازاتهم للبحر وجدوا قوماً يعكفون على أصنام لهم فقالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ثم طلب موسى من ربه أن يكلمه فوعده بثلاثين ليلة وأتمها بعشر وأمّر عليهم أخاه هارون وطلب موسى في ذلك أن يرى ربه جهراً فتجلى الله للجبل وجعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً. وآتاه الله الألواح فيها موعظة وتفصيل لكل شيء وعاد موسى فوجدهم قد عبدوا عجلاً جسداً له خوار وأخذ موسى برأس أخيه هارون يجره إليه (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿١٥٠﴾) (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿١٥٤﴾) واختار موسى من قومه سبعين رجلاً ليحضروا معه مكالمة ربه فأخذتهم الرجفة وبعثهم الله وقالوا إنا هدنا إلى الله وتبنا فقال الله (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٥٦﴾ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٥٧﴾). هذه قصة بني إسرائيل وهذا عهد الله إليهم أن يؤمنوا بخاتم الأنبياء وبرسول الله إلى الناس أجمعين نبياً أمياً يؤمن بالله وكلماته.
                  وتوالت نعم الله على بني إسرئيل فضرب موسى الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا بعدد أسباطهم وظلل الله عليهم الغمام في صحراء سيناء وأنزل عليهم المن والسلوى وقال لهم (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١٦٠﴾) فما كان منهم إلا أنهم احتالوا على أكل الحرام إذ حرّ الله أن يصطادوا يوم السبت فنصبوا الشباك يوم الجمعة وأخذوا الحصيلة يوم الأحد واستحقوا اللعنة من الله. وقالت أمة منهم (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿١٦٤﴾ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿١٦٥﴾) هكذا تأذّن الله ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب وقطّعهم في الأرض أمماً وخلف من بعدهم خَلْف ورثوا الكتاب (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿١٦٩﴾). ونتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة ليحثّهم على الطاعة فما كان منهم إلا أن فسقوا عن أمر ربهم واتبعوا أهواءهم وكانوا كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ومع ذلك فهناك ممن خلق الله أمة تهدي بالحق وبه تعدل وسيأتي يوم لا يعلم موعده إلا الله حتى الرسل لا يعلمون موعده يحاسب الله فيه كل إنسان على ما قدّم فمن نسب الفضل لصاحبه كوفئ ومن أشرك بالله فقد ألغى عقله. وعلى المؤمن إذن أن يعتز بالله وأن يعامل الناس على طبيعتهم وأن يأمرهم بالمعروف وأن يُعرِض عن الجاهلين وأن لا يستمع إلى نزغات الشياطين وأن يتوب إلى الله في كل وقت وحين وإذا مسّه طائف من الشيطان تذكر وأصغى إلى سماع القرآن الكريم وذكر ربه تضرعاً وخيفة ودون الجهر بالقول بالغدو والآصال.
                  تنتهي سورة الأعراف وتبدأ سورة الأنفال والأنفال هي ما يرزق الله المؤمنين من أموال المحاربين بعد نصرهم، جعل الله هذه الأنفال لله ورسوله حفاظاً على صلاح النفوس حتى لا يختلفوا في توزيعها وجعلهم يخضعون لأوامر الله فهذا شأن المؤمن ذلك أنه إذا تليت عليه آياته زدته إيماناً وأقام الصلاة وأنفق مما رزقه الله فأولئك هم المؤمنون حقا.
                  وهنا يذكّر الله المؤمنين بنصره لهم في بدر وموقف الصحابة الذين كانوا يتخوفون من هذا اللقاء ولكن الله أراد أن يحق الحق بكلماته وأن يري العالم كله أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين فأمدهم الله بملائكته وغشّاهم النعاس وأدخل الرعب في قلوب أعدائهم ونصرهم عليهم حين استعانوا بالله وحين دعاهم الرسول لما يحبّه الله فتذكروا فضله واتقوه ليجعل لهم فرقانا. وذكّرهم الله بفضله عليهم حينما مكر بهم المشركون وأرادوا أن يقتلوا رسول الله أو أن يسجنوه أو أن يُخرجوه من بلده فكانت عناية الله برسوله وأخرجه سالماً غانماً فهجر مكة وذهب إلى المدينة المنورة ونصره الله وأقام دولة الإسلام والمسلمين هناك في عزّة وكرامة وبناء على ذلك فما أراد الله عزّه فلن يذلّه أحد.
                  سمر الأرناؤوط
                  المشرفة على موقع إسلاميات
                  (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                  تعليق


                  • #10
                    برنامج خواطر قرآنية
                    د. محمد المختار المهدي
                    رمضان 1434هـ
                    الحلقة العاشرة – الجزء العاشر


                    http://www.youtube.com/watch?v=kQaeAi8-2fg&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAase6Fce4uZ5&index= 10


