• إعـــــــلان

    تقليص
    لا يوجد إعلان حتى الآن.
    X
     
    • تصفية - فلترة
    • الوقت
    • عرض
    إلغاء تحديد الكل
    مشاركات جديدة

    • دراسة في تحرير طرق القراءات

      دراسة في تحرير طرق القراءات

      بسم الله الرحمان الرحيم
      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه وبعد :
      فإن القراءات التي بين أيدينا هي اختيارات لمن نسبت إليهم من بين سيل من الروايات تلقوها عن شيوخهم من تابعي التابعين أو التابعين عن الصحابة أجمعين عن النبي  ولتقريب ذلك إلى العوام فإن قراءة نافع هي اختياراته من بين ما تلقى من الروايات عن سبعين من التابعين منهم أبو جعفر القارئ وعبد الرحمن ابن هرمز وشيبة ابن النصاح ويزيد ابن رومان ومسلم ابن جندب وابن شهاب الزهري وصالح ابن خوات ويعني هذا أن نافعا قد اختار التسهيل من قراءته على أحد شيوخه واختار التقليل من قراءته على شيخ ثان والفتح على شيخ ثالث وهكذا في كل حرف من أحرف الخلاف اختار من بين مروياته اختياره وهكذا كل قارئ من السبعة والعشرة وغيرهم بل هكذا كل راو من رواة القراء أنفسهم بل هكذا المصنفون عن الطرق والرواة والقراء كانت لهم اختياراتهم للرواة والقراء وما علمنا في اختيارات القراء والرواة ما يخالف الرواية جملة لا تفصيلا والله أعلم وإن كان منها ما ينسب إليهم وفي تلك النسبة ضعف أو وهم أو وضع .
      ولقد علمنا يقينا أن من اختيارات المصنفين منذ القرن الرابع ما يدعو إلى التعجب وأن منها ما يدعو إلى الاستغراب ولولا أنهم لم يدلسوا ولم يخلطوا القياس والاختيار بالرواية بل أعلنوا الرواية وأعلنوا القياس في ما انعدمت فيه الرواية لكانوا أخطر من واضعي الحديث على النبي  لكن لهم صفاء فجزاهم الله خيرا على أمانتهم العلمية .
      ومن أمثلة اختيارات المصنفين التي تدعو إلى التعجب منها ما اختاره الداني في القرن الخامس للهجرة في كتابه التيسير للأزرق عن ورش عن نافع إذ ضمّنه هذه الطريق من قراءته على شيخه خلف ابن خاقان على أحمد ابن أسامة على النحاس على الأزرق لكنه في كتابه التيسير قد اختار للأزرق في بعض حروف الخلاف غير هذا الأداء كاختياره له الفتح في ما لا راء فيه من سورتي والنازعات ووالشمس فيما كان من الفواصل على لفظ "ها" من ذوات الياء وتلك قراءة الداني على شيخه أبي الحسن طاهر بن غلبون .
      واختيار الداني المذكور ومذهبه المؤلف وافق الرواية وهي الفتح الخالص كما هي طريق الأصبهاني عن ورش ورواية قالون وقراءة المكي والشامي وعاصم وأبي جعفر ويعقوب .
      ووجه العجب منه أنه يبين لنا كيفية انشطار الروايات وتعددها وهو ما يسمى بتركيب الطرق وهو رغم ما فيه من العيوب قد لا يعترض عليه مادام دورانه في فلك الرواية وإنما يعترض عليه من حيث إمكانية تعدده حتى تصبح الروايات بالآلاف مما يقلب الأمر من السهولة إلى التكلف ومن اليسر إلى العسر ويشغل الناس عما كلفوا به من تدبر القرآن وتعقله وفقهه .
      وكان المصنفون الأولون يتقيدون بأركان استنبطوها وأصول أصلوها جعلوها ميزانا يغربلون به سيل الروايات عن شيوخهم ، وفائض الأداء الذي قرأوا به عليهم .
