إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قصة رسالة.. د. عبدالرحمن الشهري

    هذه قصة رسالة د. عبد الرحمن الشهري –وفقه الله- ألقاها في إحدى أمسيات مجالس القرآن، ضمن سلسلة اللقاءات العلمية التي تعقدها الجمعية العلمية السعودية للقرآن وعلومه (تبيان) ممثلةً في فرعها في أبها، في مشروع معنون له: بــ ((قصة رسالة)).
    وفكرة هذه اللقاءات هي: التعريف بالرسائل المتميزة في الدراسات القرآنية ، واستضافة أصحابها لعرض قصة رسالتهم، وأبرز ما جاء فيها من نتائج وتوصلوا إليه من قضايا علمية في موضوع الرسالة.
    والحقيقة كانت قصة رسالة د. عبدالرحمن هي شامة تلك المجالس؛ لما فيها من نفائس تستدعي الوقوف عندها والتأمل فيها والاعتبار بها.
    وقد عرض د. عبد الرحمن قصة رسالته المعنونة بــ (الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم) بأسلوبٍ ماتع شدَّ فيه الحضور - كعادته- إلى معايشة الحدث والشعور بتفاصيله، جمع فيه بين الأسلوب العلمي ممزوجا باللمسات الأدبية إضافةً إلى الطرافة واللطافة في الطرح..
    وحتى لا أطيل في المقدمة أترككم مع د. عبدالرحمن ليرويَ لنا قصة رسالته، سائلا المولى أن ينفع به ويرزقنا وإياه التوفيق والسداد في القول والعمل إنه سبحانه ولي ذلك ومولاه..

    قصة رسالة.. د. عبدالرحمن الشهري

    الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
    أحمدُ الله أن هيأ لي هذا المجلس مع زملائي وإخواني في كلية الشريعة في أبها، والزملاء هنا في أبها أيضاً، وأشكر الإخوة في فرع الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه في أبها على تنظيمهم لهذا اللقاء، وأرجو -إن شاء الله- أن يكون فيه ما ينفع ويفيد في إلقاء الضوء على فكرة هذه الرسالة العلمية، وقصة هذه الرسالة.
    وأحيي الإخوة في الجمعية العلمية على فكرتهم لإقامة مثل هذه اللقاءات، وقد استمعتُ لبعض اللقاءات السابقة التي تحدث فيها الإخوة الزملاء عن رسائلهم، وكانت مفيدة جداً, ومع أنّ البحث الذي قدمته بحث متواضع ليس فيه ما يستحق التوقف عنده في مثل هذه اللقاءات، لكني أزعم أن فيه فائدةً لطالب العلم المبتدئ في البحث العلمي؛ لأن مثل هذه التجارب ربما تفيده في تجاوز كثير من العقبات التي تعرض له في تسهيله للرسالة واختيار العنوان أثناء البحث، فأرجو أن يكون في هذا اللقاء ما يفيد في هذا الجانب.
    طبعاً عنوان الرسالة: (الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم) من حيث أهميته, ومناهج المفسرين في الاستشهاد به.
    فكرة الرسالة:

    فكرة الرسالة نبعت من اهتمامٍ سابقٍ لي باللغة العربية، وبالشعر بالذات على وجه الخصوص، فلما انتهينا من الفصل التمهيدي لدراسة الدكتوراه، عرضتُ هذه الفكرة على أحد الأساتذة الذين يُدرِّسون في الدراسات العليا، وهو أُستاذي أ.د.محمد بن عبد الرحمن الشايع (الأستاذ المشارك في قسم القرآن وعلومه في جامعة الإمام) فعرضت عليه فكرة بحث: (ظاهرة الشواهد الشعرية في كتب التفسير) وهل يمكن أن لو طرح مثل هذا الموضوع أن يقبل في القسم أو لا يمكن؟؛ فقال لي: لو وضعت خطة علمية لهذا الموضوع أو على الأقل خطة مبدئية؛ بحيث أنك تستطيع إقناع القسم العلمي بذلك, فبدأت أجمع أفكاري حول الموضوع، وكنت على إطلاع جيد لا بأس به في موضوع الشعر الجاهلي بالذات, ومنذُ كنت هنا -في أبها- أثناء الدراسة وأنا أجمع الدواوين الشعرية وأعتني بها وأقرأ فيها؛ فكانت رؤوس الأفكار عندي موجودة. بدأتُ أتتبع في تفسير الطبري -على وجه الخصوص- عن الشواهد الشعرية الموجودة فيه، وبحثت عن بعض الدراسات السابقة في الموضوع؛ فوجدتُ رسالةً علميةً سبق وأن حصلت عليها في معارض الكتب، باسم: (الشواهد الشعرية في تفسير الإمام الطبري دراسة أدبية) للدكتور:محمد المالكي (مغربي يعمل في جامعة المحمدية في المغرب). فلما قرأت الكتاب وجدت أنه قد ناقش ظاهرة استفادة الإمام الطبري من الشواهد الشعرية، وركز على جانب النقد الأدبي عند الإمام الطبري؛ فظهر لي أن الرسالة تُعنى بالجانب الأدبي وتصب في قسم الأدب.
    استفدت منها في بلورة الفكرة أكثر، وأخذت أقرأ تعامل الإمام الطبري مع الشواهد الشعرية: كيف يستشهد بالشعر؟ ومتى يحتاج إلى الشعر؟ وطبعا الاستشهاد بالشعر له صلة بأصول التفسير من جانب التفسير اللغوي للقرآن الكريم، فعندما يقوم المفسر بالتفسير اللغوي لأي مفردة من المفردات وتركيب من التراكيب فإنه يحتج غالباً بالشعر؛ فكانت هذه النقطة المدخل إلى هذا الموضوع.
    شرعتُ أضع الخطة العلمية لهذه الرسالة، وبعد مداولات طويلة أجيز الموضوع وقُبل ولله الحمد.
    ولكن موضوعي: (الشاهد الشعري في تفسير القرآن الكريم) ظاهره يوحي بأنّ له علاقة باللغة العربية -وهو كذلك فعلاً- فلما أجيز الموضوع ووفق عليه من مجلس الكلية، قالوا: عيّن لك مشرف مساعد من كلية اللغة العربية في قسم النحو، واذهب إليه وتفاهم معه.
    أخذت الموضوع بنوع من التساهل، وانتظرت أسبوعين ثلاثة حتى يصدر القرار, ولما ذهبت إلى المشرف المساعد: (شيخي وحبيبي وأستاذي د. تركي العتيبي) وهو أُستاذ جاد ولا يقبل أنصاف الحلول، و حقيقةً كنت لا أعرف عنه ذلك، فذهبت إليه يوما في الكلية قلت: أبحث عن د. تركي العتيبي، أريد التعرف عليه، أنا طالب عنده، فقالوا لي: هو عميد البحث العلمي وغير موجود في الكلية، فقلت: خيراً إن شاء الله، تأخرت يومين أو ثلاثة، فلما ذهبت للدكتور في العمادة وعرفته بنفسي -وأنا مبسوط- التفتَ إليَّ وقال: ما شاء الله الآن تحضر؟! وصله القرار يبدو لأنه عضو في مجلس الدراسات العليا، وسبق أن مرّ عليه القرار أول ما مر. كان يحسبني من ذاك الوقت وأنا ما علمت إلا! فما زلت أهدئه، حتى أقنعته أنه مرّت علي ظروف صعبة، فبدأنا في كتابة الرسالة على حسب الخطة المتفق عليها.
    طبعا الأنظمة في الدراسات العليا تفرض على الطالب التقيد بالخطة التي وافقت عليها عمادة الدراسات العليا، فيعطون الطالب الخطة ويختمون على كل صفحة فيها؛ حتى لا تسول له نفسه أن يغيّر أو يبّدل، وأثناء مناقشة الرسالة يزودون المناقشين بنسخة من المختومة طبعاً إلا من لا يحرص عليها؛ حتى يلتزم الطالب بالخطة، وإذا أراد الطالب أن يغير في الخطة لابد أن يراجع مراجعات طويلة في مجلس القسم ومجلس الكلية إلى آخره..