                    ختم الله الجزء التاسع من كتابه الكريم بطمأنة المؤمنين بقوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)) ومع ذلك فتح الله لهم باب التوبة (إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ (38)) وسينصر الله أهل الحق لأنهم لا يريدون إلا أن يكون الدين لله وحده بعيداً عن ضغوط التقاليد والأساطير.
                    ويبدأ الجزء العاشر ببيان تقسيم الغنائم كما أراد الله فلله الخمس ولرسوله ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. ثم بتذكير المسلمين بفضل الله عليهم يوم التقى الجمعان في بدر حيث أرى الله للمؤمنين أن عدوّهم قليل وأرى أعداءهم أنهم أقلية كل ذلك ليتشجع كل فريق على لقاء الآخر وليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
                    ثم أمر الله عباده المؤمنين بأن يثبتوا وأن يديموا ذكر الله وطاعته وأن يتركوا التنازع والخلاف فهو سبيل الفشل والدمار وأن يلزموا الصبر وإخلاص النية فإنهم لم يخرجوا بطراً ولا رياءً. وليذكروا مواقف أعدائهم المغرورين بقوتهم وبالمنافقين وبما حاق بهم كما حاق بآل فرعون من قبل وليذكروا عداء شرّ دوابّ الأرض وهم اليهود الذين ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون وأنهم سيدّعون أنهم سبقوا المؤمنين في العتاد والقوة ولكن على المؤمنين أن يعدّوا لهم ما استطاعوا وسيُكمّل الله للمؤمنين ما لم يستطيعوا ليرهبوا به عدو الله ومن يسانده فإن ضعفوا ومالوا إلى السلم وما زال المسلمون أقوياء فليقبلوا المسالمة ولا يخشوا خداعهم فالله معهم بشرط واحد أن تبقى وحدتهم وتآلف قلوبهم وارتفاع روحهم المعنوية بحيث إذا لقي أحدهم عشرة من أعدائه كان قادراً على هزيمتهم بفضل الله وقد حقق الله للمؤمنين ما وعد وأُسر من المشركين سبعون ورضي النبي بفدائهم طمعاً في إيمانهم مع أنهم لا يستحقون العفو بعد كل هذه الجرائم. وفرح المؤمنون بنصر الله واتخذ المهاجرون الوحدة بينهم وبين الأنصار أساساً وعرفوا عدوهم من صديقهم وانضم إليهم من هاجر متأخراً وقويت شوكة الإسلام.
                    وهنا تنتهي سورة الأنفال لتبدأ سورة التوبة وتبدأ ببراءة الله ورسوله ممن نقض العهد من المشركين وأمهلهم رب العزة أربعة أشهر فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا قُتِلوا وإن استجاروا بالمؤمنين حتى يسمعوا كلام الله أجارهم المؤمنون لأنهم لا يريدون النقمة من أحد. إن طبيعة المؤمنين أن يستقيموا مع المستقيم وأن يسالموا مع المسالم أما من يخون العهد ويضمر الشرّ فالسلام معه استسلام وعجز فهم لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ولا أيمان لهم ولا ينبغي للمؤمنين أن يخشوهم فيقاتلوهم يعذبهم الله بأيديهم وينصرهم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين وهذا هو الامتحان الحقيقي للإيمان. إن المشركين يحتمون بأنهم يُعمّرون المسجد الحرام لكن العُمّار الحقيقيين هم المؤمنون برب المسجد الحرام هم المجاهدون في سبيل الله المتبرئون من الشرك وأهله ومن زينة الدنيا وزخارفها ومن عصبيات النسب والقرابة ومن الاعتزاز بالكثرة فما منعت الكثرة يوم حُنين ضاقت الأرض على من قال لن نُغلب اليوم عن قلّة. ثم أنزل الله سكينته على المؤمنين وعذب الذين كفروا وعلى المؤمنين أن يطهّروا المسجد الحرام من رجس المشركين فلا يقربوه بعد عامهم هذا وأن يقاتلوا من لا يؤمنو بالله من أهل الكتاب حتى يخضعوا للحق ويعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فقد ادعى اليهود أن عزيراً ابن الله وادّعى النصارى أن المسيح ابن الله واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله يحرمون لهم ويحلون لهم دون سند من أوامر الله وما أمرهم موسى وعيسى إلا بتوحيد الله وهم يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله ولو كره المشركون.
                    إن كثيراً من أحبارهم ورهبانهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويلتزمون أن يكنزوا الذهب والفضة وستكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. وقد غيّر المشركون في عدة الشهور التي جعلها الله يوم خلق السموات والأرض اثني عشر شهراً منها أربعة حرم لكنهم جعلوا النسيء يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً فإذن فقد ضل كل من المشركين وأهل الكتاب واعتدوا على المسلمين فلماذا لا يستنفر المسلمون طاقاتهم في درء أخطارهم أيخشونهم؟ إن الله أحق أن يخشوه. لقد نصر الله نبيه ولم يكن معه سوى صاحبه أبي بكر في الغار مع ذلك نصره الله لأنه استحضر معيّة الله وأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم يرها أحد. فانفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالهم وأنفسكم في سبيل الله ولا تسمعوا للمنافقين الذين يفضّلون القعود ولو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً وإن تصبكم حسنة تسؤهم. هل تنتظرون من جهادكم إلا إحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة؟ أما المنافقون فإنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ومنهم من يلمز النبي في توزيع الزكاة مع أن الله حدّد مصارفها في ثمانية في الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ومنهم من يؤذي النبي ويحلفون بالله ليرضوا المؤمنين ويحذرون أن تنزل سورة تفضحهم ويعتذرون أنهم يخوضون ويلعبون وهم متعاونون على الإثم والعدوان يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف فلهم جهنم وبئس المصير. أما المؤمنون والمؤمنات فبعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وسي ولهم جنات النعيم وليس على المحسنين سبيل إذا نصحوا لله ولرسوله ولم يجدوا ما ينفقون وسي لأنهم بذلوا ما يستطيعون. ندعوا الله أن يجعلنا من الأوفياء لدينه المجاهدين في سبيله المعتزين بالله المنتصرين بالله إنه ولي ذلك والقادر عليه.
                    سمر الأرناؤوط
                    المشرفة على موقع إسلاميات
                    (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                    تعليق


                    • #11
                      برنامج خواطر قرآنية
                      د. محمد المختار المهدي
                      رمضان 1434هـ
                      الحلقة 11 – الجزء

                      11
                      http://www.youtube.com/watch?v=gHZV5Dusdvg&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=11