      قال ابن الجزري في النشر (1/9) " ثم إن القراء بعد هؤلاء المذكورين كثروا وتفرقوا في البلاد وانتشروا وخلفهم أمم بعد أمم وعرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم فكان منهم المتقن للتلاوة المشهور بالرواية والدراية ومنهم المقصّر على وصف من هذه الأوصاف وكثر بينهم لذلك الاختلاف وقلّ الضبط واتسع الخرق وكاد الباطل يلتبس بالحق فقام جهابذة علماء الأمة وصناديد الأئمة فبالغوا في الاجتهاد وبينوا الحق المراد وجمعوا الحروف والقراءات وعزوا الوجوه والروايات وميزوا بين المشهور والشاذ والصحيح والفاذ بأصول أصلوها وأركان فصلوها وها نحن نشير إليها ونعول كما عولوا عليها فنقول : كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها "اهـ بلفظه من النشر
      وخلص بعد ذلك ابن الجزري إلى اعتبار خلو القراءة من أحد هذه الأركان الثلاثة عند أئمة التدوين منذ القرن الثالث دليلا قويا لوصفها بالشذوذ أي عن أداء المصاحف العثمانية .
      قلت : وكانت هذه الأركان ميزانا وضعه المصنفون الأوائل الذين كانوا يجمعون ما وصل إليهم من القراءات لحفظ القراءات والروايات وضابطا لقبول انشطارها وتعدّدها إذ كانوا يكتفون بصحة السند إلى أحد المصنفين أو أئمة القراءات ولا يستطيع أحد رفع كل خلاف من قبيل اللهجات في القراءات إلى النبي  .
      أما القرءان فهو متواتر حرفا حرفا وفي كل كلمة منه كما بينت في بحثي إثبات تواتر القرآن دون الحاجة إلى اللهجات والقياس في القراءات
      ولقد كان نسخ هذه الأركان الثلاثة إحدى نتائج تحقيقاتي منذ سنة 1420 هـ إذ يلزم عوضها الركنان التاليان :
      1. الأداء المتصل بشرطه من طرق الطيبة وفروعها كالحرز والتيسير والتحبير والدرة .
      2. تحريره من القياس .
      ويعني الركن الأول أن ابن الجزري قد أصبح مرجعا لجميع الدارسين والباحثين والمتخصصين في علم القراءات لانقطاع أداء ما لم تتضمنه طيبة النشر والله أعلم.
      ولعل مما يستبينه الباحثون أن ابن الجزري نفسه لم يوظف الأركان الثلاثة بل لم يوظفها الشاطبي ولا الداني قبله وإنما كان كل منهم يدون مروياته عن القراء ورواتهم وطرقهم .
      وانقسمت تلك المرويات إلى ثلاثة أقسام :
      1. قسم منصوص أي أثبته من سبقهم من المصنفين في كتبهم من أمثال يحيى اليزيدي ت 202 هـ والدوري أول من جمع القراءات ت 246 هـ والأخفش ت 292 هـ الذي صنف كتبا كثيرة في القراءات وابن مجاهد ت 324 هـ صاحب السبعة ، وتلميذه النقاش ت 351 هـ
      2. قسم غير منصوص في الكتب ضمن أحرف الخلاف ولكنه أداء قرأوا به على شيوخهم وسماع سمعوه منهم وهو الأكثر قبل ثورة الداني وشيوخه ومنهم طاهر بن غلبون صاحب التذكرة في القراءات الثمان ومن أمثلة هذا القسم إدغام الهاء في الهاء لأبي عمرو من طرق الإدغام الكبير ، قال في النشر (1/284) فقد روى محمد بن شجاع البلخي إدغامه نصا عن اليزيدي عن أبي عمرو في قوله  إلـهه هواه  ورواه العباس ، وروى أبو زيد أيضا عن أبي عمرو إدغام  إنه هو التواب  " اهـ بلفظه قلت : وهكذا انتفى النص بإدغام ثلاثة وتسعين حرفا أي موضعا التقى فيه الهاء مع الهاء في كلمتين تبعا للأداء كما نص صرح به ابن الجزري نفسه في النشر (1/284) قال " والصواب ما عليه إجماع أهل الأداء من إدغام الباب كله من غير فرق والله أعلم" اهـ بلفظه
      3. قسم التحديث بأحرف الخلاف ولا يفيد في القراءة شيئا أي لا تجوز قراءة القرآن به ، وهو الذي بدأ اليوم يطغى من المعاصرين إذ أصبحوا يقرأون القرآن ـ إلا قليلا منهم ـ بأحرف الخلاف من طرق الحرز والدرة والطيبة ، وشتان ما بين الأداء والتحديث ، أما الأداء فهو مثلا قراءة الداني القرآن كله برواية هشام من طريق التيسير على أبي الفتح على السامري على ابن عبدان على الحلواني على هشام ، أما ما سوى هذا الأداء عن هشام فإذا تضمنه التيسير فإنما هو من التحديث الذي منه على سبيل المثال ما تلقاه الداني من أحرف الخلاف لهشام عن شيخه محمد بن أحمد عن ابن مجاهد عن ابن أبي مهران الجمال عن الحلواني عن هشام .