    خطة البحث:

    قسمت خطة البحث إلى بابين، وقدمت بينهما بتمهيد تحدثت فيه عن أهمية الشعر في فهم القرآن، وهذه الفكرة – أعني أهمية الشعر في فهم القرآن- فكرة غائبة للأسف الشديد حتى عند كثير من المتخصصين، وأنا درستُ اللغة العربية ومرّت عليّ كل مراحلها، لا يعتني -حتى الذين يدرسون الشعر الجاهلي والنحو- بربطه بفكرة فهم القرآن الكريم، وفهم الإعجاز فيه.
    وهذه النقطة قلّ من ينبّه إليها، ولعلّي اليوم أتحدث عن هذه النقطة بالتفصيل؛ لأنها من أهم المباحث التي خرجتُ بها من هذه الرسالة.
    في المقدمة تحدثت عن نشأة الشعر, وهي مباحث تمهيدية: تعريف الشعر، والمقصود به، الحكم الفقهي للشعر، وحكم الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم...الخ
    وكان من أبرز من تحدث عن هذه المسألة بالذات هو: أبو بكر الأنبالي في كتابه: (إيضاح الوقف والابتداء) وله كلام جميل في هذا الموضوع، تحدث فيه على من ينعى على النحويين أو اللغويين استشهادهم بالشعر على فهم القرآن الكريم، ويقولون أنكم جعلتم القرآن الكريم فرعاً وجعلتم الشعر أصلاً تستشهدون به عليه! وقالوا: غاية ما هنالك إننا عندما نريد أن نتبين اللفظة الغريبة من القرآن نستدل عليها بالشعر.
    وممن تكلم كذلك في تقرير هذا الموضوع الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابه: (دلائل الإعجاز) وأفاض فيه بشكل رائع جداً، وقد استفدت منهما كثيراً.
    ثم في الباب الأول تحدثت فيه عن الشعر وموقف علماء السلف من الاستشهاد به في تفسير القرآن الكريم، واشتمل على فصلين: تحدثت في الفصل الأول عن: الشاهد الشعري ماذا أقصد به؟ فتحدثت عن تعريف الشاهد الشعري, وماذا أقصد به؟ وبحثت عن تعريفات له ولم أعثر على تعريف جامع مانع كما تعودنا دائماً في كتاباتنا العلمية على انتقاء التعريفات الجامعة المانعة، بسبب تأثير أصول الفقه علينا، وأصبح هذا هاجس يلاحق الباحث، أن يُعرّف كل مسألة تعريفا جامعاً مانعاً. يذكر د. أحمد الذروي بالخير فهو الذي علمنا هذا.
    عرّفتُ الشاهدَ الشعري، طبعاً لم أجد تعريفاً سابقاً في هذا الموضوع إلا تعريف للتهانوي في كتابه: (كشاف اصطلاحات الفنون) قال: "الشاهد عند أهل العربية هو: الجزئيُّ الذي يستشهد به في إثبات القاعدة؛ لكون ذلك الجزئي من التنزيل أو من كلام العرب الموثوق بعربيتهم" وقد استدركت على هذا التعريف وقلت: أن هذا التعريف عليه ملحوظتان:
    إحداهما: أنه قيّد وظيفة الشاهد بإثبات القاعدة، والحقيقة أنّ وظيفة الشاهد عند علماء العربية تتجاوز إثبات القاعدة وتأكيدها إلى الحكم بصحة اللفظة والتركيب، وبيان ما قد يعتري القاعدة من الشذوذ أحياناً، وعدم الاطراد إلى آخره..
    ثانيها: قوله: هو الجزئي إلى آخره. قلت: المقصود موضع الشاهد فحسب لا الجملة المشتملة على ذلك الشاهد، سواءً كانت شاهداً شعرياً أم نثرياً، في حين أن المقصود بالشاهد هو جملة الشاهد كله.
    المهم أنني اخترت اختياراً في تعريف الشاهد فقلت: "هو الشعر الذي يستشهد به في إثبات صحة قاعدةٍ أو استعمال كلمةٍ أو تركيبٍ؛ لكونه من شعر العرب الموثوق بعربيتهم" .
    وأيضاً تحدثت عن بعض المسائل المرتبطة به، فتحدثت عن أنواع الشواهد الشعرية الموجودة في كتب التفسير، وهي مسألة استقرائية، فقبل أن أكتب الرسالة قرأتُ كل كتب التفسير التي أخذتُ على عاتقي أن أكتبَ فيها، فأنتَ عندما ترجع إلى كتب التفسير التي استشهدت بالشعر تجد أنها كثيرة، ولا يكاد يخلو كتاب من كتب التفسير إلا ويستشهد بالشعر؛ ولذلك اشترطتُ على نفسي أن ألتزم بدراسة كتب محددة، وهي:
    1- (جامع البيان) للإمام الطبري، وقد اشتمل على 2260 شاهدا.
    2- (الكشاف) للزمخشري، وقد اشتمل على ما يقارب 980 شاهدا، وتفسير الزمخشري تميز بأنه يُعتبر الأول في التفسير البلاغي للقرآن الكريم، وفتح الباب في كتابه التفسير إلى الاستشهاد بشعر المحدثين أمثال: أبي تمام, والمتنبي، وقال: إن هؤلاء وإن كانوا من المتأخرين -خاصة أبو تمام بالذات- وكان من المحدثين، ولا يحتجُ العلماء بشعره في اللغة وفي النحو، إلا أنه هو الذي جمع ديوان الحماسة، وما أكثر ما يستشهد الشعراء بقولهم: قال الحماسي، قال صاحب ديوان الحماسة.. وكذا فنعتمد على روايته ونعتمد على شعره، وقد احتج به في موضع واحد وليس كثيراً .
    3- (المحرر الوجيز) لابن عطية الأندلسي، و(المحرر الوجيز) يمثّل تفاسير المغاربة والأندلسيين، وهو من أمتن كتب التفسير، وهو محرر ووجيز كما سماه صاحبُهُ أو كما سماه من سماه؛ لأنه لم يثبت أنه سماه المحرر الوجيز.
    4- (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي، وهو أوسع كتب التفسير التي درستها، اشتمل على 5000 شاهد تقريباً، شملت كل الشواهد النحوية واللغوية والبلاغية وغيرها.
    5- (مجاز القرآن) لأبي عبيدة، وهذا الكتاب هو عمدة كتب غريب القرآن والتفسير في جانب التفسير اللغوي بالذات، فالشواهد التي احتج بها أبو عبيدة احتج بها كل من جاء بعده؛ لذلك يعتبر من أبرز وأهم كتب غريب القرآن التي احتج صاحبها بشعر العرب؛ لأن أبا عبيدة من أوثق علماء العربية وعلماء الرواية، وهو من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء البصري، وأبو عمرو العلاء البصري كما يقولون: هو الذي روى نصف شعر العرب، وهو من أوثق الرواة على الإطلاق، وينافسه في الكوفة المفضل بن محمد الضبّي صاحب المفضليات، الاثنان هؤلاء مَنْ روى شعر العرب، وهناك حماد الراوية، وخلف الأحمر، لكن ليسوا في درجة هؤلاء الاثنين من حيث الثقة والعدالة ودقة الرواية، فأبو عبيدة يحتل هذه المكانة بسبب كونه من تلامذة أبي عمرو بن العلاء، وأيضا لأنه أول مُصنف يُصنف على هذا المنهج، أو أقدم ما وصل إلينا على الأقل كتاب: (مجاز القرآن).