                      يبدأ الجزء الحادي عشر من كتاب الله برفع اللوم عمن أتوا رسول الله ليساعدهم على الجهاد ولم يجد ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون. أما أولئك الذين يختلقون الأعذار وهم أغنياء ويرضون أن يتخلفوا مع النساء فقد طبع الله على قلوبهم وقد فضحهم الله ووصفهم بالرجس ومأواهم جهنم وبئس المصير. وهناك الأعراب الذين يبخلون عن النفقة في سبيل الله ويعدونها مغرماً ويتربصون بالمسلمين وهم أشد كفراً ونفاقاً ومع ذلك من هؤلاء الأعراب قوم صالحون يتخذون ما ينفقون مغنماً وقربات عند الله وصلوات الرسول فهؤلاء سيدخلهم الله في رحمته. وهناك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ورضوا عنه وأع لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم. وهناك من خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً فعسى الله أن يتوب عليهم وسيطهّرهم ربهم بالزكاة وبالتوبة والعمل الصالح وسيرى الله ذلك والمؤمنون وهو التواب الرحيم. وهناك من اتخذ مسجداً ضراراً يناوئ فيه الدعوة الإسلامية ويجمع فيه أعداء الإسلام باسم الإسلام فإذا بهم ينهار بهم بنيانهم في جهنم وبئس المصير.
                      إن الجهاد في سبيل الله شرف ومن نال فيه الشهادة استبشر بجنة عرضها السموات والأرض وليس هناك محاباة لقرابة من رسول الله فقد مُنع رسول الله أن يستغفر لعمه المُشرك بل وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم فالعلاقة إذن هي الإيمان ومن استجاب لرسول الله في غزوة العسرة في تبوك مع ما كان فيها من شدة وأذى تاب الله عليه ووعده بالجزاء العظيم كما تاب على الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم بما رحبت ولكنهم صبروا على مقاطعة المسلمين لهم فتاب الله عليهم. وما كان لأحد أن يتخلّف عن الجهاد بعد أن يعلم أن أيّ أذى يلحقه وأي ظمأ أو جوع يحدث له سيكتب له الله به عملاً صالحاً ويجزيه بأحسن ما كان يعمل.
                      ومن الجهاد في سبيل الله أن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين وليتعمقوا في فهمه ويبذلوا في ذلك المشقات ليحصلوا على العلم النافع وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وتلك فريضة من فرائض الكفاية على الأمة كلها. ومن مقتضيات الجهاد أن يري المسلمون أعداءهم في كل عام ما عندهم من قوة حتى لا يحترئوا على حِماهم وحتى يظلوا أعزة كراماً بعيدين عن العنف الذي يعزّ على رسول الله أن تقع فيه الأمة (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128)).
                      وإلى هنا تنتهي سورة التوبة وتبدأ سورة يونس التي تبدأ بالإشارة والإشادة بآيات الكتاب الحكيم التي أوحاها الله إلى خاتم المرسلين وتهتم بتقديم الأدلة والبراهين من الآيات الكونية والنعم الإلهية على صدق هذا الرسول العظيم والتعرض لطبيعة النفس البشرية التي تتعجل الخير وتتضرر من وقوع الشر وإذا كشف الله الضر عنها نسيت فضله وإذا تليت عليها آيات الله تطلب قرآناً آخر غير هذا وما كان لمحمد أن يغير فيما أنزله الله وما جاء القرآن الكريم إلا ليبين للناس حقيقة الحياة الدنيا وزخرفها إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغنَ بالأمس. هكذا الله يدعو الناس إلى دار السلام ومن أحسن فله الحسنى وزيادة وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ومن يدّعي ذلك فليأت بسورة واحدة منه وليدعو من استطاع من البشر أجمعين أن يساعدوه أن يأتي بتلك السورة ولن يفعل! إن من يكذب بالقرآن جاهل لما حواه وسيأتيهم العذاب بياتاً أو نهاراً فلا داعي للاستعجال بهذا العذاب! لقد نزل من عند الله موعظة وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وكان الأولى بالبشر أن يفرحوا بفضل الله ورحمته فهو خير مما يجمعون. لقد بيّن الحلال والحرام وكان فضل الله به على الناس عظيماً ومن يتلوه ويعمل به فسيرى الجزاء العظيم ممن لا يعزب عنه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. إنه بذلك سيكون من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ولهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
                      وما جاء في القرآن متفق مع رسل الله مع ما أرسل به نوح وكذب به قومه فنجاه الله وأغرقهم وجاء بعده رسل كثيرون ثم جاء موسى وهارون إلى فرعون وقومه فاستكبروا فاتهموهما بسلب ملكهم وجاؤوا بالسحرة وأبطل الله سحرهم. ونصح موسى قومه بالصبر والتوكل وإقامة الصلاة ودعا على فرعون فاستجاب الله دعاءه وجاوز ببني إسرائيل البحر ودخل فرعون في الغرق وأراد أن يؤمن ولم يستجب الله له ونجا الله بدنه ليكون آية لمن بعده. كل هذا يعلمه من أُرسل قبل محمد وجاء في كتب الله. وما آمن من أقوام الرسل إلا قوم يونس ولما آمنوا كشف الله عنهم الخزي في الحياة الدنيا ومتّعهم الله بالعزّ إلى حين وهكذا وعد الله وكان حقاً عليه أن ينجي المؤمنين. فيا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وهو خير الحاكمين فعليكم إذن أن تكونوا مع الحق والحق قد جاء مع محمد ولا حق سواه فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ أمامكم سبل النجاة وأمامكم الطريق فلا تضلوا الطريق وكونوا مع الله يكن الله معكم وينصركم على أعدائكم إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
                      سمر الأرناؤوط
                      المشرفة على موقع إسلاميات
                      (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                      تعليق


                      • #12
                        برنامج خواطر قرآنية
                        د. محمد المختار المهدي
                        رمضان 1434هـ
                        الحلقة 12 – الجزء 12