      4. وقسم رابع هو ما أقحمه المصنفون في كتب القراءات كالذي اعترف به مكي وابن مجاهد وغيرهما أنهم لم يتلقوه أداء ولا وجدوه منصوصا ولا حدثوا به تحديثا وإنما قاسوه على نظائره ليحافظوا على تعدد الروايات والقراءات رغم تواتر القرآن دونه كما أثبت في بحثي "إثبات تواتر القرآن دون الحاجة إلى اللهجات والقياس في القراءات" ومنه الفقرات التالية :
      وأما اختيارات المصنفين التي تدعو إلى الاستغراب فمنها اختيار ابن مجاهد في بداية القرن الرابع إمالة  البارئ  الحشر24 لدوري الكسائي قياسا على إمالته حرفي البقرة  بارئكم  فهذا الاختيار مبك حقا لأنه قراءة حرف من كتاب الله بأداء لم ينزل به جبريل من عند الله على النبي الأمي  إذ قرأ جميع القراء والرواة حرف الحشر بالفتح الخالص وإنما ألحقه ابن مجاهد بأحرف اختص الدوري عن الكسائي وتفرد بإمالتها قال في النشر ( 2/39 ) وقال الداني في جامعه لم يذكر أحد عن  البارئ  نصا وإنما ألحقه بالحرفين اللذين في البقرة ابن مجاهد قياسا عليهما سمعت أبا الفتح يقول ذلك اهـ .
      قلت : وهو كذلك في جامع البيان للداني (1/469) والله المستعان .
      ومن اختياراتهم التي تدعو إلى الاستغراب بحثهم في أصل ألف  تترا  الفلاح 44 وألف  كلتا  الكهف 33 لمعرفة صحة إمالتهما لغة لإقحامها في القراءات.
      إن الذي أدخل القياس هو محاولة المصنفين منذ القرن الرابع للهجرة فصل كل رواية وقراءة عن الأخرى وتتبع ما لها في أداء كل كلمة وكل حرف من القراءات حتى أصبحت المحافظة على رواية البزي أو هشام مثلا غاية لا يصح تواتر القرءان ولا حفظه دونها .
      إن عملية إفراد الروايات هي التي جعلت المصنفين يتتبعون كل قاعدة في لسان العرب أو لهجة عربية وردت في بعض كلمات القرءان رواية فيقرأون بها سائر نظائرها كما ستأتي أمثلته .
      ولا يعتبر العدول إلى صحيح الروايات بدل رواية عسر أو شق أو خفي أداؤها من القياس بل هو الرواية والنص والأداء الواجب اتباعه .
      إن القياس ثمرة لمحاولة المصنفين الأوائل تجذير المغايرة بين الروايات والقراءات حتى أصبحت بتعددها كأنها كلها منزلة من عند الله وهو قول في منتهى السقوط والافتراء لأن القرءان غير القراءات ولأن القرءان متواتر جملة وتفصيلا والقراءات ليست كذلك إذ تضمنت الضعيف والشاذ والوهم والوضع الذي منه القياس .
      وأخلص إلى إعلان حقائق مرة هي إثبات الشذوذ والضعف والوهم في القراءات وتضمنها القياس الذي هو قراءة القرآن بأداء غير منزل .
      قال في النشر ( 1/17ـ18 ) "أما إذا كان القياس على إجماع انعقد أو عن أصل يعتمد فيصير إليه عند عدم النص وغموض وجه الأداء فإنه مما يسوغ قبوله ولا ينبغي رده لا سيما فيما تدعو إليه الضرورة وتمس الحاجة مما يقوّي وجه الترجيح ويعين على قوة التصحيح بل قد لا يسمى ما كان كذلك قياسا على الوجه الاصطلاحي إذ هو في الحقيقة نسبة جزئي إلى كلي كمثل ما اختير في تخفيف بعض الهمزات لأهل الأداء وفي إثبات البسملة وعدمها لبعض القراء ونقل  كتابيه إني  وإدغام  ماليه هلك  قياسا عليه