    اشتمل مجاز القرآن على تسعمائة وخمسين شاهدا بالضبط؛ ولذلك ذكرتُ في البحث أن كل من احتج بالشعر في التفسير فهم عيالٌ على أبي عبيدة، وإن كنتم ربما تسمعون كثيراً ذما لأبي عبيدة من المفسرين، يقولون: إنه أول من فتح الباب لتفسير القرآن باللغة، وإنه يفسر القرآن برأيه؛ ولذلك يروى عن الأصمعي وعن الإمام أحمد وعن بعضهم؛ حتى قال الإمام أحمد عن الفرّاء: مازلتُ -يعني أحسن الظن بالفرّاء أو كلمة نحوها- حتى رأيته صنف كتاباً عن القرآن؛ فرأى أنه يفسر القرآن بكلام العرب دون الرجوع لتفسير السلف، طبعا هذا في البداية؛ ولذلك الأصمعي كان مشهوراً بأنه لا يتكلم في القرآن الكريم، وبلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه تصنيف كتابه: (مجاز القرآن) فذهب إليه في حلقته وقال له: ما تقول ما هو الخبز يا أصمعي؟ قال: الخبز هو الخبز الذي نأكله، قال: سبحان الله تكلمت في كتاب الله!! واستشهد له بقوله تعالى: إني أرى أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه قال: ما قلت ذلك برأيي وإنما هو شيءٌ بدا لي من كلام العرب فقلته، قال: وأنا كل الذي كتبته في كتاب المجاز هو شيء بلغني وعرفته عن العرب فكتبته، لكن بعد ذلك أصبح كتاب: (مجاز القرآن) هو العمدة التي اعتمدها الإمام الطبري في تفسيره، بلع فيه كتاب (مجاز القرآن)كاملا: مرة يسكت، ومرة يذم، ومرة يقول قال بعض أهل العربية من أهل البصرة ولا يذكره، وقال بعض من يدعي علم العربية من أهل البصرة، لكنه أخذ كل الشواهد: إما أنه يحتج بها، أو يرد عليها أحياناً، أو يناقشها.
    6- (معاني القرآن) للفرّاء، وقد درسته من ضمن البحث، وأيضاً قد استوعبه الإمام الطبري كاملاً؛ ولذلك كان كتابا: (مجاز القرآن) لأبي عبيدة و(معاني القرآن) للفرّاء من أبرز مصادر الإمام الطبري في تفسيره: (جامع البيان)
    7- (معاني القرآن) للأخفش وهو مثل سابقيه، ويعتمد عليه الطبري كثيرا، فكثيرا ممن إذا قال: قال بعض نحويي البصرة فالمقصود به الأخفش الأوسط، وقد جمعتْ د. هدى قرّاعه في تحقيقها لكتاب: (معاني القرآن) للأخفش في ذيل الكتاب، كل ما نقله الإمام الطبري ونسبه إلى الأخفش.
    8- (غريب القرآن) لابن قتيبه ، وكذا كتابه: (تأويل مُشكل القرآن) والكتابان أيضا من أهم الكتب التي بدأت بالاستشهاد بالشعر قديماً؛ لأن ابن قتيبة توفي سنة 276 فهو متقدم أيضاً.
    هذه الكتب هي التي اعتمدتها و درستها كاملةً واستوعبتها في هذا البحث، وقد درستُ غيرها ولم أغفلها، بيد أنني لم اشترط ذلك على نفسي في البحث، فقرأتُ –مثلا- كتاب: (الدر المصون) كاملاً لـ سمين الحلبي، وهو من أوسع كتب الاستشهاد، وقرأت كذلك: (البسيط) للواحدي، أيضاً قرأته كاملاً، وهو أيضاً من أوسع كتب التفسير التي استشهدت بالشعر، وقد بلغت شواهد الواحدي ما يقارب 5000 شاهدا، ومعظمها في النحو وفي توجيه القراءات. هذه هي الكتب التي أخذت على نفسي أن أدرسها في هذا البحث .
    وتكلمت في الباب الأول أيضا عن الشاهد الشعري الذي يحتج به، ما هو الشاهد الشعري الذي يحتج به؟ وهذه مسالة مبحوثة قديما عند النحويين، وأبرز من اعتنى بدراسة الشواهد والاستشهاد بها هم النحويون؛ ولذلك ذكرت في المقدمة عددا من الدراسات مثل: كتاب: (شرح أبيات سيبويه) لأبي جعفر النحاس؛ لأن كتاب سيبويه وشواهده الشعرية قد دُرست دراسة واسعة وشرحت قديما؛ لأنه استشهد بألف وخمسين شاهد من الشواهد الشعرية. فمن الدراسات: (شرح أبيات سيبويه) لأبي جعفر النحاس، (شرح أبيات سيبويه) لابن السيرافي، (تحصيل عين الذهب) لـ الشنتمري، (شرح أبيات سيبويه) لعفيف الدين الكوفي، (شواهد الشعر في كتاب سيبويه) وهذا الأخير كتاب قيم جدا، للدكتور خالد جمعه، أظنه كويتي، وهو دكتور قديم حصل على الدكتوراه عام 1387 أو 1388هـ.
    أيضا تحدثت عن سبب توقف الشعراء أو توقف العلماء في الاحتجاج بالشعراء عند سنة 150 تقريبا؟ وذكرت بعض ما نقلته عن العلماء؛ لأنه هناك دراسات اعتنت بهذه المسألة، من أجودها كتاب د. محمد حسن جبل (وهو من أساتذة المنصورة كلية اللغة العربية في المنصورة) له كتاب بعنوان: (الاحتجاج بالشعر في اللغة) وهو كتاب قيم جدا، استفدت منه في هذا المبحث في الشاهد الشعري المحتج به.
    ومن الأشياء التي ذكرتها وربما تكون إضافة هي: عيوب الشاهد الشعري، وهو في المبحث الرابع من الفصل الأول، تحدثت عن عيوب الشاهد الشعري التي تعتريه في كتب التفسير، والتي أشار إليها العلماء، وكانت كل المادة العلمية التي أنقلها في هذه المباحث مأخوذة من الكتب؛ لأني كما أشرت قبل قليل بدأت في الكتابة بعد أن جمعت المادة العلمية، وقد ألزمني د. تركي -جزاه الله خيرا- بجمع المادة العلمية في بطاقات وترك الكتابة على الحاسب الآلي في هذه المرحلة؛ فتركتُ الحاسب الآلي وبدأت –فعلا- أكتب في بطاقات، وجمعتُ كل الشواهد الشعرية في تفسير الطبري كاملةً، كتبتها بيدي وكتبت تعليقات الإمام الطبري عليها، ثم جمعتُ كل ما ذكره ابن عطية، ثم القرطبي، ثم ابن قتيبه في مجاز القرآن؛ حتى تجمع عندي أكثر من 14000 بطاقة! وكلها كتبتها بيدي! وكنت أراجع د. تركي وهو من أنشط المشرفين الذين رأيتهم.
    طبعا مشرفي الأساسي هو د. محمد الشايع الذي عرضت عليه الموضوع أول مرة، وهو المشرف الرئيسي، وكنت أعرض عليه الرسالة بشكل شهري، كل شهر أمرُّ عليه وأعرض عليه ما كتبت، لكن د. تركي كان لابد أن أزوره أسبوعيا (يوم الاثنين) وكان دقيق الموعد، لو تأته الساعة 11 ودقيقة فقط لا يمكن أن يستقبلك! بل أذكر من المواقف الطريفة أنني ذهبت إليه وهو عميد للبحث العلمي، فانتظرت عند السكرتارية الساعة 11 إلا 5 دقائق، فجاء الشيخ ودخل إلى مكتبه وأنا جالس، فتركته حتى يحين موعد الساعة 11 قلت في نفسي: دعه يدخل ويأخذ قسطا من الراحة ثم أدخل عليه، ثم قليلا رأيته يتكلم بالهاتف؛ فاستحييت أن أقاطعه، قلت: أنتظر حتى ينهي اتصاله؛ حتى صارت الساعة 11 ودقيقة، انتهت المكالمة؛ فدخلت عليه فقال لي: كم الساعة قلت: 11 ودقيقه، قال: وموعدنا الساعة كم؟ قلت: الساعة 11، قال: خلاص انتهى اللقاء!! قلت: يا شيخ أنا جالسٌ هنا في المكتب قبل الساعة 11!!، ولم تنفع فيه الشفاعة؛ فخرجت –والله- و أنا أجرُّ أذيال الخيبة!!