                        http://www.youtube.com/watch?v=IfLV6_SGTLE&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index 12


                        يبدأ الجزء الثاني عشر من كتاب الله بسورة هود وفي بدئها إشادة بالكتاب المحكم المفصّل من لدن حكيم خبير بعبادته وحده واستغفاره يعيش المرء متمتعاً سعيداً في دنياه لا يحمل همّ رزقه فهو على ربه (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6)) وما عليه إلا أن يعمل تنفيذاً لأمر ربه، وخلق السموات والأرض إلا ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وعليه أن يصبر عند المصيبة وأن يشكر عند النعمة طلباً لثواب الآخرة فإن زينة الدنيا زائلة وبذلك يصير من أصحاب الجنة ويكون بصيراً وسميعاً في مقابل الأعمى والأصم. ثم إن هذا الذي جاء به القرآن الكريم هو ما طلبه الرسل الكرام من قبل محمد فنوحٌ طلب ذلك من قومه ولم يطلب منهم أجراً فقابلوه بالتحدي أن يعاقبهم الله على كفرهم فأُمِر بصنع الفلك فسخروا منه وجاء الأمر بالطوفان فحمل معه من كلٍّ زوجين اثنين وأهله ومن آمن، ورفض ابنه أن يركب معه فغرق مع الكافرين وصحّح لنوح عاطفته حين حزن على غرق ولده بأن النسب الحق هو الإيمان.
                        وجاء بعد نوح هود ووعد قومه إن آمنوا بالله واستغفروه أن يزيدهم قوة على قوتهم وأن يمنحهم رخاء في المعيشة فرفضوا وتحدوه فنجاه الله وأرسل عليهم ريحاً تدمِّر كل شيء بأمر ربها.
                        وجاء بعد هود صالح إلى قومه ثمود مذكِّراً بفضل الله عليهم في الخلق والرزق فليستغفروه وليعبدوه فطلبوا المعجزة فأعطاه الله الناقة آية فعقروها فأصحبوا في ديارهم جاثمين. وقبل الحديث عن لوط وما فعله قومه وما حاق بهم يسوق القرآن الكريم قصة سيدنا إبراهيم بعد أن طلب على كِبَر أن يرزقه الله بولد وزوجه عقيم وبعد أن نجح في امتحان الله له في محن كثيرة فجاءته الملائكة تبشّره بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب. ثم تمضي الملائكة ويصف القرآن الفاحشة التي ارتكبها قوم لوط وما أرادوه بالملائكة وهناك نجا الله لوطاً ومن آمن معه إلا امرأته وجعل عاليها سافلها وأمطر عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي ممن يعمل عمل قوم لوط ببعيد.
                        وهذا شعيب أمر قومه بتقوى الله في المكيال والميزان محذراً عقاب الله لهم كما عاقب من قبلهم فهددوه بالقتل فنجاه الله وأخذتهم الصيحة وأصبحوا في ديارهم جاثمين.
                        وهذا موسى مع فرعون وقومه اتّبعوا أمر فرعون فنجّى الله موسى وأغرقهم وما هذا الهلاك بشيء بجانب عذاب الآخرة يوم يتحول الناس إلى شقيّ وسعيد. ومن الأشقياء من يركن إلى الظَلَمة فستمسّه النار ولن يصل إلى هدفه فمهمته الأساسية أن يقضي على الظلم وأن ينضم إلى المُصلحين لينجو مما سيحيق بهم وأن يصبر على عبادة ربه فإليه المصير وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.
                        سورة يوسف تبدأ كذلك بالإشادة بهذا الكتاب المبين وتقصّ رؤيا يوسف ونصيحة أبيه له وحبَّ أبيه له وكيد إخوته له ورميَه في الجبّ وبيعَه في أسواق مصر وشراء العزيز له وفتنةَ زوجة العزيز به وإباءَه أن يخون من أكرم مثواه ودفاعه عن نفسه وبرآءةَ القاضي عندما كان مع زوجها وشهد بأنه إذا كان قدّ القميص من أمام فهو المعتدي وإن كان من خلف فهي الظالمة وبرّأه الله . وجاء حديث النسوة وتحدث عن فضيحة المراودة من امرأة العزيز لخادمها وما ترتب على هذا من طلب امرأة العزيز أن يسجن سيدنا يوسف وهو بريء ثم يدخل السجن ويدعو من فيه إلى عبادة الله وحده ويرى أصحاب السجن رؤيا فيفسرها لهم وتتبين حقيقة تأويل سيدنا يوسف لتلك الرؤيا ويخرج من نجى من السجن ويسمع الملك وهو يقص رؤيا أخرى على الملأ ويطلب منهم تأويلها فيدلّهم هذا السجين السابق على سيدنا يوسف ويأتي سيدنا يوسف بتأويل تلك الرؤيا ويفسّرها على مصلحة مصر في الدورات الزراعية التي ينتج عنها خير كثير لمصر ويذهب الرسول المبعوث من الملك إليه بتأويل تلك الرؤيا فإذا به يسأل عن هذا السجين ويطلب إخراجه من السجن ولكن سيدنا يوسف يرفض أن يخرج قبل أن تثبت برآءته رسمياً فيطلب أن تشهد هؤلاء النسوة اللآتي كنّ معه أمام امرأة العزيزة وهي تعترف بأنها هي التي روادته عن نفسها وتأتي النسوة ويشهدن ليوسف بالبراءة فيمكّنه الملك من المكانة التي يستحقها ويطلب منه أن يحدد المجال الذي يخدم فيه في ملكه فيختار أن يتولى وزارة الخزانة والزراعة والتموين فينجح في ذلك أيَّما نجاح وهكذا تكون رعاية الله لأنبيائه ورسله.
                        سمر الأرناؤوط
                        المشرفة على موقع إسلاميات
                        (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                        تعليق