وكذلك قياس  قال رجلان  و  وقال رجل  على  قال رب  في الإدغام كما ذكره الداني وغيره ونحو ذلك مما لا يخالف نصا ولا يرد إجماعا ولا أصلا مع أنه قليل جدا كما ستراه مبينا بعد إن شاء الله تعالى وإلى ذلك أشار مكي ابن أبي طالب في آخر كتابه التبصرة حيث قال فجميع ما ذكرناه في هذا الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم قرأت به ونقلته وهو منصوص في الكتب موجود ، وقسم قرأت به وأخذته لفظا أو سماعا وهو غير موجود في الكتب وقسم لم أقرأ به ولا وجدته في الكتب ولكن قسته على ما قرأت به إذ لا يمكن فيه إلا ذلك عند عدم الرواية في النقل والنص وهو الأقل اهـ بلفظه وهو كذلك في التبصرة .
      قلت : وأعجب العجب أن هذا القياس قد تم اعتماده بسبب التمسك باللهجات العربية والمحافظة على أداء متميز لهذه الرواية أو تلك كالذي قاله ابن الجزري حينما أعلن أن مبرر القياس المقيد هو غموض وجه الأداء ويعني به يقينا أداء تفرد به راو أو قارئ عن سائر القراء وإلا فإن رواية الجماعة وأداءها أقرب إلى الاعتبار والتمسك به من راو تفرد عنهم بقاعدة من القواعد حافظت على لهجة عربية ألا ترى ابن الجزري مثل بإدغام  قال رجلان  و  قال رجل  قياسا على إدغام  قال رب  المنصوص أي في كتب القراءات المروي أي عن أبي عمرو فلماذا لم يعتمد المصنفون لأبي عمرو الإظهار فيهما ؟ موافقة لسائر القراء العشرة وغيرهم وهو الرواية والنص عن الجميع ومنهم أبو عمرو نفسه ، ومتى كانت المحافظة على هذه اللهجة أو القاعدة مما تدعو إليه الضرورة وتمسّ إليه الحاجة وأي ضرورة تؤدي إلى قراءة أحرف من القرآن بصيغة هي من إنشاء البشر رغم توفر الأداء المضبوط الذي نزل به جبريل على قلب رسول الله خاتم النبيين  ، هل من ضرورة في نقل  كتابيه إني  لورش محافظة على قاعدة عليها مدار روايته وهي نقل حركة الهمز المحقق إلى الساكن قبلها ؟ إن الأمانة العلمية لتلزم بقراءة هذا الحرف لورش بالسكت والقطع موافقة لجميع القراء والرواة الذين رووها أداء كذلك .
      ومن القياس الذي تضمنته كتب أئمة القراءات قول ابن الجزري في النشر (2/122) وشذ مكي فأجاز الروم والإشمام في ميم الجمع لمن وصلها قياسا على هاء الضمير وانتصر لذلك وقواه وهو قياس غير صحيح اهـ وهو في التبصرة لمكي ص171، ومنه : أكثر ما حواه باب المد من الإشباع لجميع القراء ومن الإشباع والتوسط للأزرق خاصة فيه ومنه كثير من الإدغام الكبير لأبي عمرو ومنه إمالة الدوري عن الكسائي  البارئ  في الحشر قياسا على حرفي البقرة قاسه ابن مجاهد ومنه ما حواه بابا الوقف على الهمز وعلى هاء التأنيث ومنه الوقف بالروم والإشمام بدل السكون ومنه ترقيق الراء في  وزر أخرى   وزرك   ذكرك   حذركم   الإشراق  للأزرق ومنه أكثر ما جاء في هذا الباب كما قال مكي في التبصرة "أكثر هذا الباب إنما هو قياس على الأصول وبعضه أخذ سماعا" اهـ ومنه الوقف بهاء السكت على  العالمين   والموفون   والذين  وشبهه ليعقوب وهو في مئات الكلمات ومنه الإخفاء أو الاختلاس في  فنعما هي  في البقرة وكذا حرف النساء لقالون وأبي عمرو وشعبة ومنه القياس على القياس مثل قولهم بتحرير الأوجه كحالات  ءالآن  المستفهم بها الخمس للأزرق وأن له في الحالة الأولى سبعة أوجه وفي الثانية تسعة أوجه وفي الثالثة والخامسة ثلاثة عشر وجها وفي الرابعة سبعة وعشرون وجها وهذا القياس يتوفر في مئات الكلمات من القرآن في كل رواية والعجيب أن هذه الأوجه وتحصيلها من الضرب يكثر في باب المد والإمالة وكل ما فيه الوجهان لأحد الرواة في كلمات القرآن" اهـ .