    والشاهد: أني كنت كلما التقينا نقرأ البطاقات التي كتبتها، ويعلق عليها وأذهب فأراجع؛ حتى أصبحت محققة، فالمسائل المكتوبة في البطاقات كان لابد أن أبحثها وأوثقها وأستعد لمناقشة كل بطاقة منها حتى يؤذن الظهر، فكنت أنتظر أذان الظهر بفارغ الصبر في جامعه الإمام! ومشينا على هذا المنوال، وكان الشيخ -حفظه الله- لا يقبل عذرا ولا تخلُّف بل إنّه -جزاه الله خيرا- من حرصه على هذا اللقاء أذكر أنه كان في إجازة من عمادة البحث العلمي في الصيف وكان يأتي الساعة: 11 من أجل هذا الموعد فقط، فالحقيقة د. تركي نموذج في الإشراف لكنه لابد له من واحد صبور: يصبر على الشدة، ويصبر على الحر، ويصبر على المرض؛ حتى يستمر مع د. تركي؛ ولذلك بعض الباحثين وهو يُدَّرِس في قسم النحو يبدأ الشيخ يشرف عليهم فترة ثم يُعفى بناء على طلبه، يطلبون الاعتذار، فلا يبقى معه في نهاية السنة إلا 3 إلى 4، وكان دائما يذكر لي عن الحوادث: فلان اعتذرت على الإشراف عليه؛ فيزيدني هذا جزاه الله خيرا.
    قسمت عيوب الشاهد الشعري إلى أقسام: الأول العيوب المسقطة لـ الشاهد تماما، كأن يكون الشاهد –مثلا- من خارج عصور الاحتجاج؛ فهذا عيب مسقط للشاهد بالكلية، أو تكون عيوب مضعفة للشاهد، كأن يكون مجهول القائل ولو كان في عصر جاهلي، فعندما يقولون: هذا شاهد جاهلي لكنه مجهول القائل؛ فيعتبر من العيوب المضعفة وليست المسقطة، وقد نقلت كل ما ذكره المفسرون في كل موضع الطعن في الشاهد الشعري بالوضعة أو بالصنعة، وهذا موجود وذكرت له أمثلة، أيضا ما اعترف واضعه بوضعه وذكرت له مثالا هنا، وإن كان هذا المثال حقيقة في نفسي منه شيء: يذكرون أنّ الإمام أبو عبيدة له قصة تُذكر في كتب الأدب وهي: أنه يقول أدركت أبا عمرو بن العلاء في احتضاره فقال لي: يا أبا عبيدة والله ما كذبت على العرب في شيء رويته عنهم قط إلا في حرفٍ واحد، قال: وما هو؟ قال: في قصيدة الأعشى التي يقول فيها:
    بانت سعاد وأمسى حبلها انقطع واحتلت الجزع فرعين فانفرعا
    وأنكرتني وما كان الذي نكرت من الحوادث إلا الشيب والصلع
    هذا الشاهد يستشهد به الطبري، ويستشهد المفسرون عند قوله تعالى: فلما رأى أيديهم لاتصل إليه نكرهم و أوجس منهم خيفة ويستشهدون به على أنّ نَكِرَهُ و أنكَرَهُ بمعنى واحد، ثم يستشهدون بهذا الشاهد، فيقول أبو عبيدة فقال: نَكِرَهُم و أنكَرَهُم سواء، قال الأعشى ثم ذكر الشاهد، واستشهد به الطبري على المسألة نفسها فجمع، وهذا الشاهد قد نقل أبو عبيدة عن يونس بن حبيب البصري أن أبا عمرو ابن العلاء قد اعترف له فقال: أنا الذي زدت هذا البيت في شعر الأعشى إلى آخره فذهب؛ فأتوب إلى الله منه.
    والبيت في ديوان الأعشى المطبوع، وقد ذكر المحقق ما قيل في وضع القصيدة برمتها على الأعشى، وأقوال المحققين ترد كثيرا من أبيات القصيدة ومنها هذا الشاهد، وقد نسب وضعه إلى حماد الراوية، والمشهور أنه لأبي عمرو بن العلاء كما في مراتب النحويين لابن عمرو.
    طبعا هذه المقولة فيها طعن في الإمام أبي عمرو بن العلاء وهو من أوثق الرواة، فأنا متوقف حقيقة، وهي ليست مروية بسند كسند البخاري، والأسانيد التي تروى بها الشعر ويروى بها التاريخ والأدب ليست كأسانيد المحدثين؛ ولذلك تحدث العلماء الآن والمحققون عن التفريق بين أسانيد الحديث وأسانيد التفسير وأسانيد التاريخ ونحوها، لكن مثل هذه أنا لما رجعت للطبري -وهذا من فطنة الطبري- وجدتُ أنه لم يستشهد بهذا الشاهد فقط، وإنما استشهد قبله بقول الشاعر وهو: أبو ذؤيب الهذلي: فنكرنه فنفر وامترست به هوجا هاديه وهاد جرشع.
    وهذا من فطنة الإمام الطبري أنه لم يكتف بهذا الشاهد وإنما جاء بشاهد آخر موثوق لأبي ذؤيب الهذلي، وهذا منهج يتبعه الإمام الطبري في حال أنه سقط هذا الشاهد فيأتي بشاهد آخر.
    ومن الأشياء التي مرت عليّ في البحث: أبو بكر ابن الأنباري صاحب كتاب (الإيضاح والابتداء) يُذكر في ترجمته أنه أوسع من يحفظ شواهد الشعر من أجل التفسير؛ فيقولون في ترجمته أنه كان يحفظ 300 ألف شاهد يستشهد بها في التفسير، ولكن للأسف ليس عندنا من كتب الإمام ابن الأنباري في التفسير ما يؤكد هذا أو ينفيه، لكن طبع له جزء في تفسير بعض الآيات, طبع مؤخراً في الأجزاء التي تخرج في لقاءات الحرم لقاء العشر الأواخر؛ فوجدته يستشهد على اللفظ الواحد أحيانا بتسعه شواهد أو عشرة ؛ فعلمت أن هذه الكثرة لأنه يستشهد بأكثر من شاهد على المسألة الواحدة، هذا سبب الإكثار.
    وأيضا هناك بعض العلماء الذين كانوا يعنون بشواهد التفسير منهم: أحد العلماء اسمه ابن عطية من القرن السابع يقولون: إنه كان يحفظ 50 ألف شاهد يحتج بها في تفسير القرآن. والخلاصة: أن من عيوب الشعر التي ذكرتها ما اعترف واضعه بوضعه، وذكرت بقية العيوب التي قيلت في شواهد الشعر في التفسير، تأخرها مثلا، أو فصله عن القصيدة، فأحيانا يؤخذ صدر البيت ويعزل عن البيت كاملا، أو يعزل عما قبله فلا تظهر دلالته للقارئ؛ ولذلك أدعو -وكنت أتمنى أن أقوم بهذا العمل- أن يقوم باحث بعمل عبد القادر البغدادي في: (خزانة الأدب) مع شواهد التفسير، ماذا صنع؟ جاء إلى الشواهد التي استشهد بها الرضي في كتابه: (الشافي) فاستخرج هذه الشواهد (وهي ألف شاهد من الشواهد النحوية والصرفية) وبدأ يصنع بها كما صنع أبو الفرج الأصفهاني في كتاب: (الأغاني) يأخذ الشاهد ثم يأتي بالقصيدة كاملة، ويأتي بالشاعر ويترجم له، ثم يذكر وجه الاستشهاد ما قبل الشاهد وما بعده؛ فيتضح للقارئ دلالة الشاهد بشكل كبير جدا، وهو مفيد جدا، وخزانة الأدب تعتبر موسوعة من الموسوعات التي لا يستغني عنها النحوي ولا المفسر، فلو قام باحث بمثل هذا العمل في كتب التفسير -خاصة كتاب الطبري أو على الأقل الكتب التي ذكرتها هنا- فيأتي بالشاهد ويأتي بالقصيدة، فإنّ هذا من أنفع ما يكون لطالب العلم في فهمه للشواهد التي استشهد بها المفسرون، وأيضا يدخل الطالب بذلك في جو لغة العرب التي يحتج بها خاصة الجاهلية والصدر الأول في الإسلام؛ لأن الدخول في هذا الجو يجعل فهم إعجاز القرآن الكريم ميسورا للبحث.