                        • #13
                          برنامج خواطر قرآنية
                          د. محمد المختار المهدي
                          رمضان 1434هـ
                          الحلقة 13 – الجزء 13


                          http://www.youtube.com/watch?v=n7xyUaci75c&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=13


                          في الجزء الثالث عشر من كتاب الله تكملة لقصة سيدنا يوسف الذي كان يتميز بتأويل الرؤى والأحاديث. حينما رأى الملك رؤيا بأن سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف واحتار من كان بجوار الملك في تأويل هذه الرؤيا فأرسل إلى سيدنا يوسف في سجنه من نجا من السجن بسبب رؤية رآها أيضاً في السجن. وفسّر سيدنا يوسف لأهل مصر عملية الدورات الزراعية على حسب المياه التي تنزل على هذا المكان الطيب. لما وجد الملك ذلك أرسل إليه ليخرج من سجنه فرفض سيدنا يوسف قبل أن تثبت برآءته وطلب شهادة النسوة اللآتي قطعن أيديهن حينما كنّ في ضيافة امرأة العزيز وجئن وشهِدْن (ما علمنا عليه من سوء) وجاءت امرأة العزيز أيضاً وقالت (وما أبرئ نفسي ربي). ثم تبين للملك أن هذا الرجل وتلك العقلية لا ينبغي أبداً إلا أن تكون في حاشيته فمكّن له وطلب منه أن يختار المجال الذي يَصلُح له ويُصلِحه فقال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، لم يطلب سيدنا يوسف الإمارة ولكنه بعد أن صدر قرار الملك بالتمكين بأنه صار لدينا مكيناً أميناً حدّد المجال الذي يصلُح له فقال اجعلني على خزائن الأرض ولم يقل على خزائن مصر لأنه حينما يحقق الدورة الاقتصادية الزراعية ستكون مصر يكتفي أهلها بنتاجها بل توزعه على الآخرين فكأن مصر فيها خيرات تكفي الأرض كلها، وتولى سيدنا يوسف وحقق المعجزة.
                          وبعد أن تحققت هذه النهضة جاء إخوة يوسف لطلب المساعدة لأنه يعيشون في الصحراء فعرفهم سيدنا يوسف وهم له منكرون وأحسن إليهم وطلب منهم أن يصطحبوا معهم في جولتهم الثانية أخاه بنيامين شقيقه فذهبوا إلى أبيهم وطلبوا منه ذلك وخاف سيدنا يعقوب أن يصطحبوا بنيامين حتى لا يصيبه سوء كما أصاب يوسف من قبل. وفعلاً جاء بنيامين مع إخوته فاحتجزه سيدنا يوسف بحيلة علمه إياها رب العزة بموضوع صواع الملك. ثم جاءت التفاصيل بعد ذلك وردّ سيدنا يوسف ما جاء به إخوته من سلع أو هدايا، جاؤوا مرة أخرى فقال لهم يوسف (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89)) هنا تأملوا في أوصاف سيدنا يوسف وهو صغير فقالوا إئنك لأنت يوسف فقال (قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا (90)) ثم جاءت الحكمة (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) كان سيدنا يوسف تقياً لله وامتنع عن الفحشاء تقوى لله وكان صبوراً حيث سُجن وهو بريء (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ). وطلب أبويه ورفعهما على العرش وخروا له سجداً وقال هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً ولم ينس سيدنا يوسف أن يشكر ربه وأن يدعوه فيقول (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)).
                          ثم تأتي بعد ذلك سورة الرعد وهي تؤكد كذلك في مبدئها أن القرآن نزل بالحق ممن رفع السموات بغير عمد وممن سخر الشمس والقمر وممن مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنبت فيها من كل زوج بهيج وتفضّل رب العزة سبحانه بكل ذلك منّة منه. وهو يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد بل إنه يعلم السر وأخفى من السر وإذا أراد العقاب فلا رادّ لأمره فهو الذي يرسل البرق خوفاً وطمعاً وهو الذي يرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وكل من يمد يده لغير الله فهو كمن يمد يده إلى خيال يراه في الماء فيمدّ يده إلى فمه الذي ظهر في الخيال فلا يصل إلى هذا الخيال شيء ومن هنا يأتي هذا المثل الرائع ليبين أن الإنسان لا ينبغي أن يسأل إلا الله وحده وما عداه خيال، هو الحق وكتابه الحق وسيزول الباطل ويذهب جفاء (وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ (17)) وعلى أهل الحق أن يستمسكوا به وفاء بالعهد وصلة للرحم وخشية من حساب الله وصبراً على الطاعة وإقامة للصلاة وإنفاقاً في السر والعلن وعفواً عند المقدرة ولهم بذلك جنات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم. ذلك بأن الله يهدي إليه من أناب واطمأن قلبه بذكر الله وبكتاب الله الذي لو نزل على جبل لخشع والذي يعترف بفضله هم المنصفون من أهل الكتاب وليس محمد بدعاً من الرسل فقد كان لمن قبله أزواج وذرية فإن كذب هؤلاء محمداً لأن له أزواجاً وله ذرية فكفى بالله شهيداً ومن عنده علم الكتاب.
                          ثم تأتي سورة إبراهيم الذي كان أمة والذي كانت ملته هي ملة محمد وتبدأ كذلك ببيان أن مهمة هذا القرآن هو إخراج الناس من الظلمات إلى النور على يد من أوتي جوامع الكلم سيدنا محمد جاءهم بلسان عربي مبين بلسان قومه ليبين لهم كما كان الرسل السابقون. ثم جاءت قصة موسى في أنه ما ذهب إلى فرعون إلا ليحرّر قومه من الذلّ فرسالته هي رسالة الحرية والله يرفض إذلال عباده مهما كان منهم فمن آمن وشكر زاده الله نعمة ومن كفر فعذاب الله شديد. وقد وقع العذاب على قوم نوح وعلى عاد وثمود وعلى غيرهم لما ردوا أيديهم في أفواههم ورفضوا الإيمان وهدوا الرسل بالنفي والطرد من أرضهم أو برجمهم وقتلهم إن لم يدخلوا في دينهم، وصارت أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف وسينتظرهم عذاب الله في الآخرة، الأتباع والمتبوعون، الكبراء والضعفاء، وسيأتون أمام الله هناك يحيل بعضهم ضلاله على الآخر ويتجادلون ولكن يتبرأ كلٌّ منهم من الآخر. ويأتي الشيطان ليقول لهم (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم (22)) أما من اعتصم بكلمة التوحيد تلك الكلمة الطيبة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24)) هذه الكلمة الطيبة هي ملة إبراهيم الذي ضحى من أجل هذه الكلمة ووهبه الله من أجلها أن أعطاه اسحق ويعقوب واسماعيل على كِبَر زالله لم يفعل ذلك مع إبراهيم فقط إنما هي سنة من سنن الله أن يكافئ من آمن به وحده ومن استقام على أمره (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء (43)) وهذا بلاغ للناس ولينذَروا به وليتذكر أولو الألباب وحين يتذكر أولو الألباب فإنهم يستقيمون على أمر الله ويحملون رسالة هؤلاء الرسل لينجوا في الدنيا ولينعموا في الآخرة.
                          سمر الأرناؤوط
                          المشرفة على موقع إسلاميات
                          (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                          تعليق