      وحسب المتأخرون أن تحرير الطرق هو تلكم الأوجه المتعددة التي تحصل من الضرب والافتراضات وامتلأت بها شروح الشاطبية كغيث النفع وحرصوا عليها لأنها تزيد من الهوة بين القراء وغيرهم من الأعلام كالمفسرين والمحدثين .
      قلت : وليس الأمر كذلك وإنما تحرير الطرق هو تتبع الأداء مقرونا بالنص أو مفصولا عنه ـ كلاهما سواء ـ من طريق التيسير أو الحرز أو الطيبة أو النشر أو غيرها إلى نهايته وهي الراوي أو القارئ في هذه المرحلة قبل الحاجة إلى تجاوزها .
      وحينئذ سيجد الباحث المتخصص نفسه أمام ملتقى للطرق فإذا به حيران لا يدري أيا من الطرق المتشعبة هي امتداد الطريق الواحد لهذا الحرف بعينه من أحرف الخلاف ؟ أم كل منها رغم تعددها هي امتداد طريقه ؟
      هنالك يتساقط الأدعياء وتظهر العمائم المزيفة والألقاب الوهمية تماما كالنياشين والأوسمة يعلقها أصحاب الرتب العسكرية الذين لم يخوضوا حربا ولم ينقذوا شعبا من الذل والصغار ولم يقهروا عدوا ولو جبارا لا غبار عليه .
      هنالك بعيدا عن التكلف وأوجه الضرب والحساب والافتراضات يتمسك الباحث المتخصص في تحرير أوجه القراءات أولا بالأداء ويترك القياس والتحديث جانيا ، ثم يثني إن شاء بوجه الاختيار من بين المرويات أداء .
      ويستأنس بالتحديث يتعلم منه لسان العرب ، ولكن لا يقيس عليه نظائره فيقرأ بها القرآن.
      ويقذف بالقياس بعيدا من مكان بعيد .
      هذا التفصيل هو الذي تحتاجه الأمة اليوم وهو الذي قل الصابرون عليه وعز المنتبهون إليه .
      إن النشر في القراءات العشر قد حوى طرق ابن الجزري إلى القراء العشرة وهي أمهات النشر أي المصنفات التي قرأ بها وتضمن النشر تعدادها (1/58ـ98) واختار من بينها لكل واحد من العشرة ما أذن في إقرائه وهو ما تضمنته طيبة النشر إلا أحرفا يسيرة خرج فيها ابن الجزري عن طرق طيبته وذكرها في الطيبة للفائدة والعلم لا غير إذ بيّن في النشر حالها وطرقها فأضحت واضحة كالشمس لا تخفى على غير الأعشى .
      وكان ولا يزال منذ ظهور كتاب النشر على الباحثين المتخصصين في تحرير طرق القراءات النظر في كل حرف من أحرف الخلاف فإن كان خلافا بسيطا عن القارئ أو الراوي فقد كفي المشقة كما هو الخلاف عن القارئ نافع خلافا مفرعا كان لقالون وجه وكان لورش وجه آخر وكما لو كان الخلاف عن الراوي مفرعا كذلك فلا إشكال كما في قوله من طيبة النشر: "وإن يجر زن خلفه " اهـ
      يعني الوجهين عن قنبل في التنوين المجرور قبل همزة الوصل فضم النون الساكنة فيه من طريق ابن مجاهد عنه وكذلك عنه في جميع التنوين .
      وكسر النون الساكنة فيه ابن شنبوذ عنه.
      أما الخلاف المعقد الذي تلتبس فيه الطرق وتتشعب فلا مناص من الرجوع إلى الأداء الذي تلقاه ابن الجزري عن العشرة وقرأ به وهو الذي فصله في النشر (1/99ـ190)
      وهذا هو موضوع التحرير والتحقيق وهو الذي تتبعته في كتابي "غاية البشر في تحرير طرق طيبة النشر والحرز والتيسير والتحبير"
      ولقد قذفت بنماذج منه لعلها تصيد راغبا أو طالب علم أتعاون معه لهذا القصد النبيل ونبرأ إلى الله من تزكيته فهو أعلم بالجهد وبالقصد وهو علام الغيوب.