    وذكرت أيضا في الفصل الأول: (مصادر الشعر المحتج به) ووجدت أن أبرز المصادر التي استخرجت منها الشواهد هي: كتب المختارات (المفضليات) لمفضل بن محمد الضبي، المتوفي سنة 178، وهذه هي أول المختارات التي حفظت لنا، وقد وقفت مع كثير من شواهد هذه المفضليات في بعض الدورات العلمية وهي رائعة جدا، فعندما تدرس القصائد في المفضليات وتستخرج منها الشواهد, تجد أن المفسرين لم يأخذوا إلا بعض الشواهد وتركوا الكثير؛ فيستطيع الباحث أن يأتي بشواهد أخرى، فلو كلف أستاذٌ طلابه وقال مثلا: لو استخرجت لي من قصيدة الأعشى مثلا الموجودة في المفضليات، أو من قصيدة أبي ذؤيب أو غيره الشواهد التي تدل على التفسير، أو مثلا إذا كان في تفسير الطبري هنا شاهد واحد تجعل الطالب يرجع إلى المفضليات فيأتي بعشرة شواهد على هذه المسألة؛ فإن ذلك يثري الطالب ويثري الملكة اللغوية لديه، وفيه معرفية كيف يستشهد؟ وكيف..؟
    أيضا من المصادر المهمة: (الأصمعيات) وهي تكملة للمفضليات، ومن أهم المصادر التي وجدتها (ديوان الحماسة) لأبي تمام، وهو من الكتب التي اعتنى المفسرون كثيرا بالاستشهاد به، و(مجاز القرآن) لأبي عبيدة يعتبر من كتب المصادر في شواهد التفسير أيضا.
    ثم يتفاوت المفسرون بعد ذلك في الشواهد، فبعضهم عالم مثل: الإمام الطبري، فهو لغويٌ ونحويٌ ومحدثٌ وفقيهٌ قبل أن يكون مفسرا؛ ولذلك يقول الإمام ثعلب (وهو من الأوائل الذين أخذ عنهم الإمام الطبري، درس عليه دواوين الشعر، توفي سنة 290 والطبري توفي 310 يعني عاش الطبري بعد ثعلب20 عاما) قال ثعلب يوما لتلاميذه وكان معهم أبو بكر بن مجاهد المقرئ المعروف -وأبو بكر بن مجاهد يعتبر من تلاميذ الطبري أو من أصحابه يعني من أضرابه لكنه يعتبر نفسه تلميذا له- قال: من بقي في تلك الناحية من بغداد من أهل النحو؟ قال فقلت: لم يبق أحد مات فلان ومات فلان لم يبق إلا الطبري، قال: أبو جعفر؟ قال قلت: نعم قال: إن كان بقي فيكم أبو جعفر فقد بقي فيكم علم غزير أو نحو كثير، ويقولون كان ثعلب قليل الشهادة للآخرين، فلا يثني على أحد ولا يذكر أحدا بتقدمٍ خاصة في صناعته بالنحو؛ فهذا دليل على أن الإمام الطبري كان مقدما في علم النحو، وقد درس منهجه في النحو أحد الأساتذة في جامعة الإمام وهو: الدكتور صالح, وكتب رسالته في الماجستير في منهج النحو من خلال البسيط ودرس في الدكتوراه الواحدي، وخرج بأن الطبري يميل في مذهبه النحوي إلى مذهب الكوفيين, وميزة الإمام الطبري أنه حافظ للشعر؛ ولذلك قال ثعلب -إضافة إلى شهادته قبل قليل-: "إن كان بقي فيكم أبو جعفر فقد بقي فيكم علم كثير، وقد قرأ علي دواوين الشعر قبل أن يجتمع الناس عندي بمدة طويلة" ومعنى ذلك أنه قد قرأ عليه النحو في شبابه، وأذكر في ترجمة الطبري أنه سافر إلى مصر مرتين: المرة الأولى، وهي في أول العشرينات، والثانية: وعمره 28 عاما تقريبا، قال أحد الذين رأوه في مصر: "رأيت أبا جعفر الطبري وهو في جامع الفسطاط بالقاهرة يشرح للناس ديوان الطرماح بن حكيم، وكان القائم به في ذلك الزمان قليل، كان يحفظه ويشرحه" وديوان الطرماح بن حكيم ديوان مليء بالغريب وجزل شاعر من الشعراء الخوارج المميزين, فالإمام الطبري كان يحفظ الشعر ويحفظ الدواوين ؛ فكان من أوسع هذه المصادر التي ذكرتها، والزمخشري كثيرا ما يقول: قال صاحب الحماسة ابن عطية الأندلسي، فيعتمد عليه اعتمادا كبيرا، ويعتمد على كتب المختارات؛ فلذلك التوصية التي نخرج بها من هذا هي ضرورة العناية بهذه الكتب: المختارات، المفضليات، الأصمعيات، وديوان الحماسة، وجمهرة إشعار العرب للقرشي، إضافة للمعلقات، هذه من أوثق المصادر التي ينبغي على أستاذ التفسير أن يعتني بها، وربما أقول يحفظها أو على الأقل يحفظ المعلقات؛ حتى يستطيع أن يشرح لطلابه هذه الشواهد؛ لأن بيننا -وأنا نشأت على هذا- وبين الشواهد التي في كتب التفسير نفرة، أعرفُ بعض الزملاء يقول: أقرأ في الكتاب فإذا جاء شاهد شعري قفزت من الشاهد إلى غيره، والمفترض أن يقف عند الشاهد ويبين وجه الاستشهاد؛ لأن هذا الشهد وثيقة مهمة جدا بل تكاد أن تكون الوثيقة الوحيدة بين أيدي العلماء؛ لاستخراج معاني هذه المفردات والتراكيب من لغة العرب.
    وتحدثت أيضا عن صله الشاهد الشعري بالتفسير اللغوي، وأثبت أنها صلة وثيقة.
    وتحدثت أيضا في المبحث السابع عن التشكيك في الشعر الجاهلي وخطره على تفسير القرآن، وتحدثت كذلك عن فكرة نرجليوث في الطعن بالشعر الجاهلي، أيضا حينما نقل هذه الفكرة طه حسين ودارت حولها دائرة، والعلماء – ولله الحمد - تنبهوا لها وهذا من ذكائهم وخاصة الرافعي في كتابه: (تحت راية القرآن)، ومن أجود من قرأت له نقدا لكتاب طه حسين د. محمد أحمد الغمراوي في كتابه: (النقد التحليلي) نقد فيه كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين، وطبعا كتاب في (الشعر الجاهلي) لطه حسين كتاب جيد في مجمله لكنه أساء في موضعين: الموضع الأول، أنه أنكر الشعر الجاهلي وزعم أنه –كله- موضوع، وكل الشعر المنسوب للجاهلية هو من عمل حماد الراوية. وهذه طبعا كذبة صلعاء.
    والمشكلة الثانية، أنه عندما تعرّض لقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: إن للقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وللتوراة ولكن هذا لا يعني بالضرورة وجودهما في التاريخ!
    إن فكرة القدح في الشعر الجاهلي والطعن فيه فكرة خطيرة؛ لأن الرجل أنكره برمته، أما قضية إنكار الموضوع من الشعر فهذه قديمة، وقد كتب فيها الإمام محمد بن سلام الجمحي في كتابه: (طبقات فحول الشعراء) كلاما رائعا جدا، قال: وأهل الصنعة في الشعر يعرفون الموضوع ويعرفون الرديء كما يعرف المحدثون صحيح الأحاديث وضعيفها" لكن طه حسين أنكره برمته. والحقيقة كان في الكتابات التي كتبها طه حسين خيرا؛ لأن الناس كانوا لا يعتنون بالشعر الجاهلي فلما قال ما قال، كتبت عشرات الرسائل وحققت مئات الدواوين الجاهلية، وبدأ العلماء يهتمون بها وينقبون عنها ويستخرجونها، وكانوا قبل ذلك لا يعتنون بها، ولم يكن قبل ذلك يعتني بالدواوين إلا المستشرقون، لكن عندما قال هذه الكلمة بدأ العلماء: أحمد شاكر وتلاميذه ومحمد أبو الفضل إبراهيم وحقق ديوان امرئ القيس تحقيقا رائعا، ثم بدأت تتوالى بعد ذلك التحقيقات؛ ولذلك انظروا إلى دواوين الشعر الجاهلي بالذات حظيت بعناية رائعة جدا؛ ردةً للفعل، وأفضل كتاب كتب بعد ذلك جرّاء آثار هذه التشكيكات كتاب: (مصادر الشعر الجاهلي وقيمته التاريخية) لـ أ.د ناصر الدين الأسد (أردني)، وهذا الكاتب هو من تلاميذ طه حسين، وقد رد عليه في هذا الكتاب ردا علميا رائعا، ليس ردا مباشرا وإنما أثبت فيه موثوقية الشعر الجاهلي وبأدلة علميه من أقوى ما يكون، وهو من الكتب المقررة في كليات اللغة العربية، وهو كتاب مشهور جدا.