                          • #14
                            برنامج خواطر قرآنية
                            د. محمد المختار المهدي
                            رمضان 1434هـ
                            الحلقة 14 – الجزء 14


                            http://www.youtube.com/watch?v=Lx5VfYcQaC8&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=14


                            يبدأ الجزء الرابع عشر بسورة الحجر وهي تبدأ كذلك بالإشادة بآيات القرآن والكتاب المبين الذي سيودّ الكَفَرة يوم القيامة أن لو كانوا به مؤمنين حينما يرون العذاب الأليم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فقد وصفوا من أتى به بالكذب وبالجنون مع أن الله هو الذي تكفّل بحفظه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)) لكنه العناد والجحود لقدرة من جعل السماء بروجاً وزيّنها للناظرين وألقى في الأرض رواسي وأنبت فيها من كل شيء موزون وخلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون وعلّمه فتعلم فأسجد له ملائكته وامتنع إبليس عن السجود وأعلن عداوته وأقسم لأغوينّ ذريته حتى يدخلوا معه جهنم ذات الأبواب السبعة إلا عباد الله المخلَصين فإنهم يدخلون الجنة إخواناً على سرر متقابلين ومنهم سيدنا إبراهيم بالطبع وسيدنا إبراهيم بشّره الله بغلام عليم هو سيدنا يعقوب وكانت البشارة من قِبَل الملائكة المرسلين لعقاب قوم لوط الذين طغوا ومارسوا الفاحشة التي لم يُسبقوا بها من أحد من العالمين فجعل الله عقوبتهم من نفس انقلاب الأخلاق والقيم التي مارسوها وهي ما يسمى الآن بالشذوذ الجنسي. ترك أرضهم آية للعالمين يمرّ الناس عليها ويتذكرون عقوبة الله عليهم وما هي من الظالمين ببعيد. وكذلك أهلك الله أصحاب الأيكة فليس من كذّب بمحمد بأقوى من هؤلاء، فليس لمحمد أيضاً أن يحزن على كفرهم وعليه أن يهتم بمن آمن معه غير عابئ بهؤلاء المشركين فقد كفاه الله شرّهم وليعبد ربه حتى يأتيه اليقين.
                            بهذا تنتهي سورة الحجر وتبدأ سورة النحل وسورة النحل فيها نعم كثيرة جعلها الله آية لمن يؤمن بالله وتبدأ بالإنذار بقرب قيام الساعة (أَتَى أَمْرُ اللّهِ) قرُب إتيان أمر الله فلا تستعجلوه سيأتي هذا اليوم عاجلاً أو آجلاً فلا ينبغي على المؤمنين إلا أن يثبتوا على إيمانهم وعقيدتهم بالتوحيد والإيمان باليوم الآخر فإن رب العزة سبحانه هو الذي خلق الإنسان من نطفة وسخّر له الأنعام فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ومنها تركبون وبها تفتخرون وأنزل من السماء ماء منه نشرب ومنه نسقي ومنه نزرع وسخّر البحر نأخذ منه اللحم الطري وبه خاصية الطفو التي تمكننا من السير فوق الماء بالسفن والفُلْك ثم جعله زينة، أفمن يخلق كمن لا يخلق؟! فما بال من كفر وهو يعلم كيف انتقم الله ممن كذب من قبل سيدنا محمد وكيف أسعد من آمن إن الجزاء سيأتي لكلا الطرفين فحجج الكفر كلها داحضة. إنهم استبعدوا البعث وأنكروا الرسالات للبشر واطمأنوا إلى زينة الدنيا مع أن الله قادر على أن يخسف بهم الأرض أو يفاجئهم بالعذاب وهم نيام أو وهم في تقلّبهم ضحى يلعبون وقادر أيضاً على أن يأخذهم بالتدريج وأملي لهم إن كيدي متين سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ولكنه رؤوف رحيم وما بالخلق من نعمة فمن الله ولكنهم يجحدونها، ينجيهم من الكرب فينسون فضله ويجحدون تلك النعم ويصفون الملائكة بأنهم بنات الله مع أنهم هم يكرهون البنات فيجعلون لله ما يكرهون ويئدون البنات. إن التأمل فيما يشربون من اللبن الذي يخرج من بطون الأنعام من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين لو تأملوا هذه المعجزة والآية لآمنوا بربهم. ثم هذا النحل الذي يخرج من بطنه شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس ولا يكون داءً إلا إذا تدخّل الإنسان فيه بالغشّ. ومن هنا نرى آيات الله ونعمه وما رزق من أزواج وبنين وحفدة وما ركّب في المرء من سمع وبصر لتكون أدوات للمعرفة وللإدراك. ثم ما يراه الإنسان في السماء من طير سابح وما هيأه الله للإنسان من سرابيل تقيه الحر وتقيه البرد وبيوت يشعر فيها بالأمن والسكن، كل ذلك من النعم التي سيُسأل عنها الإنسان يوم القيامة وسيشهد عليه الرسل وسيشهد سيدنا محمد على أمته فقد جاءهم بكتاب فيه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين أمر فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ونهى فيه عن الفحشاء والمنكر والبغي أمر فيه بالوفاء بالعهد وحذّر من نقض العهود كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، فمن آمن بالكتاب وعمل صالحاً فقد وعده الله تعالى بحياة طيبة سعيدة وبجنة عالية يوم القيامة.
                            ومن أهم الأعمال الصالحة التي يحصل بها المرء على الحياة الطيبة وعلى الجنة العالية قرآءة القرآن وليعلم الإنسان أن الشيطان يعوّقه عن قرآءة القرآن فعليه أن يستعيذ من الشيطان (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)) ثم لا يكلّف الله نفساً إلا وسعها. ومن كفر يذيقه الله لباس الجوع والخوف بسبب كفره وعصيانه. ومن مقتضيات الإيمان إسناد الحلال والحرام إلى الله وحده، ليس هناك من يُحِلّ ويُحرم إلا رب العزة الذي خلق وشرع والمثل الحيّ لهذا الإيمان شيخ المرسلين إبراهيم الذي كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يكُ من المشركين وكانت دعوة محمد هي ملة إبراهيم حنيفاً بل إن القرآن طلب من المسلمين أن يجعلوا إبراهيم قدوة لهم في هذا الإيمان الصادق الخالص الذي ضحى في سبيله بكل شيء (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ (4) الممتحنة). ثم على المؤمنين حين يدعون إلى كلمة التوحيد وإلى رسالة الإسلام أن يلتزموا بالوسائل المشروعة لتلك الدعوة (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (125)) والحكمة مأخوذة من حَكَمت الدابة وهي لجامها حينما يركب الإنسان الدابة ويجد الطريق فسيحاً وسالكاً يطلق لها العنان فإذا وجد عقبة جعلها تسير يمنة أو يسرة فإذا وجد كل الطرق مغلقة توقف، الكلمة المناسبة للشخص المناسب في الوقت المناسب هذه هي الحكمة. ومن هنا كان علينا أن نلتزم بفقه الواقع وبفقه الأولويات. ثم من يدعو إلى الله لا بد أن يصبر وأن يُحسن إلى من يدعوه، لا يتكبر ولا يُغلظ في كلامه فقد قال رب العزة لموسى وأخيه وهما يسيران إلى فرعون الطاغية (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) طه). فإذا اعتدي على الإنسان وهو يدعو إلى الله فليعفو وليصفح (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴿١٢٦﴾ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٧﴾ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴿١٢٨﴾).
                            سمر الأرناؤوط
                            المشرفة على موقع إسلاميات
                            (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                            تعليق