      وهذا قسم آخر من التحرير إن صح التعبير إذ هو من أبسط أنواعه وأولى درجاته إذ قد عجبت كثيرا منذ عشرين سنة أن خلت منه أمهات كتب القراءات كالنشر وشروح الطيبة والشاطبية والتذكرة والكافي وجامع البيان وغيرها ولم ينتبه محققوها الذين نالوا رئاسة الإقراء وأعلى الدرجات والشهادات العلمية من جامعاتنا الفتية المتخصصة العلمية .
      ومن أمثلة هذا التحقيق هذان النموذجان اللذان حررتهما سنة 1411 هـ وسطرتهما في بحثي "إثبات تواتر القرآن دون الحاجة إلى اللهجات والقياس في القراءات" وتضمنها كتابي "غاية البشر":
      من الطيبة : "وخلف حيران ..."
      قال في النشر (2/97) "خامسها  وعشيرتكم  في التوبة فخمها أبو العباس المهدوي وأبوعبد الله ابن سفيان وصاحب التجريد وأبو القاسم خلف ابن خاقان ونص عليه كذلك إسماعيل النحاس قال الداني وبذلك قرأت على ابن خاقان وكذلك رواه عامة أصحاب أبي جعفر ابن هلال عنه قال وأقرأنيه غيره بالاٍمالة قياسا على نظائره انتهى ورققها صاحب العنوان وصاحب التذكرة وأبو معشر وقطع به في التيسير فخرج عن طريقه فيه والوجهان جميعا في جامع البيان والكافي والهداية والتبصرة وتلخيص العبارات والشاطبية سابعها  وزرك  و ذكرك  في ألم نشرح اهـ بلفظه .
      قلت : وأعجب كيف لم ينتبه مصححه والذين ألفوا بعده إٍلى ما فيه من الخلط والغلط ، فالقراءة المتأملة للنص الذي أوردت آنفا تعطي النتائج التالية :
      1 - سقوط الكلمة السادسة وهي حيران  من الألفاظ المخصوصة الثلاثة عشر التي بدأ ذكرها في الصفحة الماضية (2/96) .
      2 - أننا لو اعتبرنا قوله " خامسها وعشيرتكم في التوبة " كلاما متصلا اٍلى قوله " سابعها " لظهر الاختلاف والتناقض إذ قال عن  وعشيرتكم  في التوبة " فخمها أبو العباس المهدوي" ثم قال بعد " والوجهان جميعا في جامع البيان والكافي والهداية " ولا يخفى أن الهداية للمهدوي .
      3 - أننا عند الرجوع إلى تقريب النشر لابن الجزري (ص 72) نجده يقول "  وعشيرتكم  في التوبة فخمها المهدوي وابن سفيان والصقلي ورققها الآخرون وذكر الوجهين مكي وابن شريح و حيران  فخمها صاحب التجريد وخلف ابن خاقان وبه قرأ الداني عليه وقرأ على غيره بالترقيق وهو الذي في التيسير والعنوان والتذكرة والوجهان في الكافي والهداية والتبصرة وتلخيص ابن بليمة والشاطبي وجامع البيان " اهـ محل الغرض منه والذي بعده هو حرفا ألم نشرح المرقمين في النشر بسابعها .
      4 - أننا عند الرجوع إلى إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر للبنا الذي يعتمد النشر في الطرق نجده يقول (ص94) " وأما  وعشيرتكم  بالتوبة ففخمها المهدوي وابن سفيان وصاحب التجريد ورققها الآخرون وأما  حيران  بالأنعام ففخمها ابن خاقان وبه قرأ الداني عليه ورققها صاحب العنوان و التذكرة وأبو معشر وقطع به في التيسير وتعقبه في النشر بأنه خرج بذلك عن طريقه فيه وهما في الشاطبية كجامع البيان " اهـ .
      5- وعند الرجوع إلي تذكرة طاهر ابن غلبون (ص220) نجده يرقق  حيران  و وعشيرتكم  التوبة وهو الذي يتفق مع ما في التقريب والإتحاف " ورققها الآخرون " .
      6- وعند الرجوع إلي شرح ابن الناظم لطيبة أبيه (ص135) نجده يقول " منها  حيران  فخمه ابن الفحام وخلف ابن خاقان وكذا رواه عامة أصحاب ابن هلال ونص عليه إسماعيل النحاس " اهـ محل الغرض منه ولا يخفى أن ابن الناظم يأخذ الطرق من النشر بخط والده .