    ثم تحدثتُ في الفصل الثاني عن موقف المفسرين من الاستشهاد بالشعر في التفسير، فتحدثت في المبحث الأول عن منهج الصحابة في الاستشهاد بالشعر، وكان يمثل أبرز من يستشهد بالشعر من الصحابة عبد الله بن عباس؛ لذلك أفردته في المبحث الثاني وجعلت المبحث الأول لما وجدته من آثار عن الصحابة غير ابن عباس في الاستشهاد على بيان معاني القران الكريم بالشعر، ثم المبحث الثاني أفردته لمسائل نافع بن الأزرق التي رويت عن ابن عباس، ولا أنكر حقيقة فضل أخي الدكتور يحيى؛ فقد عرضت عليه هذا المبحث وأفادني فائدة لا أنكرها.
    المبحث الثالث كان عن منهج التابعين وأتباعهم، هذه الطبقات الثلاث وجدتُّ فعلا أنهم قد رسخوا لهذا المبدأ، وابن عباس وعائشة وتلاميذهما كانوا يتوارثون هذا المنهج، منهج الاستشهاد بالشعر في بيان معاني القرآن الكريم؛ ولذلك عندما تدخل في تفاصيل سيرتهم العلمية تجد أن هذا المنهج ظاهر عندهم، وابن عباس كان له مجلس خاص بالشعر ومجلس خاص بالتفسير.
    ثم تحدثت في الباب الثاني عن مناهج المفسرين وأثر الشاهد الشعري، وفيه ثلاث فصول: الفصل الأول، منهجهم في الاستشهاد بالشعر، منهجهم في إيراد الشاهد الشعري، مدى اعتمادهم على الشاهد الشعري، هل الشاهد الشعري هو الدليل الوحيد الذي يعتمدون عليه أم لا؟ منهجهم في شرح الشاهد الشعري، هل المفسرون يكتفون بإيراد الشاهد فقط أم أنهم يبينون وجه الاستشهاد ويشرحونه؟ طبعا تجد فيهم من يفعل هذا، ويفعل هذا الإمام الطبري فهو من أبرز من يشرح الشواهد الشعرية ويبين ما فيها؛ ولذلك تجد أحيانا شرحه لشاهد أفضل من شرح الذين شرحوا الشاهد الشعري في أثناء القصيدة من شروح الشعر الجاهلي، أيضا منهجهم في توثيق الشاهد الشعري، حيث تجد أن المفسرين بعضهم يعتني، فيقول: قال الشاعر وهو أبو ذؤيب الهذلي، قال الشاعر وهو فلان الحماسي، وهو فلان بن فلان، قال الشاعر ثم يذكر البيت ثم يقول وهو لأبي ذؤيب، مثل الإمام الطبري كان يعتني بهذا الموضوع؛ فيذكر الشاهد والقائل حتى يطمئن الذي يقرأ، أيضا أغراض إيراد الشاهد الشعري، ما هي الأغراض التي كانوا يوردونه من أجلها؟ فتجد أن من أغراض إيجاد الشاهد إثبات أن هذه اللفظة لفظه عربيه صحيحة، وأحيانا يأتي بالشاهد ليثبت بأن هذه اللفظة تستعمل عند السياق عند العرب، وهذا يقتضي منه أن يورد الشاهد كاملا أو يورد الشاهد ومعه بيت قبله أو بعد، وأحيانا يورد الشاهد لكي يثبت مثلا عادة من عادات العرب كانت موجودة ونحو ذلك من الأغراض التي أورد المفسرون الشواهد الشعرية من أجلها.
    ثم في الفصل الثاني: تحدثت عن مناهج أصحاب معاني القرآن وكتب غريب القرآن، وعلى نفس الطريقة تحدثت فيها عن المقصود بأصحاب المعاني، ثم منهجهم في إيراد الشواهد الخ وفي الفصل الثالث: تحدثت عن أثر الشاهد الشعري في تفسير القرآن، وكان هذا من أهم الفصول في الرسالة، أثره في إيضاح المعنى، وكيف أن المعنى كان قبل الاستشهاد غير واضح ثم بعد أن استشهد المفسر بالشعر اتضح المعنى؟ وهذا يزيد المعنى وضوحا، وكذلك أثره في توجيه القراءات، وهذا مما اعتمد عليه المفسرون كثيرا، وهو الاعتماد على الشعر في توجيه القراءات، وكذلك أثره في الجانب العقدي عند المفسرين، وهذا المبحث أضفته؛ لأني وجدتُ بعض الأمثلة أو بعض الشواهد التي يحتج بها المفسرون على مسائل عقدية خاصة في باب الصفات، ومن أبرزها: قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق، ونحو هذا الشاهد جعلتها تحت هذا المبحث, وكذلك تحدثت عن أثره في الجانب الفقهي، فهناك بعض الشواهد التي وجدتها وهي ليست كثيرة ويمكن الإفادة منها في الجانب الفقهي، وكذلك أثره في الترجيح بين الأقوال، وهذا كثير، فيأتي المفسر بشاهد شعري يرجح به قولا على قول، وكذلك – وهو من المباحث المهمة- أثره في بيان الأساليب القرآنية، هذا تجده كثيرا عند الزمخشري في كتاب الكشاف؛ لأن بيان الأساليب القرآنية يدخل في باب البلاغة، والطبري لا يحرص على ذلك كثيرا، أكثر ما حرص عليه الطبري بيان الغريب، توجيه القراءات، أما القرطبي وابن عطية فقد استشهدوا كثيرا بالشواهد الشعرية في بيان الأساليب العربية، مثل: الالتفات، ونسبة اللغات للقبائل فيقول: هذه لغة تميم ثم يستشهد ويقول: قال فلان من بني تميم، فهذا من الأشياء التي كانت واضحة في كتب التفسير أنهم يستشهدون بالشعر لإثبات اللغة، بأنّ هذه لغة طي وهذه تميم الخ، وكذلك أثره في الحكم بعربية بعض الألفاظ، وهذه أيضا كانت ظاهرة في كتب التفسير، وكذلك أثره في بيان الأحوال التي نزل فيها القرآن، أيضا هذا موجود لكن ليس كثيرا؛ فيستشهدون به لبيان النسيء مثلا ما المقصود بالنسيء في قوله: إنما النسيء زيادة في الكفر فيستشهدون ببعض الشواهد التي تدل على أن النسيء عادة من عادات العرب في الجاهلية، أيضا من المباحث التي ذكرتها هنا أثره في معرفه الأماكن، وهذا أشبه ما يكون بجانب جغرافي في كتب التفسير، أنهم يذكرون مثلا في قوله: ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فيقولون (حنين) هي موضع في الطائف، ويستشهدون بالشعر، ويثبتون أن هذه منطقة من مناطق الطائف الخ.