                            • #15
                              برنامج خواطر قرآنية
                              د. محمد المختار المهدي
                              رمضان 1434هـ
                              الحلقة 15 – الجزء 15


                              http://www.youtube.com/watch?v=CDg7RajzE2s&list=PLAM1iAjklGYMWE8abFodMAas e6Fce4uZ5&index=15


                              يبدأ الجزء الخامس عشر بسورة الإسراء وستبقى معجزة الإسراء برسول الله من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى علامة بارزة على عبودية نبينا محمد لربه تلك العبودية التي اختصّ بها فقال ربنا (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ) ولم يقل بعبده محمد وتكرر هذا الوصف لرسول الله في كتاب ربنا وكأن عبودية محمد قد صارت عَلَماً له بأنه هو عبد الله . ثم في قصة الإسراء المعراج دلالة على الصلة الوثيقة بين المسجد الحرام والمشجد الأقصى فكلاهما من مقدسات الإسلام والحفاظ على المسجد الأقصى حفاظ على المسجد الحرام وهو أمانة في أعناق المسلمين بعد أن تسلمه نبينا محمد عن طريق سيدنا جبريل وهو يقدّم نبينا محمداً لإمامة الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى حتى يحرر الله هذا المسجد الأسير على أيدي المؤمنين إن شاء الله. وقد نبه القرآن الكريم بعد ذلك إلى رسوب بني إسرائيل في الحفاظ على المقدسات بل وفي رفع راية الرسالات السماوية وتوعّدهم رب العزة بأن يدمر ما بنوه وجاء بعدها يقول لهم إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً. وكلُّ مسلم مسؤول بمفرده (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)) ومن أهم ما يصيب الأمم من أسباب الدمار انتشار التَرَف في فئة من فئات المجتمع ومن هنا يأتي التحذير من الترف. ثم يبين الله أن من أهم الواجبات عبادة الله والإحسان إلى الوالدين وبخاصة عند الكِبَر واستشعار ما بذلوه في صغر هؤلاء الأولاد والوفاء يقتضي البرّ بهم في كِبَرهم. ثم يأتي تحذير القرآن الكريم من إزهاق النفس التي حرّم الله إلا بالحق وبالوفاء بحقوق ذوي القربى وعدم القرب من الزنا وروافد هذه الفاحشة وإزهاق النفس التي حرم اله إلا بالحق وأكل مال اليتيم ونقض العهد وبخس الكيل والميزان وتتبع عورات الناس والتكبر والخيلاء كل ذلك مما يستجلب سخط الله الذي يسبح له ما في السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده. ومما يمنع كل ذلك قرآءة القرآن فإنها تجعل بين الإنسان والمعاصي حجاباً ينفع صاحبه يوم لا ينفع مال ولا بنون. ومما يشجع على المعاصي وسوسة الشيطان الذي توعّد أن يلتهم بني آدم بين فكّيه (لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (62)) وأن يشاركهم في الأموال والأولاد وأن يغرّهم بالوعود الكاذبة فليحافظ الإنسان إذن على كرامته التي أعطاه الله إياها (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)) ولا يصح أن يكون عبداً لهذا الشيطان بل عليه أن يقتدي بخاتم النبيين في الثبات على الحق وأن يقرأ القرآن في الفجر وأن يتهجّد في الليل كما كان يفعل المصطفى وعليه أن يستعين بالله وحده فإن الله ينزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً.
                              هذا القرآن لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ولقد صرّف الله فيه من الأمثال ما يُحرج كل عاقل ومع ذلك طلب الكَفرة أن يروا الله جهرة وأن يكون لمحمد بيت من زخرف أو جنة من نخيل وعنب أو أن يفجّر الأنهار أو أن يرقى في السماء واشترطوا أن لا يؤمنوا إلا إذا فعل ذلك مع أن الله قد آتى موسى تسع آيات ومع ذلك لم يؤمنوا فأغرق الله فرعون وأسكن بني إسرائيل في الأرض وفرّقهم إلى أن يأتي الوعد الإلهي بتجميعهم لفيفاً حتى يهزمهم المسلمون إن شاء الله في اللقاء الأخير قبل يوم القيامة. ولقد أنزل الله قرآناً فرّقه ليقرأه على مكث فمن آمن به وسمعه خر ساجداً لله ودعا ربه خاشعاً حامداً مكبراً.