      7- أننا بعد هذا كله نستطيع أن نصوب ما في النشر(2/97 ) من أخطاء الناسخ وليعود كلامه إلى ما سطره من قبل كالتالي : " خامسها  وعشيرتكم  في التوبة فخمها أبو العباس المهدوي وأبو عبد الله ابن سفيان وصاحب التجريد ( ابن الفحام الصقلي) ورققها الآخرون وذكر الوجهين مكي وابن شريح ، سادسها  حيران  في الأنعام فخمها صاحب التجريد وأبو القاسم خلف ابن خاقان ونص عليه كذلك إسماعيل النحاس ( بالحاء المهملة لا المعجمة) قال الداني وبذلك قرأت على ابن خاقان وكذلك رواه عامة أصحاب أبي جعفر ابن هلال عنه قال (الداني) وأقرأنيه غيره ( يعني فارس وطاهر) بالاٍمالة (الترقيق) قياسا على نظائره انتهى (كلام الداني) ورققها صاحب العنوان وصاحب التذكرة وأبو معشر وقطع به في التيسير فخرج عن طريقه فيه والوجهان جميعا في جامع البيان والكافي والهداية والتبصرة وتلخيص العبارات (لابن بليمة) والشاطبية " اهـ وقد جعلت ما بين المعكوفتين وهو من كلامي للتوضيح والبيان والشرح وما تحته خط هو السقط من النشر والله الموفق وله الحمد والمنة .
      من الطيبة : "همز ادخلو انقل اكسر الضم اختلفـ غيث"
      قال في النشر (2/301) واختلفوا عن رويس في  وعيون ادخلوها  فروى القاضي وابن العلاف والكارزيني ثلاثتهم عن النخاس وهو وأبو الطيب والشنبوذي ثلاثتهم عن التمار عن رويس بضم التنوين وكسر الخاء على ما لم يسم فاعله فهي همزة قطع نقلت حركتها إلى التنوين وروى السعيدي والحمامي كلاهما عن النخاس وهبة الله كلاهما عن التمار عنه بضم الخاء على أنه فعل أمر والهمزة للوصل وكذا قرأ الباقون اهـ بلفظه وتبعه الشيخ البنا في إتحافه على القراءات الأربعة عشر ص 275 .
      قلت : ولا يخفى ما في النشر من الخلط والصواب أن ضم التنوين والتجهيل لرويس من طرق القاضي أبي العلاء وابن العلاف والكارزيني ثلاثتهم عن النخاس عن التمار عنه ومن طريقي أبي الطيب والجوهري كلاهما عن التمار عنه ، وأنه قرأ بكسر التنوين وهمزة الوصل وضم الخاء من طريقي السعيدي والحمامي كلاهما عن النخاس عن التمار عنه ومن طريق ابن مقسم عن التمار عنه وذلك أن الشنبوذي وهبة الله كلاهما عن التمار ليسا من طرق النشر والطيبة ولقد وفقت للصواب بعون الله وتوفيقه لأن الجوهري عن التمار كذلك قرأ لأنه هو طريق تذكرة ابن غلبون لرويس التي جاء فيها ( ص 395 ) وقرأ رويس  وعيون ادخلوها  بضم التنوين من  وعيون  لأنه ألقى عليه حركة الهمزة من  أدخلوها  وكسر الخاء اهـ بلفظه ، وانظر النشر (1/182) في بيان طرق تذكرة طاهر ابن غلبون ضمن طرق رويس ، والصواب كذلك أن رويسا قرأ بكسر التنوين وضم الخاء من طريق السعيدي والحمامي كلاهما عن النخاس عن التمار عنه ومن طريق ابن مقسم عن التمار عنه وذلك أن هبة الله عن التمار ليس من طرق النشر والطيبة ولقد وفقت للصواب لأن ابن مقسم عن التمار كذلك قرأ بكسر التنوين على أن  ادخلوها  فعل أمر لأنه طريق ابن مهران في غايته التي لم تجعل هذا الحرف من أحرف الخلاف لموافقة ابن مقسم فيه الجماعة ، نعم إن هبة الله وابن مقسم كلاهما عن التمار هما طريقا ابن مهران في غايته ص 70-71 وليس لهبة الله إلا موافقة الجماعة كما تقدم لكنه ليس من طرق النشر والطيبة لرويس والله الموفق وله الحمد ، ولعل القارئ أدرك أن قول ابن الجزري في النشر (2/301) "والشنبوذي" وهم أو خطأ من الناسخ وصوابه "والجوهري" وأن قوله "وهبة الله" وهم أو خطأ من النسخ القديمة وصوابه "وابن مقسم" كما في النشر 1/182 لبيان طرق رويس من طريق غاية ابن مهران وغيرها .
      الحسن محمد ماديك