    المبحث الحادي عشر، وهو مبحث مهم جدا، حاولت أن أدرجه في الرسالة بأي طريقة وهو: صلة الشعر الجاهلي بإعجاز القرآن، وهذا في الحقيقة بحث مستقل يستحق أن يفرد ببحث مستقل، كيف هي الصلة بين الشعر الجاهلي بالذات وبين إعجاز القران الكريم؟ والتي دعت طه حسين أن يذهب إلى التشكيك بالشعر الجاهلي من أجلها، الآن عندما نأتي لدراسة القرآن الكريم نريد أن نتأكد عندما يقول الله: إنا أنزلناه قرآنا عربيا ويثبت في أكثر من آية أن القرآن الكريم عربي، ويقول أبو عبيدة: مجاز القرآن والقرآن نزل بلغة العرب؛ ففيه ما فيه من حذف وتقييد وإطلاق ونحو ذلك من الأساليب العربية، ما هو المحفوظ لنا من لسان العرب في وقت نزول القرآن الكريم؟ يقول أبو عمرو بن العلاء: ما قالت العرب من النثر أضعاف ما قالت من الشعر، ولكن لم يحفظ لنا من النثر عشره، وأكثر ما حفظ لنا من كلام العرب هو الشعر بالرغم من ضياع الكثير من الشعر و ذهابه بموت الرواة وعدم التقييد، إلا أن الجزء الذي حفظ لنا الكثير منه هو (المفضليات) للضبي، يحتوي على ما يقارب ثلاثة آلاف بيت، وديوان الحماسة قريب منها وأكثر, ودواوين الشعر الجاهلي الموجودة مثل: ديوان امرئ القيس، وهناك عدد هائل من الشعر الجاهلي موجود بين أيدينا ويمكن أن نستفيد منه في دراسة لغة العرب ولسانها قبل الإسلام، الآن عندما تريد أن تدرس لسان العرب قبل الإسلام وتتعرف على خصائص الكلام، وعلى وجه البلاغة فيه، لابد أن تعود للشعر الجاهلي، وقد تنبّه لهذه المسالة الباقلاني في كتابه: (إعجاز القرآن) لكنه –للأسف- لم يوفق في معالجتها بشكل أفضل، فقد قال: تعالوا بنا إلى أجود ما اختاره العلماء من شعر الجاهلية ولنأخذ مثالا على ذلك قصيدة امرئ القيس: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل، وننظر ما فيها فأخذ أبو بكر الباقلاني يقرأ القصيدة ويستخرج ما فيها من مساوئ ومن طعون من وجهة نظره، فأخذ يقلل من شأن بلاغتها وما فيها من الترابط، ويقول: ولو قال كذا لكان أحسن ولو قال كذا لكان أحسن! والحقيقة هذه سقطة من أبي بكر الباقلاني؛ لأنه من أنت حتى تقترح على امرئِ القيس أن لو قال كذا لكان أحسن، وامرؤ القيس هو أمير الشعراء بدون منازع، وقد أعجبتني كلمة كنت مؤمنا بها لكن لما قرأتها للرافعي ازددت إيمانا بها وهي: أن امرئ القيس ربما ينظر إليه بعضنا على أنه شاعر ماجن، وأن معلقته تصف التصابي والغزل، نحن لا ننظر إليها من هذه الزاوية ونتجاوز المعنى الذي فيها تماما، ولكننا نتوقف عند الأسلوب وعند اللغة وهذا هو الذي يهمنا في موضوعنا في الاستشهاد بالشعر في التفسير؛ ولذلك كان العلماء لا يتحرجون من الاستشهاد بالشعر في المعنى القبيح في تفسير القرآن ومنهم ابن عباس ومن بعده ؛ لأنهم يقصدون المعنى أو اللفظ والأسلوب؛ فيقول الرافعي: إن في تقديمه لكتاب مجهول -ربما الكثير منا لا يعرفه- اسمه (أمير الشعراء في العصر القديم) كتبه باحث خريج من كليه دار العلوم عام 1350 هـ تكلم فيه عن امرئ القيس وقدم له الرافعي بمقدمة في خمس صفحات فقط، والكتاب نادر اشتريته من أجل مقدمة الرافعي ثم وجدته مصور بي دي إف، الشاهد أن هذه المقدمة التي كتبها الرافعي مقدمه رائعة جدا في النظر إلى شعر امرئ القيس وقال: امرؤ القيس ليس مجرد شاعر وعربي يتكلم كما يتكلم العرب، وإنما هو عند من جاء بعده أشبه بما يكون مصنع للّغة العربية ينتج والآخرون يستعملون؛ فهو ينتج الصور ويبتكر والشعراء من بعده يستعملون شعره؛ ولذلك هناك كثير من الأساليب عليها ختم امرئ القيس، هو أول من ابتكرها، هذا مصدر تميز امرئ القيس، أما كونه يقول: ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة... فلا يعنينا بشيء، وأجود قصائده هي المعلقة: قفا نبكي من ذكرى حبيبي ومنزل، وقصيدته اللامية: أناعم صباحا أيها الطلل البالي، وقصيدته: سما لك شوق بعدما كان اقصرا الرأي، هذه أبرز قصائده والبقية جيدة لكن هذه أجودها، عندما تقرا قصيدة امرئ القيس بهذه الروح ستعرف قيمة معلقته ولماذا قدمها العلماء دائما؟! يصدرون بها كتب الاختيارات كما صدر البخاري كتاب النية وحديث إنما الأعمال بالنيات؟! والمقصود: أنه عندما جاء الباقلاني ينقد القصيدة للأسف قلل من شأنها، واقترح فيها اقتراحات غير مناسبة من وجهة نظري، ثم لما خرج بكونها قصيدة متهالكة قال: "بالله هل يقارن هذه القصيدة بكلام الله!" وهذا خطأ منهجي؛ لأنه عندما قلل من شأن هذه القصيدة -وهي أجود ما اختاره العلماء- ثم جاء ليفضّلها على القرآن الكريم، يكون قد فضّل القرآن على شيء ضعيف عنده، والمفترض أن يكون قد عظّم شأنها واستخرج ما فيها من مزايا وحاول أن يتوقف عند أسباب تقديم العلماء لها، ثم يقول – بعد ذلك-: وبالرغم من كل هذه المزايا إلا أنها لا تقارن بالقرآن، وهي كذلك فعلا بالرغم من مزاياها وروعتها ودقة ما فيها من معاني إلا إنها لا تقارن بما في كتاب الله؛ ولذلك وفق -أيما توفيق- الأستاذ الدكتور: محمد أبو موسى في قراءته لهذه القصيدة، وسار في قراءته لها كما فعل مصطفي الرافعي في المقدمة هذه؛ لأنه قال: "وقد يفهم بعضهم من كلام امرئ القيس ما لا يريده" ثم حلل بيتا واحدا فقط وقال: "وهكذا ينبغي أن يفهم شعر امرئ القيس"؛ ولذلك امرؤ القيس في شعره وأبو ذؤيب الدؤلي والنابغة الذبياني والأعشى ينبغي أن تدرس أشعارهم دراسة متكاملة، ويستخرج منه أساليبهم واستخدامهم للأدوات واستخدامهم للتقديم والتأخير؛ فإن لكل شاعر من هؤلاء الشعراء مزيته الخاصة؛ ولذلك من أوجه الرد على المشككين في الشعر الجاهلي أن يقال لهم: هذه قصائد للأعشى، وهذه لزهير، وهذه للنابغة، هؤلاء الشعراء في كل قصيدة من هذه القصائد تجد فيها شخصية مختلفة، فإذا قرأت قصائد أحد الشعراء وتعرفت على أسلوبه ثم عرض عليك منها ما لم تقرأ تستطيع أن تجزم بأن هذه لزهير وهذه لامرئ القيس؛ لأن فيها روح هذا الشعر، لكن عندما تأتي للقرآن لا تجد فيه شخصية بشريه أبداً، تقرأه من أوله إلى آخره ولن تجد فيه ذلك أبدا, أما الشعراء فمعروف: زهير غزل، امرئ القيس خوف، النابغة واعتذاراته، وهذه لفته جميله جدا نحن في زماننا هذا للأسف الشديد أيها الإخوة قصرنا -وأنتم صفوة طلاب العلم وأساتذة اللغة العربية وأساتذة التفسير والعلوم الشرعية- قصرنا في دراستنا للشعر الجاهلي بهذه الروح، وهي دراسة الشعر الجاهلي للدخول لإعجاز القران من بوابته، وليس فقط دراسة الشعر الجاهلي وتفكيك عباراته والاكتفاء بذلك، وإنما دراسة الشعر الجاهلي بهذه الروح؛ ولذلك كتب الشيخ محمود شاكر كلاما نفيسا في مقدمته لكتاب: (الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي، ذكر فيه هذه الحقائق وقال: "إنه لا يمكن أن يدخل إلى إعجاز القرآن إلا من بوابة الشعر" ؛ ولذلك يقول عبد القاهر الجرجاني: "إن الذي يصد عن دراسة شعر العرب فإنه يصد عن دين الله من حيث لا يشعر"، يصد عن الدين نفسه؛ لأن هذا هو المفتاح للتشرب باللغة العربية التي كانت في زمن نزول القرآن، فعندما يحفظها الطالب وتصبح هذه الألفاظ الجاهلية الفصيحة في فمه وفي يده وفي لسانه وهو يكتب، تسهل عليه بعد ذلك معرفه أساليب القرآن، وكيف أن هذا القرآن جاء بالأساليب التي تعرفها العرب، وأضرب لكم مثالا: عندما تقرأ في الشعر الجاهلي تجد الإبل حاضرة بشكل كبير في شعرهم؟ فشعرهم مليء بوصف الإبل: في الضعن، في الارتحال، في الإقامة، في السفر، في الديات؛ لأنها كانت قائمة حياتهم الاقتصادية، هي التي يرحلون عليها ويحملون عليها متاعهم، ويدفعونها ديةً لقتلاهم، ومهرا لزوجاتهم، يعني هي رأس المال؛ ولذلك عندما قال الله: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت كان يحيلهم إلى شي يعرفونه كما يعرف الواحد راحة يده؛ ولذلك ما حفظ عن واحدٍ منهم أنه قال: ما بها الإبل؟ وإنما كلهم سكتوا؛ لأنهم وجدوا حقيقة ما أحالهم عليه فعلا، عجبا اليوم قل مثل هذه الآية لنا اليوم أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ما هو الذي يستلفت نظرك ويستوقفك في الإبل؟؛ ولذلك لا تستطيع أن تفهم فعلا موضع هذه الآية إلا إذا عرفت حضور الإبل في حياة العرب الجاهلية، وتجد هذا ظاهرا في كتبهم، تجد أن العرب كثيرا ما يبدؤون بالنسيب والحديث عن المحبوب ويكررونه، والقرآن الكريم جاء بنفس الأسلوب؛ ولذلك أكثر من ذكر الجنة وأوصاف الجنة وما فيها من التفاصيل؛ لأنها تحبب إلى الله وتزيد العباد رغبة إليه ورهبة منه ، ومن الأشياء التي يمكن أن يستفاد منها الآن قضية دراسة مقاصد السور، فبعض الناس الآن ليس مقتنعا بأنّ لكل سورة من القرآن الكريم مقصد أساسي تدور حوله، عرفه من عرفه وجهله من جهله، أنا أزعم أن قصائد الجاهلية وخاصة قصائد الشعراء الكبار لها مقصد واحد تدور حوله، وأن الذين يكتبون في نقد الشعر الجاهلي ويقولون: إن من عيوب القصيدة أنها مفككه وليس فيها حسن تخلص فبينما هو يقف على الأطلال ينتقل مباشرة إلى غرضه الأساسي من القصيدة!، وهذا غير صحيح أبدا بل إن غرضها واحد، والشاعر متقن في انتقاله ولكن كيف تقرأ القصيدة؟!؛ فلذلك أقول: إن دراسة مقاصد السور ليس بدعا من القول؛ لأن هذا مقصد كان يقصده المتكلمون، وهم يديرون قصائدهم على معنى واحد، ومن ذلك على سبيل المثال زهير بن أبي سلمى في قصيدته: أمن أمي أوفى دمنة.. هذه القصيدة أنشأها في مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف لكن يأتي الذين ينقدون فيقولون: إنه ابتدأها بالغزل والوصف ثم مدحه في أربعة أبيات: فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم الخ ثم بدأ في الحكمة وختم، ليس معقولا أن الغرض الذي ساق من أجله القصيدة كلها يذكرها في أربعة أبيات وأكثر من تسعينا بيتا في المقدمات! هذا غير صحيح! بل إنها من أولها إلى آخرها في مدح الهرم بن سنان، بل إن دلالة الأبيات التي في الغزل وفي الوقوف على الأطلال وفي الحكمة أدل على مدحه من القصائد المباشرة في مدحه؛ لأن الصعوبة تكمن في أن تدس غرضك الأساسي في أبياتك، وأسهلُ شيءٍ أن تصرح بمدح من تريد أو بالغرض الذي تقصده، ولكن من هو الذي يحسن قراءة هذه القصيدة ويدخل من المدخل الصحيح في فهم ماذا يريد هذا الشاعر؟ وإذا وفق الناقد في دراسة قصيدة من قصائد بعض الشعراء الكبار عرف المفتاح الذي يمكن أن يدخل منه إلى قصائد هذا الرجل، وسيجد أنها تكاد أن تكون مطردة، وأن هذه شخصية واحدة، ولكنّ قليلا جدا من يحسن مثل هذا؛ ولذلك يقول أبو عمرو بن العلاء: "فرسان الحرب قليل وفرسان الشعر أقل"، ويقول أحدهم -أظنه الأصمعي أو أبو عمرو-: "العالم بالشعر أندر من الكبريت الأحمر"؛ ولذلك تجدون في شروح الشعر الجاهلي -للأسف الشديد أن كثيرا منها مفقود- وكان من أقوم الناس بشرحها أبو سعيد السكري، في شرح أبي سعيد السكري لديوان الهذليين كلمات جميلة، وكانوا مولعين بالاختصار؛ فلذلك عندما بحثت في قصيده امرئ القيس: قفا نبكي من ذكرى.. متى قال هذه القصيدة؟ وجدتُ عبارةً جميلةً لأبي بكر الأنباري قال: وهذا البيت يتحسر فيه على صباه، وهذا يدل على أنهم كانوا يعرفون مداخل هذه القصائد وكيف يفهمونها، ولكنهم لم يصرحوا بكل ما يعرفوه، ولم يكتبوه؛ ولذلك فات علينا علم كثير بفوت مثل هذه المؤلفات في نقد الشعر.
    أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما قلنا في هذه الجولة المختصرة والسريعة، والتي لم أقف فيها على كل ما في الكتاب، طبعا الرسالة طبعت منذ سنة في دار المنهاج، وتمنيت أني أحضرت نسخة لكل واحد، لكن أظن أن بعضكم وصلته نسخة، ولو تكرم د. محمد فسجل أسماء المشايخ حتى تصلهم نسخة عن طريقه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ...

  • #2
    ما شاء الله أتوقع أنه كان من أمتع المحاضرات وفق الله الدكتور عبد الرحمن ولعله يفيدنا هل تم طبع هذه الرسالة أو لا ؟ ولعلي منذ سنوات سألت أبا عبد الله عن ذلك فقال لعل ذلك يكون قريبا . وفق الله أ. سعد وهو مشكور على نقله ، ووفق فرع الجمعية بأبها وأخص أخي الفاضل د. محمد القحطاني .
    عبد الفتاح محمد خضر
    أستاذ ورئيس قسم التفسير بجامعة الأزهر ـ ورئيس الجمعية العلمية الأزهرية بمصر
    [email protected]
    skype:amakhedr

    تعليق


    • #3
      المشاركة الأصلية بواسطة أبو المهند مشاهدة المشاركة
      ما شاء الله أتوقع أنه كان من أمتع المحاضرات وفق الله الدكتور عبد الرحمن ولعله يفيدنا هل تم طبع هذه الرسالة أو لا ؟ ولعلي منذ سنوات سألت أبا عبد الله عن ذلك فقال لعل ذلك يكون قريبا . وفق الله أ. سعد وهو مشكور على نقله ، ووفق فرع الجمعية بأبها وأخص أخي الفاضل د. محمد القحطاني .
      أستاذنا أبا المهند ، أذكر أني قرأتُ موضوعا في الملتقى يبشر أهل التفسير بصدور (الشاهد الشعري)...لكن يظهر لي يا أستاذنا الكريم أنك مثل أخيك لم تظفر بنسخة من مؤلف الكتاب وفقه الله :)
      أرجو أن نرى الكتاب مصوَّرا في ملتقى أهل التفسير...
      عمار الخطيب
      لَيْسَ الْفَخَارُ بِمَالٍ أَنْتَ تَكْنِزُهُ ** وَلاَ بِعِلْمٍ خَلاَ مِنْ زِيَنَةِ الأَدَب

      تعليق


      • #4
        قصة ماتعة شدني فيها علاقة الطالب بالمشرف ، والعرض الواقعي الراقي من فضيلة الدكتور
        حقيقة نحن نقصّر مع مشرفينا وهم يتحملوننا جزاهم الله خيراً..والحق أن حسن التواصل بين المشرف والطالب ينهض بالرسالة ويثري الطالب ويقيل عثراته.

        تعليق

        19,959
        الاعــضـــاء
        231,939
        الـمــواضـيــع
        42,566
        الــمــشـــاركـــات
        يعمل...
        X