                              ثم تأتي سورة الكهف وهي تبدأ أيضاً بحمد الله على أن أنزل الكتاب قيماً بلا عوج ومبشراً ومنذراً ومبيناً أن ما على الأرض من زينة قد جعله الله امتحاناً للبشر أيهم أحسن عملاً. ثم إن هذه الزينة لا بد أن تزول إما أن تزول عن الإنسان وهو حيّ وإما أن يزول هو عنها فيموت فلا بد أن تُترك، وهذان هما المحوران الأساسيان اللذان تقوم عليهما سورة الكهف وتأتي في سبيل تحقيق هذين المحورين بكثير من القصص التي تثبت ذلك. ومن أبرز هؤلاء قصة أهل الكهف أولئك الذين لم تغرّهم المناصب ولم تُرهبهم المذابح وفضّلوا الإيمان بالله وتركوا كل تلك الزينة فحماهم الله وجعلهم للناس آية. هؤلاء تولاهم الله وأنامهم ومنع الشمس أن تحرق أجسادهم وقلّبهم وألقى عليهم الرعب بحيث لا يعتدي عليهم أحد ومكثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً حتى بعثهم الله آية للعالمين وأهلك الله من أراد بهم الشرّ.
                              ثم هناك موقف صاحب الجنتين الذي اغتر بهما وأنكر البعث فأصبح يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها. أهل الكهف لم تغرّهم الزينة ولكن صاحب الجنتين أغرته تلك الزينة فأزالها الله عنه.
                              ثم جاءت الأمثال الأخرى في الحياة الدنيا فما مثل الحياة الدنيا إلا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً. ثم تأتي الباقيات الصالحات، المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً. إن ما يجري في الدنيا بقدر وحكمة وهذا موسى قد جعله الله سبباً في إيصال هذه الحِكَم التي يدور عليها الكون ويغفل الإنسان عن إدراكها فأعلمه الله بأن هناك عبداً صالحاً عنده علم ليس عند موسى ومع أن موسى كليم الله ومن أولي العزم من الرسل إلا أنه حين علم أن هناك من يعلم شيئاً أقسم بأنه سيذهب إليه مهما كلفه ذلك من مشقة وذهب والتقى بالعبد الصالح وقدّم له نفسه على أنه تابعٌ له حتى يأخذ منه بعض ما وهبه الله إياه. فإذا بالعبد الصالح يقول له إنك متعجل ولن تستطيع معي صبراً فيقدّم له سيدنا موسى شروط التعلّم الصحيحة (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)) وهنا يضع سيدنا موسى لمن يريد أن يتلقى العلم ثلاثة شروط:
                              · أولاً: الإصرار على الوصول إلى العلم النافع مهما كلفه من مشقة
                              · ثانياً: الصبر على تلك المشقات
                              · ثالثاً: طاعة المعلم ولو كان المعلم أقل درجة من المتعلم
                              وبناء على ذلك دخل سيدنا موسى مع العبد الصالح في مركب فخرق السفينة فاعترض موسى ووجد طفلاً فقاله فاعترض أيضاً سيدنا موسى ووجد العبد الصالح جداراً يريد أن ينقضّ فأقامه فاعترض سيدنا موسى ثم جاء البيان لحكمة الله في كل هذه التصرفات وأن الله يبعث من شاء لإصلاح الكون ونحن غافلون عن حكمة الله .
                              ندعو الله أن يرينا الحق حقاً وأن يرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
                              سمر الأرناؤوط
                              المشرفة على موقع إسلاميات
                              (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ (43) الأعراف)

                              تعليق

                              19,937
                              الاعــضـــاء
                              231,683
                              الـمــواضـيــع
                              42,452
                              الــمــشـــاركـــات
                              يعمل...
                              X