    • #2
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

      أخي الشيخ جزاك الله خيراً على ما تفضلت به من تحرير وتحقيق للمسائل ، وأشاطرك على ضرورة تنقيح ما يٌقرأ به اليوم من الأمور الدخيلة على الرواية لا سيما التي أُعمل فيها القياس المحض. ولا ينبغي في نظري التسرّع في الحكم على الشيء بأنّه دخيل على الرواية على أساس ما يقوله بعض الأئمّة بل يجب التأكّد من أنّ الوجه دخيل على الرواية بحقّ.

      وحتّى يتضح الأمر أريد أن أبدأ بمسألة القياس في الباري :

      فقد ذكر مكي القيسي في كتابه التبصرة والداني في كتابه التيسير وابن الفحام في كتابه التجريد والأهوازي في كتابه الوجيز وغيرهم الإمالة في البارئ مع إنّ أنّهم أسندوا رواية الدوري الكسائي من غير طريق ابن مجاهد.

      وأمّا قول الداني :" لم يذكر أحد عن البارئ نصاً وإنّما ألحقه بالحرفين الذين في البقرة ابن مجاهد قياساً عليهما سمعت أبا الفتح يقول ذلك ". فأقول : إن كان كذلك ، فكيف بالجمهور الذي روى ذلك من غير طريق ابن مجاهد ؟ أكلّ ما يُروى عن الدوري الكسائي يمرّ على ابن مجاهد ؟ طبعاً لا. أيجتهد ابن مجاهد في مسألة وينقلها المتأخرون من غير طريقه ؟ لو اعتمد ابن مجاهد على القياس في هذه المسألة لنُقلت الإمالة من طريقه دون غيره إلاّ إذا سلمنا أن هؤلاء الأئمّة وغيرهم أدخلوا وجه الإمالة في الرواية وهذا مستبعد يحتاج إلى دليل.

      تعليق


      • #3
        الأخ محمد يحيى شريف
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        وأسأل الله أن يبارك في علمك ويكرمنا بالاستفادة منك
        وأشكرك على حسن نقاشك العلمي وجميل أدبك
        وأعدك أن أناقش ما استشكلته في مسألة قياس ابن مجاهد حرف الحشر ، ورواية غيره من مصنفي طرق الرواة إمالته رغم إسنادهم رواية الدروي عن الكسائي من غير طرق ابن مجاهد
        وإني لفخور بمثل هذا الطرح والنقاش العلمي
        فجزاك الله خيرا
        طالب العلم

        تعليق


        • #4
          شكر

          بسم الله الرحمن الرحيم
          فضيلة الشيخ حسن محمد ماديك
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
          جزاك الله خير الجزاء.. فلقد كنت أنتظر بحثك هذا بفارغ الصبر، وها أنت ذا قد تكرمت بعرضه ههنا بهذا الملتقى المبارك ليجلي بصورة أوضح ما سبق لي أن استشكلته من قبل من التواتر التفصيلي للقراءات. وقد كان لكم جواب سابق مفيد، لكني أحسب أن الحجج التي تكرمت بها الآن أدق وأبين. وإنني آمل من فضيلتكم متابعة البحث لرفع الإشكالات الباقية. ولكم من الله الجزاء الأوفى..
          أخوكم عبد الله المدني المغربي

          تعليق

          20,125
          الاعــضـــاء
          230,598
          الـمــواضـيــع
          42,268
          الــمــشـــاركـــات
          يعمل...
          X